Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب الصاد وجمعُ الصَّفد أَصفادٌ، قيل: وأصفَدَ وصفدَ أيضاً. وفي الحديث: ((إِذا جاءَ شهرٌ رمضانَ صُفِّدتِ الشياطينُ))(١) أي غُلَّتْ. ص ف ر: قولُه تعالى: ﴿بَقرَةٌ صَفراءُ﴾ [البقرة: ٦٩] هو تأنيثُ الأصفرِ. والصُّفرةُ: لونٌ معروفٌ. وقيلَ في قوله: ﴿جِمالاتٌ صُفْرٌ (٢)﴾ [المرسلات: ٣٣] وفي ((الصفراءِ)) إِنه السوادُ، وأنشدَ للأعشى: [من الخفيف] هنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيب(٣) ٨٨٣ - تلك خيلي منه وتلك ڕِ کابي وحضرتُ يوماً درسَ الشيخ فأوردتُ البيتَ متعجباً من استشهادِ الزَّمخشريِّ وغيرِه به على ذلك. وقلتُ: أليسَ من الزبيبِ ما هو أصغرُ؟ فقال: صدقتَ، ولكنِ الغالبُ في الزبيب السوادُ، حتى إِنَّ بعضَ البلادِ لا يكونُ فيها إِلا كذلك. وقولُه: ﴿فاقعٌ﴾ [البقرة: ٦٩] هذا تابعٌ لا معنى له غيرُ ذلك؛ يقال: أصغرُ فاقعٌ، أي خالصٌ، وأسودُ حالكٌ وحائلٌ، وأبيضُ يَقَقٌّ، وأحمرُ قانٍ، وأخضرُ ناصحٌ، وأزرقُ حَطبانيٌّ، كلٌّ ذلك بمعنى الخُلوصِ. وقالَ الراغبُ(٤): الصفرةُ بينَ السوادِ والبياضِ، وهيَ إِلى البياضِ أقربُ، ولذلك قد يُعبَّر عنها بالسواد. وقال الحسنُ: سَوداءُ شديدةُ السواد. قالَ بعضُهم: لا يقالُ في السوادِ: فاقعٌ. قولُه: ﴿كأنَّ جِمالاتٌ صُفرٌ﴾ هو جمعُ أَصفر [ولِيبَيسِ البُهمَى] صُفَارٌ. والصَّفيرُ للصوتِ الكائنِ من الأشياءِ الخاليةِ. قيلَ: ومن هذا صَفِرَ الإِناءُ، أي خَلا، إِذا خَلا سُمعَ منه صغيرٌ من أجلِ الهواءِ، ثم صارَ مُتعارَفاً في كلِّ خالٍ من الأبنيةِ وغيرها. وفي الحديث: ((إِنِ يدَهما صَفراءُ)) أي فارغتين. وفي الحديث: ((لا صَفَر ولا هامَةً ولا عَدْوَى))(٥) الصَّغَرُ: تزعمُ العربُ أنه حيّةٌ في (١) مسند أحمد ٢٩٢/٢. (٢) قرأ الحسن (صُفْرٌ) البحر المحيط ٤٠٧/٨. (٣) ديوانه ٣٨٥ (٤ ) المفردات ٤٨٧ ر (٥) أخرجه البخاري في الطب، (١٩) باب الجذام ٥٣٨٠، ومسلم في السلام ٢٢٢١ ومسند أحمد ٠٢٦٩/١ ٣٤٢ باب الصاد البطنِ إِذا حصلتْ جاعَ الإنسانُ، فإِذا جاعَ آذَتْه(١). نزعم أنها تُعدي. والهامَةُ تزعمُ العربُ أنَّ القتيلَ إِذا قُتل خرجَ منه طيرٌ يرفرفُ عليه ويقولُ: اسْقُوني اسْقُوني، حتى يؤخَذَ بشارهِ فيسكُنُ (٢). والعَدْوى: أن يصيبَ الإِنسَانُ مثلما بالمُبتلى. فنفَى الشارعُ ذلك كلّه، فإِنّ المقاديرَ بكفِّ الإِلهِ. قال بعضُ الحكماءِ: سُمي [خُلوُ] الجوفِ والعروقِ من الغذاء صَفَراً. ولما كانتْ تلك العروقُ الممتدةُ من الكبدِ إِلى المعدةِ إِذا لم تجدْ غذاءُ امتصَّتْ أجزارَ المعدة، اعتقدتْ جهلةُ العربِ أنَّ ذلك حيةٌ في البطن تعضُّ الشَّراسيفَ، وعلى ذلك قالَ شاعرُهم: [من البسيط] ٨٨٤ - ولا يَعَضُّ على شرسوفهِ الصَّفَرُ (٣) وصَفر: علمٌ لشهرٍ، سُمي بذلك لخلوٌّ بيوتهم من الزاد، والصَّغَرِيِّ من النُّتاج: ما يكونُ في ذلك الوقت. وقيلَ صفرَ لما كانوا يفعلونَه من النَّسيءُ؛ يؤخرون المحرمَ إِلى صَفر. وفي الحديث: ((صُفرةٌ في سبيلِ اللهِ))(٤) أى جَوعةٌ، من الخلوِّ. وفي حديثٍ أمِّ زرعٍ: ((صِفِرُ ردائها ومِلُ كسائِها وغيظُ جارتها)) (٥) أي ضامرةُ البطنِ سمينةٌ، إِذ رأتْها جارتُها غاظَها حسنُها. وفي الأضاحي: ((نَهى عنِ الْمُصْفَرَةِ))(٦) والمُصْفرةُ أي المستأصِلةُ : الأذن لخلوٌّ صماخها من الأذنِ. وقيلَ: المَهزولةُ، لصفرِها منَ السِّمنِ وقيلَ لأبي جهلٍ: (( يا مُصَفِّرَ اسْتِهِ))(٧) رماهُ بالأُبْنةِ. وَقِيلَ: يا مُضرِّطَ نفسِهِ، مأخوذٌ من الصَّفيرِ، وهو صوتُ الضراط. ص ف ف: قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ ربِّكَ والمَلكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ [الفجر: ٢٢] الصفُّ: جعلُ الشيءِ (١) النهاية ٣٥/٣. (٢) النهاية ٢٨٣/٥ واللسان (هوم ١٢ /٦٢٤). (٣) عجز بيت الأعشى باهلة وصدره: (لا يتارّى لما في القدر يرقبه ). وهو من قصيدة يرثي بها أخاها والبيت في اللسان (صفر) وأمالي القالي ٢ / ٢٠٠. (٤) غريب ابن الجوزي ٥٩٣/١ والنهاية ٣٦/٣. (٥) غريب ابن الجوزي ٥٩٣/١ والنهاية ٣٦/٣ .. (٦) مسند أحمد ١٨٥/٤ . . (٧) الفائق ٢ /٦٨ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٩٤ والنهاية ٣٦/٣ , وهو قول عتبة بن ربيعة لأبي جهل. ٣٤٣ باب الصاد على خطٌّ مُستوٍ كالناسِ والأشجارِ، والمعنى صفاً بعدَ صفٍّ، فلا يرادُ به واحداً أبداً. ولهذا كان قولُ مَن قالَ: إِنَّ ((صفاً)) الثاني تأكيدٌ لفظيٍّ ساقطٌ كما بيّناه في غيرِ هذا. قولُه: ﴿وعُرِضِوا على ربِّك صَفاً﴾ [الكهف: ٤٨] أي صفاً واحداً، ولا يَتَوارَى منهم واحدٌ خلفَ آخرَ، كقولهِ: ﴿يومَ هُم بارِزون لا يَخْفَى على اللهِ منهم شيءٌ﴾ [غافر: ١٦]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يحبُّ الذين يقاتلون في سبيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف: ٤] يحتملُ أن يكونَ مصدراً، وأن يكونَ بمعنى الصافِّينَ. وكذا قولُه تعالى: ﴿ثم ائْتُوا صَفّاً﴾ [ طه: ٦٤ ] أي صافِّينَ. ومَعنى المصدريةِ أن يتناولَ الفعلُ قبلَه به كأنه قيلَ: يَصطفُّون في القتالِ صَفاً. وقيلَ: (( ثم ائتوا صفاً)) أي الموضع الذي تجتمعون فيه لعيد كم وصلاتكم. قال الأزهريُّ: يقالُ: أتيتُ الصفَّ. أي أتيتُ الصلاةَ. قالَ: ويجوزُ أن يكونَ: ثم ائتوا مصطفين، ليكونَ أنظمَ لكم وأشدَّ لكم وأشدَّ لَھیْتِکم. قلتُ: لو أراد موضعَ الصلاة لقالَ للصفِّ لأنه مكانٌ معينٌ. قولُه: ﴿يومَ يَقُومُ الروحُ والملائكةُ صَفًا﴾ [النبأ: ٣٨] قيل: الروحُ بعينه يقفُ وحدَه، وتقفُ الملائكةُ كلُّهم أمامَه فيساوِيهم ويسامِتُهم لعظم خَلقهِ. وقيلَ: الروحُ جبريلُ نصَّ عليه لشرفهِ. قولُه تعالى: ﴿وَالصّافَاتِ صَفّاً﴾ [الصافات: ١] قيلَ: همُ الملائكةُ، وهذا