Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
باب الفاء
مماليكه وخدمه، وقيلَ: فَتياتِكم أي إِمائكم. وفي الحديث: ((ولا يقلْ أحدُكم عبدي
ولا أَمَتَي ولكنْ فتايَ وفَتاتي))(١).
قولُه تعالى: ﴿تُراودُ فَتَاها عن نفسهِ﴾ [يوسف: ٣٠]. سمَّوه بذلك لزعمهم أنَّها
مالكتُه، ويحتملُ أن يكونَ الأمرُ كذلك بتمليكِ زوجها إِياهُ لها.
قوله تعالى: ﴿أَفْتِنا في سبعٍ بقراتٍ سِمانٍ﴾ [يوسف: ٤٦] الإفتاءُ: جوابُ السائل
عمّا يُشكلُ عليه، ومنهُ المُفتي لأنه يزيلُ إِشكالَ المسائلِ ويوضحُ الأحكام. وقولُه تعالى:
﴿فَاسْتَفْتِهِم (٢)﴾ [الصافات: ١١] أي اسألُهُم سؤالَ مُستفتٍ، يريدُ بذلكَ الزيادةَ في
تَوْبیخهم.
والفُتْيا والفَتْوى بمعنَى الإِفتاء. وجمعُ الفُتْيَا فُتَّى بزنةِ فُعِى على وزنِ جمعِ عُليا ودُنيا.
وجمعُ الفَتْوىِ الفَتاوَى بفتح الواو، والواوُ عن ياءٍ؛ لأنَّ لامَ فعَلَى الاسمُ إِذا كانتْ صفةَ ياءٍ
قُلبتْ واواً، ولامَ فَعلى الصفةُ تَسلمُ نحو: صَدْيا وحَريا وَطغيا. وفُعلى بالضم الصفةُ ممّا لا
واوَ تُقلب ياءً، يقالُ: دُنيا وعُليا، والأصلُ: دُنْوا وعُلْوا من الدنوُ والعلوّ. ولتحقيقِ هذا مقامٌ
آخرُ.
والمُفْتي: مكيالٌ بعينه؛ يقال: إِنَّه مكيالُ هشامٍ بنِ هُبيرةَ العُمَرَيُّ. وفي الحديثِ أنَّ
امرأةٌ سألتْ أَمَّ سلمةَ أن تُريَها الإِناءَ الذي كان يتوضأ منه عليه الصلاة والسلام فأخرجَتْه،
قالت: فقلتُ: هذا مكُّوكُ المُفتي(٣). روى شَمِر عن أبي حاتم، عنِ الأصمعيِّ قال:
المُفْتي: مكيالُ هشامٍ ابنٍ هُبيرةَ العُمريُّ مكيالُ اللبنِ. وقال ابنُ الأعرابيِّ: المُفْتي: قدحُ
الشُّطَّارِ. وقد أفتَى الرجلُ: إِذا شربَ به فهو مُفْتٍ.
وتَفاتَوا: تَخاصَموا، ومنه الحديثُ: ((أنَّ قوماً تَفاتَوا إِليه)) (٤). وقالَ الطرمَّاحُ:
[ من الوافر]
(١) أخرجه البخاري في العتق، (١٧) باب كراهية التطاول على الرقيق ٢٤١٥، ومسلم في الألفاظ من
الأدب ٢٢٤٩.
(٢) قرأ رويس (فاستفتهم) النشر ١ / ٢٧٢.
(٣) الفائق ٢ /٢٤٧ وغريب ابن الجوزي ١٧٦/٢ والنهاية ٣ /٤١١.
(٤) الفائق ٢ /٢٤٧ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٧٦ والنهاية ٣ / ٤١١.

٢٠٢
باب الفاء
ومِن جَرْمٍ وهُمْ أَهلُ التَفَاتي(١)
١١٧٥ - أنِخْ بِفناءِ أشدَقَ من عَدِيٌ
الَّفاتي: مصدرُ تَفاتَى يَتفاتى، نحو: تَوانَى يَتَوَانَى تَوانياً. والأصلُ تَفاتُياً بضمٌ التاءِ،
وإِنما كُسرِتْ لتصحِّ اللامُ، يدلُّ على ذلك أنه مصدرُ تفاعَلَ على تَفاعُلِ نحوُ: تقاتَلَ
تقاتلاً.
فصل الفاء والجيم
ف ج ج.
قولُه تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا منها سُبُلاً فجاجاً﴾ [نوح: ٢٠]. الفجاجُ: جمعُ فَجِّ وهو
الطريقُ الواسعُ. وقيلَ: الفُحُّ كُلُّ شُقَّةٍ يكتنفُها جبلانٍ. وقولُه تعالى: ﴿يأتينَ من كلِّ نجِّ
عميقٍ﴾ [الحج: ٢٧ ] أي من كلِّ طريقٍ ومن كلِّ وادٍ غامضٍ، وهو أبلغُ أي لم تخفَ
دعوتُك على أحدٍ من أهلِ السهلِ والجبلِ، والمادةُ دالةٌ على السبعة، ومنه
الحديث:(فتفاجَّتْ عليه))(٢) يعني الناقةَ فرَّجتْ رجَلَيْها للحالبِ. وفي حديثٍ آخَرَ يصفُ
جملاً :« أزهرُ مُتَفَاجٌ))(٣) یریدُ : یفتحُ ما بين رجلیهِ لیبولَ، و کنَّى بذلك عن كونه في رعي.
وشربٍ، وذلك أنَّه إِذا كانَ يَرعى ويشربُ كُثر منه البَولُ، وفي حديثٍ آخرَ: ((فركبت
الفَحلَ فَتَفَاجٌّ))(٤). وفي حديثٍ آخر: ((كانَ إِذا بالَ تَفاجَّ))(٥) أي بالغَ في تباعُدٍ ما بينَ
رجليه تحرِّراً من البولِ واستبراءُ منه. وقد أفجَّ بينَ رجليهِ أي باعدَ بينَهما وجعلَ بينَهما
فَجاجاً على الاستعارةِ .
قيلَ: والفجَجُ: تباعُدُ الركبتينِ، وهو أفجُّ منَ الفَحج بالحاء المهملة قبلَ الجيم
وجُرحٌ فَجِّ: لم ينضجْ بعدُ، وفي الحديث: ((إِنَّ هذا الفَجْفَاجَ لا يَدْري ما اللهُ))(٦) قِيلَ: هو
المِهذارُ، ورُوي البَجْباج بالموحدةِ، وهو بمعنى الأول .
(١) البيت في اللسان والأساس (فتي) وديوانه ٢٦.
(٢) من حديث أم معبد في الفائق ٧٧/١ والنهاية ٣ / ٤١٢ وغريب ابن الجوزي ١٧٦/٢.
(٣) الفائق ٥٥٥/١ وغريب ابن الجوزي ١٧٧/٢ والنهاية ٤١٣/٣.
(٤) الفائق ١ /٢٧٧ والنهاية ٤١٣/٣، والحديث لعبادة المزني.
(٥) غريب ابن الجوزي: ٢٧٧/١ والنهاية ٣١٤/٣.
(٦) الفائق ١ / ٦٢ وغريب ابن الجوزي ١٧٧/٢ والنهاية ٤١٣/٣.

