Indexed OCR Text
Pages 541-560
الآية : ١٩٤ ٥٤١ سُوَّةُ الَّغَرَافِ لاعترافهم بعجز أنفسهم، وزعمهم قدرتها عليهما؛ إذ هو الذي يدعوهم إلى عبادتها والاستعانة بها . وقيل: يحتمل أنهم لما نحتوا الأصنامَ بصور الأناسيِّ قال لهم سبحانه: إن قُصارى أمرهم أن يكونوا أحياءَ عقلاء أمثالكم، فلا يستحقُّون عبادتكم كما لا يستحقُّ بعضُكم عبادةَ بعض، فتكون المِثْلَيَّلة في الحيوانية والعقل على الفرض والتقدير؛ لكونهم بصورة الأحياء العقلاء. وقرأ سعيد بن جُبير: ((إن الذين تدعون)) بتخفيف ((إنْ))، ونصب ((عباداً أمثالَكم))(١)، وخرَّجها ابنُ جِنِّي(٢) على أنَّ ((إنْ)) نافية عملتْ عمل ((ما)) الحجازية، وهو مذهب الكسائيِّ وبعضٍ الكوفيين. واعتُرض أولاً: بأنه لم يثبت مثلُ ذلك، وثانياً: بأنه يقتضي نفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءةُ المشهورة تُثبتُه، فتناقضُ القراءتان. وأُجيب عن الأول: بأن القائل به يقول: إنه ثابتٌ في كلام العرب، كقوله: إلا على أضعف المجانين (٣) إنْ هو مستولياً على أحد وعن الثاني: بأنه لا تناقضَ؛ لأن المشهورة تُثبت المِثْلية من بعض الوجوه، وهذه تنفيها من كلِّ الوجوه، أو من وجه آخر؛ فإنَّ الأصنام جمادات مثلاً، والداعین ليسوا بها . وقيل: إنها إنْ المخفَّفةُ من الثقيلة، وإنها على لغة مَنْ نَصَبَ الجزئين بها، کقوله : خطاكَ خِفافاً إنَّ حرَّاسَنا أُسداً (٤) إذا اسوَدَّ جنحُ الليل فلتأتِ ولتكنْ في رأي، ولا يخفى أنَّ إعمال المخفَّفة ونصبَ جُزأيها كلاهما قليلٌ ضعيف، (١) القراءات الشاذة ص ٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٤ . (٢) في المحتسب ٢٧٠/١. (٣) البيت في خزانة الأدب ١٦٦/٤ من غير نسبة. (٤) البيت في المغني لابن هشام ص ٥٥، ونقل البغدادي في شرح شواهده نسبته إلى عمر بن أبي ربيعة، وكذلك نسبه أبو حيان في البحر ٤٤٤/٤، وهو ليس في ديوانه. ـورَةُ الأَغراف ٥٤٢ الآية : ١٩٥ ومن هنا قيل: إنها مهملةٌ، وخبر المبتدأ محذوفٌ، وهو الناصب لـ ((عباداً))، و(أمثالكم)) على القراءتين نعتٌ لـ ((عباد)) عليهما أيضاً. وقرئ: ((إنَّ)) بالتشديد، و((عباداً)) بالنصب على أنه حال من العائد المحذوف، و((أمثالُكم)) بالرفع على أنه خبر ((إنَّ))، وقرئ به مرفوعاً في قراءة التخفيف ونصب ((عباد))، وخرِّج ذلك على الحالية والخبرية أيضاً (١). ﴿فَأَدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ تحقيقٌ لمضمون ما قبلَه بتعجيزهم وتَبْكيتهم، أي: فادعوهم في رفع ضرِّ أو جلب نفع ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ في زعمكم أنَّهم قادرون على ما أنتم عاجزون عنه. وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاٌ﴾ إلخ تَبْكيتُ إثر تبكيت، مؤكِّدٌ لما يفيده الأمر التعجيزيُّ من عدم الاستجابة ببيان فقدان آلاتها بالكلية. وقيل: إنه على الاحتمال الأول في المماثلة كرٌّ على المِثْلية بالنقض؛ لأنهم أَدْوَنُ منهم (٢)، وعبادةُ الشخص مَنْ هو مثلُه لا تليق، فكيف مَنْ هو دونه؟! وعلى الاحتمال الثاني فيها عَوْدُ الضمير على الفرض المبنيِّ على(٣) المثلية بالإبطال، وعلى قراءة التخفيف وإرادة النفي تقريرٌ لنفي المماثلة بإثبات القصور والنقصان. ووجّهَ الإنكار