هوَ الظاهرُ لقولِه تعالى حكايةً عنهم: ﴿وإِنّا لنحنُ الصافّون﴾ [الصافات: ١٦٥] وذلك لاصطفافهم في عبادة اللهِ من رُكُوعٍ وسُجودٍ وتَسبيحٍ وتَقديسٍ. وقيلَ: هم المقاتلةُ في سبيلِهِ صَفّاً. وقيلَ: هم المصلُّون منَ المسلمينَ. وقيلَ: هيَ الطيرُ لصفِ أجنحتِها. قال تعالى: ﴿أو لم يَرَوا إِلى الطَّيرِ فوقَهم صافّاتٍ وَيَقْبِضْ﴾ [الملك: ١٩] أي وقابضات. قولُه: ﴿فاذكرُوا اسم الله عليها صَوافٍ﴾ [الحج: ٣٦] أي مُصطفةً، يعني بُدْنَ الهدْي والضحيّة لأنه أعظمُ في القربةِ، وذلك أن تُعْقَلَ وتُصفَّ فُتنحرَ. كان ابنُ عمر يفعلُ ذلك، ومن ثم قُرىء ﴿صوافنَ﴾(١) أي قائمةً على ثلاثٍ، وسيأتي. وقُرىء ﴿صوافي﴾(٢) أي خاصةً لله لا كما كان المشركون يفعلون. والجمعُ صفوفٌ. وفي (١) قرأها ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء والضحاك والأعمش. البحر المحيط ٦ /٣٦٩ وإملاء العكبري ٧٩/٢ ر (٢) قرأها الحسن وأبو موسى الأشعري ومجاهد وزيد بن أسلم والأعرج. البحر المحيط ٣٦٩/٦ وإملاء العكبري ٧٩/٢ ,وقراً عمرو بن عبيد (صوافياً) وقرأ الحسن (صوافٍ) البحر المحيط ٣٦٩/٦. ٣٤٤ : باب الصاد الحديث: ((لتَسُونَّ صُفوفَكم))(١) يعني في الصلاة. والصفيفُ: اللحمُ المصفوفُ؛ إِما لتقديده وإما لشيّه. ومنه حديثُ ابن الزبير: ((كان يتزوَّدُ صفيفَ الوحش وهو مُحرمٌ))(٢)، أي قديدُها. وقال امرؤ القيسِ: [من الطويل] ٨٨٥ - فظلّ طھاُ اللحم ما بین مُنضجٍ صَفيفَ شِواءٍ أو قَدِيدٍ مُعجَّل (٢) يقالُ: صَففتُ اللحمَ أَصُفُّه صَفّاً، أي جعلتُه صَفّاً واحداً. والصُّفَّةُ: ما يرتفعُ في جانب البيت، ومنه: أهلُ الصِّفَّة لناحيةٍ كانتْ في المسجدِ يأوى إِليها المساكينُ. وَصُفَّةُ السرَّج تَشبيهاً بها في الهيئةِ. والصَّفوفُ: الناقةُ التي تصُفُ رجليها عندَ الحَلْبِ. وقيلَ: التي تكونُ بينَ مَحْلَبَيْنِ. قوله: ﴿قاعاً صَفْصفاً ﴾ [طه: ١٠٦] هو المُستوِي مِنَ الأرضِ؛ قيلَ : كأنه على صَفٍّ واحدٍ. وقيل: هو الخالي المستوي منَ الأرضِ. ص ف ن: قولُه تعالى: ﴿إِذْ عُرضَ عليه بالعَشيِّ الصافناتُ الجيادُ ﴾ [ص: ٣١] أي الخيلُ: القائماتُ. يقال: صَفَن الفرسُ، أي قامَ. وأهلُ اللغة يقولون: أنْ يَتْنِيَ الفرسُ إِحْدَی یدیهِ أو رِجليهِ فيقفُ على ثلاثٍ، وهو أجودُ الخيلِ، وأنشدّ: [ من الكامل] ٨٨٦ - أَلْفَ الصُّفُونَ فلا يزالُ كانَّه ممّاً يقومُ على الثلاث كسيرا(٤) وقيل: هو قيامُها مُطلقاً، ومنه الحديثُ: ((قُمنا خلفَه صُفِونا))(٥) أي صافِينَ أقدامَنا. وفي حديثٍ آخرَ: ((مَن سَرَّه أن يقفَ الناسُ له صُفونا))(٦) أي مُصطفيِّن قياماً. وقُرىء ((صوافن)) وقد تقَّدم تفسيرهُ. والصافنُ أيضاً: عرقٌ في الصُّلْبِ يَجمعُ نياطَ القلبِ . وأصلُ الصَّفْن الجمعُ بينَ شيئين ضامّاً بعضَهما إِلى بعض، ومنه تقدَّمَ من صُفُونِ الفرسِ (١) أخرجه البخاري في الجماعة والإمامة، (٤٢) باب تسوية الصفوف ٦٨٥، ومسلم في الصلاة، باب : تسوية الصفوف ٤٣٦ . (٢) الفائق ٢ /٢٩ وغريب ابن الجوزي ٥٩٤/١ والنهاية ٣٧/٣. (٣) تقدم برقم ٨٤٠ (ش وي) وهو من معلقته في ديوانه ٢٢ . (٤) البيت في اللسان ( صفن) دون عزو. (٥٠) الفائق ٢ /٢٧ وغريب ابن الجوزي ٥٩٥/١ والنهاية ٣٩/٣. (٦) الفائق ٢٧/٢ وغريب ابن الجوزي ٥٩٦/١ والنهاية ٣٩/٣. ٣٤٥ باب الصاد لجمعه قوائمه. ومنهُ الصُّفْنُ - بضم الصاد وفتحها - لخريطةٍ تكون مَعَ الراكب فيها زادُه وأداتُه. ومنه حديثُ عمر: ((حتى يأتيَ الراعيَ حقُّه في صُفْنِهِ))(١). وصَفَنَ ثيابَه: جمعَها. والصُّفْنَةُ: السَّفْرةُ المجموعةُ بخيطٍ. ص ف و: قولُه تعالى: ﴿وأنهارٌ من عَسلٍ مُصفّىٌ﴾ [محمد: ١٥] أي خالصٌ مما يَشوبُه. والصَّفْوُ: الخلوصُ، ومنه الاصطفاءُ افتعالُ من الصَّفْوٍ، وهو تناولُ صْفِ الشيءٍ كالاختيارِ: تناولُ خيرهِ، والاجتباءُ: تناولُ جبايتهِ. وصَفيُّ الغُنْم: ما يَصطفيهِ الإِمامُ لنفسهِ فيخلُصُ لهُ. قال الشاعرُ: [ من الوافر] ٨٨٧ - لكَ المَرْبَاعُ منها والصَّفايا(٢) قولُه: ﴿إِنَّ الصُّفا والمَروةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] هما مَوضعانِ مَعروفانٍ بمكةَ، شرَّفها اللهُ تعالى. وأصلُ الصَّفا الحجرُ الأملسُ؛ سُمي بذلك لخلوصهِ مما يَشوبُه. ومثلُه الصَّفْوانُ في قولِه تعالى: ﴿كمثلٍ صفوانٍ (٣)﴾ [البقرة: ٢٦٤] الواحدةُ صفوانةٌ. واليومُ الصفوانُ: الصافي الشمسِ الشديدُ البردِ. وأصفى الحافرُ: بلغَ الصَّفا، كقولهم: أكدى أي بلغَ كديةٌ. قولُه تعالى: ﴿اللهُ يَصْطفي من الملائكةِ رُسلاً ومن الناسِ﴾ [الحج: ٧٥] قيلَ اصطفاؤه تعالى لبعضِ عبادهِ قد يكونُ بإيجادِه صافياً من الشّوبِ الموجودِ في غيره، وقد يكونُ باختيارهِ وحكمهِ وإِن لم يَتَعرَّ ذلك من الأَول. ويقالُ للناقةِ أو الشاةِ الغزيرةِ اللبنِ وللنخلة الكثيرةِ الحمْلِ صَفيَّة . وبنو فلانٍ مُصْفُونَ ، أي لهُم صفايا من ذلك. قولُه: ﴿أَصْطَفَى البناتِ على البنينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] هذا إِنكارٌ عليهم قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ يقول: اختارَ أخسَّ النوعينِ عندَكُم وخصَّكم بأَشْرفها. (١) الفائق ٥٩٠/١ وغريب ابن الجوزي ٥٩٥/١ والنهاية ٣٩/٣ (٢) البيت لعبد الله بن عنمة الضبي في الأصمعيات ٣٧ واللسان (نشط، ربع، فضل، صفا) والمقاييس ٤٧٩/٢، ٢٩٢/٣، ٤٢٧/٥ وهو من أبيات ثمانية رواها أبو تمام في الحماسة ٤٢٠/١ . وعجز البيت: ( وحكمك والنشيطة والفضول). (٣) قرأ الزهري وسعيد بن المسيب (صَفَوَان)، وقرأ قطوب (صِفْوَان) البحر المحيط ٣٠٩/٢ والقرطبي ٠٣١٣/٣ ٣٤٦ باب الصاد فصل الصاد والكاف ص ك ك : قولُ تعالى: ﴿فصكَّتْ وَجْهها﴾ [الذاريات: ٢٩] أي لطمتْه. ويقالُ: إِنْه ضربُ الوجه بأطراف الأصابعِ تفعلُه النساءُ. وفي