٢٠٣
باب الفاء
ف چ ر:
قولُه تعالى: ﴿بل يريدُ الإِنسانُ لِيَفْجُرَ أمامَه﴾ [القيامة: ٥] أي أنه يسوِّفُ
بالتوبة، والمعنى يريدُ الحياةَ ليتَعاطى الفجورَ فيها. وقيلَ: معناهُ يذنبُ ويقولُ: غداً أتوبُ،
ثم لا يفعلُ؛ لِبَذْلِهِ عهداً لا يَفي به، ومنه سُمي الكاذبُ فاجراً لأنه بعضُ الفجور. وأصلُ
الفجورِ شَقُّ سِتِرِ الديانةِ والحياء، وذلك أن المادةَ تدلُّ على شَقِّ الشيءٍ وتَوسعتهِ، ومنه
الفجرُ لأنه يشقُّ الليلَ شَقاً واسعاً. والفجرُ فجران(١): كاذبٌ وصادقٌ؛ فالأُولُ كَذنبٍ
السَّرحانِ يظهرُ ثم يخبو. والثاني هو الذي يعترضُ في الاُفقِ ثم يمضي متزايداً ضوؤه، وهو
الذي تُناطُ به أحكامُ الصومِ والصلاةِ وغيرِ ذلك.
قوله تعالى: ﴿وفجَّرنا (٢) الأرضَ عيوناً﴾ [القمر: ١٢] أي شَققناها شُقوقاً واسعةٌ
تنبعُ منها المياهُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَتُفَجَّرَ الأنهارَ خلالها تَفْجيراً﴾ [الإسراء: ٩١].
ويقالُ: فجرتُ الشيءَ مُخففاً ومُثقلاً، وبهما قرئ قولُه تعالى: ﴿حتَّى تَفْجُرَ (٣) لنا منَ
الأرضِ يَنْبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠].
وفجرَ الرجلُ يفجرُ فُجوراً فهو فاجرٌ، والجمعُ فُجّارٌ وفَجَرة. وقال تعالى: في موضعٍ:
﴿كلّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِينٍ﴾ [المطففين: ٧] وفي آخر: ﴿أولئكَ هُمُ الكفرَةُ
الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] وذلك لما فيه من شَقِّ سترِ الديانة كما قدمتُ تحقيقَه. وقيلَ:
أصلُ الفجورِ الميلُ عن القصدِ. وقالَ بعضُهم في قولهِ تعالى: ﴿بل يريدُ الإِنسانُ لِيَفْجُرَ
أمامَه﴾ أي يكّذبَ بيومِ القيامة الذي سيأتي، فهو أمامَه، والكاذبُ فاجرٌ فالمعنى يكذبُ
بما أمامَه من الحسابِ وغير ذلك، وأنشدَ بعضُهم قولَ بعضِ الأعراب: [من الوافر]
ما مسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ(٤)
١١٧٦ - أقسم بالله أبو حفصٍ عُمَرْ
فاغفرِ اللهِمَّ إِنْ كانَ فَجَرْ
(١) المفردات ٦٢٦.
(٢) قرأ عاصم والمفضل وأبو حيوة وعبد الله (ونَجَرْنا) البحر المحيط ١٧٧/٨.
(٣) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وخلف وأبو جعفر (تُفَجِّرٌ) الإتحاف ٢٨٦ والنشر
٢ /٣٠٨ والسبعة ٣٨٤، وقرأ الأعمش وعبد الله وابن مسلم بن يسار (تُفْجُرُ) البحر المحيط ٦ /٧٩.
(٤) الرجز لرؤية في شرح المفصل ٧١/٣، وليس في ديوانه، ولعبد الله بن كيسبة أو لأعرابي في الخزانة
٥ / ١٥٤ (هارون)، ولاعرابي في المقاصد النحوية ٤ /١١٥ واللسان والتاج (نقبي فجر)، وبلا نسبة
في شذور الذهب ٥٦١، وأساس البلاغة (نقب ).

٢٠٤٠
باب الفاء
أي مالَ عنِ الحقِّ. وسُمِّي تفجّرُ الأنهارِ بذلك لأنَّ فيه مَيلاً عن أحد الجانبين إِلى
الآلخر.
قولُه تعالى: ﴿وإذا البحارُ فُجْرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] قريّ مُخففاً ومُثْقَلاً(١).
وقيلَ: فُجِر بعضُها إِلى بعضٍ حتى تذهبَ مياهُها، وقيلَ: تفجّر العذبُ في الملحِ
فتختلطان، وذلك هو خرابُ الدنيا وهلاكُ ما عليها من حيوانٍ ونبات وشجر لعدمٍ قوامِهم
لقوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حِيٌّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وفي دعاءِ القُنوتِ:
((ونخلَعُ ونَتْرِكُ من يَفْجُرُكِ))(٢) أي مَن يعصيك ويكذبُ بوعدِك ووعيدِكُ، وقِيلَ؛ مَن
يتباعدُ عنك. وقيلَ؛ مَن يخالفُك. وهي معانٍ متقاربة.
وأيامُ الفِجارِ: وقائعُ اشتدَّتْ بينَ العرب، وفي الحديثِ: (( كنتُ يومَ الفِجَارِ أُنْبِّلُ
على عُمومتِي))(٣) أي أناولُهم النبل، وهي ثلاثةُ أفجرةٍ كانت بين قريش وقيس (٤)، وسُمي
ذلك فجاراً لأنهم تحاربوا في الأشهرِ الحُرم، فهذا من أشدِّ الفجور.
قولُه تعالى: ﴿فقُلنا اضربْ بعصاكَ الحَجَرَ فانفجرتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي تنَّعتْ
وتشقَّقَتْ مجاريها، وهذه معجزةٌ في انفجارِ هذه الأعين من حجرٍ يُحمَلُ في مخلاة على
عاتقٍ صاحبهٍ كقدرِ رأسِ الإِنسانِ، يشربُ منه اثنا عشرَ سِبطاً لا يَعلمُ عددَهُم إِلا خالقُهم
أو مَن قَدَّره على ذلك. وكان ذلك بحسبٍ إِرادتهم. قال بعضهم: هذا بَرُّه بمَنَ عصاهُ
فکیفَ بمَن أطاعه؟
ف ج ر:
قولُه تعالى: ﴿وَهُم فِي فَجوةٍ منهُ﴾ [الكهف: ١٧] أي ناحية متسعة من الكهف.
والفجوةُ: المتَّسعُ من الأرض بين جبلينٍ أو تلَّينٍ أو نحوِهما، ومنه: قومٌ فِجاءٌ وفَجْواءٍ:
: بانَ وتْرُها عن كبدها. ورجلٌ أَفْجَى: بَيِّنُ الفَجاء، أي متباعدُ ما بينَ العُرْقوبين لأنَّ بينَهما
(١) قرأ مجاهد والربيع والثوري والزعفراني (فُجْرَتْ)، وقرأ مجاهد (فَجَرَتْ) الرازي ٣١ /٧١ والبحر المحيط
٤٣٦/٨.
(٢) الفائق ٢ / ٢٤٩ وغريب ابن الجوزي ١٧٧/٢ والنهاية ٤١٤/٣ وهو من دعاء الوتر في النهاية ..
(٣) النهاية ٣ / ٠٤١٤.
:
(٤) وقعت أيام الفجار مرتين ، أيام الفجار الأول: وفيه وقعت ثلاثة أفجرة وأيام الفجار الثاني: وفيه وقعت
خمسة أفجرة. وشهد النبي ◌َّه أيام الفجار الثاني وله أربع عشرة سنة وكان يناول عمومته النبل. وقيل :=
۔۔۔

٢,٥
باب الفاء
فجوةً - كما تقدَّم في الفجج - وجمعُها فجواتٌ. قال الراغبُ: والفجاءُ، وهذا غيرُ
مقيسٍ. وفي الحديث: ((فإِذا رأَى فَجْوةُ نصَّ - أي سعةً من الأرض - أسرعَ في سيرهِ بعدَ
العَنَق))(١) وهما ضربانٍ من السِّيرِ. وفي حديث عبد الله: ((لا يُصلَِّنَّ أحدُكم وبينَه وبينَ
القِبلة فَجْوة))(٢) يريدُ ليصلَ ملتصقاً بما أمامَه، ومنه الحديث: ((إِذا صلَّى أحدُكم إِلى
شيءٍ فَلَيْهَقْه))(٣) أي لَيَغْشَه، كلّ ذلكَ حذراً من المرورِ بینَ یدیهِ.
فصل الفاء والحاء
ف ح ش:
قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يأمرُ بالفَحشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] الفحشاءُ: ما تزايدَ
فحشُه واشتدَّ نكرُه، والفاحشةُ كذلك، قال ابن عرفة في قولهِ: ﴿إِنَّما حرَّمَ رَبِّيَ
الفَواحشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] هي كلٌّ ما نهى اللهُ عنه. والفواحشُ عندَ العرب كلٌّ ما قُبحَ،
ومنه مكانٌ فاحشٌ، وقد تفحَّشَ وتفاحَشَ، ومنه قولُ الأنصاريِّ للأحوص: [من الكامل]
فلقد تفحّشَ بعدَكَ المتعلّلُ(٤)
١١٧٧ - هل عيشُنا بكَ في زمانكَ راجعٌ
قولُه: ﴿إِلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ﴾ [النساء: ١٩] قيلَ: الزِّنا، وقيلَ: اللواطةُ والبذاءَةُ
على الزوجِ أو على أحْمائها .
والفاحشُ: البخيلُ، والفاحشةُ: البُخلُ، وأنشدَ لطرفةً: [ من الطويل]
١١٧٨ - أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ وَيَصْطفي عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدَّدِ (٥)
وذلك أنَّ البخلَ من أفحشِ الفُحشِ كقوله عليه الصلاة والسلام: (( وأيُّ داءٍ أَدوَی
من البُخلِ ))(٦) . والفحشُ والتفحّشُ من ذلك.
= بل شهدها وهو ابن ثمان وعشرين سنة. انظر الأغاني ٢٢ /٥٤-٧٤ أيام العرب في الجاهلية
٣٢٢-٠٣٤١
(١) الفائق ١ / ٤٠٢ والنهاية ٣ /٤١٤.
(٢) الفائق ٢ / ٢٤٩ وغريب ابن الجوزي ١٧٧/٢ والنهاية ٤١٤/٣، وهو حديث عبد الله بن مسعود.
(٣) الفائق ٢ /٢٤٩ والنهاية ٢٨٣/٢.
(٤) البيت في ديوانه ١٦٧ والأغاني ٢١ / ٩٨.
(٥) البيت في ديوانه ٣٤ وتقدم في (ش د د) .
(٦) الفائق ٤١٧/١ وغريب ابن الجوزي ٣٥٣/١ والنهاية ١٤٢/٣. وانظر تفسير ابن كثير ٣٧٦/٢.

