Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب القاف
الشهرِ حتى تُكمِّلوه ثلاثين يوماً، ويدلُّ له حديثٌ آخرُ ((كَمِّلوا العدَّة))(١)، وقيل: قدِّروا
له منازلَ القمرِ فإِنَّ ذلكُم يدلُّ على أن الشهرَ تسعٌ وعشرون أو ثلاثون. وبهذا يَستدلُّ مَن
رأى وجوبَ الصوم بقول أهلِ التقويم العالِمِينَ بسيرِ القمر. ولقد أحسنَ أبو العباسِ بنُ
سُريجٍ حيثُ قال: هذا خطابٌ لمن خصّه اللهُ تعالى بهذا العلم فهوَّ له . وقولُه: ﴿فأكملوا
العدة﴾ خطابٌ للعامَّة التي لم تُعْنَ بهِ .
يقالُ: قَدَرْتُ الأمرَ كذا: أَقْدُرُه وأقدِرُه: إِذا دَبَّرَتَه ونظرتَ فيه. وكانَ ابنُ سُريجٍ
يقولُ: إِنَّ ذلك يختصُّ بمن يعلمُ الحسابَ في خاصَّةٍ نفسهِ ولا يُلزَم غيرُهُ أن يصومَ بقولهِ.
ق د س:
قولُه تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بُرُوحِ القُدُسِ(٢)﴾ [البقرة: ٨٧] هو جبريلُ. والقُدسُ:
الطهارةُ ويضمُّ دالُه ويُسكن وذلك لأنه خُلقَ من طهارةٍ مَحضةٍ مُلكٍ نُورانيٌّ. وقيلَ: سُمي
بذلك من حيثُ إِنه يَنْزِلُ مِنَ اللّه تعالى بالقُدْس أي بما يُطَهِّر به نفوسَ عباده من القرآنِ
والحكمةِ والفَيضِ الإلهيِّ.
قولُه: ﴿ونحنُ نُسبِّحُ بحمْدِكَ ونقدِّسُ لكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي نصفُكَ بالقدُسِ
وهوَ التَّطهيرُ والتَّزِيهُ ممّا لا يليقُ بجلالهِ وصفاتِهِ، عكسُ ما فعلَه جَهلٌ بني آدمَ حسْبُما
وصفوهُ به من اتّخاذِ الولد والزوجةِ والحلول والاتحادِ والجسمِ والتَّحيّز تعالى اللهُ عمّا
يقولُ الظالمون علواً كبيراً. وقيلَ: المعنى نصفُكَ بالقدسِ حيثُ يقولون: ((سُبّوحٌ قُدُّوسٌ
ربِّالملائكة والروح)) (٣). وقيلَ: نطهِّرُ لك الأشياءَ ارتساماً لكَ. والتقديسُ: التطهيرُ
الإلهيُّ المذكورُ في قوله: ﴿وَيُطهِّرِكُمْ تَطهيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] دون التطهيرِ الذي هو
إزالةُ النجاسة. وقيلَ: معناهُ: نطهرُ أنفسَنا لك مما يخالفُك.
قولُه: ﴿يا قوم ادخلوا الأرضَ المقدَّسة﴾ [المائدة: ٢١] المطهرة. ومنه: بيتُ
المَقْدس لأنه يُتَطهّرُ فيه منَ الذنوب. ومنه قيلَ للسَّطْلِ قَدَسٌ لأنَّه يُتْطهَّر منه ويتُوضأ .
قولُه: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ(٤)﴾ [الحشر: ٢٣] أي البليغُ في الطهارةِ والتطهيرِ. وجاءَ
(١) أخرجه البخاري في الصوم ١٨٠٨.
(٢) قرأ ابن كثير وابن محيص ومجاهد (القُدْس) الإتحاف ١٤١ والسبعة ١٦٣.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب مايقال في الركوع والسجود ٥١/٢، وانظر سيبويه ٣٣٦/١.
(٤) قرأ أبو الدينار والأعرابي (القَدُّوس) القرطبي ١٨ /٤٥ والبحر المحيط ٢٥١/٨.

٢٨٢
باب القاف
في التفسير: القُدّوس: المباركُ، ويقالُ بفتحِ القاف(١). وفي الحديث: ((لا قُدِّست أمةٌ لا
يؤخذُ لضعيفها من قويِّها))(٢) أي لا طُهِّرت. وقال الشاعرُ: [من البسيط]
لا قدَّسَ اللهُ أرواحَ الملاعينِ (٢)
٤١ ١٢ - إِنَّ السَّفاهة في خلائقگُم
وحظيرةُ القُدْس: الجنةُ، وقيل: الشريعةُ، وكلاهما صحيحٌ؛ فإِنَّ الشريعةَ حظيرةٌ
منها يستفادُ القُدْسُ، وقال لَّهِ: ((إِنَّ روحَ القُدُس نفثَ في رُوعي))(٤) قيلَ: هو جبريلُ،
وقيل: هوَ اللهُ تعالى، يعنى هو معك بقوتهِ وبقُدرتِهِ كقولهِ: ﴿إِنِّي مَعَكُما أسمعُ وأَرَى﴾
[ طه: ٤٦] ﴿إِلا هُوَ معَهُم أَيْنَما كانوا﴾ [المجادلة: ٥٨ ] أي بعلمه.
ق دم:
قولُه تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا(٥) بينَ يدَي الله ورسولهِ﴾ [الحجرات: ١] معنَاهُ لا
تَتَقَدَّموا. وتحقيقُه لا تَسبقوهُ بالقولِ والفعلِ، بل افعلوا ما يَرَسمُه لكم وقِفُوا عندَ حدِّه كما
تفعلُه الملائكةُ الذين وصفَهم رِبُّهم بكونهم عباداً مُكْرمين، حيثُ أُخبرَ عنهم بقوله تعالى:
﴿لا يَسْبِقونه بالقولِ وهُم بأمرِهِ يَعْملون﴾ [الأنبياء: ٢٧] وفي التفسيرِ أنهم ذَبحوا قبلَ
ذبحه فنُهوا عن ذلك. وقال ابنُ عرفة: أي لا تعجلوا بأمرٍ قبل أن یأمُرَ اللهُ فیہ أو ینھی عنه
على لسان رسولهِ نَّهُ. وقيلَ: معناهُ: لا تَتَقدموا، وهذا في معنى ما قدمتُه.
وقولُه تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهِ يومَ القيامةِ﴾ [هود: ٩٨] أي يتقدمُهم؛ يقالُ: قدمتُه
أتقدَّمُه قُدُماً. وقَدَمَ يَقْدُمُ أيضاً: إِذا تقدَّمَ وعليه قولُه تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما غَمِلوا
مِن عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣] أي قَصدنا وعَمْدنا. وأَقدمَ يُقْدمُ مثله، وأنشدَ لعنترةَ:
[ من الكامل]
(١) في سفر السعادة ٤٢٢ ((قال أحمد بن يحيى - ثعلب -: كل اسم على فَعُّول فهو مفتوح الأول، مثل
سَفُود، شَبُّوط ... إِلا السُّوح والقُدُّوس، فإِن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان)) وانظر سيبويه ٣٢٧/١
واللسان (قدس).
(٢) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/٢ والنهاية ٤ /٢٤.
(٣) البيت ليزيد بن المهلهل في البحر المحيط ٦ /٢٢٤ والقرطبي ١٦٦/١١ والدر المصون ٦/٨.
:
(٤) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/٢ والنهاية ٤ /٢٤.
(٥) قرأ يعقوب وابن عباس والضحاك والحسن وابن مقسم وأبو حيوة (لا تَقَدَّموا) الإتحاف ٣٩٧ والنشر
٣٧٥/٢، وقرئت (لا تُقَدُّموا، لا تَقْدمُوا) البحر المحيط ١٠٥/٨.