الحديث: (( كانَ يَستظلُّ بجفنَةِ عبدِ اللهِ بنِ جُدْعَانَ صَكَّةً عُمَيٍّ))(١). هذا اللفظُ صارَ علماً على الهاجرة وشدةِ القيظِ في وسطِ النهارِ. ومنه: لقيتُه صَكَّةَ عُمَيٍّ. وعمَيِّ تصغيرُ أَعمى تَرخِيماً. والأصلُ في ذلك - واللهُ أعلمُ - أن الإِنسانَ في هذا الوقتَ يظللُ على عينيهِ لينظرَ في الفلاةِ فيضعَ يدَه على جبهته، فكأنه صكَّ وجهَهُ وجُعل قريباً من الأعمى ، ولذلك صغَّروه ولم يصغِّروهُ كاملاً بل محذوفاً منه منبهةً على ذلك. فصل الصاد واللام ص ل ب : قوله تعالى: ﴿يخرُج مِنْ بين الصُّلب(٢) والتَّرَائِبِ﴾(٢) [الطارق: ٧] يعني أنَّ الماءَ. الذي يُخلِقُ منه الإِنسانُ هذا مِقُرُّه صلبُ الرجلِ، وترائبُ المرأةِ وهي عظامُ صدرِها، تنبيهٌ على ذلك حتى لا يتكبِّرَ، فعكسَ أكثرُ الناسِ ذلك. ولولا الأنبياءُ ومن وفَّقَهُ اللهُ لقُلبَ كلّ الناسِ. وأصلُ الصُّلبِ هو الشيءُ الشديدُ. وَالصَّلابةُ: الشدَّةُ. ومنه صُلِبُ الرجلِ وهو ظهره، ولقوته قالوا: ظاهره إِذا عاونَه كانَّه ساعده بأقوى مافیه وأشدّه. قوله: ﴿ الذین مِن أَصَلابِكُم﴾ [النساء: ٢٣] قيلَ: إِنَّما قالَ ذلك تنبيهاً أن الولدَ جزءٌ من والده، والصُّلْبُ والصَّلَبُ والصالبُ بمعنى واحد؛ لغاتٌ ثلاثٌ. قال العباسُ رضي اللهُ عنه يمدحُ رَسُولَ الله عمله: [من المنسرح] ٨٨٨ - تُنْقَلُ من صالِبٍ إِلَى رَحِمٍ إِذا مَضَى عِلمْ بَدَا طَبَقُ (٣) قيلَ: وسُمي الظهرُ صُلِياً لأنه يخرجُ منه ما يُشبه الصليبَ وهو الوَدَكُ، منه سُمي المَصلوبُ مَصلوباً لما يسيلُ مِنْ وَدَكِهِ عندَ صَلبهٍ، وأنشدَ لعلقمةَ بنِ عَبْدَةً يصِفُ فلاةٌ: (١) الفائق ٣٢/٢ وغريب ابن الجوزي ٥٩٨/١ والنهاية ٤٣/٣. (٢) قرأ ابن أبي عبلة ومقسم وعيسى الثقفي (الصُّلُب)، وقرأ اليماني (الصَّلَب) البحر المحيط ٤٥٥/٨ ٠٠ والقرطبي ٠٧/٢٠٠ (٣) البيت في الفائق ٢/ ٢٨١ والنهاية ٤٤/٣ واللسان (صلب). ٣٤٧ باب الصاد [ من الطويل] فبيضٌ وأمّا جلدُها فصَلِيبُ(١) ٨٨٩ - بها جيَفُ الحَسْری فأمَّا عظامُها وسُمي المصلوبُ بذلك لأنه يُشِدُّ صُلُبُه على الخشب غالباً. وفي الحديث: ((لمَّا دخلَ مكةً أتاهُ أصحابُ الصُّلُبِ))(٢) هُم قومٌ يجمعونَ العظامَ بعد أكلٍ لحمِها، فيطبخونَها ليخرجَ صَلَيبُها فذلك هو الصُّلَبُ والاصْطلابُ. وثوبٌ مُصلَّبٌ: عليه صورُ الصَّليب، وهو الخشبُ الذي يُصلبُ عليه. ومن ثمَّ عظّمتِ النصارى هذه الهيئة لأنَّهم يزعمون - وقد كذبوا - أنَّ عيسى صُلبَ عليهِ. والصَّالبُ من الحمّى: ما يُسيلُ وَدَكَ المَحموم أو ما يكسِرُ صُلْبَه. وصَلَّبتُ السُّنانَ: شَحذتُه بالصُّلْبِيّة؛ وهي حجارةُ المِسنَّ، لصلابتها. ص ل ح: قولُه تعالى: ﴿وهو يَتَوَلَّى الصالحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] أي المسلمينَ العاملين بما أُمروا به ونُهوا عنه. وزادوا على ذلك بنوافلَ. والصلاحُ ضدهُّ الفسادِ، ويختصّانِ في غالب أحوالِ الاستعمالِ بالأفعالِ. وقد قُوبلَ في التنزيلِ تارةً بالفسادِ وتارةً بالسيءٍ. قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرضِ قالوا إنما نحنُ مُصلحون﴾ [البقرة: ١١]. وقال تعالى: ﴿خَلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سَيئاً﴾ [التوبة: ١٠٢] وإِصلاحُ الله تعالى بعضَ عباده يكون تارةً بخَلْقِهِ إِياهُ كذلك، وأخرى بإزالة ما فيه من الفساد. وأخرى بالحكم له بذلك . قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصلحُ عملَ المفسدين﴾ [يونس: ٨١] لأنَّ أعمالَهم تُضادٌّ ذلك. قال الراغبُ: أي المُفسدُ يُضادُّ اللهَ في فعله لأنه يفسدُ، واللهُ تعالى يتحرَّى في جميع أفعاله الصلاحَ، فهو لا يُصلحُ عملَه. وفي عبارتهِ غلظةٌ. وقيلَ: لا يوفقُهم لعمل الصلحاءِ. قولُه: ﴿والصلحُ خيرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] غلبَ الصلحُ على المودَّةِ بينَ الناسِ وإزالة ما بينَهم من الضَّغائنِ، والإِصلاحُ فعلُ ذلك؛ قال تعالى: ﴿أو إِصلاحٌ بينَ الناسِ﴾ [النساء: ١١] والصلحُ في الفقه نوعٌ من ذلك، لأن فيهِ إِزالةَ خصومةٍ بتركِ بعضِ الحقِّ. قولُه: ﴿وَلحِقْني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] أي اجْعَلني منهم بأنْ أُحشَرَ في زُمرتِهم (١) تقدم برقم ٣٥٤ ( ح س ر) وهو في ديوانه ٤٠ (٢) غريب ابن الجوزي ١ /٥٩٩ والفائق ٣٦/٢ والنهاية ٣ /٤٥. ٣٤٨ باب الصاد لأنك تَتَولاَهُم، ومن تَوَيتَهُ فلا سعادةَ لهُ أعظمُ من ذلك. قولُه: ﴿وَأَصْلَحنا له زوجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] أي خَلْقاً وخُلُقاً. وقيلَ: من العقرِ، ألا ترى قوله: ﴿وكانت امرأتي عاقِراً﴾ [مريم: ٥]. قوله: ﴿مِنِ عِبَادِنا صالحَينٍ﴾ [التحريم: ١٠] وصفَهما بأجمل الصفات لأن الصلاحَ يشملُ أمور الدنيا والآخرةِ . وصالحُ النبيُّ المشهورُ من ذلك. وصلاحٍ: علمٌ لمكنَّى مَبنيٍّ على الكسرِ كحَذامٍ وقطاع. وهذهِ لغةُ الحجازِ، ولغةُ تميمٍ إِعرابُه غيرُ منصرفٍ. وقد جمعَ بينَ اللغتينُّ مَن قالَ: [ من الوافر] ٨٩٠ - إِذا قالتْ حَذامُ فصدِّقوها فإِنَّ القولَ ما قالتْ حَذامُ(١) وقال الحارثُ بنُ أميةَ يُذُكرُ مكةَ، شرَّفها اللهُ تعالى بهذا الاسم: [ من الوافر] فتكفيكَ النَّدامَى من قُريش(٢) ٨٩١ - أبا مطرٍ هَلمَّ إلى صلاحٍ أبا مَطرٍ هُدِيتَ بخيرٍ عِيشِ وتَأَمَنُ وَسْطَهمْ وتعيشُ فيهم وتأمَنُ أن یَزَورَكَ رَبَّ جَنِیْشِ وتسكنُ بلدةٌ عَزَّتْ لَقاحاً قال الهرويُّ: قرأتُ في شعرِ الدُّريديِّ في مفاخرةٍ: [من الكامل ] لم يَسْكِنْ لِتَهِدُّدٍ وَتَنْمُّرِ (٢) ٨٩٢ - منّا الذي بصلاحٍ قامَ مؤذِّناً قال: يعني خُبِيبَ بنَ عِديٍّ. قلتُ: يشيرُ إِلی قتلهِ وصَلبهِ رضي الله عنه حین قتلّه المشركون بمكةً وصلبوه، شبّهه