٢٠٦
باب القاء
والمتفحِّشُ: الآتي بالفحشاء. وسمعَ النبيُّ ◌َّهِ عائشةَ تقولُ لليهود: (( وعليكم
السَّمُ واللّعنةُ والإِفنُ والذأمُ. فقالَ لها: لا تَقولي ذلك، فإِنَّ اللهَ لا يحبُّ الفُحشَ
والمُتفاحشَ))(١). قال الهرويُّ: أرادَ بالفحشِ عدوانَ الجواب لا الفحش الذي هو من قَدعِ
الكلام لأنه لم يكنْ منها إِليهم فحشٌ، وقال غيرُه: إِنه نَهاها عن ردِّ الجواب وإِن كان مثلما
قالوا تكرُّماً. فأمّا إِذا قالته فلا يردُّ عليه.
والفجشُ - أيضاً - الزيادةُ على ما يتعارفُه الناسُ حتى يخرجَ إلى حدِّ الإنكارِ
كطولِ القامةِ وكبرِ الوجهِ المفرطينِ، ومنه قولُ امرئ القيس: [من الطويل]
١١٧٩- وجيدٍ كجيدِ الرَّثم ليسَ بفاحشٍ إِذا هيَ نضَّتْه ولا بمعطّل (٢)
أي ليس بطويلٍ طُولاً زائداً عن عادة الاستحسان في نظائرهِ، والحاصلُ أنَّ كلَّ ما
تزايد قبحهُ فهو فاحشٌ وإِن خُصِّه العُرفُ بأخصَّ من ذلك.
فصل الفاء والخاء
فخ ر:
قولُه تعالى: ﴿وَتَفاخٌُ(٣) بينكُم﴾ [الحديد: ٢٠] التفاخرُ: المباهاةُ في الأشياءِ
الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ولذلك قال تعالى: ﴿إِعلموا أنَّما الحياةُ الدُّنْيا لَعبَّ
ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينَكُمْ وتَكَاثّرٌ في الأموالِ والأولادِ ﴾.
قولُه: ﴿واللهُ لا يحبُّ كلَّ مُخْتالٍ فَخورٍ﴾ [لقمان: ١٨] أي كثيرَ الخيلاء
والفخرِ، ففخورٌ مثالُ مبالغةٍ كفَخيرٍ. وفخرتُ فلاناً على فلانٍ أفخَرُه فَخراً، أي حكمتُ
عليه بفضلٍ.
والفاخرُ: الشيءُ النفيلُ الذي يُضنُّ به، يقالُ: ثوبٌ فاخرٌ، وناقةٌ فَخورٌ: إِذا عظُمَ
ضرعُها وكثُر دَرُّها. ونخلةٌ فاخِرةٌ: طيبةُ البَسْر والتَّمر.
قوله: ﴿خَلقَ الإِنسانُّ من صلصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. الفخارُ ما شُوي
(١) الفائق ١ /٥٥٩ والنهاية ٣٢٨/٢، ٤٢٦/٢.
(٢) البيت من معلقته في ديوانه ١٦، وقد تقدم برقم ٣١٦.
(٣) قرأ السلمي (وتفاخُرُ بَيْنِكم) البحر المحيط ٢٢٤/٨.

٢٠٧
باب الفاء
من الطينِ بالنار. وقيلَ: كلٌّ مصوَّتٍ من ذلك كأنه صُوَّرَ بصورةٍ مَن يُكثر التفاخُرَ.
فصل الفاء والدال
ف د ي:
قوله تعالى: ﴿وإِنْ يَأْتوكم أُسارى تُفادوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. الفداءُ والفدى -
بالمدُ والقصر - بذلُ شيءٍ في مقابلةِ نفسِ الإنسانِ من مالٍ أو أسيرٍ آخر، وقُرِئَ:
(تَفْدوهم)) (١) و((تُفادوهُم)) في المُتَواتِرِ فقيلَ: هما بمعنَى؛ يقالُ: فداهُ وفاداهُ. وقيلَ:
فداهُ إِذا بذلَ في مقابلتهِ مالاً، وفاداهُ: إِذا بذلَ في مقابلتهِ أسيراً آخرَ كأنَّهم راعُوا المفاعلةَ؛
فمن المدِّ قولُ حسانَ رضي الله عنه: [من الوافر]
فشرُّكُما لخيرِ كُما الفداءُ(٢)
١١٨٠ - أتهجوهُ ولستَ له بكفءٍ
ومن القصرِ قولُ الآخر: [ من الوافر]
١١٨١ - فدَّى لكَ مِن أخي ثقةٍ إِزاري(٣)
والحقُّ أنَّ فِدِى - بالقصرِ - مصدرُ فَدى الثلاثي، وبالمدِّ مصدرُ فادَى، نحو قائلَ
قتالاً.
قولُه: ﴿لَا قْتَدَوا به﴾ [الرعد: ١٨] أي افتعلوا الفداءَ عن أنفسهم. وتَفادى فلانٌ
مِنْ فلانٍ: إِذا تحامَى منه بشيءٍ ببذلُه. وفديتُه بنفسي: أي جعلتُها دونَه، قال الشاعر:
[ من الوافر]
١١٨٢ - محمدُ تَفْد نفسَك كلُّ نفسٍ إِذا ما خفتَ من شيءٍ تَبالا(٤)
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر ومجاهد وابن محيصن والأعرج وشبل وقتادة (تَفْدُوهم)
الإتحاف ١٤١ والنشر ٢١٨/٢ والسبعة ١٦٣.
(٢) ديوانه ٦٤. وهو من قصيدة قالها قبل فتح مكة وفيها يمدح النبي لَ له ويهجو أبا سفيان، الذي هجا
النبي قبل إسلامه.
(٣) عجز بيت لنفيلة الأكبر الأشجعي وصدره: (ألا أبلغ أبا حفص رسولا) والبيت في اللسان والتاج
(آزر) والنهاية ٤٥/١ والفائق ٢٨/١. وتقدم برقم ٥٣(أزر) وبرقم ٥٩١(ر س ل).
(٤) نسب البيت إلى أبي طالب وحسان والأعشى، وليس في ديوان واحد منهم. انظر الخزانة ٦٢٩/٣،
٦٦٦ والعيني ٤ /٤١٢ وشرح شواهد المغني ٥٩/٢ ورصف المباني ٢٥٦ وابن يعيش ٣٥/٧
وسيبويه ٣ /٠٨

٢٠٨
باب الفاء
قولُه تعالى: ﴿فِفِدْيَةٌ من صيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. الفديةُ ما يَفدي الإِنسانُ به نفسَه
من مالٍ يبذلُه في عبادةٍ يقصّرُ فيها، وهي الكفّارةُ بعينها.
فصل الفاء والراء
ف رت:
قوله تعالى: ﴿وَأَسْقِينَاكُمْ ماءٌ فُراتاً﴾ [المرسلات: ٢٧] أي حلواً بليغاً في
العذوبة، مِن فرتَ الشيءَ أي شقَّه، فكأنه فرتَ العطشَ، والتاءُ فيه أصليةٌ يوقَفُ عليها تاءٌ،
وفيه لُغيةٌ أنها يوقَفُ عليها بالهاءِ، وهو شاذٌ. والفراتُ يقعُ على الواحدِ والجمع، يقالُ: ماءٌ
فُراتٌ، ومياهٌ فراتٌ. وقالوا: كلُّ ماءٍ عذبٍ فهو فراتٌ، وكلّ ماءٍ ملحٍ فهو بحرّ، وأنشدني
بعضُهم وقد رثى بعض الفضلاء من قصيدةٍ لغيره: [ من الوافر]
إلى أنْ تَلتقي شُعفاً عراقا (١).
١١٨٣ - فلا والله ما أنفكُ أبكي
على جَدَثٍ حَوى الماءَ الفُراتا؟
أُلحى أنْ نزحتُ أجاجَ عَيني
وهو حسنٌ بديعٌ، وفي البيتِ الأولِ شذوذٌ غريبٌ وهو إِبدالُ تاء التأنيث ألفاً،
والمشهورُ قلبُها هاءً بذهابِ التنوينِ، وهذا لغةً لبعضِهِم سُمع منهم: أكلتُ تمرتاً، يريدُ
تمرةٌ .
ف ر ث:
قولُه تعالى: ﴿مِن بينٍ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]. الفرثُ: السِّرجينُ وهو ما في
الكَرِشِ، وأصلُه من فرئتُ كبِدَه أي فتّتُها. وقالتْ أمِّ كلثوم بنتُ أمير المؤمنين رضي اللَّه
عنها، لأهل الكوفة: ((أتدرونَ أيَّ كبدٍ فَرِثْتُمْ لرسولِ اللهِلَّهِ)) والفرتُ - أيضاً - فتُّ
الصبرِ ( وهي القدرُ من) التمرِ. والفُراثةُ: ما أخرجَ من الكرِشِ أيضاً، والمغارثُ: مواضعُ
يُسلخ فيها الغنم.
ف رچ:
قولُه تعالى: ﴿وَإِذا السَّمَاءُ فُرِجَت (٢)﴾ [المرسلات: ٩] كقوله تعالى: ﴿إِذا
. (١) البيتان في الدر المصون ٨ /٤٩٠ دون غزو .
. (٢) قرأ عمروبن ميمون (فُرْجَتْ) البحر المحيط ٤٠٥/٨.

٢٠٩
باب الفاء
السماءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]. والفَرْجُ: الشقِّ، ومنه فَرْجُ الحيوان. والفَرَجُ: الخروجُ
من الضيق والشدَّة. قوله تعالى: ﴿ما لها مِن فروج﴾ [ق: ٦] أي شُقوقٍ، بل هي ملتئمةُ
الأجزاء ليس فيها صُدوعٌ كقولِه تعالى: ﴿هل تَرى من فُطورٍ﴾ [الملك: ٣]. وسمِّي
الخروجُ من الضيقِ فَرَجاً لانفتاحِ الضيقِ وانشقاقه.
ويطلقُ على الدُّبر فرجٌ، وأنشدَ لامرئ القيس يصفُ جملاً: [من الطويل]
١١٨٤ - وأنتَ إِذا استَدْبرتَه سَدَّ فرجَهُ بِضافٍ فُوَيَقَ الأرضِ ليسَ بأعزلٍ (١)
يعني سدَّ بذنبهِ ما بينَ وَرَكيهِ؛ يصفُه بكثرةِ شعرٍ ذنبهِ، وهو محمودٌ في الإِبلِ
وغيرها.
والفُرجةُ: الشقُّ بينَ شيئينٍ بفتح الفاء وضمها وحُكي أنَّ الحجاجَ طالبَ أبا عَمٍوٍ
وغيرَهَ بشاهدٍ على جوازٍ فَرجهَ بفتح الفاء فخرجَ ينتقلُ في أحياءِ العربِ يَبْتغي سماعَ ذلك،
فبينا هو سائرٌ إِذا لقيَهُ راكبٌ يُنشدُ: [من الخفيف]
ــرِ لُهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقالِ(٢)
١١٨٥ - ربّما تجزعُ النفوسُ منَ الأمـ
قال: فسألتُه، فقال: ماتَ الحجاجُ، قالَ: فلم أدرٍ بأيِّهما أفرحُ؟(٢)
واستعُيرَ الفْرجُ للَّغرِ، وكلِّ موضعٍ مخافةٍ. وقيلَ: الفَرْجانِ في الإِسلام: التركُ
والسُّودان. وفي كلام الحجاج قبَّحه اللهُ تعالى: ((استعملتُكَ على الفَرْجِينِ
والمصرين (٤)؛ فالفَرجانِ: خُراسانُ وسجستانُ، والمِصْرَانِ: البصرةُ والكوفةُ. وفي
الحديث: ((صَلَّى وعليهِ فَرُّوجٌ من حريرٍ))(٥)؛ قال أبو عبيد: هو القباءُ الذي فيه شَقٌّ من
خلفه.
(١) ديوانه ٢٣.
(٢) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ٤٤٤ والصحاح واللسان والأساس والتاج (فرج) والمقاييس
٤ /٤٩٩ والجمهرة ٢ / ٨٢ ومعجمم الشعراء ٧٢ وهمع الهوامع ١ /٨، ٩٢ والمقاصد النحوية
١ /٤٨٤ والخزانة ٢ / ٥٤١ وابن يعيش ٤ /٢، ٣٠/٨ وسيبويه ٣١٥,١٠٩/٢ وشذور الذهب ١٣٢.
(٣) الخبر مع البيت في معجم الشعراء ٧٢ وابن يعيش ٤ / ٢.
(٤) غريب ابن الجوزي ١٨٣/٢ والنهاية ٤٢٣/٣.
(٥) مسند أحمد ٤ /١٤٣.

٢١٠
باب الفاء
وفي الحديث: ((لا يُتْرك في الإِسلامِ مُفْرَجٌ))(١) يُروَى بالجيم والحاءِ المهملة؛ فمن
رواهُ بالجيم فاختُلفَ فيه؛ فقيلَ: هو القتيلُ يوجَد في أرضٍ فلاةٍ ليس بقربٍ قريةٍ فُيودَی
من بيتِ المالِ(٢). وقيلَ: هو مَن لا جِرةَ له ولا أهلَ، فإِذا قُتْلَ بينَ قومٍ وجُهِلَ [قاتلُه] ودَاهُ
أولئك القومُ. ومن رَواه بالحاء فقالَ: هو الذي أَثقلَه الدّين(٣)، وقد أفرحه يُفرحه: إِذا
أثقله وكأن الهمزة عندي للسلب لأنه بذلك يُسلب فرحُه ويزولُ. وهذا كانَ خطرَ لي، ثم
رأيتُ الراغب(٤) قالَه ولكن بزيادةٍ فقال: وكأنَّ الإِفراحِ يُستعمل في جلبِ الأفراحِ وهو
إزالةُ الفرحِ، كما أنَّ الإِشكاءَ يُستعملُ في جلبِ الشكوى وفي إزالتها .
وحقيقةُ المفُرج: هو الذي ينفرجُ عنه القومُ ولا يُدرى قاتلُه. ورجلٌ فَرْجٌ: لا ينكتِمُ.
سِرُّه. وفَرَجٌ لا يزالُ ينكشفُ فُرْجُهِ، وقوسٌ فَرْجٌ: انفرجَ سيتاها.
وفراریجُ الدجاج من ذلك لانفراج البيضِ عنها. ودجاجٌ مُفْرِجٌ: ذاتُ فراریج، قال
الشاعر: [من البسيط ].
١١٨٦- كأنَّ أصواتَ من إِيغالِهِنَّ بِنا أواخرِ المَيْسِ أصواتُ الفراريجِ(٥)
والفَرَجُ: انفراجُ الغِمِّ وانكشافُه؛ قال الشاعرُ: [من الوافر]
يكونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ(٦)
١١٨٧ عسَى الكرْبُ الذي أمسيتُ فيه
. ويأتي أهلَهُ الرجلُ الغريبُ
فيأمَنَ خائفٌ وَيُفَكَّ عَانِ
ف رح:
الفرحُ: انشراحُ الصدرِ، وأكثرُ ما يكونُ بلذةِ دُنْيوية عاجلةٍ، ومن ثَمَّ نُهي عنه في
قوله: ﴿وَلا تَفْرِحْ إِنَّ اللهَ لا يُحبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿لِكِيْ لا
(١) الفائق ٢٥٥/٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٨٢ والنهاية ٤٢٣/٣.
(٢) القول لمحمد بن الحسن وغريب ابن الجوزي ١٨٢/٢.
(٣) القول لابن الأعرابي في غريب ابن الجوزي ٢ /١٨٢.
(٤) المفردات ٦٢٩، مادة: فرح
(٥) البيت لذي الرمة في ديوانه ٩٩٦ والخزانه ٢ / ١١٩ وابن يعيش ٧٧/٣ والإنصاف ٤٣٣ وسيبويه ١٧٩/١،
٢٨٠,١٦٦/٢ والخصائص ٤٠٤/٢ والبيان والتبيين ٣٤٢/٢.
(٦) البيتان لهدبة بن الخشرم في ديوانه ٥٤ وشرح شواهد المغني ٤٤٣-٤٤٤ ومعجم الشعراء ٤٦١
ومحاضرات الراغب ٣ / ١١٩٥.

