Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ باب التاء فيه. وإِنَّما قيلَ للمُتَنَعِّمِ: مُتْرِفٌ لأنّه مُطلقٌ له لا يُمنعُ من تَنْعُمِهِ. ت ر ق: قوله تعالى: ﴿ كلاّ إِذا بلغتِ التَّراقيَ﴾ [القيامة: ٢٦] أي إِذا بلغت النفس منتهى أمرِها لدلالةِ الحالِ عليها كما قال حاتمٌ : [من الطويل] ٢٢٥ - أماويًّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عنِ الفتّى إِذا حَشِرِجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدُ (١) أي حَشرجتِ النفسُ. والتّراقي جمعُ تُرْقُوةٍ وهي عظامٌ(٢). وقيلَ: هيَ العظامُ المكتنفةُ لُغْرةِ النَّحرِ عن يمينٍ وشمالٍ، وهي موضع حشرجةِ النفسِ كما أشارَ إِليهِ حاتمٌ. وقيل : الترقوةُ: عظمٌ وصلَ ما بينَ ثُغرة النَّحرِ والعائقِ. وقالوا: لكلِّ أحدٍ منَ الناسِ تَرْقُوتانِ، فعلى هذا يكون التَّراقي من بابِ غِلظِ الحواجبِ. وأصلُ التراقي: تَراقِو، فأُبدلتِ الواوُ ياءٌ لانكسارِ ماقبلَها. والياءُ فيها أصليةٌ، والواوُ زائدةٌ. فوزنُ تَرْقُوة فَعْلُوَةٌ، وليستْ تَفعلةٌ لأنه ليسَ في الكلامِ (رَ قَ وَ)(٣). وقد حققته في غيرِ هذا. ولما حضرتْ أبا بكرٍ رضي اللَّه عنه الوفاةُ أنشدتْ عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها بيتَ حاتمٍ المتقدِّمَ فقالَ: مَهْ يا بُنيَّةُ وقُولي: ﴿وجاءتْ سَكْرةُ الموتِ بالحقِ﴾ [ق: ١٩] وهي قراءته رضيَ اللّهُ عنه(٤)، وهذا منهُ رضيَ اللهُ عنه ممّا يدلُّ على شُغْلهِ بربِّهِ. والاسرُ بكلٌ جميلٍ حتى في هذه الحالة التي لا حالةً أشدُّ منها . ت ر ك: التَّرْكُ: التَّخْليةُ، ومنهُ: ﴿وَتَركتُم ما خوَّلناكُم وراءَ ظُهورِكُم﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله: ﴿إِني تركتُ مِلَّةَ قَومٍ﴾ [ يوسف: ٣٧] أي رغبتُ عنها وأعرضتُ. وقالَ ابنُ (١) ديوانه ٥٠ (٢) انظر ((خلق الإنسان) ٢٤٥. (٣) لعله يشير إلى أن الراغب قد دمج مادة (ترق) مع (رقو) إِذا أن الراغب قد ذكر التراقي في مادة ( رقي) في المفردات ٣٦٣. (٤) الخبر في تفسير ابن كثير ٢٤٠/٤. ٢٦٢ باب التاء عرفةَ: التّركُ على ضَربينٍ؛ مُفارقةُ ما يكونُ الإنسانُ فيه، وتركُ الشيءِ رغبةً عنه من غیرٍ دُخول فیه. وقوله: ﴿وَتَرَكْنا عليهِ في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨] أي أَبقَيْنا له ذكراً حَسَناً وخلّيناه مُخلَّداً أبد الدهرِ، ومن كلامِ الحسنِ رضيَ اللَّهُ عنه: ((إِنَّ اللَّهِ تَرائكَ في خَلقه))(١) أي أموراً أبقاها بينهم من طولِ الأمل لينبسِطوا في الدنيا. وتَرْكةُ الرجلِ: ولدُه وأهلُه وما خلّفه حياً كان أو ميتاً. ومنه: ((جاءَ إِبراهيمُ عليه السلامُ يُطالعُ تَرْكته))(٢) أي ولدَه وأهله حين خلَّفَهم بالقفْرَ وهو الحرمُ الشريفُ، وأصلُه من بيضِ النَّعام وهي التَّرْكُ. ولكن غلبت الترِكةُ في تَرِكةِ الميت. والتَّريكةُ بمعنى الثَّركِ أيضاً. ويقالُ لبيضةِ النَّعامِ تَريكةً لكونِها مَتْروكةُ في المفازة. ودخولُ النَّاءِ فيها شاذٌّ؛ فإِنَّ فَعيل بمعنى مفعول لا تدخلُ على تاءٍ إِلا سَماعاً كَالنَّصيحةِ والذَّبيحة، ولبيضة الحديد أيضاً تَشبيهاً ببيضةِ النَّعام، كما سُمِيتْ بيضةً كذلك. وقيلَ: التَّركُ ضَربانٍ: ضربٌ بالاختيارِ كقوله: ﴿واتْرُكِ البحرَ رَهْوَاً﴾ [الدخان: ٢٤]. وضربٌ بالقهرِ والاضطرارِ كقوله: ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ [الدخان: ٢٥]. ومنه تَرِكةُ الميت، ويتضمَّنُ معنى التَّصييرِ، فيتعدَّى تعديته. قالَ: [من البسيط ] ٢٢٦ - أَمَرْتُكَ الخيرَ فافْعِلْ ما اثْتَمرتَ بهِ. فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نْشَبِ(٣) فصل التاء والسين ت سع: التِّسعُ: عددٌ معلومٌ، وكذلك التِّسعون، وهي تسعة عقود؛ كلُّ عقد عشرةٌ، كما أنَّ واحدَ النُّسعِ غيرُ عقْدٍ، والتِّسعُ أيضاً من أظماءِ الإِبلِ (٤). والتَّسْعُ جزءٌ من تِسْعِ كالعُشْرِ والسُّدُسِ جزءٌ من عشرةٍ وستّةٍ. والتُّسَعُ لثلاثٍ بِقِينَ من آخرِ الشّهرِ آخرُها الليلةَ التاسعةَ. (١) النهاية ١ /١٨٨. (٢) النهاية ١٨٨/١. (٣) البيت لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ٢٥ . والنشب: المال الأصيل من الناطق والثابت. أو هو . المال والعقار . (٤) أي أن ترد الماء إلى تسعة أيام. ٢٦٣ باب التاء وتَسعْتُ القومَ كنتُ تاسِعَهم، أو أخذت تُسْعَ أموالِهم كرَبَعْتُهم وخَمسْتُهم. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، ﴿في تسع آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] ونحوهُ. فالتِّسعُ هي أحوالٌ أربعةٌ؛ ﴿ولقد أخذْنا آلَ فرعونَ بالسنينَ} [الأعراف: ١٣٠] أي القحطُ، وإخراجُ يدهٍ بيضاءَ من غيرِ سَوءٍ، وعصاهُ، وانغلاقُ البحر؛ فهذه أربعٌ. والخمسُ المذكورةُ في قولهِ: ﴿فأرسلنا عليهمُ الطُوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. وقوله: ﴿تِسعةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] هم الذين تَمالَؤوا على عَقْرِ الناقةِ، وكانوا عظماءَ أهلِ المدينةِ، فَيُفسدون فيها، فيَتْبِعُهم غيرُهم. ولذلك قيلَ فيهم ((رهطٌ)) لأنّهم ذَوو أتباعٍ(١). وقد اختلفوا في أسمائهم؛ فقالَ الغزنويُّ: هم قُدارُ بنُ سالفٍ، وهو أكثرهُم فساداً، وهو المذكورُ في كوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشقاها﴾ [الشمس: ١٢]، ومِصداعٌ، وأَسلمُ، ودَهْمى، ودُهَيمٌ، ودُعمى، ودُعيم، وفَتاك، وصَداق، وقيلَ غيرُ ذلك. وقال عطاءُ بن أبي رباحٍ: وهوَ تمثيلٌ ببعضٍ فسادِهم. وفي حديث ابن عباسٍ: ((لئن عشتُ إِلى قابلٍ لأصومنَّ التاسعَ))(٢). قال أبو منصورٍ (٣): يعني عاشوراءَ كأنه تأوَّل فيه عِشْرَ الوِرْدِ أنّها تسع أيامٍ. والعربُ تقولُ: وردتِ الإِبلُ عِشْراً أي وردتْ يومَ التاسعِ. قال الهرويُّ: ولهذا قالوا: عشرِينَ ولم يَقولوا عِشرَيْنِ، لأنَّهم جعلوا ثمانيةَ عشرَ عشرَيْنِ، واليومَ التاسعَ عشرَ والمكملَ عشرِينَ منَ الدَّورِ الثالثِ فجمعوهُ لذلك. قالَ: قيلَ: وكره مُوافقَةً اليهودِ لانهم يصومونَ العاشِرَ، فأرادَ أن يخالفَه بصومِ التاسعِ. قلتُ: هذا هو الذي عليهِ أهلُ العلمِ. فصل التاء والعين تع س: قالَ تعالى: ﴿فَتَعساً(٤) لهم﴾ [محمد: ٨]. (١) تفسير ابن كثير ٣٨٠/٣. (٢) الغريبين ٢٥٤/١ وغريب ابن الجوزي ١٠٧/١ والنهاية ١٨٩/١. (٣) تهذيب اللغة ٧٨/٢. (٤) ((قال أبو إسحاق في قوله تعالى ﴿فتعساً لهم﴾ يجوز أن يكون نصباً على معنى أتعسهم الله.)) اللسان (تعس: ٣٢/٦). ٢٦٤ باب التاء التَّعسُ: السُّقوطُ والعثارُ. يقالُ: أتعسَهُ اللَّهُ أي كبَّه. وتَعِسَ هو يَتْعَسُ تَعْساً، وإِذا عَثِرَ واحدٌ فِدُعيَ لهُ قيلَ: لَعاً لهُ أي انتعاشاً. وإِذا دُعيَ عليهِ قيل: تَعْساً لكَ(١). قال: فالتَّعْسُ أَولى لها من أن أقُولَ: لَعاً. فمعنَى تَعْساً لهم أي انكباباً وعثاراً وسُقوطاً ونحو ذلك. وقالَ الفراءُ: تَعَسْتُ بفتح العينِ إِذا خاطبتَ، فإِذا صِرتَ إِلى فَعَلَ قلتَ: تَعِسَ بكسٍ العين. وأَتْعَسَه اللَّهُ. قلتُ: وهذا غريبٌ إِذ لا يختلفُ الفعلُ بالنسبةِ إِلى إِسنادِه إِلى فاعلِ دونَ آخرَ إِلا في عسَى فقط كما بَيّاهُ. وفي حديث عائشةً: ((تَعِسَ مِسْطِحٌ)(٢) وهذه اللامُ(٣) متعلقةٌ بمحذوفٍ على سبيلِ البيانِ لا بالنَّفسِ كما بَيِّاهُ في غيرِ هذا. فصل التّاء والفاء ت ف ث: : قوله تعالى: ﴿ثم لِيَقِضُوا تَفَتَهم﴾ [الحج: ٢٩] أي ليُزيلوا وسَخّهم ودَرَنَهم الذي يجتمعُ عليهم حين أَحرمُوا. وأصلُ التَّفَثِ من وسخِ الظُّفْرِ وغيره عن الأبدان. وقال أعرابيّ لآخرَ: ما أَتْفَفَكَ وَأَدْرَنَكَ! ولذلك فسَّرِه ابنُ عرفة: لِيُزيلوا أَدرانَهم. قالَ النضرُ بنُ شُميلٍ: التَّثُ في كلامِ العربِ: إِذهابُ الشَّعْرِ. وفسَّرِه الأزهريُّ بقصِ الشارب، ونَتْفِ الإِبطِ، وَخَلقِ العانةِ، وقلم الأظفارِ، ممَّا كان ممنوعاً منهُ مُحرِماً (٤). وعن الأزهريِّ أيضاً: التَّثُ في كلامِ العربِ لا يُعرفُ إِلا من قولِ ابنِ عباس(٥) وأهلِ التفسيرِ رحمهم اللهُ. (١) في اللسان ( يدعو الرجل على بعيره الجواد إذا عثر فيقول: تعساً ! فإِذا كان غير جواد ولانجيب فعثر قال له: لعاً ومنه قول الأعشى : فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا ) ( بذات لوث عَفَرْ ناة إِذا عثرتْ . ((ويقول للعاثر: لعاً لك: دعاء أن ينتعش)) اللسان: لعا . (٢) غريب ابن الجوزي ١٠٨/١ والنهاية ١٩٠/١ والحديث قالته عائشة في الإفك حين عثرت صاحبتها، ومسطح هو من أقرباء أبي بكر ومن القائلين بالإفك . (٣) يقصد اللام في قوله تعالى (فتعسا لهم ). (٤) قال أبو عبيدة: التفث هو قص الأظافر وأخذ الشارب وشم الطيب وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. ((المقاييس: تفت). (٥). يقصد قوله ((التفث: الحلق والتقصير والأخذ من اللحية والشارب والإبط والذبح والرمي)) اللسان والتاج (تفث) وقال أمية بن أبي الصلت ( ديوانه ٥١٨): (شاحين أباطهم لم ينزعوا تفئاً ). ٢٦٥ باب التاء فصل التاء والقاف ت ق ن : قوله تعالى: ﴿صُنَعَ اللَّهِ الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ﴾ [النمل: ٨٨] أي أحكمه. والإتقانُ: الإحكامُ للشيءٍ والإتيانُ بهِ على أتمِّ صورةٍ. وفي الحديث: ((رحم اللَّهُ مَن عملَ شيئاً فَأَثْقَنه))(١). يقالُ: أتقنَ يُتْقِنُ فهو مُتَقِنّ. وأما التَّقْوى فاصلُ تائها واوٌ. فصل التاء والكاف ت ك أ: قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لهنَّ مُتْكاً(٢)﴾ [يوسف: ٣١]. المُتَّكأُ: ما يُتَّكأ عليه من وسادةٍ ونحوِها، وقيل: هو مكانُ الاتِّكاء. والاتكاءُ: الاعتمادُ. وقيل: هو طعامٌ يُتْناوَلُ(٣). يقالُ: أنَّكأنا على كذا. قال القُتَيبِيُّ: أنَّكأنا عندَ فلان أي أكلنا. وجعلَه بعضُهم من بابِ الكِنايةِ لأنَّ مَن يدعو الناسَ لِيُطعمُهم هيّاً لهم مُتْكاً غالباً. وأنشدَ لجميلٍ: [من الخفيف] وشرِبنا الحلالَ مِن قَلَّهْ (٤) ٢٢٧ - فظَللنا بنعمة واتكانا قال الراغبُ(٥): أي أُتْرجاً. قلتُ: مَن جعله الأترجَّ إِنّما قال ذلك في قراءةٍ مَن قَرأ مُتْكاُ ومَتْكاً بسكونِ التاءِ قراءتانِ شاذّتانٍ وأنشدوا: [من الوافر] تخبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوقاحِ(٦) ٢٢٨ - فأهدت مُتْكةً لبني أبيها (١) كشف الخفاء ٥١٣/١ وهو برقم ١٣٦٩. (٢) قرأالمطوعي والأعرج (مُتْكأ) الإتحاف ٢٦٤ والبحر المحيط ٣٠٢/٥ قرأ أبو جعفر والزهري وشيبة (مُثِّكاً) المحتسب ١ /٣٣٩ والإملاء للعكبري ٢٩/٢ وقرأ الحسن وابن هرمز (متكاءً) المحتسب والإملاء للعكبري وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والضحاك والجحدري والأعمش (مُتْكاً) وقرأ عبد الله ومعاذ (مَتْكاً) البحر المحيط ٣٠٢/٥. (٣) قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم في قوله (متكأ): هو المجلس المعد فيه مفارش ومخاد، وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه . تفسير ابن كثير ٢ / ٤٩٤ . (٤) ديوانه ١٨٨. القلل: جمع قلة وهي إناء كالجرّة. (٥) المفردات ١٦٧ . (٦) البيت في الدر المصون ٤٧٨/٦ والكشاف ٣١٦/٢ دون عزو. العثمثم من الإبل: الطويل في غلظ. الوقاح : الصلب . ٢٦٦ باب التاء وقيل: هو اسمٌ لما يُقطعُ بسكينٍ كأُتْرَجٌّ وغيرهِ. وأنشدوا: [من الخفيف] ٢٢٩ - نَشربُ الإِثمَ بالصّواعِ جهاراً ۔۔۔ ونَرِى المَتْكَ بَيننا مُستعارا(١) وفي الحرفِ قراءاتٌ لستُ بصددٍ بيانِها هنا لذكرِها في غيرِ هذا. فمتّكأ في قراءةٍ العامَّة وزنِ مُفْتعل. فصل التاء واللام ت ل ل : قوله تعالى: ﴿فلما أَسْلما وتلَّهُ للجبينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي صرعَه على جَنْبه. يقال: تَللتُه أَتْلُه تَلاَّ: صرعتُه، وأصلُه من الثَّلِّ وهو المكانُ المرتفعُ؛ فمعنَى تللتُه: أسقطتهُ على التلِّ. وقيل: بل هوَ من التَّليلِ، والتليلُ: العُنقُ (٢). فمعنى تللتهُ: أسقطتهُ على تليلةٍ، ثم عُبْر بهِ عن السقوطِ مُطلقاً، وإِن لم يكنّ على تِلِّ ولا تَليل. والمِثَلُّ: الرمحُ من ذلك، لأنه يُثَلُّ به أي يُطعنُ، فهو سببُ السقوطِ. ﴿وَتَلَّه للجبينِ﴾ مثلُها في قولهِ: ﴿يَخِرّون للأذقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقوله: [ من الطويل] ٢٣٠ - فخرَّ صريعاً لليدينِ وللفم (٣) والمَثَلُّ بفتح الميم: اسمُ المصدرِ أو المكانِ أو الزمانِ، ومنه حديثُ أبي الدَّرداءِ: ((وتركوكَ لِمَتَلِّكَ)) (٤) أي لمصرعِكَ. وفي حديث آخر: ((فجاءَ بناقةٍ كوماءَ فتلُّها))(٥) أي أناخَها. (١) البيت دون عزو في الدر المصون ٤٧٩/٦ والقرطبي ١٧٨/٩ والتاج (متك) واللسان ( أثم). (٢) ((قال الأصمعي: العنق مذكر، وهو الجيد والتّليل وجمعه أقلّة، والهادي والكَرْد) انظر : خلق الإنسان ٢٠٠ . (٣) عجز بيت لجابر بن حيان فى المفضليات ٢١٢ وصدره: (تنا وله بالرمح ثم اتّنى له) وللأشعث الكندي في الأزهية ٢٨٨ وصدره :(تناولت بالرمح الطويل ثيابه)، ولربيعة بن مكدم في الاغاني ٦٧/١٦ وصدره : (وهتكت بالرمح الطويل إهابه)، ولعاضم بن مقشعر في معجم الشعراء ١١٤ وصدره : (دلفت له بالرمح من تحت بزّه). (٤) غريب ابن الجوزي ١١٠/١ والنهاية ١٩٥/١ والحديث لأبي الدرداء. (٥) غريب ابن الجوزي ١١٠/١ والنهاية ١٩٥/١ ومسند أحمد ٣١٥/٤. ٢٦٧ باب التاء والتَّلُّ أيضاً: الصَّبُّ. وفرَّقوا بينَ فعلهما فقالوا: تَلَّ يَتِلُّ بالكسر: سَقَطَ. وتلَّ يَتُلُّ: صبَّ، وفي الحديث: ((بينا أنا نائمٌ أُتيتُ بمفاتيحٍ خزائنِ الأرضِ فَتُلَّتْ في يدِي))(١). قال ابنُ الأعرابيّ: معناه صُبَّتْ، قال ابن الأنباريِّ: ألقيَتْ. وعندي أن هذه كلَّها معانٍ متقاربة: السقوطُ والإلقاءُ والصبُّ للقدرِ المشتركِ. قالَ الهرويُّ: تأويلِ الحديث: ما فتَحَه اللَّهُ لأمته بعدَ وفاتهِ. وعندي أنه على غيرِ ذلك، وهو سعةُ الدُّنيا، كما جاء مُصرَّحاً بذلك في (الصِّحاحِ)) وهو اللائقُ بصفةٍ سيدنا رسولِ الله عَليه. وإِن كانَ ما قاله الهرويُّ حسناً فهذا أحسنُ. ت ل و: التِّلاوةُ: المُتابعةُ. يقالُ: تلوتُ زَيداً أي تَبعتهُ. وغلبَ في العُرفِ التلاوةُ على قراءة القرآن(٢)؛ فمنهُ قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَه حقَّ تِلاوتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] لانَّ القارئَ يُتبعُ كلَّ كلمة أختها. وقيلَ: ﴿ فَالتَّالياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] قيل: هُمُ الملائكةُ؛ يتلونَ وحِيَ اللَّهِ على أنبيائه أو يتلونَ ذكرَ اللَّهِ بتسبيحهم وتقديسهم، أو هُم كلُّ مَن تَلا ذكرَ اللَّهِ من مَلَكٍ وغيره. وقوله: ﴿تَتْلو(٣) كلٌّ نفسٍ ما أَسْلِفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] أي تَتْبعُ عَمَلَها إِنْ خَيْراً فللجنَّةِ، وإِن شَرّاً فالنارِ. وفي معناهُ: ﴿يومَ تجِدُ كلُّ نَفْسٍ مّا عَمِلتْ من خَيْرَ مُحضَراً وما عَمِلتْ من سُوءٍ تَوَدٌّ ﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية. وقيل: تلاهُ: تَبِعَه مُتابعةً ليس بينهما ما ليس منْهما؛ فتارةً يكونُ بالجسمِ نحو: تَلَوتُ زيداً، وتارةً بالاقتداءِ في الحكم ومصدرهُ التُّلُوُّ والتِّلْوُ، وتارةً بالقراءةِ وبفهم المعنى ومصدرهُ التِّلاوةُ . فالتِّلاوةُ أخصُّ من القراءة؛ وذلك أن التِّلاوةَ تختصُّ باتّباعٍ كتبهِ المُنزلةِ؛ (١) غريب ابن الجوزي ١١٠/١ والنهاية ١٩٥. ومسند أحمد ٢٦٤/٢ والبخاري: كتاب التعبير، برقم ٦٥٩٧ ومسلم في كتاب الرؤيا. (٢) ((يقال القرآن تلاوة، وتلوت فلان تُلُوَّاً. وهو في القرآن على خمسة أوجه. - القراءة - العمل - الاتّباع - الرواية . - الإنزال.)) انظر الأشباه والنظائر ١٠٦ - ١٠٧ . (٣) قراءة حمزة والكسائي وخلف ( تتلو). وقرأ الباقون ( تبلو) . ٢٦٨ باب الباء تارةً بالقراءة وتارةً بالامتثال لما فيهِ من أمرٍ ونَهيٍ وترغيبٍ وتَرهيبٍ، أو ما يُتَوَهَّمُ فِيه ذلك، وعلى هذا ﴿ يتلونَه حقَّ تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١]. وقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهدٌ منهُ﴾ [هود:١٧] أي يتبعُ أحكامهُ ويَقْتدي بها ويعملُ بموجبِها. وقوله: ﴿وَاتََّعُواْ ما تَتْلو الشياطينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] سمَّاهُ تلاوةٌ تنزيلاً على اعتقاد الشيطان، فإِنه كان يزعُمُ أنَّ ما يتلوهُ من كتبِ اللَّه تعالى. وقوله: ﴿والقمرِ إِذا تلاها﴾ [الشمس: ٢] إِنما قالَ تلاها لأنَّ معناهُ هنا الاقتداءُ، وذلك لما قيلَ إِنَّ القمرَ مقتبسٌ من نورِ الشمسِ؛ فهو لها بمنزلة الخليفة. وعلى هذا نبّه بقوله: ﴿وجعلَ فيها سراجاً وقَمزاً مُنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. فأخبرَ أَنَّ الشمسَ بمنزلة السراجِ، والقمرَ بمنزلةِ النورِ المقتبسِ منهُ. وعليهِ: ﴿جِعلَ الشمسَ ضياءً والقمرَ نوراً﴾ [يونس: ٥]، لأنَّ الضياءَ أقوى من النور، فهو أخصُّ منهُ. وقد ذكرْنا هذه النكتةَ عندَ قوله: ﴿ذهبَ اللَّهُ بنورِهم﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل بضيائهم. وقوله: ﴿يتلونَه حقٍّ تلاوتهِ﴾ يحتملُ القراءةَ بأن يُقيموا ألفاظه من غيرِ تحريفٍ ولا لحنٍ، ويتدبِروا معانِيَه، ويحتمل الاتِّباعَ بالعِلمِ والعَملِ، والأولى حمله على جميع ذلك. إِلاَ أنَّ مَن قَوَّم لفظَه ولم يَتْبعْه في العلمِ والعملِ ليس بتالٍ وإِن قرعَ دماغَه. ومَن تبعَه في العلمِ والعمل تالٍ وإِنْ لم يتلفّظْ بهِ، وفيه حديثٌ ذكرناهُ في مَوضعهِ. وفي الحديث: ((لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ)﴾(١) أصله تَلَوْتَ فقُلبتِ الواوُ ياءُ لازدواجٍ الكلامِ كقوله: ((ارجِعْنَ مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ))(٢)، وقوله: ((أيَّتكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأزبِّ تَنْبحُها كلابُ الْحَوْءَبِ﴾(٢). يريدُ مأزوراتٍ، والأزبُّ الكثير الشعر وفلانٌ يَتلو على فلان ويقولُ علیه، أي یکذبُ .. (١) الغريبين ١ /٨١، ٢٦١/١ والنهاية ١٩٥/١،٦٢/١ وغريب ابن الجوزي ٣٧/١ ومسند أحمد ١٢٦/٣ والبخاري برقم ١٢٧٣ ومسلم برقم ٢٨٧٠ وشرح السنة ٤١٥/٥ والحديث ذكرا آنفاً في ( ألو) . (٢) شرح السنة ٤٦٥/٥ والنهاية ١٧٩/٥ وأخرجه ابن ماجه في اتباع النساء الجنائز ٣٠٥/١. (٣) غريب ابن الجوزي ٢٥٠/١ والنهاية ٤٥٦/١ والجواب: الوادي الواسع. وقال ابن الأثير: الجواب: منزل بين مكة والبصرة وهو الذي نزلته عائشة لما جاءت الى البصرة في وقعة الجمل . والحديث قاله ﴾ لنسائه - ٢٦٩ باب التاء والتُّلاوة بالضمّ والتَّليّةُ: البقيَّةُ ممَّا يُتْلَى أي يُتَبَّعُ. وأَتليتُهُ: أبقيتُ منه تُلاوةٌ . فصل التاء والميم ت م م: والتَّمامُ: ضدُّ النّقْصانِ، وهو عبارةٌ عن انتهاءِ الشيءٍ إِلى حدِّ لا يَحتاجُ إلى شيءٍ خارجٍ عنهُ، والناقصُ: مالم يَنْهِ إِلى ذلك. ويقالُ: عددٌ تمامٌ وناقصٌ، وثوبٌ تمامٌ وناقصٌ، وليلٌ تامٌّ، والليلُ التِّمامُ(١). ويقالُ: هو الطويلُ، وعليه قولُ النابغة الذُّبيانيُّ: [من الطويل] لِحَلْيِ النِّساءِ في يديهِ قَعاقِعُ(١) ٢٣١- يُسَهَّدُ من ليلِ التِّمامِ سَليمُها ويقالُ: لكلِّ حاملةٍ تمامٌ مِن ذلك؛ قالَ: [ من الوافر] . ٢٣٢ - أنَى ولكلٌ حاملة تمامُ(٢) وقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعينَ ليلةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢] إِشارةٌ إِلى أنه لم يتجوَّزْ فيها، فأطلقَ الكلَّ وإِن نقصَ بعضُ جزءٍ، لأنَّ العرب قد تفعلُ مثلَ ذلكَ، يقولون: سِرْنًا ثلاثةَ أيام، يريدونَ يومينٍ وبعضَ الثالث، وعليه ﴿الحجِّ أشهرٌ معلوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومثلُ قولهِ: ﴿فتمَّ ميقاتُ ربِّه﴾، قوله: ﴿تلكَ عشرةٌ كاملةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: ﴿وإِذِ ابْتَلى إِبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فَأَتَّمَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال الفراءُ: فِعَمِلَ بهنَّ(٣). وقالَ غيرهُ: تمَّ إِلى كذا: بلغَه ومضَى عليهِ، وأُنشدَ للعجاجٍ: [من الرجز] (١) ديوانه ٠٣٣ وليل التمام أطول ليالي الشتاء، ((وليل التمام أيضاً الذي يطول على من قاساه، وإِن قصر والسليم : الملدوغ. وقوله (لحلي النساء في يديه قعاقع ) قال أبو عمرو وغيره : كان يفعل به ذلك لئلا ينام فيدب السم فيه ، ديوانه ٣٣ وفيه أقوال أخرى . (٢) عجز بيت لعمرو بن حسان كما في اللسان (حمل، منن) وهو في المقاييس ١٠٦/٢ (حمل) دون عزو وصدره : ( تمخضت المنون له بيومٍ ). (٣) « قال الفراء: يريد فعمل بهن، والكلمات عشر من السنة: خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتي في الرأس : الفرق وقص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك ، وأما التي فى الجسد: فالختانة وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الرفغين والاستنجاء بالماء، اللسان: (تمم ) ١٢ /٦٧ ومعاني الفراء ١ /٠٧٦ وانظر صحيح البخاري في اللباس باب تقليم الأظفار ٥٥٥١-٢٥٥٢. ٢٧٠ باب التاء إلى المعالي وبهنّ سُمِّوَا(١) ٢٣٣- لما دُعُوا: یالَ تَمیمٍ تَمُّوا -- - ١ وقوله: ﴿تماماً على الذي أحسنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي على مُوسى بما أحسنَه من طاعة ربِّه، أو تماماً منَ اللّه على المحسنين. واختارَه الزجاجُ. والنِّمُّ والتَّمُّ والتَّامُ بمعنى واحدٍ. وفي الحديث: ((الجذَعُ التَّامُ))(٢) ويروى ((التِّمُ)). وقوله: ﴿وتمَّتْ كلمةُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي حقَّتْ ووجَيتْ لم ينقصْ منها شيءٌ. والنَّمائمُ: خَرزاتٌ تُعلَّقُ على الصبيُّ لدفعِ العين في زعمِهِم، فأبطل بها الرُّقَى عليه الصلاةُ والسلامُ (٣)، قال الشاعر: [ من الطويل] ٢٣٤ - بلادٌ بها نِيطَتْ عليْ تَمائمي وأوْلُ أرضٍ مسَّ جسمي تُرابُها (٤) وقال أبو ذؤيبٍ الهذليُّ فِي مَرَثيتهِ: [من الكامل] أَلْفَيْتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ(٥) ٢٣٥- وإذا المنيَّةُ أنشبتْ أظفارها فصل التاء والواو ت و ب: التَّوبةُ والتَّوبُ: الرجوعُ. يقالُ: تابَ وثابَ بالمثنَّة والمثلَّثة أي رجعٌ من قبيحٍ إِلى جميلٍ. وقوله: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] كقوله: ﴿وهو الذي يُقبلُ الثَّوبةَ عن عبادهٍ﴾ [الشورى: ٢٥]. فالتوبةُ من اللَّهِ على عباده: الرجوعُ بهم منَ المعصيةِ إِلى الطاعة. ومنه قوله: ﴿فتابَ عليكم﴾ [البقرة: ٥٤]. وقد يكونُ الرجوعُ بهم من الحظرِ إِلى الإباحةِ، كقولهِ: ﴿علمَ اللَّهُ أنكم كنْتُم تَخْتانون أنفسَكم فتابَ عليكم﴾ [البقرة: ١٥٧] أي أباحٌ (١) ديوانه ٢ /١٢٤ ( عزة حسن) . (٢) غريب ابن الجوزي ١١٢/١ وروايته فيه ((الجذع التم يجزئ) وهو في النهاية ١٩٧/١ والحديث لسليمان بن يسار . (٣) الحديث ((من علق تميمة فلا أتم الله له)) المقاييس ٣٣٩/١ (تم) ويريدون بالتميمة أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب (٤) البيت الرقاع بن قيس الأسدي وهو في اللسان والتاج (نوط، تمم). نيط عليه الشيء: عُلُّق عليه. (٥) البيت من مرثيته الشهيرة التي قالها وقد هلك له خمسة بنين في عام واحد، أصابهم الطاعون. وقيل كان له سبعة بنين شربوا من لبن شربت منه حية ثم ماتت فيه ، فهلكوا في يوم واحد. والبيت مع قصيدة في ديوان الهذليين ٣/١. --- ٢٧١ باب التاء ما حظّره. وقد يكونُ من الأثقلِ إِلى الأخفِّ، كقوله تعالى: ﴿عَلَمَ أنْ لَنْ تُحصوهُ فتابَ عليكُم فاقرؤوا ما تَيسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقوله: ﴿فَتُوبوا إِلى بارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤] أي ارجعوا إِلى أوامِرِه وانتهُوا عن نواهيهِ. والتَّوَابُ: صيغةٌ مبالغةٌ يوصَفُ بها اللَّهُ تعالى لكثرةٍ قَبولِهِ تَوبةً عبادهِ، والعبدُ لكثرةِ وقوعها منهُ إِلى ربِّه، ومنه ﴿وإليهِ مَتَابٍ﴾ [الرعد: ٣٠] أي رُجوعي إِليهِ لا إِلى غيرهِ تَعريضاً بإشراكهم معهُ آلهةٌ أخرى يرجعون إليها في شدائدهم. وقال بعضُهم(١): الثَّبُ: تركُ الذَّنبِ على أحدٍ (٢) الوجوهِ، وهو أبلغُ ضروبٍ الاعتذار، فإِنَّ الاعتذارَ على ثلاثة أوجهٍ: إِما بـ((لم أفعل))، أو فعلتُ لكذا، أو فعلتُ وأسأتُ وقد أقلعتُ، وهذا هو النَّوبُ(٢). والثّوبةُ النَّصوحُ في قوله تعالى: ﴿تَوبةٌ نَصوحاً﴾ [التحريم: ٨] هي تركُ الذنب القُبحهِ، والنَّدمُ على فعلهِ، والعزمُ على عدمٍ مُعاوَدتهِ، وتداركُ ما أمكنَ تداركُه، مِن ردُّ ظُلامةٍ ونحوِها، حسبما بيّناهُ في ((الأحكام)) و((التفسير))، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ومَن تابَ وعمل صالحاً فإِنَّه يتوبُ إِلى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان: ٧١]. ألا ترى كيف كرَّرَ لفظه وأكَّدَه بمصدرهِ، وصرَّح بالعملِ الصالحِ وضمَّن الثَّوبَ معنى الإنابة، فلذلكَ عُدِّي پإلى في قَولِه: ﴿فإِنه يتوبُ إِلَى اللَّه ﴾ [الفرقان: ٧١] كقوله: ﴿وَأَنيبوا إلى ربِّكُم﴾ [ الزمر: ٥٤]. فصل التاء والياء ت ي ر: قوله تعالى: ﴿تارةً أُخرى﴾ [طه: ٥٥] أي مرةً أو كرةً أخرى، وهي فيما قيلَ من تَأَرَ الجرحُ إِذا التأَمَ. وألفُها الظاهرُ أنها عن واوٍ. ويجوزُ أن تكونَ عن ياءٍ. وتُجمعُ على تِرةٍ، وهي تُرجَّحُ الياءَ، وتاراتٍ. قال الشاعر: [من الطويل] (١) المفردات ١٦٩. (٢) المفردات ١٦٩ ((على أجمل الوجوه)). وللتوسع في هذا البحث يرجع الى ((إحياء علوم الدين) للغزالي الجزء الرابع ١-٦٢. (٣) أي النوع الثالث والأخير . ٢٧٢ باب التاء فيبدو وتارة يجمَّ ويغرقُ(١) ٢٣٦ - وإنسانُ عيني يحسرُ الماءَ تارةٌ. وانتصابُها على المصدرِ. والثَّوريةُ تُذكر في بابِ الواوٍ. ت ي ن: التِّينُ: هذه الفاكهةُ المعروفةُ. قوله تعالى: ﴿والتينِ وَالزَّيتونِ﴾ [التين: ١] قيلَ: :اسمٌ لجبلينِ يُنْبتانِ العِّينَ والزيتونَ بالشام، يُسمَّيانِ بطورٍ سيناء وطورٍ زَيتا. وقيلَ: التينُ مسجدُ نوحِ المبنيُّ على الجوديِّ(٢)، والزيتونُ مسجدُ بيتِ المقدسِ(٣). وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما:(هو تِينُكم الذي تأكلون وزيتونُكم الذي تعصرون))(٤). وقيلَ: العِّينُ جبلُ دمشقَ، والزيتونُ جبلُ القدس، وفيهما أقوالٌ أُخرُ تركناها لموضعٍ أليقَ من هذا. وعن أبي ذَرٍّ: ((أنه أهدي إِلى رسولِ اللَّه ◌َمَُّ مرةً تينٌ. فقالَ: كُلُوا. وأُكلّ منه، ثمّ قالَ: لو قلتُ: إِن فاكهةٌ نزلتْ منَ الجنةِ قلتُ: هذه؛ فإِن فاكهةَ الجنة بلا عَجَمٍ فكلوها فإِنها تَقطعُ البواسيرَ وتَنفعُ مِنَ النقرسِ)). ت ي هـ: قال تعالى: ﴿يَتِيهونَّ في الأرضِ ﴾ [المائدة: ٢٦]. والنِّيهُ: الحَيْرةُ. تاهَ يَتِيهُ تَيهاً كباعَ يبيعُ بَيْعاً؛ فهو تائهٌ أي حائرٌ. وَتَاهَ يتُوهُ تَوهاً فهو تائهٌ؛ فيهما لغتان. وتَيِّهتهُ وتوَّهتهُ نحو طيّحتَهُ وطوَّحتهُ. ووقعَ في التِّيهِ والتَّوءِ أي موضعٍ الحيرة. وأصلهُ من الأرضِ الثَّيهاءِ وهي المفازةُ المجهولةُ المسلكِ لعدم وجودٍ منارٍ أو علمٍ بها، فمن سَلكها حصلَ له التِّيهُ. ويُستعارُ لمن رُفعَ عن طريقِ القصدِ وانهمكَ في اللذَّةِ، فيقالُ: فلانٌ تَّاهُ. : (١) البيت لذي الرمة في ديوانه ٤٦٠. (٢) في تفسير ابن كثير ٤ /٥٦٣: هو قول ابن عباس. . (٣) هو قول كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم تفسير ابن كثير ٥٦٣/٤. (٤) هو قول مجاهد وعكرمة كما ذكر ابن كثير، ولم يذكر ابن عباس. تفسير ابن كثير ٤ / ٥٦٣. ٢٧٣ باب الثاء المثلثة فصل الثاء والباء ث ب ت: الثباتُ والثبوتُ: ضدُّ الزوال. يقالُ: ثبتَ يثُبُتُ ثَبْتاً وثَباتاً وتُبوتاً أي، يُقوي جنانَهم حتى يُجيبوا الملكينِ في القبرِ لما يسألانِهم، وهو راجعٌ لما قدَّمنا؛ فإِنَّ تقويةَ الشيءِ يُثبتُه ولا يُزيلُه. ومنه: ﴿فَثَبِّتُوا الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ١٢]، ألا ترى كيف قابله بقوله: ﴿ سأُلقي في قلوبِ الذينَ كفروا الرُّعبَ﴾ [الأنفال: ١٢]. ورجلٌ ثَبْتٌ وثَبيتٌ أي لا يزولُ عن النَّصرِ في الحرب. واستُغيرَ للرجلِ الصَّدوقِ للزومه مقالَّهُ لا يَتَزِلزلُ فيه. وقولُه: ﴿وَتَثْبيتاً من أنفُسِهِم﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي طمأنينةً لا قلقَ ولا تَزِلُزُلَ معها. ومثلهُ قولُه: ﴿وَثَبِّتْ أقدامَنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠] وقوله: ﴿لُثْبِتوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] يريدُ: ليفعلوا بك فعلاً يَحبسونَكَ بهِ في ذَهابِكَ وحَركتِك نحو: أُثْبتَ الصَّيْدُ إِذا رميتَه، فحُبسَ، وأُثبِتَ السهمُ من ذلك. وأصبحَ المريضُ مُثْبَتاً: أي لا حَرَاكَ بهِ. والإثباتُ: يقالُ تارةً بالبَصرِ نحو: أنت ثابتٌ عندي، وأخرى بالبصيرة نحو: نُبوةُ محمّدٍ لَّ له ثابتةٌ عندَنا، وتارةً بالقولِ صِدْقاً نحو: أثبتَ التوحيد والنُّبوة، أو كذباً نحو أثبت فلانُ معَ اللَّه إِلهاً آخرَ، وتارةً بالفعل فيقالُ لِما أوجدَه اللَّهُ منَ العدمِ: أثبتُه اللَّهُ. وتارةً بالحكم نحوُ: أَثبتَ القاضي على فلانٍ دَيناً، وثبَّتَه عليهِ. كلُّ ذلك تابعٌ لِما ذكرناهُ. وقولُه: ﴿وأشَدَّ تَئبيتاً﴾ [النساء: ٦٦] أي أشدَّ لتحصيلِ علمِهم. وقيلَ: أثبتَ لأعمالهم واجتناءِ ثمرةٍ أفعالهم. وأنْ يكونوا خلافَ من قالَ فيهم: ﴿وَقَدِ منا إِلى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فجعلناهُ هَباءً مَنْثوراً ﴾ [الفرقان: ٢٣]. ث ب ر: قال تعالى: ﴿دَعَوا هُنالِكَ تُبوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. الثُّبورُ: الهلاكُ، يقولون: واثْبُوراه! فيقالُ لهم: ﴿لا تَدْعوا اليومَ ثُبُوراً واحداً ﴾ [الفرقان: ١٤] أي دعاءً واحداً، بهذا القول بل كرّروهُ فإنه لا يُجدي عليكم شيئاً. وهذا ٢٧٤ باب الثاء قبلَ أنْ يقال لهم: ﴿اخْسَوْوا فيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] لأنه مُنادى حالهم، وأصلُه المنعُ منَ الخيرِ. يقالُ: ما ثَبَرك عن كذا؟ أي ما صَرَفَكَ ومَنَعَك. وثَبرتُه عنه فهو مَثْبورٌ. ولا شكَّ أنَّ الممنوعَ من الخيرِ مالكٌ. والمثابرةُ على الشيءٍ: المواظبةُ عليه. يقالُ: ثابرتُ على هذا الأمر، كأنه منعَهُ أن یصرفَ إِلى غيرهِ. وقولُه: ﴿وإِنِي لأظنُّكَ يا فرعونُ مَثْبوراً﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي هالكاً، وقيلَ: ناقصَ العقلِ لمقابلةٍ قولِهِ له: ﴿مَّسْحوراً﴾ [الإسراء: ١٠١]. ونقصانُ العقل أشدُّ هلاكاً. وقيل: ملعوناً مطروداً . والثّبورُ: اللعنُ والطَّردُ. وثَبرَ الرجلُ: ذهبَ عقلُه من ذلك، لأنَّ مَن يفقدْ عقله يَھلكْ. وثَبِرَتِ القَرحةُ: انْفتحُتْ. وفي حديثٍ أبي بُردةَ حينَ قالَ له معاويةُ: ((انظرْ إِلى قَرْحَتِي فَنظرتُ فَإِدا هِي ثَبِرَتْ))(١). والثّبْرَةُ: النّقْرةُ في الشيءِ، وهي أيضاً ما يُنْتَقعُ فيه الماءُ من التِّلاع. والمَثْيُرُ: مَسقطُ الولد، وأكثرُ ما يكونُ في الإِبلِ، وفي حديث أُمِّ حكيمٍ بنٍ حَزَامٍ: ((أنها ولدتْه في الكعبةِ فحُمل في نِطْعٍ وأُخذَ ما تَحتَ مَثْبِرِها فَغُسل عندَ حوضٍ زَمزمَ))(٢). وثَبِيرٌ: جبلٌ بقرب عرفةَ كأنه يُهلِكُ من يتوقّلُه. قال امرؤ القيسِ: [ من الطويل] كبيرُ أُناسٍ في بجادٍ مُزَمَّل(٣) ٢٣٧ - كأنَّ ثَبيراً في أفانینٍ وَدْقِهِ وكانوا يقولون: أشرِقْ ثَبِرُ حتى تُغِير (٤)، ثم يُفيضون. (١) الغريبين ٢٧٣/١ وغريب ابن الجوزي ١١٨/١ والنهاية ١ /٢٠٦. (٢) غريب ابن الجوزي ١ /١١٨ والنهاية ٢٠٦/١. (٣) ديوانه ٢٥ وهو من معلقته . (٤) في الحديث : كان المشركون إذا أرادوا الإفاضة قالوا: أشرق ثبير كيما نغير، وذاك أن الناس في الجاهلية كانوا إِذا قضوا نسكهم لا يجيزهم إلا قوم مخصوصون .... وكانت صورة الإجازة أن إِیا. سيارة كان يتقدم الحاج على حمار له ثم يخطب الناس فيقول : .... أشرق ثبير كيما نغير ، أي نسرع إلى النحر، وأغار أي شدُّ العُدُوَّ وأسرع. معجم البلدان: ثبير ٧٣/٢، وانظر اللسان ( ثير): وهو مثل ورد في مجمع الأمثال ١ /٣٦٢، ٤١٠. ٢٧٥ باب الثاء ث ب ھـ: قال تعالى: ﴿ فَانْفِرِوا ثُباتٍ أَوِ انفِرِوا جميعاً﴾ [النساء: ٧١]. والثّباتُ جمِعُ ثُبَةٍ وهي الفرقةُ. والمعنَى انْفِروا جماعاتٍ فِي تَفرقةٍ، يريدُ سَريَّةٌ في إثرٍ أخرى. يُقالُ: ثَبِّيتُ الجيشَ جعلتُه ثُبَةً. قال يصفُ خيلاً: [ من الطويل] ثُباةً عليها ذُلُّها واكتئابُها(١) ٢٣٨- فلما جَلاها بالإِيَامِ تَحَیَّرتْ وثَبَّيْتُ على الرجلِ: ذكرتُ مُتَفرِّقَ محاسِنِهِ. وأصلُ تُبَةٍ ثُبَةٌ لأنها بهاءِ، فحُذفتْ، وتُجمعُ على ثُباتِ المشهورُ كسرُ تائها نصباً كغيرِها من جمعِ المؤنثِ السالم(٢)، وفيها لُغيَّةٌ تُنصبُ فيها بالفتحةِ. وَقُرئ ((فانْفروا ثُباتاً))(٣). ويُروَى قولُه: تحيّرتْ ثَباتاً بالفتحة. أما ثُبةُ الحوضِ، وهي وسَطُهُ، فمن ثابَ يَثوبُ. والمحذوفُ عينُها وليستْ من هذه في شيءٍ وإِنِ اشْتَبَه لفظُهما. فصل الثاء والجيم ٹ ج ج: قال تعالى: ﴿ماءٌ ثَجّاجاً﴾ [النبأ: ١٤] أي شديد الانصباب. ومنه: أتَى الوادي بُثَجِيجهِ. وثَجَّ الماءُ يَتُجُّ ثَجّاً فهو ثَجَاجٌ. وفي الحديث: ((أفضلُ الحجِّ العجُّ والنَّجُ (٤)))؛ فالعجِّ رفعُ الصوتِ بِالتَّلبيةِ، والثَّجُّ: إسالةُ دمِ الهدايا. وفي حديثٍ أُمِّ معبدٍ: ((فحلّبَ فيه ثَجًا)(٥). وعن الحسنِ في حقٌّ ابن عباسٍ: ((كان مِثَجًّ)(٦) أي يصبُّ الكلامَ صَبّاً؛ يصفُه بغزارةِ العلمِ. يقالُ: ثججتُه أتُجُّهُ فُتُجَّ، والقاصرُ والمتعدِّي سواءٌ. (١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين ٧٩/١. جالها: طردها. الإيام: الدخان. (٢) يقصد كلمة (ثباة) فى البيت السابق. ورواية الديوان (ثبات) على أنها جمع مؤنث سالم . (٣) ذُكرتْ هذه القراءة في معجم القراءات ١٤٤/٢ نقلاً عن شرح كافية ابن الحاجب ١٨٩/٢ دون عزو لهذه القراءة . (٤) الحاكم ٤٤٢/١ وشرح السنة ١٤/٧ والبيهقي ٤ /٣٣٠ وعارضة الأحوذي ٤ /٤٥ والنهاية ٢٠٧/١ وغريب ابن الجوزي ١ /١١٨. (٥) غريب ابن الجوزي ١١٩/١ والنهاية ٢٠٧/١. (٦) النهاية ١ /٢٠٧ وغريب ابن الجوزي ١١٩/١. ٢٧٦ باب الثاء فصل الثاء والخاء ٹ خ ن : الإِثخانُ: تكثيرُ الشيءٍ وتطبيقُه بعضُه على بعضٍ. ومنه ثوبٌ ثخينٌ أي مُتركبُ الغَزلِ، قويُّ النسجِ، وقولُهِ تعالى: ﴿ما كانَ لنبيّ أن يكونَ لَهُ أُسرَى حتى يُثُخْنَ في الأرضِ﴾(١) [الأنفال: ٦٧] أي يُكثِرُ قتلَ العدوِّ والمحارب، فتقْوَى شوكةُ دينه. وثَخُنَ جيشُه على الاستعارة من ثَخانةِ الثوبِ والعسلِ ونحوِهما. كما يقالُ: ثَخُنَ الشرابُ يَنْخُنُ فَخانةً فهو ثَخينٌ إِذا لم يَسِلْ وعسر صبُّه. وكان رأيُ أبي بكرٍ مُفاداةِ الأسرى ورأيُ عمرَ في قَتلهم، وكلٌّ لهُ مَقصِدٌ صحيحٌ. فنزلَ القرآنُ بموافقةٍ عمرَ، ولذلكَ فسَّرَه بعضُهم بمعنى: حتى يمكِّنَ فيهم. وقالَ الأزهريُّ: يبالغُ في قتلٍ أعدائهِ، وهو بمعنى الأولِ. والإِثخانُ أيضاً: التَّشْدِيدُ، ومنه أثخنه المرضُ أي اشتدَّ عليهِ. وأثْخنتْهُ الجراحةُ: تمكَّنتْ منهُ، ومنه ﴿حتى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ [محمد: ٤] أي بالغْتُم في قَتْلِهم. وأَنشدَ المفضَّلُ: [ من الطويل] ٢٣٩ - وقد أثخنت فِرْعونَ في كُفرِهِ كُفْرًا (٢) أي بالغَتْ وزادَتْ. فصل الثاء والراء ث رب : قولُه تعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عليكِمُ اليومَ﴾ [يوسف: ٩٢]: لا تقريعَ ولا تَبْكيتَ. يقالُ: ثَرَّبْتُ على فلانٍ: عدَّدْتُ ذنوبَه عليهِ. وفي الحديث: ((فليَجلِدْها ولا يُثَرُّبْ))(٣) أي لا يُقَرِّعْها بعدَ الضَّرْبِ. : (١) أسهب ابن كثير في ذكر اختلاف الآراء وأسباب نزول الآية. تفسير ابن كثير ٣٣٨/٢ وللتوسع يمكن الرجوع إلى كتب أسباب النزول . (٢) عجز بيت ورد في الدر المصون ٦٣٨/٥ دون عزو وصدره: ( تصلي الضحى ما دهرها بتعبّد) وانظر تفسير القرطبي ٤٨/٨ والغريبين ٢٧٦/١. : (٣) البخاري في الحدود برقم ٢٠٤٥ ومسند أحمد ٢٤٩/٢ وغريب ابن الجوزي ١١٩/١ والنهاية ٢٠٩/١ ومسلم برقم ١٧٠٣. وتمام الحديث: (إِذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها .. » ۔۔ ٢٧٧ باب الثاء قالَ الراغبُ(١): ولا يُعرفُ من لفظهِ إِلا قولُهم الثَّرْبُ، وهو شحمةٌ رقيقةٌ :. قلتُ معنى التَّثريبِ مشتقٍّ من الثَّرْبِ، وهو شحمٌ رقيقٌ على القلبِ، ومَعنى ثَرَّبْتُه أزلتُ شحمَ فؤادهِ من شدَّةِ التَّقريعِ. فالتَّفعيلُ فيهِ للسَّبِ، نحو قَرَدْتُ البعيرَ أي أزلْتُ قُرَادَه. ويُجمعُ الثَّرِبُ على تُروبٍ، وتُرُوبٌ على أثارِب، ومنه الحديثُ: ((نَهى عن الصلاة إِذا صارت الشمسُ كالأثاربِ))(٢) أي إِذا خصَّت فتغرَّقتْ في مواضعَ، شُبُهتْ بسماحیقِ الشَّحمِ. وقولُه: ﴿ يا أهلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣]. قال الشاعرُ: [من الطويل] ٢٤٠ - وقد وعدتْكَ مَوعداً لو وَفَتْ بهِ مواعيدَ عُرقوبٍ أخاه بيثرب(٣) فبالمثنّاةِ مفتوحِ الراءِ اسمُ مكانٍ آخرَ غيرِ المدينةِ. وبعضُهم يرويه بيثرب بالمثلثة والكسرِ أيضاً. ث ري: قولُه: ﴿وما تحتَ الثَّرِى﴾ [طه: ٦] وهو الترابُ النَّديُّ الذي تحتَ هذا التراب الظاهرِ. وقيل: ما تحتَ الأرضِ السابعةِ. وثَرَّيْتُ: ألقيتُ، أُثْرِيهِ تَثْرِيةً: بللتُه. ويقالُ: ثَرَّى المكانَ أي رشَّه، وفي الحديثِ: ((أُتِيَّ بسويقٍ فَأَمَرَ بِهِ فَثُرَيَ))(٤) أي بُلَّ. وأَثْرَى فلانٌ: كُثِرَ مالُه حتى صارَ كالثَرِى، كقولهم: أَثْرِتْ، وقد تقدَّمَ. والثّراءُ بالمدُّ: الغنى وكثرةُ المالِ. وفي حديثٍ أُمِّ زرعٍ: ((وأراحَ عليَّ نَعَماً ثَرِيّاً(٥))) أي كثيراً. وقال حاتمٌ: [من الطويل] ٢٤١ - أماويَّ ما يُغْنِي الثَراءُ عنِ الفَتَى(٦) (١) المفردات ١٧٣. (٢) غريب ابن الجوزي ١٢٠/١ والنهاية ١ /٢٠٩. (٣) البيت لعلقمة في ديوانه ٨٢، وعجز البيت من الامثال في مجمع الأمثال ٣١١/٢ وجمهرة الامثال ١ /٤٣٣ وفصل المقال ١١٣ والأمثال لابن سلام ٨٧ والفاخر للضبي ١٣٣ والدرة الفاخرة ٣١١/٢٠١٧٨/١ وعرقوب هذا رجل من العماليق يضرب به المثل في خلف المواعيد. (٤) غريب ابن الجوزي ١ /١٢٠ والنهاية ٢١٠/١ والبخاري في الوضوء برقم ٢٠٦. (٥) غريب ابن الجوزي ١٢١/١ والنهاية ٢١٠/١ والبخاري في النكاح برقم ٤٨٩٣ ومسلم في فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٨ . (٦) ديوانه ٥٠ وعجزه: (إِذا حشر جت نفس وضاق بها الصدر) وتقدم البيت برقم ٢٢٥ . ٢٧٨ باب الثاء فالثَّرى بالقَصرِ التُّرابُ، وبالمدِّ: المالُ. فصل الثاء والعين ٹ ع ب: قولُه: ﴿ ثُعبانٌ مُبِينٌ﴾ [ الأعراف: ١٠٧ ]. الثعبانُ: ما عظُمَ من الحيَّات، والجانُّ: مادقَّ منها. وعلى هذا فكيف يُجمعُ بينَ قولهِ ثعبان وبينَ قوله جان(١)؟ وأجيبَ بجوابين أحدُهما أنها جامعةٌ حين تشكُّلِها بينَ وصفَيْ هذينِ الجنسين، أي في عِظمِ الثعبانِ وخفّةِ الجانِ. والثاني أنها في ابتداء تشكُّلها. كالجانٌّ، ثم تَتَعاظمُ كالثُّعبانِ. وقال أبو عُبيدةَ: هيَ الحيةُ، وأَطلقَ. وقالَ غيرُه: الحيةُ الذّكرُ. وقال الراغبُ (٢): يجوزُ أن يكونَ سُمِّي بذلك من قولِهِم: ثَعبتهُ(٣) فانْتَعَبَ، أي فجِّرَتُه فانْفَجر، وأَسَلتُه فسالَ. ومنه مَثَاعِبُ المطرِ. قلتُ: قولُه صحيحٌ لأنَّهم شبَّهوا هذا الجنسَ لِقَوَّةٍ سَعيهِ وخفَّةٍ حركتهِ بالماءِ الجاري. وفي الحديث: ((يَجيء يومَ القيامةِ وجرحُه يَثْعَبُ دماً)) (٤). والتِّعْبةُ (٥): ضربٌ من الوَزَغ جمعُه ثُعَبّ. ولما كانتْ هيئته مختصرةً من هيئة الثعبان اختصروا له لفظاً من لفظهِ. : فصل الثاء والقاف ث ق ب : الثَّقْبُ: النّفوذُ، ومنه ثقبُ اللؤلؤِ، وثَقبتُ ثَقباً، مثلُ نَقبتُ نَقْباً وزْنَاً ومعنىَ. قولُه (١) وردت كلمة (جان) في القرآن سبع مرات الحجر /٢٧، النمل / ١٠، القصص / ٣١، وفي سورة الرحمن أربع مرات ، وذلك في الآيات ٧٤/٥٦/٣٩/١٥. ولعل المؤلف يريد قوله تعالى ﴿ تهتز كأنها جان﴾ [النمل: ١٠] وانظر اللسان (ثعب ٢٣٦/١) (٢) المفردات ١٧٣ . (٣) في المفردات ١٧٣ (ثعبت الماء فانشعب)). (٤) النهاية ٢١٢/١ وهو من حديث الشهيد . (٥) في تاج العروس: ثعب ((الشعبة: وزغة خبيثة خضراء الرأس والحلق، جاحظة العينين، لا تلقاها أبداً إلا فاتحة فاها ، وهي من شر الدواب، تلدغ فلا يكاد يبراً سليمها . وقال ابن دريد : الشعبة : دابة أغلظ من الوزغة، تلسع وربما قتلت. والشعبة: فأرة)) وانظر اللسان ((ثعب ٢٣٧/١°) ٢٧٩ باب الثاء تعالى: ﴿النجمُ الثاقبُ﴾ [الطارق: ٣] أي المضيءُ. ومثلُه: ﴿شِهابٌ ثاقبٌ﴾ [الصافات: ١٠] كأنه يثقب بضوئه وإِنارته ما يقعُ عليه. والمِثْقَبُ: الطريقُ في الجبلِ، كأنَّهُ ثُقْبٌ وهو المنفذُ للحيوانِ. قالَ أبو عمرٍوٍ: والصحيحُ أنه مُثْقَبٌ. وثَّقبتُ الناقةَ أَنقَبُها إِثقاباً أي أدركتُها حين تَقْبتِ الابصارَ. ويقالُ: ثَقَّبها أيضاً فتُقِبتْ تُثقبُ ثُقوباً. وقالَ الحجاجُ في ابنِ عباسٍ: ((إِنْ كانَ لَمُثْقَباً))(١). أي ثاقبَ العلمِ. ٹ ق ف: الثَّقْفُ: الحِذْقُ في إِدراكِ الشيء وفعلهِ. ومنهُ: رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ، وثَقِفٌ لَقِفٌ. يقالُ: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه تَفْفاً، وأثقفتُهُ إِثقافاً أي أدركتُه إِدراكاً بحذْقٍ. وثَقِفْتُه أي أدركتُه ببصرِي بحذقٍ، ثم تُجرِّز به، فيُستَعملُ في مجرَّدِ الإدراكِ، ومنهُ: ﴿واقتلوهُم حيثُ تَقِفْتُموهُم﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهم في الحربِ﴾ [الأنفال: ٥٧] من ذلك. وَتَقِفتُ الرمحَ: قَوَّمتُه، فهو مُثقَّفٌ. والثّقافُ مايُثْقَفُ به. وفي حديثِ الغارِ: ((غلامٌ ثَقْفٌ لَّقِفٌ))(٢) أي فَطِنٌ، وامرأة ثَقافٌ. وعن بنتِ عبدِ المطلبِ أُمِّ حكيم: ((إِنِي حَصانٌ فما أُكلَّمُ وتَقافٌ فما أُعلّمُ))(٣) أي حاذقةٌ. ويُروى صناعٌ. ٹ ق ل: الثِّقَلُ: يقابلُ الخِفَّةَ، فكلُّ ما رَجَح غيرَه بوزنٍ أو مقدارٍ فهوَ أثقلُ منه، وأصلُه في الأجسام، ويُستعملُ في المعاني، نحوُ قوله: ﴿فَهُم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُون﴾ [الطور: ٤٠]، وأثقلُه الدَّين. والثقيلُ: غُلَب في الذَّمِّ؛ يقولون: ثقيلُ الرُّوح، وقد يُمدحُ به بقرينةٍ نحو قولِ الشاعرٍ: [من الوافر] (١) غريب ابن الجوزي ١٢٥/١ والنهاية ٢١٦/١. (٢) غريب ابن الجوزي ١ /١٢٥ والغريبين ٢٨٨/١ والنهاية ٢١٦/١. (٣) النهاية ٢١٦/١ . ٢٨٠ باب الثاء ٢٤٢ - تَخفُّ الأرضُ إِذا مازلتَ عنها وتبقى ما بَقيتَ بها ثَقِيلًا(١) حَللْتَ بمستْقَرِّ العَزِّمِنها فتَمْنَعُ جَانِبَيْها أن تَمِيلا والخفيفُ والثَّقيلُ يقالان باعتبارَين؛ أحدُهما بالنظائر؛ فيقالُ: هذا ثقيلٌ بالنسبة إِلى أقلَّ منهُ، وخفيفٌ بالنسبة إِلى أكثرَ منه. والثاني باعتبارِ طبع الشيء؛ فما كان بطبعه مائلاً. إِلى الهبوطِ كالتراب والحجرِ والمدرٍ فثقيلٌ، وما كانَ بطبعه مائلاً إلى الصعود كالنار والدُّخان فخفيفٌ. قوله: ﴿انْفِروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١] أي أُصحَّاءَ ومرضَى. وقيلَ: مُوسِرِين ومُعْسِرِين. وقيلَ: شَباباً وشُيُوخاً. وقيلَ: نشاطاً وكسالَى. وقيلَ: خفَّتْ بكم (٢). قولُه: ﴿وأخرجتِ الأرضُ أثقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] قيلَ: مافيها من الموتَى أخرجهم الحَشْرُ. وقيلَ: مافيها من الكنوزِ، وفيه حديثٌ(٢). ۔۔ وقولُه: ﴿قُلَتْ في السماواتِ والأرضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] قالَ القُتيبيُّ: أي خَفِيتْ، لأنَّ مَا خَفِيَ عليك يَثْقُلُ. وقالَ ابن عرفةَ: ثَقُلتْ عِلماً ومَوقعاً. قال الراغبُ (٤): وقد يقالُ: ثَقُلَ القَولُ إِذا لم يَطِبْ سَماعُه، ولذلك قالَ في وصفِ القيامةِ: ﴿ قُلَتْ فِي (١) الشطر الأخير لكعب بن زهير والأشطار الثلاثة قبله لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٧١ (طبعة صادر) وللبيتين قصة وردت في أمالي المرتضى ١ /٩٧ . (٢) قال الإمام الأوزاعي: إِذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفا فاً وركبانا وإِذا كان التغير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافاً وثقالاً وركبانا ومشاة. تفسير ابن كثير ٣٧٣/٢ وفيه أقوال أخرى وانظر الدر المنثور ٢٠٨/٤. (٣) قال مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَليه (( تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة ، تفسير ابن كثير ٤ / ٥٧٦ . (٤) المفردات ١٧٤، وفي أساس البلاغة: ثقل ((من المجاز ثقل سمعي، وثقل علي كلامك وأنت ثقيل على جلسائك ، وما أنت إلا ثقيل الظل بارد النسيم وأنت والله من الثقلاء .. ووجدت ثقلة في جسدي ، وأخذتني ثقلة وهي النعسة .... )