بالمؤذن . (١) الخصائص ١٧٨/٢ واللسان والتاج (حذم) واللسان (رقش) والمزهر ٢ /٤٧٦ والاشتقاق ١١٨ ومجمع الأمثال ١٠٦/٢ والبيت ينسب إلى لجيم بن صعب (أو وسيم بن طارق ) قاله في زوجته بنت العتیك بن أسلم. (٢) الأبيات لحرب بن أمية يخاطب فيها أبا مطر الحضرمي، وقيل: إِن الأبيات الحارث بن أمية، والأبيات في الأساس واللسان والتاج (صلح) وانظر (( مابنته العرب على فعال)) ١٨ «صلاح: من أسماء مكة .... وقد تُجرى مجرى مالا ينصرف)). وفي معجم البلدان (صلاح ٤١٩/٣) البيتان الأول والثالث وقد نسبا إلى أبي سفيان. (٣) البيت في اللسان والتاج (صلح) دون عزو. ٣٤٩ باب الصاد ص ل د: قوله تعالى: ﴿فتركَهُ صَلْدَاً ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي نَقياً. وأصلُه الحجرُ الصُّلبُ، وهو الذي لا يُنبتُ شيئاً. ومنه: رأسٌ صُلْدٌ، أي لا يُنبتُ شَعراً. وناقةٌ صَلودٌ ومِصْلادٌ: قليلةٌ اللبن. وفَرَسٌ صَلودٌ: لا يعَرَقُ. وصلَدَ الرِّندُ: لا يُخرِجُ نَارَهُ، وعُودٌ صُلِدٌ: لا يقدحُ ناراً. ص ل ص ل: قوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. الصَّلصالُ: الطينُ اليابسُ الذي له صوتٌ وصَلصلةٌ. وأصلُ الصَّلصلةِ، تردّدُ الصوتِ من الشيءِ اليابسِ. ومنه: صُلَّ المِسمارُ وصُلِصِلَ(١). والصَّلصلةُ: بقيةُ الماءِ أيضاً، سُميتْ بذلك لحكاية صوتٍ حركتِه في المزادة. وقيلَ: الصَّلْصالُ: المُنْتِنُ المُتَغيرُ، من قولِهِم: صَلَّ اللحمُ، وصلّلَ وأصلَّ. والأصلُ صَلاّلٌ فأبدلَ الثانيةَ من جنسٍ فاءِ الكلمةِ تَخفيفاً. وقد قُرىءَ: ﴿أَئذا صَلَّلْنا(٢) في الأرضِ﴾ [السجدة: ١٠] بالمُهملةُ، أي أَنتنّا وَتَغَيَّرنا. وفي الحديث: ((كُلْ ما ردَّتْ عليكَ قَوسُك ما لم تَصلَّ))(٢) أي تُنتنْ، وقيلَ: الصَّلصالُ: ما لم يُطبخْ بالنارِ، فإِذا طُبخ فهو فَخّارٌ. ص ل و : قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغَيبِ وَيُقيمون الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]. الصلاةُ لغويةٌ وشَرعيةٌ؛ فاللغويةُ: الدُّعاء؛ قال الأعشى: [من البسيط] ٨٩٣- تقولُ بِنْتي، وقد قَرَّبْتُ مرَّتَحلاً يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوصابَ والوَجَعا (٤) يوماً فإِنَّ لجنبِ المرءِ مُضْطَجعا عليكِ مثلُ الذي صَلِّيتِ فاغْتَمضي وقال آخرُ: [من الطويل] (١) صُلّ المسمارُ: إِذا ضرب فأكره أن يدخل في شيء. (٢) قرأ الحسن وعلي بن أبي طالب وابن عباس والأعمش وأبان بن سعيد (صَلّلنا)، (صّللْنا)، وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وطلحة، أبو رجاء وابن وثاب وأبو العالية وابن عباس والحسن (ضَلِلْنا )، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة (ضُللنا) البحر المحيط ٧ / ٢٠٠ والكشاف ٢١٢/٣. (٣) النهاية ٤٨/٣ وغريب ابن الجوزي ٦٠١/١. (٤) ديوانه ١٥١ وفي الأصل ((قال النابغة)). ٣٥٠ باب الصاد وإِن ذُبحتْ صِلَّى عليها وزَمزَما (١) ٨٩٤ - لها حارسٌ لا ییرحُ الدهر ینھھا وأمّا الشرعيةُ فذاتُ الأركان المعلومة، وهي مشتقّةٌ من ذلك، لأنها مُشتملةٌ على الدُّعاء؛ وهذا عندَ مَن لم يُثبتْ أسماءُ شرعيةَ. وفي الحديثِ: ((إِذا دُعِيَ أحدُكم إِلى طعامٍ فلْيجبُ فإِنْ كان صائماً فليُصَلِّ))(٢) أي ليدعُ. وقيلَ: هي مشتقةٌ من الصَّلَوَيْنِ؛ عِرِقِينٍ: (٣) لأنَّ المصلّي يحركُهما عندَ حركتهِ فيها. ومنهُ المُصلِّي فِي حَلْبةِ السباقِ، لأنه يضعُ رأسَه عندَ صَلَوَي السابقِ . قال الشاعرُ: [من البسيط ] ٨٩٥ - إِنْ يُنْدَبْ غايةً يوماً لمكرُمةٍ تلقى السَّوابقَ منّا والمُصلِّينا(٤) ومن كلامٍ عليّ رضيَ اللهُ عنه: ((سَبقَ رسولُ الله عَّه وصلَّى أبو بكرٍ))(٥). وقيلَ: هي مشتقةٌ منَ الصِّلاءِ، وهو النارُ لأنه إذا فعلَ هذه العبادةَ فقد دراً عن نفسهِ الصُّلَاءَ، وهذا مردودٌ بأنَّ تلك مادةٌ أخرى كما سيأتي. ويقالُ: الصَّلاةُ منَ اللهِ تعالى لعباده تزكيةٌ لهم وبركةٌ عليهم. ومنَ الملائكة استغفارٌ، ومنَ الناس الدعاءُ وهذه العبادةُ. وقد أَتقنا الكلامَ على هذه المادةِ وما قيلَ فيها بأطولَ مِن هذا، وذكرنا شواهدَها في ((الدرٌ)). قولُه تعالى: ﴿لَهُدَمَتْ صُوامِعُ وبِيعٌ وصَلَوات(٦)﴾ [الحج: ٤٠] قيلَ: هي كنائسُ اليهودِ يُصلُّون فيها. وقيل: هي الصَّلواتُ، وذلك على حذف مضافٍ أي مواضعُ صَلواتٍ. قيلَ: وكُلُّ موضعٍ مَدحَ اللهُ تعالى فعلَ الصلاة أو حثَّ عليه. ذُكرِ ذلك [بلفظ ] الإقامة تَنْبيهاً أنَّ المقصودَ مِن فعلها تَوفيةُ حقوقِها وشرائطها لا الإِتيانُ بهيئتها فقط، ولهذا (١) البيت للأعشى في ديوانه٣٤٣ . (٢) أخرجه مسلم في النكاح،باب الأمر بإجابة الداعي (١٤٣١) ومسند أحمد ٣٩٢/٣. (٣) ((هما أول موصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص)) اللسان (صلا ١٤ /٤٦٥). (٤) البيت لبشامة بن حزن النُّهشلي. شرح الحماسة المرزوقي ١ / ١٠٣. (٥) النهاية ٣/ ٥٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٠٢ ر (٦) قرأ جعفر بن محمد (وصُلُواتٌ)، وقرأ الجحدري والكلبي (وصُلَواتٌ) وقرأ الكلبي وأبو العالية (وصَلْوَاتٌ)، وقرأ جعفربن محمد والجحدري (وصلواتٌ)، وقرأ مجاهد ( وصُلُوتي)، وقرأ الضحاك والکلبي ( وصُلُوتٌ)، وقرأ أبو رجاء والجحدري ( وصِلُونَي) وقرأ عكرمة ( وصلويثي) وقرأ الجحدري (وصِلْواتٌ) وقرأ الحجاح والجحدري (وصُلُوبُ)، وقرأ أبو عمرو وهارون (وصَلَواتُ)، وقرئت ( وصَّلْواتٌ، وصَلُوني، وصَلْوِينى) البحر المحيط ٦ / ٣٧٥ وإملاء العكبري ٧٩/٢! - - ٣٥١ باب الصاد رُوي أنَّ المصلينَ كثيرٌ وأنَّ المقيمينَ لها قليلٌ. وقولُه تعالى: ﴿الذين هم عن صَلاتِهم ساهُون﴾ [الماعون: ٥] أي غافلون عن استحضارها وإِن كانو فيها؛ فكم من مُصلّ قلبُه في معاشِه وأذى الناسٍ. وفي