٢١١
باب الفاء
تَأسِوا على ما فاتَكُم ولا تَفْرحوا بما آتاكَم﴾ [الحديد: ٢٣].
والمِفْراحُ: الكثيرُ الفرح لأنه مثالُ مبالغةٍ، وأنشدَ: [من الطويل]
١١٨٨ - ولستُ بمفراح إذا الخير مسّني
ولا جازعٍ من صَرفه المتقلّب(١)
وقد أذنَ فيه تعالى بقوله: ﴿فبذلكَ فَليفرحوا (٢)﴾ [يوسف: ٥٨] لأنه أمرٌ أُخْرويٌّ،
ومثلُه: ﴿ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون بنصرِ اللهِ﴾ [الروم: ٤-٥] لأنه نصرةٌ لدين الله، وذلكَ
أن الرومَ غلبتِ الفرسَ، والرومُ أهلُ كتابٍ في الجملة، والفرسُ عبدةُ نارٍ لا كتابَ لهم؛ فهُم
أبعدُ من المؤمنین.
ويقالُ: رجلٌ فارحٌ: إِذا حدثَ فرحُه، وفرحٌ: إِذا كان ذلك دائماً أو غالباً، وفي
الحديث: ((لا يُتَرَكُ في الإِسلامِ مُفْرَحٌ))(٣) وقد تقَّدم تحقيقُه.
ف رد:
قولُه تعالى: ﴿وكلُّهم آتيه يومَ القيامةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] أي مُنفرداً من أهله
وخلاَّنه وماله، وقد كان يتعزَّر بذلك كله. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿ولقد جئتُمونا فُرَادَى(٤) ﴾
[ الأنعام: ٩٤] الآية. وقيلَ: الفردُ الذي لا يُخلطُ به غيرُه، فهو أعمُّ من الوِتِرِ، ويقالُ له
تعالى: فردٌ بمعنى أنه تعالى يخالفُ الأشياءُ كلها في الازدواجِ المُنبَّه عليه بقوله تعالى:
﴿وَمِن كلِّ شيءٍ خَلقنا زَوجينٍ﴾ [الذاريات: ٤٩] وقيلَ: الفردُ هو المُستغني عن كلِّ
شيءٍ، وقد نبّه عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غنيٌّ عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. وإِذا
قيلَ: هو منفردٌ بوحدانيتهِ فمعناهُ أنه مُستغنٍ عن كلهِ تركيبٍ وازدواجٍ، تنبيهاً أنه بخلاف
كلِّ موجودٍ.
(١) البيت لهدبة بن الخشرم في ديوانه ٦٨ ومعجم الشعراء ٤٦١ وحماسة ابن الشجري ١ /٤٧٤ والحماسة
البصرية ١ /١١٥ ومحاضرات الراغب ٥٠٨/٢، وينسب البيت إلى تأبط شراً في عيون الأخبار ٣٨١/٣
والوساطة ٢٠٧، ويروى للبعيث في عيون الأخبار ٣٧٦/١.
(٢) قرأ أُبيّ (فافرحوا)، وقرأ الحسن (فَلِيَفْرحوا) البحر المحيط ٥ / ١٧٢ ، وقرأ ابن عامر وعثمان بن عفان
والحسن وأبو رجاء وقتادة والسلمي ورويس (فلتفرحوا) الإتحاف ٢٥٢ والنشر ٢٨٥/٢.
(٣) النهاية ٢ / ٤٢٤ وانظر ما تقدم في مادة (ف رج ).
(٤) قرأ أبو عمرو ونافع وخارجة والأعرج (فَرْدَى)، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة (فراداً)، وقرئت (فرادَ)
القرطبي ٧ / ٤٢ والبحر المحيط ٤ / ١٨٢.

٢١٢
باب الفاء
قولُه: ﴿ولقد جئتمونا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقد فسر انفرادُهم بقوله:
﴿وتركتُم ما خوَّلناكُم وراءَ ظهورِ كم وما نَرى شُفْعاءَكُم الذينَ زَعمْتُم﴾ [الأنعام: ٩٤].
وذلك أنَّ الرجلَ في دنياهُ إِنما يتعزَّزُ بمالهِ ورجالهِ، وهؤلاء قد أتوا منكشفين من جميعٍ
ذلك، واعتُرْضَ بينَ المفسِرِ والمفسَّر بالتشبيهِ في قولهِ: ﴿كما خَلَقْنَاكِم﴾ أي عُزلاً،
فليتَهم كما كانوا، كذا جاءَ في الحديث.
وفُرادَى جمعُ فريد؛ قالوا: نحوُ أُسَارَى وأَسير. وقال الفراءُ(١): قومٌ فُرَادَى وفُراد. لا
يُجرونها أي لا يصرفونها، قال: تشبيهاً بُثُلاثَ ورُباعَ، قال: وواحدُها فَرْدٌ وفَرِد وفردان.
قالَ: ولا يجوزُ فردٌ في هذا المعنى.
قولُه تعالى: ﴿رَبِّ لا تَذْرْنِي فَرداً﴾ [الأنبياء: ٨٩] أي وحيداً من ولد يرثُني. وفي
الحديث: ((طُوبى للمُفرِّدين))(٢) قال أبو العباس عن ابنِ الأعرابي: فَرَّدَ الرجلُ: إِذَا تفقَّه
واعتزلَ الناسَ وخلا بمراقبة أوامرِ الله ونواهيه. القُتيبيُّ: هُم الذين هَلك لداتُهم من الناس
ومضَى القرنُ الذي كانوا فيه، فهُم يذكرون اللهَ تعالى: وقال الأزهريُّ: المتخلُّون عن
الناس بذكر الله تعالى(٣). وقال بعضُ الأعراب لسيدنا رسول الله تَّ: [من الرجز]
١١٨٩ - يا خيرَ مَن يَمشي بنعلٍ فَرْدِ(٤)
يريدُ بنعلٍ لم تُخصَف طِراقاً، أي طريقةً فوق أخرى، وهُم يُمدحون بمثلِ ذلك؛
يقولون: رقيقُ النّعل، وفردُ النعل: أي لم تُطارَقْ طبقةً فوقَ أُخرى، وعلى ذلك قالَ النابغةُ:
[من الطويل]
يُحَيَّونَ بِالرَّيحانِ يومَ السَّباسب (٥)
١١٩٠ - رقاقُ النّعالِ طٌِّ حُجُزاتُهمْ.
قال الهرويُّ: أرادَ بآخرِ العربِ لأنَّ لبسَ النعال لهم دونَ العجم. ((لا تُعدُّ
.(١) معاني الفراء ١ /٣٤٥.
(٢) الفائق ٢ /٢٥٨ والنهاية ٤٢٫٥/٣.
(٣) ورد قول ابن الأعرابي والقتيبي والأزهري في غريب ابن الجوزي ٢ /١٨٣.
(٤) البيت في النهاية ٥,٤٢٦/٣ /١٣٥٫٨٣ واللسان والتاج (فرد، نعل، نهد) وغريب ابن الجوزي
٢ /١٨٣، وبعده " أَوْهَبَهُ لنهذةٍ ونهد لا تسبينَّ سلبي وجلدي ..
!
(٥) ديوانه ١٤٧ يريد أنهم ملوك ليسوا بأصحاب مشي ولا تعب. وقوله («طيب حجزاتهم)) أي أعفاء
٠٠
الفروج .والسباسب: عيد من أعياد النصارى))

٢١٣
باب الفاء
فارِدَتُكُمْ))(١) أي الزائدةُ على الفَريضة.
ف ردوس:
قولُه تعالى: ﴿كانتْ لهم جناتُ الفردوسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] ﴿الذيَ يَرِثونَ
الفردَوسَ هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون: ١١]. قيلَ: هو كلُّ بستانٍ، وقيلَ: إِذا كان فيه
نخلٌ وكرمٌ وماءٌ جارٍ وإِلا فهو بُستانٌ، وهل هو عربيٌّ أم فارسيٌّ معربٌ فيه قولانٍ(٢). وقيلَ:
هو مكانٌ مخصوصٌ في الجنة، يقال: أنَّه أعلاها(٢)، ووزنُه فِعْلَلُّ نحوُ: قَرْطُعب.
والتحقيقُ أنْ لا وزنَ له لعجمته. وقال الفراء: الفردوسُ هو البستانُ الذي فيه الكرْمُ بلغةٍ
العرب، فظاهرٌ هذا أنه عربيُّ الأصلِ لا مُعرب.
ف رر:
قوله تعالى: ﴿يقولُ الإِنسانُ يومئذٍ أينَ المفرُ(٤)﴾ [القيامة: ١٠] أي المهربُ،
مِن: فرَّ الرجلُ يفرُ إِذا هربَ. وهو في الآية الكريمة يحتملُ أن يرادَ به مكانُ الفرارِ وزماتُه
ونفسُ الفرارِ، نحو المَقتل والمَضرب. والأصلُ: مَفْرَر، وإنَّما أُدغم.
وأصلُ الفرِ الكشفُ؛ يقالُ: فررتُ عن الدابةِ فراراً: إِذا كشفتَ عن سنُّها لتعرفَ كم
عمرُها. والاقْترارُ: ظهورُ السنِّ من الضَّحك. وفرَّ عن الحربِ فِراراً، وبه سُمي الشاعرُ
المشهورُ فقيلَ له الفَرّار (٥). وقال امرؤ القيس يصفُ جواداً: [من الطويل]
(١) الفائ ٥٥/٢ وغريب ابن الجوزي ١٨٣/٢ والنهاية ٤٢٦/٣.
(٢) قال مجاهد : الفردوس هو البستان بالرومية، وقال السدي: هو الكرم بالنبطية. تفسير ابن كثير
١١٣/٣ والإتقان ١٣٧/٢.
(٣) أخرج البخاري في الجهاد ، (٤) باب درجات المجاهدين ٢٦٣٧، وأعاده في التوحيد ، باب
(٢٢) برقم ٦٩٨٧(( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة .. )) وفي تفسير ابن
كثير ٣ /١١٣« قال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها)).
(٤) قرأ الحسن والزهري (المفرُّ) البحر المحيط ٣٨٦/٨، وقرأ الحسن وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة
وأبو رجاء وأبو حيوة والزهري (المَفِرُّ) الإتحاف ٤٢٨ والقرطبي ١٩ /٩٧.
(٥) هو الفرّار السلمي واسمه حيان ( حبان ) بن الحكم بن مالك بن خالد بن صخر بن الثريد . شاعر
مخضرم ، شهد حنيناً ، سمي بالفرار لفراره من المعركة وهو يقول : فتركتهم تقص الرماح ظهورهم من
بين منعفر وآخر مسندانظر أخباره في الحماسة البصرية ٢٨/١ والوحشيات ٥٢ والإصابة ١٥٥١.

