Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
باب الحاء
قيلَ: أرادَ به الفجورَ، وقيلَ غيرُ ذلك
وحَوصلةُ الطائرِ: ما يَحصَلُ فيه الغذاءُ، ويجمعُ؛ فواوُه مزيدةٌ كواوٍ كوثرٍ . وقيلَ:
للحبالة: الحصَلُ. وحَصِلَ إِذا اشتكى بطنَه عن أكلة .
حص ن:
قوله تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ (١) من النساءِ إِلا ما مَلكتْ أيمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
أي: وحُرُّمتْ عليكم المحصناتُ ذواتُ الأزواجِ إِلا ما ملكتْ أيمانُكم بالسَّبْي، فإِنَّهنَّ
يحلْنَ لكم ومنهُ قولُ الفرزدق: [من الطويل]
٣٦٨ - وذاتٍ حَليلٍ أنكحتْها رماحُنا حَلالاً لمن يَبْني بها لم تُطلَّقٍ (٢)
وأصلُ الإِحصانِ المنعُ، ومنهُ الحِصنُ لأنه يُمتَنَعُ به، ويُحصَنُ أي امتنع في حصنٍ أو
ما يقاربهُ، فالمحْصناتُ ممُتَنعاتٌ بأزواجهنَّ (٣). وقُرئ ((المحصناتِ)) باسمِ الفاعلِ واسم
المفعولِ، إِلا التي في رأس الحزب، فإِنَّ السبعةَ أجمعوا على اسم المفعولِ فيها لأنَّ المعنَى
على ذلك كما حققنا في موضعه .
قالَ ابنُ عرفةَ: الإِحصانُ في كلامِ العربِ: المنعُ، والمرأةُ تكونُ محصَنةً بالإِسلامِ،
لأنَّ الإِسلامَ منعَها مما أباحه اللَّهُ تعالى، ومُحصنةً بالعفافِ والحريّةِ، مُحصَنةً بالتَّرويجِ.
يقالُ: أحصِنَ الرجلُ، فهو مُحصنٌ إِذا تزوَّجَ ودخلَ بها، وأُحْصِنتْ هي فهي مُحصَّنَةٌ.
ويجوزُ مُحصِن ومُحصنة(٤)، ومنه قولُه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء:
٢٤] قلت: يعني أنه كانَ القياسُ أحصنَ الرجلُ والمرأةُ فهو مُحصنٌ ومُحصنةٌ - بكسر
الصاد - فقط لكونِه اسمَ فاعلٍ، إلا أنه شَذَّ فتحُه كما شذَّ في ألفَجَ فهو مُلْفَجٌ. وأمّا امرأةٌ
فيقالُ فيها مُحصنةٌ أي مَجعولةٌ كالحُصونِ .
(١) قرأ الكسائي وطلحة والحسن (والمحصنات) النشر ٢٤٩/٢ والبحر المحيط ٢١٤/٣، وقرأ يزيد
( والمُحْصُّنات ) البحر المحيط ٢١٤/٣.
(٢) ديوانه ٥٧٦ .
(٣) ((المحصنات في القرآن على أربعة وجوه: العفائف والحرائر وذوات الأزواج والمسلمات)) الأشباه
والنظائر ٢٤٦-٢٤٧.
(٤) في الأشباه والنظائر ٢٤٦(( سمعت ثعلباً يقول: كل امرأة عفيفة فهي مُحْصِفَة ومُحْصّنَة، وكل امرأة
متزوجة فهي مُحْصّنَة لا غير ))

٤٢٢
باب الحاء
ودرعٌ حصَينةً لتحصينها البدَنَ؛ قال تعالى: ﴿وَعَلْمناهُ صنعَةً لَبوسٍ لكِم
لِتُخْصِنِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قيلَ: عملَ الدروعِ. وفرسٌ حصانٌ لتحصُّن راكبه به (١)،
وإليه أشارَ مَن قال: [ من الكامل ]
٣٦٩ - أنَّ الحصونَ الخيلُ لا مَدَرُ القرى(٢)
وامرأة حَصانٌ: ممِنَّعةٌ من الريب. وقالت عاتكةُ: ((إِنَّي حَصانٌ فما أُكلِمْ وصناعٌ فما
أعلمْ))(٣). الصَّنَاعُ ضِدُّ الخُرِقاء. وقالَ حسانُ في شأنٍ أُمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ الله عنها:
[ من الطويل]
٣٧٠ - حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتُصبحُ غرثى من لحومِ الغَوافلِ (٤)
ولقد صدقَ . رضي اللَّهُ عنه أي معَ كونِها عفيفةً لم تَتكلّم في أحدٍ إِلا بخيرٍ:
يقالُ: فرسٌ حصانٌ: بَيِّنُ التحصِّنِ، وامرأةٌ حَصانٌ: بَيِّنَةُ التَّحصُّنِ، وبناءً حصينٌ:
بيِّن الحصانة، ويقالُ: امرأةٍ حاصلٌ أيضاً . وجمعُ الحَصانِ حُصُنّ، والحَاصَنِ حَواصِنُ.
وقُرئَ قولُه: ﴿فإِذا أُحْصِنَّ(٥)﴾ [النساء: ٢٥] على البناء للفاعل والمفعولِ، أي: فإِذا
تَزوجْنَ بأنفسهنَّ، أو إِذا زُوِّجنَ. وامرأةٌ مُحصنٌ بالكسر إِذا تُصوِّرَ حِصنُها من نفسِها،
ومُحصَنٌ - بالفتح - إِذا تُصوِّرُ حصنُها من غيرِها .
وقولُه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ المُحصناتِ(٦) المؤمناتِ﴾ [النساء: ٢٥] هنَّ الحرائرُ هنا لا
(١) في الأشباه والنظائر ٢٤٦« ذكر ناسٌ أنه سمّي حصاناً لأنه ضَنَّ بمائه فلم يَنْزُ إِلا على كريمته، ثم كثر
ذلك حتی سموا كل ذکر من الخيل حصاناً »
(٢) عجز بيت للأسعر الجعفي، وصدره: (ولقد علمت على تجشمي الردى) وهو في الأصمعيات
١٤١ والحيوان ٣٤٦/١ واللسان (حصن)
(٣) تقدم قول عاتكة في مادة (ثقف) وسيأتي في مادة (صنع). وامرأة صناع: حاذقة بالعمل . اللسان
(صنع).
(٤) ديوانه ٣٨٠ والبيت مطلع قصيدة مدح بها السيدة عائشة بعد حادثة يوم الإفك . غرثى: جائعة،
· الغوافل جمع غافلة ، يريد أنها لا ترتع في أعراض الناس.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وعاصم وأبو بكر وخلف والحسن (أَحْصَنَ) الإتحاف ١٨٩ والسبعة ٢٣١ والنشر
٢٤٩/٢.
(٦) قرأ الكسائي وعلقمة بن قيس (المحصنات) السبعة ٢٣٠.

٤٢٣
باب الحاء
غيرَ، وقال الراغبُ: ﴿وَآتوهنَّ أجورُ هنَّ بالمعروفِ مُحصَنَاتٍ (١)﴾ [النساء: ٢٥] وقوله:
﴿فَإِنْ أَتِينَ بفاحشةٍ فعليهنّ نصفُ ما على المُحصناتِ﴾ [النساء: ٢٥]. قيلَ:
(المحصنات)): المزوَّجات تُصوّر أن زوجها أحصنَها. والمُحصَناتُ بعد قولُه:
﴿حُرُّمتْ﴾ [النساء: ٢٣] بالفتح لا غيرُ؛ لأن اللاتي حُرِّم التزويج بهنَّ المزوَّجاتَ دون
العفائفِ، وفي سائر المواضعِ يَحتمِلُ الوجهين(٢) قلتُ: ما قاله حسنٌّ، إلا أنَّ فيه بحثاً لا
يَسعُهُ هذا الموضعُ، على أنّه قد قرأ الجميعُ بالوجهينِ على ما بَينّاهُ في غيرِ هذا، فعليك
بالالتفات إِليهِ.
حص و:
قولُه تعالى: ﴿أحصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]أي حصَّله وأحاطَ به علماً ولم
يُضيِّعه ولم ينسَه كما نَسُوهُ هُم. والإحصاءُ هو تَحصيلُ الشيءِ بالعددِ(٣) ، وذلكَ من لفظٍ
الحصَى، لأنَّهم كانوا يستعملونَه فيه كاستعمالنا فيه الأصابع، وعلى ذلك ﴿وأحصى(٤)
كلِّ شيءٍ عَدداً﴾ [الجن: ٢٨] أي أحاطَ بهِ وحصَّله إِحاطةَ العادِّ منكم وتحصيلَهُ
وذلك، على سبيلِ التنزُّلِ معَهم على ما يَفْهمونه.
قولُه: ﴿عَلَمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوُهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. أي لن تُحصِّلوا أوقاتّه، وهو معنى
قَولِ الفراءِ: لن تعلموا مواقيت الليل. وقيلَ: الإحصاءُ: الإطاقةُ، ومنه ﴿أن لنْ تُحصوهُ﴾
أي: تطيقوه. وقولُه: ((استقيموا ولن تُحصُوا))(٥) معناهُ: ولن تحصِّلوا ذلك، ووجهُ تعذّرٍ
إِحصائه هو أنَّ الحقَّ واحدٌ والباطلَ كثيرٌ، بل الحقُّ بالإضافةِ إِلى الباطلِ كالنقطةِ بالإِضافةِ
إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمَى من الهدفِ، وإِصابةُ ذلك شديدةٌ، وإِلى ذلك أشارَ عليه
الصلاةُ والسلامُ - بقوله: (٦) ( شَيَّبْني هودٌ وأخواتُها، قيلَ: وما شَيِّبَك منها؟ فقالَ: قولُه:
(١) قرأ الكسائي والحسن (المحصّنات) الحجة لابن خالويه ١٢٢ والنشر ٢٤٩/٢.
(٢) انتهى كلام الراغب (المفردات ٢٣٩-٢٤٠).
(٣) («الإحصاء في القرآن على ثلاثة معان: الحفظ والكتابة والإطاقة والعدّ)) الأشباه والنظائر ٥٨.
(٤) قرأ ابن أبي عبلة (وأُخْصِيَ) البحر المحيط ٣٥٧/٨.
(٥) الفائق ٢٦٤/١ وغريب ابن الجوزي ٢٢٠/١ والنهاية ٣٩٨/١ ومسند أحمد ٢٨٢/٢٧٧/٥
والمستدرك ١٣٠/١ وابن ماجه في الطهارة ١٠١/١.
(٦) أخرجه الحاكم ٣٤٣/٢ وانظر كشف الخفاء ١٥/٢ والدر المنثور ٣٩٦/٤ -٣٩٨ وشرح السنة
١٤ / ٣٧٢ وتفسير ابن كثير ٢ /٤٥١.

