Indexed OCR Text

Pages 1-20

عمدة الحقَّاط
في تَفْسِيرِ أَشْرَفِ الْأَلْفَاظِ
مُعْجَمُ الْغَوَيَّ لَلَفَاظِ القُرْآنِ الَكَرِيمِ
تأليف
الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم
المعروف بالسمين الحلبي
المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
تحقيق
محمّ باسل عيون السّود
الجُزء الثَّاني
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً".
Copyright @
All rights reserved :
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut . Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م.
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري. بناية ملكارت
العنوان
تليفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٩١٣٥ - ٦٠٢١٢٣ (١ ٩٦١ ) ...
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st, Melkart bldg., Ist Floore.
Tel. & Fax : 00 (961: 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box ..: 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بسم الله الرحمن الرحيم
باب الدّال
[فصل الدال والهمزة ]
[ دا ب]
﴿ كَدَأُبِ آلَ فِرعَونَ﴾(١) [آل عمران: ١١].
[فصل الدال والباء]
[ د ب]
الدَّبُّ والدَّبيبُ: مَشْيَّ خفيفٌ، ويستَعْمَلُ ذلكَ في الحيوانِ، وفي الحَشَرَاتِ أكثر،
ويُسْتَعمَلَّ في الشَّرَابِ والبِلَى، ونحوِ ذَلكَ مما لاَ تُدْرِكُ حركَتَهُ الحَاسَّةُ، وَيُسْتَعْمَلُ فَي كلِّ
حيوانٍ وَإِنِ اخْتَصَّتْ فِي التَّعَارِفِ بالفَرَسِ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلْقَ كلَّ دابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾
الآية [النور: ٤٥]، وقال: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿ وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي
الأَرْضِ إِلّ عَلَى اللَّهُ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسْبُوا مَا تَرَكَ
عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، قالَ أبو عُبَيْدَةَ: عَنَى الإِنسَانَ خَاصَّةً، والاولى
إِجْرَاؤُهَا عَلَى العُمُومِ .
وقولُهُ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِنَ الأَرْضِ تُكُلِّمُهُمْ﴾
[النمل: ٨٢]، فقد قيل: إِنها حيوانٌ بخلاف ما نَعْرِفُه يَخْتصُّ خُرُوجُهَا بحينِ القيامة،
وقيلَ: عَنَى بِهَا الأَشرارَ الذين هُمْ في الجَهْلِ بمنزلة الدوابُ، فتكونُ الدابةُ جمعاً لكلِّ شيءٍ
يَدِبُّ، نحو: خائنةٍ جمعُ خائِنٍ، وقولُه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابٌ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٢]،
فإِنَّهَا عامٌّ في جميع الحيواناتِ، ويُقالُ: ناقةٌ دَبوبٌ: تَدِبُّ في مَشْيِهَا لُبُطْئِهَا، وما بالدار
دُبِّيٍّ، أي: مَنْ يَدِبُّ وأرضٌ مدبوبةٌ: كثيرَةُ ذواتِ الدَّبيب فيها.
[ د ب ر]
دُبْرُ الشَّيءِ: خِلافُ القُبُلِ، وكُنِّي بهمَا عَنِ العضوين المخصوصَيْنِ، ويُقَالُ: دُبْرٌ
(١) سقطت مادة داب من المفردات ومن عمدة الحفاظ.

٤
باب الدال
ودُبُر، وجمعُه أدْبَارٌ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلَّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَه﴾ [الأنفال: ١٦]، وقال:
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، أي: قُدّامهم وَخَلْفِهُمْ، وقال: ﴿ فَلاَ
تُوَلُوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥٠]، وذلك نهيٌ عن الانهزام، وقولُهُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾
[ق: ٤٠]: أواخر الصلوات، وقُرِئٍّ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾(١) (وَأَدْبَارِ النُّجُومِ)(٢)، فإِدْبَارَ
مصدرٌ مجعولٌ ظَرْفاً، نحوُ: مَقْدَمَ الحاجٌّ، وخُفُوقَ النجم، ومَنْ قرأ: (أَدْبَارَ) فجمْعٌ
وَيُشْتَقِّ منه تارةً باعتبارِ دُبُرِ الفاعلٍ، وتارةُ باعتبار دُبُرِ المفعولِ، فمِنَ الأَوَّل قولهُم: دَبَرَ
فلانٌ، وأمسِ الدابُرُ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، وباعتبارِ المفعول قولُهم: دَبَرَ
السهمُ الهدَف: سَقَط خَلْفَهُ، ودبرَ فُلانٌ القومَ: صارَ خَلْفَهُمْ، قال تعالى: ﴿ أَنَّ دَابِرُ هُؤُلاءِ
مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
[الأنعام: ٤٥]، والدابرُ يُقالُ للمتأخر، وللتابع؛ إِمَّا باعتبارِ المكان؛ أو باعتبار الزمان، أو
باعتبارِ المرتبةِ، وأَدبرَ: أعرِضَ وَوَلَّى دُبْرَهُ، قال: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣]
وقال: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٧]، وقال عليه السلام: ((لاَ تَقَاطَعُوا وَلاَ
تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَاناً))(٣)، وقيل: لاَ يَذْكُرُ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ منْ خَلْفِه،
والاسْتدبارُ: طلبُ دُبُر الشيءِ، وتَدابرَ القومُ: إِذا ولَّى بعضهم عَنْ بعضٍ، وَالدِّبَارُ
مصدر دابَرْتُه، أي: عادَيْتُهُ مِنْ خَلِفِهِ، والتدبيرُ: التفكّرُ فِي دُبُرِ الأُمورِ، قال تعالى:
﴿فَالمُدَّبِّرَاتِ أَمْراً﴾ النازعات: ٥]، يعني: ملائكةٌ مُوكَّلةٌ بتدبير أُمورٍ، والتدبيرُ: عِثْقُ
العبدِ عَنْ دُبْرٍ، أو بعد موته. والدَّبَارُ: الهَلاكُ الذي يَقْطَعُ دابِرَتَهم، وَسُمِّيَ يومُ الأربعاءِ في
الجاهلية دبَاراً، قيلَ: وَ ذلك لِتشاؤمِهِمْ بِه، وَالدَّبِيرُ مِن الفَتِيلِ: المدْبُورُ، أي: المفتولُ إِلى
خَلْفِ، وَالْقَبِيلُ بِخلافِهِ. وَرَجُلٌ مُقَابَلٌ مُدابِرٌ، أي شريفٌ مِنْ جانبَيْه، وشاةٌ مُقَابَلَةٌ مُدَابَرَةُ
مقطوعَةُ الأُذُنِ من قُبلِهَا وَدُبْرِهَا. وَدَابِرَةُ الطائرِ: أصْبُعُهُ المِتَأْخِرَةُ، وَدَابِرَةُ الحَافِرِ مَا حَوْلَ
الرُّسْغِ، وَالدِّبُور منَ الرِّيَاحِ معروفٌ، وَالدَّبْرَةُ مِنَ المَزْرَعَة، جَمْعُها دِبَارٌ، قال الشاعر:
- عَلَى جِرْبَةٍ تَعْلُو الدِّبَارَ غُرُوبُهَا (٤)
(١) سورة الطور: آية ٤٩، وهي قراءة جميع القرّاء.
(٢) وهي قراءة شاذة، قرأ بها المطوعي عن الأعمش. انظر: الإتحاف ص ٤٠١.
.(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٦٤).
(٤) هذا عجز بيت، وشطره: (تَحَدُّرَ ماء البئرِ عن جُرشيَّةٍ) وهو لبشربن أبي خازم، في ديوانه ص ١٤؛
واللسان ( دبر)؛ والمفضليات ص ٣٣٠؛ والعجز في مقاييس اللغة ٤٥٠/١.