٢٨٣
باب القاف
قِيلُ الفوارسِ: ويك عنترَ أَقْدم(١)
١٢٤٢ - ولقد شَفَى نَفسي وأبرأَ سُقْمَها
ومثلُه: قدَّم بالتشديد يُقدِّمُ: إِذا تَقدَّمَ، وأنشدَ لبيد: [ من الرمل]
١٢٤٣ - قدَّمُوا إِذْ قالَ: قيسٌ قَدِّمُوا واحفظُوا المجدَ بأطرافِ الأَسَلْ (٢)
وبمعناه أيضاً استقدَم يستقدمُ، وعليهِ قولُه تعالى: ﴿ولقد عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمينَ
منكُمْ﴾ [الحجر: ٢٤] وأصلُ ذلك كلّه من القَدَم، وهو قدمُ الرجلِ وجمعُه أقدامٌ. وبه
اعتُبر التقدمُ والتأخُّر. والتقْدُمُ على أربعة أضربٍ حسْبَما بيناهُ فيما قبلُ(٣). ويُستعارُ القدمُ
السابقة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]. ويقالُ: قديمٌ وحديثٌ
وذلكَ إِمّ باعتبارِ الزمانَين، وإِمّا بالشَّرف، وإِمّا لِما لا يصحُّ وجودُ غيرِهِ إِلا بوجوده، نحو:
الواحدُ متقدَّمٌ على العَدد بمعنى أنه لو تُصوِّر ارتفاعُه لارتفع الأعدادُ. والقِدَمُ وجودٌ فيما
مضَى، والبقاءُ وجودٌ فيما يُستَقْبَلُ، كذا قالَه بعضُهم(٤)، وينبغي أن يزيدَ فيما يُستقبل وفي
الحالِ. والمتكلمون يصفون الباري تعالى بالقديم، وقد اشتهرَ ذلك في عباراتهم، ولم يردْ
في شيءٍ منَ القرآنِ والآثارِ الصحيحةِ وصفُه تعالى بالقديمِ، ولكنه قد وردّ في بعضِ
الأدعية، وأحسبُها مأثورةٌ: ((يا قديمَ الإِحسان))(٥). وأكثرُ ما يُستعملُ القديمُ باعتبارِ
الزمان كقولهِ: ﴿كالعرجونِ القديم﴾ [ يس: ٣٩].
قولُه: ﴿وقد قَدَّمْتُ إِلِيكم بالوَعَيد ﴾ [ق: ٢٨] أي قدنَبَّهتكم على ما بين أيديكم
قبلَ أن يُفاجئكم. يقالُ: قدّمتُ إِلى فلانٍ بكذا: أعلمتُه قبلَ الحاجةِ إِلى فعله وقبلَ أن
يُدْهِمَهُ الأمرُ.
قولُه: ﴿لا يَسْتأخرونَ ساعةً ولا يَسْتَقْدمون﴾ [الأعراف: ٧] أي لا يريدون تَقَدُّماً
ولا تأخُّراً. قولُه: ﴿ونكتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] أي ما فعلوهُ قبلُ. قولُه: ﴿رَبَّنَا مَن
قَدَّمَ لنا هذا﴾ [ص: ٦١] أي من سَنَّه وشَرَعه. قولُه: ﴿أَنَّ لهم قَدَمَ صِدقٍ﴾ [يونس: ٢]
قد تقدَّمَ أنها السابقةُ، وقال الأزهريُّ: هي المنزلةُ الرفيعةُ. وقيلَ: معناهُ لهم سابقةٌ في
(١) البيت من معلقته في ديوانه ٣٠ وابن يعيش ٤ /٧٧.
(٢) ديوانه ١٩٢ .
(٣) انظر ما تقدم في مادة (قبل).
(٤) المفردات ٦٦١.
(٥) روي عن محمد بن وزير أنه رأى النبي ◌َّه في المنام، وشكا له، فقال له: قل: ياقديم الإحسان،
ويامن إحسانه فوق كل إِحسان، ويا مالك الدنيا والآخرة. انظر الرياض النضرة للطبري ٥٠/١.

٢٨٤
باب القاف
الخيرِ، أي سَبق لهم السعادةُ في الذكرِ الأول. ويقالُ: تفسيرُ القدم في العربيّةِ الشيءُ
تقدِّمُهَ قُدَّامَك ليكونَ عدَّةً لك حتى تُقدمَ عليه. وقال القتيبيُّ: عَمَلاً صالحاً فيما قدَّموه.
وفي التفسيرِ أنه شفاعةُ سيدنا رسولِ الله ◌َّه. وفي الحديث: ((حتى يَضَعَ الرحمن فيها
قَدَمَه))(١) يعني في النار. واضطربَ الناس في تفسيرهِ، وأحسنُ ما قيلُ فيهِ ما قالَّه الحسنُ.
البصريُّ: حتى يجعلَ اللهُ فيها الذين قدَّمهم من شرارِ خلقهِ فهم قدمُ اللهِ للنارِ كما أنَّ
المسلمين قدماً للجنة. وقال ثعلبٌ: كلَّ ما قدَّمتَ من خيرٍ فهو قَدِمٌ، وتقدَّمتْ لفلان فيها
قَدَمٌ: أي تقدُّمٌ في الخير، ورجلٌ قَدَمٌ: إِذا كان شجاعاً ، ومنه حديثُ عليٍّ رضي الله عنه:
((غيرِ نَكِلٍ فِي قَدَمٍ ولا واهناً في عَزْمٍ)(٢). وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((أنَّ ابنَ.
الزبير مشَى القَهْفَرِى وأنَّ ابنَ أبي العاص مَشَى القُدَمِيَّةُ))، ورُوي ((اليَقْدُميَّة))(٣) يعني في
الشَّرَف والفَضْلُ. وذلك عَنى الشاعرُ بقوله: [من الطويل ]
١٢٤٤ - مشَى ابنُ الزبيرِ القَهْقَرِى وَتَقدَّمَتْ
أميةُ حتى أحْرَزُوا القَصَبات (٤)
أي قَصباتِ السَّبق. وفي الحديث ((إِن إِبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء
أفضلُ الصلاة والسلام اخْتَتَنَ بِالقَدوم)) (٥) يقالُ: هو مقيلٌ له، ويقالُ: قريةٌ بالشام.
واستبعدَ روايةَ القَدوم بمعنى الآلةِ المعروفة لعُسر ذلك عُرفاً وعدمٍ إِمكانه عادةً ..
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا الحاشِر الذي يُحْشَرِ النَّاس على قَدَمي))(٦) أي
على أَثَري. ورَكِبَ فلانٌ مَقاديمَهُ: إِذا ركبَ على وجهه. وقادِمَةُ الرَّحْلِ، وقادمةُ الجناحِ،
وقادمةُ الأطباء. ومُقَدَّمةُ الجيش بفتح الدال وكسرها والقَدُومُ: كُلُّ ذلك مُعتبَرٌ فيه معنى
التقدُّم. وقُدّامُ بمعنى أمامَ عكسُ خلفَ وتصغيرُها قُدَيدِمَة، ودخولُ الهاء فيها شاذٌ ولذلك
يصغرون وراءَ وُرَيَّة، حسبما بينًّا ذلك في كتب النحو.
(١) أخرجه البخاري في الايمان والنذور، (١١) باب الحلف بعزة الله ٦٢٨٤، وفى التوحيد، ٦٩٤٩،
ومسلم في الجنة ١٢٨٤٨، ومسند أحمد ٣٦٩/٢.
(٢) الفائق ٣٨٩/١ وغريب ابن الجوزي ٢٢٥/٢ والنهاية ٤ /٢٦.
(٣) الحديث بالروايتين في الفائق ٣١٢/١ والنهاية ٤ /٢٧ وغريب ابن الجوزي ٢٢٥/٢.
(٤) البيت لعبد الله بن الزبير في ديوانه ٦٤ وأساس البلاغة (قدم).
(٥) الفائق ٢ /٣٢٠ وغريب ابن الجوزي ٢٢٦/٢ والنهاية ٤ /٢٧.
(٦) أخرجه البخاري في المناقب، (١٥) باب ماجاء في أسماء رسول الله تَمّه ٣٣٣٩ ومسلم في الفضائل
٢٣٥٤.

٢٨٥
باب القاف
ق د ر:
قوله تعالى: ﴿فَبِهُداهُم اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] الاقتداءُ: الاتباعُ، ومنه الاقتداءُ
بإمامِ الصلاة، وذلك أن يتَّبعَ أفعاله فلا يتقدَّمُ عليه ولا يتأخرُ عنه ولا يزيدُ عليه ولا ينقصُ
عنه .
والقُدْوة والقِدْوة اسمٌ للاقتداء، كالأُسْوةَ والإِسْوة. وفي الحديث:
((أصحابي كالنجوم بأيّهم اقْتَدَيْتُم اهتَدَيْتُم))(١) أي أنُهم على الحقِّ. وقال طرفةُ بنُ العبد:
[ من الطويل ]
١٢٤٥ - عنِ المرءِ لا تَسأَلْ وسَلْ عن قرينه
فكلُّ قرينٍ بالمُقارِنِ يقتدي(٢)
والهاءُ في ((اقْتَدِهِ)) قيل: هاءُ السكت ولذلك حذفَها بعض القراء وَصلاً وهو
القياسُ(٣)، وقيلَ: هي ضميرُ المصدرِ، ولنا في هذا الحرفِ كلامٌ متَّسع أتقنّاهُ في ((الدُّرِّ»
و ((العقد)) فعليكَ بهما.
فصل القاف والذال
ق ذ ف:
قولُه تعالى: ﴿فَاقْذِفيهِ فِي الْيَمْ﴾ [طه: ٣٩] أي ألقيه واطرحيه. والقذفُ: الرميُ
قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ربي يَقْذِفُ بالحقُ﴾ [سبأ: ٤٨] قال ابنُ عرفةَ: أي يُلقي بالحقِّ في
قلبٍ مَن يشاءُ. وقولُه: ﴿بل تَقْذِفُ بالحقِّ على الباطلِ﴾ [الأنبياء: ١٨] أي نأتي به عليه
فتغلبه به .
قولُه: ﴿وَيَقْذفون(٤) بالغَيبِ من مكانٍ بعيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] استعارة لرجمهم
بالظنون الكاذبةِ والأوهامِ الفاسدةِ. وأشارَ بذلك إِلى ما كانوا يقولون في حقه عليه الصلاةُ
(١) كشف الخفاء ١٤٧/١.
(٢) ديوانه ٤٤.
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب والأعمش وابن محيصن واليزيدي. الإتحاف ٢١٣ والقرطبي
٣٦/٧.
(٤) قرأ أبو عمرو ومحبوب ومجاهد وأبو حيوة (ويُقْذَّفون) البحر المحيط ٧ /٢٩٤ والقرطبي ١٤ /٣١٧.