٤٢٤
باب الحاء
﴿فَاسْتَقِمْ كما أُمرتَ﴾ [هود: ١١٢]. قال الراغبُ: (١) وهذا منهِلَ هُ لرفعة منصبه؛ فإِنّه
كلما رُفعتْ مرتبةُ المربوب ازدادَ خوفاً من ربِّه، وفيه تَنبيهٌ لنا. وقالَ أهلُ اللغة: لم تُحصُوا
ثوابه .
وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إِنَّ للهِ تسعة وتسعينَ اسماً من أحصاها دخلَ
الجنّةَ))(٢) أي من حصَّلَ معرفتها وآمنَ بها ولم يُلحدْ فيها، عكسُ من قالَ فيهم: ﴿وَذَرُوا
الذينَ يُلْحدونَ في أسمائهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
والحَصاةُ: واحدةُ الحصَى، ويُعبِّرُ بها عن العقلِ فيقالُ: لَهُ حصاةٌ، وفي المثلِ:
((فلان ذو حَصاةٍ وأصاةٍ))(٣)، أظن أصاةٌ تابعاً كحسِ بسِّ. والحصاةُ: زَرابةُ اللسانِ. وفي
بعض الروايات: ((حصا ألسنتهم» (٤) بدل حصائد.
فصل الحاء والضاد
ح ض ب:
قرئ شاذاً ﴿حَضِبُ(٥) جَهِنَّمْ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بضاد مُعجمةٍ، وقد تقدَّم أنهٌ هو
ما تُهَيَّجُ به النارُ وتوقَدُ، ويقالُ لما تُسْعر به النارُ مِحْضَبٌ، كمِنْجلٍ.
حضر
الحُضورُ: ضدُّ الغَيبَةِ، قوله: ﴿حاضرةَ البحرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] يعني قُرِبَه،
وقيل: مجاوٍرتَه وهوَ قريبٌ منه. وقولُه: ﴿تجارةً (٦) حاضرةٌ ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي نقداً .
والظاهر أنَّها أعمُّ من ذلك لأنَّها قُوبَلَ بها قولُه: ﴿ إِلى أجلٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فرخَّص لهم
۔۔
(١) لم يقل الراغب ذلك في المفردات .
(٢) أخرجه البخاري برقم ٢٥٨٥ ومسلم برقم ٢٦٧٧ ومسند أحمد ٢ /٢٥٨ وابن ماجه ١٢٦٩/٢.
(٣) لم يرد في كتب الأمثال
(٤) النهاية ٣٩٨/١، وثمة رواية أخرى هي ((حصائد ألسنتهم) النهاية ٣٩٤/١.
(٥) هي قراءة ابن عباس واليماني والحسن والقراءة الشهيرة للآية (حصب) المحتسب ٦٦/٢ والبحر
المحيط ٦ /٣٤٠.
(٦) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو عمرو (تجارةٌ حاضرةٌ) السبعة ١٩٤ والبحر
المحيط ٣٥٣/٢.

٤٢٥
باب الحاء
في عدمِ الكتبِ في التجارة الحاضرةِ حَسبما بيِّنَّاهُ في ((الأحكام)).
وقولُه: ﴿وأعوذُ بِكَ ربِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (١)﴾ [المؤمنون: ٩٨] كنايةٌ عنِ الجنون
والمَجْنون. مُحْتَضَر لأنَّ الجنَّ تَحضُرُه. والمُحتَضَرَ: الميتُ والمُشارِفُ للموت لأنَّ ملائكةً
القبضِ تَحضُرُه لقوله: ﴿توقّتْهُ رُسلُنا وهمُ لا يُفرِّطون﴾ [الأنعام: ٦١]. وقيلَ: إِشارةٌ إِلى
قولهِ: ﴿ونحنُ أقربُ إِليهِ من حبل الوريدِ﴾ [ق: ١٦] وقوله: ﴿كلُّ شِرِبٍ مُحْتَضْرٌ﴾
[القمر: ٢٨] أي كلُّ نصيبٍ منَ الماءِ الذي قَسَمَه اللَّهُ تعالى بينَ ناقةٍ ثَمودَ وبينَهم يَحضُرُه
من هوَ فِي نَوبِتِهِ(٢)، كقولِهِ: ﴿لهاَ شِرِبٌ ولكُمْ شِرِبُ يومٍ معلومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] في
قصة مذكورة.
وقولُه: ﴿مَا عَمَلَتْ من خيْرٍ مُحْضِراً (٣)﴾ [آل عمران: ٣٠]أي شاهداً مُعايناً
حاضراً غيرَ غائبٍ. والمرادُ آثارُه. وقيلَ: إِنَّ الأعمالَ تتجسَّدُ وتَصيرُ أجراماً فتوضَعُ فِي كِفّةٍ
الميزان كالنُّقُودِ. وقولُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] أي وُجدوا في وقتِها فاجْبروا
خواطرهم ببعضٍ شيءٍ .
قيلَ(٤): وأصلُ ذلك من الحضرِ ضدُّ البدوِ. والحضارةُ والحَضارةُ: السكون
بالحَضَرِ ، كالبِدواةِ والبَدواة؛ في السكون في البدْو، ثم جُعلَ ذلك اسماً لشهادةِ مكانٍ أو
إنسانٍ أو غيره .
والحُضْرُ خُصَّ بما يَحضُرُ بِهِ الفَرسُ إِذا أريدَ جَرْيُه؛ يقالُ: أحضَرَ الفرسُ.
واستحضرتُه: طَلبتُ ما عندَه من الحُضْرِ. وفي الحديثِ: ((فانْطلقتُ محضِراً))(٥) أي
مسرعاً. ويقالُ: أحْضرَ: إِذا عَدا، واستحْضَرَ دابَّته: حَملها على العَدْوِ.
وحاضرتُه مُحاضرةً وحضاراً إِذا حاجَجْتُه، من الحضورِ؛ كأنَّ كلَّ واحدٍ يُحضِرُ
حُجَّتَه، أو من الحُضْرِ نحوُ جارَيْتُه. والحَضيرةُ : الجماعةُ منَ الناسِ يُحضّرُ بهم الغزوُ،
(١) قرأ يعقوب (يحضروني) النشر ٣٣٠/٢
(٢) ((قال مجاهد: إِذا غابت حضروا الماء، وإِذا جاءت حضروا اللبن.) ابن كثير٤ / ٢٨٤.
(٣) قرأ عبيدبن عمير (محضراً) البحر المحيط ٤٢٧/٢.
(٤) المفردات ٢٤١.
(٥) الفائق ١ /٢٦٨ وغريب ابن الجوزي ٢٢٠/١ والنهاية ٣٩٨/١وهو حديث كعب بن عجرة.