٥
باب الدال
والدَّبْرُ: النَّحْلُ وَالزَّنَابِيرُ وَنَحوهُما مما سلاحُهَا في أدبَارِهَا، الواحدةُ دَبْرَةٌ. وَالدَّبْرُ:
المَالُ الكثيرُ الذي يَبْقَى بعدَ صاحبه، وَلا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. وَدَبِرَ الْبَعِرُ دَبَراً، فهو أدْبُرُ ودَيْرٌ:
صَارَ بِقَرْحِهِ دَبِراً، أي: مُتْأخْراً، وَالدَّبْرَةُ: الإِدْبَارُ.
[ فصل الدال والثاء ]
[ د ٹ ر]
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] أصلهُ المُتَدَثّرُ فأُدْغِمَ، وهوَ
المتدرٌّعُ دثَارَهُ، يقَالُ: دَثَّرْتُهُ فَتَدَثْرَ، والدِّثَارُ: ما يُتَدَثْرُ به، وقد تَدثّرَ الفحل الناقَة:
تَسَنْمَهَا، والرّجلُ الفرسَ: وَثَبَ عليه فَرَكِبِهُ، وَرجلٌ دَثورٌ: خامِلٌ مُسْتَتِرٌ، وَسيفٌ داثِرٌ: بعيدُ
العَهْدِ بالصّقَالِ، ومنه قيلَ للمنزل الدارس: داثِرٌ، لزوال أعلامه، وفلانٌ دَثْرُ مالٍ، أي:
حَسَنُ القيام به.
[فصل الدال والحاء]
[ د ح ر ]
الدَّخْرُ: الطَّرْدُ والإِبْعادُ، يُقَالُ: دَحَرَهُ دُحُوراً، قال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً
مَدْحُوراً﴾ [الأعراف: ١٨]، وقال: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء: ٣٩]،
وقال: ﴿وَيُقْذَفُون مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً﴾ [الصافات: ٨ - ٩].
[د ح ض]
قال تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، أي: باطلةٌ زائلةٌ،
يُقَالُ: أَدْحَضْتُ فُلاناً في حُجَّتِهِ فَدَحَضَ، قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ
لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، وَأَدْحَضْتُ حُجَّتَهُ فَدَحَضَتْ، وَأَصْلُهُ مِنْ دَحْضٍ
الرُّجْلِ، وعلى نحوِه في وصفِ المناظَّرَةِ:
- نظراً يُزِيلُ مَوَاقِعَ الأقدامِ(١)
(١) هذا عجز بيت، وشطره الأول: ( يتقارضون إذا التقوا في منزلٍ). وهو في الصناعتين ١٩٤ واللسان
والتاج (زلق، فرد) ومقاييس اللغة ٢١/٣.

٦
باب الدال
ودَحَضَتِ الشمسُ مُسْتَعَارٌ مِنْ ذلك.
[د ح ١]
قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، أي: أزالَها عن
مَقَرْهَا، كقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤]، وهو منْ قولِهِمْ: دحَا
المطرُ الحَصَى عَنْ وجهِ الأرض، أي: جَرَفَهَا، ومَرَّ الفَرَسُ يَدحو دَحْواً: إِذا جَرّيده على
وجه الأرض فيدجو تُرَبَهَا، ومنه: أُدْحِيُّ النَّعَامِ، وهو أُفْعُولٌ مِنْ دَحَوْتُ، وَدِحْيَةُ: اسمُ
رَجُلٍ.
[فصل الدال والخاء]
[ د خ ر]
قال تعالى: ﴿وَهُمْ دَاخِرُ ونَ﴾ [النحل: ٤٨]، أي: أذلاَءُ، يُقَالُ: أَدْخَرْتُهُ فَدَخَرَ،
أَي: أَذْلِلْتُهُ فَذَلَّ، وعلى ذلك قولُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقولُهُ: يَدَّخِرُ أصْلُهُ: يَذْتَخِرُ، وليسَ مِنْ هذا الباب.
[ د خ ل]
الدُّخُولُ: نَقيضُ الْخُرُوجِ، وَيُسْتَعْمَلُ ذلك في المكانِ، والزمان، والأعمال، يُقالُ:
دَخَلَ مكانَ كذا، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر: ٧٢]، ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي من تحتها الأنهار﴾
[المجادلة: ٢٢]، وقال: ﴿يُدخل مِن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإِنسان: ٣١]، ﴿وَقُل: رَبِّ
أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، فَمَدْخَلٌ مِنْ دَخَلَ يَدْخُلُ، وَمُدْخَلٌ مِنْ أَدْخَلَ،
﴿لَيُدْخِلَّهِم مُدْخِلاً يرضونَهِ﴾ [الحج: ٥٩] وقوله: ﴿مَدْخِلاً كريماً﴾ [النساء؛ ٣١]
قُرئ بالوجهينِ(١)، وقال أبو عليّ الفَسَوّيُّ: مَنْ قَرَأَ: ((مَدْخَلاً)) بالفتحِ فكأنه إشارةٌ إِلى أنهم
يَقْصِدُونِه، ولم يكونوا كَمَنْ ذَكَرَهُمْ في قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى
جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤]، وقوله: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ [غافر: ٧١]،
(١) قرأ نافع وأبو جعفر بفتح الميم، والباقون بضمها. انظر: الإتحاف ص ١٨٩.

٧
باب الدال
ومَن قَرَأَ ((مُدْخَلاً)) فكقوله: ﴿لَيُدْخِلنَّهُمْ مُدْخَلاَ يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج: ٥٩]، وَادْخَلَ:
اجتهدَ في دخولهِ، قال تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً﴾ [التوبة: ٥٧]،
والدَّخَلُ: كناية عَنِ الفساد وَ العَدَاوَةِ المُسْتَبْطَنَةِ، كَالدَّغَلٍ، وَعَنِ الدِّعْوَةِ فِي النَّسَبِ،
يُقَالُ: دَخِلَ دَخَلاً قال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، فَيُقَالُ:
دُخلَ فُلانٌ فهو مَدْخُولٌ، كِنَايَةٌ عَنْ بَلَّهِ فِي عَقْلِهِ، وَفَسَادٍ فِي أَصْلِهِ، ومنه قيلَ: شَجَرَة
مَدْخُولَةٌ. والدِّخَالُ فِي الإِبِلِ أَنْ يَدْخُل إِبِلٌّ في أَثْنَاءِ مَا لَم تَشْرَبَ لتَشْرَبَ مَعَهَا ثَانِياً.
والدَّخَلُ طَائِرٌ، سُمِّيَ بذلك لدخُولِهِ فِيما بَيْنَ الأشجار المُلْتَفَّةِ، وَالدَّوْخَلَّةُ: معروفةٌ، وَ
دَخَلَ بامْرَأَتِه: كِنَايةٌ عَنِ الإِفضاء إِليها، قال تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّتِي دخلتم بهن فإِنْ
لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
[د غ ن ]
الدُّخَانُ كالْعُثان: المسْتَصْحَبُ لِلْهِيبِ، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ
دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، أي: هي مثلُ الدُّخان، إشارةٌ إِلى أنه لا تماسُكَ لَهَا، ودَخَنَتِ
النارُ تَدْخُنُ: كَثُرَ دُخَاتُهَا، والدُّخْتَةُ منه، لكن تُعُورِفَ فيما يُتَبَخَّرُ بِهِ مِنَ الطِّيبِ. ودَخِنَ
الطَّبيخُ: أفْسَدَهُ الدُّخَانُ. وَتُصُوَّرَ من الدُّخَان اللَوْنُ، فقيلَ: شَاةٌ دَخْنَاءُ، وذاتُ دُخْنَةٍ وليلة
دَخْنانَةٌ، وَتُصُوّرَ منه التَّأَذِي به، فقيل: هو دَخِنُ الخُلقِ، ورُوي: ((هُدْنَةٌ عَلَى دَخنٍ))(١)
أي: عَلَی فساد دِخْلَةٍ.
[د ر ]
قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً﴾ [الأنعام: ٦]، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ
عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [ نوح: ١١]، وأصلُه من الدُّر والدِّرَّةِ، أي: اللَّيَنِ، ويُستَعارُ ذلك للمطرِ
اسْتِعارةُ أسماءِ البَعِير وأوصافهِ، فقيلَ: للهِ دَرَّهُ، وَدَرَّ دَرُّكَ. ومنه اسْتُغِيرَ قولُهُمْ لِلسُّوقِ:
دِرَّةٌ، أي: نَفَاقٌ، وفسي المَثّل: سَبَقَتْ دِرَّتُه غِرَارَهُ(٢) نحوُ: سَبَقَ سَيْلُه مَطَرَهُ(٢). ومنه
(١) المستدرك للحاكم ٤٢٣/٤ ومسند أحمد ٣٨٦/٥. وانظر شرح السنة ١٥ /٩ - ١٠.
(٢) مجمع الأمثال ٣٣٦/١ والامثال لابن سلام ٣٠٨.
(٣) الأمثال لابن سلام ٣٠٥.

