Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب العین
عَصْبٍ يوماً أَدِيمُها نَغِلا(١)
١٠٣٩ - يوماً تراها كشبه أردية الـ
والعصابَةُ: ما يُعْصَبُ بها الرأسُ، أي يُشِدُّ. والعَصوبُ: الناقةُ التي لا تَدِرُّ حتى
تُعصَبَ. والعَصيبُ في بطونِ الحيوانِ لكونهِ مَعْصوباً أي مَطْوياً. والعصابةُ أيضاً: الجماعةُ
من الناس لأنهم تعصبُ بهم الأمورُ. ومنه قولُهم: اغفرْ لنا أيتُها العصابةُ. وقيلَ: العُصْبَةُ
والعصابةُ واحدٌ. وقال غيرُه: هي من العَشَرَةِ إِلى الأربعين. والعُصْبةُ أيضاً: نباتٌ يَتَلوَّى
وينْطوي على الشجرِ وهو اللَّبلابُ. ولما أقبلَ الزبيرُ نحوَ البصرة . سُئل عن وجهه فأنشدُ:
[ من الرجز]
قتادىٌ تَعلَّقَتّ بِنُشْبَهْ(٢)
١٠٤٠ - عَلِقْتُهُمْ إِنِي خُلقْتُ عُصْبَهْ
قالَ شَمِر: بَلَغني أنَّ العربَ تقولُ: [من الرجز]
قتادةُ مَلْوِيَّةٌ بِعُصْبَهْ (٣)
١٠٤١- غَلَتْهِمْ إِني دُلِقْتُ نُشْبَه
والنُّشْبةُ من الرجال: إِذا تعلّقَ بشيءٍ لم يكدْ يفارقُه: وفي المثلِ: ((لا تُعْصِبُ
سَلَماتُه))(٤) يقالُ للرجلِ الذي لا يُقهرُ ولا يُستذلُّ. ومنه قولُ الحجاج لأهل العراق:
((لاَعْصِبَتَّكُم عَصْبَ السَّلَمةِ))(٥) السَّلَمةُ: شجرةٌ يُدبغ بورقِها يعسُرُ خَرْطُه، فتُعْصَبُ
أغصانُها بحبلٍ ونحوهِ، أي تجمعُ بحبلٍ وتُخْبط بعصاً فيتناثَرُ ورقُها. وأصلُ العصبِ الليُّ.
وفي حديثِ عبدِ اللهِ بن أبيُّ: ((فقد كانَ أهلُ هذه البحيرةِ اصطلحوا على أن يُعصُّبُوهُ))(٦)
أي يُسوِّدوه ويُعصِبُوهُ بالعصابَةِ. ويسمون السيدَ مُعصَّباً لأنه يعصبُ بالتّاج أو تُعصَّبُ به
أمورُ الناسِ. ويقالُ له أيضاً: المُعَمَّم. والعَمائمُ: تيجانُ العربِ وهي العصائبُ.
ع ص ر:
قولُه تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] هي السحابُ لأنها تعتصرُ
المطرَ، أي تُعضُّ به. وقيلَ: هي السحابُ التي تأتي بالإِعصارِ وهي الريحُ التي تُثيرُ الغُبارَ.
(١) البيت للأعشى في ديوانه ٢٨٣.
(٢) الرجز دون عزو في اللسان والتاج (عصب).
(٣) الرجز دون عزو في اللسان والتاج (عصب).
( ٤) يضرب للعزيز الذي لا يقهر، والمثل فى المستقصى ٢٥٧/٢.
(٥) من خطية فى عيون الأخبار ٢ /٢٤٤ والفائق ٢٣٢/٢ والنهاية ٣ /٢٤٤ وغريب ابن الجوزي ٢ /٩٩.
(٦) الفائق ١ /٦٤ وغريب ابن الجوزي ٩٩/٢ والنهاية ٢٤٤/٣.

٨٢
باب العین
وقيلَ: هي الرياحُ لأنها تعصرُ السحابَ فينزلُ منها المطر وهو مَرْويٍّ عن ابنِ عباسٍ (١). قال
الهرويُّ: وإِذا فُسر بهذا التفسيرِ كانت بمعنى الباءٍ (٢). والمُعْصِرُ من النساء: أولَ ما
تحيضُ. قال الهرويُّ: لاعتصارِ رحمِها. وقال غيرُه: هي التي حاضَتْ ودخلتْ في عصرٍ
شبابها . وقالَ عمرُ بنُ أبي ربيعة: [من الطويل].
ثلاثَ شخوصٍ: كاعبانِ ومعصرٌ (٢)
١٠٤٢- وكانَ مجَنِّي دونَ مَن كنتُ أتقي
الكاعبُ: مَن كعبَ ثديُها. قولُه تعالى: ﴿وفيه يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أي
يعصرون الزَّيتَ من الزيتون وقيلَ: معناه يَنْجون منَ الجذْبِ ويَعْتصمون بالخصب.
والعُصرةُ: الملجأُ، والمُعَصِّرُ والمَعْتَصَرُ كذلك؛ يقال: هذا عصرُهُ ومُعْتَصَرُه. واعتصرتُ بهِ،
أي لجأتُ إِليه. والمُعْصِرُ: الذي يأخذُ من الشيءِ عُصارتَه. والعُصارةُ: نفايةُ ما يُعصرُ.
وقُرِئَ ﴿ يُعْصَرون(٤)﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه، أي يُمطّرون. يقال: أُعْصِرَ القومُ، أي
أُمْطِروا. وفي حديثٍ عمرَ: (( يعتصرُ الوالدُ على ولدِهِ))(٥) أي يحبسُه عن الإِعطاءِ ويمنعُه.
كلُّ شيءٍ حبستَه ومنعتَه إِياهُ فقد اعتصرتَّه. وعن ابنِ الأعرابيّ: يعتصرُ أي پرتجعُ. وفي
حديث القاسم بنِ مُخَيمِرةَ: ((أنه سُئل عن العُصْرةِ للمرأة فقال: لا أعلمُ رُخِّصَ فيها إِلَا
للشيخ المَعْقوفِ))(٦) قال ابنُ الأعرابيّ: العُصرةُ هنا: منعُ البنتِ من التّزويجِ. يقالُ: اعتَصَر
فلانٌ فلاناً: إِذا منعَه من حقُّ يجبُ عليه. قالَ: ومن هذا عُصرةُ الغريمِ، وهو أن يمنعَه مالٌ
عليه ويقول : صالِحْني على كذا أعجله لك.
قولُه: ﴿فأصابها إِعِضارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] أي ريحٌ عاصفٌ يرفعُ تراباً إلى السماء
:
(١) ورد قوله في تفسير ابن كثير ٤ /٤٩٣، وأيضاً هو قول عكرمة ومجاهد وقتادة ((رمعنى هذا أنها
تستدر المطر من السحاب).
(٢) يعني أن ((من)) بمعنى ((الباء)) أي ( بالمعصرات) وبها قرأ ابن الزبير وابن عباس وعكرمة وقتادة والفضل
بن عباس. البحر المحيط ٤١١/٨ والقرطبي ١٧٤/١٩.
(٣) البيت في ديوانه ١٠٠ وقد تقدم في شخص (ش خ ص) .
(٤) هي قراءة جعفربن محمد والأعرج وعيسى البصري، وقرأ حمزة والكسائي والأعرج وخلف
( تَعْصِرُون)، وقرأ عيسى البصري ( تُعْصَرون) وقرأ زيد بن علي (تعصّرون)، البحر المحيط ٣١٥/٥
والإتحاف ٢٦٥ والنشر ٢ /٢٩٥ وقرئت (تُعْصِرُون) القرطبي ٢٠٥/٩.
(٥) الفائق ٢ /١٥٦ وغريب ابن الجوزي ١٠٠/٢ والنهاية ٢٤٧/٣.
(٦) الفائق ٢ /١٥٩ وغريب ابن الجوزي ١٠٠/٢ والنهاية ٢٤٧/٣.

٨٣
باب العین
ويديرُه كأنَّه عمودٌ تُسمِيهِ العربُ الزَّوبعةِ. وفي المثلِ: ((إِن كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ
إِعِصاراً))(١) يُضربُ مثلاً للقويُ يلقاهُ أقوى منه. قوله تعالى: ﴿والعصرِ﴾ [العصر: ١] أي
وربِّ العصرِ. والعصرُ: الزمانُ؛ قال الشاعرُ: [من الطويل]
١٠٤٣- وقد مرّ للدارينِ من بعد عصرنا
والجمعُ أعصُرٌ وعُصورٌ؛ قال الشاعرُ: [من الطويل]
١٠٤٤- حَيُوا بعدَما ماتوا من الدهر أعصُرًا (٢)
وعصرَ بالفتح والضم. والعصرُ أيضاً: وقتُ هذه الصلاة المعروفة بخصوصها لأنَّها
فُعلتْ في وقتٍ. واللغةُ ليستْ بقياسٍ: وتُسمَّى كلُّ صلاةٍ عصراً. والعصرانِ، قيلَ: الليلُ
والنهارُ وقيل: الغداءُ والعشيٍّ، وأنشدَ: [من الطويل]
إِذا طَلبا أن يُدْرِكا ما تَيَمَّما (٣)
١٠٤٥ - ولن يلبثَ العصرانِ يومٌ وليلةٌ
وهذا نصٌ في أنَّهما الليلُ والنهارُ بدليلُ أنَّ اليومَ والليلةَ أبدلا من العصرينِ. وفي
حديث أبي هريرةَ: ((أن آمرأةً مرتْ به متطيِّبةً ولذيلها عَصَرةٍ))(٤) أي غبارٌ لسحبٍ ذيلها
بالأرضِ. وقيلَ: عَصَرَةٌ أي رائحةٌ وذلك على التشبيهِ بما يفوحُ من رائحةٍ طيبِها.
والأعاصيرُ. جمعُ إِعصارٍ. وقال الشاعرُ: [من البسيط]
١٠٤٦- وبينَما المرءُ في دنياهُ مغتبطٌ إِذْ حلَّ بالرمسِ تَعفوهُ الأعاصيرُ(٥)
ع ص ف:
قولُه تعالى: ﴿ريحٌّ عاصفٌ﴾ [يونس: ٢٢] أي شديدةُ الهبوب والمرور. ويقالُ:
(١) المستقصى ٢٧٣/١ ومجمع الأمثال ٣٠/١ وجمهرة الأمثال ٣١/١ والامثال لابن سلام ٩٦.
(٢) عجز بيت وصدره: (وكنا حسبناهم فوارس كهمس) والبيت لامي حزابة في الأغاني ٢٦٨/٢٢
واللسان ( حيا)، ودون عزو في سيبويه ٣٩٦/٤ وابن بعيش ١١٦/١٠ واللسان زعيا). ولمودود
العنبري أو أبي حزابة في اللسان (كهمس).
(٣) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ٨ .
(٤) الفائق ٢ /١٥٧ وغريب ابن الجوزي ١٠٠/٢ والنهاية ٢٤٧/٣.
(٥) البيت لحريث بن جبلة في المعمرون ٥٢ واللسان والتاج (دهر) وعيون الأخبار ٣٠٥/٢ وشرح شواهد
المغني ٨٦-٨٧، وهو لجبلة بن حريث في الحماسة البصرية ٦٤/٢ وهو لعثير بن لبيد في اللسان
( دهر، غبط) وشرح أبيات المغني ١٦٨/٢ ١٧٦، وهو لأبي عيينة المهلبي في بصائر ذوي التمييز
٦٠٩/٢، والبيت بلا نسبة في أمالي القالي ١٨١/١ ومجالس ثعلب ٢٢٠.

1
٨٤
باب العین
عصفتِ الريحُ واعتصفتْ فهي عاصفْ وعاصفةٌ ومَعْصِفٌ وَمُعْصِفةٌ. وقيلَ: أصلُه مِن
العَصْفِ وهو ما يتكسّر. ومنه العصفُ لورقِ الزرعِ كالتّينِ ونحوهِ. قال تعالى: ﴿والحَبُّ
ذو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢]. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهم كعصْفٍ مَأكولٍ﴾ [الفيل: ٥]
لم يكفهِ أن شَبَّههم بأهون الأشياءِ. وهو ما يأكلُه الدوابُ بغيرِ رغبةٍ لها فيه - حتى جعلُهم
بمنزلتَه بعدما أكلَ وصارَ سَّرْجِيناً وَرَجيعاً. قوله: ﴿في يومٍ عاصفٌ (١)﴾ [إبراهيم: ١٨]
نسبَ الوصفَ الواقعَ فيهِ لغيرِهِ مجازاً قَصداً للمبالغةِ كقولِه: نهارُه صائمٌ وقيلَ: أرادَ: يَومُ
عصفٍ، فهو على النسبِ، وقيلَ: أرادَ في يومٍ عاصفٍ الريحِ لأنها ذُكرتْ في أولِ الآية.
وأنشدَ :[ من الطويل]
١٠٤٧ - إذا جاءَ يومٌ مُظلِمُ الشمسِ كاسِفٍ (٢)
أي کاسفُ الشمس فحذفَ لَذ کرِه آیاها.
ع صم:
قولُه: ﴿واللهُ يعضِمُكَ منَ الناسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أي يمنعُكَ ويحفظُكَ من
أَذاهُم. ولما نزلتّ أُخرجَ رسولُ اللَّهِ لَيهِ رأسَه الكريمةَ وُثوقاً منه بذلك(٣)، وقالَ لحرسيٍّ
كان حولَه:(( أيُّها الناسُ انصرفوا فإِنَّ اللهَ قد عَصَمني))(٤). قولُه: ﴿وَاعْتَصِموا بحبلِ اللهِ﴾
[آل عمران: ١٠٩﴾ أي امتنعوا بالقرآن. والاعتصامُ: الامتساكُ بالشيءٍ. والاستعصامُ:
الاستمساكُ. قولُه. ﴿وَاعْتَصموا بحبلِ اللهِ﴾ أي امتسكوا به. قوله تعالى: ﴿ومن يَعتصِمْ
بالله﴾ [آل عمران: ١٠١] أي يتمسكُ ويمتنعُ. قولُه: (واعتصموا باللهِ﴾ [الحج: ٧٨]
أي امْتَسِكوا وامتنعوا. قولُه: ﴿لا عاصِمَ اليومَ من أمرِ اللهِ إلا من رحمَ﴾ [هود: ٤٣] أي
لا مانعَ من أمره وما أرادَه من غرقٍ قوم نوح. قيلَ: عاصِمٌ هنا بمعنى مَعصومٍ كقولهِ: ﴿ ماءٍ
دافقٍ﴾ [الطارق: ٦] و﴿عيشة راضيةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]. وكان الذي أحوجَ إِلى هذا
استثناءُ قولهِ: ﴿إِلا مِنَ رَحِمْ﴾ منه على تقدير الاتصال وليسَ ذلك بلازمٍ لما سيأتي. قال
(١) قرأ ابن أبي إسحاق والحسن وإِبراهيم بن أبي بكر (يومٍ عاصفٍ) إملاء العكبري ٣٧/٢.
(٢) الشاهد في اللسان (عصف) ..
(٣) ((كان رسول الله عَلَ﴾ه قبل نزول هذه الآية يُحرس)).
(٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة المائدة وفي تفسير ابن كثير ٢ /٨١.

٨٥
باب العین
الراغبِ(١): ومَن قال: لا معصومَ فليسَ يَعني أنَّ العاصمَ بمعنى المعصومِ وإِنَّما ذلك تنبيهٌ
على المعنى المقصود بذلكَ، وذلك أنَّ العاصمَ والمعصومَ يتلازمانِ فأيُّهما حصلَ حصلٌ
معَهَ الآخَرُ. وقالَ ابنُ كيسانَ: لما نُفي العاصمُ صارَ بمعنى المعصومِ، وصارَ﴿ إِلا مَنْ
رحمَ﴾ مُستثنىَ منَ المعصومين الذين دلَّ عليهم الفاعلُ لأنه جوابُ من قالَ: مَن يَعصمني
من أمر اللَّه؟. والجوابُ السديدُ أنَّ عاصماً على مَعنى ذي عصمةٍ؛ ففاعلٌ للنسبِ كلا بنٍ
ورامح ونابلٍ، وحينئذٍ فالاستثناءُ مُتصلٌ واضحٌ.
قولُه: ﴿وَلا تُمْسِكو بِعصمِ الكوافِ﴾ أي بعقد نكاحهنَّ. وقالَ ابنُ عرفةً: العصمةُ:
العقدُ. والعصْمةُ: المُتعةُ أيضاً، ومنه قيلَ للبَذْرقةِ(٢) عصمةٌ. ومنه قولُ أبي طالبٍ يمدحُ
النبيَّ ◌َّ: [من الطويل]
١٠٤٨ - وأبيض يستسقي الغمام بوجههِ ثِمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ للأراملِ(٣)
والعَصْمُ: مصدرُ عصمه أي مَسكهُ. وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَعْصِمَ﴾ [يوسف: ٣٢]
أي تحرَّى ما يعصمُهُ ويمنعُه من ركوب الفاحشة كأنه طلبَ ما يعتصمُ به. والعصامُ: ما
يُشدِّ به ويربطُ. ومنه: عصامُ القربةِ، والجمعُ عُصُمٌ وأَعصمةٌ. ومنه الحديثُ:(جَمَلٌ مُقَيَّدٌ
بُعُصُم))(٤). والعصمةُ: ما يَبقَى من آثارِ البولِ على أفخاذِ الإِبل. وعصامٌ علمٌ منقولٌ منه.
وعِصْمةُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عبارةٌ عن حفظِ اللهِ تعالى إِياهُم من كلٍ كبيرةٍ
وصغيرةٍ ورذيلةٍ، وعمّا خَصِّهم به من صفاءِ جوهرِهم، وبما نقّاهم من دَرَن طبائعِ البشرِ.
وفي الصحيح ما يبينُ ذلك من شقِّ صدرهٍ عليه الصلاةُ والسلام وإِخراجٍ ما ذكرَه عليه
الصلاةُ والسلامُ منه وغَسلهِ بالماءِ والثلجِ وحشوهِ وملئه بالحكم(٥). فكلٌّ هذا من العناية
(١) المفردات ٥٦٩-٥٧٠ .
(٢) في اللسان: بذرق ١٤/١٠ ((قال ابن بري: البذرقة الخُفارة ... يقال بعث السلطان بذرقة مع القافلة.
وقال الهروي في فصل عصم من كتابه الغريبين : إِن البذرقة يقال لها عصمة ، أي يعتصم بها)).
(٣) البيت في النهاية ١ /٢٦٦/٢،٢٢٢ وأنساب الأشراف ٥٥٣، وقد تقدم البيت برقم ٢١٢ في مادة
( ر م ل).
(٤) الفائق ١٥٦/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٢/٢ والنهاية ٢٥٠/٣.
(٥) أخرج البخاري في بدء الخلق، (٦) باب ذكر الملائكة ٣٠٣٥، ومسلم في الإيمان ١٦٤، بينما أنا
عند البيت بين النائم واليقظان فأتيت بطست من ذهب ، ملئ حكمة وإيماناً ، فشُقّ من النحر إِلى مراقٌ
البطن، ثم غُسلَ البطن يماء زمزم ، ثم ملئ حكمة وإيماناً)) .