التفسير: ما تركوها وإِنما أخَّروها عن وقتها. وكذا قولُه: ﴿أضاعُوا الصلاة (١)﴾ [مريم: ٥٩] ﴿ولا يأتون الصلاةَ إِلا وهُم كُسالى﴾ [التوبة: ٥٤ ] تنبيهاً أنَّ فعلَهم لها بتكلُّفٍ لا عن طَواعيةٍ وذلك لما كانوا يصلّونَه تَقِيَّةً واتقاءً لأنفسهم وذراريُّهم وأموالهم كفعلٍ كثيرٍ من الناس إِنْ فعلوا. قيلَ: ولم يقلِ المصلّينَ إِلا في المُفرطينَ والمنافقينَ كقوله: ﴿فويلٌ للمصلِّينَ﴾ ﴿الماعون: ٤] ﴿ لم نَكُ من المصلّينَ﴾ [المدثر: ٤٣﴾ أي منَ الذينَ صَلَّوا إِخلاصاً لا نفاقاً. وقيل: من أتباعِ الأنبياء . قولُه: ﴿فلا صدَّقَ ولا صلَّى﴾ [القيامة: ٣١] تنبيهٌ أنّه لم يكن ممَّن يُصلِّي، أي يأتيَ بهيئتها فضلاً عن إِقامته لها. قوله: ﴿وقد أفلحَ المؤمنون الذين هُم في صلاتِهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢]. ثم قال: ﴿على صلاتِهم يُحافظون﴾ [المعارج: ٣٤] ذكرهُما بوصفينِ أحدُهما أشرفُ منَ الآخرِ، وهو مُخِّ العبادةِ الذي هو الخشوعُ، حتى جعله بعضُهم شرطاً في صحتها. ورأى عليه الصلاة والسلام رجلاً يعبثَ بلحيته في الصلاة فقال: ((لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه))(٢). ثم وصفَهم بالمُحافظة عليها ويدخلُ تحتَه أشياء كثيرةٌ بيانُها في غيرِ هذا. قولُه: ﴿وما كانَ صَلَاتُهم(٣) عندَ البيتِ إِلا مُكاءً وتَصْدِيَةَ﴾ [الأنفال: ٣٥] تنبيهً على إِبطال صلاتِهم، وأنَّ فعلَهم ذلك لا اعتدادَ به، بل هُم في ذلك كطيورٍ تَمْكو وتَصْدِي. وقيلَ: لم يُصلُّوا البتّةَ وإِنما جَعلوا ذلك بدَل صلاتهم كقوله: [ من الوافر] ٨٩٦ - تحيةً بينهم ضربٌ وَجيعُ(٤) (١) قرأ الحسن وابن مسعود وابن مقسم والضحاك وأبو زيد العقيلي (الصلوات) البحر المحيط ٢٠١/٦ والإتحاف ٢٩٩ . (٢) نوادر الأصول ١٨٤ والفتح الكبير ٣ /٤٤، وتقدم الحديث في (خ شع). (٣) قرأ عاصم وأبان بن تغلب والأعمش والحسين (صلاتهم .... مكاءٌ وتصديةٌ) السبعة ٣٠٥ والبحر المحيط ٤ / ٤٩٢ . (٤) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ١٤٩ وصدره: (وخيل قد دلفت لها بخيلٍ) وتقدم في ثلاثة مواضع أحدها برقم ٩٧ (أ م ن ). ٣٥٢ باب الصاد وقد مرَّ مثلُه. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَتَجعلون رزْقُكم أنّكم تُكذِّبون﴾ [ الواقعة: ٨٢]. ص ل ي: قولُه تعالى: ﴿لا يَصْلاها﴾ [الليل: ١٥] أي لا يدخلهُا ويُلاقي صَلاها، وهو حرِّها وإِقادُها. يقالُ: صَلَيْتُ الشاةَ: شَوَيَتُها، فهي مَصلِيَّةٌ. قالَ الخليلُ: صَلِيَ الكافِرُ النارَ: قاسَى حرَّها وقالَ: صَلاهُ النارَ، وأَصلاهُ أياها. والصَّلا - بالفتح - اتِّقاؤها وإِضرامُها. وبالكسرِ النارُ نفسُها. وقيلَ: يقالُ في النارِ نفسِها: صلا - بالفتح والكسر - إِلا إِذا فَتحتَ قَصرتَ، وإِذا ◌ُكَسرتَ مَدَدْتَ. وقُرىءَ قولُه: ﴿وِسَيَصْلُونَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] من صَلَى - ثلاثياً - وَصَلَّى - رباعياً. وصَليتُ العودَ بالنارِ: أُدخلتُه فيها ليقوَّمَ. قوله: ﴿أَوَلَى بها صِلْياً(١)﴾ [مريم: ٧٠] قيلَ هو جمعُ صالٍ. قوله: ﴿إِلَا مَن هَوَ صالٍ(٢) الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] أي الداخلُ فيها. قالَ الشاعرُ: [من الخفيف] ـهُ وإِني لحرِّها اليومَ صال(٣) ٨٩٧ - لم أكنْ مِنْ جَنَّاتِها علمَ اللـ قولُه: ﴿تَصْطَلون﴾ [النمل: ٧] أي تستدفئون بالنار؛ تَفْتقلون من الصِّلا. قال الشاعرُ: [مجزوء الخفيف] ٨٩٨ - ما اصْطَلى النارَ مُصطلي فصل الصاد والميم ص م ت: قولُه تعالى: ﴿أم أنثم صامتونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي ساكتون. يقالُ: صَمَت يَصْمُتُ صَمْتاً: إِذا لم يتكلَّمْ. وفي الحديث: ((إِن مَن الصَّمت لحكمةً))(٤). وأُصمتَ أ (١) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وخلف ويعقوب (صليّاً) النشر ٣١٧/٢ والإتحاف ٢٩٨ . (٢) قرأ الحسن وابن أبي عبلة (صال، صالو) البحر المحيط ٧ /٣٧٩، وقرأ يعقوب (صالى) النشر ١٣٨/٢: (٣) البيت الحارث بن عباد في الخزانة ٢٢٦/١ والقرطبي ١ /١٦٩ (٤) الحديث المشهور في الصمت هو ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو فليصمت)) أخرجه البخاري في الأدب، (٣١) باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ٥٦٧٢، ٥٦٧٣، ومسلم في= ٣٥٣ باب الصاد المريضُ: اعتقلَ لسانُه. وفي الحديث: ((دخلتُ عليهِ يومَ أَصمتَ))(١). وقد أُصمتَ أمامَه: أي اعتقلَ لسانُه. وصُمْتَهُ الصبيِّ: ما يُسْكَتُ [ به] كالسُّكْنةِ. ومنه قيلَ الثَّمرةِ: صُمْتَةُ الصِّبيان؛ لأنهم إِذا أُعطوها سَكتوا وصَمتوا. وأصمتُّه وصمتُه: إِذا قضيتَ حاجته، وذلك لأنه يسألُ حاجته، فإِذا قُضيتْ سَكتَ. فجعلَ ذلك كنايةً لأنه لازمَها وقالَ الشاعرُ یذ کرُ حملُهُ: [ من الرجز] ٨٩٩ - إِنَّك لا تَشكو إِلى مُصمت فاصبر على الحِملِ الثَّقيلِ أو مُت(٢) والصَّموتُ: الكثيرُ الصمتِ . ص م د : قولُه تعالى: ﴿اللهُ الصَّمِدُ﴾ [الأخلاص: ٢] هوَ السَّنْدُ الذي يُصمدُ إِليه في الأمور، أي يُقصدُ. يقال: صَمَدَ صَمْدَه أي قَصَدَ قَصْدَهُ مُعتمداً عليه. وقيلَ : هو الذي ليسَ بأجوفَ. قال بعضُهم(٢): والذي ليسَ بأجوفَ شيئانٍ أحدُهما لكونِه أَدْوَنَ منَ الإِنسان كالجمادات، والثاني أَعلى منه وهو الباري تعالى والملائكة. والقصدُ الأولُ بقوله: ﴿الله الصمدُ﴾ تَنبيهٌ أنه بخلاف من أَثبتوا له الألوهيةَ، وإليه أشارَ بقوله: ﴿وأمُّه صدِّيقةٌ كانا يأكلان الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وقيلَ: الصَّمدُ: الدائمُ الباقي. وقيلَ: مَن انتهى إليه السؤدَدُ. وفي حديث عمرَ: ((إِياكُم وتعلمَ الأنسابِ فوالذي نفسُ عمرَ بيده لو قلتُ لا يخرجُ من هذا الباب إِلا صَمَدٌ لم يخرجْ إِلا أقلكُمُ))(٤) أي