٨
باب الدال
اشْتُقَّ: استدَرَّت المعزَى، أي: طَلَبَت الفحلَ، وذلك أنها إِذا طَلَبَتِ الفحْل حَملَتْ، وإِذا
حملتْ وَلَدَتْ، فإِذا وَلَدَتْ دَرَّتْ، فَكُنِّيَ عنْ طَلَبِهَا الفحْل بالاسْتَدْرَار.
[ د رج]
الدَّرَجَةُ نحوُ المنزلة، لكن يُقالُ للمنزلة: دَرَجَةٌ إِذا اعْتُبَرَتْ بالصُّعُودِ دونَ الإمتداد
عَلَى البسيطة، كَدَرَجَةِ السَّطْحِ والسُّلَّم، ويُعَبَّرُ بها عَن المنزلة الرفيعة: قَالَ تعالى:
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، تنبيهاً لرفعة منزلة الرجال عليهنَّ في العقل
والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ... ﴾ الآية
[النساء: ٣٤]، وقال: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]، وقال: ﴿هُمْ ذَرَجَاتٌ
عند اللّه﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: هُمْ ذوو دَرَجَاتٍ عند الله، ودرجاتُ النجوم تشبيهاً
بما تَقَدَّمَ. وَيَقَالُ لقارعةِ الطَّرِيق: مَّدْرَجَةٌ، وَيُقالُ: فلانٌ يَتَدَرَّجُ في كذا، أي: يَتَصَعَّدُ فيه
دَرَجَةً، وَدَرَجَةَ الشيخُ وَالصَّبِيِّ دَرَجَاناً: مَشَى مِشْيةً الصاعدِ في دَرَجِهِ. وَالدَّرْجُ: طَيِّ
الكتاب والثَّوْبِ، ويُقالُ للمَطْويّ: دَرْجٌ. وَاسْتُغيرَ الدَّرْجُ للموْتِ، كما اسْتُعِيرَ الطيِّ له في
قولهم: طَوَتْهُ المَنِيَّةُ، وقولِهِم: مَنْ دَبَّ وَدَرَجٍ، أي: مَنْ كان حَيَّاً فَمَشى، ومن ماتَ فَطَوَي
أحواله، وقولُه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، قيلُّ مَعنَاهُ:
سَنَطْوِيهِمْ طَيُّ الكتاب، عبَّارَةٌ عَنَّ إِغْفَالِهِمْ نحو: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾
[الكهف: ٢٨]، والدُّرْجُ: سَفَطٌ يُجْعلُ فيه الشيءُ، وَالدُّرْجَةُ: خِرْقَةٌ تُلَفُّ فَتُدْخَلُ في
حَيَاءٌ(١) الناقة، وقيل: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعنَاهُ: نأْخُذُهُمْ دَرَجَةً فَدَرَجَةٌ، وذلك إِدْنَاؤُهُمْ
مِنَ الشيءِ شيئاً فشيئاً، كَالمَرَاقِي وَ المَنَازِلِ فِي ارْتِقَائِهَا وَ نُزُولها. وَالدُّرَّاجُ: طَائِرٌ يَدْرُجُ
في مِشْتِهِ.
[ د ر س]
دَرَسَ الدَّارُ مَعْنَاهُ: بَقِيَ أثْرُهَا، وَبقاءُ الأثَرِ يَقْتَضِي انْمِحَاءَهُ فَي نَفِسِهِ، فلذلك فُسِّرَ
الدُّرُوسُ بالانْمِحَاءِ، وكذا دَرَسَ الكِتَابُ، ودَرَسْتُ الْعِلْمَ: تَنَاوَلْتُ أَثْرَهُ بالحفظ، ولمَّا كانَ
تَنَاوُلُ ذلك بمُدَاوَمَةِ القِرَاءَةِ عُبْر عن إِدامةِ القراءةِ بالدَّرْسِ، قال تعال: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾
(١) الحياءُ: رَحِمُ الناقة، وإِنما سمّيّ حياءً باسم الحياء، من الاستحياء، لأنه يستر من الآدمي ويكنى عنه من الحيوان،
ويستفحش التصريح بذكرهُ. انظر اللسان (حيا) ١٤ /٢١٩.

٩
باب الدال
[الأعراف: ١٦٩]، وقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبَمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل
عمران: ٧٩]، ﴿ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبِ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ: ٤٤]، وقولُهُ تعالى:
﴿وَلَيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]، وقُرِئَّ: ﴿دَارَسْتَ﴾ُ(١) أي: جَارَيْتَ أهْلَ
الكتَّاب، وقيل: ﴿وَدَرَسُوا ما فيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، تَرَكوا العَمَلَ بهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَرَسَ
القومُ المكان، أَي: أبَلَوْا أَثَرَهُ، ودَرَسَتِ المَرْأَةُ: كِنَايَةٌ عن حاضَتْ، وَدَرَسَ البعيرُ: صارَ فيه
أُثِرُ جَرَبٍ.
[ د ر ك ]
الدَّرَكُ كالدَّرِج، لكنْ الدَّرِجُ يُقالُ اعتباراً بالصُّعُودِ، وَالدَّرَكُ اعتباراً بالحُدُورِ،
ولهذا قيلَ: دَرَجَاتُ الجنَّةِ، وَدَرَكاتُ النّارِ، ولَتَصَوُّر الحدور في النارِ سُمِّيَتْ هَاوِيةً، وقال
تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ] [النساء: ١٤٥]، وَالدَّرْكُ أَقْصَى قَعرِ
البحرِ. وَ يُقَالُ للحَبْل الذي يُوصَلُ بهِ حَبْلٌ آخُرُ لِيُدْرَكَ الماءُ دَرَكٌ، وَلِمَا يَلْحَقُ الإِنسَانَ مِنْ
تَبِعَةٍ دَرَكٌ كالدَّرَكِ في البيع. قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى﴾ [ طه: ٧٧]،
أي: تَّبِعَةً. وَأَدْرَكَ: بَلِغَ أقصى الشيءٍ، وَأَدْرَكَ الصَّبِيُّ: بَلِغ غايَةَ الصِّبَا، وَذلك حين البُلوغِ،
قَال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ فمنهم مَنْ حَملَ ذلك على البصَر الذي هو الجارحةُ؛ ومنهم
مَنْ حَمَلَه عَلَى البَصِيرَةِ، وَذكرَ أَنه قد نَّه بِهِ عَلَى ما رُويَ عن أبي بكر رضي اللّه عنه في
قوله: (يَا مَنْ غايَةُ مَعْرِفَتِهِ الْقصُورُ عنْ مَعرِفَتِهِ) إِذْ كانَ غايَةٌ مَعْرِفَتِهِ تعالَى أَنْ تَعرِفَ الأشْيَاءَ
فَتَعْلَمِ أنه ليس بشيءٍ منهَا، وَلا بمثْلِهَا بَلْ هوَ موجدُ كُلِّ ما أَدْرَكْتَهُ. وَالنَّدَارُكُ فِي الإِغَاثَةِ وَ
النِّعمَة أَكْثُرُ، نحوُ قوله تعالى: ﴿لَوْلاً أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [القلم: ٤٩ ]، وقوله:
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: لَحِقَ كُلِّ بِالآخَرِ. وَقَال: ﴿بَلِ
ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]، أي: تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الدال، وَتُوُصِّلَ
إِلى السكون بأَلِفِ الْوَصْل، وَعَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ [الأعراف:
٣٨]، وَنحوه: ﴿اَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، و﴿اطَيِّرْنَا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧]،
وقُرِئَّ: ﴿بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةَ﴾(٢) [ سورة النمل ٦٦]، وقَال الحسنُ: معنَاهُ
(١) هي قراءة ابن وأبي عمر انظر الإتحاف ٢١٤.
(٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمر وأبي جعفر ويعقوب.