٢٨٦
باب القاف
والسلامُ: هو ساحرٌ وشاعرٌ ومجنونٌ وغيرُ ذلك من أكاذيبهم. والقذفُ في عرضِ الناسِ من
ذلك لأنه رُميَ بالبُهتان. وأصلُ القذفِ الرميُّ مِن بُعدٍ، وباعتبارِ البُعد قيلَ: مكانٌ قَذَفٌ
وقَذوفٌ وقَذيفٌ كلُّه بمعنى البعيد. واستُعير للشتم والسببِّ كما استعُيرَ لهما الرميُّ والرجمُ
في قولهم: رماهُ بكذا ورجَمه به. ومنه ﴿لا رجمنَّك﴾ [مريم: ٤٦] وقد تقدم. وفي
الحديث: ((أنَّ ابنَ عمرَ جان لا يُصلي في مسجدٍ فيه قذافٌ))(١) كذا رُوي وغلْطُه
الأصمعيُّ وقال: بل هو القُذَفُ جمعُ قُذْقَة وهي الشَّرُفاتُ، وكلُّ ما أَشرِفِ من رؤوسٍ
الجبال فهو القُذُفات.
فصل القاف والراء
ق رأ:
قوله تعالى: ﴿شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيه القرآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] القرآنُ الكريمُ
هو المُنزلُ من اللوحِ المحفوظِ مع جبريل عليه السلام على قلب سيدنا رسول الله عَّه
مَتْلوَّاً وهو كلامُ الله كلامٌ نفسانيُّ قَائِمٌ بذاتِه المقدَّسَة، محفوظٌ في الصدور، متلوٍّ بالألسنة
مكتوبٌ في المصاحف، و((أل)) فيه للعهد. ومنه قيلَ: هو علمٌ بالغَلبة، واشتقاقُه من قرأ،
أي جمعَ لانَّه مجموعٌ من سوَرٍ، والسورُ من آياتٍ، والآياتُ من كلمات، والكلماتُ من
حروف. وقيلَ: لأنه جَمعَ فِيهِ القِصَصَ والأمرَ والنهيَ والوعد والوعيدَ والتنبيهَ وغير ذلك من
أنواع الخطاب. وفيه لغتان: الهمزُ وعدمُه، والعامةُ على الهمز، وقرأه ابنُ كثيرٍ غير
مهموزٍ (٢)، فقيلَ: أصلُه الهمزُ فِخَفَّفَ بالنَّقْلِ. وقيلَ: بل هو من قرنَ لأنه قدِ اقترنتْ فيه
الكلماتُ والسورُ والآياتُ؛ أو الوعدُ والوعيدُ والأمرُ والنهيٌّ حسبما تقدَّم.
والقرآنُ مصدرٌ أيضاً، ومنه ﴿إِنَّ عَلينا جمعَه وقرآنَه(٣)﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فإذا
قرأناهُ فِاتَّبعْ قرآنَه﴾ أي قراءاتَه وقالَ الفقهاءُ: لو حلفَ لا يُقرأُ القرآنُ لا يحنثُ إِلا بقراءة
الجميع. وقال الفقهاء: لو قالَ قُرآناً حنثَ بما يُسمى قُرآناً كأنهم جعلوا ((أل)) للاستغراق.
وقال الراغبُ(٤): القرآنُ في الأصل نحوُ كُفرانٍ ورُجحانٍ، وقد خُصَّ بالكتابِ المُنَزَّلِ على
(١) الفائق ٢ / ٣٢٤ وغريب ابن الجوزي ٢٢٧/٢ والنهاية ٣٠/٤.
(٢) قراءة ابن كثير في الإتحا ١٥٤ .
(٣) قرأ ابن كثير (قرانه) الإِتجاف ٤٢٨، وقرأ أبو العالية (قَرَتَهُ) البحر المحيط ٣٨٧/٨.
(٤) المفردات ٦٦٨.
-

٢٨٧
باب القاف
محمدٍ لَّه وصارَ له كالعلم، كما أنَّ التوارة لما أُنزِلَ على موسى، والإنجيلَ لمَّا أُنزل على
عيسى. وقال بعضُ العلماء: ليست تسميةُ هذا الكتاب قرآناً من بين سائر كتب الله المُنَزَّلَةِ
لكونه جامعاً لثمرة كتبهِ، بل لجمعهِ ثمرةً جميعِ العلومِ كما أشارَ بقولِه: ﴿وتفصيلَ كلِّ
شيءٍ﴾ [يوسف: ١١١] ﴿تِبْياناً لكلِّ شيءٍ﴾ [النحل: ٨٩]
قولُه: ﴿وَقُرْآنَ الفَجرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قيل: أراد صلاةَ الصبحِ وعبَّر عنها به
لاشتمالها عليه، كما سُميتْ تَسبيحاً وركوعاً وسُجوداً لاشتمالِها عليها.
قولُه: ﴿ثلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] القُروءُ جمعُ قرْءٍ بضم القافِ وفتحِها(١).
وقيلَ: القُروء جمعٌ للمفتوح والأقراءُ جمعٌ للمضموم، وهل هُما بمعنىٍ واحد؟ والمضمومُ
نفسُ الدمِ أو الطهرِ والمفتوحُ نفسُ المصدر؟ وهل إِطلاقُه على الطهرِ والحيْضِ بطريقٍ
الحقيقة فيكونُ مشتركاً؟ أو بطريقِ الحقيقة والمجاز؟ أقوالٌ كثيرةٌ منتشرةً ذكرناها وذكرنا
دلائلَها والاعتراضات عليها والأجوبةَ عنها في كتابنا المسمّى بـ («القولِ الوجيز في أحكام
الكتاب الغزيز)) ولله الحمدُ. ولنذكرْ هنا نبذةً من ذلك؛ فقالَ أهلُ المدينة: هي الأطهارُ،
وبه قالَ الشافعيُّ: واستدلوا على ذلك بقولِ الشاعر، وهو الأعشى: [ من الطويل]
لما ضاعَ فيها مِن قُروءِ نسائكا(٢)
١٢٤٦ - مُوَرَّثةَ عِزّاً وفي الحيِّ رِفعةٌ
وقالَ الكوفيون، وهو قول أبي حنيفةَ: إِنِها الحيضُ، واستدلوا على ذلك بقوله عليه
الصلاة والسلام: ((دَعي الصلاةَ أيامَ أقْرائك))(٣) أي حَيضكَ، ويُحكى أن الشافعيَّ تناظرَ
٠
هو وأبو عبيدةً في ذلك، وكان الشافعيُّ يرى أنها الحيضُ وأبو عبيدةَ يعكسُه، فانفصلا
وكلٌّ منهُما مدَّعٍ عكسَ ما كانَ عليه لكثرةٍ ما أوردَ صاحبُه عليه من الأدلّة. وزادَ أصحابنا
الشافعيةُ على ذلك فقالوا: لا بد أنْ يكونَ القُرُءُ طُهراً محبوساً بدمَينٍ؛ فالمُبتدئةُ لا قرءَ لها
إلا بعد أنَ ترى الدمَ. وقيل: الأصلُ في القَرْء الوقتُ فقيلَ في الحيضِ قَرْءٌ وفي الطهرِ قَرْءٌ
لأنهما يرجعانِ لوقتٍ معلومٍ. ويقالُ: هَبَّتِ الرياحُ لقَرْتُها: أي لوقتِها. قالَ مالكُ بنُ
الحُويرث الهذلي: [ من الوافر]
(١) قرأ نافع والزهري (قُرُوٌّ)، وقرأ الحسن (قَرْرٍ) البحر المحيط ١٨٦/٢.
(٢) ديوانه ١٤١.
(٣) عارضة الأحوذي ١٩٩/١.