من انتهى إليه السُّؤْدِدُ. وقيلَ: الصَّمَدُ : المرتفعُ الرّتبةِ. ومنه بناءٌ مُصْمَدٌ أي مرتفعٌ عالٍ. والصَّمْدُ بسكون العين: ما شرُفَ من الأرضِ وعَلا. ص مع: قولُه تعالى: ﴿صوامع﴾ [الحج: ٤٠] جمعُ صَومعة وهي متعبَّداتُ النَّصارى، = الإِيمان، باب الحث على إِكرام الضيف ٤٧ /٤٨. (١) الحديث لأسامة في مسند أحمد ٥ /٢٠١ . (٢) البيت دون عزو في اللسان والأساس والتاج (صمت) والجمهرة ١٩/٢. (٣) المفردات ٤٩٢ (٤) الفائق ٣٨/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٠٣ والنهاية ٣ / ٥٢. ٣٥٤ باب الصاد وكُلُّ بناءٍ مُتَصمِّعِ الرأسِ، أي مُتلاصقه. ومنه رجلٌ أصمعُ أي لاصقةٌ أُذنُه برأسه. وقيلٌ. الصغيرِ الأُذنِ من الناسِ وغيرِهم. ومن كلامٍ عليِّ رضيَ اللهُ عنه: ((كأني برجلٍ أصلَعَ أصمَعَ))(١). وفي حديث ابنٍ عباسٍ: (( كان لا يَرِى بأساً أن يُضحِى بالصِّمْعاءِ))(٢). ويقالُ: قلبٌّ أصمعُ، أي قويِّ كالبناءِ مجتمعٌ، أي جرى فيهِ عكسُ مَن قيلَ فيهِم: ﴿وأفئدَتُهم﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وكلابٌ صُمْعُ الكعوبِ أي قويةٌ ليست بأجوفها. قال : النابغةُ: [ من البسيط ] ٩٠٠ - صُمْعُ الكُعوبِ بَرِيّاتٌ من الحَرَد(٣). والصَّمعاءُ: البُهمَى قبل أن تَتَفَقَّأَ لتضامِّها. ص م م: قولُه تعالى: ﴿صُمِّ(٤) بُكمّ عُمِيٌ﴾ [البقرة: ١٨] الصَّمَمُ فقدانُ حاسَةِ السَّمْعِ وبه شُبُّه مَن لا يُصغي إِلى الحقِّ ولا يقبلُه. والقومُ - كانوا - سامعون ناطقون مُبصرون، لكن لمّا لم يَسمعوا القرآنَ ولم يَقْرؤوه ولم يَنْظِروا في دلالاتهِ جُعلوا كذلك. وليتَهُم كانوا فاقدين لهذه الحواسُ خاصّةٍ إِنَّما المصيبةُ في فقدانِ تلك البصائرِ. وأصلُ الصَّممِ السدُّ. ومنه صَممتُ القارورةَ: إِذا شَددْتِ رأسَها. ويُشبّه مَن لا صوتَ لَه بالصمم، فيقالُ: صُمَّ فلانٌ: إِذا لم ينطقْ، كأنه من بابِ اللازمِ غالباً. وفي المثلِ: ((صَمَّتْ حصاةٌ يدمٍ)(٥) أي أنَّ الدمَ لو أُلقيَ فيهِ حَصاةٌ لم تُسمع لها حركةٌ: ((واشتمالُ الصَّمّاءِ)) (٦) أن يلتَفِّ المصلّي(٦) بالرداءِ ونحوه حتى لا يَبقى له موضعٌ يُخرجُ يَدَهُ منُ، وقد نَهى عنها. وتقدَّم : (١) الفائق ٢/ ٢٣ وغريب ابن الجوزي ٦٠٣/١ والنهاية ٥٢/٣. . (٢) الفائق ٣٩/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٠٤ والنهاية ٥٣/٣. . (٣) عجز بيت من معلقته في ديوانه ١٨ وصدره: (فَبَثْهنّ عليه واستمر به ) .: ((صمع الكعوب: لسن برهلات المفاصل، والصمع: اللصوق والحدة واللطافة. والحرد: استرخاء عصب البعير من شدّة العقال)). (٤) قرأ ابن مسعود وخفصة (صمّاً) البحر المحيط ٨٢/١ ر (٥) يضرب في الإسراف في القتل وكثرة الدم. قال الأصمعي: أصله أن يكثر القتل وسفك الدماء، حتى إذا وقعت حصاة من يد راميها لم يسمع لها صوت؛ وليست تقع على الأرض فتُصَوِّت. مجمع الأمثال. ٣٩٣/٣ والمستقصى ١٤٢/٢ والأمثال لابن سلام ٣٤٦ .. . (٦) الكلام من حديث ((ونهى عن اشتمال الصماء)) وقد تقدم في (ش م ل). ٣٥٥ باب الصاد :٠٠ فيه وجهان . وصمَّمَ في الأمرِ: مضَى فيه. ومنه: الصِّمَّةُ للشجاع، لأنه يُصمّمُ على الإقدام. وقيلَ: لأنه يُصِمُّ على الإِقدام. وقيل: لأنه يُصِمُّ بالضَّربةِ. ودُريدُ بنُ الصِّمَّة. وضَربةٌ صَمّاءُ، أي تُصِمُّ مَن تَقعُ بهِ، أي ذاتُ صممٍ. وقيلَ: ماضِيةٌ. والصَّمَّانُ: أرضّ غليظةٌ. وعنه وَرَّى رجلٌ من بَنِي العَنْبرِ بجَملهَ الأصهبِ(١). وستأتي حكايتهُ مُستوفاةً في بابٍ لحنٍ القولِ أنْ شاءَ اللهُ تعالى(٢). فصل الصاد والنون ص ن ع : قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النمل: ٨٨] أي صنعتُه وخلقُه. والصُّنْعُ: إِجادةُ الفعلِ؛ فكلٌّ صُنعٍ فعلٌ وليس كلٌّ فعلٍ صُنْعاً. ولا يجوزُ نسبتُهُ إِلى الحيوانات غير الآدميينَ ولا إِلى الجمادات. وإِنْ كانَ الفعلُ ينُسبُ إِليها تقولُ: فعلَ الحمارُ كذا، وفَعَل الحجرُ كذا، ولا تقولُ: صَنعا. ولا يقالُ: صَنَعٌ إِلا للحاذقِ المُجيدِ. وامرأةٌ صَناعٌ: تُتقنُ ما تعملهُ، ضدٌّ الخرقاء. وقالتْ عاتكةُ بنتُ عبدِ المطلبِ: ((إِنِي صَنَاعٌ فلا أعلَّمُ وحَصانٌ فلا أُكلُّمُ))(٢). والصَّنيعةُ: ما اصطنعتَه من خيرٍ، وكُني بالمُصانعةِ عن الرَّشوةِ. قولُه: ﴿وَاصْطَنِعتُكَ لنفسي﴾ [طه: ٤١]. قيلَ: الاصطناعُ: المبالغةُ في إِصلاحِ الشيءٍ. قولُه: ﴿وَلِتُصْنَعَ (٤) على عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] كنايةٌ عن تربيتهِ إِلى أن شبَّ وبلغَ أَشُدَّه، وجعلهُ بمنزلةِ الشيءٍ المصنوعِ بمُرتقاهُ ممَّن يصطنعُه. فقوله: ﴿على عَيني﴾، أي على حفظي لكَ وكَلاءَتي إياكَ، أي بمرأَى مني ومسمعٍ، كقوله: ﴿إِنني معكما أسمعُ وأَرَى﴾ [ طه: ٤٦ ] أي أحفظُكما، وإلا فالباري تعالى يسمَعُ ويرى معَ كلِّ أحدٍ وعن بعضِ الحكماءِ: (٥) أنَّ اللهَ ولحنت لحناً ليس بالمرقاب ) (١) يريد قول القتال الكلابي: (ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا والبيت في اللسان (لحن). (٢) انظر ما سيأتي في مادة (ل: ح ن). (٣) تقدم قول عاتكة في مادة ( ثقف) حصن وهو في النهاية ١ /٢١٦. (٤) قرأ أبو جعفر وشيبة ( وَلْتُصْنَعْ)، وقرأ أبو جعفر (ولِتُصْنَعْ)، وقرأ الحسن وأبو نهيك (ولِتَصْنَعَ). البحر المحيط ٦ / ٢٤٢ وإملاء العكبري ٦٦/٢. (٥) ورد القول في المفردات ٤٩٣. .