Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب الثاء
السماواتِ والأرض﴾.
قولُه: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨] أي نفْسٌ مُثْقِلةٌ بأوزارِها
ومآئِمها. قولُه: ﴿ولَيَحمِلُنَّ أثقالَهم وأثقالاً معَ أثقالِهِم﴾ [العنكبوت: ١٣] أي ذنوبهم
التي تَبَّطْتُهم عن اكتسابِ الثوابِ فهذِهِ أثقالَهم وأثقالاً معها وهي إِغواؤهم غيرَهُم حين
أَضَلُّوهم عن الحقِّ، كما يقولُ تابعوهم: ﴿رَبَّنَا آتِهِم ضِعِفَيْن مِنَ العَذابِ﴾
[الأحزاب: ٦٨ ].
قولُه: ﴿إِنّا سَنُلقي عليكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] أي له قدرٌ وخَطَرٌ. يقالُ: ثَقَلتُ
الشيءَ: إِذا وازنْتُه. وقيلَ: إِنَّ معناهُ أَنَّ أوامرَ اللَّهِ ونواهِیَه وفرائضه لا يؤدِّیها أحدٌ إِلا بتكلف
ما يَثْقُلُ(١).
قولُه: ﴿فلما أَثْقِلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] كنايةٌ عن ظهورِ حَملِها، لأنها تَثْقُلُ عن
الحركة. وقيلَ: معناهُ صارتْ ذاتَ ثِقلٍ نحو: أثقلتِ الأرضُ. قولُه: ﴿مِثِقالَ حَبَّةٍ﴾
[الأنبياء: ٤٧]، ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] أي زنةُ ذلك. والمثقالُ ما يوزَنُ بهِ. قال
الشاعرُ: [من الطويل]
٢٤٣ - وكُلاَّيُوفّهِ الجَزاءَ بمثقالٍ (٢)
وغلبَ في التعارُفِ على قدرٍ مخصوصٍ مِنَ الذَّهبِ لم يَتغيَّرْ جاهليةً ولا إِسلاماً.
قولُه: ﴿اثّاقَلْتم إِلى الأرضِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي أَخلدْتُم إِليها. وقال البصريونَ:
يقالُ: ثقلتُ إِلى الأرضِ: اضْطَجعتُ عليها واطْمانَنْتُ. فانَّاقلتُم: تَفاعَلتُم مِن ذلك. وإنما
أُدغمتِ التاءُ في الثاءِ فسُكِّنتْ، واجتُلبتْ همزةُ وصلٍ، ومثلُه، ﴿ادَّارَاتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢]
الأصلُ تَدارأتُم كما حقَّقْناهُ في غيرِ هذا. وقيلَ: لأنَّ مَيَلانَهم إلى أسفلَ كالحجرِ.
وقولُه: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] هما الإِنسُ والجنّ. قيلَ: سُمِّيا بذلك
لتشقُّلهما الأرضَ. وقيلَ: لأنَّ لهما قدراً وخطراً، وذلك لما فُضِّلا بهِ عن سائرِ الحيوانِ من
(١) قيل : ثقيل وقت نزوله من عظمته ، كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنزل على رسول الله
** وفخذه على فخذي ، فكادت ترضّ فخذي. تفسير ابن كثير ٤ /٤٦٤.
(٢) الغريبين ٢٩٠/١.

٠
٢٨٢
باب الثاء
العقلِ والتَّمييزِ والتناوُل بالأيدي، ولا سيَّما بني آدمَ، لقولهِ: ﴿ولقد كرمْنا بني آدمَ﴾ الآية
.[الإسراء: ٧٠] وقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إِنِي تاركٌ فيكم الثقلينِ؛ كتابَ الله
وعِْرَتي))(١) فيهِ وجهان أحدُهُما: أنَّ لهما قَدراً عظيماً ووزناً خطيراً، ولذلك سُميت بيضةٌ.
النَّعامِ ثقلان(٢) .. وقالَ ثعلبٌ(٣): لأنّ أخْذَهما ثَقيلٌ والعملَ بهما ثَقيلٌ.
قوله: ﴿فمن ثَقُلتْ موازينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومن خفَّتْ موازينُه﴾
[ الأعراف: ٩] إِشارةٌ إِلى كثرةِ الخيرِ والحسناتِ، وإِلى قلَّتِهما. والصحيحُ أنَّ الأعمالَ تُوزَنُ
حقيقةً بأنْ يجعلها القادرُ على كلِّ شيءٍ جزاءَ ما توزَنُ فتْقُلُ وتَطيشُ. وقيلَ: هو عبارةٌ عن
عدل الله وإِنصافه، كما يُعدلُ بِالْميزانِ من غيرِ حَيْفٍ. وقد حقَّقْناهُ في ((التفسير الكبير)).
فصل الثاء واللام
ٹ ل ث:
الثلاثةُ والثلاثون: عددان معلومان، والثُّلثُ والثُّلثان جزءان معلومان. قال تعالی:
﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساءِ مَثْنِى وَثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي اثنتينِ اثنتينٍ،
وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. على أنَّ الواوَ بمعنى أو كما وقعتْ أو موقعَ الواوٍ كما هو مقرَّرٌ في
مَوضعهِ. وقوله: ﴿أُولي أجنحةٍ مَثْنِى وَثُلاثَ ورُباعَ﴾ [فاطر: ١] كذلك الواوُ على بابها أو
بمعنى أو. والظاهر أنّها في الآيَتَين على بابها، وأنَّ المعنى: لينكحْ بعضُكم مَثْنِى، وبعضُكم
ثلاثَ. و کذلك الملائکةُ بعضهم ذو مثْنی وبعضُهم ذو ثلاثَ. ومَثْنی وثلاث معدولون عن
عدد مكرَّرٍ. فمن ثمَّ مُنع من الصَّرَفِ. وزَعم الظاهريون أنه يُزوَّج بتسع (٤) لقوله: ﴿ مَثْنی
وَثُلاثَ ورُبَاعٍ﴾، وذلك لجهلهم باللغةِ إِذا كان يَقْتضي الظاهر أنه يجوزُ التَزوَّجُ على
(١) غريب ابن الجوزي ١٢٦/١ ومسند أحمد ١٤/٣ والنهاية ٢١٦/١ ومسلم في فضائل الصحابة
والدارمي في فضائل القرآن .
(٢) فراغ في الأصل وتتمته من اللسان ((ثقل ٨٨/١١)، ولعل الفراغ هو ((لانها مصون)) ففي اللسان
(( وأصله في بيض النعام المصون)
(٣) لعل قول ثعلب هو الوجه الثاني الذي قصده المؤلف. وفي اللسان ((فسماهما ثقلين: إِعظاماً
لقدرهما، وتفخيماً لشأنهما). وفي غريب ابن الجوزي (( في تسميتها بالثقلين قولان: أحدهما
أن العمل بمقتضاهما ثقيل . والثاني: لعظم قدرهما »
.
(٤) تفسير ابن كثير ١ /٤٦٠.
--

٢٨٣
باب الثاء
زَعمهم بثمان عشرةَ امرأةً لما ذكرنا من أنَّ أصله عددٌ مُكرَّر وقد تكلمنا معهَم في ((القول
الوجيز)) وغيره.
وقولُه: ﴿ثلاثُ عَوراتٍ لكم﴾ [النور: ٥٨] أي ثلاثُ أوقاتٍ عوراتٍ، وهي
مفسّرَةٌ في قولهِ: ﴿ من قبلٍ صلاةِ الفجرِ وحينَ تَضَعونَ ثيابَكُم منَ الظُّهيرة ومن بعد صلاة
العشاء﴾ [النور: ٥٨] لأنَّ الإنسان يُلقي ثيابَه مِن عليهِ هذه الأوقاتَ، فيبدُو منهُ ما يَكرهُ
اطلاعُ غيرِهِ عليهِ.
قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ ثالثُ ثلاثةِ﴾ [المائدة: ٧٣] أي أحدُ ثلاثة
آلهة. قال أبو منصورٍ (١): وذلك أنَّ مَتَى أُضيفَ فاعلٌ من العدد إِلى مُماثله كان معناهُ أنه
أحدُها، فإِنْ أضيفَ إِلى ما تحتَّه نحو: رباعُ ثلاثةٍ معناهُ جعل الثلاثةَ أربعةً. ويجوزُ تنوينُه
ونصبُ ما بعدَه.
قولُه في الحديثِ: ((شرِّ الناسِ الثالثُ))(٢) يَعني الساعي بأخيه لأنه يُهلك ثلاثةٌ:
نفسَه وأخاهُ وإِمامَه. وثلَّثَ القَومَ: أخدَ ثُلثَ مالِهم. وثلَّثَهم: صارَ ثالثَهم. إِلا أنَّهم فرَّقوا
بينَهما في المخارجِ، فقالوا في الأولِ: يثلّثُهم بالضمِّ، وفي الثاني يثِثُهم بالكسرِ. وثَّقْتُ
الشيءَ: جعلتُه أثلاثاً. وأثلثَ القومُ: صاروا ثلاثةً. وأَثلثتُ الدراهمَ: جعلتُها ثلاثةً، فأثلثتْ
هي. ورجلٌ مَثلوثٌ: أُخذَ ثلثُ ماله. وحبلٌ مثلوثٌ: مفتولٌ على ثلاثٍ قُوىً. وأثلثَ الفرسُ
وأربعَ: إِذا جاء في الحلبة ثالثاً ورابعاً. وناقةٌ ثَلوثٌ: تُحلبُ من ثلاثةِ أخلافٍ.
العنبُ: أدرَكَ ثُلْشَاهُ. وأثلثَ البُسْرُ إِذَا بَلَغِ الإِرطابُ ثُلثيهِ. وثوبٌ ثُلاثيٍّ: أي ثلاثةُ وثلْثَ
أذرُعٍ. والثلاثاءُ والأربعاءُ قيل: ألفُ التأنيثِ بدلٌّ من تائه نحوُ حَسْنةٍ وحَسناءَ، وخصّاً
بهذينِ اليومينِ.
ٹ لے ل:
قولُه تعالى: ﴿ثُلّةٌ مِنَ الأوَّلِين﴾ [الواقعة: ١٣].
(١) يقصد الأزهري في تهذيب اللغة .
(٢) في حديث كعب أنه قال لعمر رضي الله عنه :( أنبغنى ما المثلث؟ فقال لا أبالك. شر الناس
المثلث)، والحديث في الغريبين ٢٩٣/١ والنهاية ٢١٩/١ وغريب ابن الجوزي ١٢٧/١. وفي
الكتب الثلاثة وردت ((المثلث)) بدل (والثالث))

٢٨٤
باب الثاء
الثُّلّةُ : الجماعةُ من الناس، وأصلُه من ثَلَّةِ الغَنمِ وهي جماعتُها. ويقالُ لصوفها أيضاً:
ثَلَّةٌّ، وذلك بفتح الثاءِ بخلافٍ ثُلةِ الناس، فإِنها بالضمّ فقط. فباعتبارِ الاجتماعِ قيلَ للجماعةِ.
منَ الناسِ: ثُلُّة، وكأنهم غايَروا بينَ الجماعتين ليقعَ الفرقُ. قالَ: [من الرجز]
٢٤٤ - لو أن نوقاً لك أو جمالاً
أو ثُلةً من غنمٍ إِمّا لا(١)
وأثللْتُ عرشَه وثَلتُه فهو مُثَلِّ ومَثْلولٌ أي أسقطتُ منه ثُلَّةً. وَرُبَيَ عمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عنها
في المنامِ فسُئِلَ عن حالهِ فقالَ: ((كادَ يُثَلُّ عِرشي)(٢)، كنَّى بذلك عن حَولِ المطلع. وإِذا
كان الحالِ كذا مع الفاروقِ فما ظنُّكَ بِنا؟ قالَ القُتيبيُّ: العرشُ هنا إِمّا كنايةٌ عن سريرٍ
المُلكِ، وإِمَّا عن عرشِ الملكِ، وهو بيتٍ يُنصَبُ من عيدانٍ ويُظلَّلُ، وأيُّهما كان فهدمُهُ
هلكةٌ لصاحبهِ. فكنَّى بذلك رضيَ اللَّه عنه عن شدةِ الأمرِ وتفاقُمهِ. وقيلَ: ثَللِتُ عِرشَه:
هدمْتُه. وأثلتُه: أمرتُ بإِصلاحهِ. فالهمزةُ فيهِ للقلب، أي أَزلتُ ثُلَّهُ وثلَلتُ كذا: تناولتُ.
ثَلةً منه.
والثََّلُ: قصرُ الأسنانِ لسقوطِ ثَلَّةٍ منها. وأثلَّ فُوهُ. سَقطتْ أسنانُه: تَثَلَّلَتِ الركيَّةُ:
تهدَّمتْ، وفي الحديث: ((لا حِمىٌ إِلاّ في ثلاثٍ: ثَلَّةِ البئرِ))(٣)؛ قالَ أبو عبيد: هو أن
يُحفرَ في أرضٍ غيرِ ملكٍ لأحدٍ، فَلَّهُ مِن حَوالَيْها ما تُلقَى فِيهِ ثَلَّةُ البئرِ، أي ما يخرجُ من
تُرابِها.
فصل الثاء والميم
ٹ م د:
قوله تعالى: ﴿وأمّا ثَسودُ فَهديناهُم﴾ [فصلت: ٤١]، فثمودُ مشتقّ من
الثَّمدِ، وهو الماءِ القليلُ الذي لا مادَّةَ لَهُ. وكانَ لهم تُمِدٌ قسَمه صالحٌ بينَهم وبينَ الناقةِ كما
هوَ مشهورٌ في القصةِ، وَقيلَ: لا اشتقاقَ له لأنّه أعجميِّ؛ فعلى الأُولِ يمتنعُ من الصَّرْفِ
اعتباراً بتأنيث القبيلة، وعلى الثاني باعتبارِ العُجمةِ. وقُرئً بالصرفِ وعدمهِ مُتواتِراً حسبما
(١) الرجز دون عزو في اللسان (أمرع ٣٣٥/٨) والدر المصون ١٩٧/١٠ والهمع ١٢٢/١ والدرر
٩٤/٢ (الكويت) .
(٢) غريب ابن الجوزي ١٢٨/١ والنهاية ١ /٢٢٠ ويضرب مثلاً الرجل إذا ذل وهلك.
(٣) غريب ابن الجوزي ١٢٧/١ والنهاية ٢٢٠/١، وتتمة الحديث ((وطول الفرس وحلقة القوم)).

٢٨٥
باب الثاء
بيَّنَاهُ في مواضعهِ من (( العقدِ النَّضيدِ)) وغيرِه.
وفي الحديث: ((فافْجُرْ لَهُمِ الثَّمَدَ))(١) أي اجعلُهُ يَتَفجّرُ كثرةٌ بعدَ قلةٍ. ورجلٌ مَثْمودٌ
أي ثمدَتْه النساءُ فَقَطَعْن مادةَ مائهِ لكثرةٍ غشيانهِ لهنَّ. ورجلٌ مَثمودٌ أيضاً: إِذا كثُر عطاؤه
حتى هدَّ مادةَ ماله.
ٹ م ر:
الثَّمرُ: حملُ الأشجارِ، واحدُه ثمرةٌ، ثم يُجمعُ على ثمارٍ، ثم يُجمعُ ثمارٌ على ثُمُرٍ
بضمتينٍ، ثم يُخففُ جوازاً بتسكينٍ ثانيهِ، ومن ثمَّ قُرئَ: ﴿ليأكُلُوا من ثَمرِهِ﴾ [يس: ٣٥]
و﴿ انظُرُوا إِلَى ثَمَرَهِ (٢)﴾ [الأنعام: ٩٩] بذلك، وكذا: ﴿وَأُحيطَ بَثَمره﴾ [الكهف: ٤٢]
فيه الخلافُ حسبما بينًّا في مواضعهِ.
وقيلَ: الثُّمُرُ بضمتينٍ هو المالُ، وبفتحتينٍ هو حملُ الشجرِ؛ يقالُ: ثمَّرَ اللَّهُ مالَكَ أي
كثَّرَهُ. قال النابغةُ الذبيانيُّ: [من البسيط ]
٢٤٥ - مَهلاً فداءٌ لك الأقوامُ كلُّهم
وما أُثمِّرُ من مالٍ وَمِن وَلَدِ (٣)
فكانَ ذلك من الثَّمرِ لأنَّ صاحبَ المالِ يتعهَّدُه ويُصلحُه كما يفعلُ صاحبُ الثمرة.
ويقالُ لحفظِ الشيءٍ أيضاً: تَثْمِيرٌ. قالَ: [ من البسيط]
٢٤٦ - لها أشاريرُ من لحمٍ تُثُمِّرُه
من الشَّعالي ووخْزٌ من أُرانيها(٤)
يريدُ منَ الثعالبِ وأرانبها، فأبدلَ الباءَ ياءً في اللفظتين. وقيلَ: الثِّمارُ والثَّمَرُ بمعنىّ
واحد ليس أحدُهما جمعاً للآخر. وكلُّ ما يقعُ صادراً عن شيءٍ يقالُ له: ثَمَرْتُه؛ فثَمرةُ
(١) غريب ابن الجوزي ١٢٨/١ والنهاية ٢٢١/١ وهو حديث طهفة.
(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف (ثُمُرُه) الإتحاف ٢١٤.
(٣) ديوانه ٢٦.
(٤) البيت لابي كاهل: اليشكري، وهو في اللسان والتاج (تمر، شرر، ثمل ) ومجالس ثعلب ١٩٠
وسيبويه ٢٧٣/٢ والدر المصون ٢٠٠/٣ الأشارير: مفردها إِشرارة . وهي قطع من القديد ويروى
البيت في هذه المصادر ( تتمره) وليس (تثمره) كما حرفه المؤلف . والتتمير : تقطيع اللحم صغاراً
كالتمر وتجفيفه وتنشيفه .

٢٨٦
باب الثاء
العلم العملُ، وثمرةُ العملِ النجاةُ من النارِ والفوزُ بالحسنى.
والثَّميرةُ منَ اللبنِ ما تَحلَّبَ من زُبدِهِ تشبيهاً بالثَّمرةِ في هيئتها كتَسْميتهم عقدةَ
طَرفِ السَّوطِ ثَمرةً لذلك. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: ((فَأَخذَ بِثَمرةٍ لسانهِ)) (١) أي بطرفه،
كما قيلَ في طرفِ السَّوطِ.
ث مم:
قالَ تعالى: ﴿وَإِذا رأيتَ ثَمَّ رَأَيتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] ثمٌ (٢): ظرفُ مكان وهو اسمُ
إشارة للمكان البعيد حساً أو حُكماً كما إِذا قُصد بهِ التَّعظيمُ، أي وإِذا رأيتَ في ذلك
المكانِ العالي، ولا ينصرفُ بل يلزمُ النصبَ على الظرفيةِ وبمعناهُ هنا وهناك. وقولُه:
﴿ مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ﴾ [التكوير: ٢١] إِشارةٌ إِلى رتبةٍ جبريلَ وما هيَ عليه من علوّها
وارتفاعها وأنه لها مطاعٌ فيما يأمرُ غيرَه من الملائكة، أمينٌ على مايَتحمَّلُ من الوحي إِلى
أنبياء الله تعالى.
قال الراغبُ(٣): وثَمَّ إِشارةٌ إِلى المبتعد عن المكان، وهناك إِلى المقترب، وهما
ظرفانٍ في الأصل. وقولُه: ﴿وإذا رأيتَ ثَمُّ﴾ فهو في موضعِ المفعولِ(٤). قلتُ: قولُه:
إِشارةٌ إِلى المبتعد ليس كما قال؛ إِذ نصُّوا على أنه لا يُشارُ بهِ إِلا للمكان. وهو قد جُعَلَ
للمبتعد عن المكان . وقولُه: إِنه مفعولٌ ليس كذلك، لما قدَّمناهُ من أنه لا ينصرفُ . فأمّا
إِعرابُ الآيةِ ففي الكتبِ المشارِ إِليها غيرَ ما مرةٍ
ثُمَّ: حرفُ عطفٍ يَقتضي التَراخي. وزعم قومٌ أنها لا تُرتِّب مُستدلّينَ بقوله: ﴿ولقد
(١) غريب ابن الجوزي ١ /١٢٨ والنهاية ٢٢١/١.
(٢) البرهان ٤ /٢٧٠.
(٣) المفردات ١٧٧.
(٤) قال أبو جعفر النحاس: لأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: فأكثر البصريين يقول: ((ثَمّ)) ظرف، ولم
تُعَدَّ((رأيت))، كما تقول ظننت في الدار، فلا تعدّي ظننت، على قول سيبويه. وقال الأخفش: ثم
مفعول بها : أي فإِذا نظرت ثَمّ. وقول آخر للفراء ، قال: والتقدير: وإذا رأيت ما ثَمَّ، وحذف ((ما))
قال أبو جعفر: وحذف (ما)) خطأ عند البصريين، لأنه يحذف الموصول ويبقي الصلة. انظر
إعراب القرآن للنحاس ٥٧٩/٣.
:

٢٨٧
باب الثاء
خلقناكُم ثم صوَّرْناكُم ثم قلنا للملائكة اسجدوا﴾(١) [الأعراف: ١١]. ومعلومٌ أنَّ خَلْقَنا
وتَصويرَنَا بعدَ قوله للملائكة: اسجدوا. والجوابُ أنَّه على حذف مضافٍ؛ أي خلقنا أباكم
آدمَ(٢). والتَّراخي قد يكونُ في الزمان(٣)، وهو الأصلُ. وقد يكونُ في الترتيب (٤) كقولهِ
تعالى: ﴿ثمَّ الذين كفروا برِبُّهم يعْدِلِون﴾ [الأنعام: ١] حسبما هو مبيِّنٌ في غيرِ هذا(٥).
والثّمامُ: شجرٌ يُرعَى. قالَ:
٢٤٧ - عليّ اطرقا بالياتُ الخيامِ
إِلا الثمامُ وإِلا العصيُّ (٦)
الواحدةُ ثُمامةُ، وبها سُميَ الرجلُ. وَثَمَّتِ الشاةُ رَعَتِ الثُّمامَ، نحو شَجَّرَتْ: رعت
الشجر. والثَّمُّ بالفتح إِصلاحُ البئرِ، ثَمَمتُه أتُّمُّهُ ثَمًّ. وفي الحديث: (( كنا أهلَ ثُمِّه
ورُمِّهِ))(٧)، قال أبو عُبيدٍ(٨): المُحدِّثون يَروونَه بالضمّ، والصوابُ عندي الفتحُ. والثَّمُّ:
إصلاحُ الشيءٍ وإِحکامُه.
الثَّمنُ: ما تُشترَى بهِ السلعةُ، وغَلبَ في النَّقدينِ. ويُتجوَّزُ به عنِ الشيء المبتاعِ،
ٹ م ن:
(١) في الأشباه والنظائر ١٠٨ (ثم: حرف مبني على الفتح، وهو من حروف العطف، ويفيد الترتيب
والمهلة. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: ١- بقاؤه على أصله. ٢ -بمعنى الواو. ٣- وقوعه زائداً))
وثمة إِسهاب حول «ثُم» في البرهان ٤ / ٢٦٦ - ٢٧٠
(٢) التقدير: خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم فحذف المضاف منهما ((قطر الندى ٣٠٣))، وفي البرهان
٤ /٢٦٨ ((المعنى ابتدأنا خلقكم ، لأن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم صوره ، وابتدأ خلق
الانسان من نطفة ثم صوره.
(٣) التراخي الزماني هو في قوله تعالى في سورة النحل / ١٢٣ ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبِّعْ ملة إبراهيم
حنيفاً﴾ وانظر البرهان ٢٦٧/٤.
(٤) البرهان ٤ /٢٦٦ .
(٥) ذكر الزركشي في البرهان ٤ /٢٦٦ ٠ ٢٧٠ أنواعاً أخرى لهثم)) منها: التباين في الصفات ،
والتعجب وبمعنى واو العطف ، وللاستئناف .
(٦) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين ٦٥/١ والخزانة ٣٤٢/٧ وشرح المفصل ٣١/١.
(٧) الحديث لسلمى أم عبد المطلب في غريب ابن الجوزي ١٢٩/١ وعزاه ابن الأثير الى عروة حين ذكر
أحيحة بن الجلاح النهاية ٢٢٣/١.
(٨) قوله في غريب الحديث ٤ / ٤٠٤ .

٢٨٨
باب الشام
كقولِهِ: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾ [المائدة: ٤٤] سمَّى مابذلوه من الآيات الهادية
شراء، وما تَعوَّضوهُ من أعراضِ الدنيا ثمناً. قالَ الهرويُّ: جُعلَ الثمنُ مُشتَرِىٌ كسائرِ السُّلِعِ،
لأنَّ الثَّمنَ والمُثْمَنَ كلاهُما مَبيعٌ، ولذلك أُجيزَ شَرَيتُ بمعنى بِعتُ(١). واختلفَت عاداتُ
الناسِ في الثَّمن؛ فقيلَ: هو ما كانَ قيمةَ الأشياء، وقيلَ: ما يأخذُه البائعُ في مُقابلةٍ سِلعتِهِ
عيناً أو سلعةً. وقيلَ: ما كان نقداً، فهو ثمنٌ ليس إلا، وقيلَ: ما دخلتْ عليهِ الباءُ. وَأثمنتُ
الرجلَ متاعهُ، وأثمنت له: أكثرت الثمن.
والثمانيةُ والثمانون عددان معلومان. والثُّمنُ جزءً من ثمانية أجزاءٍ كالثلث من ثلاثةٍ
والثمينُ أيضاً منَ الثَّمنِ. قال الشاعرُ: [من الطويل].
٢٤٨ - فما صارَ لي في القَسْمِ إِلا ثَمِينُها(٢).
أي ثمنُها.
فصل الثاء والنون
ث ن ي:
قولُه تعالى: ﴿ثاني اثنينٍ﴾ [التوبة: ٤٠] أي أحد الاثنين، ک ﴿ ثالث ثلاثة ﴾
[المائدة: ٧٣] وهما سيدُّنا محمّدٌ رَسُولُ اللَّهِلَّهِ وصاحبُهِ الصدِّيقُ، إِذ قالَ عليه الصلاةُ
والسلامُ لهُ في الغارِ: ((ما ظنَّك باثنينِ اللَّهُ ثالثُهما))(٣)، وقالَ تعالى: ﴿ ثانيَ عِطْفِهِ﴾
[الحج: ٩] كنايةٌ عن التكبرِ نحوُ: صاعرٍ خدِّهِ، ﴿ ونأى بجانبهِ ﴾[ الإسراء: ٨٣]، ولوى
جيدَه وشدْقَهِ، كلُّ ذلك كنايةٌ عن التكبُّرِ، فثاني اسمُ فاعلٍ من ثَنَى يثني کرام.
والنَِّى: العطفُ والتكريرُ، ومنه التَّثنيةُ الصِّناعيةُ، لأنَّ فيها تكريرَ الاسمِ مرتينٍ، وقولُهِ
تعالى: ﴿أَلا إِنِهم يَثْنُونَ صِدُورَهِمْ﴾ [هود: ٥] أي يطوونَها على سِرِهِم، وكنَى بذلك عن
إعراضهم عن الحقِّ وتكبِّرِهم نحو ﴿ ثانيَ عطفهِ ﴾
. (١) يريد أنها كلمة من الأضداد، وقد ذكرها ابن الأنباري في الأضداد ٧٢ برقم ٣٦.
: (٢) عجز بيت ليزيد بن الطثرية في ديوانه ١٠٥ واللسان ( ثمن ) وتمام البيت في ديوانه :
فما صار لي من ذاك إِلا ثمينها )
( فالقیت سهمي وسطھم حین أو خشوا
(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة برقم ٣٤٥٣، ٣٧٠٧، ومسلم في فضائل الصحابة برقم
٢٣٨١.

٢٨٩
باب الثاء
ويقالُ: ثَنَيْتُ الشيءَ ثَنياً أي كنتُ له ثانياً، أو أخذتُ نصفَ ماله، أو ضَممتُ إِليه
ما صارَ به اثنينٍ. والثِّنَى: ما يعادُ مرّتينٍ. وامرأةٌ ثِنْيَ: تلدُ اثنينٍ، وذلك الولدُ ثِنْيٌ أيضاً.
وفي الحديث: ((لا ثِنَى في الصَّدَقَة))(١) أي لا تُؤْخَذُ في السنةِ مرتينٍ. والشَِّيُّ منَ
الضَّانِ: ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما سقطت ثَنَّتَه. وحَلفَ يميناً فيها ثِنْيٌّ وثِنْوٌ،
وهي ثَنِيَّةٌ. وفي حديثٍ كعبٍ: ((الشهداءُ ثَنيَّةُ اللَّهِ في الأرض))(٢) يريدُ أنَّ الشهداءَ
مُسْتَشْئون مِنَ الصَّعقةِ، وذلك قوله: ﴿فَصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إِلا مَن شاءَ
اللّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. فاللَّهُ تعالى قد اسْتَئناهُم بقوله: ﴿أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون﴾ [آل
عمران : ١٦٩]
ومَثنويَّةٌ وثُّنْيا أي استثناءً؛ قال النابغةُ: [ من الطويل]
ولا عِلمَ إِلا حُسنُ ظنِّ بصاحب(٣)
٢٤٩ - حلفتُ يميناً غيرَ ذي مَشْویةٍ
والمَثْنَاةُ: ماثُنيَ من طَرَفِ الزِّمامِ، قال(٤): والثّنْيَانُ: الذي يُثَنَّى به إِذا عُدَّ السادات.
والشّنيَّةُ من الجبل: مايُحتاجُ في سُلوكه إلى صعودٍ وهبوطٍ، فكأنَّه ثَنَى سَيْرَها. وفلانٌ
ثَنَّةُ أهلِهِ للمُهابِ عندهُم استثقالاً له كاستثقالِ سَيْرِ النَّنيَّةِ. والشَّيةُ: السِّيرُ تشبيهاً بثنيَّةِ الجبل
في الهيئةِ. وفي في الإنسانِ أربعُ ثَنايا: ثَنِيّتانِ من أسفلَ وثَنيتان من فوقُ، وهي مُقدمُ الفم.
ويَلِيهِنَّ الرِّباعياتُ بالتخفيف.
والثُّنْيا والقُّنْوى: مايُثْنِيهِ الجازرُ لنفسهِ من الصُّلبِ والرأسِ، وفي الحديث: ((ناقةٌ
مريضةٌ فباعَها واشْتَرَطِ ثُنْياها)(٥) قيلَ: قوائمَها ورأسَها. والثُّنيا أيضاً: المنهيُّ عنها في
الحديثِ، قال القُتيبيُّ: هو أن يَبِيعَ جُزافاً، فلا يجوزُ أن يُستثنَى منه شيءٌ قلَّ أو كثُرَ.
وقيلَ: إِن يستثنَ شيءٌ يفسدُ البيعُ.
والثّنْيا أيضاً في المُزارعةِ هو أن يُسْتَئِنَى بعدَ النصفِ أو الثُّلُثِ كيلٌ معلومٌ. والثّنْيا:
(١) غريب الحديث للهروي ٩٨/١ وابن الجوزي ١٣٠/١ والنهاية ٢٢٤/١ والفائق ١٥٩/١.
(٢) غريب ابن الجوزي ١٣٠/١ والنهاية ٢٢٥/١ والحديث لكعب.
(٣) ديوانه ٤١ .
(٤) المفردات ١٧٨ .
(٥) غريب ابن الجوزي ١٣٠/١ والنهاية ٢٢٤/١.

٢٩٠
باب الثاء
الاستثناءُ في اليمين.
والثّناءُ: ما يُذكرُ منَ المحامد فِيُثْنَى ذكرُه حالاً فحالاً، ووقتاً فوقتاً. يقالُ: أَثْنَى عليهِ
فهو مُثْنى إِثناءً. قال الشاعر: [ من الكامل]
٢٥٠ - يُثني عليك وأنتَ أهلُ ثنائه(١)
وقال آخر: [ من الطويل]
٢٥١ - إِذا متُّ كان الناسُ صنفان: شامتٌ
بموتي ومُعْنٍ بالذي كنتُ أُصنِعُ(٢
والنَّا بتقديم النون: ذكرُ المساوئِ، قال تعالى: ﴿ كتاباً مُتشابهاً مَثَانِيّ(٣)﴾
[الزمر: ٢٣] أنه يُثْنَى، أي يكرِّرُ على مرورِ الأوقاتِ وكرِّ الأعصارِ، واختلاف الأحوال، فلا
يملُّ ولا تخلقُ ديباجةً حسنةٌ، وَلا تَنْقُضي عجائبُه، ولا تَفْتَى فوائدُه، ولا تَضْمحلٌ
اضمحلالَ غيرهِ منَّ الكلامِ. وفي صفتهِ: ((لا يَعوجُ فيقوِّمُ، ولا يَزِيغُ فُيُسْتَعْتَبُ، ولا يخلقُ
على كثرة الردِّ))(٤). وقيل: قيلَ له: مَثْنَى لما ثُنِّيَ فيهِ منَ القصصِ والأمثال. وقيل ذلك: من
الثناء تُنْبيهاً أنه يظهرُ منه أبداً ما يَقْتَضي الثناءَ عليه من فوائده وإِعجازه على مَن يَتْلوهُ
ويعلمُهُ ويعملُ به. وعلى هذا الوجه وصفَّه اللَّهُ بالكرمِ في قولهِ: ﴿إِنَّه لقرآنٌّ كِرِيمٌ﴾
[الواقعة: ٧٧]، وبالمجدِ في قوله: ﴿هو قرآنٌ مجيدٌ﴾(٥) [البروج: ٢١]. وقوله:
﴿سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧]، قيلَ: أرادَ الفاتحةَ لانَّها تُنْتَى بالصلواتِ أو لأنها
يُثْنَى فيها تمجيدُه وتنزيهُه. وقيل: لأنها أُسُست لهذه الأمةٍ. وقيلَ: المثاني في التي تزيدُ على
(١) صدر بيت لعبد الله بن عنمة، وعجزه: (ولديك إن هو يستزدك مزيد) والبيت في الخزانة
٤١/٩ (هارون) وشرح الحماسة للمرزوقي ١٤٠١.
(٢) البيت للعجير السلولي في الأغاني ٧١/١٣ وسيبويه ٧١/١ والدر المصون ٤٤/٣.
(٣) قرأ ابن عامر وهشام (مثاني) البحر المحيط ٤٢٣/٧.
. (٤) الترمذي في فضائل القرآن برقم ٢٩٠٨ ومسند أحمد برقم ٧٠٤ .
(٥) قرأ ابن السميفع وأبو حيوة (قرآنُ مجيدٍ) القرطبي ٢٩٩/١٩ والبحر المحيط ٤٥٢/٨. وفى
مختصر ابن خالويه ١٧١ « سمعت ابن الأنباري يقول: معناه: بل هو قرآن ربّ مجيدٍ، كما قال.
الشاعر : ولكن الغنيّ غنی غفورٍ )).

٢٩١
باب الثاء
المفصَّلِ وتقصُر عن المِئين. قيلَ لها مثاني كأنَّ المعينَ جُعلتْ مبادئَّ والتي تليها مَثاني، قاله
الهرويُّ، وفيه نظرِ لأنَّ ما هذه صفتُه أكثرُ من سبعٍ سُورٍ والمثانان: حبلٌ يُرَبَطُ بطرفهِ رِجلا
الدابةِ، وبطرفهِ الآخرِ يداها. قال طرفةُ: [من الطويل]
٢٥٢ - لكالطُوَلِ المُرِخَی وثِیاهُ باليدِ(١)
والمفردُ ثنايةٌ، قالَ الهرويُّ: ولم يقولوا ثناءَتَيْنٍ لانه حبلٌ واحدٌ يُربطُ بطرفيهِ. قلتُ:
وكانَ من حقُّه أن يقالَ: ثناوَينٍ بالواوٍ أو ثناءَينِ بالواو والهمز كـ: كساوينٍ وكساءينٍ،
لكن لمّا لزمتْه علامةُ التثنيةِ أُشبهَ سِقايةٌ فصحَّتُ ياؤُهُ. وفي حديثٍ عمرَ: «كانَ ينحرُ
بَدَنْتَه وهيَ باركةٌ مَنْيَّةٌ بِثِنايَيْنٍ))(٢) أي مَعقولةٌ بالحبلِ فِي يدَيْها ورجليها. وفي حديث ابن
عمرَ: ((من أشراطِ الساعة أن يُقَرأَ بينَهم بالمَثْناةِ فلا أحدَ يغيّرُها. قيلَ: وما المَشْناةٌ؟ قال: ما
اسْتُكْتِبَ من غيرِ كتابِ اللَّه تعالى))(٢). قال أبو عبيد(٤): سألتُ رجلاً - يعني من أهلٍ
العلم بالكتبِ الأُولى قد قرأَها وعرَّفَها - عن المَثْنَاةِ فقالَ: إِنَّ الأحبارَ من بعد موسى وضعوا
كتاباً فيما بَينَهم على ما أرادوا من غيرِ كتابِ اللَّهِ فهو المَثْنَاةُ. قالَ: فكانَّ عبدَ الله كرهَ
الأخذّ عن أهل الكتاب.
ثناءُ الشيءٍ: ثانيهِ. وفي حديثٍ عوفٍ بنِ مالكٍ، وقد سألَ النبيّ ◌َلِّ عن الإمارةِ،
قفالَ: ((أولُها ملامةٌ وثناؤها نَدامةٌ وثلاثُها عذابٌ يومَ القيامةِ، إِلا مَن عَدل))(٥). فأما ثُنَاءُ
وثلاثُ بالضمِّ فمعدولان کما تقدّم. والاثنان والاثنتان والشّتان عدد معروفٌ يجري مجری
المثنَّى في الإِعرابِ، وليسَ لهُ واحدٌ من لفظهِ، فلا يقالُ: اثنٍ ولا اثنة. وقد يُعربُ
كالمقصور في بعض اللغات فلا يضافان لما بعدَهُما بخلاف ثلاثة فما فوقَها إلى عشرةٍ،
فلا يقالُ: اثنا رجلٍ ولا ثِنْنا امرأةٍ، استغناءً برجلينٍ وامرأتينٍ، فأمّا قوله: [من الرجز]
ظَرْفُ عجوزٍ فِيهِ ثِنْشَا حَظَلٍ(٦)
٢٥٣ - كأنَّ خُصْيَيهِ منَ النَّدلْدُلِ
(١) ديوانه ٣٤ وصدر البيت: ( لعمرك إِن الموت ما أخطأ الفتى).
(٢) غريب ابن الجوزي ١٣٠/١ والنهاية ٢٢٥/١.
(٣) الفائق ١ /١٥٩ وغريب ابن الجوزي ١٣٠/١ والنهاية ٢٢٥/١.
(٤) غريب الحديث ٤ /٢٨٢ .
(٥) الفائق ١٥٨/١ والنهاية ٢٢٥/١ والغريبين ٣٠٠/١ وغريب ابن الجوزي ١٣٠/١.
(٦) ينسب البيت إلى خطام المجاشعي وجندل بن المثنى وسلمى الهذلية وشماء الهذلية، والبيت في أمالي
الشجري ٢٠/١ وسيبويه ٥٦٩/٣ والدر المصون ٣٨٦/١ وشذور الذهب ٤٥٨ واللسان (ثنى).

٢٩٢
باب الثاء
فضرورةٌ. قولُه: ﴿أَمَتَّنا اثْنَتِينٍ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] اختلفُوا فِيهِ؛ فقالَ ابنُ
عباسٍ وغيرُه: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم ثم أماتَهم الموتَةَ التي في الدُّنيا، ثمَّ
أحياهم للبعث. فهاتان إِماتتان وإِحياءان، وهذا موافقٌ لقوله تعالى: ﴿ كيف تكفرون
باللّه ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية، وقال ابنُ زيدٍ: كانوا في صُلبِ آدمَ عليه السلام، فاستخرجهم
فأحياهُم وأخذَ عليهم الميثاقَ ﴿ألستُ بربِّكُم قالوا بلى (١)﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم أماتَهم
في الدنيا الموتةَ التي لا بدَّ منها. ثم أحياهُم للبعثِ وهو قريبٌ من الأولِ. وقيلَ: أماتَهم في
الدنيا الموتةً المتعارفةً، ثم أحیاهُم في القبورِ للمسألةِ، ثم أماتھم فیھا ثم أحیاهُم للحشر.
وإليه ذهبَ السُّدِّيِّ، وهو حسنٌ لقربه من الحقيقة لأنَّ الموتَ مستعقبُ حياةٍ. قولُه: ﴿لا
تَتَّخِذُوا إِلهِينِ اثنينٍ﴾ [النحل: ٥١]؛فاثنين للتأكيد كقوله: ﴿نفخةٌ واحدةٌ﴾(٢)
[الحاقة: ١٣]. وقيلَ: ليسَ للتأكيدِ، وتحقيقُه في غيرِ هذا الكتاب.
فصل الثاء والواو
ث وب:
الثوابُ والمثوبةُ: الجزاءُ على الفعلِ من خيرٍ أو شرِّ، وأصلُه مِن ثابَ یثوبُ أي يرجعُ،
فالثوابُ ما يرجعُ من الجزاءِ إِلى العاملِ من حسنٍ وشيءٍ وقيلَ (٣): أصلُ الثوابِ رجوعُ .
الشيءٍ إِلى حالتهِ الأُولى التي كانَ عليها أو إِلى حالةِ المقَدِّرِ المقصودةِ بالفكرة، وهي الحالةُ
المشارُ إِليها بقولهم: آخرُ الفكرةِ أولُ العمل. فمن الأولِ: ثابتْ إِليه نفسُه، وثابَ إِلى دارِهِ.
ومن الثاني: القَّوبُ سُمِّيَ بذلك لأن الغزْلَ رجعَ إِلى الحالةِ التي قُدِّرَلها بالفكرةِ، والثوابُ
من ذلك.
وإِنَّما سُمِّيَ الجزاءُ ثواباً تصوّراً أنه هو هو. ألا ترى كيفَ جعله نفْسَ الفعلِ في قولِهِ
تعالى: ﴿فمن يَعْمل مثقال ذرَّةٍ خيراً يرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧])، ولم يقلْ: يُجزاهُ. والثَّوابُ وإِن
استُعملَ في الخيرِ والشرِ كما تقدَّم إِلا أنَّه غُلُّب في الخيرِ، وكذلك المثوبةُ والإثابةُ، فإِن
(١) قال ابن عباس: لو قالوا نعم لكفروا البرهان ٤ / ٢٦٢ والإتقان ٢٢٠/٢.
(٢) قرأ أبو السمال (نفخةً واحدةً) البحر المحيط ٣٢٣/٨ والقرطبي ٢٦٤/٨. وعقب الآلوسي
٤٣/٢٩ على هذه القراءة ( على إقامة الجار والمجرور مقام الفاعل».
(٣) المفردات ١٧٩.

٢٩٣
باب الثاء
وقعت المثوبةُ والإثابةُ في المكروهِ نحوُ: ﴿قُلْ هل أُنَبِّكم بشَرِّ مِن ذلك مَثوبةٌ (١)﴾
[ المائدة: ٦٠] ﴿فأثابَكُم غمّاً بغمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. فمن باب الاستعارة كاستعارة
البشارة بالعذاب على التهكُّم، قيلَ: ولم يجئِ التَّقْويبُ في القرآنِ إِلا في المكروه نحو:
﴿هل تُوْبَ الكِفَّارُ ما كانوا يفعلون﴾ [المطففين: ٣٦]، معناه: جُوزيَ، وهو تهكُمُ أيضاً.
وقولُه: ﴿وثيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] حُملَ على ظاهرِهِ وقيلَ: أرادَ النفسَ كقولِ
الشاعر: [ من الطويل]
وأُوجُهُهمْ عندَ المشاهدِ غُرّان(٢)
٢٥٤ - ثيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَی نَقِيَّةٌ
وقيلَ: كَنى بها عن القلبِ كقولٍ عنترةٍ: [ من الكامل]
٢٥٥ - فشككتُ بالرُّمح الطویل ثيابَهُ
ليسَ الكريمُ على القَنا بمحرَّم(٣)
وهذا وإِنْ كان أمراً له عليه الصلاةُ والسلام في الصورةِ فهو أمرٌ لنا في الحقيقةِ، فإِنَّ
كلَّ ما فُسِّر به الثيابُ هو طاهرُ منهُ عليه الصلاةُ والسلامُ. ويرشِّحُ كونَ ذلك كنايةٌ عن
النفسِ أو القلبِ، قولُه تعالى: ﴿إِنَّما يريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمْ الرِّجْسَ أهل البيتِ ويِطَهِرَكُم
تَطهيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فالتطهيرُ هنا من سائرِ الأدناسِ التي تَتَّصِفُ بها عندَهم. وقيلَ:
تَقصيرُها لأنَّ تقصيرَها يُبعِدُها ممَّا يُنجِّسُها. وعن ابنِ عباسٍ: ((لا تَلْبَسْ ثيابَك على فخرٍ
وكِبْرٍ))(٤). وأنشدَ: [ من الطويل]
٢٥٦ - فإني بحمد الله لا ثوب غادِرٍ
لَبِسْتُ، ولا مِن خَزْيَةٍ أَتقنَّعُ(٥)
(١) قرأ الحسن وابن بريدة والأعرج وابن عمران وابن هرمز (مَثْوَبة) الإتحاف ٢٠١ والمحتسب ٢١٣/١
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ٨٣ « الغرّان: جمع أغرّ، وهو الأبيض)).
(٣) ديوانه ١٢٦ وهو من معلقته .
(٤) لابن عباس أكثر من قول في قوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ ذكرها ابن كثير ٤ /٤٧٠ منها: لا
تلبسها على معصية ولا على غدرة ، نقي الثياب ، فطهر من الذنوب ، فطهر من الإثم ، لا تكن
ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب .
(٥) البيت لغيلان بن سلمة الثقفى. اللسان والتاج (ثوب) تفسير ابن كثير ٤ / ٤٧٠ .

٢٩٤
باب الثاء
قولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلنا البيتَ مَثابةً(١) للناس﴾ [البقرة: ١٢٥]، قيلَ: مكاناً يثوبون إِليه
كلَّ وقتٍ على ممرِّ الأيامِ وتكرُّرِ الأعوامِ، لا يَملُّون منهُ. وقيلَ: مكاناً يكسبون فيه الثواب.
ولا شكَّ أنّه موجودٌ فيه الأمران. ومنه إِنَّ فلاناً لَمَثَابةً ولمثاباً، أي تأتيه الناس لمعروفه،
ويرجعون إليه مرَّةٌ أخرى. فالمثابةُ والمثابُ كالمقامة والمقام.
قوله: ﴿ثِيّاتٍ وأبكاراً ﴾ [التحريم: ٥]؛ القيِّاتُ جمعُ ثَيِّبٍ؛ قيلَ: سُميتْ بذلك
لأنَّها تُوطأُ وطأَ بعدَ وطءٍ، أَي يُراجَعُ وَطَؤُها. وقيلَ: لأنّها ثابَتْ عن الزوجِ أي رجعتْ عنْه.
وفي الحديث: ((القِيِّبُ أُحقٌّ بنفسِها))(٢). وأصلُ الثَّيْبِ ثَيْوَب بزِنَةٍ فَيْعَل، فاجتمعتِ الياءُ
والواوُ وسَيقت إِحداهُما بالسكون فَقُلبت الواو ياءً وأدغمتْ فيها الياءُ نحو مِيِّت في مَيْوَت.
وأصلُ مَثابة ومَثَاب مَثوبةٌ ومَثوبٌ، فَنُقلتْ حركةُ الواوِ إِلى الياءِ، فَتَحرَّكُ حرفُ العلةِ فِي
الأصل، فانْفَتح ما قبلَه، فقُلب ألفاً، ففي كلِّ من اللفظتين ثِقِلٌ وقَلبٌ. وأمّا مَثوبةٌ فأصلُها
مَثْوَبَةٍ(٣)، فتُقلتِ الضمّةُ إِلى الثاءِ؛ ففيها ثقلّ فقط.
والتّشويبُ: [تكرار] النِّداءُ، ومنه تَشويبُ الأذان، لأنَّ فيهِ تَرجيعاً، قيلَ: وأصلُه أن
المستصرخَ بلَّغَ بِثَوبِهِ عندَ ندائه.
قالَ الراغبُ(٤): والثٌّبَةُ: الجماعةُ الثائبُ بعضُهم إلى بعضٍ في الظاهرِ. قال الشاعر:
[من الوافر]
٢٥٧ - وقد أَغْدُو على ثُبةٍ كرامٍ(*)
وتُبةُ الحوضِ: ما يَّثوبُ إِليهِ الماءُ. قلتُ: قد تقدَّم أنَّ تُبةَ مِمَّا حُدُفِتْ لامُّه، وهذا
يُعطي أن المحذوفَ عينُه. وقد نصَّ هو على أنَّ الثَّةَ بمعنى الجماعةِ ممَّا حُدقتْ لامُه.
قالَ: وأمّا تُبةُ الحوضِ فوسبَطُه، وليستْ من هذا الباب كما ذكرَه في تلكَ المادةِ.
(١) قرأ المطوعى والأعمش وطلحة (مثابات) الإتحاف ١٤٧ والبحر ٣٨٠/١
۔۔
(٢) مسلم في النكاح ١٤٢١ وشرح السنة ١٣٠ وتنوير الحوالك ١٦٢/٢.
(٣) وهي قراءة الحسن وابن بريدة والأعرج وابن عمران لقوله تعالى في سورة المائدة / ٦٠ (هل أنبعكم
بشر من ذلك مئوية ) المحتسب ٢١٣/١ وإملاء العكبري ١٢٨/١.
(٤) المفردات ١٨٠ .
(٥) صدر بيت لزهير في ديوانه ٦٤ وعجزه: (نشاوى واجدين لما نشاء).

٢٩٥
باب الثاء
والثَّوْباءُ: ما يَعتري الإِنسانَ فسُمِّي بذلك لتحرِّرِهِ.
ٹ و ر:
قولُه تعالى: ﴿وَأَثارُوأُ(١) الأرضَ﴾ [الروم: ٩] أي قَلبوها بالحرثِ والزراعةِ والغَرسِ
وشقِّ الأنهار. ومنه ﴿تثيرالأرضَ ولا تَسقي الحرثَ﴾ [البقرة: ٧١] معناهُ أنها لا تُثيرُها
بالحرثِ فُيُقلبُ أَعلاها.
يقالُ: ثارَ الغبارُ والسحابُ أي سَطع وانْتَثْرِ، يثورُ ثَوراً وثَوَراناً، وقد أثرتُه أُثيرُه إِثارةً.
وثارتِ الحصبةُ تَشبيهاً بإثارةِ الغبارِ. وثارَ ثائرُهُ: انْتَثر حصبُهُ. وثاورَهُ: وائبه.
والّورُ: اسمُ المذكرِ من البقرِ كأنَّهُ سُمي بالمصدر لإثارتهِ الأرضَ؛ فهو مصدرٌ في
مَعنى الفاعلِ كصَيفٍ وطَيفٍ في معنى صائفٍ وطائفٍ. وفي الحديث: ((سَقِطَ ثَوْرُ
الشَّفْقِ))(٢) أي انتشارُه وتَوَرَانُ حُمرتِهِ. وفيه: ((مَن أرادَ العلمَ فليُثُوْرِ القرآنَ))(٣)، قالَ شَمِرُ:
فليُنقِّرْ عنهُ بمقايسةِ العلماءِ وسؤالِهم عن معانيهِ وتفسيرِهِ. وفي حديثٍ عبد اللَّه: ((مَن أرادَ
علمَ الأَوَّلِينَ والآخرينَ فليثورِ القرآنَ))(٤). وأما الثأرُ - وهوَ طلبُ الدمِ - فليسَ من هذهِ
المادةِ إِذْ أصلُه الهمزُ.
ٹ و ي:
النَّواءُ: الإِقامةُ. قال تعالى: ﴿وما كنتَ ثارِياً في أهلِ مَدْيَن﴾ [القصص: ٤٥].
وقال الحارثُ بنُ حِلْزَةَ: [من الخفيف]
٢٥٨ - رُبَّ ثَاوٍ يُمِلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ (٥)
وقالَ الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ: [ من الطويل]
(١) قرأ أبو جعفر (وآثاروا). وقرأ أبو حيوة (وآثَروا). وقرأ أبو عمر (وأثّروا) البحر المحيط
١٠٠/٢ والمحتسب ٠١٦٣/٢ وقرأ أبو حيوة (وأثّروا) مختصر الشواذ ١٠٦.
(٢) غريب ابن الجوزي ١٣٢/١ والنهاية ٢٢٩/١ ومسلم فى المساجد والنسائى فى المواقيت وتمام
الحديث ((صلوا العشاء إذا سقط ثور الشفق)).
(٣) غريب ابن الجوزي ١٣٢/١ والنهاية ٢٢٩/١.
(٤) النهاية ١ /٢٢٩.
(٥) المعلقات العشر ٢٦٣ وهو عجز صدر معلقته وصدره: (آذنتنا ببينها أسماء). وتقدم البيت برقم ٤٣.

٢٩٦
باب الثاء
تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأُمَ سَائِمُ(١)
٢٥٩ - لقد كان في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَّيته
وقولُهم: مَنْ أَمَّ مَثَواكَ؟ كنايةٌ عمَّن نزَلَ بِه ضيفاً، أي مَن مُضيفُكَ؟ وقَيَّدهُ بعضُهم
فقال: هو من الإقامة مع الاستقرارِ.
وقولُه: ﴿أَليسَ فِي جَهِنَّمَ مَثْوَى﴾ [العنكبوت: ٦٨] أي مكانُ ثَواءٍ. وَأُمُّ مَثواهُ
أيضاً كنايةٌ عن امرأته. ويُقالُ للضَّيْفِ: ثَوِيٍّ. وهو فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ. وَقُرِئَ قولُه:
﴿لُثْوِيَنَّهُمْ﴾(٢) و﴿لَنُبُوْثَنَّهُمْ﴾(٢) [العنكبوت: ٥٨] منَ الثّبْوئةِ والإِثْواءِ، ويقال: ثَوَى
في المكانِ يَثْوي ثواءً وإِثواءٌ. وقولُه: ﴿أكرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] أي مُقَامَه عندنا.
وفي حديث أبي هُريرةَ: ((تَشوَّيْتُه))(٤) أي تَضيَّفْتُه. والثَّيَّةُ: مأوَى الغَنمِ. واللَّهُ تعالى
أعلمُ.
(١) ديوانه ١٢٧ ، .
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف وعلي والأعمش وابن مسعود وطلحة وزيد بن علي وابن وثاب.
النشر ٣٤٤/٢ والسبعة ٥٠٢ والحجة لابن خالويه ٢٨١ .
(٣) هي قراءة أبي جعفر وحمزة، ولكن بتسهيل الهمزة الإتحاف ٣٤٦ والنشر ٣٤٤/٢. وقرأ يعقوب
ورويس والجحدري والسلمي (لِيُبَوْ ثَنَّهم) القرطبي ٣٥٩/١٣.
(٤) غريب ابن الجوزي ١ /١٢/٢ والنهاية ٢٣٠/١.

٢٩٧
باب الجیم
فصل الجيم والألف
جار:
قال تعالى: ﴿فإِليهِ تَجْأَرون(١)﴾ [النحل: ٥٣].
الجؤارُ: الإفراطُ في الدُّعاءِ والتضرُّعِ. تشبيهاً بجوار الوَحشياتِ منَ الظّباءِ
ونحوِها (٢). وقيلَ: هوَ الصحيحُ، والاستغاثةُ، ورفعُ الصَّوْتِ بذلك. وفي الحديث:
(( كأني أنظرُ إلى موسَى له جؤارٌ إِلى ربِّه بالتَّبيةِ))(٣)، معناهُ رفعُ الصوتِ. وقد جاءَ على
قياسِ المصدرِ الدالِّ على النَّصويتِ نحو البكاءِ والصِّرَاخِ والعواءِ.
فصل الجيم والباء
ج ب ب:
قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقُوَةُ فِي غَيابةٍ(٤) الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]؛ بئرٌ لم تُطْوَ، سُميتْ
بذلك إِمّا لأنّها جُبَّتْ من الأرضِ أي قُطعتْ - والجَبُّ: القطعُ - وإِمّا لأنّها حُفرَتْ في
الأرضِ الجَبوبِ، وهي الغليظةُ. وجبَّ النَّخْلَ: قطعَه. وبَعيرٌ أجبُّ وناقَةٌ جَبّاءُ أي قُطع
سنامُها. والمجبوبُ: غَلب على المقطوعِ الذُّكَر من أصلهِ.
وزَمنُ الجيابِ في النَّخلِ كزَمنِ الجذاذ فيها. وفي الحديث: (( أنه مرَّ بجبوب
بدرٍ))(٥)؛ قالَ القُتيبيُّ: هي الأرضُ الغليظةُ، وقال أبو عمرٍ: الأرضُ، وأُطلقَ. وفي حديثٍ
(١) قرأ حمزة والزهري (تَجَرون) وقفاً. المحتسب ١٠/٢ والإتحاف ٢٧٩.
(٢) المفردات ٢١١.
(٣) غريب ابن الجوزي ١٣٣/١ ومسند أحمد ٢١٦/١ والغريبين ٣٠٩/١ ومسلم في الإيمان وابن ماجه
في المناسك باب ٤ .
(٤) قرأ نافع وأبو جعفر (غيابات) السبعة ٣٤٥ والنشر ٢٩٢/٢ وقرأ الحسن وأبيّ (غيبة) الإتحاف
٢٦٢ والبحر ٢٨٤/٥ وقرأ الحسن (غَيْبَةً، غَيَّةً)، وقرأ ابن هرمز (غيّابات) المحتسب
٣٣٣/١ والبحر المحيط٢٨٤/٥.
(٥) الفائق ١ /١٦٦ وغريب ابن الجوزي ١٣٤/١ والنهاية ٢٣٤/١.

٢٩٨
باب الجيم
عائشةَ: ((أنَّ دَفينَ سجِرٍ النبيِّ ◌َلِ كانَ في جُبِّ طَلْعةٍ) (١)، فَسُمِّي كوزُ الطَّلِعَةِ جُبّاً،
تَشبيهاً بالجُبِّ الذي هو البئرُ، ويقالُ: جُفِّ أيضاً؛ بالباءِ والفاءِ(٢). وفي حديث ابنٍ
عباسٍ: ((نَهى عن الجُبِّ. فقيلَ لهُ: ما الجُبُّ؟ فقالت امرأةً عندَه: هيَ المَزَادَةُ، يُخْبِطُ
بعضُها إِلى بعضٍ ويَنْبِذُونَ فِيها حتى ضَرِيَتْ))(٣)، وهي المجبوبَةُ أيضاً.
والجَبوبُ أيضاً: النَدَرُ واحدُهُ جَبُوبَةٍ، وفي حديثٍ أُمِّ كُلثومٍ: ((جَعَلَ يُلقي إِليهم
الجَبوبَ))(٤). وقال عبيدُ بنُ الأبرصِ: [ من مخلع البسيط ]
فكدَّحتْ وجهَهُ الجبوب(٥)
٢٦٠ - فرفْعَتْهِ ووضَّعَتْهُ
وفي حديثِ بعضِ الصحابةِ: (( وقد سُئل عنِ امرأةٍ تزوَّجها: كيفَ وجدتَها؟ فقال:
كالخَيرِ من امرأةٍ قَبَّاءَ جَبَّاء. قالوا: أوليسَ خيراً؟ قال: ما ذاكَ بأدفاً للضَّجيع ولا أروى
للرَّضيعِ))(٦). قيلَ: الأوفقُ للحديثِ: أنَّ الجبّاءَ الصغيرةُ النَّديينِ، والقَبَّاءَ: الخفيفة اللحم،
وقيلَ: الخفيفةُ لحم الفخذين، كالبعيرِ الأجبِّ. وفي حديثِ عبدِ الرَّحمن: ((أنّه أَوْدَعَ
فلاناً جُبْجُبةً فيها نَوىٌ من ذهبٍ)(٢)، الجُبْجُبةُ: زِنِبِيلٌ لطيفٌ من جلودٍ، والجمعُ جَبَاجِبُ.
وفي الحديث: ((المتمسِّكُ بطاعةِ اللهِ إِذا جَبَّبَ الناسُ كالكارِّ بعد الفارٌ))(٨). جَبَّبَ
الرجلُ: إِذْ فِرَّ من الشيءٍ مُسِرِعاً.
والجُبَّةُ: التي تُليس من ذلك لأنها قُطعتْ على قدر لابسها. وجبَّتِ المرأةُ النساءَ إِذا
فاقَتْهنَّ حسناً أي قَطعتهنَّ بحُسنِها. كما يقالُ: قطعتُه في حسنهِ.
(١) غريب ابن الجوزي ١٣٤/١ والنهاية ٢٣٤/١ وتهذيب اللغة ٠٠٥١٢/١٠
(٢) غريب ابن الجوزي ١٣٤/١.
:
(٣) الفائق ١٦٩/١. والنهاية الحديث فيه (حتى حرمت) .
(٤) غريب ابن الجوزي ١٣٤/١ ومسندأحمد ٢٥٤/٥ والنهاية ٢٣٤/١ والحديث في دفن أم كلثوم ابنة
الرسول مالية .
(٥) ديوانه ٣٠ (صادر).
(٦) غريب ابن الجوزي ١٣٤/١ والغريبين ٣١١/١والنهاية ٢٣٤/١.
(٧) الغريبين ٣١٢/١ والفائق ١٦٧/١١ والنهاية ٢٣٥/١ وغريب ابن الجوزي ١٣٤/١ والمقصود.
بـ ( فلاناً) مطعم بن عدي حين أراد أن يهاجر .
(٨) الغريبين ٣١٢/١ وغريب ابن الجوزي ١ /١٣٥ والنهاية ٢٣٤/١. والحديث لمورق .«يعنى إذا
ترك الناس الطاعات ورغبوا عنها ،

٢٩٩
باب الجيم
ج ب ت:
قولُه تعالى: ﴿يؤمنون بالجِبْتِ﴾ [النساء: ٥١] الجبْتُ في أصلِ اللغةِ الجبْسُ،
وهو الغِسْلُ الذي لا خيرَ فيهِ. وقيلَ: التاءُ بدلٌ مِن سينٍ (١) جبسٍ تَنْبيهاً على مبالغتِه في
الغَسولةِ كقول الشاعر: [ من الرجز]
٢٦١ - عَمَرَوَ بنَ يَرْبُوعِ شِرارَ النات(٢)
أي خساسُ الناس.
والمعنَى الغسالةُ وعدمُ الخير. قال ابنُ عرفةً: الجبتُ كلُّ ما عُبد من دونِ اللَّهِ. وقالَ
غيرُهُ: همُ الكُهّانُ والسَّحرةُ والشيطانُ.
ج ب ر:
الجبرُ في أصلِ اللغةِ: إِصلاحُ الشيءٍ بضربٍ من القهرِ، ويقالُ تارةً لمجرَّدِ الإصلاحِ.
وعليه قول عليّ رضيَ اللَّه عنه: ((يا جابرَ كلِّ كسيرٍ ومسهُلَ كلِّ عسيرٍ))(٣). وقالوا للخُبزِ:
جابرُ بنُ حَبَّةً، وأخرى لمجرَّدِ القَهرِ؛ وعليهِ قولُه عليه الصلاةُ والسلام: ((لا جبرَ ولا
تَفويضَ))(٤). قال: [ من الكامل ]
٢٦٢ - وانعِمْ صباحاً أيُّها الجَبْرُ(٥)
جعْلُه نفسَ الجبرِ مبالغةٌ. ويجوزُ أن يُطلقَ عليهِ لمجموعِ المعنيينِ، لأنَّهما من شأنِ
السلطان .
والإجبارُ في الأصلِ: حَملُ الغَيرِ على أن يَجبُرَ الآخَرَ، لكنْ تُعورِفَ في الإِکراهِ
(١) ذكر سيبويه إبدال التاءمن الدال والسين في ٢٣٩/٤، ٣١٦، ٤٢٤، ٤٨١ وانظر ٢٧٤/٥ ففيه
إشارة الى مواضع الإبدال .
(٢) الرجز لعلباء بن أرقم، وهو شاهد على إبدال السين تاءً، وتتمة الرجز: (يا قاتل الله بني السعلات
عمرو بن يربوع شرار النات غير أعفاء ولا أكيات ) والرجز في الدر المصون ٥٧٩/٢ وأمالي
القالى ٢ /٧١ والخصائص ٥٣/٢ والإنصاف ١١٩ وابن يعيش ٣٦/١٠.
(٣) المفردات ١٨٣.
(٤) هو قول جعفر الصادق كما في الدر المنثور ٣٦٣/١.
(٥) عجز بيت لابن أحمر في اللسان (جبر) وديوانه ٩٤ وصدره: (واسلم براووقٍ حُبيت به ).

.-
٣٠٠
باپ الجیم
المجرَّد نحو: أجبرْتُه على كذا. وسُمِّي الذين يَدَّعون أنَّ اللَّهَ يُكرِهُ عِبادَهُ على المعاصي
في عُرفِ المتكلمين مُجِْرَةً، وفي عُرُفِ القدماءِ جَبْرِيةً، وجَبَرِيَّةٌ.
يقالُ: جبرْتُه على كذا وأجبرتُه عليه. وجَبَرتُه أي أصلحتُه، فانْجبرَ وَاجْتَبَرَ. وجّبر
بمعنى المطاوعة. قال: [من الرجز]
-**
٢٦٣ - قد جَبَر الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ(١)
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللغةِ. وقالَ بعضُهم(٢): قولُه: فجَّبّر، ليسَ مذكوراً على معنًى
الانْفعالِ أي المطاوعةِ، بل على مَعنى الفعلِ، وإِنما كرَّه تَنبيهاً بالأول على ابتداءِ إِصلاحه،
وبالثاني على تَتْميمِهِ، كأنَّهُ قالَ: قصدَ جَبْرَ الدِّينِ وإِصلاحَه، فابتدَأَ به فتمُّم جَبْرَه، لأن
(فَعَلَ)) تارةً يقالُ لمنِ ابتدأ بفعلٍ، وتارةً لسن فَرَغَ مِنه.
والجَبّارُ (٢) في صفةِ الإنسانِ غالباً للذمِّ كقولهِ تعالى: ﴿وخابَ كلِّ جَبَّارٍ عِنيدٍ﴾
[إبراهيم: ١٥]، ﴿كذلكَ يَطبعُ اللَّهُ على كلِّ قلبٍ مُتكبّرٍ جبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] أي مُتعالٍ
عن قَبولِ الحقِّ والإِذعانِ لهُ، وذلك أنَّ الجبارَ في الأناسيِّ هو مَن يجبُرُ نقیصته بادعاء منزلة
لا يَستحقُّها.
والجبّارُ: كلّ مَن قَهرِ غيرَهُ، وذلكَ من صفاتِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ بطريق الاستحقاقِ
كقولهِ: ﴿العزيزُ الجَبَّارُ المتكبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وقوله: ﴿وما أنتَ عليهم بجبّارٍ﴾
[ق: ٤٥]، أي لم تَقدِرْ على قَهرِهم على الإِيمان كقولِه: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَنْ أُحْبْتَ﴾
[القصص: ٥٦]، ﴿لستَ عليهم بِمُسَيطرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. قالوا: ولِتَصوَّرِ القهرِ بالعُلوّ
على الأقران قالوا: نَخلةٌ جبّارةٌ وناقةٌ جبّارةٌ للعاليةِ الباسقة. وقالَ الهرويُّ: ناقةً جبّارٌ، بلا
هاءٍ، وأجازَ الراغبُ: جبَّارَةُ بالهاءِ.
وقيلَ: وصفُه اللَّهَ تعالى بالجبّارِ من قولِهِم: جَيْرتُ الفقيرَ لأنّه هو الذي يَجبُّرُ الناس
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ١/٢ وبعده: (وعورَ الرحمن من ولى العور) وجمع العجاج في الشاهد
بين الفعل المتعدي و الفعل اللازم ..
(٢) المفردات ١٨٣ .
(٣) في الأشباه والنظائر ١١١- ١١٢: الجبار في القرآن على أربعة أوجه:
الله سبحانه وتعالى - المتكبِر - القتّال - العظيم الخَلْقِ