٤٢٦
باب الحاء
وعُيربهِ عن حضورِ الماءِ، والمَحْضِّرُ: مصدرٌ بمعنى الحضورِ.
ح ض ض:
قولُه تعالى: ﴿ولا يُحُضُّ على طعامِ المسكينِ﴾ [الحاقة: ٣٤]، الحضُّ: الحثُّ
على الشيء وأصلُه التحريكُ، وقد فرِّق بينهما بأنَّ الحضَّ ليس فيها سَيْرٌ ولا سُوقِ، والحثَّ
على ما كانَ فيهِ (١) . ذلك من الحثُ على الحضيضِ وهو قَرَارُ الأرضُ ضِدُّ البقاعِ.
فصل الحاء الطاء
حط ب:
الحَطَبُ ما يُعدُّ لإِيقَادِ النارِ من الشجرِ ونحوهِ، ويُكنى بذلكَ عن النَّميمة فيقالُ:
فلانٌ يَحطبُ بفلانٍ أَي يَسْعَى بهِ، وفلانٌ يوقدُ بالحطب الجَزْل ويحملُ الخطبَ، كنايةٌ
عن ذلك. وقولُه تعالَى: ﴿وَامرأتُهُ حَمّالةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] قيل: فيها المعنيان(٢)
فإِنّها كانتْ(٣) تنمُّ وَتَسعَىّ بينَ الناسِ بالفسادِ. وقيلَ: كانت تحملُ حطباً أو شوكاً
وتطرحُهُ في مَمْشى رسولِ اللَّهَِِّ. فالأولُ مجازٌ والثاني حَقِيقَةٌ.
وكُنّي عن المُخلِّطِ في كلامهِ بحاطبٍ ليلٍ، لأنَّ حاطبَ الليلِ يجمعُ في حَلِه كله ما
وقعتْ عليه يدُه، وربَّما أصابَّه ما يكرهُ ، حيةٌ ونحوَها، كذلك من أكثر في كلامهِ قد يتكلمُ
بما فيه حتفهُ، فإِذا صمتَ سَلِمَ.
وناقةٌ حاطبةٌ : تأكلُ الحِطَبَ. ومكانٌ حَطِبٌ: كثيرُ الحطبِ.
ح ط ط :
قوله تعالى: ﴿وقولوا حَّطَةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] قيلَ أُمِروا (٤) أن يقولوا هذا اللفظَ بعينه
(١) في الفروق اللغوية ١١٣ ((قال الخليل: الحث يكون في السير والسوق، والحض يكون فيما
عداهما)) وانظر المفردات : ٢٤١.
(٢) نسب ابن كثير القول الأول إلى مجاهد وعكرمة والحسن ونسب القول الثاني إلى ابن عباس، وقال
سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة فقالت : لأنفقنها في عداوة محمد فأعقبها الله منها
حبلافي جيدها من مسد النار انظر تفسير ابن كثير ٤ /٦٠٣.
(٣) الضمير يعود إلى أم جميل زوجة أبي لهب وكانت من سادات قريش، واسمها أروى بنت حرب بن
أمية، وهي أخت أبي سفيان وكانت عوناًلزوجها على كفره وجحوده وعناده انظر تفسير ابن كثير
٠٦٠٣/٤
(٤) يعني بني إسرائيل. وفي التاج (خطط): هي كلمة لا إله إلا الله.

٤٢٧
باب الحاء
كما تَعبَّدنا ربُّنا بالفاظِ مخصوصةٍ، لا يقومُ غيرُها مَقَامَها وإِنْ وُفِّي معناها كالتكبير
والشهادة. وقيلَ: بل أُمروا بأنْ يقولوا ذلك - وما في معناهُ - أي حُطَّ عنا ذُنوبَنا. فقالوا:
حِطَّى سهماثا أي حنطة حمراء، قالَه السُّدِّيُّ ومجاهدٌ. والعامَّةُ على رفعٍ حِطَّة، وقُرئ
بنصبها(١) ، وتقريرُ القراءتين في غيرِ هذا. وقيلَ: معناهُ قولوا صَواباً وأصلُ المادة من الحطّ
وهو الإنزالُ من علوٍّ إِلى أسفل نحو خططتُ الرّحلَ عنِ الدابَّةِ. وجاريةٌ مخطوطةُ المَتَنَينِ أي
مَجدولةُ الخصرِ، ويعبّربهِ عن النُّقصانِ؛ فيقالُ (٢): حَطني حطيطةٌ أي نقصَ ممَّا عليّ.
ح طم:
قولُه: ﴿ثمَّ يَجِعِلُهُ حُطامً ﴾ [الزمر: ٢١] أي كسيراً. وأصلُ الخَطْم تكسيرُ الشيءِ
وفتُّه، وقولُه: ﴿الحُطَمة(٣)﴾ [الهمزة: ٤] هيَ جهَّنْمُ لأنه تَحِطمُ ما يُرمَى فيها. ورجلٌ
حُطمةٌ : أي أكولٌ تشبيهاً بالنارِ كقوله: [من الرجز]
٣٧١ - كأنّما في جوفِه تَّورُ(٤)
والحُطَمةُ أيضاً والحُظَمُ: السائقُ للإِبلِ أو لراعيها بعنفٍ، وفي الحديث: ((شَرُ الرِّعاءِ
الحُطَمةُ))(٥) وتمثّلَ الحجّاجُ بقولِ الشاعرِ: [ من الرجز]
قد لفَّها الليلُ بسوَاقِ حُطَمْ (٦)
٣٧٢ - هذا أوانُ الشَّدِّ فاشْتَدِّي زِیمْ
ليسَ براعي إِبلٍ ولا غَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظهرٍ وَضَمْ
فقالَ: حَطَّمِهِ يَحطمُهُ حَطْماً، قال تعالى: ﴿لا يَحْطِمَنْكم سُليمانُ وجنودُهُ﴾
(١) في اللسان (خطط): قال ابن الأعرابي: قيل لهم : قولوا حطة ، فقال : حنطة شمقايا أي حنطة
جيدة .
وفي التاج : قالوا: هِطًا سمهأثا ، أي حنطة حمراء
وفي التاج أيضاً ((الخطة: اسم رمضان في الإنجيل أو غيره من الكتب، لأنه يحط من وزر صائميه
(٢) قرأها بالنصب كل من الأخفش وابن أبي عبلة وطاووس اليمني (حطةً) الإملاء العكبري ٢٢/١
والإعراب للنحاس ١٧٨/١ والقرطبي ٤١٤/١ .
(٣) قرأزيد بن علي (الحاطمة) البحر المحيط ٥١٠/٨.
(٤) الشطر في المفردات دون عزو ٢٤٢ ومجمع البلاغة ٥٧٧/٢.
(٥) الفائق ٢٦٩/١ وغريب ابن الجوزي ٢٢٢/١ والنهاية ٤٠٢/١ ضربه مثلاً لوالي السوء ، والمثل
في المستقصى ١٢٩/٢ ومجمع الأمثال ٣٦٣/١ وجمهرة الأمثال ١ /٥٤٨ .
(٦) الرجز لُرُشيد بن رُمَيْض العنزي يقوله في الحطم وهو شريح بن ضبيعة. انظر الأغاني ٢٥٤/١٥ - =

٤٢٨
باب الحاء
[النمل: ١٨] والحَطيمُ لأنه يَحطمُ مَن قصدَه بسوءٍ كبكَّةَ تَبكُ (١) أعناقَ الجبابرة، وهوَ
الحجرُ الذي تحتَ ميزابِ الرحمة. وقالَ النَّضرُ: سُمِّي لمّا رُفع البيتُ تُركَ ذَلك مَحْطوماً
أي مُنحطًاً وتُصوّر منَ الحُطَمة: شدَّة الغيظِ فقيلَ: أقبلَ يتخْطُّمُ علينا، أي يتوقَّدُ غَيظاً.
وفي الحديث قالَ لعليٍّ: ((أينَ دِرِعُكَ الخُطميَّةُ)) (٢) قال شَمَّر: هي الثقيلةُ العريضةُ، وقيل:
هي التي تكسرُ السيوفَ، وقيلَ: منسوبٌ إِلى بطنٍ من عبد القيسِ يقالُ لهم بنو حُطَمة(٢)
أو حُطامةً. والحُطامُ: ما تكسَّرِ يَبساً، ثم قيلَ لكلِّ ما تناهى في الكسْرِ حُطامٌ، وقالَ
الشاعرُ: [ من الكامل]
٣٧٣ - لو كان حي قَبْلَهُنَّ ظَعائناً حَيى الحطيمِ وَجوهُهن وزمزم(٤)
نَسبَ التحيَّةَ إِلى هذينِ المكانينِ مَجازاً .
فصل الحاء والظاء
حظ ر:
قولُه تعالى: ﴿وَما كانَ عظاءُ رَبِّكَ مَحظوراً(*)﴾ [الإسراء: ٢٠] أي ممنوعاً.
والحظرُ: المنعُ، وأصلُه من جمعِ الشيءٍ في حظيرةٍ والحظيرةُ ما يعملُها الراعي ونجوُه من
القصبِ وقصارِ الشجر يَحفِظُ بها نفسه وماشِيَتَه. ثم سُمي كلٌّ منعٍ حظْراً وإِن لم يكنْ
يحظرُه، ومنه قوله: ﴿فكانوا كهَشيمِ المُحتَظر (٦)﴾ [القمر: ٣١] أي المتَّخذ الحظيرة،
= ٢٥٥ واللسان (حطم، زيم) والنهاية ٤٠٣/١، ٣٢٥/٢، ٤٥٢ وأنساب الخيل ٨٥ .
(١) معجم البلدان (بكة - مكة): قيل لمكة بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة. وفي المعجم أقوال أخرى.
(٢) الفائق ٢٦٩/١ وغريب ابن الجوزي ٢٢٠/١ ومسند أحمد ٢٣/١ والنهاية ١ /٤٠٢.
وهو من حديث زواج فاطمة رضي الله عنها .
: (٣) في النهاية ١ / ٤٠٢ ((حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع)).
: (٤) البيت لعروة بن أذينة في الأغاني ٣٣٢/١٨، ولعمر بن أبي ربيعة في مصارع العشاق ١٢٤/٢ ولم يرد
في ديوانه .
(٥) قرأ عاصم وحمزة وابن ذكوان ويعقوب وأبو عمرو (محظورَن)
وقرأ الكسائي وابن عامر وابن كثير ونافع (محظورَنُ) الإتحاف ٢٨٢ والنشر ٢٢٥/٢.
(٦) كراً الحسن وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء وقتادة وأبو عمرو بن عبيد (المحْتَظَر) الإتحاف
٤٠٥اوالمحتسب ٢٩٩/٢