٨٦
باب العین
الرّبانيةِ بهم، وإلا فالبشرُ من حيثُ هو بشرٌ يعجزُ عن اكتسابِ مثل هذِه الأشياءِ، ولا تَجيءُ
إِلا بالفَيضِ الإلهيّ خلافاً لمن ضلَّ وزعمَ أنَّ النّبّواتِ تكونُ بالاكتساباتِ وبما أولاهُم من
الفضائلِ الجسمية والنفسية، وبالنصرة وتثبيت أقدامهم بما أنزله عليهم من السكينة وربطٍ
الجأشِ، حتى إِنَّ موسى عليه السلام يجيءُ إِلى فرعونَ وهو يدَّعي الربوبيةَ، وقد ربّاهُ في
حجره والناسُ كلُّهم مُذْعنون لربوبيتهِ مُقِرّون بالإلهية إلاّ من عضَمَ اللهُ، ويكذِّبه ويوبخُه،
ما ذاكَ إِلا لقولهِ: ﴿إِنَّنِي مَعَكما أسمعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وأعجبُ من ذلك قصةُ نبيِّنا.
◌َُّ مع سائرِ الخلقِ إِنسهم وجنُّهم بمفردهِ ليس له معينٌ غير مُرُسلهِ. وفي الحديث: «إِن
جبريلَ جاءَ يومَ بدرٍ على فرسٍ أُنثى وقد عَصَمِ ثَنِيَّتَهُ الغُبارُ))(١). قالَ القُتَبَبِيُّ:
صوابه ((عَصَبَ)) أي يبسَ. والمِعْصَمّ: منَ الكوعِ إِلى المرفق. قال النابغةُ: [من الطويل]
١٠٤٩ - فألقَتْ قناعاً دونَه الشمسُ واتَّقتْ
بأحسنٍ موصلينٍ: كِفِّ ومِعصم
وكأنَّه أُجريَ مُجرى الآلةِ التي تَعصِمُ. والأَعصمُ: الغرابُ لبعضِ البياضِ الذي فيهِ
في نوع منه؛ وفي الحديث: (( لا يدخلُ منَ النساءِ الجنةَ إِلا مثلُ الغرابِ الأعصم)) قال أبو
عبيدٍ: هو الأبيضُ الرجلينِ. وَقَالَ ابْنُ شميلٍ: هو الابيضُ الجناحينِ. وقد حالكاهُ أبو بكرٍ
في هذا قالَ: لان تشبيهَ رجليهِ باليدينِ أولى من تشبيهِهما بجناحيه. وفي حديث آخرَ،
((غرابٌ أحمرُ المنقار والرجلين. فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا يدخلُ الجنةَ منَ النساءِ إِلا
قَدْرُ هذا الغرابِ))(٢). والعربُ تجعلُ البياضَ حمرةٌ. ومنه قولُهم للبيضاءِ حمراءَ. ومنه قولُه
لعائشةَ رضي اللَّه عنها: ((يا جُميراء))(٣). والاعصمُ أيضاً: الوعلُ الذي بذراعه بياضٌ،
وجمعُه عُصُمٌ. وأنشدَ [ من الكامل]
١٠٥٠ - لو أنَّ عُصمَ عِما يَتَّيْنِ وَيَذْبلٍ (٤)
والعصْمَةُ: شبهُ السَّوارِ، والمِعْصَمُ: موضعُه من اليد. ومن ثَمَّ قيلَ: للبياضِ بالرَّسغِ
(١) الفائق ١٥٦/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠١/٢ والنهاية ٢٤٩/٣.
(٢) النهاية ٢٥٠/٣.
(٣) غريب ابن الجوزي ١ /٢٤١ والنهاية ٤٣٨/١.
(٤) صدر بيت لجرير وعجزه: (سمعا حديثك أنزلا الأوغالا) والبيت في ديوانه ٤٥٠ والدرر ١٢٥/١
(الكويت) وبلا نسبة في شرح المفصل ١ /٤٦ والهمع ٤٢/١.

٨٧
باب العین
عصْمةٌ تشبيهاً بالسوارِ، وكتسمية البياضِ بالرِّجْلِ تحجيلاً.
ع ص و:
قوله تعالى: ﴿وَأنّ أَلقِ عَصاك﴾ [القصص: ٣١]. العصا معلومةٌ، وجمعُها عصيِّ
بكسر الفاء وضمِّها وهو الأصلُ، وهي من ذوات الواو. والأصلُ عُصُوْوٌ؛ الأولى واوُ فعولٌ
والثانيةُ لامُ الكلمةِ؛ قال تعالى: ﴿فإِذا حبالُهُم وعِصِيَّهُمْ (١)﴾ [ طه: ٦٦]. والتَّشْنيةُ عَصَوان.
وعَصَوْتُه: ضَربتُه بالعصا، وعَصَيتُه: ضربتُه بالسيف. ففرَّقوا بين المعنيينِ بالحرفين.
قوله: ﴿قَالَ هيَ عَصايَ﴾ [طه: ١٨] هذه هيَ اللغةُ الفصيحةُ. وَقُرِئَ ((عَصَيَّ))(٢) على
لغةٍ هُذيلٍ؛ قالَ شاعرُهم: [ من الكامل]
١٠٥١- سَبَقُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جنبٍ مَصْرعُ (٣)
وفي المثلِ: ((ألقَى عَصاه)) كنايةٌ عمِّن يطرحُ الأمورَ. وألقَى عصاهُ، أي قدِمَ من
سفرِهِ، لأنها حالةُ المسافرِ غالباً عندَهم؛ قال شاعرُهم : [من الطويل]
كما قرَّ عَيناً بالإِيابِ المُسافرِ(٤)
١٠٥٢- فألقتْ عَصاها واستقرَّ بها النّوى
قال أبو عبيد: وأصلُ العصا: الاجتماعُ والائتلافُ. ومنه قولُهم: مَن شقَّ عصا
المسلمينَ، أي فارقَ جماعتهم. وقالَ غيرُهُ: إِنَّما ذلك تمثيلٌ بمن شَقَّ العصا نصفينِ؛
فنصفُها يفرقُ منَ الآخرِ ولا يعودُ يلتمُ معه، فضربَه ذلك مثلاً لكلِّ مُفارقٍ. وفي الحديث:
((لا تَرفعْ عصاكَ عن أهلِكَ»(٥) كنايةٌ عن تأديبهم وجمعهم على طاعةِ الله تعالى. وقولُه
عليه الصلاةُ والسلام: ((لا يضَعُ العَصا عن عاتقهِ)) (٦) قيلَ: كنايةٌ عن كثرةِ سفرهِ لقولِهم
في الإيابِ: أَلْقَى عصاهُ. قال الشاعرُ: ((فألقتْ عَصاها))، البيت. وقيلَ: كنايةٌ عن كثرةٍ
(١) قرأ الحسن وعيسى بن عمر (وعُصِيِّهم)، وقرأ. الحسن (وعُصْيُهم) البحر المحيط ٦ /٢٥٩.
(٢) قرأ بها ابن أبي إسحاق والجحدري، وقرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق (عَصايْ) البحر
المحيط ٦ /٢٣٤ والقرطبي ١٨٦/١١.
(٣) البيت لأبي ذؤيب في ديوان الهذليين ١ /٢
(٤) البيت لمعقر بن حمار أو عبد ربه السلمي أو سليم بن ثمامة، وهو في اللسان والتاج (عصا، نوى)
والبيان والتبيين ٤٠/٣ والحماسة البصرية ٧٦/١ والأغاني ١٥ /١٢٣، ٣٤٦/٨، ٣٥١/٨ وتقدم
البيت في مادة ( ر س ی) برقم ٥٩٦ ..
(٥) غريب ابن الجوزي ٢ /١٠٢ والنهاية ٢٥٠/٣ والفائق ١٥٦/٢.
(٦) من حديث أبي جهم في النهاية ٢٥٠/٣.