٢١٤
باب الفاء
١١٩١ مكَرْ مِفَرُ مُقبلٍ مُدبر معاً كجلمود صخرٍ حطّهُ السَّلُ منَ عَلٍ (١)
وأَفِررتُه: جعلتُه فاراً. ورجلٌ فَارِّ وفَرِّ. وقولُه: ﴿فَقَرَرْت منكُمْ﴾ [الشعراء: ٢١]
تنبيهً منه تَُّ على فَرَطِ تَعدِّيهم، وأنه بالغَ في الهربِ منهم فالفِرارُ أخصُّ من الهرب. وكذا.
قولُه. ﴿فَفِرُّوا إِلى الله ﴾ [الذاريات: ٥٠ ] أي امتثال أوامره واجتناب نواهيه. وقد يستوي
فيه الواحدُ المذكر والمثَّنى وضدّاهما على قاعدةِ الوصف بالمصدرِ؛ يقالُ: هذا فِّ،
وهذان فِّ، وهؤلاءِ فٍّ. وفي حديث سراقةً: «هذانِ فَرُ قُریشٍ))(٢) يعني النبيَّ څ﴾، وآبا بكرٍ.
وفي حديثٍ عَونٍ: (( ما رأيتُ أحداً يُفَرِفُرِ الدُّنيا فرفَرة هذا الأعرجِ))(٣) يعني أبا حازم، أي:
يمزِّقُها ويشنِّعُها بالذمَّ لها كما يُفُرفَرُ الذئبُ الشاةَ. وقال ابنُ عمرُ لابنِ عباسٍ رضي الله:
عنهم: ((كان يبلُغُني عنكَ أشياءُ كرهتُ أن أفْرَّك عليها)»(٤) أي أُظاهرُكَ وأكشفها لك، مِن
فررتُ الدابةَ. وفي الحديث: ((كانَ يَفْتُّر عن مثلٍ حبِّ الغمامِ))(٥) يريدُ تبدو أسنانُه من:
غيرِ قهقهةٍ. وحَبِّ الغمام هو البَرّد.
ف ر ش:
قولُه تعالى: ﴿وَمِنَ الأنعامِ حَمولةً وفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢]. الفرشُ: البقرُ والغنمُ.
قال الأزهريُّ: ومما يدلُّ على هذا التفسيرِ قولُه تعالَى إِثْرَه: ﴿ثَمانيةَ أزواجٍ منَ الضانِ
اثنين﴾ [الأنعام: ١٤٣] الآية. قالَ: ونصبَ ثمانية لأنه بدلٌ من قوله: ﴿حَمولةٌ.
وفَرشاً﴾. فقولُه ﴿ثمانيةَ أزواجٍ﴾ هي الحمولةُ والفرشُ، قال: وإِلى هذا أذهبُ. قُلتُ:
ويجوزُ نصبُه بِإِضمارِ فعلٍ، وَقَالَ الراغبُ(٦): والغرشُ: ما يُفرشُ من الأنعامِ أي يُركب،
يَعْنِي كُنِّي بالافتراشِ عن الركوبِ، يعني أنَّ منها ما يُحمِلُ عليه ومنها ما يُركب، يعني أنه
جامعٌ بينَ هذين الأمرين.
قولُه: ﴿وَفُرْشٍ (٧) مَرَفوعةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قيلَ: كُنِّي بذلك عن النساءِ في الجنةِ،
. (١) البيت من معلقته في ديوانه ١٩.
(٢) الفائق ٢ /٢٥٧ وغريب ابن الجوزي ١٨٣/٢ والنهاية ٤٢٧/٣.
(٣) الفائق ٢ /٢٧٣ وغريب ابن الجوزي ١٨٤/٢.
(٤) النهاية ٤٢٧/٣ وفيه الحديث لعمر.
(٥) الفائق ١ / ٦٤٣ والنهاية ٤٢٧/٣.
(٦) المفردات ٦٢٩.
(٧) قرأ أبو حيوة (وفَرْشٍ) البحر المحيط ٢٠٧/٨.

٢١٥
باب الفاء
والعربُ تفعلُ ذلك. يقولون: هو كريمُ المفارشِ والفَرْش، ومعنَى مرفوعة أي عالية في
جنسِها رفيعٌ محلّها، وقيلَ مصونةٌ غيرُ مبتذلةٍ. وقيلَ: الفرشُ ما يُفترشُ من متاعِ البيتِ،
وهو أظهرُ. وقيلَ: معنى رفعها مرادٌ بها النساءُ أنها فاقَتْ نساءَ أهلِ الدنيا.
والفراشُ: ما يُجلسُ عليه، ومنه قولُه تعالى: ﴿جعل لكم الأرضَ فِراشاً (١)﴾
[البقرة: ٢٢] أي مفرشَه مُستقراً عليها، ولم يجعلها ناتئةً غيرَ ممكنِ الاستقرارُ عليها.
وافترش الرجلُ صاحبَه: اغتابَه وأساءَ قولَه فيه. وأفرشَ عنه: أَقلعَ.
قوله تعالى: ﴿كالفَرَاشِ المبثوث﴾ [القارعة: ٤]. الفَراشُ: صغارُ البقِّ ونحوه،
وهو ما يتهافَتُ وُقُوعاً في النارِ؛ سُمي بذلك تصوراً منه أنه يفرشُ الجوَّ. وبه يُضربُ المثلُ
في الطَّيش وخفة الحلم. وأنشد: [من الرمل]
١١٩٢ - وفراشُ الحلم فرعونُ العذاب
وإِنْ شُبه الناسُ يومَ القيامةِ من فَزَعِهِم وظهورِ جَزَعِهم وذهابٍ عُقولهم بفراشٍ انتشرَ
وتفرَّقَ، ولا يُرى أبلغُ من هذا التشبيهِ وما فيهِ من التنبيهِ على هولِ ذلك اليوم، ومثلُه:
﴿يَومَ تَرَوْنِها تَذْهَلُ كلُّ مرضعةٍ عمّا أَرضعتْ﴾ [الحج: ٢]. رزقنا اللهُ بمنُه في ذلك اليومِ
أمنَه بمن أنزلَ عليه أشرفَ كتبه .
والفراشةُ: الماءُ القليلُ في الإِناء. وهي - أيضاً - فَراشةُ القُفْل على التشبيهِ في
الهيئةِ، وفي الحديثِ: ((نهى عن اقْتِراشِ السَّبُع في الصلاة))(٢) وهو أن يبسُطَ ذراعيه على
الأرضِ ولا يرفعَهُما في سجودهِ. وأنشدَ لعمرو بنِ مَعدي کربَ: [ من الوافر]
١١٩٣ - تری السرحان مُفْترشاً یدیه
كأنَّ بياضَ لَبَّتْهِ الصَّدِيعُ(٣)
وفي آخرَ: ((إِلاَّ أنْ يكونَ [مالاً] مُفْترشاً)) (٤) أي لا مَغْصوباً قد انبسطتْ فيه الايدي
بغير حقّ. قولُه عليه السلامُ: ((الولدُ للفراشِ))(٥) أي لصاحبِ الفراشِ وهو الزوجُ أو
(١) قرأ يزيد الشامي (بساطاً) وقرأ طلحة (مهاداً) البحر المحيط ١ /٩٥.
(٢) مسند أحمد ٦/ ٣١.
(٣) ديوانه ١٤٦ والخزانة ٣ /٤٦٣ واللسان والتاج (فرش ، صدع).
(٤) الفائق ٢ /٢٧٢ وغريب ابن الجوزي ١٨٥/٢ والنهاية ٤٣٠/٣.
(٥) أخرجه البخاري في البيوع، (٣) باب تفسير المشبّهات ١٩٤٨، ومسلم في الرضاع ١٤٥٧.