٤٢٩
باب الجاء
وهشيمهُ: ما تَساقط من حِظارِهِ، والحِظارُ: حائطُ الحظيرةِ. وفي حديثٍ أكیدرٍ: « ولا
يُحْظَرُ عليكم النَّبَاتُ))(١) أي لا تُمنَعون منَ الزراعةِ حيثٍ شِئْتُم. والحَظارُ والحِظار - بفتح
الحاء وكسرها. الأرض ذاتِ الزراعةِ المُحاطُ عليها. وجاءَ فلانٌ بالحَظِرِ الرَّطبِ أي
بالكذب المستشْنَعِ.
ح ظ ظ :
قالَ تعالى: ﴿ وما يُلقَّاها إِلا ذو حظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، الحظُّ: البَخْتُ، وهو
الجَدُّ أيضاً. والحظُّ: النّصيبُ المقدَّرُ. ورجلٌ مَحظوظٌ: أي صاحبُ حظٍّ. وقد حَظظتَ
- بفتح العين وكسرها- فأنتَ مَحظوظٌ صرتَ ذا حظٍّ. ويُجمعُ على حُظوظٍ وأحاظٍ
وأَحُظٍّ. وكأنَّ أحاظيَ جمعُ الجمع؛ قال الشاعر: [ من الطويل]
٣٧٤- وليسَ الغنى والفقرُ من حيلةِ الفَتى
ولكِنْ أحاظِ قُسِّمتْ وجُدودُ (٢)
جمعُ بينهما لما اختلفَ لفظُهما، كقوله: ﴿صَلواتٌ من ربِّهم ورَحمةٌ﴾
[ البقرة: ١٥٧]، وقوله: [ من الوافر]
٣٧٥ - وألفى قولها كذباً ومَيْنًا (٣)
فصل الحاء والفاء
ح ف د:
قال تعالى: ﴿بنينَ وحَفدةٌ﴾ [النحل: ٧٢]؛ الحَقدةُ جمع حافدٍ نحوُ بارٍ وبرَرة،
والحافدُ: الخادمُ المسرعُ في الخدمةُ، وسواءٌ كانوا أقاربَ أم أجانبَ، من أسرعَ في
(١) غريب ابن الجوزي ٢٢٣/١ والنهاية ٤٠٥/١ .
(٢) البيت في اللسان والصحاح والتاج (حظظ) والمسائل العضديات ١٧٩ والجمهرة ٦٢/١ ويروى
للمعلوط بن بدل القريعي أو لسويد بن خذَّاق العبدي .
(٣) عجز بيت لعدي بن زيد وصدره: (فقدمت الأديم لراهشَيْهِ)
والبيت في ديوانه ١٨٣ واللسان (مين) والدر المصون ٣٥٨/١ والدر ١٦٧/٢ والهمع ١٢٩/٢.

٤٣٠
باب الحاء.
خدمتك فقد حَفّدكَ، يَحفِدُكِ، فهوُ حافِدُك. وقال المفسرون: هم الأسباط؛ يعنون أولاد
الأولاد، وقالَ الآخرون: هم الاختان والأصهارُ، وكانَّھم رأوا أن خدمةَ هولاء أصدقُ من
خدمةٍ غيرِهِم، فلذلكَ خصُّوهُمْ بالمثالِ(١).
قال الأصمعيّ: أصلُ الحفْدِ مداركةُ الخَطوِ، وقالَ غيرُه: أصلُه من سرعة الحركة.
وفي الحديث: ((وإِليك نَسعَى ونَحفِدُ))(٢) أي نُسرعُ في طاعتكَ كما تُسرعُ الخَدَّمَةُ في
خدمةٍ مَخْدومهم. ورجلٌ مَحفودٌ: مَخْدومٌ، وفي صفتهَّهُ: ((مَحْفودٌ مَحشودٌ))(٣) أي
مَخْدَومٌ في أصحابِهِ مُعظّمٌ عِندَهُم ◌َُّ ورضي عنهم
وقالَ ابنُ عرفةَ: هم الأعوانُ. وقالَ مجاهدٌ: همُ الخَدمُ من حَقَد يَحفِدُ : إِذا أُسرعٌ؛
وأنشدَ لكثير عزَّةَ: [ من الكامل]
٣٧٦ - حفَدَ الولائدُ بينهنَّ وأسلمتْ بأكفّھنَّ أَزِمَّةَ الأجمالِ (٤)
ويقال: حفدتُ وأحقدتُ، وحافدٌ وحَفَدٌ نحوُ خادمٍ وخَدَمٍ، وأنشَدَ:
[ من الطويل]:
٣٧٧ - فلو أنَّ نفسي طاوعتي لأصبحتْ .
لها حَفَدٌ مم يُعَدُّ كثيرُ(٥)
وقالَ عمرُ وذُكر لهُ عثمانُ رضي الله عنهما في الخلافة فقال: ((أخشى عليه
حَفْدَهُ))(٦) أي عقوقَه في مَرْضَاتِ أقاربهِ
(١) هذه الأقوال ذكرها ابن كثير في تفسيره ٥٩٩/٢ وذكر أقوالاً أخرى منها : قال مجاهد : ابنه وخادمه
وقيل : الجفدة الأنصار ، والإعوان ، والخدام وقال عكرمة : الحفدة : من خدمك من ولدك وولد
ولدك ..
(٢) الحديث لعمر بن الخطاب قَبَّتَ في الصبح بعد الركوع انظر غريب الحديث لأبي عبيد ٣٧٤/٣
والنهاية ١ / ٤٠٦ .
(٣) غريب ابن الجوزي ٢١٥/١، ٢٢٣ والنهاية ٤٠٦،٣٨٨/١ وهو من حديث أم معبد .
(٤) البيت في اللسان (حفد) والدر المصون ٢٦٥/٧ والقرطبي ١٤٣/١٠ وغريب أبي عبيد ٣٧٤/٣
وينسب البيت إلى الأخطل وجميل وكثير ولم يرد في ديوان أي منهم .
(٥) البيت لجميل وليس في ديوانه وهو في اللسان (حفد) والقرطبي ١٤٤/١٠ والدر المصون ٢٦٦/٧.
(٦) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/١ والنهاية ١ /٤٠٦ وفيهما ((أخشى حفده).