٨٨
باب العین
ضربه أهله، وهذا من باب المبالغة. والحديثُ لغالب الأحوال؛ وإلا فمعلومٌ أنه كان
يضعُها في بعضِ الأحيانِ لنومِهِ وقضاءٍ حاجتهِ وأكلهِ وغيرِ ذلك. ويُحكى أنَّ رجلاً دخل
إِلى مالكٍ يستفتيهِ فقالَ: اشتريتُ طائراً على أنه لا يسكتُ، فقالَ: لكَ ردُّه إِذا سكتَ،
فخرجَ الرجلَ وكانَ الشافعيِّ على بابٍ مالك فسألَه فقالَ: بماذا أفتاكَ مالكٌ؟ فأخبرَه فقالَ:
راجعْه. فلما راجعَه قالَ: مَنْ بِالبابِ؟ قيلَ لُه: الشافعيِّ. فاستدعاهُ واستفتاهُ فقالَ: إِنْ كانَ
غالبُ أحوالهِ الصياحَ فلا ردَّ بدليلٍ ((لا يضعُ العَصا عن عاتقه)). فاستحسنَ ذلك منه(١).
ع صي:
قولُه تعالى: ﴿لا يَعْصون اللهَ ما أَمَرَهُم﴾ [التحريم: ٦] العصيانُ: مخالفةُ الامر.
وقيلَ: عَصَى عَصْياناً: خرجَ عن الطاعةِ، قالَ الراغبُ (٢): وأصلُه أن يَتَمنَّعَ بعصاهُ؛ فإن أرادَ
اشتقاقَه من ذلك فمشكلٌ منْ حيثُ اختلافُ المادّتينِ؛ تيكَ منَ الواو - كما تقدَّم -.
وهذه من الياءِ بدليلٍ: عَصَى يَعْصي عَصياناً، وعصيتَ أنتَ. قالَ تعالى: ﴿أفعصيتَ
أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وإِن أرادَ الاشتقاقَ الأكبرَ فقريبٌ، وتقدَّم مثلُه في الصلاة. وليسَّ قوله:
﴿ وَيَفْعلون﴾ [طه: ٩٣] تكريراً لقوله: ﴿لا يَعْصِون﴾ إِذ لا يلزمُ من عدمِ العصيان فعلُ
المأمورِ بهِ لاحتمالٍ أن يكونَ المأمورُ عاجزاً عنه. ومثالُه مَن يأمرُ رجلاً بحملٍ صخرةٍ
عظيمة فيمتثلُ، لكن لا يطيقُ ذلك. فهذا غيرُ عاصٍ لكنه عاجزٌ. والملائكةُ جامعون بينَ:
الأمرين: الامتثال والطاعة، وهو حسنٌ جداً. وقد يعبّرُ بالعصيان عن مجرد الامتناعِ. ومنه
الحديث: ((لولا أنّا نَعصي اللهَ ما عصانا))(٣) أي لم يمتنعْ أجابَتَنا في دعائنا له ..
فصل العين والضاد
ع ضد:
قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ(٤)﴾ [القصص: ٣٥] هو ما بينَ المِنْكَبِ إِلى
الكتفِ، وهو عبارةٌ عن الإعانةِ والتَّقوية. وأصلُه من قولِهم: عَضَدتُه، أي شَددتُه واشتدَّ.
(١) الخبر في ترجمة الإمام الشافعي في تاريخ بغداد ٢ /٧٣٠٥٦ وحلية الأولياء ٩ /٦٣.
(٢) المفردات ٥٧٠.
(٣) النهاية ٣/ ٢٥١.
(٤) قرأ الحسن وعيسى (عَضَدك)، وقرأ الحسن وزيد بن علي (عُضُدك) وقرأ الحسن (عُضْدك)، وقرئت
(عَضِدك) البحر المحيط ١١٨/٧.

٨٩
باب العین
بعضدهِ عندَ وقوعٍ في هلكةٍ من حفيرةٍ وغيرها. ثم جُعلَ عبارةٌ عن كلِّ معونةٍ. وعضدتُه
أيضاً: أُصبتُ عضُدَه نحو رأَستُه. وجملّ عاضدٌ: يأخذُ بعضُد الناقة فينُوْخُها. ويستعارُ
العضدُ للمُعين فيقال: أنا عضُدُك نحو أنا يدُك. ورجلٌ أعضَدُ: رقيقُ العضُدِ مُشتكٍ من
العضّد؛ داءً ينالُه في عضدهِ. وأنشدَ للنابغةِ الذبياني: [من البسيط ]
١٠٥٣- شَكَّ الْفَرِيصَةَ بالمدْرَى فَأَنْفَدها طعنَ المُبيطرِ إِذْ يَشْفِي مِنَ الْعَضَدُ(١)
ومُعضَّدٌ: مَوسومٌ في عضده. ولتلك السِّمةِ عِضادٌ. والمِعْضَدُ: دُمْلُجةً. وأَعضادُ
الحوضِ: جوانُه تَشْبيهاً بأعضادِ الإِنسان. قوله: ﴿وَمَا كنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً(٢)﴾
[الكهف: ٥١] أي أعواناً أَتَقوَّى بهم. وفي حديثٍ أمِّ زرعٍ: (وملاً من شَحمِ عضُدَيَّ))(٢)
تريدُ إِحسانهُ إِليها ملاَها شَحماً، ولا تريدُ عضُدَيها فقط بل عبَّرَتْ بأظهرٍ ما فيها.
والعضْدُ - بالسكونِ -: القَطْعُ؛ وفي الحديثِ: ((أنّ يُعْضَدَ شَجَرُها))(٤) أي يُقطع.
وأصلُ ذلك من: عَضَدتُهُ: أصبتُ عضُدَه بقطعٍ وغيرٍ، فاستُغيرَ ذلك لقطعِ الشجرِ ونحوهِ.
يقالُ: عَضَدَه واستَعضدَه نحوُ علاهُ واستعلاهُ، وقرَّ واسْتَقرَّ. وفي حديث آخر: ( ونَسْتعضد
الْبَرِيرَ))(٥) البريرُ: ثمرُ الأراكِ. ونفسُ المعضودِ يقالُ فيهِ عضَدٌ نحو قَبَضٍ ونَقَضٍ. ومنه
قولُهم في بني عمروِ بنِ خالدٍ بن جَذيمةَ: (( يخْطون عَضِيدَها ويأكلون حَصيدَها))(٦).
وفي الحديث:(كانْ له عضدٌ من نخلٍ))(٧) أرادَ طريقةً من النخلِ. قالَ بعضُهم: إِنما
هِوَ عَضيدُ. قالَ بعضُهم: إِذا صارَ للنخلةِ جِذْعٌ يُتناولُ منهُ فهو عَضيدٌ، وجمعهُ عِضْدان.
ع ض ض:
قوله تعالى: ﴿عَضُّوا عليكُم الأناملِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تمثيلٌ لشدة غيظهم
(١) البيت من معلقته في ديوانه ١٩.
(٢) قرأ الحسن وعيسى بن عمر (عَضَداً)، وقرأ عيسى (عَضْداً)، وقرأ الضحاك (عضّداً) البحر المحيط
٦ /١٣٧، وقرأ أبو عمرو وهارون القارئ وشيبة والحسن (عضُداً) وقرأ عكرمةَ والحسن (عُضْداً)،
القرطبي ١١ /٢ .
وقرأ هارون القارئ (عَضداً)
(٣) الفائق ٢ /٢٠٨ وغريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٣.
(٤) الفائق ٣٨٣/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥١/٣.
(٥) غريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٣ والحديث لطهفة.
(٦) غريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٣ والحديث لظبيان.
(٧) الفائق ٢ / ١٦٠ وغريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٣.

٩٠
باب العين
وحسَدِهم وعدمٍ انقيادهم للأمرِ، فهم حينَ يَقدرون عليهم بمثابةٍ مَن تفوتُه فرصةٌ فيعضٌ
أنامله ندماً على ما فاتَه. وقيلَ: لشدةٍ إِيغاظهم المؤمنين وغيظهم منهُم يفعلون ذلك.
يقال: عضَّ فلانٌ يَدَه غَيظاً على فلانٍ: إِذا بالغَ في عَداوتهِ. وقولُه: ﴿ويومَ يَعْضُّ الظالم
على يديهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] يعني نَدَماً وتحسّراً. وأنشدَ: [ من الوافر]
١٠٥٤- كَمغبونِ يَعْضُّ على يَدَيْهِ تَبَيَّنَ غَبْنُه بعدَ البِيَّاعِ(١)
وأصلُ العضُّ: الأَزْمُ بالأسنانِ على الشيءٍ. والعُضُّ: النَّوى ولِما تَعَضُّ عليه الإبلُ.
والعضَاضُ: مُعاضَّةُ الدوابُ بعضها بعضاً. ورجلٌ عَضٌّ. مبالغٌ في أمرهِ بمنزلةٍ مَن يَعْضٌ:
عليه. ويقالُ ذلك في المدحِ تارةً وفي الذمّ أخرى بحسب ما يُبالَغُ فيه. يقالُ: هو عِضٌّ:
في سفرِهِ، وعِضَّ في الخصومةِ. ويستعارُ ذلك لأَزْمِ الزمانِ وشدَّتِهِ. وأنشدَ للفرزدق:
[ من الطويل]
١٠٥٥- وعَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لِم يَدَعْ منَ المالِ إِلا مُسْحَتٌ أو مُجَرَّفٌ (٢)
والتَّعضوضُ ضربٌ من التمرِ يَعسُر عضُّهُ وَمَضْغُه، ومنه الحديثُ: ((أَهدتْ لنَا نَوْعاً.
مِنَ التَّعضوضِ))(٢). وجمعُ العضِّ عُضوضٌ؛ قيلَ: العضوضُ جمعُ عضُّ وهو الرجلُ
الخبيثُ الشريرُ. وغلَّطَ الأرهريُّ مَن ضمَّ العينَ وقالَ: صوابُه عَضوضٌ بالفتح. يقالُ:
((ملكٌ عَضوضٌ))(٤) إِذا نالَ رعيتَه منه جَوْرٌ كأنَّه بعضُّهم. قلتُ: إِن كانت الروايةُ «ملك»
بالإِفرادِ فيظهرُ ما قالَ، وإِن كَانتْ ((ملوك)) بالجمعِ فيُشكلُ إِلا أن يقصدَ الجنسَ. وفي
الحديث: ((مَن تعزَّى بِعَزَاءِ الجاهليةِ فَأَعِضُّوه بهَنِ أبيهِ ولا تَكْنُوا))(٥) تقدَّمَ تفسيرُ(تعرَّى
بعزاء الجاهلية)) وأمّا ((فَأَعِضُّوهُ)) قيلَ: معناهُ قولوا له: اعضَضْ بأيرِ أبيكَ، ولا تَكْنُوا بالهَنِ
تأديباً وتنكيلاً.
((١) البيت لقيس بن ذريح فى ديوانه ١١٨ واللسان والتاج (بيع).
(٢) ديوانه: ٥٥٦.
(٣) مسند أحمد ٢٠٦/٤ .
(٤) في مسند أحمد ١١٦/١(( سيأتي على الناس زمان عضوض))، وفي المجازات النبوية ١٢٩٠ ثم
يكون مُلك عِضٌ يستحلُّ الفرج والحرير)) وفي النهاية ٢٥٣/٣ وغريب ابن الجوزي ١١٠٤/٢ ثم
يكون مُلك عَضوضٍ،وفي رواية « ثم يكون ملوك عُضوض».
(٥) الفائق ١٤٤/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٣.
:

٩١
باب العین
ع ض ل:
قولُه تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلوهنَّ﴾ [النساء: ١٩ ]أي لا تَمْنعوهنَّ من نكاحِ أزواجهنَّ.
وأصلُ العضلِ التضييقُ. يقالُ: أعضلَ في الأمر أي ضاقَ. ومنه قولُ عمر رضي الله عنه:
(أعضَلَ بي أهلُ الكوفة )»(١) قال الأزهريُّ: أصلُ العضلِ من قولهم: عضلتِ المرأةُ: إِذا
نشبَ ولدُها فلم يسهلْ خروجُه. وعَضَّلَتِ الدجاجةُ: نشبتْ بيضتُها. ومسألةٌ مُعضلةٌ: إِذا
كانتْ صعبةٌ لا يُهتدى لوجهِ الصوابِ فيها لضيقِها. ومنه قولُ معاويةَ رضيَ اللّه عنه:
((مُعضلةٌ ولا أبا حَسنٍ))(٢) أي صعبةً ضيقةُ المخارج ولا مثلَ علي لها، يعني هو الذي
يَشرحُها. وأعضلَ الأمرُ: اشتدَّ. وداءٌ عُضالٌ: إِذا عسرتْ مداواتُه. وأنشد: [من الطويل]
غُلامٌ إِذا هزَّ القناةَ سَقاها (٣)
١٠٥٦-شفاها من الداء العضالِ الذي بها
وهو عُضْلَةٌ من العُضَلِ، أي لا يقدرُ عليه لشدته. والعُضْلةُ: الداهيةُ المُنكرةُ أيضاً.
وعضَّلتِ الأَرضُ بالجيشِ: ضاقتْ بهم، كنايةٌ عن كثرتِهم، وأنشدَ : [ من الطويل]
١٠٥٧ - تَرى الأرضَ منّا بالفضاءِ مريضةً
مُعَضِّلةً مِنّا بجمعٍ عَرَهْرَم(٤)
والعَضَلةُ: كلُّ لحمٍ صُلبٍ وعَصَبٍ. ومنه: رجلٌ عَضِلٌ: مُكتنزُ اللحمِ. وعَضَلتُه:
شددْتُه بالعضلِ المأخوذِ من الحيوانِ نحو: عَصَبْتُه، ثم تُجوِّزَ به في كلِّ منعٍ شَديدٍ.
وقولُه: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهبوا﴾. هذا [بلا] خلافٍ خطابٌ للأزواجِ. أي لا تُضيقوا
عليهنَّ بالمضارَّةِ لِيفتدينَ منكم ببعضِ مهورِهنَّ. وأما ﴿فَلا تَعْضُلُوهِنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾
[البقرة: ٢٣٢] فالظاهرُ أنه للأولياءِ، وقيلَ: للأزواج.
ع ض ھـ:
قوله تعالى: ﴿الذين جَعَلوا القرآنَ عضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] اختُلفَ في تفسيرِ معناهُ
فقيلَ: معناهُ فِرَقاً وأَنواعاً لأنَّ بعضَهم يقولُ: هو سحرٌ، وبعضٌ كَهانَةٌ، وبعضٌ شِعرٌ، وبعضٌ
(١) الفائق ٢ /١٦٣ وغريب ابن الجوزي ١٠٤/٢ والنهاية ٢٥٤/٣.
(٢) الفائق ٢ /١٦٣ وغريب ابن الجوزي ١٠٤/٢ والنهاية ٢٥٤/٣.
(٣) البيت لليلى الأخيلية في الأغاني ٢٤٨/١١ واللسان (عضل) .
(٤) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ١٢١ وأساس البلاغة ٣٠٨.

٩٢
باب العين
أساطيرُ الأولينَ. إِلى غيرِ ذلك مما اقْتروه وانتحلُوه (١). وقيلَ: معناهُ جعلوهُ مُقسماً أقساماً
يؤمنُ ببعضه ويكفُر بآخرَ، لقوله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ﴾
[البقرة: ٨٥] وعضُون جمعُ عِضَةٍ وفيها لغتان: عِضْوَةٌ وعَضْهَةٌ، كما في سَنةٍ: سَنْهَةٌ
وسِنْوَةٌ، ويدلُّ لذلك قولُهم: عُضَيْهَةٌ وعُضَيهاتٌ وعُضَيَّةٌ وعِضَوات، فخُذِفتِ اللامُ
وجمعتْ جمعَ المذكرِ السالم في ظاهرِ قولِ النحاةِ وعندَ تحقيقهم ليس هذا تصحيحاً إِنما
هو تکسیر کما حققناه في غیر هذا، لکنه جری مجری جمع التصحيح في الإعرابِ حيث
رُفْع بالواوِ ونُصبَ وجرَّ بالياءِ. فمن قالَ: أصُلها الواوُ قال هو من العَضْرِ، والتَّعضِيَةُ: تجزئةُ
الأعضاء. وقد عَضَيتُه أي أَجزأَتُه. قال الشاعر: [ من الرجز]
١٠٥٨ - وليسَ دينُ اللهِ بِالْمُعَضَّى(٢).
أي بالمقسّم بل هو دينٌ واحدٌ، قال الكسائيُّ: هومَنِ العَضْوِ أو من العَضْهِ، وهي
شجرةٌ. وأصلُ عِضةٌ في لغةٍ عِضَهَةٌ لقولهم عُضَيْهةٌ، وفي لغةٍ عِضْوٌ لقولهم عِضَوَاتٌ .
قلتُ: ومنهم من جعلَ مادة عِضَهَةٍ غيرَ معنى مادةٍ عِضْوةٍ فقال: العضَهُ: السِّحرُ، والعاضهُ:
الساحرُ، والعاضِهَةُ: الساحرةُ، ومنه الحديثُ: ((لَعنَ اللهُ العاضِهَةَ وَالمُسْتَعْضِهَةَ))(٣) وفَسِر
بالساحرة والمُسْتَسَخِرةِ. وفي الحديث أيضاً: ((أَلا أُنَبِّئُكُم بالعَضْهِ؟ هي النميمةَ)) (٤)
والعَضِيهةُ: البُهتانُ؛ قالوا: فسّمي السّحرُ عَضْهاً لأنه كذبٌ وإِفِكٌّ وتخييلٌ لا حقيقةَ لهُ.
وعلى هذا التأويلِ فالمعنى: جَعَلوا القرآنَ أنواعاً منَ السِّحر. وفي الحديثِ: ((لا تَعْضِيةَ في
ميراث)(٥) أي لا قسْمةً فيما فيه ضررٌ على الوَرَثة؛ كانْ تُقْسَمَ جوهرةٌ نفيسةُ أو ثوبٌ نفيسٌ
فتنقصُ بذلك قیمتُه.
فصل العين والطاء
قولُه: تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ(٦)﴾ [الحج: ٩] أي مُتكبرٌ، وقد تقدَّمَ أنَّ ذلك كتابةٌ
ع ط ف:
( ١) المسائل العضدیات ٥٠- ٥١
(٢) الشاهد لرؤبة في ديوانه ٨١.
(٣) الفائق ١٦٣/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٤/٢ والنهاية ٢٥٥/٣.
(٤) مسند أحمد ٤٣٧/١.
(٥) الفائق ٢ /١٦٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٤/٢ والنهاية ٢٥٦/٣.
(٦) قرأ الحسن (عَطْفه) البحر المحيط ٦ /٣٥٤.
--

٩٣
باب العین
عن التكبرِ نحوُ: لَوَى جيدَه، وصَعَّر خدَّه. وعِطْفا الإنسان: جانباهُ يَمناً ويَساراً من عند
رأسهِ إِلى وَرَكِهِ. وقيلَ: هما ناحيتا عنقهِ. وقيلَ: منكبُ الرجلِ: عطفُه، وهو الذي يُمكنةً
أن يُلْقِيَهُ مِن بَدَنِهِ. والعَطْفُ: ثَنِيُ الشئُ وردُّ أحدٍ طرفيهٍ على الآدرِ كعَطْفِ الوسادةِ
والغُصنِ والحبلِ. ومنه سُمي الشيءُ المَثْنِيُّ عِطافاً. وقد يُكنى به عن الشفقةِ والمَيلِ إِذا
تعدَّى بعلى نحو: عطفَ عليه. وإذا عُدي بعن عكس المعنى، نحو: عطفتُ عنه نحو مالَ
في تعدِّيه بالحرفينِ. وشاةٌ عاطِفَةٌ وظَبيةٌ عاطفةً وعاطفٌ على ولدها. وناقَةٌ على بَوِّها.
وأنشدَ: [من السريع]
أو ظبيةٌ في حُمرٍ عاطف(١)
١٠٥٩ - ما ظبيةٌ في ممرٍ صُوّرتْ
والدمعُ من مُقْلتها واكفْ:
أحسنَ منها يومَ قالتْ لنا
من أمان نالَه خائفْ
لأنتَ أحلى من لذيذِ الکری
وفي الحديث: ((سُبحانَ الذي تعَطَّفَ بالعزُّ وقالَ به))(١) أي تَرِدَّى بالعِزُّ. ومنه
قيلَ للرِّدَاءِ عِطافٌ. وقد اعتطَفَ وتعطّفَ: إِذا تَرِدَّى. وسُمِّي الرداءُ عِطافاً لأنه يقعُ على
عطفَي الإِنسانِ. وفي حديثٍ أمِّ معبدٍ: ((وفي أشفارِهِ عَطَفٌ))(٣) تصفُه بطولِ هُدبٍ
العين، أي طالَ وانعطفَ. ويُروى بالمعجمة.
ع ط ل:
قوله تعالى: ﴿وإِذا العَشَارُ عُطُّلتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤] أي أُهملتْ، وشُغل عنها
أهلُها مع أنَّها أعظمُ أموالهم وأحبُّها إِليهم. والتعطيلُ: الإهمالُ. وجيدٌ عاطلٌ، أي خالٍ
من الحليِّ. وامرأةٌ عاطلٌ ونسوةٌ عُطُلٌّ تحوُ ضُرُبٍ، وأنشدَ: [من المتقارب]
وشُعْثٍ مَرَاضِيعَ مثلِ السَّعالي(*)
١٠٦٠- ويأوي إِلى نِسْوةٍ عُطُلٍ
(١) تقدمت الابيات في (د م م) برقم ٥٠٨.
(٢) الفائق ١٦٤/٢ وغريب ابن الجوزي ١٠٥/٢ والنهاية ٢٥٧/٣.
(٣) الفائق ٧٧/١ والنهاية ٢٥٧/٣.
(٤) قرأ ابن كثير واليزيدي (عُطِلَتْ)، وقرأ ابن كثير (عَطَّلَتْ) البحر المحيط ٤٣٢/٨.
(٥) البيت لأمية بن أبي عائذ الهذلي في ديوان الهذليين ٢ /١٨٤ وروايته:
ر؛ معوجٌ مراضيعُ مثل السعالي).
( له نسوةٌ عاطلاتُ الصِّدْ

٩٤
باب العين
﴿وبْرٍ مُعَطِّلَةٍ(١)﴾ [الحج: ٤٥] أي مُستغنى عنها لخراب مكانها وعدمٍ قاطنيه
بعد أن كانتْ آهلةٌ. ويقالُ إِنها بئرٌ بعينِها في اليمنِ تُجاورُ القصرَ المذكورَ معها (٢).
والمُعطِّلةُ: قومٌ يزعمون أنْ لا صانعَ أوجدَ هذا العالمَ، وإِنما الطبائعُ اقتضتْ ذلك. وقد رُدَّ
هذا القولُ بقوله تعالى: ﴿وفي الأرضِ قطعٌ مُتجاوراتٌ﴾ إِلى قولهِ: ﴿يُسقَى بماءٍ
واحدٍ﴾ [الرعد: ٤] وما أبلغ هذا الردَّ حيثُ بينَاهُ في كتابنا («أحكام القرآن)) وغيره.
ووصفتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أباها فقالتْ: ((رَأَبَ الثَّأَيَ وأَوْذَمَ العطِلَةَ)) (٣)؛ هي الناقةُ
الحسنةُ أو الدلوُ المتروكةُ. أَوْذَمْتُ: شَدَّدْتُ فيه الوَذْمَ.
ع ط ي:
قوله تعالى: ﴿فَتَعَاطِى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. تَعاطى الشيءَ: تناولَه وقصدَ فعلَه،
ومنه: كان يَتّعاطى كذا وعِطُوتُه: تناولتُه، أيضاً وأعطيتُه: ناولْتُه؛ يتعدَّى بلا همزةٍ لواحدٍ،
وبها لاثنينٍ ثانيهما غيرُ الأول، ويجوزُ حذفُهما اختصاراً واقتصاراً، وحذفٌ أولهما
والعكسُ؛ قال تعالى: ﴿فأمّا مَنْ أُعطى﴾ [الليل: ٥] ﴿ولسوفَ يُعطَيْكَ(٤)﴾
[الضحى: ٥] فذكّرَ الأولِّ ﴿وأعطى قَليلاً﴾ [النجم: ٣٤] فذكر الثاني، وأولُهما هو
فاعلٌ في المعنى ثم وجبَ، أعطيتُ الدرهمَ صاحبه، وامتنعَ صاحبُه الدرهَمَ. ولهذا كان
قولُّه تعالى: ﴿الذي أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] أي أمكنَه من تناول ما يُصلحُه.
وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها تصفُ أباها: ((أبي والله لا تَعطوهُ الأَيدي)) (٥) أي لا تبلغُه
فتتناولُه. ومن أمثالهم: ((عاطٍ بغيرِ أنواطٍ﴾(٦) يضربُ لمن لا حَدوى لعمله، شُبه بمن
يريدُ أن يتناولَ من غيرِ مُعلَّقِهِ. وغلبَ الإِعطاءُ في الصلةِ: ﴿فإِن أُعْطُوا منها رَضُوا وإِن لم
يُعْطَوا منها إِذا هُم يَسْخطون﴾ [التوبة: ٥٨].
وأعطى البعيرُ: انقاذٌ؛ كأنه ناولَ رأسَه قائدَه. وظبيٌّ عُطْوٌ وعاطٍ: رفع رأسَه ليتناوَلَ
(١) قرأ الجحدري والحسن (مُعْطَّلة) البحر المحيط ٣٧٦/٦ .
(٢) يشير إِلى تتمة الآية (وقصر مشيد) .
(٣) الفائق ٥٧٨/١ وغريب ابن الجوزي: ١٠٥/٢ والنهاية ٢٥٨/٣.
(٤) قرأ ابن مسعود (وسيعطيك) إِعراب النحاس ٧٢٥/٣ وقرأ ابن مسعود (ولسيعطيك) معاني الفراء
٢٧٤/٣
(٥) الفائق ٥٣١/١ والنهاية ٢٥٩/٣ وغريب ابن الجوزي ١٠٦/٢
(٦) مجمع الامثال ٢٤/٢
۔

٩٥
باب العین
أوراقَ الشجرِ، وقياسُ مصدرٍ أعطى إِعطاءً، وعَطاءً اسمُ مصدرهِ ويعملُ عملَه وأنشدَ:
[ من الوافر]
وبعدَ عطائكَ المِثّةَ الرِّتاعا؟(١)
١٠٦١ - أکفراً بعدَ ردًّ الموت علي
فصل العين والظاء
ع ظم:
قولُه تعالى: ﴿وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. العظمُ الموصوفُ به الباري
تعالى عبارةً عن كبريائه وجلالهِ وجبروتهِ وقدرتهِ وأنه مُتَّصفٌ بصفاتِ الكمالِ. وأصلُ
العظم: الكبرُ والزيادةُ في الأجزاءِ المحسوسةِ، هذا أصلُّه ثم يُتْجَّوزُ به في المعاني نحوُ
قولهِ: ﴿ولهم عذابٌ عظيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]. قال بعضُهم: أصلُه من عظُمَ الرجلُ:
كُبُر عظمُهُ وكثُر، ثم استُغيرَ لكلِّ كثرةٍ محسوساً كانَ ذلك الشيءُ أو معقولاً. قال(٢):
والعظيمُ إِذا استُعملَ في الأعيانِ فأصلُه أنْ يقالَ في الأجزاءِ المتصلةِ، والكثير في الأجزاءِ
المنفصلة. ثم قد يقالُ في المُنفصلِ عظيمٌ نحوُ جيشٍ عظيمٍ ومالٍ عظيمٍ أي كثير.
والعَظيمةُ: النازلةُ. والإِعظامةُ والعِظامةُ: شبهُ وسادةٍ تُعظّمُ بها المرأةُ عَجيزتَها
والعَظُمُ: معروفٌ وهو جسدُ الإنسانِ. قوله: ﴿رَبِّ إِنِي وهنَ العظمُ مني﴾ [مريم: ٤]
كنايةٌ عن كبرِ سنِّه. وإِذا وهنَ منه أقوى ما فيهِ - وهو العظمُ - فما عَداهُ من اللحمِ والعضلِ
والعصبِ أوهنُ، وجمعُه عظامٌ وأَعظمٌ. وأنشدُ: [من الخفيف]
بسجستانَ طلحةَ الطلحات(٣)
١٠٦٢ - نضَّرَ اللهُ أعظاماً دَفنوها
فصل العين والفاء
ع ف ر:
قوله تعالى: ﴿عفريتٌ﴾(٤) [النمل: ٣٩] هو المتمردُ من الجنِّ الخبيثُ منها.
(١) البيت للقطامي في ديوانه ٤١ والخصائص ٢٢١/٢ وأما لي ابن الشجري ٢ /١٤٢ والهمع ١٨٨/١
والدرر ١٦١/١ واللسان (عطا)
(٢) المفردات ٥٧٣
(٣) البيت لعبد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ٢٠ ورصف المباني ٢٩٧ والإنصاف ٤١ والهمع ١٢٧/٢
والدرر ١٦٢/٢ واللسان (طلح)
(٤) قرأ أبو حيوة (عَفْرِيتَ، وقرأ أبو رجاء وأبو السمال وعيسى الثقفي وأبو بكر الصديق (عِفْرِيَةً) البحر=

