Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب الحاء كذا أنشدَ ابنُ برِّي صدرَه (١)، والمشهورِ أنَّ صدرَهُ لامرئ القيس وعجزُهُ وهو: ٣٣٠ - كنار مجوسٍ تَستعرُ اسْتعارا للثّوءِمِ، في قصةٍ جرت لهما أوضحناها في ((شرحٍ التسهيلِ الكبير)). ح دد: الحدُّ هو الحاجزُ المانعُ من اختلاطِ شيئينٍ بَآخَرَ. وحَدَدْتُ الدارَ: جعلتُ لها حدّاً يُميّزُها ويمنعُها من اختلاطها بغيرِها. والحدُّ المعرِّفُ للشيءٍ هو الوصفُ المحيطُ بمعناهُ المميّزِ لُهُ عن غيرِهِ. ولذلك يقالُ فيهِ إِنه مانعٌ جامعٌ، أي يمنعُ غيرَه من الدخولِ فيه ويجمعُ جميعَ ما يدخلُ فيهِ، وهو معنَى قولِ المتكلمينَ: مطَّرَدٌ مُنعكسٌ. فالجامعُ هو المنعكسُ، والمانعُ هو المطردُ. وسُميت الحدود لأنها تَحدُّ أي تَمنعُ، وحدودُ اللَّهِ: أوامرُهُ ونَواهيهِ . ولذلك قالَ: ﴿فَلا تَقْرَبوها﴾ [البقرة: ١٨٧] جعلَها كالمحسوساتِ من الأجرامِ، والمرادُ: ولا تُخالفوها فَتَتركوا أوامِرَها، وتَفعلوا مناهِيَها. والحدودُ المعاقَبُ بها من ذلك لأنها تمنعُ من معاودةِ الذنبِ لمن فعلَه، وتَمنعُ غيرَه أن يفعلَ مثلَ فعلهِ كالقصاصِ. وسُمِّيَ البَوَابُ حدَّاداً لأنَّه يمنعُ الداخلَ. قولُه: ﴿وَأَجدرُ ألاَّ يَعلموا حدودَ ما أَنزِلَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٧] قيلَ: أحكامُه، وقيلَ: حقائقُ مَعانيهِ، ثم حدودُه تَعالى أربعة أقسامٍ (٢): قسم لا يجوزُ فيه الزيادةُ ولا النُّقصانُ، وذلك كأعدادِ رَكَعاتِ الصلواتِ المفروضةٍ وكالصلواتِ الخمسِ. وقسم يجوزُ فيه الزيادةُ عليه والنقصانُ عنهُ كصلاةِ النَّفْلِ المقيَّدة مثلَ الضُّحى فإِنِها ثمانٍ فيجوزُ الزيادةُ عليها والنقصانُ منها. وقسم يجوزُ النقصانُ منهُ دونَ الزيادةِ مثلَ مراتِ الوضوءِ الثلاثِ والتزوَّجِ بأربعٍ فما دونَها. وقسمٍ بعكسهِ. والراغبُ قال(٢): هي أربعةٌ أضربٍ، ولم يذكر إِلا ثلاثةً، ولم يُمثِّلْ إِلا للأول. والحديدُ: هو الجوهرُ المعروفُ، سمي بذلك لِما فيهِ من المنعِ . قال تعالى: (١) ثمة خلل واضطراب، ولعل موضع الاستشهاد الذي ذكره المولف يجب أن يكون في مادة (مج س)، وفي التاج واللسان ( مجس ) : كان امرؤ القيس ينازع كل من قال إنه شاعر ، فنازع التوعم اليشكري وأخويه الحارث وأبا شريح فقال امرؤ القيس : يا حارِ أجز: أحار ترى بريقاً هبّ وهناً فقال التوءم : كنار مجوس تستعر استعارا وانظر ديوان امرئ القيس ١٤٧ واللسان (مجس) . (٢) المفردات ٢٢١-٢٢٢. ٣٨٢ باب الحاء ﴿وَأَنزَلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ويعبّرُ عن الحديدِ بالشيءِ المُتناهي في بابهِ كقولهِ: ﴿فيصُرُكِ اليومَ حديدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي ثابتٌ نافذٌ. وفلانٌ حديدُ الفهم أي ذكيُّ القلب صافي الذهنَ. وأصلُها من الحديد لأنه تُثَبَتُ به الاشياءُ. وفيه: لسَانٌ حديدٌ أي مُصلتٌ كحدّة السيف. قالَ تعالى: ﴿سَلَقوكم بالسنة حدادٍ﴾ [ الأحزاب: ١٩]. وَحَدَّدتُ السِكِينَ: شَحِذْتُها. وأَحدَدْتُها: جعلتُ لها حَدًّاً، ثم قِيلَ لَكلِّ ما دقَّ في نفسهِ؛ إِمّا من حيثُ الخلقةُ وإِمّا من حيثُ المعنى كالبصر والبصيرة: حديدٌ. وقوله: ﴿إِنَّ الذين يُجادلون﴾ [غافر: ٥٦] أي يُعادون. تأويلُه أن يكونوا جُعلوا بمنزلةٍ مَن يُقاتلُ بالحديد ويمانعُ بهِ، أو يكونوا بمنزلةٍ من صارَ في حدٍّ ومَن عاداه في حدٍّ آخِرَ في المسافةِ، وهوَ أن يصيرَ أحدُ الخضْمِينِ فِي شِقِّ والآخَرُ في شِقِّ. ورجلٌ مِحدودٌ أي ممنوعُ الرزقِ والحظِّ عكسُ المجدودِ، وهو صاحبُ الجدِّ كما تقدم. فهو وإِن جانسَه خطاً فقد فارقَه لفظاً ومعنَىِّ. ولما نزَلَ قولُه تعالى: ﴿عليها تسعةَ عشرَ﴾ [المدثر: ٣٠] تكلم أبو جهل بكلامٍ، فقالَ له الصحابةُ: ((تقيسُ الملائكةَ بالحدّادين(١))) أي السجّانينَ لِما تَقدَّم من أنَّ السجّانَ مانعٌ وهو البوّبُ. وفي الحديث: ((لا يَحلِّ لأحد أن يُحدَّ على ميِّتِ أكثرَ من ثلاثةِ أَيَّامٍ))(٢) أي يمتنعُ من المآكلِ والتّزيّنِّ؛ يقالُ: أحدَّتِ المرأةُ على زوجِها تُحِدُّ إِحداداً فهي مُحدٍّ. وحدَّتْ تحدُّ حدًّاً فهي حادٌّ إِذا امتنعتْ من الزينةِ، والحدُّ: نشاطُ النفس. وفي الحديث: ((خيارُ أُمّتي أَحِدَاؤُها))(٣)، قيلَ: جمعُ حَديدٍ من الحِدَّةِ. وفي الحديث: ((عَشْرٌ من السّنّةِ؛ وذكرَ الاستحدادَ)) (٤) من الحديد، وهو حلقُ العانة بالحديد، وغلب على ذلك. (١) غريب ابن الجوزي ١٩٧/١ والنهاية ٣٥٣/١. (٢) أخرجه البخاري في الجنائز ٢١٢١، ٥٠٢٥، ٥٠٢٨ ومسلم في الرضاع ١٢٥ ومسند أحمد ٣٧/٦. (٣) غريب ابن الجوزي ١٩٦/١ والنهاية ٣٥٣/١. (٤) غريب ابن الجوزي ١٩٦/١ والنهاية ٣٥٣/١ وأخرج البخاري في اللباس ٥٥٥٠، ٥٥٥٢ وفي الاستئذان ١٥٩٣٩ الفطرة خمس: الختان والاستجداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب» وانظر مسند أحمد ٢٢٩/٢. ٣٨٣ باب الحاء ح دق: قال تعالى: ﴿حدائقَ وأعناباً﴾ [النبأ: ٣٢] ﴿حدائقَ ذاتَ بهجةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، هي جمعُ حَديقةٍ، وهي القطعةُ من الأرضِ المستديرةِ ذاتِ النخلِ والماءِ تَشبيهاً بحَدَقَةِ الإِنسانِ في الهيئةِ وجمعِها الماءَ. وقيل: الحديقة ما أحاطَ بها البناءُ من البساتين مُطلقاً، وتُصوَّرَ منَ الحدقةِ الإحاطةُ، فقيلَ: أحدقَ بهِ. وحدَّقَ فيهِ النَّظرَ: إِذا نظرَ إِليه مُتأمّلاً لَهُ، وتحدَّقَ أبلغُ. وجمعُ الحَدَقةِ أحداقٌ وحداقٌ. قال الشاعرُ، وهو أبو ذؤيبٍ الهذليُّ: [من الكامل] سُمِلتْ بشوكٍ فهيَ عُورٌ تَدْمعُ(١) ٣٣١ - فالعَينُ بَعْدهُم کانَّ حُداقَها فصل الحاء والذال ح ذر: قال تعالى: ﴿حَذَرَ الموتِ﴾ [البقرة: ١٩] أي خوفَه. وأصلُه التحذَّرُ من الشيءِ المخيفِ المُهلك. فهو أخصُّ من الخوف. يقالُ: حذرَه يَحذَرُهُ حِذاراً وحَذَراً وحِذْراً. وقيلَ: الحِذْرُ بالكسرِ: الاسمُ. وقُرئ ( حِذارَ الموتٍ)(٢). قالَ تعالى: ﴿يحذَّرُ الآخرةَ(٣)﴾ [الزمر: ٩]. وحذَّرْتُه كذا: خوَّفتُه منهُ ونَبَّهتُه عليه؛ قال تعالى: ﴿وَيُحذّرُكم (٤) اللَّهُ نفسَهُ﴾ أي يُخُوفُكم ويذكّركم عقابه وما يوعدُكم به وأَتى بلفظ النَّفْسِ مُبالغةٌ وَتَنْبيهاً أنَّ حقَّ مثله أَنْ يحذَرَ. وقالَ الغراءُ: أكثرُ كلامِ العربِ الحَذرُ، والحِذْرُ مَسموعٌ أيضاً. قلتُ: لم يقرأه أحدٌ إِلا حَذْرَ الموتِ بِالفَتح لكونهِ مَصدراً، ولم يقرأه أحدٌ إِلاَّ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] بالكسرِ لظهورِ الاسميةِ دونَ المصدرية، أي خُذُوا ما فيهِ الحذرُ من السلاحِ وغيرهِ. وحَذارٍ: اسمُ فعلٍ كَنزالٍ؛ قالَ: [ من الطويل] (١) ديوان الهذليين ١ /٢. (٢) هي قراءة قتادة والضحاك بن مزاحم وابن أبي ليلى. البحر المحيط ١ /٨٧ والقرطبي ١/ ٢٢٠ ونسبها ابن خالويه في المختصر ٣ إلی اللؤلؤي عن أبيه . (٣) قرئت فى الكشاف ٣٩٠/٣ (ويحذر عذاب الآخرة ). (٤) قرأ ابن محيصن (ويحذركم) بإسكان الراء الإتحاف ١٧٢ . - ٣٨٤ باب الحاء ٣٣٢- حَذارِ فقد نُبِّئْتُ إِنَّكَ لَلْذي ستُجزَى بما تَسعى فَتَسْعَدُ أَو تَشقى (١) وقُرئٍّ: ﴿وَإِنا لجميعٌ حاذِرونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] أي مُتیقظون مُتحرِّزون، وحاذِرون أي مُبُعدون، حسبما بينّاهُ فِي ((الدرِّ)) و((العقدِ)) وغيرهما. فصل الحاء والراء ح رب : الحربُ: مصدرُ حَرَبَ أي قائلَ، إِلا أنَّ العربَ أَنَّتها؛ قال تعالى: ﴿ حتى تضعَ الحربُ أوزارَها﴾ [محمد: ٤]، وقالَ الشاعرُ: [من المتقارب] رِماحاً طوالاً وخَيلاً ذُكورا(٢) ٣٣٣ - وأعدَدْتُ للحرب أوزارها فأخرَجَتْها عن موضوعها من المصدريَّةِ، وكان من حقّهم أنْ لا يؤنِّثوها كغيرِها من المصادرِ. وقد شذّوا فيها من وجهٍ آخرَ، وذلك أنَّهم لما صغَروها لم يُدخلوها تاء التأنيث، بل قالوا حُرَيْب، كأنَّهم راجَعوا الأصلَ. ولها في شذوذِ التَّصغيرِ أخواتٌ اسْتَوفينا ذكرها في كتب النحو(٣). والحربُ: السّبُ في الجربِ. وقد سُمي كلُّ سَلَبٍ حَرْباً. قال الشاعرُ: [من البسيط ] ٣٣٤ - والحربُ مشتقةُ المعنَى من الحرَب (٤) وحُرِب فهو حَريبٌ أي: سَليبٌ. والحرْبةُ: آلةُّ الحرب معروفةٌ، وأصلُها الفَعْلَةُ، إِمَّا من الحرْبِ أو من الحِرابِ. والتخريبُ: إِثارةُ الحرب. رجلٌ مِحْرَبٌ جُعل كأنه آلةٌ، نحوُ قوله: (( وَيْلِمِّهِ! مِسْعَرُ حربٍ)(٥) . (١) البيت دون نسبة في الدر المصون ١٥٥/٩ والعيني ٤٤٧/٢ والدرر ١ /٤٠ والهمع ٠١٥٨/١ (٢) البيت للأعشى في ديوانه ١٤٩ .. (٣) ذكرها سيبويه في كتابه ٤٨٣/٣ ومنها الناب والعدل. وانظر كتابه في مواضع أخرى . (٤) عجز بيت لأبي تمام في ديوانه ١ /٦٤ والموازنة للآمدي ٦٣ وهو من قصيدته الشهيرة في مدح . المعتصم بعد فتح عمورية . وصدر البيت : (لما رأى الحرب رأي العين نوفَلِسٌ) (٥) أخرجه البخاري في الشروط ٢٥٨١ وتتمة الحديث ((لو كان له أحد)) وفي النهاية ٢ /٣٦٧ وغريب ابن الجوزي ٤٨٠/١ تسبب الحديث لأبي بصير، والمسعر والمسعار: ما تحرك به النار من آلة الحديد . يصفه بالمبالغة في الحرب والنجدة . (النهاية ٣٦٧/٢). : ٣٨٥ باب الحاء والمحرابُ مفعالٌ من ذلك. قيل(١): سُمِّي بذلك لأنَّ الإنسانَ يحاربُ فيه شيطانَه وهَوَاهُ. وقيلَ: لأنه من حقِّ الإِنسان فيه أن يكون حَريباً من أشغالِ الدُّنيا ومِن تَوزّعِ الخاطرِ فيهِ. وقيلَ: الأصلُ فيه أنَّ مِحرَابَ البَيتِ صدرُ المجلسِ. ثمَّ لمّا اتَّخِذَ المسجدُ سُمي صدرُهُ بهِ. وقيلَ: بل المحرابُ أصلُه في المسجدِ، وهو اسمٌ خُصَّ بهِ صدرُ المجلس. وسُمي صدرُ البيتِ مِحراباً تشبيهاً بمحراب المسجد. قالَ الراغبُ: وكأنَّ هذا أصحُ. قلتُ: المحراب لفظٌ قديمٌ قبلَ حدوثِ المساجدِ؛ فإنَّ المساجدَ ومحارببها عُرفٌ شرعيٍّ. وقالَ أبو عبيدٍ: هو أشرفُ المساجدِ. قال الأصمعيُّ: هو الغرفةُ والموضعُ العالي، ويدلُّ عليه: ﴿إِذْ تسوَّروا المحرابَ﴾ [ص: ٢١ ]فتسوَّروا يدلُّ على علوّه. وقولُه: ﴿وهو قائمٌ يُصلّي في المحرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] يدلُّ على أنه كانَ لهم محاريبُ. وفي الحديثِ عن أنسٍ ((أنَّه كانَ يكرهُ المحاريبَ)) (٢) أي يكرهُ أن يُرفعَ على الناسِ. وفيه: ((أنه بعثَ عُروةً بنَ مسعودٍ إِلى قومهِ بالطائفِ، فدخلَ محراباً لهم فأشرفَ عليهم [ عند الفجر] (٣)، ثمَّ أَذَّن للصلاة))(٤) ، فهذا يدلُّ على أنَّه غُرفةٌ يُرتَقَى اليها. وقولُه تعالى: ﴿مِن مَحاريبَ﴾ [سبأ: ١٣]قيلَ: هو القصورُ لارتفاعها. قالَ الأصمعيُّ: العربُ تُسمي القصرَ محراباً لشرفه. وأنشدَ للأعشى: [من السريع] أو درَّةٌ شِيفَتْ إِلى تاجرٍ(٥) ٣٣٥ - أو دُميةٌ صُوّرَ محرابُها وعن ابنِ الأنباريِّ: سُمِّي بذلك لانفرادِ الإِمامِ فيهِ وبعدِهِ منَ القومِ، مِن قولهِم: هوَ حربٌ لفلانٍ، إِذا كانَ بينَهما تباعدٌ وبغضاءُ. وأنشدَ: [ من المتقارب] وسامَى بهِ عُنُقٌ مِسْعَرُ(٦) ٣٣٦ - وحارَبَ مِرْفقُها دَفُّها ودخلَ الأسدُ محرابَه أي غيله، فسُمي محرابُ المسجدِ بذلك؛ لأنَّ الإِمامَ لخوفهِ (١) المفردات ٢٢٥. (٢) غريب ابن الجوزي ١٩٩/١ والنهاية ٣٥٩/١. (٣) إضافة من النهاية ٣٥٩/١. (٤) النهاية ١ / ٣٥٩ وغريب ابن الجوزي ١ /١٩٩. (٥) ديوانه ١٨٩ وفيه رواية العجز: (بمذهب في مرمر مائر). (٦) البيت للراعي في ديوانه ١٠١ وأساس البلاغة (حرب)، وبلا نسبة في اللسان والتاج (سعر). ٣٨٦ باب الحاء من اللحنِ والخطأ بمنزلةٍ مَن يدخلُ محرابَ الأسد .. وقولُه: ﴿حتى تضعَ الحبُ أوزارَها﴾ [محمد: ٤] قيلَ: هي المعركةُ، وأُسندَ إِليها الوضعُ مَجازاً. وقيلَ: هُم القومُ المحاربون. يقالُ: قومٌ حربٌ وقومٌ سِلْمٌ، وهو نحوُ: قومٌ عَدلٌ. وحرِبَ يَحْرَبُ أي غَضِبَ، وحَرِبْتُه أي أغضبتُه. والحِرْبَاءُ: دُوَيْبةٌ تَرقُبُ الشمسَ وتدورُ معها كيفَ دارتْ، فَإِذا صارتْ في قبَةِ السماءِ شَخصتْ إِليها وقلعت وضربتْ بلسانها حَتّكها الأعلى، فإِذا جاءَ الليلُ ذَهبتْ تَرَعَى. سُميت بذلك لأنّها كالمحاربة للشمس. والحِرْباءُ أيضاً: مسمارٌ شبيه بالدُّويْبة نحوُ تسميتهم الضََّّةَ والكلب للصورة والهيئة . ح ر ث: الحرثُ: الإِثارةُ والتَّفتيشُ. ومنه حرثُ الأرضِ، وهو إِثارتُها وتطييبُها إِرادةَ الزرعِ، وفي الحديث: ((أحْرُثوا هذا القرآنَ)(١)، قال ابنُ الأعرابيّ: الحرثُ: التفتيشَ. قال الهرويُّ: أي فتُّشوهُ. قلتُ: ويؤيدُ هذا المعنَى ما قدمتُه من الحديثِ الآخِرِ. وقيلَ: الحرثُ: إِلقاءُ البذرِ في الأرضِ وتهيئتُها للزراعةِ. ويُطلقُ على نفسِ المحروثِ، كقولهِ: ﴿أَنِ اغْدوا عِلى حَرْثِكم﴾ [القلم: ٢٢]. وتُصوِّرَ منه العِمارةُ التِي تَحصلُ عنهُ في قولهِ تعالى: ﴿مَن كَانَ يريدُ خَرْثَ الآخرةِ نَزِدْ لهُ في حرثهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حرثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها﴾ [الشورى: ٢٠]، فسمَّى ما يكدحُ له الإِنسانُ من الأعمال الموصلة إلى الثواب أو العقابِ حَرْئاً، لأنَّ نتيجته عمارةُ ما قصدَهُ الحارثُ. ويُعبِّرُ بهِ عن الكسبِ. وفي الحديث: ((أصدقُ الأسماءِ الحارثُ وهمَّامٌ))(٢) لأنَّ كلَّ أحدٍ لا بدَّ أن يحرُثَ أي يكتسبَ لأمرٍ دُنياهُ أو لأمرٍ آخرتهِ وكلُّ واحدٍ لا بدَّ أن يهمِّ إِما بخيرٍ أو بشرُ. وفي حديثٍ بدرٍ: ((قالَ المشركون: اخرجوا إِلى مَعايشكم وحَراثتكم))(٣) أي مكاسبكم، (١) غريب ابن الجوزي ٢٠١/١ والفائق ٢٥٤/١ والنهاية ١ /٣٦٠. والمعنى: فتشوه وتديروه . (٢) الفتح الكبير ٤٦/١ وكشف الخفاء ٥١/١ ومعالم السنن ١٢٦/٤ والترغيب والترهيب ٨٥/٣ والفائق ٢٥٠/١ والنهاية ٣٦٠/١. (٣) النهاية ٣٦٠/١ والفائق ١٥١/١ وغريب ابن الجوزي ٢٠٠/١. ٣٨٧ باب الحاء الواحدةُ حَرِيثٌ. وقيلَ: الحرائثُ: الإِبلُ. ويُروى حَرائبكم بالموحّدةِ، وهو المالُ الذي به قوامُ صاحبهِ . وقولُه: ﴿نساؤكم حَرَثٌ لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] سَماهنَّ حرثاً على الاستعارة البليغةِ، فإِنهنَّ بمنزلة الأرضِ المُبغَى منها طلوعُ البذرِ ونموُّه، وجَعَلَ النِّطفَ الملقاةَ من أصلاب الرجال في أرحامهنَّ بمنزلة البذْرِ، وهذا في غايةِ الفصاحة والبلاغةِ . وفي الحديث: ((احرُثْ لدُنياك كأنك تعيشُ أبداً)(١) أي اجهدْ في تحصيلِ ما ينفعُك. يقالُ؛ حرثتُ وأحرثتُ ثُلاثياً ورُباعياً. وتُصوّرَ من الحرثِ معنى التَّهُيِّجِ فقيلَ: حَرثتُ النارَ، ولِما تُهيَّجُ بهِ مِحرثٌ كمِنْجلٍ. وحَرَثَ ناقَته أي استعملها. وقالَ معاويةٌ للأنصارِ: ((ما فَعلتْ نَواضِحُكم؟ قالوا: حَرثناها يومَ بدرٍ))(٢). وقولُه: ﴿وَيُهلِكُ الحَرْثَ(٣) والنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] قيلَ: أرادَ الزرعَ، وقيلَ: النساءَ، سمَّاهنَّ حَرْئً في قولِهِ: ﴿نساؤكم حَرَثٌ لكم﴾، ويُرشِّحُه قولُه: ﴿والنسلَ﴾ نزلت في الأخنسِ بنِ شُريقٍ(٤) مرَّ بزرعٍ فاحرقَه وعَقَر دوابُّه. ح رج: الحَرَجُ: الضيقُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فلا يكنْ في صدركَ حرجٌ منه﴾ [الأعراف: ٢] أي ضيقٌ من القرآن. وأصلُه من الحرَجِ، والحَرَجُ والحَراجُ وهو مجتمعٌ ما بينَ الشيئينٍ، فَتُصوَّرَ منه الضِّيقُ. وقيلَ: هو الشجرُ الملتفُّ، وفيه أيضاً معنى الضِّيقِ. وقولُ مجاهدٍ : أي شكُّ تفسيرٍ باللازم، ولانَّ الشاكَّ يضيقُ صدرهُ بخلافِ المتيقّنِ فإِنَّه ينفسحُ. وقولُه: ﴿يَجعلْ صدرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥] قُرئ بفتح الراءِ وكسرِها(٥)، أي مُبالغاً في الضيقِ. قال ابنُ عباسٍ: الحَرَجُ: موضعُ الشجرِ الملتفِّ، فكانَ (١) غريب ابن الجوزي ١٩٩/١ والنهاية ٣٥٩/١ وكشف الخفاء ١ /٤١٢ والفتح الكبير ١٩٠/١. (٢) غريب ابن الجوزي ٢٠٠/١ والنهاية ٣٦٠/١ وغريب الهروي ٢٩٥/٤. (٣) قرأابن كثير وابن محيصن والحسن وأبو حيوة وأبو عمرو(ويهلكُ الحرثُ والنسلُ ) البحر المحيط ١١٦/٢ والإتحاف ١٥٥. (٤) تفسير ابن كثير ٢٥٣/١ وفيه أيضاً( نزلت في نفر من المنافقين)). (٥) قرأها بكسر الراء: نافع وعاصم وأبو بكر وأبو جعفر وابن محيصن، وابن عباس وعمر. معاني الفراء ٣٥٣/١ البحر المحيط ٢١٨/٤ والسبعة ٢٦٨ والإتحاف ٢١٦. ٣٨٨ باب الحاء قلبُ الكافرِ لا تصلُ إِليه الحكمةُ كما لا تَصلُ الراعية إِلى المكان الملتفِّ شجرُهُ. وما أنوَر هذا التفسيرَ وأَنعمَه! قيلَ حَرَّجاً بكفرهٍ لأنَّ الكفرَ لا يكادُ تسكنُ إِليهِ النَّفسُ، لكونه اعتقاداً عن ظنُّ. وقيلَ حَرِجاً أي ضَّيِّقاً بالإِسلام، قالَه الراغبُ: يعني أنَّه لمّا لَم يُسلِمْ إِسلاماً جازماً بل بترديدٍ كإِسلام المنافقِ ضَاقَ بهِ صدرُه. وقيلَ في معنى قولهِ: ﴿فلا يكنْ في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] هو نهيٌ على بابهِ. وقيلَ: هو حكمٌ لَهُ بذلك نحوُ: (ألم نشرحْ لك صدركَ﴾ [الانشراح: ١]، وقيلَ: هو دعاءٌ وهو حسنٌ أيضاً. وتحرَّجَ: أي تجنّبَ الحرَجَ، نحو تحنَّثَ وتحوَّبَ أي جانبَ الحنّثَ والحوَبَ. ويقعُ الحرَجُ بمعنى الإِثمِ كُقولهِ: ﴿ليسَ على الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] أي إِثمّ. ويجوزُ أنْ يكونَ على بابهِ أي ليسَ على هؤلاءٍ تَضييقٌ في تكليفِهم بما كلٌّفَ بهِ غيرُهم الأعذارِ خُصُّوا بها، حَسبما بينَّاهُ في ((التفسيرِ الكبيرِ)). : ح رد :. ح رر: قولُه تعالى: ﴿إِنِّ نَذِرِتُ لكَ ما في بَطنِي مُحرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] أي مُعتقاً، من قولك: حرَّرتُ العبدَ أي جعلتُه حُرَّاً. فقيلَ: معناهُ مُعْتقاً من مهنة أَبويه مُخلصاً لخدمة بيتكَ بيت المقدس. وقيلَ: مُعتَقاً مِن عملِ الدُّنيا لعملِ الآخرةِ. والمعنى أنَّها جعلتْه بحيثٌ لا يُنتفعُ به الانتفاعَ الدُّنيويِّ المشارَ إِليهِ بقوله تعالى: ﴿بنينَ وحَفَدَةٌ ﴾ [النحل: ٧٢] ﴿والمالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدُّنيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وهذا معنى قولِ الشَّعبِيِّ: مُخْلَصاً للعبادة، وقولِ مُجاهدٍ: خادماً للبيعة، وقولِ جعفرٍ: مُعتَّقاً من أمرِ الدُّنيا(١). والحُرِيَّةُ ضربانٍ(٢): ضربٌ لم يجرِ على صاحبِها حكمُ الشَّي كقوله: ﴿الحرُّ بالحرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وضربٌ لم تَتملّكُهُ قِواه الدَّميمةُ من الحرصِ والشَّره على المُقْتنيات الدُّنيوية، وإِلى العبوديّة التي تُضأُد ذلك أشارَ بقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «تَعِسَ عبدُ الدينارِ، تعس عبدُالدرهم))(٣)، وقال الشاعر: [من الطويل] (١) ذكر الراغب الأقوال الثلاثة في المفردات ٢٢٥. (٢) المفردات ٢٢٥. (٣) أخرجه البخاري في الجهاد برقم ٢٧٣٠ وابن ماجه في الزهد ١٣٨٦/٢ وانظر الفتح الكبير ٣١/٢ وشرح السنة ١٤ /٢٦٢. ٣٨٩ باب الحاء ٣٣٧- ورِقُّ ذَوي الأطماعِ رِقِّ مُخلَّدُ(١) وقالوا : عبدُ الشهوة أذلُّ من عبد الرِّقِّ، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿إِنِي نذرتُ لك ما في بَطني مُحرَّراً﴾ أي لم تَسترقُّه شهواتُ الدُّنيا، وقولُه: ﴿فتحريرُ رقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي جعلها حرةً بأن تُعتقَ. وحُرُّ الوجهِ: وسَطُه ما لم تَسْترقُّه الحاجةُ . وقولُه: ﴿ولا الظُّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] هو شدّةُ الحرِّ واستيقادُه ووهَجُه ليلاً كانّ أو نهاراً . والسَّمومُ لا يكونُ إِلا نهاراً ، اشتقاقُها من الحرارةِ وهي ضدٌّ البرودةِ. والحرارةُ نوعانِ(٢): نوعٌ عارضٌ في الهواءِ من الأجسامِ المحميَّةِ بحرارة النارِ والشمس ، ونوعٌ عارضٍ في البدنِ من الطبيعةِ كحرارةِ المحمومِ . يقالُ: حَرَّ يَومُنَا يَحْرَّ حَرّاً وحرارةً ، فهو حارٌّ وحَرٍّ فهوَ مَحَرورٌ، وكذا حَرِّ الرجُلُّ . والحَروَرُ : الريحُ الحارَّةُ أيضاً. استحرَّ القيظُ: اشتدَّ حرَّهُ. وقداستُعيرَ منه اسْتَحَرَّ القتلُ. قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ((قدِ استحرَّ القتلُ يا أهلَ اليمامةِ)) (٣) وقالَ الشاعرُ: [من الرمل] ٣٣٨- واستحرَّ القتلُ في عبدِ الأَشَلْ(٤) یرید في بني عبد الأشهل(٥) والحَرَّةُ : واحدةُ الحَرِّ. والحَرَةُ أيضاً: حجارةٌ سودٌ من حرارةٍ تَتعرَّضُ فيها والحَررُ: يبسٌ يعرضُ في الكبد من العطشِ، تُجمعُ الأرضُ الحَرَّةُ على حُرِّ وَحَرّاتٍ وحِرَارٍ، وإِحَرّون رفعاً وإِحرِّين نصباً وجرًّاً كالزَّيدين . وقال أصحابِ عليٍّ يومَ صِفِينَ(٦)، وقد زادَ معاویةٌ أصحابه خمس مئةٍ :[ من الرجز] (١) الشطر في المفردات ٢٢٤ دون نسبة . (٢) المفردات ٢٢٤. (٣) غريب ابن الجوزي ٢٠٠/١ والنهاية ٣٦٤/١. (٤) البيت في اللسان والتاج (شهل) دون عزو وصدره: (حين ألقت بقباء بركها ). والبيت لعبد الله ابن الزبعرى في ديوانه ٤٢ واللسان والتاج (برك). (٥) ((أراد عبد الأشهل هذا الانصاري)) اللسان: شهل. (٦) في اللسان والتاج (حرر): يوم الجمل. وهذا وهم لأن معاوية لم يكن فيه . وأضافا ((كان علي رضي الله عنه قد أعطى أصحابه يوم الجمل خمسمائة درهم من بيت مال البصرة)) وانظر الخبرفي وقعة صفين ١٨ النصر بن مزاحم . ٣٩٠ باب الحاء ٣٣٩- لا خَمسَ إِلا جندلُ الإِحَرِّينُ(١) وفي المثلِ: ((حِرَّةٌ تَحتَ قِرَّةٍ)(٢). وقالَ عليٍّ أو ابنهُ الحسنُ: ((وَلِّ حارَّها من يتولَّى قارَّها))(٣) والحريرُ معروفٌ، سُميَ بذلك لخلوصه. الحرُّ : الخالصُ. ح رس : قالَ تعالى: ﴿مُلكَتْ حَرَساً شديداً﴾ [الجن: ٨] أي حفظاً. والحرَسُ يكونُ جَمعاً كالحرّاسِ. يقالُ: حَارِسٌ وحَرَسٌ نحو خادم وخدم ، وحارِس وحُرّاس نحوُ ضارب وضراب. والاحتراسُ : التحفّظُ والمبالغةُ فيه . والحِرْسُ كالحِرْز يتقاربانِ معنىّ كتقارُبهما لفظاً ، إِلا أنَّ الحرسَ في الأمكنة أكثرُ، والحِرزَ في الأمتعةِ أكثر. ((وحَريسةُ الجبلِ))(٤): ما يُحرَسُ في الجبلِ بالليلِ. قَالَ أبو، عبيدةَ: الحريسةُ: المحروسةُ، والحريسةُ: المسروقةُ يقالُ: حَرَسَ يَحِسُ. وفي الحديث: ((أن غلمةٌ لحاطب احتَرَسوا ناقةً فانتَحَروها)»(٥) . وقالَ شَمر: الاحتراسُ أخذُ الشيءِ من المرعَى. والشاةُ المسروقةُ منَ المرعَى: حَريسةٌ. وفي الحديث: ((لا قَطْعَ في حَريسةِ الجبلِ))(٦) وهوَ يأكلُ الحَرساتِ. وهو مُحْتِرِسٌ أي سارقٌ. وأنشدّ : [من الطويل] (١) البيت لزيد بن عتاهية التميمي من أرجوزة عدتها عشرة أبيات وردت في اللسان والتاج (حرر) والاشتقاق ١٣٦ وسفر السعادة ٣٨ والجمهرة ٥١٠/٣،٥٩/١. وغريو ابن الجوزي ٢٠١/١ والنهاية ١ /٣٦٥ وقبل هذا البيت: (قال لنفس السوء هل تفرِّين). (٢) مجمع الأمثال ١٩٧/١ ولجمهرة الاجثال ١ /٣٤١، ٣٥٥ يضرب لمن يضمر حقداً وغيظاً ويظة مخالصة . (٣) غريب ابن الجوزي ١ / ٢٠١ والنهاية ٣٦٤/١ وأخرجه مسلم في الحدود ، باب حد الخمر ٣٨ وهيمن حديث الحسن بن علي قاله لابيه لما أمره بجلد الوليد بن عقبة. أي ولِّ الجلد من يلزم الوليد أمره ويعنيه شأنه . (٤) ذكر ابن الأثير ١ / ٣٦٧(( أنه سئل عن حريسة الجبل، فقال فيها غرم مثلها.)). (٥) أضاف الراغب في المفردات ٢٢٧ وقُدِّرأن ذلك لفظ قد تُصوّرمن لفظ الحريسة لأنه جاء عن العرب في معنى السرقة. ٥. الفائق ٢٤٩/١ وغريب ابن الجوزي ١ /٢٠٤ والنهاية ٣٦٧/١. وخاطب هو: ابن أبي بلتعة، كذا في الفائق . (٦) غريب ابن الجوزي ١/ ٢٠٤ والنهاية ١ /٣٦٧. ٣٩١ باب الحاء ٣٤٠- لنا حُلماءٌ لا يشيبُ غلامُنا غريباً ولا تُودِي إِليه الحرائسُ(١) قالَ الراغبُ(٢): وأقدَّرُ أن ذلك لفظً قد تُصوّر من لفظ الحريسة لأنه جاءَ عن العربِ في معنَى السرقةِ. ح رص : قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَتَجدنَّهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أي أشْرَه الناسِ، والحرصُ : فَرْطُ الشهوةِ وفَرظُ الإرادةِ للشيءٍ . يقالُ : حرِصَ على كذا يحرَصُ عليه إِذا فرَّطَ في محبَّتْهٍ وإمساكهِ. وقال تعالى: ﴿إِنْ تحرِصُ(٣) على هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] أي أنْ تبالغَ في طلبِك لذلك تنبيهاً على وُفُورٍ شَفقتهِ لَ ﴾. وفي الحديث:((يَشيبُّ المُ وتَشِبُّ فيه خَصلتان؛ الحرصُ وطولُ الأملِ))(٤) مثلٌ، أصلُه من حَرَصَ القِصَّرُ الثوبَ أي قشَره بدقةٍ يَعني : بالغَ فيه. والحارصَةُ: إِحدَى الشِّجاجِ العشرِ، وهي ما تَحُرُصُ الجلدَ أي تقشرُهُ، وقيلَ: تَشقُّه، هذا منقولٌ من: حَرَصَ القصّارُ الثوبَ أي شقَّهُ. والحارِصَةُ والحَريصةُ أيضاً: سحابةٌ تقشرُ الأرضَ أو تشقُّها بمطرِها . ح ر ص : قولُه تعالى: ﴿حتى تكونَ حَرَضاً(٥)﴾ [يوسف: ٨٥] الحَرَضُ: المشُفي على الهلاكِ. وقد أحرضَه كذا إِذا قرَّه للهلكة. قالَ الشاعرُ: [من البسيط ] حتى بَلِيتُ، وحتى شَفَّنِي السَّقمُ (٦) ٣٤١- إنِّي امرؤٌ لج بي همٍ فاحرضني (١) البيت في التاج (حرس) دون نسبة . (٢) المفردات ٢٢٧ . (٣) قرأ النخعي والحسن وأبو حيوة (تحرَّص) المحتسب ٩/٢ والبحر المحيط ٤٩٠/٥. (٤) أخرج البخاري في الرقاق برقم ٦٠٥٧ ((لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنين: في حب الدنيا وطول الأمل)). وانظر كشف الخفاء ٢ /٥٥٥ ومسلم في الزكاة باب كراهة الحرص على الدنيا ١٠٤٦. (٥) قرأ الحسن (حُرُضاً) الإتحاف ٢٦٧، وقرأ أنس ابن مالك (حُرْضاً) تفسير الرازي ١٨ /١٩٧ وفي الكشاف ٣٣٩/٢ (حرضاً) . (٦) البيت للعرجي في ديوانه ه . ٣٩٢ باب الحاء وأصلُه من الحرضِ وهو الفسادُ؛ قالَ ابنُ عرفةً: الحرضُ: الفسادُ يكونُ في البدنِ. والمذهَبِ والعقلِ. وقيلَ: هو في الأصلِ غيرُ المعتدِّ به وما لا خيرَ فيه. وَمِن ذلك قيْلَ للمُضنَى حَرِضٌ. ومنه الحُرْضَةُ: وهو مَن لا يأكلُ إِلا لحمَ النَّسرِ لنذالتهِ. وقال قتادةُ: حتى تكونَ حَرَضاً أي يهرمُ أو يموتُ، وفيه تفسيرٌ للفظِ يلازمُه. وقالَ الأزهريُّ: مُضنىّ مُدْنفاً، وهو حسنٌ. وفي الحديث: ((غَّفْر لنا ربُّنا غيرَ الأحراضِ))(١) جمعُ حَرَضٍ: قومٌ فِسَدتْ مَذاهبُهم، وقومٌ اسْتَوجَبوا العقوبةَ لكبائرَ فَعلوها. وقولُه تعالى: ﴿وحرّضِ المؤمنينَ﴾ [النساء: ٨٤] أي حُثَّهم وحُضَّهم. يقالُ: حرِّضْ على الأمرِ وحَارضْ وواكبْ وأكبُّ وواظبْ وواصبْ بمعنى واحدٍ. قال بعضُهم: التحريضُ: الحثُّ على الشيءٍ بكثرةِ التنزيينٍ وتَسهيلِ الخَطْبِ فيهِ كأنَّه من حرضَه أي أزالَ عنه الحَرَضَ نحو، قَذِيتُه أي أزلتُ عنه القَذَى. وأحرضتُه أي أفسدتُه نحو، أقْذِيتُه أي جعلتُ فيه القَذَى. والإِحريضُ: العصفرُ، مذكورٌ في حديث الصَّدقة(٢). ح رف: قال تعالى: ﴿ومنّ الناسِ مَن يعبدُ اللَّهَ على حَرفٍ﴾ [الحج: ١١] هذا قد فسره بما بعدَه من قوله: ﴿فإِنْ أصابَه خيرٌ اطمأنَّ به﴾ [الحج: ١١] الآية. ونظيرُه في تفسيرِه بما بعدَه: ﴿هَلوعاً إِذا مسَّهِ﴾ [المعارج: ١٩-٢٠] الآية، فكانَّهُ قیلَ: یعبدُه علی تزلزلٍ لا على ثُبُوتٍ واستقرارٍ، وذلك أنَّ حرفَ الشيءٍ طَرفُه. ومنه حَرْفُ الجبلِ والسيفِ والسُّفينةِ، لأطرافها . والحرفُ في الكلامِ: طرفٌ لأنَّه فَضْلَةٌ، أي لم يتوغَّلْ في عبادة ربِّه(٣)، وفي معناهُ (١) غريب ابن الجوزي ٢٠٥/١ والنهاية ٣٦٨/١-٣٦٩ والفائق ٢٥٤/١، وفي الفائق ((الأحراض: أراد الفاسدين المشتهرين بالبشر .؟. (٢) في الفائق ٢١٠/١-٢١١( عطاء رحمه الله -قال ابن جريج سألته عن صدقة الحَبِّ، فقال: فيه كل الصدقة ، وذكر الذرة والدخن والجلجلان والبلسن والإحريض.)) وفي النهاية ١ /٣٦٩ (( كذا وكذا والإحريض.)) وغريب ابن الجوزي ١ /٢٠٥(( ذكر عطاء في الصدقة: الإحريض؟ (٣) يشير إلى قوله تعالى ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج / ١١]. ٣٩٣ باب الحاء ﴿مُذْبِذَبِينَ بِينَ ذلك﴾ [النساء: ١٤٣] الآية. والحروفُ في العربية عاملةٌ ومُهملةٌ، مختصةٌ ومُشتركةٌ، مُتَبعةٌ وغيرُ مُتبعةٍ، مشتركةٌ في المعنى وغيرُ مُشتركةٍ، مؤكِّدةٌ وغیرُ مؤكدة، حسبما بيّناهُ في كتبِ العربيةِ. وحروفُ الهجاءِ أطرافُ الكِلِمِ. والتّحريفُ: إِمالةُ الشيءِ عن جهتهِ وصرفِهِ، ومنه تحريفُ الكلمِ، كقولهِ تعالى: ﴿يُحرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضعهِ ﴾ النساء: ٤٦]، وقوله: ﴿ثم يُحرِّفونَه﴾ [البقرة: ٧٥]، فقيلَ: تحريفُهم لهُ تبديلُ لفظٍ بلفظ آخَرَ يغيِّرُ معناهُ. وقيل: بل هو تحريفُ المعنَى دونَ اللفظِ؛ ويُعزَى لابنِ عباسٍ حَسةما بينّاهُ في كتب التفسير. يقالُ: انحرفَ وتَحْرِفَ، والاحترافُ: طلبُ حرفةٍ للمكْسَبِ. والحرفةُ: الهيئةُ التي يلزمُها في ذلك كالذِّبحةِ والجلسة. وقوله: ﴿إِلاَّ مُتحرِّفاً لقتالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] أي مائلا إليه . وقيلَ: مُستطرداً يريدُ الكرّة. وفي حديثٍ أبي هُريرةَ: ((آمنتُ بمحرِّفِ القُلوبِ))(١) أي المُزيغِ لها والمُزيلِ. وَيلَ: معنى تحريفِ الكلامِ أي يُجعلُ على حّفٍ من الاحثمالّ يمكنُ حملهُ على الوجهينِ، وهذا هو الذي يُسمى الكلامَ الموجّهَ؛ ومنه ما يحثجلُ !هلمدحُ والذمَّ، ومنه قولُ بعضِهم لأعور: [ من مجزوء الرمل] ٣٤٢ - خاطَ لي زيدٌ قِباءَ ليتُ عينيهِ سَوَاءٌ (٢) والمُحَارَفُ: اممحرومُ، أَ حارِفَه الخيرُ ومالَ عنه. والمحارفَةُ أيضاً: المجازاةُ. وفي المثلِ:(( لا تحارفْ أخاكَ بالسوءِ))(٣). أي لا تُجازِهِ. وفي الحديثِ أيضاً: ((إِنَّ الذُوُ لَيحارَفُ على عملهِ بالخير والشرِّ)(٤). قال هونُ الأعرابيّ: أحرفَ الرجلُ (٥). (١) غريب ابن الجوزي ٢٠٥/١ والنهاية ١ / ٣٧٠ يعنى المزيغ لها والمزيل، وهو الله تعالى. وأخرج البخاري في القدر ٦٢٤٣ أن النبي كثيراً ما كان يحلف ((لا ومقلب القلوب)) وأورد ذلك أيضاً برقم ٠٦٩٥٦،٦٢٥٣ (٢) البيت لبشار في معاهد التنصيص ١٣٨/٣. (٣) النهاية ١ /٥٣٧٠ أي لا تجازه)) ولم أجده في كتب الأمثال. (٤) النهاية ١ /٣٧٠ ((أي يجازى)). (٥) النهاية ١/ ٣٧٠« أحرف الرجل: إذا جازى على خير أو شر. قاله ابن الأعرابي.)). ٣٩٤ باب الحاء أيضاً المقايسةُ. وفي حديث ابنٍ مسعود: « موتُ المؤمنِ بعرقِ الجبينِ يُبقي عليه بقيةً من الذنوبِ فُيحارفُ عند الموت)) أي يُقَايَسُ بها ((فتكونُ كفّارةً لذنوبِه))(١) والمُحارفةُ: المقايّسةُ بالمحرافِ، وهو المِيلُ الذي تُسبَّرُ به الجراحاتُ. قال الهرويُّ: والظاهرُ أنه بمعنى المُجازاةِ والمعنى عليهِ. والحِرِّيفُ: ما فيهِ حرارةٌ ولدٌ كأنه مُنحرفٌ عن الحلاوةِ والمرارةٍ أو عن الاعتدال. ومنه طعام حِرِيفٌ. وقولُه عليه الصلاةُ والسلام: ((أُنزلَ القرآنُ على سَبعةٍ أُحرفٍ))(٢) فيهِ كَلامٌ طويلٌ أتقنّاهُ وضَبطنَاهُ ولله الحمدُ فِي مقدمةٍ ((التفسيرِ الكبيرِ))، والأشهرُ عندَ اللغويين فيه أنَّها لغاتٌ. قال أبو عبيد: يَعني لغاتٍ من لغاتِ العربِ، وليس معناهُ أن يكون في الحرف الواحد سبعةُ أوجهٍ، ولكن يقولُ: هذه اللغاتُ السبعُ مُتفرقةً في القرآنِ؛ فبعضُها بلغةٍ قريشٍ، وبعضُها بلغةٍ هَوازِنٌ، وبعضُها وبلغةٍ هُذِيلٍ، وبعضُها بلغةِ اليمنِ، وبعضُها بلغةً تميم. ويؤيدُه قولُ ابن مسعودٍ: سمعتُ القراءَ فوجدتُهم مُتُقابلين، فَاقْرِؤُوا كما عُلِّمْتُمْ إِنما هو كقولٍ أحدكم: هَلِمَّ وتعاَلَ وأقبِلْ. وهذا قول أبي عبيدٍ وثعلب. قلت: وهذا منسوخٌ :إِجماعاً كما حقَّقْنَاهُ. وإنّما ذكرتُه هُنا بخصوصٍ لئلا يغترَّبِهِ مَن يطُّلِعُ عليهِ، فإِنَّه مشهورٌ بینَ اللغویینَ. والنَّاقةُ يقالُ لها حَرف، فقيلَ: لعظمِها تَشبيهاً بحرف الجبلِ، وقيلَ لدقّتها تَشبيهاً. بحرفِ الهجاءِ. قالَ كعبُ بِنُ زهيرٍ في أحسنِ القصائدِ لكونِها مِدحةً النبيِّ مَ له: [ من . البسيط ] ٣٤٢- حَرْفٌ أُبُوها أخوها من مُهجنة وعمُّها خالُها قَوداءُ شمْلِيلُ (٣) وقالَ آخِرُ مُلغزاً في ناقةٍ وراكِبها: [ من الطويل] ٣٤٤- وحرف کنون تحت راءٍ ولم یکن بدالٍ يؤمُ الرسمَ غيَّرَهُ النَّقْطُ (٤) (١) الفائق ٢٥٣/١ والنهاية ٣٧٠/١ وغريب ابن الجوزي ٢٠٥/١. (٢) أخرجه البخاري في الخصومات ٢٢٨٧ ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها ٨١٨ ومسند أحمد ٢٤/١، ٤٠ غريب ابن الجوزي ٢٠٥/١ والنهاية ١ /٣٦٩ وغريب الهروي ١٥٩/٣. (٣) ديوانه ١١. (٤) البيت للمعري في شروح سقط الزند ١٦٥١ وشرح الكافية البديعية ١٢٨« الحرف: الناقة المضمرة،= .. ٣٩٥ باب الحاء شَبَّه الناقةَ بالنون لدقّتها وطولها. وراءٍ: اسمُ فاعل من رأى أي ضرب رئتها. ودالٍ: اسمُ فاعل مِن دَلا يَدلو. قال: [من الرجز] ٣٤٥ - لا تُضْرِباها وادْلُواها دَلْوَا(١) ويؤمُّ: يقصدُ. والرسمُ: أثرُ المزارِ. والنقطُ: المطرُ. ح رق: قوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عذابَ الحريقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]. قيلَ: الحريقُ: النارُ. يقالُ: أحرقَ كذا واحترقَ والحرقَ: ارتفاعُ حرارةٍ في الشيءِ من غير لهبٍ كحرقِ الثوبِ بالدقِّ، وحرقِ الشيءٍ إِذا بُردّ بالمبردِ. وقولُه تعالى: ﴿لُنحرِّقَنَّهُ (٢)﴾ [طه: ٩٧]. قيلَ: هو من التَّحريقِ بالنارِ، وقيلَ: من التحَريقِ بالمبردِ، لأنه كان ذَهباً، ويؤيِّدُه قراءةُ (( لَنحرِقَنَّه(٣)))؛ يقالُ: حَرَقَه بالمِحْراقِ والمِحْرَقِ أي بَرَده. وعنه استُعيرَ: حَرَقَ نَابَه وَ حَرَقَ عليهم الأُرَّمَ. وحَرِقَ الشَّعرُ: انتشَرَ، وماءٌ حُرَاقٌ: يحرِقُ بملوحتهِ. والإِحراقُ: ارتفاعُ نارٍ ذاتٍ لهبٍ في الشيءٍ، وعنه استُعيرَ: أحْرَقَني بلومهِ: بالغَ فيهِ. وفي الحديث: (( شرِبَ رسولُ اللَّهِ لَّهُ الماءَ المُحْرَقَ من وَجَعِ الخاصرةِ)) (٤)، والمُحرَقُ: هو المُغْلَى بِالحَرَقَ؛ والحَرَقُ: النارُ بَعينها. وأنشدَ لرؤبةً: [من الرجز] شَدّاً شديداً مثل إِضرامِ الحَرَقْ (٥) ٣٤٦ - تكادُ أیدیھا تَھاوَی بالزّلَقْ =المضمرة والنون من الحروف ، شبهها بالنون لدقتها . تحت راء : تحت رجل يضرب رئتها. بدال : برافق . الرسم: رسم الدار . النقط : المطر .) (١) صدر بيت في اللسان (ولا، غدا) والمخصص ٦٠/٩ وشذور الذهب ٤٤٤ والدر المصون ٤٥٩/٦ وشروح سقط الزند ١٦٥١. وعجزه: (إن مع اليوم أخاه غدوا ). (٢) قرأ أبو جعفر والحسن وقتادة وابن مسعود ورجاء الكلبي (لتُحْرِقَتَّهُ)، وقرأ أبو جعفر وابن وردان والأعمش وعلي وابن عباس وحميد وعمرو بن فايد وابن محيصن والأشهب العقيلي (لنَحْرُقُهُ) البحر المحيط ٦ /٢٧٦ والإتحاف ٣٠٧ والنشر ٣٢٢/٢. وقرأ ابن مسعود وأبيّ (لنَذْبَحْتُّهُ ثم لتَحْرُقَتُهُ) البحر المحيط ٢٧٦/٦. وقرأابن مسعود (لنّذْبَحَنُّهُ) الكشاف ٥٥٢/٢. (٣) هي قراءة علي وأبي جعفر( مختصر ابن خالويه ٨٩). (٤) غريب ابن الجوزي ١ /٢٠٧ والنهاية ٣٧١/١. (٥) ديوانه ١٠٦ واللسان: حرق. ٣٩٦ باب الحاء وحَرقُ النارِ: لهبُها أيضاً. وعن عليٌّ: ((كذبتْكم الحارقةُ))(١)؛ هذه لفظةٌ يُغْرِى بها، نحو: عليكم الحارِقَةُ؛ والحارقةُ: التي تَغلبُها شهوتُها حتى تحرُّقَ على أنيابِها (٢)، وقيل: هي الضيّقةُ الملاقي(٣). وقِيلَ: هي تَثبتُ للرجلِ على حارقِها أي على شِقِّها وجَنْبها. وقيل: هي النِّكاحُ نفسُهُ، وهذا أقربُ: فإِن النكاحَ سنَّةٌ وهو اللائقُ بكلام الإمام. وقولُه: ﴿فلهمُ عذابُ جهنَّمَ ولَهُم عذابُ الحريقِ﴾ [البروج: ١٠] قيل: عذاب جهنَم لكفرِهم، وعذابُ الحرِيقِ لإِحراقِهم المؤمنينَ. ح ر ك: قولُه تعالى: ﴿لا تُحرِّكْ به لسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]. حركةُ اللسانِ عبارةٌ عن النطقِ، كانَ يعاجلُ جبريل عليه السلامِ. فَأُمَرَ بأن يسْمِعَ منِهِ ثمَّ يقرأ، كقوله: ﴿ولا تَعجلْ بالقرآنِ من قبلٍ أنْ يُقْضَى إِليكَ وَحَيُّهُ ﴾ [طه: ١١٤]. والحركةُ ضدُّ السكونِ، وهي انتقالِ الجسمِ من حيِّزٍ إِلى حيزٍ. وقد يُعبِّرُ بها عن الاستحالة وعن الزيادة وعن النقصان؛ فيقالُ: تحرَّكَ كذا أي استحالَ أو زادَ أو نقصَ؛ تصورَ الانتقالَ من حالة إِلى حالةٍ. ح رم: الحِرْمُ: المنْعُ، وكذا الحرمُ. وقُرئٍّ: ﴿وحرامٌ (٤) على قَربة﴾ ﴿وَحَرُمٌ(٥) ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي ممنوعٌ رجوعُهم. والاشهرُ الحرمُ لكونها ممنوعاً فيها القتالُ جاهليةٌ (١) النهاية ١ / ٣٧١ والفائق ٢٥٣/١، وفي غريب ابن الجوزي ٢٠٧/١( عليكم من النساء بالحارقة)). .(٢) القول ذكره ابن الجوزي في غريبه. وفي الفائق ((كأنها التي تضم الفَعْلَ ضَمّ العاض الذي يحرق أسنانه. ويقال لها : العضوض والمصوص . (٣) هو قول ابن الأعرابي في غريب الحديث ١ /٢٠٧، والفائق ١ /٢٥٣. (٤) قرأحمزة والكسائي وعاصم وأبو عمرووالأعمش وطلحة وشعبة وابن عباس وابن مسعود وعلي وابن وثاب والنخعي وعكرمة وسعيد بن جبير (وحِرْمٌ) النشر ٣٢٤/٢ والسبعة ٤٣١ البحر المحيط. ٣٣٨/٦ . وقرأ قتادة وابن عباس وأبو عمرو (وحَرْمٌ) وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن المسيب وقتادة وسعيد. ابن الجبير (وَحَرِمَ)، وقرأ ابن عباس وعكرمة وأبو العالية ومطر الوراق وقتادة (وَحَرَم) البحر المحيط ٣٣٨/٦ والمحتسب ٦٥/٢ وقرأ ابن عباس واليماني (وحرم) البحر المحيط ٦ /٣٣٨ وقرأ ابن عباس (وحرمٌ ) القرطبي ٣٤٠/١١ (٥) قرأها ابن عباس وأبو العالية وزيد بن علي وعكرمة البحر المحيط ٦ /٣٣٨ وإملاء العكبري ٧٥/٢. ٣٩٧ باب الحاء وإِسلاماً، وهي: ((ذو القَعدة، وذو الحجَّة،،المحرَّمُ، ورجبُ مضرَ بين جُمادَى وشعبانَ))(١) وكذا في الحديث وأمّا إِضافتُه لمضرَ فلأنها اختصَّتْ بتحريمهِ. وَقَيِّدَهُ بما اكتنفه تحرِّزاً من الشرِّ. وقد حقَّقنا هذا في ((القولِ الوجيزِ في أحكام الكتاب العزيز)). ويقابلُه الحِلِّ والحلالُ لأنه إِطلاقٌ. كما أنَّ ذلك منعٌ، ثم المنعُ إِمّا بتسخيرٍ إِلهيُّ كقولهِ: ﴿وحرَّمْنا عليه المَراضعَ من قبلُ﴾ [القصص: ١٢]، وإِما بمنعٍ من جهةِ العقلِ، وإِمّا بمنعٍ من جهةِ الشرع، أو من جهةٍ مَن يرتسمُ أمرَهُ، وإِما بمنعٍ بشريّ. قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّها مُحرَّمَةٌ عليهم﴾ [المائدة: ٢٦] هذا من جهة القهرِ بالتَّسخيرِ الإلهي. وقولُه: ﴿فقد حرَّمَ اللَّهُ عليه الجنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] هذا بالقهر، وقولُه: ﴿وهو مُحرَّم عليكُم إِخراجُهم﴾ [البقرة: ٨٥] أي في شرعكم. وقولُه: ﴿لَم تُحرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لكَ﴾ [التحريم: ٢] كان قد آلى من نسائه، وفيه تعليمٌ لأمته أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يُحرِّمَ ولا يُحلّلَ من قبلِ نفسهِ بل بحكم الشرعِ. والبيتُ الحرامُ والمسجدُ الحرامُ لكونهِ حُرِّم على الجبابرةِ ومُنَعَ منهم، أو لاته حُرِّم فيه أشياءُ وهيَ حلالٌ في غيرِهِ كالاصطيادِ وقطعِ الأشجارِ ونحو ذلك. والشهرُ الحرامُ لمنع القتالِ فيه. وكانوا يُسمّون رَجباً مُنْصِلَ الأُسنَّةِ والأَصم لأنه لم يُسمعْ فيه قَعقعةٌ سلاح. وقولُه: ﴿للسائِل والمحرومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أي الممنوع من رزقٍ وُسُّع به على غيرهِ. وفسَّره بعضُهم بالكلب لا على أنه اسمٌ له بل لحرمانه كثيراً(٢). والحُرَمُ: جمعُ حُرْمةٍ وهنَّ النساءُ لامتناعهنَّ. والمَحْرمُ من المرأةِ الممنوعُ من نكاحها. قولُه: ﴿وأنتم حُرُمٌ﴾(٣) [المائدة: ١] جمعُ حَرام؛ يقالُ: رجلٌ حرامٌ ومُحْرِمٌ. ومعنى ((حُرُمٌ)) أحرمْتم بالحجِّ أو دخلتُم الحَرمَ؛ يقالُ: أحرمَ: أهلَّ بحجٌ أو عُمرةٍ أو دخلَ (١) أخرجه البخاري في بدء الخلق ٣٠٢٥ وذكره ابن الأثير فى النهاية ١٩٧/٢. (٢) هذا القول أحد المعاني التي ذكرها ابن كثير ٤ /٢٥١، وذكر: أن السائل هو الذي يبتدئ بالسؤال وله حق ، والمحروم هو المحارف الذي لاسهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها. وقال قتادة : المحروم : الذي لا يسأل الناس شيئاً ... (٣) قرأ النخعي والحسن وابن وثاب (حُرْمٌ) المحتسب ٢٠٥/١ والإتحاف ١٩٧. ٣٩٨ باب الحاء الحرم . قوله: ﴿وَمَنْ يُعِظِّمْ حُزُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣] أي شعائرَه ونسائكه الممنوعةً من الإحلال بها والتفريطَ فيها. ورجلٌ يَحْرُمُ: يمنعُ أن يقعَ به شيءٌ؛ قالَ زهيرٌ: [من الطويل] وكم بالقَتانِ من مُحِلّ ومُحرم(١) ٣٤٧- جَعَلنَ القَنانَ عن یمینٍ وِحولَهُ ويقالُ للصائمِ مُحرِماً لامتناعهِ ممّا يجرحُ صومه، قال الراعي: [من الكامل] ٣٤٨- قَتلوا ابنَ عفّانَ الْخليفةَ مُحرِماً ودَعا فلم أرشِلَه مَخذولا(٢) قالَ أبو عمرٍ: وصائماً، وقالَ غيرُه: لم يحلَّ من نفسهِ شَيئاً. والحَرَمُ والحُرْم: بمعنى الإِحرام؛ وعن عائشة رضيَ اللَّهُ عنها: «كنتُ أطيبهُ لحِلَّهِ وحُرَّمِهِ))(٣). وسَوْطٌ مُحرَّمٌ: لم يُنْعَّمْ دباغُه؛ ففيهِ منعٌ ما، والحِرْمَةُ: الغُلْمَةُ، ومنه: استخرمت الشاةُ غيرَهُ: اشتهتِ الفحلَ، فهو حِرْمِيٍّ من غيرِ تغيير، وفي الحديث: ((إِنَّ فلاناً كانَ حِرْمِيَّ رسولِ اللَّهِمَلُ)) (٤) ينبغي على هذا أن تُقرأ بكسر الحاءِ وسكونِ الراء. ح رو: قولُه: ﴿فَأُولِئُكِ تَحرَّوا رَشَداً﴾ [الجن: ١٤]. النَّحرِّي: الاجتهادُ وبذلُ الطاقةِ في طلب الصواب. ومنه التَّحري في القِبلة والأواني، وأصلُه مِن حَرَى الشيءَ يَحْرِيهِ أي قَصدَ حَرَاهُ أي جانبَه، وتَحراهُ كذلك. وحَرَى الشيءُ يَحْري أي نَقصَ كأنه لزِمَ حَراه ولم يمتدَّ. قالَ الشاعرُ: [ من الكامل] ٣٤٩ - والمرء بعدَ تَمامِهِ يَحْري(٥) (١) ديوانه ٢٠ . ۔۔ (٢) ديوانه ١٤٤ . (٣) أخرجه البخاري في الحج برقم ١٤٦٥ ومسلم في الحج ، باب الطيب للمحرم عند الإحرام برقم .. ١١٨٩ ومسند أحمد ٩٨/٦، ١٣٠، وذكر الحديث في النهاية ٣٧٣/١ وغريب ابن الجوزي ٢٠٨/١ . (٤) غريب ابن الجوزي ١ /٢٠٩ والنهاية ٣٧٥/١. (٥) عجز بيت لسُلْمِيّ بن عُوَيَّة الضبي وصدره: (حتى كأني خاتل قنصاً). وهو من قصيدة في مجالس ثعلب ٢٤٦ ومعجم الشعراء ١٧٥ وأمالي القالي ١٧٠/٢. : ٣٩٩ باب الحاء وفي الحديث:(ما زالَ جسُمه قبلَ وفاته عليه الصلاةُ والسلامِ يَحري))(١) وكذلك: ((ما زالَ جسمُ أبي بكرٍ يَحْري حتى لحقَ بهِ))(٢). قال أبو نخيلةَ العمانيُّ:[ من الرجز] في بدنٍ يَنْمِي وعَقْلٍ يَحْري(٢) ٣٥٠ - ما زال مجنوناً على اسْتِ الدُّهرِ ورماهُ اللَّهُ بأفعَى حاريةٍ أي ناقصةِ الجسمِ وهيَ أخبثُ، قال النابغة: [ من الطويل] ٣٥١- فبتُّ كَأَنِّي ساوَرَتْنِي ضَعَيلَةٌ مِنَ الرِّقْشِ في أنيابِها السُّمُّ نَاقِعُ(٤) والضئيلة: الناقصةُ الجسمِ. فصل الحاء والزاي ح زب: قالَ تعالى: ﴿كلُّ حِزْبٍ بما لديهم فَرِحونَ﴾ [المائدة: ٥٣] الحزْبُ: الجماعةُ فيها غلظٌ. وقيلَ للجند: حزبٌ والجمعُ أحزابٌ. قال تعالى: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزابَ ﴾ [الأحزاب: ٢٢] أي الجماعات الكثيفة. وتَحزَّبوا تجمَّعوا. والحزبُ: ما يوظّفُه الرجلُ على نفسهِ من قراءة أو صلاةٍ. وفي الحديث:(طرأ عليَّ حِزْبي))(٥) وقوله: ﴿ أولئك حزبُ الله﴾ [المجادلة: ٢٢] أي جندُه وأنصارُه. والحزْبُ أيضاً: النَّوبة في وِردِ الماءِ. والحازِبُ: ما نابكَ من شُغْلٍ. وفي الحديث: (( كان إِذا حَزَبَه شيءٌ فزِعَ إِلى الصلاةِ))(٦) أي نابَه وطراً . الحُزْنُ والحَزَنُ نعتانِ كالعَدَم والعُدْمِ: خشونةٌ في النفسِ لما يلحقُها من الغَمِّ؛ ح زن: (١) غريب ابن الجوزي ٢٠٩/١ والنهاية ٣٧٥/١. (٢) الفائق ١ /٢٥٢ والنهاية ٣٧٥/١. (٣) الرجز لابي نخيلة في اللسان والتاج (أست) والأساس (سته). (٤) ديوانه ٣٣ وفيه ((الضئيلة: حية دقيقة قد أتت عليها سنون كثيرة، فقلّ لحمها، واشتدسمها.)) (٥) ((أي بدأت حزبي وهو الورد الذي فرضه على نفسهُ أن يقرأه كل يوم، فجعل بدأته فيها طرأ منه عليه النهاية ٣٧٦/١ والفائق ١٨٠/٢ (٦) النهاية ١ / ٣٧٧(أي إذا نزل به مهم أو أصابه غم)). ٤٠٠ باب الحاء : يقال: حَزَّنَ يَحْزَنُ حُزْناً فهو جَزِينٌ. وأحزنْتُه وحَزَنْتُه قيلَ: بمعنىّ، وقيل: أحزنْتُه: جعلتُ له ما يَحزَنُ بهِ. ويقالُ: أحزنتُه فهو محزونٌ ولا يقالُ: مُحزَنّ وإِن كان الاصل كما جببتُه فهو مَجبوبٌ، وأصلُه من الأرضِ الحَزْنة أي الخشنة؛ يقالُ: أرض حَزْنَةٌ، ووادٍ حزنٌ ويُضادُّهِ السَّهلِ. وقد حُزْنَ حُزُونَةٌ مثلُ سَهُلَ سُهولةً، ويضادُّ الحزنَ الفَرحُ، وباعتبارِ الخشونةِ بالغمِّ يقالُ: خَشُنتْ مصدره إِذا حَزْنَتُه. قولُه: ﴿ولا تَحزنْ﴾ [ الحجر: ٨٨] ليس بنهي عن تحصيلِ الحُزن لانَّ ذلك لا يَدخلُ على الإنسانِ باختيارِهِ إِنما المرادُ عن تَعاطي أسبابه كما أشار إِليهِ مَنْ قالَ: [من الطويل ] ٣٥٢- ومن سرَّه أنْ لا يرى ما يسوءه فلا يَتَّخِذْ شَيئاً يخافُ له فَقَدا(١) وفيه حِثٌّ على أنَّ الإِنسانَ يَنبغي أنْ يُوظبَ نفسَه على ما عليهِ جبلَةُ الدُّنيا، حتى إِذا دَهُمهُ داهيةٌ من نوائبها لم يَجِزِعْ لها لما عندَه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْنَبلوَنْكُمْ بشيءٍ منَ الخوف والجوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآية لأنَّ أحد الإنسان على غيره ونعيه أعظمُ من إعلامهِ . وعن بعضِهِم أنه نُعيَ إِليه أخوهُ فقالَ: سَبقَكَ بها غيرُك. فقالَ المُخبرُ: لم يعلمْ به أحدٌ قبلي! قال: بلى قد أخبرني بذلكَ. قوله: ﴿كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ ﴾ آل عمران: ١٨٥]. وقرئُ ﴿ لا يَحْنْكَ﴾[المائدة: ٤١] من حَزِن وأحزنَ، وكذا كلِّ مضارعٍ إِلا التي في الأنبياء حسبما بيَّناه في ((العقدِ)) وغيرهِ. فصل الحاء والسين ح س ب : الحُسبانُ: الظنُّ، قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ (٢) أَيْقَاظاً﴾ [الكهف: ١٨]. وقد يجيءُ يَقيناً كقولِ الشاعرِ: [ من الطويل] (١) البيت لابن الرومي في ديوانه ٨٠٦/٢ ومحاضرات الأدباء٣٢٥/٢. (٢) قرأ الكسائي ونافع وأبو عمرو وابن كثير بكسر السين (وتحسبهم) الكشاف ٤٧٥/٢ والغيث ٢٧٨.