٤٣١
باب الحاء
ح ف ر:
قولُه تعالى: ﴿أَثِنَّا لَمَرْدودونَ في الحافرةِ(١)﴾ [النازعات: ١٠] هذا مثلٌ لمَن
يُردةُ من حيثُ جاءَ؛ يقال: رجعَ فلانٌ في حافرتِهِ، وإِلى حافرتِه: أي في الطريق التي جاءَ
فيها، ثم عُبُرُ بهِ عن الرجوعِ إِلى الحالةِ الأولِى؛ فقوله: ﴿في الحافرةِ﴾ أي أنحْيًا بعد أن
نموت؟ إِنكاراً منهم للبعث قالَ الشاعرُ: [ من الوافر]
٣٧٨ - أحافرةً على صَلَعٍ وَشِيبٍ مَعَاذَ اللّهِ مِن سَفَهِ وعارٍ(٢)
أي: أأُرُجعُ إِلى حالةِ الصِّبا بعد أنْ شِبتُ؟ وقيلَ: الحافرة: الأرضُ التي جُعلت
قبورَهمُ، ومعناُهُ أإِنا لمردودون ونحنُ في القبور؟ ففي الحافرةِ على هذا موضعُ الحالِ، وقد
حقَّقناه. وقيلَ: هو من معنى قولهم : رَجَعَ الشيخُ إِلى حافرتِهِ، أي رجعَ إِلى الهرمِ
والضَّعْف، لقولِه: ﴿ومنكُم من يُردُّ إِلى أرذَل العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، وقال ابن الأعرابي:
أي في الدنيا كما كنا. وقال مجاهدٌ: أي خلقاً جديداً. وقال الهروي: أي إِلى أمرِنا الأولِ
وهو الحياةُ، وهو راجعٌ إِلى الأصلِ المذكورِ أولاً وفي الحديثِ: ((إِنَّ هذا الأمرَ لا يُتْرِكُ على
حالته حتى يُردَّ إِلى حافرِتِه !(٣) أي إِلى تأسيسِهِ الأوَّلِ.
وقولُه: ﴿وكنتم على شفا حُفرةٍ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي طرف مكانٍ محفورٍ.
فحفرةٌ كغرفةٍ؛ فُعلة بمعنى مفعولة، وهي الحَفيرةُ أيضاً، فَعيلة بمعنى مفعولة، فالتاءُ فيها
شاذّةٌ كالنَّطيحةِ. والحفرةُ: الترابُ المُخرَجُ منها كالنَّقْضِ بمعنى مَنقوضٍ. والمِحْفَر
والمحْفَارُ: ما يُحفرُ به. وحافرُ الفرسِ لأنه يحفرُ الأرض بعدوهِ وقولُهم: ((النقدُ عندَ
الحافرِه(٤) لما يُباعُ نقداً. وأصلُه من بيعِ الفرسِ، كان يقالُ: لا يزولُ حافرُه حتى يُنقدَ
(١) قرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو بحرية (الحَفرَة) البحر المحيط ٤٢٠/٨ والمحتسب ٣٥٠/٢.
(٢) البيت في اللسان والصحاح والتاج (حفر) أنشده ابن الأعرابي.
وفي التاج («يقول: أارجع إلى ما كنت عليه في شبابي وأمري الأول من الغزل والصبا بعد ما شبت
وصلعت» .
(٣) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/١ والنهاية ١ /٤٠٦.
(٤) في التاج (حفر) ((قال اليث: معناه: إذا اشتريته لم تبرح حتى تنقد، هذا أصله، ثم كثر حتى
استعمل في كل أولية، وقيل : معناه إِذا قال قد بعتك رجعتَ عليه بالثمن )) وفيه أقوال أخرى.
وهو مثل في مجمع الامثال ٣٣٧/٢ والمستقصى ٣٥٤/٢ والأمثال لابن سلام ٢٨٣ وجمهرة
الامثال ٢٧٩/٢ .

٤٣٢
باب الحاء
عنه. والحَفَرُ: تأكُّلُ الأسنان وحفْرُها؛ حَفَرَ فوهُ يَحفِرُ حَفراً. وأحفَرَ المُهْرُ للإِثناءِ والإِرباعِ(١)
أي: صار ثنیاً ورباعٍ.
ح ف ظ:
قولُه تعالى: ﴿إِنّ نحن نزلنا الذُّكْرَ وإِنَّا لُه لحافظون﴾ [الحجر: ٩]أي نمنعُه من
التَّبديلِ والتغييرِ والنَّقصِ. وأصلُ الحِفظِ: المنعُ للشيءٍ بتفقُّده ورعايته، ومنهُ حفظُ
الدرسِ، وهو منعُ ما تَدرسهُ أن يشذَّ عنك. والحفظُ تارةً لهيئةٍ النفْسِ التي بها يَثْبَتُ ما
· يؤدي إِليه التفُّهمُ وأخرى لضَّبطِ الشيءٍ في النفْسِ، ويضادُّه النِّسيانُ، وأخرى لاستعمال:
تلك القوة، فيقالُ: حَفظتُ كذا حفظاً. ثم يستعملُ في كلِّ تَفقَّدٍ وتَعهُّدٍ ورعايةٍ
قولُه تعالى: ﴿فما أرسلناكَ عليهم حَفيظاً﴾ [النساء: ٨٠] أي حافظاً يحفظُ
: أعمالَهم، كقوله: ﴿وما أنتَ عليهم بوكيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿لَسْتَ عليهم
بمُصيطٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وقوله: ﴿فاللَّهُ خيرٌ حافظاً﴾ [يوسف: ٦٤] أي حفظُه أبلغُ
من حفظٍ غيرِه لعلمهِ بما بطن وظهرَ إِشارةٌ إِلى قولِه تعالى: ﴿ مَا مِنْ دَبَّةٍ إِلا هو آخذٌ
بناصيتها﴾ [هود: ٥٦]. وقُرئُ ((حفْظً))(٢) نحوَ خير الحافظين، فحفيظاً: تمييز،
وحافظاً: حال، وقيل غير ذلك كما حقّقناهُ في الكتب المشارِ إِليها.
وقولُه: ﴿حافظاتٌ(٣) للغيب بما حفظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي يحفظنَ غيبةً
أزواجهنَّ فلا يُوطئنَ فُرُشَهِنَّ غِيرَهمُ، وذلكَ بسبب حفظ اللّهِ إِیاهنَ. وقرئ ((اللهَ)) نصباً(٤)
على معنى: بسبب رعايتهنَّ حقَّ اللَّهِ لا لرياءٍ وتَصنِّعٍ منهنَّ.
قوله: ﴿والحافظين فروجَهم﴾ [الأحزاب: ٣٥] و﴿لفروجهم حافظون﴾
(١) في التاج: حفر «أحفر المهر. إِحفاره أن تتحرك الثنيتان السفليان والعلييان من رواضعه فإذا تحركن
قالوا: قد أحفرت ثنايا رواضعه فسقطن. وأول ما يحفر فيما بين ثلاثين شهراً أدنى ذلك إلى ثلاث
أعوام ثم يسقطن فيقع عليها اسم الإبداء، ثم تبدي فتخرج له ثنيتان سفليان وثنيتان علييان مكان ثناياه
الرواضع التي سقطن بعد ثلاثة أعوام فهو مُّبْدٍ، ثم يثني حتى يحُفر، وإِحفاره أن تتحرك له
الرباعيتان ... )).
(٢) هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب وشعبة انظر الإتحاف ٢٦٦.
(٣) قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف (حوافظ) المحتسب ١ /١٨٧ وإملاء العكبري ٠:١٤/١
(٤) هي قراءة أبي جعفر المدني. انطر الإتحاف ١٨٩.
:

٤٣٣
باب الحاء
[المؤمنون: ٥] كنايةٌ عن العفّة، وأصلُه: منعُ أنفسهم من الوطء الحرام. قولُه: ﴿وعندنا
كتابٌ حَفيظٌ﴾ [ق: ٤] يجوزُ أن يكونَ بمعنى حافظٍ وهو الظاهرُ موافقةً لقولِه: ﴿لا
يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إِلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وأن يكونَ بمعنى محفوظٍ كما
صرَّح به ﴿في لوحٍ محفوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قرئ برفعٍ ((محفوظ)) (١) صفةً للقرآن،
وبجرِّهِ صفةٌ للَّوحِ. قولُه: ﴿على صلاتهم يُحافظونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] فيه تَنبيةٌ على أنهم
يحفظونها بمراعاةٍ أوقاتها وأركانها وشرائطها والتَّحرِّر ممَّا يجملُ بها من جهادِه، وبُعد من
حديث النفسِ، كما أنها هي تَحفظُهم. وأشارَ إِليه بقولِه: ﴿إِنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء
والمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولا حفظَ أبلغُ من حفظ من يحفظك من ارتكاب هذين
الفعلينِ القبيحين.
والحفاظُ والمُحافظةُ كأنَّ كلاً منهما يحفظُ. والتّحفِّظُ:(٢) قلةُ الغفلة وتحقيقهُ
تكلُّفُ الحفظ لضعف القوة الحافظة. ولمّا كانت تلك القوةَ من أسبابِ العقلِ تَوَسَّعوا في
تفسيره. والحفيظةُ: الغضبُ الحالُّ على المحافظة، ثم قيلَ للغَضب المجرَّدِ، فقالوا:
أحفظه، أي أغضَبَه. وفي الحديث: ((فبدرَتْ مني كلمةٌ أحفظتْهُ))(٣) ومثلُها الحفظةُ
أيضاً؛ يقالُ: حَفيظةٌ وحِفْظةٌ. وأنشدَ للعجاج: [من الرجز]
٣٧٩ - جَارِيَ لا تَسْتكري عَذَيري وحفظة أُكنَّها ضَميري(٤)
وقيلَ : الهمزةُ في أحفظَ للسُّلبِ، والمعنى: أزالَ حفظَ مودَّته
ح ف ف:
قولُه تعالى: ﴿وَتَرى الملائكةَ حافّينَ مِنْ حَولِ العرشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي مُحدقِينَ
بهِ من جميع جهاتهِ، وفيهٍ تنبيهٌ على كثرةِ خلقهِ وعظمٍ ملكوتهِ، وذلكَ أن عرشه أعظمُ
المخلوقات، ومع ذلك خلقَ ملائكةٌ يحفّونَ بهذا الحَرمِ العظيمِ المتزايدِ في العظمةِ .
(١) قرأنافع وابن محيصن والأعرج وأبو جعفر (محفوظٌ) النشر ٣٩٩/٢ والسبعة ٦٧٨ والإتحاف
٤٣٦ .
(٢) المفردات ٢٤٥.
(٣) النهاية ١ /٤٠٨ وفيه ((أي أغضبته)).
(٤) ديوانه ٣٣٤/١ .

٤٣٤
باب الحاء
وأصلُ ذلك من حفَّ القومُ بالمكان: أي صاروا في حقَّته، والأحفَّةُ: الجوانبُ، الواحدُ
حفافٌ. وحفافُ الجبل: جانباهُ. وفي الحديث: ((أظلَّ اللَّهُ مكانَ البيت بغمامة فكانتْ
حفافَ البيتِ))(١) فالمعنى: تَرى الملائكةَ مُطبقينَ بحفافَيهِ. قالَ الشاعرُ: [من الطويل]
٣٨٠ - لَهُ لحظاتٌ فِي حِفَافَي سَرِيرِهِ(٢)
وفي الحديث: ((تحفُّه الملائكةُ بأجنحتها))(٣).
وفلانٌ في حَفَفٍ منَّ العيشِ: أي ضيقٍ، تُصوّرَ أنّه حصلَ في جانبٍ منهُ لا في
وسطهِ، عكسُ قولِهم: هوَ في واسطةِ العيشِ. ومنهُ قولهُ: ((مَنْ حَفَّنا أو رَقَّنا فليقَتصدْ))(٤)
أي مَن يَحففْ علينا، كذا فسَّرِهِ الراغبُ، وفسَّرَه الهرويُّ: مَن مَدَحَنا فلا يُغْلوَنَّ، قالَ:
والحَفَّةُ: الكرامةُ التامَّةُ. وحفيفُ الجَنَاحِ والشَّجرِ: صوتُهما؛ فهيَ حكايةُ صوتُه. والحَفُّ:
آلةِ النسَّاجِ؛ سُميت بذلك لما يُسمِعُ من حَفيِها عندَ حركتِها.
قولُه: ﴿وحفَفْناهُما ينخلٍ﴾ [الكهف: ٣٢] أي أَطَفناهما بنخلٍ فجعلناه مُطيفاً:
بهما، وأُحسنُ الجنانِ مَنظراً ما كانَ كذلك. وفي الحديث: ((حُقُّوا الشواربَ وأَعْفوا
اللّحَى)) (٥) هو من قولهم: حَفَّتِ المرأةُ وجهَها أي قشَرْته من الشعرِ. ((وكانَ عُمرُ أصلعَ لَهُ
حفافٌ))(٦) أي شَعرٌ حولَ رأسِهِ دونَ أعلاهُ. وفي الحديثِ ((لم يَشبعْ من طعامٍ إِلا على
حَفَفٍ ))(٢) أي ضيقٍ وفقرٍ، وفي رواية أُخرى ((خَفَفٍ))؛ فالحَفَفُ أن يكونَ أکثِرَ منهُ،
(١) النهاية ١ /٤٠٨ وفيه ((أي محدقة به)) ..
(٢) صدر بيت لابن هرمة ، وعجزه :
وهو في الاغاني ٠١٠٩/٦
( إِذا كرها فيها عقاب ونائل )
: (٣) مسند أحمد ٤ /٢٤٠ وفيه ((إِن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها)) وانظر الترغيب والترهيب
٥٤/١.
--
(٤) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/١ والنهاية ٤٠٨/١، ٢٤٤/٢ والأمثال لأبي عبيد ٤٥ وفصل المقال
٣١ ومجمع الأمثال ٣١٠/٢، ٣٢١ وجمهرة الأمثال ٢٢٩/٢.
: (٥) أخرج البخاري في اللباس برقم ٥٥٥٣ ((خالفوا المشركين: وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)) وأخرجه
مسلم في الطهارة باب خصال الفطرة رقم ٢٥٩ وأخرج البخاري برقم ٥٥٥٤ (انهكوا الشوارب
وأعفوا اللحى)).
(٦) غريب ابن الجوزي ٢٢٤/١ والنهاية ١ /٤٠٨.
(٧) غريب ابن الجوزي ٢٢٤ والنهاية ٤٠٨/١.
:

٤٣٥
باب الحاء
فالخففُ أشدُّ.
ح ف ي:
قولُه تعالى: ﴿كأنَّكَ حَفِيٍّ عَنِها﴾ [الأعراف: ١٨٧] من قولهم: فلانٌّ حَفيِّ بخبرٍ
فُلانٍ، أي مَعنيٍّ بالسؤال عنهُ. وعن مجاهد: كأنَّك اسْتَحْفَيتَ بالسؤال عنها حتى علمتَها،
أي أكثرتَ المسألةَ عَنها. يقالُ: أَحفَى في سؤالهِ وأَلحفَ وأَلحَّ، كلُّه بمعنىٌ. قالَ تعالى:
﴿إِنْ يسألُكُموها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧] أي يُبالغْ في مَسألتكم. ولمّا اعْتُبر
معنى المبالغة قيل: فلانٌ حَقِيٌّ بفلانٍ، أي مُبالغٌ فِي بِرُهُ. قال تعالى: ﴿إِنه كانَ بِي حَفِيّاً ﴾
[مريم: ٤٧] أي مُبالغاً في إيصالِ الخيرِ إِلي. وفي الحديث: ((أنَّ عجوزاً دخلتْ على
عائشةَ فسألَها، فَأَحفَى))(١) أي بالغَ في بِّها. وعلى هذا فما حُكي أنَّ كيسانَ سأل ثعلباً
عن قولِهِ: ﴿إِنَّه كانَ بِي حَفِيّاً﴾ فقالَ: بارًاً وَصولاً فقالَ: قولُه: ((كأنَّكَ حَفِيٍّ عنها)) فقال:
معنى هذا غيرُ معنى ذلك. والعربُ تقولُ: فلانٌ حفيٌّ بخبرٍ فلانٍ، أي مَعنيِّ بالسؤالِ عنهُ
يُبعدُ صحتَه عنهما لظهورِ ذلك كما تقدَّمَ من أمر المبالغة، ذاك مبالغةٌ في البِرِّ، وهذا مبالغةً
في السؤال.
وقيل(٢): الإِحفاءُ في السؤالِ: التبرّح(٣) في الإلحاحِ في المطالبةِ، أي في البحثِ
عن تعرُّفِ الحالِ. وعلى الوجه الأول يقالُ: حفيتُ السؤالَ، وأحفيتُ فلاناً في السؤالِ،
ومنه ﴿فَيُحْفِكُمْ تَبْخلوا﴾. وأصلُ ذلك من أخفيتُ الدابَّةَ، أي جَعَلتُها حافيةٌ، أي
مُنْسَحجةَ(٤) الحافرِ، والبعيرَ: جعلتُه مُنْسَحِجَ الفِرْسِنِ من المشْيِ حتى يرقَّ. وقد حَفِيَ حَفاً
وحُفوةٌ، ومنه: أحفيتُ الشاربَ: أخذتُه أخذاً مُتناهياً. وأحفيتُ به وتحقَّيتُ: أي بالغتُ
في إِكرامهِ. والحَفِيُّ أيضاً العالمُ بالشيءٍ. والحافي أيضاً الحاكمُ، يقالُ: تَحافَينا، أي
تحاكمنا .
(٢) النهاية ٤٠٩/١ وفيه رواية الحديث ((أن عجوزاً دخلت عليه فسألها فأحفى .. ).
(٣) المفردات ٢٤٥.
(٤) في المفردات ٢٤٥ ((الترع)) وهو التسرع.
(٥) يقال: سحجت جلده فانسحج، أي قشرته فانقشر. انظر اللسان (سحج) .

٤٣٦
باب الحاء
فصل الحاء والقاف
ح ق ب :
قوله تعالى: ﴿لابثينَ فِيها أحقاباً﴾ [النبأ: ٢٣] جمعُ حُقَبٍ، وحُقْبٌ جمعُ حِقْبة،
والحقبةُ ثمانونَ سنةً؛ فالأحقابُ جمعُ الجمعِ. قالَ الراغبُ(١): والصحيحُ أنَّ الحقبةَ مدةٌ
مِنَ الزمانِ مُبهمةٌ. وقالَ الأزهريُّ: الأحقابُ جمعُ حُقْبٍ وهوَ ثمانونَ سنةً. وهذا صحيحٌ
نحوٍ فِعلٍ وأفعالٍ. وقولُه: ﴿أُو أَمْضِيَ حُقُبً(٢)﴾ [الكهف: ٦٠] أي زماناً طويلاً، قاله
ابنُ عرفةَ. وفي الحديث: ((لا رأيَ لحاقِبٍ ولا حاقِنٍ))(٣)؛ الحاقبُ: الذي يحتاجُ إِلى
الخلاءِ فلم يَتَبَرَّزْ، مأخودٌ من ◌ْحَقِبَ البعيرُ، حَقَّباً، إِذا دَنَا الحَقَبُ من ثِيلة (٤) حِيفَةِ البَوِلِ.
والحَقَبُ: حبلٌ يُشْدَّ على حِقْوِ البعيرِ. والإحقابُ: شدُّ الحقيبة من خلف الراكب.
واستحقبتُه وأَحقبتُه بمعنىٌ. وحمارٌ أحقَبُ: أي الدَّقيقُ الحِقْوينِ، وقيلَ : الابيضُ الحِقْوینِ،
والأُنثى حَقْبَاءُ، وذلكَ في الحُمرِ الوحشيةِ.
ح ق ف:
قولُه: ﴿إِذ أنذرَ قومَهُ بِالأحْفافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] هي جمعُ حِقْفٍ، وهوَالكئيبُ
مِنَ الرَّملِ المائلُ؛ قالَ امرؤُ القيسِ: [ من الطويل]
٣٨١- فلمّا أَجَزْنا ساحةَ الحيّ وانْتَحى
بنا بِطْن خَيْتٍ ذِي حِقافٍ عَفَقَلٍ (٥)
وقالَ الأزهريُّ: الحقْفُ: الرملُ المستطيلُ. وقالَ الهرويُّ: ما عظُمَ واستدارَ. وكانتْ
ديارُ عادٍ بِالشِّحرِ في كثبانِ رِملٍ. واحقَوْقَفَ: أي انحتَى ومالَ. واحْقَوَقْفَ الهلالُ. وفي
الحديث: ((أنَّه مرَّ بظبيٍ حاقفٍ))(٦). قيل: معناهُ أنه نائمٌ في حِقْفٍ، وقالَ ابنُ الأنباريِّ:
(١) المفردات ٢٤٨.
۔۔
. (٢) قرأ الضحاك (حُقْباً) البحر المحيط ٦ /١٤٥ ..
(٣) غريب ابن الجوزي ٢٢٦/١ والنهاية ١ /٤١١ .
(٤) الثيل: وعاء قضيب البعير والتيس والثور، وانظر اللسان (ثيل).
(٥) شرح المعلقات العشر ٤٨ وديوانه ١٥.
(٦) مسند أحمد ٤٥٢/٣ وانظر غريب ابن الجوزي ٢٢٧/١ والنهاية ٤١٣/١.

٤٣٧
باب الحاء
أي نائمٌ قدِ انحنَى في نومِه. وأنشدّ للعجَّاجِ: [من الرجز]
سَماوةَ الهلالِ حتّى احْقَوْقَفًا (١)
٣٨٢ - طَيَّ الليالي زُلَّفاً فَزْلَفا
أي كما تَطوي الليالي سماوةَ الليالي وهي تحصُّه. والزُّفُ: الساعاتُ من الليلِ،
جَمعُ زُلفةٍ.
ح ق ق:
قولُه: ﴿ذلكَ بأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠]؛ الحقُّ في الأصلِ(٢): الثبوتُ،
والشيءُ الثابتُ. يقالُ: حقَّ الأمرُ يَحُقُّ حقاً، فهو حقٍّ: أي ثبتَ واستَقَرَّ. والحقيقةُ: فَعيلةٌ،
من ذلك. وقيلَ: أصلُه المطابقةُ والموافقةُ، كمطابقةِ رِجلِ الباب في حقُّه لدورانِه فيهٍ على
استقامةٍ، ويقالُ على أوجهٍ (٢):
أحدُها (٤): لموجد الشيءِ بحسبٍ ما تقتضيهِ الحكمةُ، ومنه قيل في الباري تعالى:
اللَّه حقٍّ، نحوُ قولِنا: الموتُ حقٌّ، والبعثُ حقٌّ، وفي معناه: ﴿هو الذي جعلَ الشمسَ ضياءً
والقمَرَ نوراً﴾ إِلى قولهِ: ﴿ ما خلقَ اللَّهُ ذلك إِلاَّ بالحقِّ﴾ [ يونس: ٥]
[ الثالث] وللاعتقادِ في الشيءِ المطابقِ لما عليهِ ذلكَ الشيءُ في نفسهِ، كقولنا:
اعتقادُ فلانٍ في الموتِ والبعثِ والنارِ حقٍّ. قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الذينَ آمنوا لما
اختلفُوا فيهِ من الحقِّ بإِذنهِ﴾ [البقرة: ١٢٢]. [الرابع] وللفعلِ والقولِ الواقعينِ بحسبٍ ما
(١) ديوانه ٢٢٢/٢ ( طبعة عزة حسن ) ، وفي طبعة السطلي ٤٩٦ .
(٢) في المقاييس ١٥/٢ حقّ ((الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته، فالحق
نقيض الباطل ... ويقال حق الشيء: وجب ٥ .
(٣) المفردات ٢٤٦. وفي الأشباه والنظائر ١٢٤ ((الحق في القرآن على ثمانية عشر وجهاً: الله سبحانه
وتعالى والقرآن والتوحيد والإسلام والعدل والصدق والمال والوجوب والحاجة والحظ والبيان وأمر
الكعبة وإيضاح الحلال من الحرام ولا إله إلا الله وانقضاء الأجل والمنجز والجُرْم والحق المضاد
للباطل ٠٥
(٤) المؤلف ينقل عن المفردات ، وقد خلط هنا بين الفقرتين الأولى والثانية، وهما في المفردات
٢٤٦: ((الأول : يغال لموجدالشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة ، ولهذا قيل في الله تعالى: هو
الحق، قال الله تعالى ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [يونس / ٣٠] وقيل بعيد ذلك: ﴿فذلكم الله
ربكم الحق فماذا بعد الحق﴾ [يونس / ٣٢]. والثاني: يقال للموجَد بحسب ما تقتضي الحكمة
ولهذا يقال : فعل الله تعالى كله حق ، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق ....... ).

٤٣٨
باب الحاء.
يجبُ على قدرِ ما يجبُ في الوقت الذي يجبُ، [ كقولنا: فعلك حق وقولك حق، قال
تعالى ﴿كذلك حقت كلمة ربك﴾](١) [يونس: ٣٣].
وقولُه تعالى: ﴿ولوِ اتَّبِعَ الحقُّ أهواءَهمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]؛ يجوزُ أن يرادَ بالحقِّ
الباري تعالى، وأنْ يرادَ بهِ الحكمُ الذي هو بحسبٍ مُقْتَضَى الحكمة .
وأحققتُ الشيءَ، إِمّا بِمعنى أثبتُّه، وإِمّا بمعنَى حكمتُ بكونه حقّاً، ومنه قولُه
تعالى: ﴿لُيُحِقَّ الحقّ﴾ [الأنفال: ٨] فهذا يحتملُ الأمرينِ، وإِحقاقُه تعالى على:
ضَربينٍ(٢): أحدُهما بإظهار الأدِلَّةِ والآياتِ وفي معناه: ﴿وأولئكم جَعَلنَا لَكُم عليهِم
سُلطاناً مُبِيناً ﴾ [النساء: ٩١]. والثاني بإكمال الشريعة وبثِّها، وفي معناهُ: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نورهِ
ولو كره الكافرون ﴾ [الصف:٨]
قولُه: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقُّةُ﴾ [الحاقة: ١-٢] فالحاقُّةُ: اسمُ فاعلٍ من حقَّ يحقٌّ
حَقّاً: أي ثبتَ، وعُبِّر بها عن القيامة لثبوتِها واستقرارِها بالأدلّةِ الواضحةِ، وقيلَ: لَأنَّها يُحَقِّ
فيها الجزاءُ. وقالَ الفراءُ: لأنَّ فيها حقائقَ الأمورِ. وقالَ غيرهُ: لأنها تَحُقُّ الكفارَ الذين
جاقُوا الأنبياءَ إِنكاراً؛ يقالُ: حَاقَّقْتُه فحقَقْتُه: أي خاصمتُه فخصَمتُهُ. وقيلَ: لأنها تحقٌّ
كلَّ إِنسانٍ بعملهِ من خيرٍ أو شرٍ.
قولُه: ﴿حَقِيقٌ على أنْ لا أَقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] قُرئ عليَّ بتشديد الياءِ(٣)
بمعنى: واجبٌ عليٍّ، وكذلك: ﴿فحقَّ عليها القَولُ﴾ [الإسراء: ١٦] أي وجَبَ. ومَن قرأ
(عليَّ أن)) فبمعنى أنا حقيقٌ بالصِّدِقِ، وفي ذلك كلامٌ كثير أتقنتُه. والحقُّ يجيءُ: الإلزام،
كقوله: ﴿مِنَّ الذين استِحَقَّ(٤) عليهم الأَوْلِيان﴾ [المائدة: ١٠٧] أي لزمَهم حقٌّ من
حقوقهم بتلك اليمين الكاذبة، وقال: وإِذا اشترى رجلٌ من رجلٍ داراً، فادَّعاها آخر وأقام
البَيِّنَةَ استحقَّهَا على المشتري، قالَ: والاستحقاقُ والاستيجابُ قريبانٍ منَ السواء.
قولُه: ﴿وكانَ حَقّاً علينا نصرُ المؤمنينَ﴾ [الروم: ٤٧ ] أي واجبٌ بطريقِ الوعد على
(١) إِضافة من المفردات ٢٤٦، حيث ينقل المؤلف .
(٢) المفردات ٢٤٨ .
(٣) هي قراءة نافع. انظر الإتحاف :٢١٧.
(٤) قرأ حمزة ونافع وابن كثير وأبو عمرو (استُحقِّ) الإتحاف ٢٠٣ والسبعة ٢٤٨ والنشر ٢٥٦/٢