٩٦
:٠
باب العین
وقيل: هو من الجنّ النافذُ القويُّ مع خبثٍ، ويستعارُ ذلك للآدميين استعارةً الشيطانِ لهُم.
قالَ ابنُ قتيبةً: هو من قولهم: رجلٌ عِفريت، وهو المُوثَّقُ الخَلَّقِ. وأصلُه من العَفَر وهو
الترابُ. ومنه: عاقَرُه: صارَعُهُ فألقاهُ في العفَرِ. وعلى هذا فنسبةُ هذه الصفةِ إِلى الإِنس أولى
من الجنّ، لأنَّ الإِنسَ خُلقوا من الرراب، والجنَّ منَ النارِ. ويقالُ: رجلٌ عِفْرَ نِفْرٌ، عفريتُ
نفْريتٌ، وعُفَارِيَةٌ نفاريّةٌ: إِذا كانَ خبيثاً. ومنه الحديثُ: ((إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ العفريةَ
النِّفرية))(١). قيلَ: الجَمُوعُ: المَنُوعُ. وقيلَ: الظُّلومٌ. ويقالُ: رجلٌ عِفْرٌ، نحوُ شِمْرٍ، وليثُ
عِفِرِينَ: دابَّةٌ تُشبهُ الحِرباءَ تتعرَّضُ للراكبِ. وعِفْرِيَةُ الديكِ والجُبارَى الشَّعَر الذي على
رأسهما. ورجلٌ أعفرُ: أبيضُ وليس بالناصحِ ولكنه لونُ الأبيضِ. ومنه قيلَ الظباءِ: عُفّرٌ.
وقالَ شَمِر: هو بياضٌ إِلى الحمرةِ قليلاً. وقالَ أبو بكرٍ: العَفَرُ والعَفْرةُ: البياضُ الذي ليسَ
بخالصٍ. يقالُ: ما على عفرِ الأرضِ مثلُه. وبعضُهم يطلقُ فيقولُ: العُفرةُ: البياضُ. ومنه
الحديثُ: ((لكأني أنظرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبِطَيْ رسولِ اللهِ لَيه))(٢). وشكت إِليه عليه السلام
امرأةٌ قَلَّةَ نسلٍ غنمِها ورِسْلُها فقالَ: ما ألوانُها؟ قالت: سُودٌ. فقال: عَفِرِي إِذا خَلَطْتِها
بعُفْرِ))(٣) أي بيضٍ. ومنهُ قولُه عليه الصلاةُ والسلام: ((لَدَمُ عَفْراءَ أحبُّ إِليه من دمٍ
سَودَاوَيْنِ))(٤).
ومِن كلامِهم: ((ليسَ عُفْرُ الليالي كالدّادئ))(٥). قال القرشيُّ: سُميتْ عفراءَ
لبياضها. ويقولون: لقيتُه عن عفرٍ، أي بعدَ خمسةَ عشرَ يوماً فصاعداً، أي حتى جاوز
الليالي العُفْرَ. وأنشدتي لأبي العُميثل: [من الطويل]
ونحن حرامٌ منمى عاشرة العشرٍ (٦)
١٠٦٣ - لقيتُ ابنةَ السهميِّ زينبَ عَن عُفْرٍ
والعُفْرُ أيضاً: تلقيحُ النخلِ ومنه الحديثُ: ((ما قَرَبْتُ امرأتي مُد عَفَرْنَا))(٢). العَفَرُ:
= المحيط ٧٦/٧ والقرطبي ١١٢ /٢٠٣، وقرئت (عِفْرٌ، عِفْرَى، عفارِيَة) الدر المصون ٦١٤/٨.
(١) الفائق ١ /٣٨٧ وغريب ابن الجوزي ١٠٧/٢ والنهاية ٢٦٢/٣.
(٢) الفائق ١٦٧/٢ والنهاية ٢٦١/٣ وغريب ابن الجوزي ١٠٧/٢.
(٣) النهاية ٢٦١/٣٠ وغريب ابن الجوزي ١٠٧/٢.
(٤) مسند أحمد ٢ /٤١٧ .
(٥) الفائق ١٦٨/٢ والنهاية ٢٦١/٣.
(٦) لم أهتد إليه .
(٧) الفائق ٢ /١٦٨ وغريب ابن الجوزي ١٠٨/٢ والنهاية ٢٦٣/٣.

٩٧
باب العین
[أولُ سَقيةٍ ] ثم تتركُ أربعينّ لا تُسقى ثم تُسقى فتَصلِحُ. ومعَافِرُ(١): موضعٌ تُنسبُ إِليه
البرودُ. وفي الحديث: ((وعليه ثَوبانِ مَعَافِرِيّانِ))(٢).
ع فى ف:
قولُه تعالى: ﴿فَلَيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] أي ليصبرْ ويَتَقَنَّعْ. يقالُ: تَعَفَّفَ وَاسْتَعَفَّ
بمعنى وأنشد : [من الطويل]
١٠٦٤ - وقائلة: ماللفرزدقٍ لا يُرَى
من الشرّ يستغني ولا يتعففُ؟(٢)
وقيلَ: العفةُ: حصولُ حالةٍ للنفسِ تَمْتْنعُ بها عن غَلبةِ الشهوةِ. والمُتعفّفُ:
المُتعاطي لذلك بضربٍ من الممارسةِ. قال بعضُهم: وأصلُّه من الاقتصارِ على تناولِ
الشيءِ القليلِ الجاري مَجرى العُفاقَةِ. والعُفَّةُ: البقيَّةُ من الشيءِ، وقيلَ: الجاري مَجرى
العَفْعَف وهو ثمرُ الأراك. والاستعفافُ أيضاً: طلبُ العفَّة.
ع ف و:
قولُه تعالى: ﴿خُذْ العفوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أصلُه القصدُ لتناولِ الشيءٍ. يقالُ:
عَفَاهُ واعتفاهُ: إِذا قصدَه متناولاً ما عندَه. ومنه: عَفَتِ الريحُ الترابَ، أي قصدتْه متناولةٌ
آثارَهُ وَعَفتِ الدارُ من ذلك: تُصوِّر أنها قَصَدَتْ نحو البلى. وعَفا النَّبتُ والشعر قصَدَ نحوَ
الزيادة وتناولها، كقولك: أخدَ النَّبتُ في الزيادة. وعفَوتُ عنه، كأنه قصدَ إِزالةَ ذنبه
صارفاً عنه. فالمفعولُ في الحقيقةِ متروكٌ، وعن متعلقةٌ بمضمرٍ. فالعفوُ هو التجاوزُ عن
الذنب. فقوله: ﴿خذ العفوَ﴾ أي ما سهُلَ قصدُه وتناولُه. وقيلَ: معناهُ: تَعاطَ العفوَ مع
الناسِ. قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنفقونَ قُلِ العَفْو (٤)﴾ [البقرة: ٢١٩] أي ما سهُلَ إِنفاقُه.
وأنشدَ : [ من الطويل]
(١) معافر: اسم قبيلة من اليمن، وهو معافر بن يعفر، وينتهي نسبه إلى سبأ. تنسب إِليه الثياب المعافرية
معجم البلدان (معافر ٥ /١٥٣).
(٢) الفائق ٢/ ١٧٠ وغريب ابن الجوزي ١٠٨/٢ والنهاية ٢٦٢/٣.
(٣) البيت لجرير في ديوانه ٢٨٠.
(٤) قرأ أبو عمرو وابن كثير واليزيدي والحسن وقتادة وعاصم والجحدري وابن أبي إسحاق (العفوُ)
الإتحاف ١٥٧ والسبعة ١٨٢ والنشر ٢٢٧/٢.