١٠
باب الدال
:
جَهلُوا أمرَ الآخرَةِ، وحقيقتُه انتهى عِلمُهُم فِي لُحوقِ الآخِرَةِ فجهلُوهَا. وَقِيلَ مِعْنَاهُ: بَلْ
يُدْرِكُ عِلْمُهُمْ ذلك في الآخِرَّة، أي: إِذَا حَصَلوا في الآخِرَةِ؛ لأنَّ ما يَكُونُ ظُنُونَاً فِي الدُّنّيا،
فهوَ فِي الآخِرَةِ يَقِينٌ.
[درهم]
قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] الدِّرْهَمُ: الفضَّةُ
المطبوعَة المُتَعَامَلُ بهَا .
[د رأ]
الدَّرْءُ: المَيْلُ إِلى أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، يُقالُ: قَوَّمْتُ دَرَأَهُ، وَدَرَأَتُ عنه: دَفَعْتُ عن
جانبه، وفلانٌ ذُو تَدَرَّئُ، أي: قويٌّ عَلَى دَفْعِ أَعْدائه ودارَأَتُّهُ: دافَعْتُه. قال تعالى:
﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، وقال: ﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابِ﴾ [النور: ٨]
وفي الحديث: ((ادْرَءُوا الحُدُودَ بالشُّبِهَاتِ))(١) تنبيهاً عَلَى تَطْلُب حِيلةٍ يُدْفَعُ بِهَا الحَدِّ،
قال تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وقوله: ﴿فَادّارَءْتمِ
فيها﴾ [البقرة: ٧٢] هو تفاعلتم، أَصْلُهُ: تَدَارَأْتُمْ، فأريدَ منه الإِدغامُ تخفيفاً، وأُبْدِلَ مِنَ
التاء دالٌ فَسُكِّنَ للإِدْغَامِ، فاجْتُلِبَ لَهَا ألِفُ الوصْلِ فَحصل عَلَى افَّا عَلْتُمْ. قَال بعض الأُدبَاءِ:
ادَّارَأْتُم افْتَعَلْتُمْ، وغَلطَ مِنْ أوجُهٍ:
أولاً : أَنَّ ادَّارَأْتُمْ عَلَى ثمانية أحرفٍ، وَانتَعَلْتُم عَلَى سبعة أحرفٍ.
والثاني: أَنَّالذي يَلِي ألِفَ الوَصْلِ تَاءٌ، فَجَعَلهَا دَالاً.
والثالثُ: أَنَّ الذي يَلي الثاني دَالٌ، فجعلها تَّاءً.
والرابعُ: أَنَّ الفِعْلَ الصحيح العينِ لا يكونُ مَا بَعْدَ تَاءِ الافتعَالِ منه إِلاَّ متحركاً، وقد
جَعَلَّهُ ها هُنَا ساكناً.
الخامسُ: أَنَّ ها هُنَا قَدِ دَخَلَ بيْنَ التاءِ وَ الدَّالِ زَائِدٌ. وفي افْتَعَلَتْ لا يَدخُلُ ذلك.
:
السادس: أَنْه أَنْزَلَ الألفِ مَنْزِلَ العَيْنِ، وليستْ بعَينٍ.
السابعُ: أَنَّ افْتَعَلَ قَبْلَهُ حَرْفَانٍ، وَبَعْدَهُ حرِفَانِ، وَادَّارَأْتُمْ بَعْدَهُ ثَلاثَةُ أَحرُفِ.
(١) المستدك للحاكم ٣٨٤/٤ وشرح السنة ٣٣٠/١٠.

:
باب الدال
١١
فصل الدال والراء
دري :
مُداراةُ الناسِ: أن تُلايِنَهم ولا تُنَفْرَهُم، وأصلُه من دَرَيتُ الصَّيدَ: إِذا أسرعتَ عنه
بشيءٍلترميهُ لئلا يفرَّ. قيل (١): والدَّرايةُ: المعرفةُ المُدركةُ بضربٍ من الخَتْلِ؛ يقالُ:
دَرِيتُه ودريتُ به نحو فطنُتُه وشعرتُ به. وادَّرَى: افتعلَ، من ذلك . قال: [من الوافر]
وقد جاوزْتُ حدَّ الأربعينِ(٢)
٤٨٧- وماذا يدّري الشعراءُ مني
والدَّريئةُ: لِما يُتَعلمُ عليه الطعنُ. والدَّرِيئةُ أيضاً: ناقةٌ يرسلُها الصائدُ ليتأنَّسَ بها
الصَّدَ فيرميهِ. والِمُدْرَى لقرنِ الشاةِ والثور لما فيهِ من دفعٍ من يَعدو عليهما وقَتلِهِ. ومنه
استغيرَ المِدْرى لعودٍ تُصلحُ به الماشطةُ شعرَ العروسِ. قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٨٨- غدائرُهُ مُستشزراتٌ إِلى العُلا
تَضِلُّ المَداري في مُثَنَّى ومُرْسَلٍ (٣)
المداري: جمعُ مِدْرَى.
ولا تُستعملُ الدرايةُ في اللّه تعالى، كما لا يجوزُ ذلك في العرفان، لِما بينّاهُ في غيرِ
هذا الكتابِ، ولِما سيأتي في مادَّة العين إن شاء اللهُ تعالى. فأمّا قوله: [من الرجز]
٤٨٩ - لاهُمَّ لا أدري وأنتَ الدّاري(٤)
قال الراغبُ: فمِن تَعَجرفِ أجلافِ العربِ. قلتُ: ومثلُه قولُ الآخر: [ من الطويل]
عشيَّةَ آناءِ الديارِ وشامِها(٥)
٤٩٠- فلم يَدْرِ إِلا اللهُ ما هَيَّجتْ لنا
(١) المفردات ٣١٢.
(٢) البيت لسحيم بن وثيل الرياحي في الأصمعيات ١٩ واللسان ( دري)
(٣) ديوانه ١٧.
(٤) شطر البيت للعجاج في ديوانه ٢٦ (السطلي) وعجزه:
( كل امرئ منك على مقدار)
(٥) البيت لذي الرمة في ديوانه ٢٩٩، ودون نسبة في الهمع ١ /١٦١ والمقاصد النحوية ٤٩٣/٢.