٢٨٨
باب القاف
-
١٢٤٧ - كرهتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ إِذا هبَّتْ لقارِيها الرِّياحُ(١).
وقال أنيسٌ أخو أبي ذَرّ الشاعر: ((لقد وضعتُ قولَه على أَقْراءِ الشِّعر فلا يَلِتَثُمُ على
لسان أحدٍ ﴾(٢) أي على طُرقِهِ وأنواعهِ، للواحدِ قَرْءٌ.
ويقالُ: قرأت المرأةُ: رأت الدمَ، وأقرأتْ: صارتْ ذاتَ قُرْءٍ، وأقرأتُ الجاريَة:
استبرأتُها بقُرءٍ. قال الراغب(٣): القُرْءُ في الحقيقةِ اسمٌ للدخول في الحيضِ عن طُهرٍ. ولما
كان اسماً جامعاً للأمرين: الحيضِ والطهرِ المُتَعَقِّبِ له أُطلِقَ على كلٍّ منهُما، لأنَّ كلَّ اسمٍ
موضوعٍ لمعنيينِ معاً يُطلقُ عل كلٍّ واحدٍ منهما إِذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام. ثم قد
يُسمى كلٌّ واحدٍ منهما باتفراده به. وليس القُرْءُ اسماً للطّهر مُجْرَّداً ولا للحَيْضِ مُجرِّداً
بدلالة أن الطاهرَ التي لم ترَ الدمَ لا يقالُ لها: ذاتُ قُرْءٍ، وكذا الحائضُ التي استمرَّ بِهَا الدَّمُ
والنِّفَساءُ لا يقالُ لها ذلك. قالَ: وقولُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ﴾ أي ثلاثةً
دخولٍ منَ الطهرِ في الحيضِ. وقولُه عليه الصلاة والسلامُ: ((اقعُدي عن الصلاة أيامَ
أقرائك)) أي أيامَ حَيضِك، فإِنَّما هو كقولِ القائل: افعل ذلكَ أيامَ ورودِ فلانٍ، وورودُه إِنما
يكونُ في ساعةٍ وإِن كان يُنْسَبُ إِلى الأيام. وقولُ أهلِ اللغةِ: إِنَّ القُرْءَ من قرأَ أي جمعُ
قارئٍ إِنَّهم اعْتَبروا الجمعَ بينَ زمنِ الطّهرِ والخيضِ بحسب ما ذكرتُ لاجتماع الدم في
الرّحم.
ويقالُ: تَقرَّأْتُ كذا أي تفهَّمتُ. وقارأتُ فلاناً: أي دارسْتُه.
ق رب :
قولُه تعالى: ﴿ونحنُ أقربُ إِليه من حبلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] هذا من باب التمثيل
الاقتدارِهِ وقهرِه، وأنَّ العبدَ في قبضتهِ وسلطانهِ بحالٍ مَن ملكَ حبلَ وريدِهِ أي عرقَ حلقومه
ولا قَرُبَ حِسِّياً، تعالى اللهُ عن الجهةِ، فقَرَبُ اللهِ تعالى من عبده هو الإِفضالُ عليه
والفيضُ. ولهذا رُويَ أنَّ موسى ◌َُّ قالَ: إِلهي! أقريبٌ فَأُنَاجِيَكَ أم بعيدٌ فَأُناديكَ؟
فأوحى اللهُ تعالى إِليه: لو قُدَّرتُ لك البُعدَ لما انتهيتَ إِليه، ولو قَدَّرتُ لكَ القُربَ لمِا
(١) ديوان الهذليين ٨٣/٣ واسمه فيه: مالك بن الحارث.
(٢) الفائق ٥١٨/١ وغريب ابن الجوزي ٢٢٧/٢ والنهاية ٤ /٣٢.
(٣) المفردات ٦٦٨.

٢٨٩
باب القاف
اقتدرْتَ عليه(١).
وقُرْبُ العبدِ منَ اللّه تعالى عبارةٌ عن امتثالِ أوامره واجتناب نواهيه، ومنه الحديثُ
الذي يُروى فيه عن ربِّه عزَّ وجل: ((ولن يتقربَ إِليَّ عبدٌ بمثلٍ أداءِ ما افْتَرَضْتُ، وإِنَّه
ليتقرَّبُ إِليَّ بعدَ ذلكَ بالنَّوافلِ حتى أُحبَّه))(٢) الحديث. وقال بعضهم(٣): قربُ العبدِ منَ
اللهِ في الحقيقةِ التخصصُ بكثيرٍ منَ الصفاتِ التي يصحُّ أن يوصَفَ اللهُ بها وإِنْ لم يكنْ
من وصفِ الإِنسانِ بها على الحدِّ الذي يوصَفُ به تعالى، نحوُ الحكمة والعلمِ والرحمةِ،
وذلك يكونُ بإزالة الأوساخِ منَ الجهل والطَّيش والحميَّةِ والغضب والحاجات البدنية
بقدرٍ طاقةِ البَشر، وهذا قربٌ روحانيٌّ لا بدنيٌّ، وعليه نبَّه الله تعالى بقوله فيما حكى عنه
أمينُ وحيهِ نَّهُ: ((مَن تقرَّبَ مني شِيراً تقرَّبتُ منه ذراعاً))(٤) إِلى آخرهِ، وقولُه ((ما تقرَّب
إليَّ عبدٌ)) الحديث.
والقربُ والبعدُ يتقابلان؛ يقالُ: قَرُبْتُ منه أقرُبُ قُرْباً، وقَرَّبْتُه أُقَرَّبِه قُرْباناً وقُرْباً.
ويستعملُ ذلك في الزمان نحوُ قولِه: ﴿اقتربت الساعةٌ﴾ [القمر: ١]، وفي المكان نحوُ
قولهِ: ﴿وَلا تَقْربا هذه الشجرةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والنسبة نحوُ قولِه: ﴿ولو كانَ ذا قُربى)
[فاطر: ١٨]، والحُظوةِ والمَنزلةِ نحوُ قوله تعالى: ﴿عَيناً يشربُ بِها المُقْرَّبون
[المطففين: ٢٨] ﴿فأمّا إِنْ كانَ منَ المُقْرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿ أولئكَ المُقَرَّبون﴾
[الواقعة: ١١]، والرعايةٌ كقوله: ﴿وإذا سألك عبادي عنِّي فإني قريبٌ أجيبُ دعوةَ
الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، والقدرة نحوُ قولِه: ﴿ونحنُ أَقربُ إِليهِ من حبلٍ
الوريد﴾! [ق: ١٦] وكذا قوله: ﴿ونحنُ أقربُ إِليهِ منكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥]. ولذلك قالَ
بعدَه: ﴿ولكنْ لَا تُبْصِرون﴾ لأنَّه عَنى تعالى بقربهِ قربَ حَفَظتهِ وملائكتهِ التي وكُلّهم
بتونِّي أرواحٍ بني آدم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبًا قُرْباناً﴾ [المائدة: ٢٧]. القُربانُ في الأصلِ ما يُتَقرَّبُ به إِلى
(١) الدر المنثور ٤٧٠/١ والمصنف لابن أبي شيبة ١٠٨/١.
(٢) أخرجه البخاري في الرقاق، (٣٨) باب التواضع ٦١٣٧.
(٣) المفردات ٦٦٥.
(٤) أخرجه البخاري في التوحيد، (١٥) باب قوله تعالى ((ويحذركم الله نفسه) ٦٩٧٠، ومسلم في
الذكر والدعاء ٢٦٧٥ .

٢٩٠
باب القاف
الباري تعالى، ثم غلب في العُرف على النَّسيكة التي هيَ الذَّبيحةُ، وجمعُها قرابينُ، ومنه
قولُه تعالى: ﴿فلولا نَصِرَهُم الذين اتَّخَذوامن دونِ الله قُرباناً آلهةً﴾ [الأحقاف: ٢٨].
ولنا في هذه الآيةِ كلامٌ حسنٌ أتقنّاه في ((الدرِ المَصُون)).
----
قولُه: ﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ (١) لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]. القُربةُ هنا الحظوةُ عندَ اللّه والمنزلةُ
الرفيعة .
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتَيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] هذا أبلغُ منَ النُّهي عن أكلهِ
وتناوله، لأنه إِذا نَهى أن يُقرِبَ منه، فالنهيُ عن تناوله من بابٍ أَولى وأَحِرِى، وهو في
المعنى كقولهِ: ﴿إِذا أَخِرَّجَ يَدِهِ لم يكدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] إِلا أنَّ هذا في حيِّزٍ نفيٍ
١٠
المُقاربة .
قولُ: ﴿يتيماً ذا مَقْرَبَّةٍ﴾ [البلد: ١٥] أي قرابة. يقالُ: فلانٌ ذو قرابتي وذُو مَقْربتي
وقَلَّما يقالُ: فلانٌ قَرابَتي .
قولُه: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] الخطابُ في الفعلينِ ظاهرهُ للرسولِ
،
وقيلَ: الخطابُ في ((اسجُدْ) له عليه الصلاةُ والسلام وفي ((اقتربْ)) لأبي جهلٍ لعنه اللهُ،
وذلك أن أبا جهلٍ لُعن بوعده عليه الصلاة والسلام بأنه إِذا سَجد وطئَ عنقَه الكريمَ، فأمِّرَ
بذلك أمرَ تهديد، وذلك أنه لماُ هَمَّ بذلك رأى فَحلاً عظيماً، والمعنى: إِن اقتربت
هلكتَ وأُخذتَ، واسْتأنسوا له بقوله تعالى: ﴿أرأيْتَ الذي يَنْهَى عَبَداً إِذا صَلَى﴾
[ العلق: ٩ - ١٠ ].
قولُه تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ (٢) حتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] كنايةٌ عن الغشْيان
والوطْءٍ، وهو في المبالغة كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. والقُرابُ
بالضم المقاربةُ، وأنشدَ : [ من الطويل]
١٢٤٨ - فإِنَّ قُرابَ اليَطْنِ يكفيكَ مِلْؤُهُ (٣)
(١) قرأ نافع وورش ويعقوب (قُرُبةٍ) الإتحاف ٢٤٤.
(٢) قرأ أنس (ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن) البحر المحيط ٢ /١٦٨.
(٣) شطر بيت وعجزه: (ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها) والبيت لهلال بن خثعم في الحيوان
٣٨٣/١وعيون الأخبار ٣/ ١٨٤ وحماسة ابن الشجري ١٣٥ ..
:

٢٩١
باب القاف
والقرابُ بالكسر قِرابُ السيفِ، وقيلَ: هو الغمدُ نفسُه، وقيل: بل جلدٌ فوقَ الغمد،
وقيل: هو جرابٌ أو يُشبهُ الجراب يَطرحُ الراكبُ فيها زادَه، ومنهُ الحديثُ: ((إِنَّ لكلِّ
عشرةٍ من السَّرايا قِراباً))(١). ورُوي في قوله عليه السلام حكايةً عن ربِّه عزَّ وجل: ((إِنْ
لَقِيتَني بقُرابِ الأرضِ خَطيئةٌ))(٢) أي ما يقاربُ ملاَها بكسر القاف وإِلا شُبِه الضمُّ على ما
مرَّ. وقِرابُ السيفِ يُجمع على قُرُبٍ نحوُ حمارٍ وحُمر.
والأقرابُ: الخواصرُ، ومنه فرسٌ لاحقُ الأقرابِ، وأنشدَ لرؤبةً: [من الرجز]
١٢٤٩ - لَواحِقُ الأَقْراب فيها كالْمقَقْ(٣)
والتَّقريبُ: ضربٌ من السِّير سُمي بذلك لقربه من العَدْو. وأَقربتُ السيفَ وقَرَّبْتُه:
جعلتُه في قِرابٍ. وأَقربوا إِلَّهُم: أَدْنَوها منَ الماءِ. والمُغْرِبُ: الحاملُ دنَتْ ولادَتُها. وفلانٌ
قاربٌ: قرُبَ منَ الماء. وفي حديثِ المولدِ: (فخرجَ عبدُ الله مُتَقَرِّباً مُتخصُّراً)) (٤) أي
واضعاً يَده على قُرْبِهِ أيْ خاصرتهِ، قال أبو سعيد: يقولُ الرجلُ لصاحبهِ إِذا استحثّه:
تَقرَّبْ، تقرَّب، وأنشد لِمُرَّةَ بنِ هُمامٍ: [من الكامل]
١٢٥٠ - يا صاحبيَّ تَرَحّلا وتَقَرّبا
فلقد أَنَى لمسافرٍ أن يَطْرِبا(٥)
وفي الحديث: ((ثلاثٌ لَعِيناتٌ: رجُلٌ عوَّرَ طريقَ المَقْرَبَة))(٦) قال أبو عمرو:
المَقْرِبَةُ: المنزلُ، وأصلُه من القَرَب، وهو سَيرُ الإِبل، وأنشدَ الرَّاعي. [من الكامل]
١٢٥١ - يحدون حُدْباً مائلاً إِشرافُها
في كلِّ مَقْرُبَةٍ يَدَعْنَ رَعِيلا(٧)
ق رح:
قولُه تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ (٨) فَقَد مسَّ القومَ قَرْحٌ مثلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
(١) غريب ابن الجوزي ٢٢٧/٢ والنهاية ٤ /٣٤.
(٢) غريب ابن الجوزي ٢٢٧/٢ والنهاية ٣٤/٤.
(٣) شرح شواهد المغني ٢ / ٧٦٤.
(٤) الفائق ٣٢٨/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٢٧/٢ والنهاية ٣٤/٤.
(٥) البيت لمرة بن همام في اللسان والأساس والتاج (قرب) والمفضليات ٣٠٣ ومعجم البلدان
(١٩٧/٥ : مليحة ).
(٦) غريب ابن الجوزي ٢٢٨/٢ والنهاية ٤ /٣٤ والفائق ٤٦٦/٢.
(٧) البيت في اللسان والتاج (قرب) وديوانه ١٤١ .
(٨) قرأ حمزة والكسائي وعاصم وخلف وشعبة والأعمش (قُرْح) الإتحاف ١٧٩ والنشر ٢ /٢٤٢ والسبعة=

٢٩٢
باب القاف
قُرئَ بفتحِ القافِ وضمِّها؛ فقيلَ: المفتوحُ مصدرٌ والمضمومُ ألِمُ الجراحات. وقال
آخرون: المفتوحُ الأثرُ من الجراحةِ من شيءٍ يصيبهُ من خارجٍ، والمضمومُ أثرُها من داخلٍ
کالبثْرة.
قَرَّحْتُه مثلُ جَرَحتُه وزناً ومعنىٌ. وَقَرِحَ: خرجَ بِهِ قَرْحٌ. وقَرَحَ قلبُه وأَقْرَحَهُ اللهُ.
والقُرْحانُ: الرجلُ الذي لم يُضِبْهِ الجُدَريُّ، وفي الحديثِ: ((إِنَّ مَن معكَ مِن أصحابِ
محمدٍ تَِّ تُرْحانٌ))(١) من الأضداد. يقالُ: رجلٌ قُرْحَانٌ للذي لم يمسَّهِ القَرْحُ ولا
الجُدَرِيُّ ولا الحَصْبة، ويستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ والواحدُ وغِيرُه، يقالُ: امرأةٌ تُرحانٌ،
ورجلانِ قُرحانٌ، ورجالٌ قُرْحان، ومنهم مَن يقولُ: قُرْحانَانٍ وقُرحانون ليطابقَ.
ق رد:
قولُه تعالى: ﴿كونوا قردةٌ﴾ [البقرة: ٦٥] القردةُ جمعُ قردٍ، وهو هذا الحيوانُ
المعروف، قيلَ: جُعلوا مثلَ صُورِ القردة حقيقةٌ، وقيل: بل في أخلاقها وفسادها، وذلكَ
أنَّ القردَ أخبثُ حيوانٍ وأفسدُه .
قولُه: ﴿وَجَعَلَ منهُمُ الْقِرِدَةَ والخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠ ] أي في صُورَها، قِيلَ مسخَ
الشبانَ قردةٌ والشيوخَ خنازيرَ. والخنزيرُ أقذَرُ شيءٍ في الحيوانِ وأخبثُها منظراً، ويجمعُ
على قُرودٍ وهوَ القياسُ، نحوُ حِمْلٍ وحُمولٍ، وعلى قِرِدةٍ وليسَ بقياسٍ بل سُمع ذلك فيهِ
وفي حِسْل وحِسَلةٍ. والمادةُ تُدلُّ على اللزومِ واللصوق. ومنه اشتقَّ القُرادُ؛ يقال إنه يلزم.
الأرضَ عشرينَ سنةً، وهو جمعُ قِرْدانٍ، كذا قالَ الراغبُ(٢)، والظاهرُ العكسُ، أَعني أن
تكونَ قِرِدانٌ جمعَ قُرادٍ، نحوُ غِلمانٍ جمعُ غلامٍ، وغربانٍ جمعُ غُراب .
والصوفُ القَرِدُ: المتداخلُ بعضُه في بعضٍ، ومنهُ سحابٌ قَرِدٌ: أي مُتَلبِدٌ مُتكاثفٌ.
وأَقردَ بمكان كذا: أي لَصِقُّ بالأرضِ لصوقَ القُراد. وقَرَدَ: سَكِنَ سُكُونَه، وفي المثلِ:
((أَسمعُ مِن قُرادٍ))(٣)؛ يقالُ: إِنْه يسمعُ مواسمَ الإِبلِ من مسيرةِ أيامٍ. وقَرُّدْتُ الْبَعِيرَ: أَزلتُ
= ٢١٦، وقرأ ابن السميع وأبو السمال (قَرَح) البحر المحيط ٣ / ٦٢،
(١) الفائق ١ /٥٩٦ وغريب ابن الجوزي ٢٢٩/٢ والنهاية ٤ /٣٥ والحديث لعمر بن الخطاب لما أراد
دخول الشام.
(٢) المفردات ٦٦٦.
(٢) مجمع الامثال ٣٤٩/١ والمستقصى ١٧٣/١ وجمهرة الامثال ٥٣١/١ وفصل المقال ٤٩٢ والامثال
لابن سلام ٣٦٠.