٢١٦
باب الفاء :
المالكُ، وهذا معدودٌ من مُختصر الكلام. وفي الحديث: ((لكم العارضُ والفريشُ))(١)
قيل: الفريشُ هي التي قُربَ وضِعُها أو وضعتْ قريباً كالنُّفَساء. وقيل: هو كلُّ نبات لا
ساقَ له كأنَّه فُرشَ على الأرض؛ فعيلٌ بمعنىَ مَفعول، وقيل: هو المَوضع الذي يكثُرِ به :
النباتُ.
ف رض:
قولُه تعالى: ﴿لا فارضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]. الفارضُ من البقر التي طَعنت في
السنُّ كأنَّها فرضَتْ سنَّها أي قطعتْه. وقيلَ: سُمي فارضاً لأنه فارضُ الأرضِ أي قاطعٌ لها
أو قاطعٌ لما يُحمَّلُ مِن الأعمال الشاقَّة. وقيلَ: بل لأنَّ فريضةَ البقرِ اثنان: تَبيعٌ ومُسنَّةٌ؛
فالتَّبيعُ يجوزُ في حالٍ دونَ حالٍ، والمسنَّةُ يجوزُ بذلُها في كلِّ حال، فسُميت المُسنَّةُ
فارضاً لذلك. قالَ الراغبُ (٢): فعلى هذا يكونُ الفارضُ اسماً إِسلامياً، وإِنَّما سُمِّي الفارضُ
فارضاً لقدمهِ، وكلُّ قديمٍ يقالُ له فارضٌ. وأنشدَ يقولُ: [ من الرجز]
له قُروءٌ كقُروءِ الحائضِ(٣)
١١٩٤ - یا رُبَّ ذي ضَغْنٍ علىَّ فارِضٍ
وأصلُ الفَرْض: قطعُ الشيءِ الصلبِ والتأثيرُ فيه كقطع الحديد، وفرضِ الرَِّد
والقوسِ. والمِفْرَضُ والمِفْراضُ ما يُقطعُ به الحديدُ. فُرضَةُ الماءِ: مَقْسِمُه.
والفرضُ والواجبُ عند بعضِهِم مُترادفان، وعندَ آخرينَ مُتغايران؛ فالفرضُ ما ثبتَ
بدليلٍ قطعي، كفرضِ الظهرِ وغيرِهِ من الخَمسِ. والواجبُ ما ثَبت بدليلٍ كالوترِ . قال
الراغبُ: والفرضُ كالإِيجاب لكنَّ الإِيجابَ يقالُ اعتباراً بوقوعهِ وتُبُوتِه، والغرضُ بقطعِ
الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْناها ﴾ [النور: ١] أي أوجَبْنا العملَ بها،
وقال تعالى: ﴿وإِنَّ الذي فَرَضَ عليك القرآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص : ٨٥] أي
أَوجبَ عليك العملَ به، ومنه يقالُ لِما ألزمَ الحاكمُ منَ النفقةِ: فَرْضٌ. وقُرِئَ ((وَفَرَضناها))
مُخففاً ومُشدداً (٤)؛ فالمخفّفُ بمعنى: جَعلنا فيها فرائضَ الأحكام، والتشديدُ: جَعلنا فيها
(١) الفائق ٢ /٥ والنهاية ٣ /٤٣٠
(٢) المفردات ٦٣١.
(٣) الرجز دون عزو في اللسان والتاج والأساس والعباب (فرض) ومجالس ثعلب ١ /٣٠١ والأضداد ٢٨
والحيوان ٦ /٦٦ -٦٧.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وابن مسعود ومجاهد وقتادة (وفرَّضناها) الإتحاف ٣٢٢ والنشر
٣٣٠/٢ والسبعة ٤٥٢.
:

٢١٧
باب الفاء
فريضةٌ بعدَ فريضةٍ. وقال الأزهريُّ: في التخفيفِ: ألزمناكُم العمل بها، وبالتشديد
فَصَّلناها وبيَّنَا ما فيها. والفَرْضُ يطلقُ على التمرِ لأنه يُقطع للأكلِ، وأنشدَ الهرويُّ عن
الأزهريِّ: [من الرجز ]
ذهبتُ طولاً وذهبتُ عَرْضا (١)
١١٩٥ - إِذا أكلتُ سمكاً وفَرْضا
قوله تعالى: ﴿نَصِيباً مَفروضاً﴾ [النساء: ٧] أي مَقطوعاً، وقيل مُوفياً، وقيل
معلوماً.
قولُه: ﴿وقد فَرَضْتُم لهنَّ فريضةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي سمَّيتُم لهنَّ مَهْراً وأوجبتُم
على أنفسكم ذلك وقَطعتُموه لهن. وقيلَ: للدينِ فرائضُ لأنها أمورٌ مَقطوعٌ بها، وفرائضُ
الميراث لأنها قُطعتْ وفُصلت.
قولُه تعالى: ﴿ما كانَ على النبيِّ من حرجٍ فيما فَرَضَ اللهُ له﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي
ما حدَّده وبيَّنْه وفصِّله. يقالُ لِما أُخذ في الصدقةِ فريضةٌ، ومنه كتابُ أبي بكرٍ لبعضٍ
عماله: ((هذا كتابٌ فيه فريضةُ الصدقة التي فرضَها رسولُ اللّه عٌَّ على المسلمين))(٢).
قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضِ فِيهِنَّ الحجِّ﴾ [البقرة ١٩٧] أي أوجبَ على نفسه. قال
ابنُ عرفةَ: الفرضُ: التوقيتُ، وكلُّ فرضٍ مؤقتٍ فهو فروضٌ. والفَرْضُ: العلامةُ - أيضاً -
وقيلَ: معناهُ مَن عيَّنَ على نفسهِ إِقامةَ الحجِّ، فإِضافةُ فرضِ الحجِّ على الإِنسانِ دلالةٌ على
أنَّه هوُ مُعيِّنّ الوقتَ، كذا قال الراغب(٣). يعني أنه في هذه الأشهرِ مُخيِّرٌ فأيَّ وقتٍ عِيَّنَه
فيها جازَ. وخطب ابنُ الزبير خطبةٌ قال فيها: ((واجعلوا السيوفَ للمنايا فُرَضاً))(٤) يريدُ:
اجعلوا السيوفَ طُرقاً للموت، يريدُ: تعرَّضوا للشهادة بأن تقاتلوا.
والفُرَضُ: جمعُ فُرْضة وهي مشارعُ الماءِ، وهذه استعارة بليغة .
(١) الرجز دون عزو في الصحاح والعباب والمقاييس واللسان والتاج (فرض) ومجالس ثعلب
١٧٩ والمخصص ١١ / ١٣٤.
(٢) أخرجه البخاري في الشركة، (٢) باب ما كان من خليطين ٢٣٥٥، وفي الزكاة برقم ١٣٨٠ وابن ماجة
في الزكاة ١ / ٥٧٥.
(٣) المفردات ٦٣٠.
(٤) الفائق ١ / ٤٥٣ وغريب ابن الجوزي ١٨٧/٢ والنهاية ٤٣٣/٣.

٢١٨
باب الفاء
ف رط:
قولُه: ﴿ مَا قَرَّطنا (١) في الكتابِ من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي ما تركْنا وقصَّرنا ولم
نعجزْ عن إِيداع جميع الأشياء فيه. والمعنى: ما ضيَّعنا شيئاً من ذلك: فَرَطَ يَفْرُطُ: إِذا
تقدَّم، وفرَّط يُفرِّط: إِذَا ضَيِّع وعَجز، وأَفرط يُفرِط الماءُ: تجاوزَ الحدَّ واشتطَّ. وقيلَ: فَرط
يَفْرط: إِذا تقدَّم تقدُّماً بالقصد، ومنه الفارِطُ إِلى الماء: المتقدمُ لإصلاح الدُّلو.
قولُه تعالى: ﴿وهم لا يُفرِّطُون﴾ [الأنعام: ٦١] أي لا يُقَصِّرُون ولا يُغفلون. قولُه
تعالى: ﴿ومن قبلُ ما فَرَّطْتُم في يوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٠] أي من قبلِ تفريطكم أي
تقديمكم الذنبَ. وقال ابنٌّ عرفة: معنى التفريط أن تتركَ الشيءَ حتى يمضيَّ وقتُ
إِمكانه، ثم يخرجَ إِلى وقتٍ يُمتنعُ فيهِ، ومنه التفريطُ في الصلاةِ وهو تركُها حتى يتقدَّمَ
وقتُها.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهِم مُفرَطون﴾ [النحل: ٦٢]. قال مجاهدٌ: مَنسيون، وقيلَ:
مَتروكون في النار. وقال الأزهري: الأصلُ فيه أنَّهم مُقدَّمون إِلى النارِ مُعجَّلون إِليها.
يقالُ: أفرطتُه أي أقدمتُه، وقُرِئَ بكسرِ الراءِ وهي شاذة (٢).
قولُه تعالى: ﴿ وَكانَ أُمِرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨ ] أي مُضيّعاً متهاوناً به. قال أبو
عبيدةَ: أي نَدماً. وقيلَ: سَرَفاً، وكأنه المتجاوزُ فيه .
قولُه تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ(٣) عَلينا﴾ [طه: ٤٥] أي يتجاوزَ، وقيلَ:
يُعاجلنا ويُقْدم لنا العقوبةَ. يقالُ: فرطَ من فلانِ أمرٌ: أي بَدَر، وقال ابنُ عرفَةَ: معناهُ يُعجل
فيقدَّمُ لنا منه مكروهٌ، وهو قريبٌ ممّا تقدَّم. وفي الدعاءِ للطفلِ الميت: ((واجْعله فَرطَا))(٤)
أي أجراً متقدِّماً. وفي الحديث: (أنا فَرَطُكُم على الحوضِ))(٥) أي أتقدمُكم، يقالُ:
(١) قرأنا الأعرج وعلقمة (ما فَرَطناً) البحر المحيط ٤ / ٠١٢١.
(٢) قرأ نافع والكسائي وابن عباس وابن مسعود وشيبة وأبو رجاء (مُفْرِطُون)، وقرأ أبو جعفر( مُفرِّطون)،
الإتحاف ٢٧٩ والنشر ٣٠٤/٢، وقرأ الأعرج وأبو جعفر(مفرطون) الكشاف ٤١٥/٢.
(٣) قرأ ابن محيصن والزعفراني وابن عباس ومجاهد وعكرمة (يُفْرِط)، وقرأ: ابن محيصن (يَفْرَط)، وقرأ
يحيى وأبو نوفل وابن محيصن (يُفْرَط) البحر المحيط ٦ /٢٤٦ والقرطبي ٢٠١/١١.
(٤) غريب الهروي ١ /٤٥ والنهاية ٣ / ٤٣٤ وتمام الدعاء ((اللهم اجعله لنا فرطاً)).
(٥) أخرجه البخاري في الرقاق، (٥٣) باب في الحوض ٦٢٠٥ ومسلم في الفضائل ٢٢٩٧ ومسند أحمد
٢٥٧/١.