١٢
باب الدال
قيلَ: وكلُّ موضعٍ وردّ في القرآنِ بلفظِ ((وما أدراكَ)) فإِنه وقعَ بعدَه بيانهُ نحو: ﴿ وما
أَدراكَ ماهِيَهْ، نارٌ حاميةٍ﴾ [القارعة: ١٠-١١]. وكلُّ موضع لُفظ فيه ((وما يُدربكَ)) لم
يُعقِّبْه بذلك نحو: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَّل الساعةَ قريبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
فصل الدال والسين
د س ر :
قوله تعالى: ﴿وحَملناهُ على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]؛ قيلَ: الدُّسُرُ:
المساميرُ، الواحدُ دِسَارٌ. وقالَ الراغبُ: دَسر، يقالُ: دَسَرتُ الشيءَ أي دفعتهُ. وأصلُ
الدَّسْرِ: الدفعُ الشديدُ. وَدَسَرتُ المسمارَ مِن ذلك. وقالَ عَمْرُو بنُ أَحمر: [ من الرجز]
٤٩١ - ضربا هَذا ذَيكَ وَطَعناً مدسَرًا(١)
وفي حديثٍ عمرَ رضيَ اللهُ عنه: ((فُيُدسَرُ كَما يُدْسَرُ الجَزُورُ))(٢). وسُئِلَ ابنُ عباسٍ
عن زكاة العنبرٍ فقالَ: ((شيءٌ دَسَرَّهُ البحرُ))(٢). وسألَ الحجاجُ سناناً - لعَنِهِ اللهُ قاتلَ
الحسينِ رضيَ اللهُ عنه وأرضاهُ: ((أنتَ قتلتَ الحسينَ؟ قالَ: نَعَمْ هَبَرَتُه بالسَّيفِ هَبراً
ودَسَرَتُه بالرمحِ دَسرً»(٤) قيلَ: دفعتُه دَفعاً عنيفاً، وقيلَ: سَمَرَتُه به كما يُسمَرَ بِالدِّسَارِ.
وقالَ الحسنُ: الدُّسُرُ: صدرُ السفينةِ لأنها تَدسُرُ الماءَ أي تدفعُهُ بصدرِها (٥).
وقيلَ(٦): هي أضلاعُها. وقبلَ: شُرُطُها التي تُشِدُّ بها كما تشدُ بالمساميرِ. وقيل(٧):
أصلُها وطرفاها.
وقالَ الهرويُّ: قيلَ: هِيَ خَرْزُ السفينةِ، وقيلَ هيَ السفنُ أنفسُها وليسَ بظاهرٍ.
(١) اللسان (دمر) ٤ /٢٨٥.
(٢) الفائق ١ /٣٥٧ وغريب ابن الجوزي ٣٣٥/١ والنهاية ١١٦/٢.
(٣) البخاري في الزكاة (٦٤) باب ما يستخرج من البحر والفائق ٣٩٧/١ وغريب ابن الجوزي ٣٣٦/١
والنهاية ١١٦/٢ ((أي يدفع ويكب للقتل، كما يفعل بالجزور عند النحر).
(٤) الفائق ١ /٣٩٨ وغريب ابن الجوزي ٣٣٦/١ والنهاية ١١٦/٢.
(٥) ورد قوله في تفسير ابن كثير: ٤ /٢٨٣.
(٦) هو قول مجاهد، تفسير ابن كثير ٢٨٣/٤.
(٧) هو قول الضحاك، تفسير ابن كثير ٢٨٣/٤.

١٣
باب الدال
د س س :
قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ (١) في الترابِ﴾ [النحل: ٥٩]. الدُّسُّ: الإدخالُ في
الشيءٍ بنوعٍ من الإكراهِ، ويعبّر بهِ عن الإخفاءِ أيضاً. وقيلَ في المثلِ: ((ليسَ الهناءُ
بالدَّسُ))(٢). يقالُ دُسَّ البعيرُ بالهناء.
قولُه تعالى: ﴿وقد خابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] مِن ذلك، والأصلُ دسَّسَها
بمعنَى أحملها وأخفاها عن حظّها الوافرِ. وكلُّ شيءٍ أخفيته وقلَّلْتَه فقد دسَسْتَه، وهل
الفاعلُ ضميرُ مَن؟ أي: مَن أخملَ نفسَه وتعاطى ما أخملَها بهِ، أو اللهُ تعالى لانَّه يفعلُ ما
يُشاءُ؟ قولان شهيرانٍ. وإِنما أبدلَ مِن أحد الأمثال جزءٌ لِّن تخفيفاً نحو : قضَّيتُ
أظفاري: [ من الرجز]
٤٩٢ - تَقَضِّيَ البازي إِذا البازي کَسَرْ(٣)
فصل الدال والعين
د ع ع :
قوله تعالى: ﴿فذلك الذي يدعُ (٤) اليتيمَ﴾ [الماعون: ٢]، أي يدفعُه في صدرِهِ
بعنفٍ. والدعُّ: الدفعُ الشديد، ومنه أيضاً: ﴿يومَ يُدعَّونَ إِلى نارٍ جَهِنَّمَ دَعَاً﴾
[الطور: ١٣]. قال الراغبُ(٥): وأصلهُ أن يقالَ للعائر: دَعِ دَعْ، كما يُقالُ له: لَعاً. قلتُ:
لو كانَ كما قالَ لقيلَ: يُدَعْدعون ويُدعْدعُ، هذا من جهةِ اللفظِ. وأما من جهةِ المعنَى فلا
يصحُّ أيضاً.
دع و :
قولُه تعالى: ﴿دَعوا الله﴾ [يونس: ٢٢]، أي استغاثوا به. قيلَ: والدعاءُ كالنداءِ
(١) قرأ الجحدري (يدسها) البحر المحيط ٥٠٤/٥.
(٢) جمهرة الامثال ١٨٨/٢ والمستقصى ٣٠٤/٢، وفي مجمع الأمثال ١٨٦/٢ وأمثال ابن سلام ٢٠٣
( ليس الهنيء بالدس) يضرب فيمن يقصر في الطلب ولا يبالغ.
(٣) الرجز للعجاج في ديوانه ١ /٤٢ (عزة حسن)
(٤) قرأ أبو رجاء وعلي والحسن واليماني (يَدَعُ) البحر المحيط ٥١٧/٨.
(٥) المفردات ٣١٤.