٢٩٣
باب القاف
قُرادَه، نحوُ قَذَّيْتُهُ ومَرَّضتُه. ويستعارُ ذلك للمُداراةِ المُتوصَّلِ بها إِلى خديعة، فيقالُ: فلانٌ
يُقَرِّدُ فُلاناً.
وتُسمَّى حَلْمَةُ النَّدي قُرَاداً كما تُسَمَّى حَلْمَةٌ على التَّشبيه في الهيئةِ . وفي حديثٍ
عائشةَ رضي اللّه عنها قالت: ((كان لنا وحشٌ فإِذا خرجَ تَّهُ أَسْعَرَنَا قَفْزاً أي وثباً فإِذا
حضَرَ مجيئُهُ أَقْرَدَ))(١)، أي ذلَّ وسكَنَ. أَسْعَرنا: آذانا. وقال عَّهُ: ((إِياكُم والإِقْرادَ، قالوا:
يا رسول الله وما الإِقرادُ؟ قال: الرجلُ يكونُ منكم أميراً، فيأتيه المسكينُ والأرملةُ فيقولُ
لهم: مكانّكُم حتى أنظُرَ في حوائجكم، ويأتيهِ الغنيُّ فيقولُ: عجلوا قضاءَ حاجته»(٢).
وعن ثعلب: أجردَ سكتَ حياءً، وأقردَ: سكتَ ذُلاً، قيلَ: وأصلُه من قرَّدْتُ البعيرَ
لأنه إِذا فُعل به ذلكَ ذَلَّ وسكنَ.
والقَرَدَاءُ: رداءُ الصوف. والقَرْدَدُ: الرابيةُ من الأرض. وقُرْدُودَةُ الظَّهر: ما ارتفعَ منه.
والقَرَدَةُ: قطعةٌ من نَسْل وبرِ البعيرِ؛ وفي الحديث: (( تناوَلَ قَرَّدَةٌ من وَبَرِ الْبَعير))(٣).
ق ر ر:
قوله تعالى: ﴿ولكُم في الأرضِ مُستَقَرِّ﴾ [البقرة: ٣٦] أي قرارٌ وثُبوتٌ. قولُه
تعالى: ﴿جَعَلَ لكُم الأرضَ قَراراً﴾ [غافر: ٦٤] أي ذاتَ قَرارٍ، وقيل: معناهُ مُستقراً، وقال
في الجنة والنار لفظ ﴿القرار﴾، وقال: ﴿ ربوة ذات قرارٍ﴾ [ المؤمنون: ٥٠ ] و ﴿ فبئس
القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] وقوله: ﴿ما لها من قرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي ثبات. قوله:
﴿فَمُسْتَقَرِّ ومُسْتَودَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] قرئَّ بفتحِ القافِ على أنه اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ،
وبكسرِها على تقديرٍ فمنكُمُ مُستقرِّ في الأصلاب(٤). ولم يُقرأ إِلا بفتحِ الدالِ لفسادِ الكسرِ
فيه .
والقَرارُ مصدرٌ لقَرَّ يَقِرُّ في مكان كذا قَراراً أي ثبتَ تُبوتاً جامداً، وأصلهُ من القُرِّ وهو
(١) الفائق ١ / ٥٠٦ وغريب ابن الجوزي ٢٣٠/٢ والنهاية ٣٦/٤.
(٢) الفائق ٢ /٣٢٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٢٣٠ والنهاية ٤ /٣٦ وحلية الأولياء ١٠٨/٦.
(٣) الفائق ٣٢٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٣١/٢ والنهاية ٤ /٠٣٧
(٤) قرأ ابن كثيروابن عباس وابن محيصن والحسن والأعرج وشيبة والنخعي (فمستَقِرٍّ) الإتحاف ٢١٤
والنشر ٢ /٢٦٠.

٢٩٤
باب القاف
البردُ من حيثُ إِنَّ البردَ يقتضي السكونَ كما أنَّ الحرَّ يَقْتَضي الحركةَ. وقَرَّتْ عينُهِ تَقِرِّ أي
بردتْ، يُكنى بذلك عن السُّرور، وفي ضِدِّه: سَخَنتْ وذلك أن دمعةَ الفَرح قارَّةٌ، ودمعةً
التَّرحِ جارَّةٌ؛ فالماضي مكسورُ العين والمضارعُ مفتوحُها. وقررتُ بمكان كذا، عكسُه.
وقُرِئَ قولُه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] بفتحِ القاف وكسرها(١)؛
فالكسرُ واضِحٌّ وأصلُه ((اقرِرْنَ)) كِاضْرِيْنَ فالتَّقَى التَّضعيفُ والكسرُ فحُذِف أحدُ المثليْنِ
المتحرك تخفيفاً، ومثلُّهِ ((ظَلْتُ)) أصلُه ((ظَلِلْتُ)) إِلا أنَّه يجوزُ هنا فتحُ الفاء وكسرُها بعدَ
الحذف نحوُ: ظّلتُ وظلتُ إلا أنه لم يُقرأ قوله: ﴿فَظَلِتُمْ تَفَكَّهون﴾ [الواقعة: ٦٥] إِلا
بالفتح لأنه الأصلُ. وقيلَ: مِن وَقَر يَقِرُ نحو وعدَ يعِدُ. وأما الفتحُ فِقِيلَ: هوَ مِن قَرَّ بالمكان
يَقَرَّبِهِ بالفتحِ في المضارعِ، وفيه نظرِّ لأنه لامسُوغَ للحذفَ لخفَّةِ الفتحِ، والأولى أنْ يُجعَلَ
مِن قارَ يقارُ أي اجتمع، فيكونُ مثلَ خفيَ منَ الخوف، وقد أتقنَّا هذا في غيرِ هذا، وقالَ
النابغةُ الذبيانيُّ: [من البسيط ]
١٢٥٢ - أُنْبئتُ أن أبا قابوسَ أَوعَدني ولا قرارَ على زأرٍ منَ الأسدِ (٢)
أي ولا أمَن ولا ثباتَ ولا استقرارَ. ويومُ القَرِّ: يومٌ من أيامِ النَّحرِ، لاستقرارِ الناسِ
فيه بمنىٌّ. كذا قالَه الراغبُ(٣). وقالَ غيرُه: هو غدُ يومِ التحرِّ وهو الظاهرُ، نصَّ عليه
الهرويُّ. واستقرَّ فلانٌ: تحزّى القَرارَ. وقد يُستعملُ في مكانٍ قَرَّ كاستجابَ وأُجابَ، وقال
تعالى في الجنة: ﴿خَيرٌ مُسْتَقَراً﴾ [الفرقان: ٢٤] وفي النار ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرَأَ﴾
[الفرقان: ٦٦]. وقال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿فَمُسْتَقُرِّ وَمُسْتَوَدَعٌ﴾ مستقرٍّ في الأرضِ
ومُستودعٌ في الأصلَابِ. وقَالَ ابْنُ مسعودٍ: مستقرّ في الأرضِ ومستودَعٌ في القبور.
الحسنُ: مُستقرٍّ في الآخرةِ ومُستودعٌ في الدنيا. قال بعضهم: جملةُ الأمرِ أنَّ كلَّ حالة
يُنْقِلُ عنها الإِنسانُ فليس بالمستقرِّ التامُ (٤).
(١) قرأ الكسائي وحمزة وابن عامر وعاصم وابن كثير وحفص وخلف ويعقوب (وقرْنَ) الإتخاف ٣٥٥
والنشر ٣٤٨/٢.
(٢) البيت من معلقته في ديوانه٢٦.
(٣) المفردات ٦٦٢ .
(٤) وردت الأقوال كلها في تفسير ابن كثير ١٦٥/١ والدر المنثور ٣٣٢/٣.
--

٢٩٥
باب القاف
قولُه: ﴿وَيَعلمُ مَسْتَقَرَّها (١) ومُسْتَوْدَعَها﴾ [هود: ٦] أي مأواها على ظهرِ الأرضِ
ومُستودَعها في الأرحام.
قولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُما إِلى ربوةٍ ذاتٍ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] القرارُ: المكانُ المطمئنُ
الذي يستقرّ فيه الماءُ، ومنه قيلَ للروضة المنخفضة قَرارٌ، وأنشد لعنترة: [ من الكامل]
١٢٥٣ - جادتْ عليها كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ
فتركْنَ كلَّ قرارةٍ كالدِّرهم(٢)
وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما، وذكرَ فضلَ علمٍ شيخهِ أمير المؤمنين عليّ بن أبي
طالبٍ رضي الله عنه: ((عِلمي إِلى علمهِ كالقَرارةِ فِي المُثْعَنْجِرِ))(٣) يريدُ كالغديرِ في البحر.
قوله: ﴿رَبَّنَا هَبْ لنا من أزواجنا وذُرِّيَّتِنَا قُرَّةُ (٤) أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] أي ما تقرُّ
به عُيُونُنا وهو أن يعملوا بعملنا الصالح فيكونوا معنا.
وأقرَّ اللهُ عينَه: أنامَها مِن ذلك، لأنَّ الفرحَ ينامُ والمحزونَ يسهرُ. وفي حديث أمّ
زرع! ((لا حَرِّ ولا قُرِّ))(٥) هذامبالغةٌ، أوعلى حذف مضافٍ، أي هولا ذو حرِّ ولا ذو تٌّ.
والقَرِّ بالفتح ترديدُ الكلام في أذن الأبكم ليفهَمَه. ومنه حديثُ عائشةَ رضي الله عنها عن
النبيَُّ: (( تنزلُ الملائكةُ في العبادةِ أي السحاب فيتحدَّثُونَ بما عَلموا به مما لم ينزلْ من
الأمرِ، فيأتي الشيطانُ فيتسمَّعُ فيسمعُ الكلمةَ، فيأتي بها إِلى الكاهن، فيُقِرُّها في أذنه كما
تُقَرُّ القارورةُ إِذا أفرغ فيها، فيزيدُ فيها مئةً كذبةٍ))(٦)، وروي أيضاً ((كَقَرُ الدَّجاجة))(٧) أي
صَوَتُها إِذا قَطْعتْه؛ يقالُ: قَرَّتِ الدجاجةُ تَقِرُّ قَرّاً وقَرِيراً، فإِنْ ردَّدَتْه قلتَ: قَرْقَرَتْ قَرقَرَةٌ
وقريرًا. وفي المثلِ: ((حِرَّةٌ تحتَ قِرَّةٍ﴾(٨) يُضرب لِمَن يُظهرُ أمراً ويُخفي غيرَه. وقالَ عمرُ
لأبي مسعود البَدْري رضي اللهُ عنهما ((إِنك تُفْتي، ولِّ حارَّها مَن تَوَلَّى قارَّها))(٩)؛ قالَ
(١) قرأ ابن محيصن (ويُعْلُمُ مستَقرَّها ومستودعُها) الإتحاف ٢٥٥.
(٢) البيت من معلقته في ديوانه ١٨ .
(٣) الفائق ٣٣٤/٢ والنهاية ٤ /٣٨ وغريب ابن الجوزي ٢٣١/٢.
(٤) قرأ أبو هريرة وابن مسعود وأبو الدرداء (قُرَّات) البحر المحيط ٦ /٥١٧ ومعاني الفراء ٢ /٢٧٤.
(٥) النهاية ٤ /٣٨.
(٦) الفائق ١ /٣٣١-٣٣٢والنهاية ٤ /٣٩.
(٧) غريب ابن الجوزي ٢٣٢/٢ والنهاية ٣٩/٤.
(٨) مجمع الأمثال ١٩٧/١ وجمهرة الامثال ٣٥٥/١.
(٩) غريب ابن الجوزي ٢٣٢/٢ والنهاية ٤ /٣٨.