٩٨
1
باب العين
١٠٦٥ - خُذِي العَفْوَ منِي تَسْتَديمي مَوَدّتي
ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ(١)
وقد تقدَّمَ تفسيرُ الآيَةِ في العُرفِ. وقولُهم: أَعطَى عَفْواً مصدرٌ في موضعِ الحالِ،
أي أعطَى، وحالُه حالُ العافي أي القاصدِ للتناوُلِ إِشارةٌ إِلى المعنى الذي عَدُّوهُ بديعاً في
قولِ الشاعرِ: [ من الطويل]
١٠٦٦ - تراهُ، إِذا ما جئته مُتھلّلاً
كأنك تُعطيه الذي أنتَ سائِلُهُ(٢)
والعَقُوُّ: المتجاوزُ عن الجرائمِ. ومن ثَمَّ وُصفَ به تعالى في قولهِ إِنه: ﴿كان عَفُواً
غَفوراً﴾ [النساء: ٤٣] وصفَ نفسَه بأنه يسترُ الذنوبَ ولا يعاقبُ عليها؛ إِذْ لا يلزمُ من
تركِ أحدِهما تركُ الآخرِ، فمن ثمَّ ذكرَ الوصفينِ المُقْتَضيين لذَينك المعنيينِ في الدعاء:
أسألُك العفو والعافيةَ، أي تركَ العقوبةِ والسلامة. وفي الحديث: ((ما أكلت العافيةُ
فصدقةٌ))(٣)، عَنِى بالعافيةِ طُلَّبَ الرِّزْقِ من الطيرِ والوحشِ والإِنس. وقيلَ فيها: ((العَوافي))
أيضاً(٤) من قولك: عَفَوتُ فلاناً: أتيتُه أطلبُ عفْوه، أي مَعروفَه. وأعفَيتُ الشيءَ: تركتُه
يَعفو ويكثُر، ومنه الحديثُ: ((وأَعْقُوا اللَّحَى))(٥). والعَفاءُ: ما كثُرَ من الوبرِ والشعرِ، وقد
يستعارُ لغيرِهما. قال زهيرُ بنُ أبي سُلمى: [ من الوافر]
١٠٦٧ - على آثارٍ من ذهبَ العفاءُ(٦)
وفي الحديث: ((فعلى الدُّنْيا العفاءُ))(٧) قيلَ: الدّروسُ. وقيلَ: الترابُ وعَفَا الشَّعُرُ:
:٠
(١) البيت لأبي الأسود الدؤلي فى عيون الأخبار ٤ /٧٧ وتزيين الأسواق ٣٠٣، وهو لعامر بن عمرو في
الحماسة البصرية ٧١/٢ وأمالي ابن الشجري ٦٤، والبيت لشريح في عيون الأخبار ١١/٣
والوحشيات ١٨٥، والبيت لمالك بن أسماء في محاضرات الراغب ٢ /٤٣، ٧٥ وقد تقدم البيت في
( س و ز ) .
...
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١١٣.
(٣) الفائق ١٦٦/٢ وغريب ابن الجوزي ١١٠/٢ والنهاية ٢٦٦/٣.
:
(٤) رواية أخرى للحديث في المصادر السابقة .
: (٥) أخرجه البخاري في اللباس، (٦٣) باب إِعفاء اللحى ٥٥٥٤ ومسند أحمد ٥٢/٢.
. (٦) عجز بيت في ديوانه ٥٦ وصدره: (تحمّل أهلها منها فبانوا).
: (٧) الفائق ١٦٦/٢ والنهاية ٢٦٦/٣ وهو من حديث صفوان بن محرز ..

٩٩
باب العین
كثُر. وفي الحديث: ((إِذا دخَلَ صَفَرُ وعفا الوبَرُ))(١). والعَفا - بالقصر -: ولدُ الحمار.
ويقالُ فيه عِفْوٌ وعَفْوٌ - بالكسر والفَتح -، ومنه الحديثُ: ((قد تركَ أتاناً وعِفْواً))(٢) والعفاءُ
بالكسرِ والمدُّ نفسُ الشِّعَر الذي حلَّ به العِفاءُ، أي الكثرةُ. والعافي: ما يَرُدُّ مستعيرُ القَدْرِ
من المَرَقِ . قال الشاعرُ: [من الطويل]
١٠٦٨ - إِذا رَدَّ عافي القدرِ مَن يَسْتَعِيرُها (٣)
قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من أخيهِ شيءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال ابن عرفة: أي مَن جُعلَ
لهُ في مالهِ ديةٌ ﴿فَاتِّباعٌ بالمعروفِ﴾ من الطالبِ ﴿وأداءٌ إِليه بإِحسانٍ﴾ من المطالب.
قالَ: وسُميت الديةُ عَفْواً لأنها يُعْفَى بها عن الدمِ؛ ألا تَرى إِلى قولهِ: ﴿ذلكَ تَخْفيفٌ من
ربّكم ورَحْمَةٌ﴾ [البقر: ١٧٨]. وقالَ: أي مَن جُعل لهُ من أولياءِ المقتولِ عَفْوٌ من الدِّيةِ،
أي فَضلٌ بدلُ أخيه المقتولِ فاتباعٌ بالمعروفِ، أي مُطالبةٌ جميلةٌ. قالَ: ومِن معناهُ البدلّ.
قالَ: ومنهُ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَلائكةً في الأرضِ يَخْلُفُون﴾
[ الزخرف: ٦٠ ] أي بَدَلكم.
وعَوَّضتُ فلاناً من حقّه ثوباً، أي بدلَ حقّه. قوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]
أي كَثُرُوا وكَثُرَتْ أموالُهم. وقيلَ: ﴿فمن عُفِيَّ له من أخيهِ شيءٌ﴾ أي تُرك. قولُه:
﴿والعافين عن الناس﴾ [آل عمران: ١٣٤] أي التاركين حقوقَهم معَ قُدرتِهم على
إِنفاذِها، ولذلك عقَبَهُ بقوله: ﴿واللهُ يحبُّ المُحسنينَ﴾.
قولُه: ﴿أُوْ يَعْفُر الذي بيده عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] اختُلفَ في ضميرٍ
(( بيده))؛ فقيلَ للزوجة وقيلَ للوليِّ. قوله تعالى: ﴿عَفا اللهُ عنكَ﴾ [التوبة: ٤٣] أي رفعَ
لك بذلكَ درجاتٍ حيثُ اجتهدتَ فأُثْبِتَ. سَمَّى ذلك عَفْواً وإِنْ كان مدلولُه في الأصلِ
لغيره عليه الصلاةُ والسلام. مَحا اللهُ ذنبَكَ. وفي الحديث: ((ويَرَعَون عَفاءَها))(٤) هو ما
(١) النهاية ٢٦٦/٣.
(٢) الفائق ٢ / ١٧٠ وغريب ابن الجوزي ١٠٩/٢ والنهاية ٢٦٧/٣.
(٣) البيت للأعشى في ديوانه ٣٧١ وللكميت في أساس البلاغة (عفو) ولمضرس الأسدي في اللسان
(عفا) وصدر البيت : (فلا تسأليني واسالي ما خليقتي)
(٤) الفائق ٩٤/٣ وغريب ابن الجوزي ١٠٩/٢ والنهاية ٢٦٦/٣.

١٠٠
باب العين
ليسَ لأحدٍ فيهِ مِلْكٌ مِن عَفا الشيءُ إِذا صَفا وخَلُصَ ومنه الحديثُ الآخَرُ: ((أَقطعَ من أرضِ
المدينة ما كانَ عفاءٌ))(١) ويروى بالكسرِ.
فصل العين والقاف
ع ق ب:
قولُه تعالى: ﴿واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لحكمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] لا مُتَتَبَعَ لَهُ ولا مُكِراً
عليه بنقصٍ. والعقبُ: الذي يكرِّ على الشيءٍ ويتبعُه لينظرَ ما فيهِ من الخَلل لُنَقْصَهِ.
ولذلك فسُر بأنه لا يَحكمُ بعدَ حكمهِ حاكمٌ؛ مأخوذٌ من العقبِ، فإِنَّ مَن تَتَبَّع شيئاً يكونُ
وراءَ عقبهِ. وقيلَ: معناهُ: لا أُحدَ يتعقّبُه ويبحثُ عن فعلهِ، من قولهم: عقَّبَ الحاكمُ على
حُكمٍ مَن قبلَه: إِذا تتبَّعَه. قيلَ ويجوزُ أن يكونَ ذلك نهياً للناسِ أَنْ يخوضوا في البحثِ
عن حُكمهٍ وحِكمتهِ إِذا خَفِيا عليهم، ويكونَ ذلك من نحوِ النهي عن الخوضِ في سرٌ
: القدرِ. وأصلُ ذلك من العَقْبِ، وهو مؤخّرُ الرِّجل. وقال الأصمعيُّ: العقبُ ما أصابَ
الأرضَ من مؤخَّر الرِّجلِ إِلى موضعِ الشّراكِ. وفي الحديث: ((كانتْ نعلُه مُعَقَبةَ))(٢) أي لها
عَقْبٌ، وجمعُهُ أَعقابٌ. وفي الحديث: ((ويلٌ للأعقابِ من النارِ))(٣) وفي رواية
((للعراقیب)).
قولُه: ﴿ وَجَعَلَها كلمةُ باقيةٌ في عَقِبِهِ(٤)﴾ [الزخرف: ٢٨] أي ذريته، استعارةٌ من
التأخرِ. وجاءَ في عَقِبِ الشهرِ، أي آخرهِ. قولُه: ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]
رجَعَ مُسرعاً، وفيه فائدةٌ؛ وهو أنَّه لسرعةِ رجوعهِ لم يمهلُ أن يُولي وجهَه للجهة التي يفرّ
إِليها، بل رجعَ القَهْقَرى. ثم صارَ ذلك عن مُطلقِ الرجوعِ، وإِن لم ينكصْ على الهيئة
المذكورة. وكذا قوله: ﴿عَلَى أَعقائِكُمْ(٥) تَنْكِصُون﴾ [المؤمنون: ٦٦] وهو عبارةٌ عن
تَوليهم عن الحقِّ وتكذيبهم. ومثلُه: رجعَ على حافرتِهِ، و[رجَع] عَوْدَه على بَدئهِ ﴿ ولم
يُعقّبْ﴾ [النمل: ١٠] أي لم يرجعْ بل مرَّ لوجههِ.
(١) الفائق ١٦٦/٢ والنهاية ٣ /٢٦٦ وغريب ابن الجوزي ١٠٩/٢.
(٢) الفائق ١٦٦/٢ والنهاية ٢٦٩/٣ وغريب ابن الجوزي ١١٢/٢.
(٣) أخرجه البخاري في العلم، (١) باب فضل العلم ٦٠ ومسلم في الطهارة ٢٤١.
(٤) قرئت (عقبة، عاقبه) البحر المحيط ١٢/٨.
(٥) قرأ علي بن أبي طالب (أدباركم ) القرطبي ١٢ /١٣٦.