١٤
باب الدال
إلا أنَّ النداءَ قد يقالُ إِذا قيلَ:(يا)» وَ« أيا))، وإِنْ لم يُضَمَّ معَه اسمٌ. والدعاءُ لا يكادُ يقالُ
:إِلا ومعه اسمُ المدعوُ نحو: يا فلانٌ. وقد يقعُ كلُّ منهما موقعَ الآخرِ، وَيُستعملُ استعمالَ
التَّسميةِ فيتعدَّى تعدِيتَها لاثنينِ إِلى ثانيها بجزءِ الجزءِ. قال الشاعر: [من الطويل]
٤٩٣ - دَعَتْني أخاها أمُّ عمروٍ وَلم أكن
أخاها ولم أَرْضَعْ لَها بِلِبانِ(١).
مِنَ الفِعْلِ ما لا يَفعلُ الأخوانِ
دَعَشْي أخاها بعدَما كان بيننا
قوله تعالى: ﴿ لا تجعلوا دُعاءَ الرسولِ بينكم کدُعاءِ بعضِكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣]
قيلَ: يجوزُ أن يكونَ مِن معنَى التَّسمية أي لا تُخاطبوهُ باسمه فتقولون: يامحمدُ، كما
يقولُ أحدُكم للآخر، ولكن قولوا كما خاطبه اللهُ تعالى بقولِه: ﴿يا أيُّها النبيُّ﴾ ﴿ يا أيُّها.
الرسولُ﴾. وقيلَ لا تَدعوهُ برفعِ الصوتِ كما ترفعونهُ على بعضِکم، فهو في معنى قوله:
﴿ولا تجهروا لهُ بالقولِ﴾ [الحجرات: ٢].
وقيلَ: لا تجعلوهُ كواحدٍ منكم في الأمرِ والنّهِي إِذا أُمرَ أحدُكم أجابَ إِنْ شاءَ، ولم
يُجبْ إِنْ شاءَ. وكذا إِذا نُهي، يجبُ عليكم أمرهُ ونهيهُ بدليلٍ قولهِ: ﴿قد يعلمُ اللهُ الذين
يتسللون منکم﴾ [النور:٦٣].
ويعبّرُ بهِ عن السؤال وعن الاستعانة، ومنه: ((دَعَوا اللهَ)) أي سألوهُ حوائجهم
واستعانوهُ عليها. قوله: ﴿ضَلَّ مَن تدعونَ إِلاَّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] تنبيه على أنّهُمْ إِذا.
دَهَمتْهم شدةً لم يَلهجوا إِلا باسمِهِ، ولم يخطرْ ببالِهم غيرهُ ممَّا كانوا يعبدونه في الرُّخاء.
منَ الأصنامِ ونحوِها. قولُه: ﴿دَعَوا هنالك تُبوراً﴾ [الفرقان: ١٣] أي نادَوا الهلاكَ
واستغاثوا به؛ يقولون: يا هلاكُ هذا حَينُك. وهو مجازٌ وقيلَ قولُهم: يا حَسرتاهُ، وَالَهْفَاهُ،
ونحو ذلك. قوله: ﴿فَمَا كَان دَعواهُم﴾ [الأعراف: ٥] الدعوى بمعنى الادّعاء قاله
الازهريّ. ويكونُ بمعنى الدُّعاء؛ قال تعالى: ﴿وَآخرُ دعواهمُ أن الحمدُ للهِ ربِّ
( العالمينَ﴾ [يونس: ١٠]. قولُه: ﴿له دعوةُ الحقَّ﴾ [الرعد: ١٤] قيل(٢): شهادةُ أنْ لا
إِلَّه إِلا اللهُ. قولُه: ﴿وادْعُوا شُهداءَكم﴾ [البقرة: ٢٣] أي استغيثوا بهم. قوله: ﴿وإِنْ:
(١) البيتان لعبد الرحمن بن الحكم فى الشذور ٣٧٥ وابن يعيش ٢٧/٦ والدر المصون ٣٩١/١.
(٢) هو قول ابن عباس وقتادة. انظر تفسير ابن كثير ٥٢٥/٢.
۔۔

١٥
باب الدال
تَدْعُ مُثْقِلةٌ﴾ [فاطر: ١٨] أي إِذا استغاثتُ نفسٌ مُثْقُلٌ بذُنوبها نَفساً أخرى، كأمّها وأبيها،
إلى حملٍ ذُنوبها لم تُجب إِلى ذلك. قولُه: ﴿دعوَاهُم فيها سُبحانَكَ اللهِمَّ﴾
[يونس: ١٠]. قالَ ابنُ عباسٍ(١): إِذا اشتَهى أهلُ الجنةِ شَيئاً قالوا: سُبحانَكَ اللهمَّ،
فيجيئُهم ما يَشْتهونَ. فإِذا طَعِموا مما آتاهُم اللهُ تعالى قالوا: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ؛
وذلك قولُه: ﴿وَآخرُ دعواهُم﴾ [يونس: ١٠] الآية.
قوله: ﴿ولهم ما يَدَّعونَ﴾ [يس: ٥٧] أي يَتْمنُّون، يقالُ: ادْعِ عليّ ماشِئْتَ.
وقوله: ﴿هذا الذي كنتُم به تَدَّعون(٢)﴾ [الملك: ٢٧] أي تتمنُّون محبته، استهزاءٌ.
وهو معنى قولِ مَن قالَ: تَسْتبطئون. قولُه: ﴿تَدعو مَنْ أَدْبر﴾ [المعارج: ١٧] قالَ
ثعلبٌ: تنادي الكافرَ باسمه، واستشهدَ بحديثِ ابنِ عباسٍ في ذلك وقالَ: يعذبُ
بإجلاله. عن النَّضرِ بنِ شميل، عن الخليلِ قيلَ: إِنَّه كانَ يعتقدُ أن جهنمَ لاتتكلمُ. وحكى
الخليلُ عن أحدٍ رجلينٍ من العربِ قالَ للآخرِ: دعاكَ اللهُ، أي عذَّك، وقيلَ: معناهُ أماتَكَ
فلا حجَّةً فیهِ.
وقيلَ: دَعْهم، فعلت بهم الأفاعيلُ. والعربُ تقولُ: دعانا غيثٌ وقعَ بناحيةٍ كذا، أي
كان سبباً في انتجاعنا؛ قال ذو الرمة: [من البسيط]
٤٩٤- أمسَى بوَهْبينَ مُجتازاً لمرْتَعه
من ذي الفوارسِ يدْعو أنفَهُ الرِّيبُ (٣)
وقال أيضاً: [من الطويل]
٤٩٥- دعَتْ ميَّة الأعدادُ واستبدلتْ بِها
خَناطِيلَ آجالٍ من العِينِ خُذُّل (٤)
وما دعاكَ إِلى كذا، أي حملكَ عليه وجرِّكَ إِليه.
(١) نسب هذا القول إلى ابن جريج. انظر تفسير ابن كثير ٤٢٣/٢.
(٢) قرأ نافع وشعبة وأبو رجاء والضحاك والحسن وقتادة (تَدْعُون) البحر المحيط ٣٠٤/٨.
(٣) ديوانه ٧٧ ((وهبين: جبل من جبال الدهناء)) معجم البلدان ٣٨٥/٥.
(٤) ديوانه ١٤٥٥. الأعداد: جمع عِدّ، وهو البئر التي لا ينقطع نبطها. الخناطيل: الأقاطيع.