٢٩٦
باب القاف
شَمْرُ: معناه يَتولَّى شديدها من يتولَّى هَيْنَها. قال ابنُ الأعرابيّ: يقالُ: حَرَّ يومُنا فهوَ حارٌّ،
وقرَّ يومُنا فهو قَرِّ، ولا أقولُ قارٌّ، وفي المثل: ((وقعتَ بقُرِّكَ))(١) وأصلُه أنهم يقولون لمِن
أدركَ ثأرَه أي أصابَ قلبُك مطلوبه فقَرَّ، إِمّا بمعنى ثبتَ واستكنَّ من قلقهِ، وإِمّا مِنَ القرّ
والبرودةِ. وفي شعرِ الشمّاخ: [من البسيط ]
مِن قُرَّةِ العينِ مُجتاباً ديَابود(٢)
١٢٥٤ - كأنَّها وابنَ أيامٍ تُؤْبنه
أي من طيبٍ مَرَتعهما ورضاهُما. وفي الحديثِ أنه قالَ لأنجشَةً وهو يَحْدو
بالنساءِ: ((رِفقاً بالقوارير))(٢) شبَّه النساءَ بالقواريرِ منَ الزجاجِ لضعفٍ عزائمهنَّ، والقواريرُ
أقربُ شيءٍ إِلى الكسرِ، فخافَ عليه الصلاةُ والسلام من حصولِ الفتنة لهن، لأنهِ رُوي أن
أنجشَةً كان يشبِّبُ في حداثتهِ. قال الهرويُّ: والظاهرُ أنه أراد بالقواريرِ نفسَ الإِبل شُبِّهت
بذلك لضعفها، وأنَّ الحُداءُ إِذا سمعتْه جهدتْ أنفسَها في السَّير فتهلك.
والقَرقرةُ: الضَّحكُ العالي، وهي أيضاً فروةُ الوجه، وفي الحديث ((إِذا قُرِّبَ منه
المُهْلُ سَقطتْ قَرْقَرةُ وجههِ))(٤). وفي الحديث: ((ركِبُوا القراقيرُ))(٥) وهي جمعُ قُرْقُورٍ، وهو
السفينةُ الصغيرةُ، وفي الحديثِ: ((بُطِحَ لها يومَ القيامةِ بقاعٍ فَرْقَرٍ))(٦) أي مُستوٍ، وفي
روايةٍ: ((بقاعٍ فَرِقٍ))(٧) وهو بمعناه. وأنشدَ قولُ الشاعر: [من الرجز]
١٢٥٥ - كأنَّ أيديهُنَّ بالقاعِ القَرِقْ أَيدي جوارٍ يتعاطِينَ الوَرِقْ (٨)
وفي حديث البُراق: ((أنه استصعَبَ ثم ارفَضَّ وأقرَّ)(٩) أي ذلَّ وانقادَ.
(١) لم أجده في كتب الأمثال
(٢) ديوانه ١١٢ واللسان (قرر) .
(٣) الفائق ٣٢٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٣٣/٢ والنهاية ٣٩/٤.
(٤) النهاية ٤ /٤٨ :
(٥) غريب ابن الجوزي ٢ /٢٣٣ والنهاية ٤ / ٤٨.
(٦) الفائق ٢ / ٣٢٧ والنهاية ٤٨/٤.
(٧) النهاية ٤ /٤٧.
(٨) الرجز لرؤية في ملحق ديوانه ١٧٩ والخزانة ٣٤٦/٨ والدرر ١٦٦/١ (الكويت) والتاج (زهق، قرق)
واللسان (زهق) وبلا نسبة في الخصائص ١ /٣٠٦ والهمع ١ / ٥٣.
(٩) النهاية ٤ /٣٨ وغريب ابن الجوزي ٢٣٣/٢.

٢٩٧
باب القاف
ق رش:
قولُه تعالى: ﴿لإيلافِ قريشُ (١)﴾ [قريش: ١] قريشٌ قبيلةٌ هي أشرفُ القبائل،
وقريشٌ بنو النضرِ بنِ كنانةَ بنِ خزيمةَ بنِ مُدركةَ بنِ إِلیاسَ بنِ مُضر. فكلٌّ مَن كان من ولد
النَّضرِ فهو قرشيُّ دونَ ولدِ كنانَة ومن فوقَه. واشتقاقُه قيلَ منَ التقرُّش وهو التجمّعُ؛ يقالُ:
تَقَّرِشوا أي تجمَّعوا. والتقريشُ مثلُ التَّحريش عن أبي عبيدةَ. وقيلَ: منَ الكسب؛ يقالُ:
تقرَّشَ أي تكسَّبَ، وكانت قريشٌ قَوماً تجاراً مكتسبين.
والتقارُشُ: التداخُلُ أيضاً، ومنه تقارشتِ الرِّماحُ في الحرب أي تداخلتْ
والإقراشُ: السْعِيُ بالإِنسانِ والوقوعُ فيه، ومنه: أقرشَ بفلانٍ، وقيلَ: هو دابةٌ في البحر، وعن
ابنِ عباسٍ وقد سأله معاويةُ أو عمرُ رضي الله عنهم عن ذلكَ فقالَ: هي دابَّة عظيمةٌ في
البحرِ تعلو ولا تُعلى وتأكلُ ولا تُؤكل. وقياسُ النسبِ إِليه قُريْشي بالتكميل، ولكنَّ
المشهورَ في الاستعمالِ قُرَشيٌّ بالحذفِ، ويجوزُ صرفُه باعتبارِ الحيِّ كقولهِ: [من
البسيط ]
على البريّة بالإِسلام والدينِ (٢)
ومنعُه باعتبار القبيلة كقوله :
١٢٥٦ - حاشا قُريشاً فإِنَّ اللهَ فَضَّلَهُم
١٢٥٧ - ((قريشَ المُعضلاتِ ... ))(٣)
في أحدٍ وجهيهِ من التخريج والوجهُ الآخرُ أن تنوينَه حُذف لالتقاء الساكنينِ كقراءة
﴿قُل هوُ اللهُ أحدٌ﴾ [الإِخلاص: ١] وقوله: ﴿ولا يَذْكُرونَ اللهَ إِلا قليلاً﴾
[ النساء: ١٤٢ ]
ق رط س:
قولُه تعالى: ﴿ولو نَزَّلنا عليكَ كتاباً في قِرِطاسٍ (٤)﴾ [الأنعام: ٧] القرطاسُ ما
(١) قرأ عكرمة (لِتَأَلَفْ قريشٌ) البحر المحيط ٥١٤/٨.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ٢١٥/١ (صادر) والهمع ٢٣٢/١ والمقاصد النحوية ١٣٧/٣.
(٣) من بيت لعدي بن الرقاع، وتمامه: (غلب المساميح الوليد سماحةٌ وكفى قريشَ المعضلات وسادها)
والبيت في اللسان والتاج والصحاح (قرش) والطرائف الأدبية ٩٠ والحماسة البصرية ١٤٠/١.
(٤) قرئت (قَرطاس) إِملاء العكبري ١ / ١٣٧.