٣٥٦ باب الصاد تعالى إِذا أحبَّ عبداً تفقَّدَه كما يتفقَّدُ الصديقُ صديقَه. : قولُه: ﴿وَتَتَّخذونَ مَصانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] قيلَ: هي مَجاري الماء. وقيل: الأصناعُ، واحدُها صِنْعٌ وقيلَ: المَصانعُ: ما شُيِّد من القصورِ وزُخرُ مِن الدُّور. والكلّ مُرادٌ؛ فإِنَّ القومَ فعلوا كلٌّ ذلك. وفي الحديث: ((اصطنعَ رسولُ اللهِعَّه خاتماً)) (١) سألَ أن يُصنعَ له . والصنيعةُ: الإِحسانُ، ومنه قيلَ: الصِّنيعةُ تُذهِبُ القَطيعةَ. وقالَ الشاعرُ: [من الطويل ] وذكَّرنيها مرةً لبخيلٌ ٩٠١ - وإِنْ امْرؤ أسدى إِليَّ صنيعةٌ. قولُه: تعالى: ﴿واجنُبْنِي وَبَنِيَّ أن نعبدَ الأَصنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] جمعُ صَنم وهو الجثةُ المتخذةُ من خشبٍ أو حجرٍ أو نحاسٍ، فَتُعبدُ مُتَقرَّباً بها إِلى اللهِ تعالى. وقيلَ: كلُّ ما عُبدَ من دونِ اللهِ فهو صنمٌّ. وقيل: بل كلٌّ ما شَغَل عن اللهِ، حتى قالَ بعضُ الحكماءِ: معلومٌ أنَّ خليل الرحمنِ كان يعلمُ من اللهِ مع تحقَّقْهِ بمعرفتهِ واطلاعه على حكمته لم یکنْ ممن يخافُ أن يعودَ إِلى عبادة الأصنام، فكأنَّه قالَ: اجْنُبْني عمّا يَشْغَلْني عنك ويصرفُ. وجهي إِليه. قال ابنُ عرفَة: كُلِّ ما انُّخذَ وله صورةٌ فهو صَنمٌ، وإِن لم يكنْ له صورةٌ فهو وثَنٌّ، وسيأتي إِنْ شاءَ اللهُ تعالی. : ص ن و: قوله تعالى: ﴿صِنْوانٌ وغيرُ صِنوانٍ(٢)﴾ [الرعد: ٤] وهو أن يكونَ الأصلُ واحداً وتتفرعُ منه النخلتانِ والثلاثُ فأكثرُ. وقيلَ: هو الغُصنُ الخارجُ من أصلٍ شجرةٍ. يقالُ: هما صنْوا دَوحةٍ. والظاهرُ اختصاصُ ذلك بالنخل والبقل. وفي الحديث: ((عمِّ الرجلِ صنوُ أبيهِ))(٢) أي أنَّ أصلَهما واحدٌ. ومنه ((العباسُ صِنوُ أبي))(٤) ويَستوي المثَّنِى والجمعُ (١) الفائق ٢ / ٤٠ والنهاية ٥٦/٣، وتتمة الحديث (( .. من ذهب). (٢) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وعاصم وشعبة وخلف وابو جعفر (صنوان وغیر) النشر ٢٩٧/٢ والسبعة ٣٥٦ , وقرأ الحسن وقتادة (صَنوان) البحر المحيط ٣٦٣/٥ روقراً عاصم والسلمي وزيد بن علي وحفص ومجاهد (صُنوان) البحر المحيط ٣٦٣/٥ . (٣) الفائق ٢ / ٤٠ والنهاية ٥٧/٣ (٤) الفائق ٢ / ٤٠ والنهاية ٥٧/٣ , وغريب ابن الجوزي ١ /٦٠٧. ٣٥٧ باب الصاد حالةً الوقفِ في هذه اللفظةِ وفي قِنْوانٍ إِذْ يقالُ صِنوانٌ وقِنْوانٌ، فإِذا وصلتَ قلتَ: صِنْوانِ في التثنيةِ وصِنوانٌ في الجمع، هذا إِذا رفعتَ المُثَّنِى. فإِذا نصبتَه أو جررْتَه فلا اشتباهَ، وهذا مِن مُلحَ عِلم الإِعراب، ولا ثالثَ لهما. ويُجمعُ الصِّنْوُ أيضاً في القِلَّة على أَصنةٍ، وفي الكثرة على صُنى وصِنى. فصل الصاد والهاء ص هـ ر: قولُه تعالى: ﴿فجعلَه نسباً وصهْراً﴾ [الفرقان: ٥٤] أي قريبا من جهة النكاحِ. والأصهارُ: أقاربُ الزوج أو الزوجة. ومنه الحديثُ: ((كانَ يؤسِّسُ مسجدَ قُباءَ فِيُصِهَرُ الحجرُ العظيمُ إِلى بطنه))(١) أي يقرِبُه. يقالُ: صهرَه وأصهرَه أي قَرَّبِه. وقالَ بعضُ أهل اللغة: الصِّهِرُ: الخَتَنُ. وأهلُ بيتِ المرأةِ يقالُ لهم الأصهارُ، وكذا قالَه الخليلُ. وقالَ ابنُ الأعرابي: الإِصهارُ: التَّحرِّمُ بجوارٍ أو تَسبٍ أو تَزوَّجِ. يقالُ: رجلٌ مُصْهِرٌ: إِذا كانَ له تَحرُّمٌّ من ذلك. قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ (٢) به ما في بُطونِهِم﴾ [الحج: ٢٠] أي يُذابُ. والصَّهْرُ: إِذابةُ الشيءِ، والصُّهارةُ: ما ذابَ منهُ. قال أعرابيٌّ: لأُصْهِرنَّكَ بيميني مَرَةٌ. وصهرتُ الشحمَ: أذبتَه وصهرتَه. والصَّهرُ والهَصرُ يتقاربان؛ يقالُ؛ هصرتُ الغصنَ، أي أُذبتَه فكأنه مقلوبٌ من هصرتُ أي قربتُ ودنوتُ. فصل الصاد والواو ص و ب : قولُه تعالى: ﴿لا يتكلَّمون إِلا مَن أذِنَ لهُ الرحمنُ وقَالَ صَوابًا(٣)﴾ [النبأ: ٣٨] أي سَداداً مِنَ القولِ. والصوابُ: ضدُّ الخطأ؛ قيلَ: وهو يقالُ على وجهينٍ: أحدُهما باعتبارِ الشيءٍ في نفسهِ. فيقالُ: هذا صوابٌ أذا كانَ مَرضيَّاً محموداً بحسب مُقتضَى الشرعِ والعقلٍ، نحو قولِهم: تحرِّي العدلِ صوابٌ والكرمُ صوابٌ. والثاني يقالُ باعتبارِ الفاعلِ إِذا أَدركَ المقصودَ بحسب ما يقصدُه. فيقالُ: أصابَ كذا. أي وجدَ ما طلبَ. نحو أصابَه (١) الفائق ٢ /٤٥ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١٠ والنهاية ٣ / ٦٣. (٢) قرأ الحسن (يُصَهِّرُ) الإتحاف ٣١٤. (٢) المفردات ٤٩٤. ٣٥٨ باب الصاد السهمُ وذلك على أنواع. الأول أنْ يقصدَ ما يحسنُ مقصدُه فيفعلُه. وذلك هو الصوابُ التامُّ الذي يُحمدُ به. والثاني أن يقصدَ ما يحسُنُ فعلُه فيتأتَّى منه غيرُه لتقديره بعدَ اجتهاده أنه صوابٌ، وذلك هو المرادُ بقوله: عَّهِ: ((كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ))(١)، ورُويَ: ((المجتهدُ مُصيبٌ فَإِنْ أخطأ فله أجرٌ)) كما ما رُويَ: ((مَن اجتهدَ فأصابَ فلهُ أجرانِ وإِن أخطأ فلهُ أجرٌ))(٢). والثالثُ أن يقصدَ صواباً فيتَأنَّى منه خطأُ لعارضٍ من خارجٍ نحوُ: مَن يقصِدُ رَمْيَ صِيدٍ فيصيبُ إِنساناً فهذا معذورٌ. والرابعُ أن يقصِدَ ما يقبُحُ فعلُه ولكِنْ يقعُ خلافُ ما يقصدُه فيقالُ: أخطأَ في قصدِهِ وأصابَ الذي قصَدَه. والصَّوْبُ الإِصابةُ، ومنه: أصابَ سهمُهُ: إِذا وقعَ في الغرضِ، فيقالُ: صابَه وأصابَه، نحو: جابَه وأجابَهِ. قوله تعالى: ﴿أو كِصَيِّبٍ(٢) من السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]. الصَّيِّبُ: المطرُ النازلُ بشدَّةٍ من مكانٍ، مِن صابَ يَصُوبُ إِذا نزلَ؛ قال الشاعر: [من الطويل] ٩٠٢ - ولستُ لإِنسِيّ ولكنْ لملأك تَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوبُ(٤) وقال آخرُ: [من الكامل] صَوْبُ الربيعِ ودِيمَةٌ تَهْمي(٥) ٩٠٣ - فَسَقی دیارَك غير مفسدها. قال بعضُهم: جعلُ الصَّوبَ نزول المطر بقدْرِ ما ينفَعُ، وإليه أشارَ بقوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا مِنَ السماءِ ماءَ بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] وقال: [من الكامل] ١ - فَسَقَى ديارَكِ غيرَ مُفْسدِها (البيت) وقيلَ: الصَّيْبُ: السحابُ، وهو فَعْيِل