١٦
باب الدال
قولُه: ﴿أَنْ دَعَوا للرحمنِ وَلَداً﴾ [مريم: ٩١] أي جَعلوا وسمِّوا. قالَ ابنُ أحمر
يصفُ عينَه حين أصابَها سَهمٌ : [ من البسيط ]
٤٩٦- أَهْوَى لها مشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرِقَها
قد كنتُ أَدعو قَداها الإِثْمِدَ القَرِد!(١).
أي أجعلُ وأُسمِّي.
والدُّعاءُ: العبادةُ أيضاً؛ كذلك سَّماهُ رسولُ اللّهِعَلُه، ومنه قوله: ﴿لَن نَدْعُوَ من
دونِهِ إِلهاً ﴾ [الكهف: ١٤] أي لن نعبدَ، ﴿وقالَ رَبُّكُم ادْعُوني أَستجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠] أي اعبدوني بدليل ﴿الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ [غافر: ٦٠]
﴿وَأَعتزِلِكُمْ وما تَدْعونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [مريم: ٤٨] أي تعبدون. قولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ
أَدْعياءكم أَبناءكم﴾ [الأحزاب: ٤]؛ الأدعياء جمعُ دَعِيّ: الذي تبنَّاهُ رجلٌ دعاهُ وابنَه
كقصةٍ زيد بن حارثةَ لما تزوَّجَ رسولُ اللّه عَ لِ امرأته زینبَ، فقالَ المشركون والمنافقون:
كيفَ تزوَّجَ امرأةً ابنِهِ؟ فنفَى اللهُ ذلكَ عنه ◌ََّهِ(٢).
وفي الحديثِ: إِنَّ اللهَ بَنَى داراً واتَّخذ مأدبةٌ ودَعا الناسَ إِليها، هو مَن الدعوةِ وهي
الدُّعاءِ إِلى الوليمة. وقالَ عليه الصلاة والسلام للحالب: ((دع دَاعِيَ اللبن))(٣) هذا مثلٌ؛
وذلكَ أنه أمرَ الذي يحلبُ أن يُبقِيَ في الضَّرِعِ قليلَ لبنٍ؛ فإِنَّه إِذا أبقَى فيه ذلك اسْتدعَى
ذلك القليلُ بقيةَ اللبنِ في الضَّرع، وإذا استَقْصاهُ كلَّه أبطأً في دَرِّه. فعبَّر عنهعَُّ بهذه
العبارة اللطيفة والاستعارة البديعة.
قولُه: ﴿ياموسى ادعُ لنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي سَلْ. والدُّعاءُ قد يُعبَّرُ به
(١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في ديوانه ٤٩، واللسان (دعا، هوى) المشقص: نصل السهم إِذا كان
طويلاً غير عريض. والحشر: السهم. شبرق: مزق ((اللسان: شقص - حشر - شبرق)).
(٢) أخرج البخاري في التفسير، (٢٧٤) باب: ادعوهم لآبائهم، حديث ٤٥٠٤ ((عن ابن عمر رضي
الله عنهما: أن زيد بن حارثة، مولى رسول الله عَلَّه، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل
القرآن (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)) وانظر تفسير ابن كثير ٣ /٤٧٥.
(٣) مسند أحمد ٧٦/٤ وغريب الهروي ١٩/٢ والفائق ٣٩٩/١ وغريب ابن الجوزي ٣٣٩/١ والنهاية
٠١٢٠/٢
--
-٠

١٧
باب الدال
عن الحثِّ على قصدِ الشيءٍ، وعليه قولُه: [ من الطويل]
٤٩٧- دَعاني إليها القلبُ أني أحبُّها(١)
وقولُه: ﴿ليسَ له دعوةٌ في الدنيا﴾ [غافر: ٤٣] أي رفعةٌ وتَنْويهٌ عكسُ مَن قالَ في
حقٌّه: ﴿وَتَرْكنا عليه في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨] لما سأل ربَّه وقال: ﴿اجعلْ لي
لسانَ صْدِقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء : ٨٤].
والدِّعوةُ: بالكسرِ مختصةٌ بادِّعاءِ النَّسبِ، وهي الحالةُ التي عليها الإنسانُ من
الدَّعوَى. والدَّعوة: بالفتح بمعنى الدُّعاءِ والسؤالِ. والدُّعوةُ: بالضمِّ الوليمةُ. والادِّعاءُ: أن
يدَّعيَ شيئاً له. أو أنه من بني فلانٍ كقوله: [ من البسيط]
عنهُ ولا هوَ بالأبناءِ يَشْرِينا(٢)
٤٩٨- إِنا بَنِي نَهشلٍ لا نَدَّعي لأبٍ
والادِّعاءُ في الحربِ: الاعتزاءُ إِليه من ذلك، ولذلك قيل: هو ابنُ الحربِ، لمن
يلازمُها. والدَّعوةُ: الأذانُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ومَن أحسنُ قَولاً ممَّن دَعا إِلى اللهِ﴾
[ فصلت: ٣٣]. قالتْ عائشةُ: هم المؤذِّنون(٣). وفي الحديث: ((الخلافةُ في قريشٍ
والحُكمُ في الأنصارِ والدَّعوةُ في الحبشة))(٤) أي الأذان لأجلٍ بلالٍ رضيَ اللهُ عنه.
فصل الدال والفاء
وف أ :
قولُه تعالى: ﴿لَكُم فيها دفءٌ(٥) ومَنافعُ﴾ [النحل: ٥] الدِّفُ: اسمٌ لما يُدْفأُ بهِ
من البرد، وأشارَ بذلكَ إِلى ما يُتَّخذُ من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها من الأَخْبِيةِ والجبابِ
(١) لم أهتد إليه وثمة بيت لأبي ذؤيب في ديوان الهذليين ١ / ٧١:
( دعاني إليها القلب إني لأمره
سميع فما أدري أَرشدّطلابها).
(٢) البيت لبشامة النهشلي في الحماسة ١ /١٠٢.
(٣) ورد قولها في تفسير ابن كثير ٤ /١٠٩((قالت: فهو المؤذن، إِذا قال حي على الصلاة فقد دعا إلى
الله )).
(٤) مسند أحمد ١٨٥/٤ والفائق ١ /٤٠٠ وغريب ابن الجوزي ٣٣٩/١ والنهاية ١٢٢/٢.
(٥) قرأ الزهري وأبو جعفر (دِفٌ) وقرأ الزهري وزيد بن علي (دِفٌ) البحر المحيط ٥ /٤٧٥.

١٨
باب الدال
والأكسيةِ ونحوِها ممّا يَمنعُ من البرد. وعبَّر الراغبُ(١) بالدِّفءِ عمّا يُدفئُ، فعْلا بمعنَى
فاعلٍ، والأولى ما قدَّمتُه؛ فإِنَّ فعلاً كثر بمعنى المفعولِ نحو ذِبحٍ وطِحنٍ. وعن ابنٍ
عباسٍ(٢): إِنَّ((الدفءَ)) نسلُ كلِّ دابّةٍ.
وعن الأَمويِّ: الدفءُ عندَ العربِ نتائجُ الإِبلِ والانتفاعُ بها، وفي الحديث: ((لنا من
دفئهم وصرامهم»(٣) أي من إِبِلِهم وغنمِهم. قالَ الهرويُّ: وقد سماها ((دفء) لأنه يُتَّخِذُ
من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها ما يُدفأُ بهِ(٤). وقد صرَّحَ الفراءُ بما قدَّمتُه فقال: والدفء
ما يستدفأ بأصوافها(٥). ويقالُ: دَفئَ الرجلُ فهو دَفآن. وتدقَُّ بالمكان. ودَفؤَ الزمانُ فهوَ
دفيءٌ.
وفي الحديث: ((أنَّه أُتِيَ بأسيرٍ تَوعَّكَ، فقالَ: أَدْفُوهُ))(٦) يريدُ: ادفتوهُ، فَفهموا
عنهُ القتلَ فقتلوهُ. فودَاهُ رسولُ اللّهِ بَّه، وذلك إِنما قَالَ: أَدْفُوهُ بغيرِ همزٍ لأنه ليسَ من لغتهِ
: الهمزُ، قالهُ الهرويُّ. ثم قالَ: ولو أرادَ القتلَ لقالَ داقُّوهُ أو دافوهُ، يقالُ: دافَفْتُ الأسيرَ
ودافیتُه : أي أجهزْتُ عليه.
والدَّفَأُ: الانحناءُ؛ يقال منه: رجلٌ أَدفَأُ وامرأةٌ دَفَى. وفي حديث الدَّجال. ((فيه
دف ع :
دَفاً)) (٧).
قولُه تعالى: ﴿ولولا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] الدفعُ إِنْ عُدِّيَ إِلى فمعناهُ
الإنالةُ، كقوله: ﴿فَادْفَعوا إِليهم أموالَهم﴾ [النساء: ٦]. وإِنْ عُدِّيَ بعن فمعناهُ الحمايةُ
كقولهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافعُ (٨) عنِ الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]، قبوله: ﴿ما لَهُ من دافعٍ﴾
(١) المفردات. ٣٫١٦.
(٢) ورد قوله في تفسير ابن كثير ٥٨٣/٢.
: (٣) غريب ابن الجوزي ٣٤٠/١ والنهاية ٢ / ١٢٤ والفائق ٣ /٠٩٤
(٤) النهاية ٢ / ٠١٢٤
(٥) في معاني الفراء ٢ /٥٩٦ وهو ما ینتفع به من أوبارها ».
(٦) الفائق ١ / ٤٠١ والنهاية ١٢٣/٢ وغريب ابن الجوزي ٣٤١/١.
: (٧) النهاية ٢ / ١٢٦.
. (٨) قرأ ابن كثير وأبو يعقوب وابن محيصن واليزيدي (يَدْفَعُ) البحر المحيط ٦ /٠٣٧٣