٢٩٨
باب القاف
يُكتبُ فيه كالرِّق والكاغَدِ ونحوِهما، لا كالخشبة والحجرِ وإِنْ كان يُكتب فيه، ولذلك
قال ابنُ عرفةً: العربُ تُسمي الصَّحيفةَ قِرطاساً من أيِّ شيءٍ كانت، فأجدُ في مُسمّاهُ
الصحيفة وهي مختصَّةٌ بمايُطْوى ويُنشر.
والقرطاسُ أيضاً ما يُصِيبُه السهمُ، والجمعُ قَراطيسُ، ويغلبُ فَي قافِهِ لغةٌ شاذّةٌ
بالضمّ.
ق رض:
قولُه تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد: ١٨] القَرْضُ في الأصل
القَطْعُ، ومنه: قرضَ الفأرُ الثوبَ، وقرضتِ الخشَبةُ. والقَرْضُ: الدَّينِ المعروفُ وهو إِعطاءُ
الشيءٍ وردَّ بدلهِ صورةً كما في الحديث: ((اقترِضْ بازلاً ورُدَّ بِكْراً). وأقرَضَه: أعطاهُ
قرضاً. واستَقْرِضَه: سألَه القرضَ. واقترضَ: فعلَ ذلك، والمشهورُ فتحُ قافهِ ويجوزُ كسرُها
وهو مصدرٌ.
قولُه تعالى: ﴿وإذا غَرَبتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمال﴾ [الكهف: ١٧] أي تقطعُهم
وتجاوزُ مكانَهم إلى أحد الجانبينِ فسُمي قطعُ المكانِ وتجاوزُهُ قَرْضاً مَجازاً
واتساعاً .
قولُه: ﴿من ذا الذي يُقْرِضُ اللهُ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] مُراداً به الصدقَةَ
واجبَها ومندوبها. وسمَّاهُ قَرِضاً تكرُّماً منه وتَطيِّاً للمتصدّقين، وأنَّ ما يعطونَه من الصَّدقة
على الوجه المطلوب وهو المرادُ بقولهِ ((حَسَناً)) لا بد أن يرجعَ إِليهم بَدَلُه وأنه لا يَضيع
على ما يتعارفونَه فيما بينَهُم، وقيلَ: لأنه أفضلُ من الصدقةِ فعبَّربه دونها. و ((قرضاً))
في الآية مصدرٌ على حذفَ الزوائدِ كقولهِ: ﴿واللهُ أَنْبَتَكُمْ من الأرضِ نَّباتاً ﴾
[نوح: ١٧].
والمُعارضةُ والمُفاوضةُ في الشعر. والقَريضُ: الشِّعر؛ فَعيل بمعنى مفعول لأنه يُقطعُ
من الكلام فيُجعلُ نوعاً برأسه . ومنه: ((حالَ الجريضُ دونَ القَريضِ)) (١) أي حال الموتُ
(١) الجريض: هو أن يغصّ الإنسان بريقه عند الموت والمثل في المستقصى ٥٥/٢ومجمع الأمثال
١٩١/١ وجمهرة الامثال ٣٥٩/١ وفصل المقال ٤٤٤ والإمثال لابن سلام ٣١٩.

٢٩٩
باب القاف
وغصصُه، وقيلَ: استُغيرَ القرضُ للشعرِ استعارةَ الحَوْكِ والنَّسجِ له. والمقرضُ والمِقراضُ:
آلةُّ القرضِ كالمِفتح والمفتاح.
ق رع:
قولُه تعالى: ﴿القارعةُ ما القارعةُ(١)﴾ [القارعة: ١-٢] هي القيامةُ لأنها تَقْرِعُ
الخلائقَ: أي تُصيبُهم بشدائِدها. وأصلُ القرعِ ضربُ شيءٍ على شيءٍ. والمقرعةُ: آلهٌّ
القرع.
قولُه: ﴿ولا يزالُ الذين كَفَروا تُصيبُهُم بِما صَنعوا قارعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] أي داهيةٌ
تفجؤُهُم وقيلَ: سرِيَّةٌ من سرايا رسول الله لَّهِ. وفي الحديث: ((لما أتى عل مُحَسِّرٍ قَرَعَ
راحلته))(٢) أي ضربَها بسَوْطه.
وقوارعُ القرآنِ: آياتُه التي يَزَجُرُ بها مَن قرأها. وقيل: هي التي مَن قرأَها أمِنَ منَ
الشيطان، كأنَّها تقرعُ الشيطانَ .
والأقرعُ: الذي لا شَعَرَ له، والافْرِعُ عكسُه. وفي حديثٍ منعِ الصَّدقة: ((يَجيءُ كنُ
أحدهم شُجاعاً أقرعَ))(٣) أي حيةٌ قد تمعَّطَ شعرُ رأسِها لكثرة سُمِّها. والقُرْعَةُ: التَّساهُم
لأنَّ القارعَ يصيبُ نصيبَه أو يصيبهُ نصيبهُ. والاقتراعُ: افتعالٌ من ذلك. وتُصوَّر من قَرَعِ
الرأسِ قَرَعُ الدارِ أي خُلُوُّها. وتقولُ العربُ: نعوذُ بالله من قَرَعَ الفناءِ وصَفَرِ الإِناءِ(٤): أي
خلوِّ الدارِ من قُطّاتِها. وفي الحديثِ: ((لا تُحْدِثوا في القَرَعِ فإِنَّه مُصلَّى الخافِين))(٥). قال
ابنُ قتيبةً: هو أن يَخُلُوَ موضعٌ منَ الكلا ليسَ فيه نبتٌ(٦). والخافُونَ: الجنّ؛ نهاهُم عن
ذلك لئلا يتأذَّى إِخواتُهم الجنَّ المصلُّون.
ق رف:
قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حِسَنَةَ﴾ [الشورى: ٢٣] أي يكتسب. والاقترافُ:
(١) قرأ عيسى (القارعة ما القارعةَ) البحر المحيط ٥٠٦/٨.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الحج ٢٢٣/٣ ومسندأحمد ٧٥/١، ٨١، ١٥٧.
(٣) مسند أحمد ٣٢١/٣.
(٤) النهاية ٤ /٤٥ وغريب ابن الجوزي ٢٣٦/٢ واللسان (قرع).
(٥) النهاية ٤ /٤٥ وغريب ابن الجوزي ٢٣٦/٢.
(٦) ورد قوله في النهاية ٢ /٤٥ وغريب ابن الجوزي ٢٣٦/٢.

٣٠٠
باب القاف
الاكتسابُ. وأصلُ القَرْفِ والاقْتِرافِ قَشرُ اللّحاءِ عنِ الشجرة والجلدة عن الجُرح، وذلك
الشيءُ المأخودُ قِرْفٌ ثمَّ استُغيرَ الاقترافُ للاكتسابِ حَسناً كان أو سيئاً إِلا أنَّه في السوءِ
أغلبُ ولذلك قيلَ: الاعترافُ يزيلُ الاقترافَ. وَقَرَفْتُ فُلاناً بكذا: اتَّهمتُه به أو عبْتُه به.
قولُه: ﴿وَلِيَقْتِفوا (١) ما هُم مُقْتَرِفِونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] أي ليكسبوا، وقيل:
المعنى ليعملوا ما هُم عاملون منَ الذُّنوب. يقالُ: قَرَفَ الذنبَ واقتَرِفَه أي عملَه. وهيَ لامُ
الأمرِ وهو تَهكُّمٌ بهم، وقيلَ: لامُ كي. وقارفتُ الأمرَ: أي تعاطيتُ ما أعابُ به.
وقارفتُ الأمرَ: قاربتُهُ ولاصقتُه. والإِقرافُ في الخَيْلِ: ملاصقةُ العيوبِ إِليها. وقيل:
قارفتُ الأمرَ: أي تعاطيتُ بِهِ ما أُعابُ بهِ. والمُفْرِفُ: الهجينُ منَ الخيل. وقيلَ: المُقْرِفُ:
ما كانَ من قبلِ الآباءِ، والهَجِينُ: ما كان من جهةِ الأمهات، ومنه قولُه: [من الرمل]
١٢٥٨ - كم بجودٍ مُقْرِفٍ نالَ العُلى
وكريمٍ بُخلُه قد وضَِعَنَّهُ (٢)
وفلانٌ قَرَفني: أي أَّهِمُه. وفي الحديثِ أنه سئلَ عن أرضٍ وبيئةٍ فقال: ((دَعْها فإِنَّ
مِنَ القَرَفِ التََّفَ)»(٣) القرفُ: مُداناةُ المرض، وفي آخرَ: ((أراكَ أحمرَ قَرِفاً))(٤) أي شديدُ
الحمرة. كأنَّه قُشرَ: وضَعَ ثوِبَهَ بِقِرْفِ السِّدْر أي بقشرِهِ.
ق ر ن:
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم من قَرْنٍ﴾ [مريم: ٩٨] القرنُ: الجماعةُ
المُقْتِنون في وقتٍ واحدٍ. وقيلَ: كلُّ طبقةٍ في وقتٍ اقترنتْ في زمانٍ. وقيلَ: كلُّ طبقَةٍ
بُعث فيها نبيٌّ، وقيلَ: القرنُ: المدَّة، واختُلفَ في قدرِها؛ فقيلَ: ثمانونَ سنةً، وقيلً:
أربعون، وقيلَ: مئةً، واستدلَّ للأربعين بقولِ النابغةِ الجَعديِّ: [من المتقارب]
(١) قرأ الحسن (وليَقْترفوا) الإتحاف ٢١٥.
(٢) البيت لعبد الله بن كريز في الحماسة البصرية ١٠/٢، ولأنس بن زنيم في الخزانة ١١٩/٣، والبيت دون
عزو في كتاب سيبويه ١٦٧/٢ والإنصاف ٣٠٣ وابن يعيش ١٣٢/٤. وانظر الهمع ٢٥٥/١،
١٥٦/٢ والعيني ٤ /٤٩٣، والبيت شاهد على جواز رفع ((مقرف)) على أنها مبتدأ، ونصبها
وجرهاعلى التمییز.
(٣) الفائق ٣٢٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٣٦/٢ والنهاية ٤ /٤٦.
(٤) من حديث لعبد الملك في غريب ابن الجوزي ٢٣٧/٢ والنهاية ٤ /٤٧.