من صابَ يَصُوبُ. والفراءُ يقولُ: إِنه فَيَعْلٌ، والأصلُ صَوْيبٌ. وتحقيقهُ في غيرِ هذا من كُتبنا. قوله: ﴿وبشر الصابرين الذين إِذا: (١) هذا ليس حديثاً وإنما قاعدة فقهية، وهي ظاهر قول أبي حنيفة ومالك، انظر اللمع ٣٥٨. (٢): المروي في ذلك ((عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله مُّل٤- يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإِذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجره البخاري في الاعتصام، (٢١) باب أجر الحاكم ٦٩١٩، ومسلم في الأقضية، باب بيان أجر الحاكم ١٧١٦. (٣) قرئت ( كصايب، كصائب) البحر المحيط ٨٥/١. (٤) تقدم في (ألك) برقم ٧٠ وهو لعلقمة في ديوانه ١١٨. (٥) البيت لطرفة فى ديوانه ٨٨. ٣٥٩ باب الصاد أصابَتْهم مُصيبةٌ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٦]؛ النائبةُ، وأصلُها في الرَّمْيةِ ثم اختُصَّتْ بالنائبة الفادحة. وأصابَ يُستعملُ في الخيرِ والشرِّ. قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسْؤُهُم وإِنْ تُصِبْكَ مصيبةٌ يَقولوا﴾ [التوبة: ٥٠]. وقال بعضهم(١): الإِصابةُ في الخيرِ اعتباراً بالصَّوبِ وهو المطرُ، وفي الشرُ اعتباراً بإصابة السَّهم، وكلاهما يرجعان إِلى أصل واحدٍ. قوله تعالى: ﴿حيثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] أى أرادَ. ويُحكى أنَّ رجلينٍ من أهلِ اللغةِ [اختلفا] فيها فَخَرِجا يسألان عنها فلقيا رؤبةً فقالَ لهما: أينَ تُصيبان؟ فقالا: هذه بُغْيتنا، ورجعا. وفي الحديث: ((من يرد اللهُ به خيراً يُصِبْ منهُ))(٢) أى يبتليه بمصيبةٍ. يقالُ: مُصيبةٌ ومَصُوبةٌ ومُصابَةٌ، والجمعُ مصائبُ ومصاوِبُ، وهو الأصلُ. كما قالوا مَنَاوِر في منایر. ص و ت : قولُه تعالى: ﴿وَخَشَعتِ الأصواتُ للرحمنِ﴾ [طه: ١٠٨] الصوتُ: مايُسمعُ من المصوِّت، ويؤنَّثُ. قال الشاعرُ: [من البسيط] ٩٠٤ - سائِلْ بني أسدٍ ما هذه الصَّوتُ؟(٢) وقيل (٤): هو الهواءُ المُنْضغطُ عن قرعٍ جسمين، وهو نوعان: مجرَّدٌ عن تنفّسٍ بشيءٍ كالصَّتِ الممتدِّ، ومُتَنفُسٌ بصوتٍ ما. ثم المُتنفّسُ ضربانٍ: ضَروريٍّ كما يكونُ من الجمادات والحيوانات، واختياريٍّ كما يكونُ من الإنسان وذلك ضربان: ضربٌ باليد كصوت العُودِ ونحوهِ. وضربٌ بالفمِ. ثم الذي بالفمِ ضربان: نطقٌ وغيرُ نُطقٍ كصوتٍ النايٍ. ثم النطقُ إِمّا مُفردٌ من الكلامِ وإِمّا مركبٌ. قولُه تعالى: ﴿لا تَرفعوا أَصواتَكُمْ(٥) فوقَ صَوتِ النّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] أمرَهُم بالتأدُّبِ وأنْ يَعلوَ كلامُهم كلامَه. وكانَ جلَّةُ الصحابة وأعزُّهُم عندَه بعدَها كأبي بكرٍ وعمرَ لا يُكلمونَه إِلا السِّرَارَ وکآخرِ السرارِ. قيلَ: صـ (١) المفردات ٤٩٥. (٢) أخرجه البخاري في المرضى، (١) باب ما جاء في كفارة المرض ٥٣٢١. (٣) عجز بيت لرويشد بن كثير الطائي وصدره: (يا أيها الراكب المزجي مطيته) والبيت بتمامه في اللسان والتاج والخصائص ٢ /٤١٦ وابن يعيش ٩٥/٥ والدرر ٢١٦/٢ وشرح الحماسة للتبريزي ١٦٤/١. ( ٤) المفردات ٤٩٦. (٥) قرأ ابن مسعود (بأصواتكم) القرطبي ١٦ /٣٠٧ ومعاني الفراء ٣ /٦٩. ٣٦٠ باب الصاد وإِنَّما خصَّ الصَّوْتَ دون النطقِ والكلامِ لأنه أعمٌّ منهما. وقيلَ: خصَّه لأنَّ المكروهَ رفَعُ الصوتِ فوقَ صوتِه لا رفعُ الكلامِ. قالَه الراغِبُ (١) وفيه نظرٌّ لانه متَى رفعَ كلامَه رفعَ صوتَه؛ إِذ لا يكونُ كلامٌ إِلا مع صوتٍ من غير عكسٍ. ورجلٌ صَيِّتٌ: شديدُ الصوتِ، وأصلُه صَيْوت كميِّتٍ. وخُصَّ الصوتُ بالذكرِ الجميلِ وإِنْ كانَ أصلُّه انتشارَ الصوتِ بُني على فَعيل فانقلبتِ الواوُ ياءٌ. ص و ر: قولُه تعالى: ﴿يومَ يُنْفخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] قيلَ: الصّورُ: قرنٌّ فيه أرواحُ العالم، فإِذا نَفخ فيه إِسرافيلُ طارتْ كلِّ روحٍ إِلى جسدِها فلبستْه وقال الراغبُ(٢): هو مثلُ قَرِنٍ يُنفِخُ فيه فيجعلُ [اللهُ] ذلك سَبباً لِعَوْدِ الصورِ والأرواحِ إِلى أجسامها . ورُوي في الخبر ((أنَّ الصُّورَ فيه صُوَرُ الناسِ كلّهم))(٣) وقيلَ: الصورُ جمعُ صورةٍ ولكنّه ◌ُفِّف إِذ كان من حقٌّه تحريكُ عينه نحوُ غُرفة وغُرِف . ومن ثَمَّ قرىءٍ شاذاً بتحريكها (٤) . قولُه تعالى: ﴿في أيِّ صورةٍ﴾[الانفطار: ٨]. الصورةُ: ما تُنْتَقَشُ به الأعيانُ وَتميزُ بها عن غيرِها . وذلك ضربان أحدُهما محسوسٌ مدرَكٌ للخاصة والذهمة، بل يدركُه كثيرٌ مِن الحيوان غير الناطق كصورة الإِنسان والفرسِ والحمارِ بالمُعاينة . والثاني معقولٌ تُدركه الخاصّة دونَ العامة كالصورة التي اختُصَّ [الإنسان بها] من العقلِ والرّويَّة، والمعاني التي خُصَّ بها شيءٌ بشيءٍ. وإِلى الصورتين أشارَ تعالى بقوله: ﴿خلقناكم ثم صوَّرناكم﴾ [الأعراف: ١١] وقوله: ﴿وصوَّرَكُمْ (٥) فأحسنَ صورَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿يصوِّرُكم(٦) في الأرحامٍ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿في أيِّ صورةٍ ماشاءَ ركَّبك﴾ [الانفطار: ٨]. وفي الحديث: ((إِنَّ اللهَ خلقَ أدمَ على صورته)) (٧) الهاءُ عائدةٌ على آدمَ، أي على هيئته التي (١) المفردات ٤٩٦. (٢) المفردات ٤٩٨. (٣) ((الصور: هو القرن الذي يُنفخ فيه إِسرافيل عليه السلام عند بعث الموتى إلى المحشر. وقال بعضهم: إِن الصور جمع صورة)) النهاية ٣ / ٦٠. (٤) قرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعياض (الصُّوَر) البحر المحيط ٤ / ١٦١ والقرطبي ٢١/٧. (٥) قرأ الحسن والأعمش والأشهب العقيلي (صوركم) الإتحاف ٣٨٠ والقرطبي ٣٢٨/١٥. (٦) قرأ طاوس (تَصَوَّركم) البحر المحيط ٣٨٠/٢. (٧) أخرجه البخاري في الاستئذان، (١) باب بدء السلام ٥٨٧٣ ومسلم فى الجنة ٢٨٤١ ومسند أحمد ٠٢٤٤/٢