٢١٩
باب الفاء
فرطْتُ القومَ أي تقدَّمْتَهم، لتَردَ لهم الماءِ وتُهِّئَّ الدِّلاءَ والرِّشاء.
وأفرطَ فلانٌ ابناً له: أي تقدَّم له ابنّ. وفي الحديث: ((أنا والنبيُّون فُرّاطٌ
القاصفين))(١) أي متقدمون في الشفاعة. وفي الحديث: ((نَهاكِ عنِ الفُرْطةِ في البلاد))(٢)
أي التقدّمِ والسَّبق.
وفرسٌ فُرُطٌ: أي سابقٌ غيرَه من الخيل.
ف رع :
قولُه تعالى: ﴿وقالَ رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون﴾ [غافر: ٢٨]. فرعونُ اسمٌ
أَعجميٌّ، يقالَ: كلُّ مَن ملكَ مصرَ فهو فرعونُ، وقيلَ: كلٌّ مَن ملكَ العمالقةَ فهو فرعونُ،
كما أنَّ كلَّ مَن ملكَ الرومَ فهو قيصرُ، ومَن ملكَ الفرسَ كسرى، وكلُّ مَن ملكَ اليونانَ فهو
بَطليموس، وكلُّ مَن ملكَ الحبشَ فهو نجاشيٍّ، وكلُّ مَن ملكَ حِمِيرَ فهو تُبَّعٌ. واختُلفَ
في اسمهِ الأصليِّ؛ فقيلَ: مصعبٌ، وقيلَ غيرُ ذلك، وقد تصرَّفتْ فيه العربُ واشتقُّوا منه
فعلاً فقالوا: تفرعَنَ فلانٌ: إِذا فعلَ فعلَ فرعونَ، وقالوا: هُم الفراعنةُ للعُناةِ، وأنشدَ بعضُهم:
[من البسيط ]
أقصى تفرعنه وفرط غرامه (٣)
١١٩٦ - قد جاء موسی کلیم الله فزاد في
وهذا كما قالوا: أبلسَ فلانٌ: أي فعَلَ فعلَ إِبليسَ. وقالوا: أبالسة. وظاهرُ تصرفه
فيما ذكرتُه يدلُّ على أصالةِ نونِهِ لثبوتِها في تصاريفهِ. وقد يقالُ: إِنه لما كان أعجمياً لم
يُعتبر ذلك.
وفروعُ الشجرةِ: أغصانُها، ويقال ذلك باعتبارينٍ: إِمّا باعتبارِ الطولِ والامتدادِ
يقالُ: فرعَ فلانٌ كذا: إِذا أطالَه، ومنه قيلَ للشَّعرِ. وامرأةٌ فرعاءُ: طويلةُ الشعر، ورجلٌ
أُفرِعُ، قالَ امرؤُ القيسِ: [ من الطويل]
أثيث كقنْو النَّخلةِ المُتَعَشكل(٤)
١١٩٧ - وفرعٍ يُغْشِّي المْنَ أسودَ فاحمٍ
وقال الأعشى: [ من البسيط ]
(١) غريب ابن الجوزي ٢ /١٨٧ والنهاية ٤٣٤/٣.
(٢) النهاية ٣/ ٤٣٤ وهو حديث أم سلمة لعائشة.
(٣) لم أهتد إِليه .
(٤) البيت من معلقته في ديوانه، وقد تقدم برقم ٢٢.

٢٢٠
باب الفاء
١١٩٨ - غَرَّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عوارضها
تَمشي الهُوينَى كما يَمشي الوَجي الوَحِلُ(١)
وفَرَعْتُ الجبلَ: أي تَوقَّتُه(٢). وفَرَّعتُ رأسَه بالسيف. وافْتَرعتِ المرأةُ وتَفرَّعتْ في
بني فلانٍ: تزوَّجتْ في أشرافِهِم. وإِمّا باعتبارِ الأخذِ من الشيءٍ أو ما قاربَه، ومنه قيل
للولد : فرعُ والدهِ، وفرعُ المسألةِ: ما نشأ منها ولذلك قوبلَ بالأصل. وفرعُ الشجرة يقال
بالاعتبارين: الطول وكونه من أصلٍ نشأ عنه، وفي الحديث: ((لا فرعَ ولا فرعَة في
الإِسلام))(٣). قال أبو عبيد: الفَرَعُ والفَرّعةُ بفتح الراء: أولُ ما تلدُ الناقةُ، وكانوا يذبحونَها".
لآلهتهم في الجاهليةِ فنهي المسلمون عن ذلك (٤). وقال أبو مالكٍ : كانَ الرجلُ إِذا بلغتْ
إِلُّه مئةً قدَّم بِكراً فنحرَه فذلك الفرعُ.
ف رغ:
قولُه تعالى: ﴿وَأُصبحَ فؤادُ أُمِّ موسى فارغاً (٥)﴾ [القصص: ١٠] أي خالياً من
الصَّبر لشدَّةِ تَهالكها عليه. وقيلَ: خالياً من كلِّ شيءٍ إِلا من ذكرٍ موسى، وقيلَ: فارغاً من
الاهتمام بموسی لان اللّه تعالى وعدها أن یردُّه إليها. وقيل: أنسیناها ذكره حتى احتملتْ
أن تُلقيَ فِلْذَةَ كبدِها في البحرِ، وهذا لا يقدرُ عليه بشرٌ إِلا بأن يُقْدِرَه اللهُ عليه، ويؤيدُ
الآخَرَ قولُه تعالى: ﴿لولا أنْ رَبَّطنا على قلبِها﴾ [القصص: ١٠] بعدَ قوله: ﴿إِنْ كادتْ
لتبدي به ﴾.
قولُه تعالى: ﴿سَنَفْرُعُ(٦) لَكُم﴾ [الرحمن: ٣١] أي سنعملُ، وهو مما يتعارفُه
(١) ديوانه ١٠٥.
(٢) توقل الجبل: صعد فيه.
(٣) في الفائق ٢٦٥/٢ والنهاية ١٤٣٥/٣ لا فرعة ولا عتيرة)) وأخرج البخاري في العقيقة، (٣) باب
الفرع ٥١٥٦ و١٥١٥٧ لا فَرَعَ ولا عتيرة)) ومسلم في الأضاحي ١٩٧٦.
(٤) غريب الهروي ١ / ١٥٦ وغريب ابن الجوزي ١٨٨/٢.
(٥) قرأ ابن عباس (قُرِعاً، قَرْعاً)،وقرأ الخليل بن أحمد (فُرُعاً)، وقرئت (فِزْعاً) البحر المحيط
١٠٧/٧)، وقرأ فضالة بن عبيد (فَرِغاً) وقرئت (فِرْغاً) إِملاء العكبري ٢ /٩٥، وقرأ أبو العالية وابن.
محيصن وابن السميفع وفضالة بن عبيد (فَزِعاً) البحر المحيط ٧ /١٠٧ والقرطبي ٢٥٥/١٣.
(٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش وابن وثاب (سَيَفْرُغُ)، وقرأ عاصم وهبيرة وحفص وقتادة والأعرج
(سَنَفْرَغُ) ، وقرأ الأعمش وأبو حيوة والزعفراني وابن أبي عبلة (سَيُفْرَغُ)، وقرأ أبو عمرو ويونس والأعرج
وعبد الوارث (سَيَفْرَغُ)، وقرأ عيسى (سَتَفْرِغُ) البحر المحيط ١٩٤/٨ والقرطبي ١٧ /١٦٩.