٤٣٩
باب الحاء
سبيلِ التفضُّلِ. وقد يُرادُ بالحقِّ أشياءُ فُسِّر بها بحسَبِ السياقِ كما نَبَّهْنا عليه أولَ هذا
الموضوع، من ذلكَ ﴿وتكتمون الحقَّ﴾ [آل عمران: ٧١] قيلَ: هوَمُرادُ محمّدٍ عليه
الصلاة والسلام، وذلك ما عزُوه من نعتهِ. وقولُه: ﴿بل نقذِفُ بالحقِّ على الباطلِ﴾
[الأنبياء: ١٨] قيلَ: الحقُّ القرآنُ، والباطلُ الكفرُ. وقولُه: ﴿ما نُنزِّلُ الملائكةَ إِلا بالحقِّ﴾
[الحجر: ٨]؛ بالأمرِ المقْتَضَى. ويوضَّحُ ذلك: ﴿ولو أَنْزِلِنَا مَلَكاً لِقُضِيَ الأمرُ﴾
[ الأنعام: ٨].
وقولُه: ﴿وجاءتْ سَكْرَةُ الموتِ بالحقِّ﴾ [ق: ١٩] وقالَ الهرويُّ: الحَقِّ، الموتُ؟
فعلى هذا يصيرُ تقديرُه: وجاءَتْ سكرةُ الموتِ بالموتِ. قلتُ: وفي قراءة أبي بكرٍ:
﴿وجاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموتِ(١)﴾. وقال الشافعيُّ في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما
حقُّ امرئ مسلمٍ أنْ يبيتَ ليلتينٍ إِلا ووصيتُه مكتوبةٌ عندَهُ))(٢) أي ما الأحزمُ(٣). وفي
الحديث: ((جاءَ رجلانِ يَحْتُقّانِ))(٤) أي يَخْتصمان. وفي حديث عليّ: ((إِذا بلغَ النساءِ
نَصَّ الحقَاقِ فالعَصَبَةُ أَوْلَى))(٥) قَيلَ: ما دامتِ الجاريةُ صغيرةً فأُمُّها أَوْلَى بها، فإِذا بلغتْ
فالعَصَبَةُ أَوَلَى بتحصينها وتزويجها. ونَصُّ الشيءٍ: غايتُه، أي غايةُ البُلوغِ. والحِقاقُ:
المخاصمةُ؛ وهو أن يقولَ كلّ واحدٍ من الخصمينِ: أنا أحقُّ به منك. ورُويَ (( نصُّ
الحقائق)) جمعُ حقيقةٌ، والحقيقةُ فَعيلةٌ، من الحقِّ بمعنى فاعلٍ، والتاءُ فيها قياسٌ، قالَ
الليثُ: الحقيقةُ ما يصيرُ إِليهِ. حقَّ الأمرَ وحقْقَه. ((هو حامي الحقيقةِ))(٦) إِذا حَمَى ما
يجبُ عليه أن يحميَهُ، قال: [من الطويل]
وآلي فما تحمي حقيقة آلكا(٧)
٣٨٣- أنا الفارسُ الحامي حقيقيةً والدي
(١) هي قراءة أبي بكر الصديق وابن مسعود وشعبة وطلحة وسعيد بن الجبير. انظر المحتسب ٢٨٣/٢
والقرطبي ١٧ /١٢ وإعراب النحاس ٢١٧/٣.
(٢) أخرجه البخاري في الوصايا برقم ٢٥٨٧ ومسلم في أول كتاب الوصية رقم ١٦٢٧. وانظر غريب ابن
الجوزي ١ /٢٢٧ والنهاية ١ /٤١٤ .
(٣) في النهاية ١ /٤١٤ ((أي ما الأحزم له والأحوط إلا هذا. وقيل: ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا
هذا من جهة الفرض) .
(٤) غريب ابن الجوزي ٢٢٧/١ والنهاية ٤١٤/١.
(٥) غريب ابن الجوزي ٢٢٧/١ والنهاية ٤١٤/١.
(٦) النهاية ٤١٥/١.
(٧) البيت في الدر المصون ٣٤٣/١ لرؤية والقرطبي ٣٨٣/١.

٤٤٠
. بب الحاء
وقالَ الراغبُ(١): الحقيقة تُستعملُ تارةً في الشيء الذي لهُ ثبوتٌ ووجودٌ، كقوله
عليه الصلاة والسلام لحارثةَ: ((يا حارثةُ إِنَّ لكلِّ حقّ حقيقةً، فما حقيقةٌ إِيمانِكَ))(٢) أي
: ما الذي ينشأ عن كون ما تَدَّعِيهِ حَقاً؟ قالَ: وتارةً تُستعملُ في الاعتقادِ، كما تقدَّم، وتارةً
في العملِ وفي القولِ؛ فيقال: فلانُ لفعلهِ حقيقةً، إِذا لم يكن مُرائياً فيه، ولقولهِ حقيقةٌ، إِذا
لم يكنْ مُوجِباً ومُتْزِيِّداً. وتُستَعملُ في ضدِّه المتجَوِّزِ والمتوسِّعِ والمِتَفَسِّح. وقيلَ: الدنيا
باطلُ والآخرةُ حقيقةٌ، تنبيهاً على زوالِ هذه وبقاءِ تلك. وأمَّا في عُرفِ الفقهاءِ والمتكلِّمينَ
فهيَ اللفظُ المستعملُ فيما يوضَعُ لهُ في أصلِ اللغةِ.
والحِقٌّ من الإِبلِ: ما استُحقَّ أن يُحمِلَ عليه، والأنثى حقَّةٌ والجمعُ حقاقٌ وحقائقُ،
نقلَّه الهرويَّ وهو غريبٌ. وقيل: سُمي حِقاً لأنَّ أمَّ استحقَّتِ الحملَ منَ العَامِ المُقبلِ.
والحِقُّ ما دخلَ في أربعةٍ(٢). وأتَتِ الناقةُ على حِقَّها أي على الوقتِ الذي فيهِ منَ العامِ
الماضي، وفي حديث عمرٍوٍ أنه قال لمعاوية: «أتيتُكَ منَ العراقِ، وإِنَّ أمرَكَ كحُقٌ
الكهولِ))(٤) أي كبيتِ العنكبوتِ، والحُقُّ جمعُ حُقَّةٍ؛ يعني أمُرُكَ واهٍ بعدُ.
فصل الحاء والكاف
ح كم:
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حكيمٌ عليمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] الحكيمُ ذو الحكمةِ والحكمِ،
وأصلُ المادةِ على منعٍ لابعلاجٍ، ومنه حَكَمةُ الدابَّةِ تُجعل عند فكِّها لتمنعَها من الجماحِ.
يقال: حكمتُ الدابةَ. منعتُها بالحَكَمة، وأحكمتُها: جعلتُ لها خَكَمةٌ، وكذا حكمتُ
السفينةَ وأحكمتُها(٥). وأنشد لجرير: [من الكامل]
(١٠) المفردات ٢٤٧ .
(٢) الإصابة ١ /٢٨٩ ومجمع الزوائد ١ /٥٧ .
(٣) في النهاية. ٤١٥/١ ((الحق والحقة: هو من الإبل مادخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسمي بذلك
لأنه استحق الركوب والتحميل »
وفي غريب ابن الجوزي ٢٢٧/١ ((الحقة: التي استكملت ثلاث سنين .. ؟.
(٤) غريب ابن الجوزي ٢٢٨/١ والنهاية ٤١٥/١.
(٥) في الأشباه والنظائر ١٢٢ والمفردات ٢٤٨ (حكمت السفيه وأحكمته: أخذت على يده ، وكذا
في المقاييس (حكم) .