١٩
باب الدال
[الطور: ٨] أي مانعٍ وحامٍ. وقُرئً: ﴿دَفَعَ اللهُ﴾(١) و﴿دفاعُ اللهِ﴾(٢) تنبيهاً على
المبالغة في الدَّفعِ عن خلقهِ فأبرزَه في صورةِ المُفاعلةِ. والَمْدفَعُ: ما يدفعُه كلٌّ أحدٍ.
والدُّفْعَةُ مَن المطر. والدِّفاعُ من السيل.
دف ق :
قولُه تعالى: ﴿ماءٍ دافقٍ﴾(٣) [الطارق: ٦] يريدُ المنيَّ الذي يُخلق منهُ الإِنسانُ.
والدَّفْقُ: السيلانُ بسرعةٍ. ودافِقٍ: بمعنى دَفْقٍ كلا بنٍ وتامرٍ. وهذا أحسنُ من قولٍ مَن
يقولُ فاعلٍ بمعنى مفعولٍ كعكسهِ نحو: ﴿حجاباً مَستوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] أي ساتراً.
واستعيرَ من الدُّفْقِ: نَفرِّ أَدفقُ أي سريعٌ. ومشَوْاْ دِفقَّى أي مُسرعين. وقال الراغب(٤): مشَوْا
دَفْقاً، والصوابُ الأولُ. وتدفَّقَ الماءُ يتدفَقُ أي فاضَ من جوانبٍ ماهوَ فيهِ .
فصل الدال والكاف
د كـ كـ :
قوله تعالى: ﴿إِذا دُكَّتِ الأرضُ﴾ [الفجر: ٢١] أي جُعلتْ مستويةً لا أكمةَ فيها
ولا جبلَ كقوله: ﴿ لا تَرَى فيها عوجاً ولا أمْتاً﴾(٥) [طه: ١٠٧]. ومنه: ناقةٌ دَكَاءُ أي لا
سَنَامَ لها. قوله: ﴿دكاً دكاً﴾ [الفجر: ٢١] أي دكاً بعدَ دَكّ. وقيل: الثاني تأكيدٌ لفظيّ.
قولُه: ﴿جَعله دكاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] قرئُ ((دكّاً)) مقصوراً وممدوداً (٦)؛ فالأولُ إِذا
دَكَّ. والثاني: على مَعنى مثل ناقةٍ دكاءَ أي مُلتصقاً بالأرض.
وقيلَ : الدَّكَّ: الدقُّ. دَكَكْتُهُ أي دقَقْتُه. وقيلَ: الأرضُ السهلةُ يقالُ لها: دَكٌ.
فقوله: ﴿دُكَّتِ الأرضُ﴾ أي جُعلتُ بمنزلةٍ أرضٍ سهلةٍ لينة بعد أن كانتْ ذاتَ جبال
وأكامٍ. ومنه الدُّكَّانُ. والدَّكداكُ: الرمْلةُ اللينةُ. وأرضٌ دَكّاءُ مُسوّاةٌ، وشُبهتْ بها الناقةُ
(١) هي قراءة اليماني وابن كثير وأبي عمرو . انظر مختصر ابن خالويه ١٥.
(٢) هي قراءة نافع وعاصم وأبان ويعقوب وسهل وأبو جعفر. انظر البحر المحيط ٢٦٩/٢.
(٣) قرأزيد بن علي (مدفوق) البحر المحيط ٤٥٥/٨.
( ٤) المفردات ٠٣١٦
(٥) أي لا ارتفاع فيها ولا انخفاض. (انظر ما تقدم في مادة أمت)).
(٦) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش (دكّاء)، البحر المحيط ١٦٤/١.

٢٠
باب الدال
التي لا سَنامَ لها؛ فقيلَ : ناقةٌ دكّاءُ، وجمعها دكً.
فصل الدال واللام
دل ك :
قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لدُّلُوكِ الشَّمسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الدلوكُ: الزوالُ، وهو
ميلُها عن الاستواءِ إِلى الغروبِ قال الراغبُ(١): وهو من قولهم: دلكتُ الشمسَ: دفعتُها
بالرّاحِ. ومنه دلكتُ الشيءَ في الراحة. ودالكتُ الرجلَ: ماطلتُه. ومنه حديثُ الحُسنِ،
سُئِلَ ((أيُدالكُ الرجلُ أهلَه؟)) (٢) أيْ يُماطلُهم بالمهرِ. وكلٌّ مُماطلٍ: مُدالكٌ.
والدَّلوكُ: ما دَلكتَه من طيبٍ. وفي حديثٍ عمرَ كتبَ إِلى خالدٍ أنه ((بَلغني أنه أُعِدَّ
لكَ دَلوكٌ -يعني - عُجنَ بتمرٍ))(٢). والدَّليكُ: " طعامٌ يُتَّخذُ من الزِّيدِ والتَّمر لأنَّه يُدَلَكُ
باليدِ كقولهم: لبكتُه؛ قال الشاعر: [ من الوافر]
٤٩٩- إِلى رُدْحٍ مِنَ الشَّيْزَى مِلاءٍ لُبابَ البُرِّ يُلْبِكُ بِالشِّهادِ (٤)
وعن ابنِ عباس: دلُوكُها - يعني الشمسَ - زوالها وقت الأولى في هذه الآية.
والدَّلَكُ: العَشِيِّ، قاله ثعلبٌ؛ وأنشدَ لذي الرُّمة: [ من الرجز]
٥٠٠- وقد أرتنا حسنَها ذَاتُ المسَكْ تعرُّضَ الجوزاءِ في جنحِ الذَّلِكْ(٥)
د ل ل :
قولُه تعالى: ﴿مادلَّهُم على مَوْتِهِ﴾ [سبأ: ١٤] أي عرَّفهم. وأصلُ الدَّلالة: ما
يُتوصَّلُ بهِ إِلى معرفة الشيء كدلالة اللفظ على معناهُ وكدلالة الإشارة والرَّمَزِ والكتابة
والعقودِ في الحساب. وسواءٌ في ذلك قصدُ الدَّلالةِ من فاعلها أم لا. ومنه ﴿مادلّهم على
(١) المفردات ٣١٧
-
(٢) غريب ابن الجوزي ١ /٣٤٦ وغريب الهروي ٤٥٩/٤ والنهاية ٢ / ١٣٠ والفائق ٤١٠/١
(٣) النهاية ٢ /١٣٠ وغريب ابن الجوزي ٣٤٦/١ والفائق ٤٠٧/١. والخبر في الفائق: ((كتب إلى
خالد ابن الوليد : بلغني أنك دخلت الحمام بالشام ، وأن من بها من الأعاجم قد أعدوا لك دلوكاً
عُجن بخمر، وأني أظنكم آل المغيرة ذراً النار »
(٤ ) البيت لامية بن أبي الصلت في ديوانه ٣٨١
(٥) البيت ليس في ديوانه. وانظر ديوان رؤبة ١١٧ والتاج ( دلك، ضحك).
: