Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب الهمزة
والأمّ(١): أحدُ الأبوين، وتُجمعُ في العقلاءِ على أمَّهات، وفي غيرِهم على أمَّاتٍ،
وقد ينعكسُ قليلاً، قال الشاعر، فجمعَ بين اللغتين : [ من المتقارب]
٩٣- إِذ الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوجوهَ
فَرَجْتَ الظَّلامَ بِأُمّاتِکا(٢)
ويقالُ: أُمَّهَةٌ . قالَ : [من الرجز]
٩٤- أُمَّهتي خنْدَفُ وإِلياسُ أبي(٣)
فقيلَ: هذا أصلُها، ولذلكَ يُصغِّرونها، فيقالُ: أُمَيْمَةٌ. وقيل: هي مزيدة. وقيل: بل
هي مزيدةٌ كهي في هو كولَهَ وهَلَعَ. وقال آخرُ : [ من الطويل]
٩٥- وأمَّاتُ أطلاءٍ صغارٍ كأنها (٤)
فهذا جاءَ على الكثيرِ.
قال الخليلُ: كلُّ شيءٍ ضُمَّ إِليهِ سائرُ مايليهِ يسمَّى أمّاً(٥). وقال غيرُه: كلّ ما كان
أصلاً لوجودِ الشيءٍ أو إِصلاحِهِ أو تربيته أو مَبدئه أمِّ. قال تعالى: ﴿وعندَهُ أُمُّ الكتابِ﴾
[الرعد: ٣٩]، أي اللوحُ المحفوظُ، لأنَّ العلمَ كلَّه منسوبٌ إِليهِ .
وأمّ القُرى: مكةُ، لأنَّ الأرضَ دُحيتْ مِن تَحتها(٦). وقولُه: ﴿وَلِتُنْذِرَ (٧) ◌ُمَّ
القُرى﴾ [الأنعام: ٩٢] على حذف مضافٍ، أي أهل أمِ القُرى، نحوُ: ﴿واسألِ القَريةَ ﴾
[ يوسف: ٨٢]. وقوله: ﴿أُمِّ الكتابِ﴾ [الزخرف: ٤] لأنها مبدؤه وأصلُه، ولاشتمالها
على الأنواعِ الواردة في جميعِ القرآنِ حَسبما بيِّنْتُه في غيرِ هذا الموضع، وإِن كان بعضُهم
(١) الأشباه والنظائر للثعالبي ٧٠ (( وهو في القرآن على خمسة معان)).
(٢) البيت لمروان بن الحكم في اللسان (أمم) وشواهد الشافية ٣٠٨ والمقاييس (أمّ) دون نسبة.
(٣) صدر بيت لقصي بن كلاب، وعجزه: (عند تناديهم بهالٍ وهبي). والبيت في الخزانة ٣٠٦/٣
والدر المصون ٦٣٩/٢ وأمالي القالي ٣٠١/٢ والمحتسب ٢٢٤/٢ والهمع ٢٣/١ والدرر ٥/١
واللسان (سلل، أمه).
(٤) شطر بيت في الدر المصون ٦٣٩/٣ دون عزو.
(٥) قوله في المقاييس (أمّ ٢٢/١).
(٦) هو قول قتادة في الدر المنثور ٣١٦/٣.
(٧) قرأ عاصم وشعبة وأبو عمرو (وليُنْذِر) النشر ٢٦٠/٢ والسبعة ٣٦٣.

١٢٢
باب الهمزة
كرهَ تَسميتَها بأمِّ الكتاب. وقولُه: ﴿هُنَّ أُمَّ الكتاب﴾ [آل عمران: ٧] أي معظمُه. وأمّ
الطريقِ: معظمُهُ، وأمَّ الرُّمح: لواؤه. قال : [من الرمل]
!
٩٦- وسَلَبْنَا الرُّمحَ فيه أمُّهُ
من يَدِ العاصي وما طالَ الطَّيَلْ (١)
والأمِّيُّ: مَن لا يكتبُ ولا يقرأ من كتابٍ؛ قال تعالى: ﴿النَّبِيّ الأُميَّ﴾
[الأعراف: ١٥٧] يقالُ: رجلٌ أمِّيَّ: منسوبٌ إِلى أمَّة أمِّيةٍ، وفي الحديث: ((بُعثتُ إِلى
أمَّةٍ أُمِّيةٍ))(٢) وهو الباقي على أصلِ ولادةِ أمِّه لم يتعلم الكتابةَ. والأمِّيُّ: منسوبٌ إِلى أمِّهِ
التي ولدته(٢).
والإِمامُ (٤): المتَّبَعُ في أقواله وأفعالهِ وأَحوالهِ. ومنهُ قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ للناسِ
إِماماً ﴾ [البقرة: ١٢٤] ولذلكَ ادَّعاهُ كلُّ أُحدٍ. ولم يصدُقْ في ذلك إِلا المسلمون، ومَن
فَعل فِعلَهم. قولُه: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أحصيناهُ فِي إِمَامٍ مبينٍ﴾ [يس: ١٢]، هوَ اللوحُ
المحفوظُ. وقيلَ: كتبُ أعمالهم.
وقوله: ﴿لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، أي أن القريتينِ المُهَكتينِ؛ قريتي قوم لوطٍ
وأصحابِ الأيكةِ بطريقٍ واضحٍ تمرُّ عليهِ قريشٌ في سَفرِها .
والإِمامُ: الطريقُ، لأنَّ سالكَه يتبعُه. وقولُه: ﴿واجعَلْنا للمتَّقِينَ إِماماً﴾
[الفرقان: ٧٤] أي يقتدي بنا مَن بعدَنا، وقولُه: ﴿يَومَ نَدعو(٥) كلَّ أُناسٍ بإِمامِهِم (٦)﴾
.[ الإسراء: ٧١] قيلَ: نبيُّهم. وَقيلَ: كتابُهم. وقيلَ: عالمُهم الذي اقتَدَوا بهِ .
(١) البيت في المقاييس واللسان والتاج (أمم) دون عزو.
(٢) غريب ابن الجوزي ١ /٤١ ومسند أحمد ١٣٢/٥ والنهاية ١ /٦٨، والفائق ١ /٤٢.
(٣) ورد في الفائق ١/ ٤٢ ((نسب الأمي إلى أمة العرب حين كانوا لا يحسنون الخط ويخط غيرهم من
سائر الأمم، ثم بقي الأسم وإِن استفادوه بعد». وفي أمالي القالي ٢١٨/٢ «الامّي: العبيّ القليل من
الكلام».
(٤ ) الأشباه والنظائر للثعالبي ٦٤
(٥) قرأ مجاهد وزيد ويعقوب (يدعو) وقرأ الحسن (يُدْعى كلُّ، يُدْعَوْ كلُّ) البحر المحيط ٦ /٦٢
والكشاف .٢/ ٤٥٩.
(٦) قرأ الحسن (بكتابهم) البحر المحيط ٦ /٦٢.

١٢٣
باب الهمزة
أم ن :
الأمنُ: الطمأنينةُ عندَ الخوفِ. قال تعالى: ﴿أولئك لهمُ الأمنُ﴾ [الأنعام: ٨٢].
والأمنُ والأمانُ والأمانةُ في الأصلِ مصادرُ. وتُجعلُ الأمانةُ(١) اسمَ الحالة التي يكونُ عليها
الإِنسانُ في الأمنِ تارةً، ولِما يُؤْتَمِنُ عليه الإِنسانُ أخرى، نحوُ: ﴿وَتَخونوا (٢)
أماناتِكُمْ (٣)﴾ [الأنفال: ٢٧] أي ما اثْتُمنْتم عليهِ. قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾
[ الأحزاب: ٧٢]. قيلَ(٤): هي كلمةُ التوحيدِ، وقيلَ العدالةُ، وقيلَ: العقلُ، وقيلَ: [وهو
صحيح، فإِن العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم](٥)
حروفُ التهجِي؛ بل بحصولهِ يُعْلَمُ كلُّ ما في طوقِ البشرِ، وبهِ فُضِّلَ على كثيرٍ ممَّنْ خَلَقه
تفضيلاً. وقال الحسنُ: هي الطاعةُ، وقيلَ: العبادةُ .
وفي الحديث: (( الأمانةُ غنىً))(٦) أي سَببُ الغِنَى، لأنَّه مَتَى عُرف بالأمانة كثُر
مُعامِلوهُ. وقولُه: ﴿وَمَن دخلَهُ كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]. قيل: آمناً منَ النّارِ. وقيلَ:
لفظُه خبرٌ، ومعناهُ الأمرُ. وقيلَ: مِن بلايا الدُّنيا. وقيلَ: الاصْطِلامَ(٧). وقيلَ: آمِنَّ في حكم
اللَّه تعالى، كقولكَ: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ في حكمِ اللَّه. والمعنى: لا يجبُ أن يُقْتِصَّ
منه ولا يُقتلَ فيه إِلا أنْ يَخرُجَ منه. ومثلُ ذلك: ﴿جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقولُه: ﴿أَمَنَةً نُعاساً﴾ [آل عمران: ١٥٤] هي بمعنَى الأمْنِ، وذلك أن النومَ مُنتفٍ
عن الخائف. والآمِنُ هو الذي يتطرّقُ إِليه النُّومُ. وقيلَ: هيَ جمعُ آمِنٍ نحوُ كتَبةٍ وكاتبٍ.
وفي حديثِ نزولِ المسيحِ: ((وتقع الأمَّةُ في الأرضِ»(٨).
(١) ذكر الثعالبي في الأشباه والنظائر ٤٩- ٥٠ أن الأمانة ثلاثة معان فى القرآن : الفرائض والوديعة
والعفة .
(٢) قرأ ابن مسعود ( ولا تخونوا) معاني القرآن للفراء ٤٠٨/١.
(٣) قرأ مجاهد وأبو عمرو (أمانتكم) البحر المحيط ٤٨٦/٤ والكشاف ١٢٣/٢.
(٤) راجع الأقوال في هذه الآية في تفسير ابن كثير ٣ / ٥٣٠ والدر المنثور ٦٦٩/٦ والمفردات ٩٠.
(٥) اعتمد المؤلف على كتاب المفردات . ويبدو أنه قد أخل بما نقله فأثبت ماسقط.
(٦) الفائق ٤٥/١ والنهاية ١ /٧١ وغريب ابن الجوزي ١ /٤٢.
(٧) الاصطلام: الاستئصال.
(٨) النهاية ١/ ٧١ وسنن أبي داود برقم ٤٣٢٤ والدر المنثور ٧٣٦/٢.

١٢٤
باب الهمزة
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] أي مَنزلَهُ الذي يأمنُ فيهِ. وقولُه: ﴿في
مَقَامٍ أمينٍ﴾ [الدخان: ٥١] لأنَّ أهلَه أَمنوا فيه منَ العذاب والفقر. وقولُه: ﴿وهذا البلدِ
الأمينِ﴾ [التين: ٣] يعني به مكةً، لأنَّ غيرَها من البلادِ كان أهلُها يُغيرُ بعضُهم على
بعضٍ. ومكةُ آمنةٌ من ذلك.
قولهُ: ﴿وما أنتَ بمؤمنٍ لنا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمصدِّق؛ لأنَّ الإِيمَانَ هو
التصديقُ الذي معهُ أمْنٌ. قولهُ: ﴿يؤمنون بالجِبْتِ والطاغوتِ﴾ [النساء: ٥١] فهذا ذمّ
لهُم وتهكُّم بهم، وأنهم قد حصلَ لهم الأمنُ من وجهٍ لا يصحُّ معه أمنٌّ، لأنَّ طبيعة القلب
السليمِ ألا يطمئنَّ إِلى الباطلِ، وعليهِ قولُ الشاعرِ: [ من الوافر]
٩٧ - تحيةَ بِينِهِمْ ضربٌ وجيعٌ(١)
كما يقال: وإِيماتُه الكفرُ. أي جعلتِ التحيةُ ضرباً والإِيمانُ كفْراً.
والإِيمانُ لغةً: التصديقُ، وعندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ اعتقادٌ بالجنانِ وإِقرارٌ باللسان
وعملٌ بالأركانِ. ولم يَشترطِ الأشاعرةُ عملَ الأركانِ .
وأمنَ يقالُ باعتبارينٍ أحدُهما أمنُ غَيرِهِ أي حصلَ لهُ الأمنُ، ومنه وصفُه تعالى
بالمؤمِنِ. والثاني أنه صارَ ذا أمنٍ، فيكون قاصراً نحوُ: أمِنَ زِيدٌ كأبقلَ المكانُ وأعْشَبَ .
ولكونهِ مُضِمِّناً للَّصديقِ عُدِّي بالباءِ في ﴿ يُؤْمِنوَنَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] أي يصدِّقون
بجميعٍ ما أَخبربِهِ النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم من أمورِ الآخرةِ الغائبة عنهم. ومنه قولُه عليه
الصلاةُ والسلامُ: (( ما آمنَ مؤمنٌ أفضلُ من إِيمانٍ بغيبٍ﴾(٢). وقد جعلَ النبيُّ صلى اللّه عليه
وسلم الحياءَ وإماطة الأذى من الإِيمانِ لأنَّهما ينشأان عنه، وجعلَ الإِيمانَ في خبرٍ
جبريلٌ(٣) المشهورِ من ستةٍ أشياءَ.
والإِيمانُ تارةً يُجعلُ اسماً للشريعةِ التي جاءَ بها محمدٌ صلى اللّه عليه وسلم، ومنه:
﴿إِنَّ(٤) الذين آمنوا والذين هادوا والصابئونَ(٥)﴾ [المائدة: ٦٩]. ويدخلُ فيه كُلُّ مَن
(١) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ١٤٩ وصدره: (وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ).
(٢) الدر المنثور ٢٦/١.
(٣) أخرج البخاري في كتاب الإيمان برقم ٥٠ (أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث)).
(٤) قرأ ابن مسعود (يا أيها الذين) البحر المحيط ٥٣١/٣ والكشاف ٣٥٤/١ .-
(٥) قرأ ابن كثير وابن محيصن وعثمان وأبي وعائشة والجحدري (والصابئين). وقرأ الحسن والزهري=

١٢٥
باب الهمزة
دخلَ في دينٍ مُقُرِّ باللَّهِ ورسولهِ. قيلَ: وعليه قولُه تعالى: ﴿وما يُؤْمِنُ أكثرُهُم باللَّهِ إِلا وهُم
مُشركون﴾ [يوسف: ١٠٦] فقوله: ﴿إِنَّ الذين آمنوا﴾ أي بالسنتهم. ثم قولُه ثانياً:
﴿مَنْ آمِنَ﴾ [البقرة: ٦٢] يعني مَن واطأً قلبُه لسانَه. وقيلَ: معناهُ أنَّهم مُقَرُّون بأنَّ اللَّهِ
خالقُهم، ومع ذلك يُشركون به عبادة الأصنام.
وجعلَ الصلاةَ إِيماناً في قولهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيْعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي
صلاتكم نحوَ بيتِ المقدس. والمعنى تَصديقُكم بأمرِ القبلة، وذلكَ أنَّ المنافقين وغيرَهُم
لمَّا حُوِّلت القبلةُ قالوا: فكيفَ بمن ماتَ قبلَ ذلك؟ قاله المنافقون استهزاءً والمؤمنون
تَحزّناً على الموتى واستغساراً عن حالهم. وفي حديثٍ عُقبةَ: ((أسلمَ الناسُ وَآمنَ
عمروٌ))(١) يعني أنَّ غيرَه آمَن بلسانهِ نفاقاً خوفاً من السيف، وهو آمنَ مُخلصاً.
ورجلٌ أُمَنَةٌ وَأَمَنَةٌ أي يثقُ بكلِّ أحدٍ. وأمينٌ وأَمانٌ أي يؤمَنُ بهِ. والآَسونُ: الناقةٌ
التي يؤمَنُ عِثارُها وفُتورُها. قال امرؤ القيسِ: [ من الطويل]
٩٨ - فعزَّيتُ نَفسي حينَ بانوا بجَسْرةٍ
أمون كبُنيانِ اليهوديِّ خَيْفَقٍ(٢)
والجسرةُ: القوية. والخيفقُ: الطويلُ.
آمينٌ(٢): اسمُ فعلٍ معناهُ استجبْ أو ليكنْ كذلكَ. وتَشديدُ ميمه خطأٌ عندَ
الحُذّاقِ. وقيلَ: آمينَ وأمينَ بالمدُّ والقصرِ. وأنشدوا في مَدِّه: [من البسيط]
ويَرَحَمُ اللَّهُ عبداً قالَ : آمينا(٤)
٩٩- يا ربِّ لا تَسْلَُّنِّي حُبُّها أبداً
وفي قَصرِه: [ من الطويل]
= (والصابيُون) البحر المحيط ٥٣١/٣ والكشاف ٣٥٤/١. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة ( والصابون)
الكشاف ٣٥٤/١ والإتحاف ٢٠٢.
(١) الحديث لعقبة بن عامر فى النهاية ١ /٧٠.
(٢) ديوانه ١٦٩.
(٣) ثمة إسهاب وتفصيل لمعنى ((آمين)) في سفر السعادة ١٣٢- ١٥٨ وشذور الذهب ١١٦- ١١٨.
(٤) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ٢٨٣. وقد نسب وهماً في اللسان (أمن) إِلى عمر بن أبي ربيعة.

١٢٦
باب الهمزة
أُمینَ، فزادَ اللهُ ما بيننا بُعدا(١)
١٠٠ - تَبَاعَدَ مني فُطْحُلٌ إِذْ سألتُهُ
آمينَ: اسمٌ من أسماء الله تعالى، قالَّه الفارسيُّ(٢) وردُّوا عليه. وقد أجيبَ عنه في
غيرِ هذا الكتابِ. وأمّا حكْمُه بالنسبةِ إِلى الجهرِ والإِسرارِ وحكمُ الإِمامِ والمأمومِ فقد
بَسَطْتُ القولُ في ذلك في (القولِ الوجيزِ في أحكامِ الكتابِ العزيزِ)) والحمدُ لله ..
وفي الحديث:((آمينَ خاتَمُ ربِّ العالمين))(٣)، قال أبو بكرٍ: معناهُ أنه طابعُ اللَّهِ
على عبادهٍ تُدفعُ بهِ الآفاتُ فكان كخاتمِ الكتابِ الذي يصونُه ويمنعُ من فساده وإظهار ما
فيهِ. وفي حديثٍ آخر: (آمينَ درجةٌ في الجنةِ)) (٤). قال أبو بكر: معناهُ أنّه حرفٌ
يَكتسِبُ بهِ قائلُه درجةً في الجنةِ. وكان الحسنُ إذا سُئل عن تفسيرهِ قال: معناهُ: اللهمَّ
استَجبْ. قلتُ: وهذا معنى قولٍ مَن قالَ: إِنه اسمٌ من أسماءِ اللَّه تعالى لأنَّ فيهِ ضميرَ
الباري مُستتراً، تقديرُه: استجبْ أنتَ.
أم هـ :
قرأ بعضُهم: ﴿وادَّكَرِ بعدَ أمَّهِ(٥)﴾[ يوسف: ٤٥].
والأمَهُ: النِّسيانُ، يقال: أمِهْتُ آمَّهُ أُمَهاً فأنا أمةٌ. وهذه القراءةُ مناسبةٌ للمعنى
وموافقةٌ لرَّسم. وقد نقلَ الْهَرويُّ عنِ الأزهريِّ، عن المُنذريِّ، عن ابنِ الهيثمِ: أمْهٍ (٦) بجزمٍ
الميم، وأمّهُ خطأ .
والأمَهُ أيضاً: الإقرارُ. وفي حديثٍ: ((مَنِ امْتُحِنَ في حدٍّ فَأَمِهَ ثم تَبْرًّا فليس عليه
عقوبةً(٧) قال أبو عُبيدٍ: هو الإقرارُ، ومعناهُ أنْ يُعاقَبَ لْيُقَرَّ فإِقرارُهُ باطلٌ. قَالَ: ولم أَسمعِ
(١) البيت لجبير بن الأضبط كما في التاج (فطحل) ودون نسبة في اللسان والمقاييس (أمن).
(٢) سفر السعادة ١٣٤ ((وقد خطًا أبو علي رحمه الله من قال في (آمين) إنه اسم من أسماء الله عزّ
وجل، وقال: لا أدعي مالا دليل عليه ... )).
: (٣) النهاية ١ /٧٢ والغريبين ٩٣/١ وغريب ابن الجوزي ٢٦٤/١٠.
(٤) النهاية ١ / ٧٢.
(٥) قرأ الحسن وابن عباس وزيد بن علي وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء (أَمَه) البحر المحيط
٣١٤/٥ والكشاف ٣٢٤/٢. وقرأ الأشهب العقيلي (إِمَّةٍ) الكشاف والبحر المحيط.
(٦) قرأ عكرمة ومجاهد وشبيل بن عزرة (أَمْه) البحر المحيط ٣١٤/٥. والبرهان ٣٧/٤.
(٧) الفائق ٤٤/١ والنهاية ٧٢/١ والغريبين ٩٥/١ وغريب ابن الجوزي ٤٢/١.

١٢٧
باب الهمزة
الأَمّهَ بمعنى الإقرارِ، إِلا في هذا الحرفِ. والأمَّهُ في غيرِ هذا النسيانُ.
فصل الألف والنون
أن ت :
أنتَ: ضميرُ المخاطبِ المذكرِ، وهل كلُّه ضَمِيرٌ؟ وأنْ والتاءُ حرفُ خطابٍ، أو التاءُ
وأنْ زائدةٌ؟ عمادُ خلافٍ لا طائلَ تحتَهُ. ويتصلُ بهذه التاءِ علامةُ تثنية ميمٌ وألفٌ.
ويشتركُ فيه حينئذٍ خطابُ الذُّكرينِ والأُنثيينِ أو الذكرِ والأنثَى نحو: أنتما يا زيدان أو
ياهندانٍ، أو يازيدُ وهندُ. وعلامةُ جمع الذكورِ العقلاءِ ميمٌ مضمومةٌ بعدَها واوٌ نحو:
أنتمُو. وجمعُ الإناثِ نونٌ مشدّدةٌ مفتوحةٌ نحو أنتُنَّ، والتاءُ مضمومةٌ قبلَ ذلك كلّه، كالتاء
إِذا كانت ضميراً نحو ضربتُما، ضربتموه، ضربتُنَّ. وهذه التاءُ تُفتَحُ للمخاطبِ وتُكسرُ
للمخاطبة نحو: ﴿أأنتَ قلتَ للناسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الخطابُ لعيسى عليه السلامُ،
والتوبيخُ لمن عبده وأمَّه من دونِ اللَّه.
أن ث :
الأُنثى تُقابلُ الذكرَ مِن جميعِ الحيواناتِ؛ فالمرأةُ أنثى، والناقةُ والنعجةُ والاتانُ
كذلك، وذلك باعتبارِ الفَرَجينِ، ولذلكَ يقول النحاةُ: مؤنثٌ حقيقيٍّ ويعنون ما لَه فَرِجٌ،
وغيرُ الحقيقي ماليسَ له فرجٌ. وإنَّما عاملته العربُ معاملةَ المؤنثِ كالشمسِ والبدرِ. ولما
كان الذكرُ أقوى منَ الأنثى جعلوا الأضعفَ في بعضِ الأشياءِ أُنثى، والأقوى ذكراً. فقال:
سيفٌ ذَكرٌ، أي قاطعٌ، وسيفٌ أنيثٌ في عكسهِ. قالَ: [ من الوافر]
١٠١- فيُعْلِمُه بأنَّ العقلَ عندي
جُرازٌ لا أفَلُّ ولا أنيثُ(١)
أي: [ لا أعطيه إلا السيف القاطع، ولا أعطيه الدية ] (٢)
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُون من دُونِهِ إِلا إِنَاثً(٣)﴾ [النساء: ١١٧] قالَ الفراءُ: كانوا
(١) البيت لصخر الغي في ديوان الهذليين ٢٢٣/٢.
(٢) بياض في الأصل، والإضافة من اللسان والتاج (أنت).
(٣) قرأت عائشة ومجاهد وأبو السوار (أوثاناً) البحر المحيط١ /٣٥٢ والكشاف ٢٩٩/١ والقرطبي
٣٨٧/٥. وقرأ ابن عباس وابن عمر (وَثَنا) البحر المحيط والكشاف. وقرأ ابن عباس (وُثْناً)
الكشاف. وقرأ الحسن (أنثى) البحر المحيط والإتحاف ١٩٤. وقرأ ابن عباس والحسن وعطاء =

١٢٨
:
باب الهمزة
يسمُّونَ اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةً، وهذه إِناثٌ. وقالَ الحسنُ: كانوا يقولون في الأصنامِ: هذه
أنثى بني فلانٍ. قالَ الراغبُ(١): مِنَ المفسرين مَن اعتَبَرَ حكمَ اللفظِ فقالَ: لمّا كانت
أسماءُ معبوداتهم مؤنثةً نحوُ اللات والعُزَّى ومناةً قال ذلك. ومنهم مَن اعتبر حكمَ المعنى
وهوَ أصحُّ. ويقول: المُنْفَعِلُ يقالُ لهُ: أنيثٌ. ولمّا كانت الموجوداتُ بإضافة بعضِها إِلى
بعضٍ ثلاثةَ أَضربٍ: فاعلٌ غيرُ مُنْفعلٍ وذلكَ هو الباري تعالى. ومُنْفعلٌ غيرُ فاعلٍ وذلكَ هو
الجماداتُ. وفاعلٌ من وجهٍ ومنفعلٌ من وجهٍ كالملائكة والإنس والجنِ. فبالإضافةِ إِلى اللهِ
منفعلةٌ، وبالإضافة إِلى مَصنوعاتهم فاعلةٌ. ولما كانتْ معيوداتُهم من جملةِ الجماداتِ التي
هيَ مُنفعلةٌ غيرَ فاعلةٍ سمَّاها اللَّه تعالى أُنثى وبكَّتهم بها ونَيَّههم على جهلهم في اعتقادهم
فيها الألوهيةَ، مع كونِها غيرَ ضارَّةٍ ولا نافعةٍ، فإنها لاتفعلُ شيئاً البتّةً(٢)، بخلاف عَبّدتها
فإِنَّهم أكملُ منها من أنَّ لهم فعلاً في الجملة. ولما كانَ بعضُ الأشياءِ يُشبَّه بالذُكرِ في
حكم اللفظِ ذكِّر حُكمَه، وبعضُها بالمؤنثِ في حكم اللفظِ أنَّثَ أحكامَها نحوُ اليد
والأذن، والخُصية التأنيثِ لفظ الأنثيينِ قال الشاعر: [ من الطويل]
١٠٢ - ضَربناهُ تحتَ الأُنثيينِ على الكَرْدِ(٣)
قالَ: [من الوافر] وماذَكرٌ وإِن يَسمنْ كأنثى(٤).
يَعني القُرادَ فجعلَه أنثى باعتبارِ لفظهِ. وقيلَ: ﴿إِلا إِناثاً﴾ [النساء: ١١٧] أي مواتاً
كالأحجار والخشب والمدَرِ(٥). وهذا تفسيرٌ للواقعِ لأنَّ أصنامَهم كانتْ متَّخذةٌ من ذلك
كلَّه وليسَ من تفسيرِ اللفظِ كُما نَّهتُ عليه أولَ الكتاب .
وأرضٌ أنيثٌ أي سهلةٌ حسنةُ النَّبتِ، تَشبيهاً بالأنثى لسهولتها وما يخرجُ منها. وفي
=وعائشة ومعاذ وأبو العالية (أُتُثاً) البحر المحيط والكشاف والقرطبي. وقرأ عطاء (أُثْنَاً) البحر
المحيط. وقرأ ابن عباس وابن عمر وعائشة وعطاء وابن المسيب (أُثُناً) البحر المحيط والكشاف.
(١) المفردات ٩٤.
(٢) انتهى مانقله المؤلف من المفردات.
:
(٣) عجز بيت للفرزدق في ديوانه ٢١٠ وصدره: (وكنّا إِذا القيسي هب عتوده) الكرد: أصل العنق.
(٤) صدر بيت لا يعرف قائله، وهو في اللسان والصحاح (ضرس) وحياة الحيوان ٣٣٨/١. وعجز
البيت : (شديد الأزم ليس له ضروس).
(٥) هو قول الحسن كما في تفسير ابن كثير ١ / ٥٦٩.
:

١٢٩
باب الهمزة
حديثٍ إِبراهيمَ: ((كانوا يَكرهون المؤنَّثَ من الطِّيبِ، ولا يَرَون بذُكورتِه))(١). قال
شَمِرٌ: يريدون بالمؤنَّثِ طيبَ النساءِ كالخَلوقِ والزَّعفرانِ [ وما يلون الثياب](٢)، وبذ كورتهِ
مالم يلوِّنها كالمسك والغالية والكافورِ. وذكارَةُ الطّيب: كذلك.
أن س :
الإِنسُ: الجيلُ المقابلُ للجنّ. قال تعالى: ﴿لاَمِلاَنَّ جَهَنَّمَ من الجنة والناسِ
أجمعينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ: ﴿يامعشرَ الجنّ والإنسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] سُمُّوا بذلك
لأنَّهم كانوا يؤنَسون أي یُبُصَرون بخلافِ الجنّ؛ فإِنھم کانوا یَخفون أي يستترون فلا
يُصَرون. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَستُ ناراً﴾ [طه: ١٠] أي أبصرتُها. وقيل: آنسْتُ:
أحسَسْتُ وَوَجَدْتُ وهو بمعنى الأول لأنَّ البصرأحدُ الحواسّ.
يكولُه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَستُم منهُم رُشدأ (٣)﴾ [النساء: ٦] أي عَلمتم. وأصلُه
أبصرتُم، لأنه طريكُ العلم. وإِنسانُ العينِ ما يُبصرُ فيه الإِنسانُ شخصَه لرَّقته وصفائه.
وقولُه: ﴿حَتَّى تسْتَانِسو (٤)﴾ [النور: ٢٧] أي تَستأذنوا، ومعناه تَستعلموا؛ هل
يؤذنُ لكم؟ وما يُحْكِى عَنِ ابْنٍ عبّاسٍ أَنَّ الأصلَ ((تستأذنوا)) فعلَها الكاتبُ(٥) فشيءٌ لا
يصحُّ عنه ﴿إِنَّا نحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ وإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ [الحجر: ٩]، ولذلك قالَ ابنُ عرفة:
حتى تَنظروا أيؤذنُ لكم؟ أم لا؟ وفي الحديث: ((السلامُ عليكم آأدخلُ؟ ثلاثاً، فإِن أُذِنَ له
وإِلا رجعَ))(٦) قال الأزهريُّ: مَن يقولُ منَ العرب: اذهبْ فاستأنسْ، هلْ تَرى أحداً؟ معناهُ
(١) الحديث لإبراهيم النخعي في النهاية ٧٣/١ واللسان والتاج (أنث) وأضاف التاج ((ولا يرون
بذ کورته [ باساً])).
(٢) إِضافة من التاج.
(٣) قرأ ابن مسعود والسلمي وأبو السمال (رَشَداً) الكشاف ١ /٢٤٨ والبحر المحيط ٣ /١٧٢.
(٤) قرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن جبير (تستأذنوا) البحر المحيط ٤٤٥/٦ والكشاف ٥٩/٣
والقرطبي ٢١٣/١٢. وقرأ ورش والسوسي (تستانسوا) غيث ٣٠٢. وقرأ ابن عباس وأبيّ (حتى
تسلموا أو تستأذنوا) المحتسب ١٠٧/٢.
(٥) في التاج: ((أنس)) (كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ﴿حتى تستأذنوا﴾ قال: تستأنسوا خطأ من
الكاتب ).
(٦) أخرج البخاري برقم ٥٨٩١ ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)» وأخرجه أبو داود
٥١٧٧ ومسلم ٣٢.

١٣٠
باب الهمزة
تَبصَّرْ. قال الذُّبيانيُّ: [من البسيط]
١٠٣- كأنَّ رَحلي وقد زالَ النّهارُ بنا يومَ الجليلِ على مُستأنسٍ وَحَدٍ (١)
أي: على ثَورٍ مُتَبَصِّرٍ، هل يَرى صائداً فَيحذَرُه؟
والإِنسُ خلافُ النفورُ. والإِنسيُّ منسوبٌ إِلى الإِنسِ، ويقالُ لكلِّ مايُؤْنَسُ بهِ، ولمن
كُثر أنسُه. ومنهُ قيلَ لما يَلي الراكبَ من جانِبِي الدابةِ، وما يقابلُ الرامي من جانبي القَوسِ:
إِنسيِّ، وللجانِبِ الآخرِ وحشيٍّ. فالإنسيِّ من كلِّ شيءٍ: ما يَلي الإِنسانِ، والوحشيّ:
الجانبُ الآخرُ.
والإنسانُ مشتقٌ من الأُنسِ، وزنُه فِعْلانُ لأنه لا قِوامَ له إلا بأنسٍ آخر من جنسه(٢)
ولذلك قيلَ: الإِنسانُ مَدنيٍّ، وجمعِهُ أناسيِّ وأصلهُ أناسينَ، فأبدلتِ النونُ ياءَ وأُدغمتْ
كظرايّن في طرابين جمعُ طِزْيان. وجعل الراغبُ الأناسيَّ جمعاً لإِنْسيِّ وَلَيْسَ بصوابٍ لما
ذكَرْتُه في موضعهِ، وسيأتي ذكرُها إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وقيلَ: إِنسانٌ أصلهُ إِنسيان فحُذفتْ ولذلك صغَّروهُ على أُتَيْسيان(٣). قالوا: مشتقّ
من النُّسْیان، وأنشدوا: [ من الكامل]
١٠٤ - سُمِيتَ إِنساناً لأنكَ ناسٍ(٤)
والناسُ عندهم من ذلكَ، وأصلهُ نّسيَ ثم قُلبتِ الكلمةُ. وسيأتي إن شاء اللَّهُ تحقيقُ
ذلك في باب النون .
أن ف :
الأنفُ معروفٌ، ولعزَّةٍ مكانِهِ سَمَّوا به كلَّ عزيزٍ. قالوا: أنفُ الجملِ لأعلاهُ، وَرَغُمَ
أَنفُه أي لُصقَ بالرَّغام وهو الترابُ، وتَربَ أنفُه. ويقولون في المتگَّبر: شَمَخَ بأتفهِ. ونسبوا
(١) ديوانه ١٧.
(٢) هذا رأي المدرسة البصرية، الإنصاف ٨٠٩.
(٣) هذا رأي المدرسة الكوفية، ووزنه عندهم إِفعان الإنصاف ٨٠٩.
(٤) عجز بيت في التاج أنس والبصائر ٣٢/٢ دون عزو. وهو لأبي تمام في ديوانه ٢٤٥/٢ وصدره:
( لا تَنْسَيَنْ تلك العهود فإِنما).

١٣١
باب الهمزة
الحميَّةَ والعَزَّةَ لُهُ، قال الشاعرُ: [ من الطويل]
١٠٥ - إِذا غضبتْ تلك الأنوفُ لم ارضها
ولم أطلبِ العُتْبَى ولكن أزِيدُها(١)
وأَنِفَ فلانٌ من كذا: اسْتَنكَفَ. والأَتَّقةُ: الحميَّةُ. واستأنفتُ الشيءَ: ابتدأتُه،
وحقيقته؛ أخذتُ بأنفه مُبتدئاً به، ومنهُ: ﴿ماذا قالَ آنفا٢ً)﴾ [محمد: ١٦] أي مُبتدئاً.
قال الشاعرُ في بني أنفِ الناقةً: [ من البسيط]
١٠٦ - قَومٌ همُ الأنفُ، والأذنابُ غيرُهُمُ
ومَن يُساوي بأنف الناقة الذَّنبا؟(٢)
قيلَ: كانوا يكرهون النسبةَ إِليه حتى قيل هذا الشعرُ، فصارَ أحبَّ إِليهم من كلِّ
شيء:
قولُه تعالى: ﴿ماذا قال آنفاً﴾ أي الساعة(٤). وحقيقتهُ ماقدَّمتُه أنه من استأنَقتُ
الشيءَ أي ابتدأتهُ. والمعنى: ماذا قالَ في أولِ وقتٍ يَقْربُ من وقتنا؟ وروضٌ أُنَّفّ: لم تُرعَ
قبلَ ذلك، ومنه حديثُ أبي مسلم الخولانيِّ(٥): ((ووضَعَها في أُنُّفٍ منَ الكلاَ))(٦) يقولُ:
يتبَّعُ بها المواضعَ التي لم تُرْعَ قبلَ الوقتِ الذي دخلتْ فيهِ. وكأسٌ أُنْفٌ: لم يُشربْ فيهِ
قبل ذلك.
قالَ بعضُ القدريَّةِ: ((وإِنَّ الأمرَ أُنُفٌ))(٧) أي مستأنَفٌ من غيرٍ سابقٍ قضاءٍ ولا قَدرٍ.
وأَنْفُ كلِّ شيءٍ: أولُه، قالَ امرؤ القيسِ : [ من الرمل]
(١) البيت في محاضرات الراغب ٣١٥/١ والمفردات ٩٥ دون نسبة.
(٢) قرأ ابن كثير والبزي والداني وابن محيصن ( أنفاً) البحر المحيط ٧٩/٨ والسبعة ٦٠٠ والنشر
٣٧٤/٢.
(٣) البيت للحطيئة في ديوانه ١٥.
(٤) التاج ((قال ابن الأعرابي أي مذ ساعة، وقال الزجاج: أي ماذا قال الساعة)).
(٥) هو عبد الله بن ثَوَب الخولاني، تابعي (ت٦٢هـ) فقيه، عابد، زاهد، أدرك الجاهلية وأسلم قبل
وفاة النبي تَُّ ولم يره. هاجر إلى الشام وتوفي بدمشق. انظر الاعلام ٤ /٢٠٣.
(٦) الغريبين ٩٩/١ والنهاية ٧٦/١ وغريب ابن الجوزي ١ / ٤٤.
(٧) الحديث لابن عمر، الغريبين ٩٨/١ والنهاية ١ /٧٥ وغريب ابن الجوزي ٤٤/١.

١٣٢
باب الهمزة
لاحقُ الصُّقلينِ مَحْبُوكُ مُمَرْ (١).
١٠٧- قد غَدا يحملُني في أُنفه
وفي الحديث: ((لكُلِّ شيءٍ أُتْفةُ وأنْفةُ الصلاةِ التكبيرة)) (٢) أي أوَّلها. المحفوظُ
ضمِّ الهمزةِ، قال الهرويُّ: والصحيحُ أنَّفةٌ يَعني بالفتح.
قوله تعالى: ﴿وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥] يُقرأ بالنصبِ والرفعِ(٣) على
معنى: والأنفُ كائن ومأخوذٌ بالأنفِ، وفيهٍ غيرُ ذلك. ويُجمعُ على أنْفٍ في القِلَّةِ وَأُنوفٍٍ
في الكثرةِ. وفي الحديث: ((المؤمنون هَيِّنون ليّنون كالجملِ الأنف))(٤)، وهو الذي عَقّر
الخشاشُ أنفَهُ، فهو ينقادُ لكُلِّ مَن يقودُه. وأصلُه مأنوفٌ مثلُ مضروبٍ.
وذكر الراغبُ في هذا البابِ الانملَة وأنا أذكرها في بابِ النونِ لأنَّ همزتَها مَزيدةٌ.
أن ي :
أنَّى: ظرفُ زمانٍ لا ينصرفُ، وهو لا يخرج عن الشرطِ أو الاستفهام(٥)،، فمن
مجيئه شرطاً جازماً فِعلينٍ قوله: [ من الطويل]
١٠٨ - فأصبحتَ أنَّى تأتِها تَبْئُسْ بها(٦)
وتردُ في الاستفهامِ بمعنى كيفَ، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حرثُكم أنَّى شِئْتُمْ(٧) ﴾
[البقرة: ٢٢٣]، وبمعنى أينَ كقوله تعالى: ﴿ أَنَّى لكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧ ] أي من
أينَ؟
قال الراغبُ(٨): أنَّى للبحث عن الحالِ والمكانِ، ولذلكَ قيلَ: هو بمعنى أين
(١) ديوانه ١٤٦.
(٢) أي التكبيرة الأولى. غريب ابن الجوزي ١ /٤٤ والفائق ٤٩/١ والغريبين ٩٩/١ والنهاية ٧٥/١١.
(٣) قرأها بالنصب: أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو. وقرأها بالرفع: الكسائي وأنس. المبسوط
١٨٥ معجم القراءات ٢١٢/٢.
(٤) الفائق ١ /٥٠ والنهاية ٧٥/١ والغريبين ٢٠/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٤/١.
(٥) البرهان ٤ /٢٤٩ والإتقان ٢٠٧/٢.
(٦) صدر بيت قاله لبيد وعجزه في ديوانه ٢٢٠: (كلا مركبيها تحت رجلك شاجر)! يقول : كيفما
ركبت منها التبس عليك الأمر.
(٧) قرأ حمزة والسوسي (شيتم) غيث ١٦٢.
(٨) المفردات ٩٥.

١٣٣
باب الهمزة
مقام الكلمتينٍ، وهو ممتنعٌ عندَ أهل البيان .
وأنَّى: تأتي بمعنى قرُبَ، قال تعالى: ﴿ألم يَأنِ للذين آمنوا أن تَخْشَعَ قُلُوبُهم
لذكرِ اللَّه﴾ [الحديد: ١٦] وقوله: ﴿غيرَ ناظرينَ إِناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي نُضجَهُ
واستوراءَهُ، إِذا كُسرتْ قُصرتْ، ومنه الآيةُ الكريمةُ، وإِذا فُتحتْ مُدَّتْ، ومنهُ قولُ الحطيئة :
[ من الوافر]
١٠٩- وآنیتُ العَشاءَ إِلی سُھیلٍ
أو الشِّعرى، فطالَ بِنا الأَناءُ(١)
يقال: أنَّيْتُ وأَنَّيتُ مخففاً ومثقلاً بمعنى تأخَّرْتُ، وآنَيتُ بمعنى أخَرتُ. وفي
الحديث: ((آذيتَ وآنيتَ))(٢) أي أخْرتَ المجيءَ. وفلانُ مُتأنٍ من ذلكَ. والأناةُ: التُّؤْدَةُ.
وقوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أي بلغَ أناهُ في شدَّة الحرِّ. واستأنيتُ فلاناً:
انتظرتُه واستبطأتُه. وآناءُ الليل: ساعاتُه. قال تعالى: ﴿ومن آناء الليل فسبحْ﴾
[طه: ١٣٠] واحدهُ إِنّاً مثلُ مِعاً وأَمعاء، وإِنْيٌ مثلُ نِحْيٍ وأَنحاء، وأَنِىَ مثلُ قفاً وأَقفاء، قالَه
الهرويُ وذکر أنّيّ و أنیاء کدلو وأُدلاء.
وقوله: ﴿مِنْ عَينٍ آنيةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أي حارَّةٍ بلغتْ أَناها، وهي نظيرُ ﴿حَميمٍ
آنٍ﴾ كلاهما اسمُ فعلٍ من أَنَى يأني فهو آنٍ. وهي آنيةٌ كغازٍ وغازیةٍ.
والإناءُ: الوعاءُ الذي يوضَعُ فيه ما آنَ وقتُه، ثم عُبُر بهِ عن كلِّ وعاءٍ. ويُجمعُ على
آنيةٍ. فشبِّهَ بآنيةٍ اسمٍ فاعلٍ من أَنّى كما تقدَّم. فتلك مُفردةٌ وزنُها فاعِلةٌ، وهذه جمعٌ أَفْعِلَةٌ
نحو غطاءٍ وأغطيةٍ. وأما الأواني فجمعُ آنيةٍ.
وأنا: ضميرٌ متكلمٌ وَحدهُ، واختلفَ النحويون في أَلفهِ فقيلَ: مَزيدةٌ لبيانِ الحركة
ولذلك تُحذفُ وصلاً وتَثبتُ وقْفاً. ويقالُ هنا: أوانٍ بتقديمَ ألفَ ( وأنْ) كلفظ الناصبة.
والمشهورُ ما قدَّمتُه من ثبوت ألفِهِ وقفاً وحَذفها وصلاً، وقد تَثْبُتُ وصلاً. وقُرِئَ ﴿لكنَّا(٣)
هُوَ اللَّهِ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، والأصلُ: لكنْ أَنا وأُدغِمَ. وكذلك: ﴿وأنا أوَّلُ
المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٣]. وأما في الشعرِ فكثيرٌ نحو قوله: [من الوافر]
(١) ديوانه ٨٣. ((سهيل والشعرى نجمان يطلعان في الشتاء في آخر الليل أو في النصف)).
(٢) الفائق ٤٦/١ وغريب ابن الجوزي ٤٦/١ والنهاية ٧٨/١ وابن ماجه ١١١٥.
(٣) قرأ ابن عامر ونافع والحسن وزيد بن علي والزهري ويعقوب وأبو جعفر ورويس وورش(لكنّا) بإثبات=

١٣٤
باب الهمزة
جُمَيداً قد تدَرَّيتُ السَّناما(١)
١١٠ - أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِ فوني
ويقالُ: أَنَّهْ، بهاءِ السُّكت(٢). ومنه قول جاتم:
١١١ - هكذا فزدي أنّهْ(٣)
وتتصلُ به تاءُ الخطاب، وتلحقُها علامةُ النَّنية، والجمع، فيقالُ: أنتَ وأنت وأنتما
وأنْتُم وأنتنَّ. هذا عند من يقول ذلك.
ويقالُ: أُنْيَّةُ الشيء، كما يقالُ: ذاتُه. قالَ الراغبُ (٤): وهي لفظةٌ مُحدثةٌ ليست
من كلامِ العرب. قلتُ: صَّدَقَ، وإنما هذا في عبارةِ المتكلمينَ يقولون: في أنَّّةِ الإنسانِ،
أي حقيقته.
قولُكَ(٥): أنَّ خلافُ إِنَّ بالكسرِ والتشديد: حرفُ تأكيدٍ يَنْصِبُ الاسمَ ويرفعُ
الخبرَ، وله أحكامُ في بابهِ، ومن حيثُ اللفظُ يكونُ مشتركاً في الصورة بينَ معاني التَّوكيد
كما تقدَّم وبمعنى نَعم عندَ بعضهم، وفعلَ أمرٍ من الاثنينِ نحوُ: يازيدُ إِنَّ وماضياً مُسنداً
الضميرِ الإناث من إِنَّ نحوُ: يا نِسوةُ إِنَّ، أيْ إِقِربْنَ.
إلى معانٍ أخرى ليس هذا موضعها لضيقِ الزمانِ بتصريفها لا سيَّما مع عُسرِهِ.
وتتصل ما(٦) الزائدة بها فيبطُلُ فعلُها على المشهورِ، وتُفيدُ الحصرَ عندَ الجمهورِ
نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّه إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١]. وحصرُ كلِّ شيءٍ بحسب ذلك المعنى
= الألف. النشر ٢ /٣١١ والسبعة ٣٩١ والبحر المحيط ١٢٨/٦. وقرأ يونس وابن عتبة وابن أبي عبلة وأبو
عمرو وأبو جعفر (لكنّ) البحر المحيط ١٢٨/٦. وقرأ الحسن وأبيّ وابن مسعود (لكنْ أنا) البحر
المحيط. وقرأ الحسن وابن مسعود وعيسى الثقفي (لكنْ) البحر المحيط. وقرأ أبو عمرو (لكنّه)
وقفاً. البحر المحيط. وقراً ابن مسعود وأبيّ (لكنْ أنا لا إله إلا هو ربي) الكشاف ٢ /٤٨٥. وقرأ ابن
مسعود (لكنْ هو الله ربي لا إله إلا هو) مختصر شواذ القراءات ٨٠.
(١) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ١٣٣.
(٢) عقد سيبويه في كتابه ٤ / ١٦١ - ١٦٥ ((باب ماتلحقه الهاء».
(٣) لم يرد في ديوانه.
(٤) المفردات ٩٥ - ٩٦.
(٥) البرهان ٤ /٢٣٠ والإتقان ٢٠٦/٢ والمفردات ٩٢.
(٦) البرهان ٤ /٢٣٠.

١٣٥
باب الهمزة
المسبوقِ إِليه نحو: ﴿إِنما أنتَ نذيرٌ﴾ [هود: ١٢] وقولُه: ﴿أَنّما الحياةُ الدُّنيا لعب ولهوٌ
وزينةٌ﴾ [الحديد: ٢٠].
وبالفتح والتشديد هي أختُها، معناهما وعَمَلَهُمَا واحد إِلا أن الفرقَ بينَهما يقعُ
بأشياءَ مذكورةٍ في النحو بَيْنتُها في مواضعها،. والمكسورةُ جملةً مستقلةٌ، والمفتوحةٌ مع
ما بعدها مؤوَّلة بمفردٍ نحو: ﴿قُل أَوحِي إِلِيَّ أنَّه اسْتَمِعَ نَفْرٌ منَ الجنِّ﴾ [الجن: ١].
وأنْ بالفتح والتخفيف تكونُ مخففةٌ من الثقيلة، فلم يختلف معناها ولا عَمَلُها إِلا
أنه اشتُرطَ فيها شروطٌ لم تَشُترطْ في المثقلةِ، كقولهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيكونُ﴾ [المزمل: ٢٠]،
﴿أَفَلا يَرَوَنَ الأَّيرجعُ﴾ [طه: ٣٩].
وتكونُ ناصبةً للمضارِعِ فينسَبِكُ منها ومما بعدها مصدرٌ كقوله: ﴿وأنْ تَعْفُوا﴾
[البقرة: ٢٣٧] عَفُكم. وتَعملُ مُضمرةً ومُظهرةً ولها أحكام وهي أُمُّ الباب، وتكونُ
مفسرةٌ إِذا صَلح موضِعُها أي نحو: أشرتُ إِليه أنْ قُمْ. ومزيدةً نحو: ﴿فلما أنْ جاءَ
البشيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]. وإِنْ بالكسرِ والتخفيف تكونُ مخففةً من الثقيلة، والأ کثر حينئذ
إهمالُها. وتلزمُها لامّ فارقةٌ إِنْ لم تعملْ، ولم تكن ثمَّ فرقيَّةً. وتكونُ شرطيةٌ فتجزمُ فعلينٍ،
وهي أُمُّ البابِ، ولها أخواتٌ وأحكامٌ، وتكون نافيةٌ نحو: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلا مُفْتَرون﴾
[هود: ٥٠]، ومزيدةٌ نحو: [ من الوافر]
١١٢- فما إِنْ طِّنَا جُبنَ ولكنْ(١)
فصل الألف والهاء
أهـ ل :
أهلُ الرجل(٢): مَن يجمعُه وإِياهُم نسبٌ، أو دينٌ، أو ما يَجري مَجراهُما، من
(١) البيت لفروة بن مسيك في الوحشيات ٢٨ وكتاب سيبويه ١٥٣/٣ وشرح شواهد المغني ٣٠ وتتمة
البيت: (منايانا ودُولَةٌ آخرينا).
(٢) قال الثعالبي فى الأشباه والنظائر ٧٣ ((الأهل فى القرآن على عشرة معان:
((ساكنو القرى، الدِّين، قراء الكتب، الأمة، الأرباب، القوم والعشيرة، الزوجة، المستعد للشيء،
الأولاد، المستحق)).

١٣٦
باب الهمزة
صناعةٍ وبيتٍ وبلد. قالَ الراغبُ (١): فأهلُ الرجلِ في الأصلِ مَن يجمعُهُ وإِيَاهُم مسكنٌ
واحدٌ، ثم تُجوِّز بهِ فقيل: أهلُ بيتِ الرجلِ: لمَن يجمعُه وإِياهُم نسبٌ واحدٌ .. وتُعورفَ في
أُسرةِ النّبِيِّ ◌َُّ مُطلقاً، فعُبٍّ بأهِل الرجلِ عن امرأتِهِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّه ليسَ من أهلِكَ ﴾
[هود: ٤٦] أي ليس من أهلِ دينك، بدليل قولهِ: ﴿إِنَّ ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥] فلم
تَنْفِعْه بنِوَّةُ النِّسبِ، وذلك أنَّ الشريعةَ رَفعتْ حُكم النَّسبِ في كثيرٍ من الأحكامِ بينَ المسلم
والكافر. قال تعالى: ﴿إِنه ليسَ من أهلِكَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هو أهلُ التقوى وأَهلُ المغفرة﴾ [المدثر: ٥٦] قال الأزهريُّ: أي
يؤنَسُ باتَّقائهِ المؤدِّي إِلى الجنة، ويُؤنسُ بمغفرتهِ لأنه غَفُورٌ. قالَ: يقالُ: أهلتُ بهِ آهَلُ
أي أَنِستُ به آنّسُ، وهم أهلي أي الذین آنسُ بهم.
!
وقولُه: ﴿وكان يأمُزُ أهلَه بالصَّلاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أي جميعَ أمَّتِهِ. وأمَّةُ كلِّ نَبِيِّ
أهلُهُ، ومنهم: آلُ محمدٍ كلٌّ تقيّ. وأهَلَ الرجلُ يأهَلُ أهولاً. ومكانُ آهِلٌ ومَاهولٌ.
وتأهَّلَ: تزوَّج. وأهَّلهُ الله في الجنة: زوَّجَه. وهوَ أهلٌ لكذا أي خليقٌ به، ويَستأهِلُ منه.
وأهلاً وسهلاً معناهُ: أتيتَ أهلاً في الشَّفقة لا أجانبَ، ووطئتَ سهلاً من الأرضِ لا
حَزوناً. والأهلُ: يرفَعُ بالواو، ويُنصبُ ويجرِّ بالياءِ. قال تعالى: ﴿ شَغَلْتنا أموالُنا وأهلونا﴾
[الفتح: ١١] وقال: ﴿قُوا أَنفسَكم وأَهليكُم ناراً﴾ [التحريم: ٦] ولم يستكمل شروط
الجمعِ، والذي سوَّغَ بهِ جمعُه تصحيحاً كونُه في معنى مُستحقٍ. وقد يُجمعُ بالألف
والتاءِ، فيقال: أهلاتٌ، ويُجمعُ على أهالٍ.
والإِهالةُ: الدُّهنُ. وفي الحديثِ: (( كانَ يُدعَى إِلى خبز الشَّعيرِ والإهالةِ السَّنِخَةِ،
فيجيبُ))(٢). وفي الأمثال: ((استأهلي إِهالتي وأَحسني إِيالتي))(٣) أي خُذْي صفَر مالي
وأَحسني القيامَ عليّ(٢).
(١) المفردات ٩٦. والمادة من أولها هي في المفردات.
(٢) غريب ابن الجوزي ٤٨/١ والنهاية ٨٤/١ والبخاري برقم ١٩٦٣، ٢٣٧٣ ومسند أحمد ١٣٣/٣،
٢١١.
(٣) مجمع الامثال ٥٣/١، والشرح منقول منه.
-

١٣٧
باب الهمزة
فصل الألف والواو
أوب:
الأوبُ: ضربٌ منَ الرجوعِ لأنَّ الأوبَ لا يقالُ إِلا في الحيوانِ ذي الإرادة بخلاف
الرجوع، فإِنه يقالُ فيهِ وفي غيرهِ. يقال: آبَ يُؤوبُ أَوْباً وَأَوْبَةً. وقوله: ﴿إِنَّ إِلينا إِیابَهم ﴾
[الغاشية: ٢٥] أي رجوعَهم فهو كقوله: ﴿ثمَّ إِليهِ يُرجَعونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقوله:
﴿ مآباً﴾ [النبأ: ٢٢] أي مرجعاً، ويجوزُ أن يكون اسم مكانٍ(١).
وقوله تعالى: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] أي رجوعٍ. الأوبةُ كالثَّوبة. والأوَّابُ:
الكثيرُ الرجوعِ لرِّه بامتثال أوامره واجتناب نواهيهِ. ومنهُ: ﴿نعمَ العبدُ إِنَّه أوّابٌ ﴾
[ص: ٤٤] وقوله: ﴿أَوِّبِي مِعَهُ﴾ [ سبأ: ١٠]. التَّويبُ: سَيْرُ النهارِ، ومعناهُ هنا: رجعي
بالتَّسبيح كلّه. ويقال: بيني وبينكَ ثلاثُ مَآوٍبَ أو رَجاعاتٍ بالنهار. ويدلُّ عليه قراءةُ
﴿أُوْبِي﴾ بالنَّخفيف(٢).
وقوله: ﴿فَإِنَّه كان للأوّبينَ غَفوراً﴾ [الإسراء: ٢٥] من ذلك. وقيلَ: الأوّابُ:
الرَّاحمُ. وقيلَ: المُسَبِّحُ. وهذه متقاربةُ المعاني(٢).
وقوله: [ من الوافر]
١١٣- رضيتُ من الغنيمة بالإِياب(٤)
أي: بدلَ الغنيمة، كقوله: ﴿منكم ملائكةٌ﴾ [الزخرف: ٦٠]. ويجوزُ أن يكونَ
مِن على بابِها أي يكفيني الإيابُ من جملة الغنيمة، فجعله بعضاً.
(١) المفردات ٩٧ ((المآب: المصدر منه واسم الزمان والمكان)).
(٢) هي قراءة الحسن وابن عباس وابن أبي اسحاق وقتادة. مختصر الشواذ ١٢١.
(٣) في اللسان (أوب) ((قال أبو بكر: في قولهم رجل أواب سبعة أقوال: قال قوم: الأواب التائب.
وقال سعيد بن جبير: الاواب: المسبح. وقال ابن المسيب: الأواب الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب
ثم يتوب. وقال قتادة : الأواب المطيع. وقال عبيد بن عمير : الأواب : الذي يذكر ذنبه في الخلاء
فيستغفر الله منه. وقال أهل اللغة: الأواب: الذي يرجع إلى التوبة والطاعة .. )).
(٤) مجمع الامثال ٥٩٥/١ وجمهرة الامثال ٤٧٢/١، ٤٨٤ المستقصى ١٠٠/٢ والدر المصون
٥ /٦٠٨ وهو عجز بيت لامرئ القيس في ديوانه ٩٩ وصدره: (ولقد طوفت في الآفاق حتى)
كذلك وقع عجز البيت في شعر عبيد بن الأبرص.

١٣٨
باب الهمزة
أود:
الأوْدُ: الثقْلُ. قال تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حفظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي لا يُثِقُلُّه ولا
يَشْقُّ عليه ذلك، وهو معنى قولِ مجاهدٍ، يقالُ: آدَني كذا يَؤودني أوداً يعيدُ، ثقل.
والأوَدُ أيضاً: الاعوجاج لأنَّه ممَّا يثقلُ، وفي الحديث: ((أقامَ الأُوَدَ وشَفّى
العَمَدَ))(١) أي أقامَ العِوَجَ، والعَمْدُ: ورمُ في الظّهر. قال الراغب: ((قوله: ﴿ولا يؤودُهُ﴾
أي لا يُثقلُه، وأصلُه من الأوْدِ))(٢) بتخفيف آدَهُ.
أول :
الأوَّلُ: نقيضُ الآخرِ، وهو أفعلُ النَّفضيلِ(٣)، ويكونُ بمعنى أَسبق. والأولُ هو الذي
يترتَّب عليه غيرهُ. ويترتَّب على أوجهِ أحَدُها أن يكونَ تقدُّمه بالزَّمانِ نحو: أبو بكرٍ أولُ
ثم عمرُ. أو بالرياسةِ واقتداءٍ غيرهِ بهِ، نحو: الملكُ أُولُ ثمَّ الوزيرُ. أو بالوضعِ كقولك:
دمشقُ أولُ ثم بغدادُ، أو بنظامِ الصناعةِ نحو: الأساسُ أولُ ثم البناءُ. وقولُه تعالى: ﴿هو
الأوَّلُ﴾ [الحديد: ٣] معناهُ الّذي لم يسبقْه في الوجودِ شيءٌ. وقيلَ: هو الذي لا يحتاج
إِلى غيره. وقيلَ: المُستغني بنفسهِ. وهذان يرجعانِ إِلى قولنا: لم يسبقه شيءٌ.
وقوله: ﴿وَأَنا أوَّلُ المؤمنينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿أوَّلُ المسلمينَ﴾ [الأنعام:
١٦٣] أي المقتدى بهِ في الإسلامِ والإِيمانِ. ﴿ولا تكونوا أوَّلَ كافرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]
أي ممَّن يُقتَدى بهِ في الكفرِ. ويكونُ أولُ ظرفاً، فإِن نَويتَ إِضافته بُني على الضمِّ، يقالُ:
جئتُك أولُ أي أولَ الأوقات. والإِعرابُ: جنتك أولاً وآخراً أي قديماً وحديثاً.
وقوله: ﴿أَولى لكَ فَأُولِى﴾ [القيامة: ٣٤] كلمةُ تهديدٍ ودعاءٍ عليه(٤)، معناهُ:
(١) الفائق ٥٠/١ وغريب ابن الجوزي ٤٧/١ والنهاية ١ /٧٩.
(٢) المفردات ٩٧ وتتمة قوله: ((آد يؤود أوْداً وإياداً: إِذا أثقله، نحو قال يقول قولاً، وفي الحكاية عن
نفسك: أُدْت مثل: قلت، فتحقيق آده: عوّجه من ثقله في ممره . ! قلت: لعل مؤلف العمدة قد
أسقط ما استدركته. واشتبه على الناسخ: تخفيف وتحقيق.
. (٣) هو مذهب البصريين، أما الكوفيون فيقولون وزنه (وَول) وانظر سفر السعادة ١١٩ - ١٢٠، ٥١٥ -
٥١٦، والمفردات ١٠٠ جيث رأي الخليل.
(٤) المفردات ١٠٠ (كلمة تهديد وتخويف يخاطب بها من أشرف على الهلاك)). وفي تفسير ابن كثير
٤ /٤٨٢ ((وعيدٌ على أثر وعيد .. )) وفي الأشباه والنظائر ٤٤ ((هو في القرآن على معنيين: الأول
بمعنى أحق، الثاني: الوعيد».

١٣٩
باب الهمزة
ولْيَكُ شرِّ بعدَ شرٍ. وقد يخاطبُ بذلكَ مَن أشرفَ على الهلاكِ فيُحثُّ به على
التحرُّزِ منهُ. وقيل: يُخاطبُ به مَن نَجا من الشرِّ ذليلاً فيُنَهَى أن يقعَ في ذلك الأمرِ ثانياً.
وأكثرُ ما يَجيء مكرَّراً كقولها: [ من المتقارب]
١١٤ - فأولى منفسي أولى لها (١)
وكأنه حثٍّ على ما يَؤولُ إِليه ليُتَنَبَّهَ على التحرِّزِ منه. وفي الكلمة أعاريبُ ذكرتُها
في غيرِ هذا. وكذلك ذكرتُ اختلافَ الناسِ في أصلِ ((أوَّل)) وتصريفهِ واشتقاقه. وتأنيثُه
(( أُولَى)). ويجمع على أُوَل ويُجمع هو على أوائل وأَوَّلين. والاولُ: الرجوعُ إِلى الأصل.
والتَّأويلُ تَفْعيلٌ منهُ، وذلك ردُّ الشيءٍ إِلى الغايةِ المرادةِ فيه، ويكونُ ذلك في العلمِ كقوله
تعالى: ﴿وَما يَعلمُ تأويلَه إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وفي الفعلِ كقولِ الشاعرِ:
[ من البسيط ]
١١٥ - وللنَّوى قبلَ يومِ البينِ تَأويلُ(٢)
وقولُه: ﴿يومَ يأتي تأويلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي بيانُه إِلى الغاية المُرادةِ منهُ. وقال
الزّجاجُ في قولهِ: ﴿هل ينظرونَ إِلَّ تأويلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي ما يؤولُ إِليه أمرهم منّ
البعث. قالَ: وهذا التأويلُ هو قولُه تعالى: ﴿وما يعلمُ تأويلَه إِلا اللَّهُ﴾، أي لا يعلمُ متى
يكونُ أمرُ البعثِ وما يؤولُ إِليه الأمرُ عندَ قيامِ الساعةِ إِلا اللَّهُ. والراسخون في العلمِ يقولون:
آمنًا بالبعث(٢) .
وقولُه: ﴿وأحسنُ تأويلاً﴾ [النساء: ٥٩] أي أحسنُ عاقبةً. وقيلَ: أيْ أحسنُ
معنىً ورحمةٌ. وقيل: أحسن ثواباً في الآخرةِ.
والموثلُ: المرجَعُ، وهو موضعُ الرجوعِ. والأوْلُ: السياسةُ التي تُراعي مَآلَها الناسُ.
((وإِيلَ علينا))(٤) والمآلُ: مَفْعلٌ منهُ كالمقامِ. وفي الحديث: ((مَن صامَ الدَّهرَ فلا صامَ
(١) عجز بيت للخنساء في الخصائص ٤٤/٣ وصدره: (هممت بنفسي خل الهموم).
(٢) عجز بيت لعبدة بن الطبيب في المفضليات ١٣٦ وصدره: (وللأحبة أيام تذكّرها).
(٣) ثمة أقوال أخرى في تفسير ابن كثير ٢٢٩/٢.
(٤) هذا من كلام عمر بن الخطاب، وقاله زياد بن أبيه في خطبته. انظر نشر الدر ٤٠/٢ وأمثال أبي
عبيد ١٠٦ وفي المقاييس ( أول) (تقول العرب في أمثالها ... )) واللسان ٣٦/١١.

١٤٠
باب الهمزة
[ ولا آلَ]))(١) ولا آلَ: معناهٌ لَا رَجعَ بخيرٍ.
ومن المادة: آلُ الرجلِ، وهم مَن يَؤولون إِليه، أو يؤولُ هو إِليهم، أي يرجعُ. وأصلُه
أُوْلٌ. فقلبَ الواوَ ألفاً كهي في مالٍ. وقيلَ: هو بمعنى أهلٍ وليسَ كذلك(٢) لأنَّ آلَ لا
يضافُ إِلى مُضمرٍ إِلا في قليلٍ نحوُ قولِهِ: [من الطويل ]
١١٦- فما يحمي حقيقةً آلكا (٣)
ولا يضافُ إِلا لذي خطرٍ، فلا يقالُ: آلُ الحجام، ولا يُقطع عن الإِضافة إِلا نذوراً
كقوله: [ من الرمل]
١١٧ - لم نزلْ آلاً على عهد إِرَمْ(٤)
رجلٌ(٥) ولا آلُ بغدادَ ولا آلُ زمانٍ ولا آلُ مکان کذا، بخلافِ أهلٍ في ذلك کلّه.
وقولُه: ﴿أَدْخِلوا آلَ فَرِعَونَ﴾ [غافر: ٤٦] يعني بهم كلَّ مَن آلَ إِليه في دِينٍ أو مَذْهبٍ أو
نَسبٍ، وقولُه: ((فقد أُوتِيَ مزماراً من مزاميرٍ آل داود))(٦) أي داودَ نفسَه وآل مُفْحمةٌ. كما
يقالُ: مثلُك لا يفعلُ كذا. يُريدون: أنتَ لا تَفعلُ.
وقال الراغبُ(٧): الآلُ هو مقلوبٌ عن الأهلِ، إِلاَّ أنَّه خُصِّص بهِ. فذكر بعضَ
ماقدَّمتُه ثم قال: وقيلَ: هو في الأصل اسمُ الشخصِ، ويُصغّرُ أُوَيْلاً. ويُستعملُ في مَن
يختصُّ بالإِنسانِ اختصاصَ ذَاتِهِ، إِمّا بقرينةٍ قُربٍ أو مُوالاةٍ.
وآل النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم: أقاربُهُ. وقيلَ: همُ المختصّونَ بهِ من حيثُ العلمُ،
وذلكَ أنَّ مَن اختصَّ بتعلُمٍ علمهِ فهو مِن آلهِ وأمَّته، ومَن لم يختصَّ بذلك بل عملَ تقليداً
فهو مِن أمَّته. وكلُّ آلِ النبيِّ أمتُه، وليس كلٌّ أمتهِ آلّه. وفي الحديث: ((آلُ النبيِّ كل
(١) انظر تخريجه فيما مضى. مادة (ال و)
(٢) المفردات ٩٨ ((الآل: مقلوب عن الأهل)) وسيبويه ٣٨٣/١ والبحر المحيط ١٨٨/١.
۔۔
(٣) من بيت لرؤبه، وتمامه: (أنا الفارس الحامي حقيقة والدي. وآلي فما تحمي حقيقة الكا) والبيت في
الدر المصون ٣٤٣/١ والقرطبي ٣٨٣/١.
(٤) عجز بيت وصدره: (نحن آل الله في بلدتنا) البيت دون نسبة في الهمع ٥٠/٢ والدرر ٣٠/٥
( الكويت ).
(٥) ثمة نقص في الجملة وتتمته من المفردات ٩٨: ((يقال: آل فلان ولا يقال آل رجل ... )) ..
(٦) أخرجه البخاري برقم ٤٧٦١ بلفظ ((يا أبا موسى، لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود)). وأخرجه
مسلم برقم ٧٩٣، وفي النهاية ١ / ٨١.
(٧) المفردات ٩٨.