إلى كلِّ واحد من تلك الآلات الأربع على حِدَة تكريراً للتبكيت، وتثنية للتقريع، وإشعاراً بأن انتفاء كلِّ واحدة منها بحيالها كافٍ في الدلالة على استحالة الاستجابة . وليس المراد أنَّ من لم يكن له هذه لا يستحقُّ الألوهية، وإنما يستحقُّها من كانت له، ليلزم إما نفيُّ استحقاق الله تبارك وتعالى لها، أو إثبات ذلك له كما ذهب إليه بعض المجسِّمة واستدلَّ بالآية عليه = بل مجرَّد إثبات العجز، ومن ذلك يُعلم نفي الاستحقاق. ووصفُه الأرجل بالمشي بها للإيذان بأن مدار الإنكار هو الوصف، وإنما وُجِّه (١) البحر المحيط ٤٤٥/٤، والدر المصون ٥٤١/٥ . (٢) لفظ: منهم، لم يرد في الأصل، والمثبت من (م). (٣) في (م): عليه. الآية : ١٩٥ ٥٤٣ سُورَةُ الأَغَافِ إلى الأرجل لا إلى الوصف بأن يقال: أيمشون بأرجلهم، لتحقيق أنها حيث لم يظهر منها ما يظهر من سائر الأرجل فهي ليست بأرجل في الحقيقة، وكذا الكلام فيما بعدُ من الجوارح الثلاثة الباقية. وكلمةُ ((أم)) في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهِاً﴾ منقطعةٌ، وما فيها من الهمزة لما مرَّ من التبكيت، وبل للإضراب المفيد للانتقال من فنٌّ منه بعد تمامه إلى آخر منه لِمَا تقدَّم(١)، والبطشُ: الأخذ بقوّة. وقرأ أبو جعفر: ((يبطُشون)) بضم الطاء(٢)، وهو لغةٌ فيه. والمعنى: بل ألهم أيدٍ يأخذون بها ما يريدون، أو يدفعون بها عنكم؟ وتأخير هذا عما قبله - كما قال شيخُ الإسلام(٣) - لما أن المشي حالُهم في أنفسهم، والبطش حالُهم بالنسبة إلى الغير، وأما تقديمُ ذلك على قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بَأْ﴾ مع أن الكلَّ سواء في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى الغير، فلمراعاة المقابلة بين الأيدي والأرجل، ولأن انتفاء المشي والبطش أظهرُ، والتبكيتُ به أقوى، وأما تقديمُ الأعين على الآذان فلأنها أشهر منها، وأظهر عيناً وأثراً، وكون الإبصار بالعين والسماع بالأذن جارٍ على الظاهر المتعارف. واستدلَّ بالآية من قال: إن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوةً بها تؤثِّر إذا أذِنَ الله تعالى لها، خلافاً لمن قال: إن التأثير عندها لا بها، وزعم أن ذلك القول قريبٌ إلى الكفر، وليس كما زعم، بل هو الحقُّ الحقيقُ بالقَبول. ﴿قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَّكُمْ﴾ أمرٌ له وَّر بأن يُناصِبَهم المحاجَّة، ويُكرِّر عليهم التبكيت بعد أن بيَّن أن شركاءهم لا يقدرون على شيء أصلاً، أي: ادعوا شركاءكم واستعينوا بهم عليَّ ﴿ثُمَّ كِدُونِ﴾ جميعاً أنتم وشركاؤكم، وبالغوا في ترتيب (١) في (م): مما تقدم. وجاء في تفسير أبي السعود ٣٠٦/٣ (والكلام منه): إلى فن آخر منه لِمَا ذكر من المزايا . (٢) النشر ٢٧٤/٢ . (٣) تفسير أبي السعود ٣٠٦/٣. سُورَةُ الَّغَافِ ٥٤٤ الآية : ١٩٦ فلا تمهلوني ساعةً بعد ما تقدرون عليه من مبادي المَكْر والكيد، ﴿فَلَا نُظِرُونِ ترتيب مقدِّمات الكيد؛ فإني لا أُبالي بكم أصلاً . وياء المتكلم في الفعلين مما لم يثبتوها خطًّا، وقرأ أبو عمرٍو بإثبات ياء (كيدون)» وصلاً، وحذفها وقفاً، وهشام بإثباتها في الحالين، والباقون بحذفها فيهما(١). وفي ((هود)): ﴿فَكِيدُونِي جَميعًا﴾ [الآية: ٥٥] بإثبات الياء مطلقاً عند الجميع، وأما ياء ((فلا تنظرون)) فقد قال الأجهوريُّ: إنهم حذفوها لا غير (٢). ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ﴾ تعليلٌ لعدم المبالاة المنفهم من السوق انفهاماً جليًّا، و((أل)) في ((الكتاب)) للعهد، والمراد منه القرآن، ووصفُه سبحانه بتنزيل الكتاب للإشعار بدليل الولاية، وكأنه وضَعَ: ((نزَّلَ الكتاب)» موضع: أرسلني رسولاً، ولا شكَّ أن الإرسال يقتضي الولاية والنصرة، وقيل: إن في ذلك إشارةً إلى علة أخرى لعدم المبالاة، كأنه قيل: لا أُبالي بكم وبشركائكم؛ لأنَّ وليِّيَ هو الله تعالى الذي نزل الكتاب الناطقَ بأنه ولّيِّي وناصري، وبأنَّ شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلاً عن نصركم. ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، ١٩٦ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ أي: ومن عادته جلَّ شأنه أن ينصُر الصالحين من عباده ولا يخذُلَهم. وقال الطَّبيُّ: إنما خُصَّ اسمُ الذَّات بتنزيل الكتاب وجُعلت الآية تعليلاً؛ للدلالة على تفخيم أمر المنزَّل، وأنه الفارقُ بين الحقِّ والباطل، وأنه المجلِّي الظلمات الشرك، والمُفحِمُ لألسن أرباب البيان، والمعجز الباقي في كلِّ أوان، وهو النور المبين، والحبلُ المتين، وبه أصلح الله تعالى شؤون رسوله وَّر؛ حيث كمَّل به خُلُقه، وأقام به أَوَدَه، وأفسد به أباطيل المُعطّلة، ومن ثَمَّ جِيء بقوله سبحانه وتعالى: ((وهو)) إلخ كالتذييل والتقرير لما سبق، والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمَحْق، والمعنى: إن وليِّيَ الذي نزَّل الكتاب المشهورَ الذي تعرفون (١) التيسير ص١١٥، والنشر ٢٧٥/٢، وقد اختلف عن هشام، فما ذكره المصنف هو رواية الحلواني عنه، وروى الداجوني عنه كقراءة أبي عمرو. (٢) ذكر ابن الجزري في النشر ٢/ ٢٧٥ أن يعقوب أثبتها في الحالين. الآية : ١٩٧ - ١٩٨ ٥٤٥ سُورَةُ الأَغراف حقيقَتَه، ومِثْلُه يتولَّى الصالحين ويخذل غيرَهم. ولا يخفى أن ما ذُكر أولاً في أمر الوصفية أنسبُ بالمقام، وأمرُ التذييل ممَّا لا مِرْية فيه. وهذه الآية مما جرَّبتُ المداومةَ عليها للحفظ من الأعداء، وكانت وِرْدَ الوالد عليه الرحمةُ في الأسحار، وقد أمره بذلك بعضُ الأكابر في المنام. والجمهورُ على تشديد الياء الأولى من ((وليِّي)) وفتح الثانية، ويُقرأ بحذفها في اللفظ؛ لسكونها وسكون ما بعدها، ويفتح الأولى ولا ياء بعدها، وحذف الثانية من اللفظ تخفيفاً(١). ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: تعبدونهم، أو تدعونهم من دونه سبحانه وتعالى للاستعانة بهم عليَّ حسبما أمرتكم به ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في أمرٍ من الأمور، ويدخل في ذلك الأمرُ المذكور دخولاً أوليًّا، وجُوِّز الاقتصارُ عليه. ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ ، إذا أُصيبوا بحادثة. يَنصُرُونَ (4) ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ أي: إلى أن يهدوكم إلى ما تُحصِّلون به مقاصدَكم مطلقاً، أو في خصوص الكيد المعهود، ﴿لَا يَسْمَعُواْ﴾ أي: دعاءكم، فضلاً عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتِّباع، وحملُ السماع على القَبول - كما في: سمِعَ اللهُ لمن حمده كما زعمَه بعضُهم - ليس بشيءٍ. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ ﴿3﴾ بيانٌ لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السَّمع، وبهذا - على ما قيل - تمَّ التعليلُ لعدم المبالاة، فلا تكرار أصلاً، وقال الواحديُّ: إن ما مرَّ للفرق بين من تجوزُ عبادتُه وغيرِهِ، وهذا جوابٌ ورد لتخويفهم له رَّ بآلهتهم. والرؤية بصريةٌ، وجملةُ ((ينظرون)) في موضع الحال من المفعول الراجع للأصنام، والجملةُ الاسمية حالٌ من فاعل ((ينظرون))، والخطابُ لكلِّ واحد من المشركين، والمعنى: وترى الأصنام رأي العين يشبهون الناظر إليك، ويُخيَّل لك أنهم يبصرون؛ لما أنهم صُنع لهم أعينٌ مركّبة بالجواهر المتلألئة، وصُوِّرت بصورة مَنْ قلبَ حدقَتَه إلى الشيء ينظرُ إليه، والحالُ أنهم غيرُ قادرين على الإبصار. (١) النشر ٢٧٤/٢. سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٥٤٦ الآية : ١٩٩ وتوجيهُ الخطاب إلى كلِّ واحدٍ من المشركين دون الكلِّ من حيث هو كلٌّ كالخطابات السابقة؛ للإيذان بأن رؤيةَ الأصنام على الهيئة المذكورة لا يتسنَّى للكلِّ معاً، بل لكلِّ من يواجهها . وذهب غيرُ واحد إلى أن الخطاب في ((تراهم)) لكلِّ واقفٍ عليه، وقيل: للنبيِّ ◌ََّ، وضميرُ الغَيبة على حاله، أو للمشركين على أن التعليل قد تمَّ عند قوله تعالى: ((لا يسمعوا))، أي: وترى المشركين ناظرين إليك والحالُ أنهم لا يبصرونك كما أنتَ عليه، أو لا يبصرون الحجَّة كما قال السُّديُّ ومجاهد. ونُقل عن الحسن أن الخطاب في ((وإن تدعوهم)) للمؤمنين على أن التعليل قد تمَّ عند قوله سبحانه وتعالى: ((ينصرون))، أي: وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا يتلفتوا إليكم، ولا يقبلوا منكم، وعلى هذا يحسُنُ تفسير السَّماع بالقَبول، وجَعْلُ ((وتراهم)) خطاباً لسيِّد المخاطبين بطريق التجريد. وفي الكلام تنبيهٌ على أنَّ ما فيه عليه الصلاة والسلام من شواهد النبوة ودلائل الرسالة من الجَلاء بحيث لا يكاد يخفى على الناظرين. وجوَّز بعضُهم أن تكون الرؤيةُ عِلْمية، وما كان في موضع الحال يكون في موضع المفعول الثاني، والأول أَولى. + ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما عفا وسهل وتيسَّر من أخلاق الناس، وإلى هذا ذهب ابن عمر، وابن الزُّبير، وعائشة، ومجاهد ﴿ه، وغيرُهم، وأخرجه ابنُ أبي الدنيا عن إبراهيم بن أدهم مرفوعاً إلى رسول الله وَليه(١)، والأخذُ مجاز عن القَبول والرضا، أي: ارضَ من الناس بما تيسّر من أعمالهم، وما أتى منهم وتسهّل من غير كُلْفة، ولا تطلب منهم الجهدَ وما يشقُّ عليهم حتى لا ينفروا، ومن ذلك قوله: ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضبُ (٢) خذي العفو مني تستديمي موذَّتي (١) مكارم الأخلاق (٢٤)، وهو مرسل. (٢) البيت في الأغاني ٣٦٢/٢٠، ونسبه إلى أسماء بن خارجة الفزاري، ونسبه ابن قتيبة في عيون الأخبار ١١/٣ إلى شريح بن الحارث القاضي، وفي ٧٧/٤ إلى أبي الأسود الدؤلي، غير أن أبا الفرج قال عن نسبته لأبي الأسود: وليس ذلك بصحيح. الآية : ١٩٩ ٥٤٧ سُورَةُ الأَغراقِ وجُوِّز أن يُراد بـ ((العفو)) ظاهرُه، أي: خذ العفو عن المذنبين، والمراد: أعف عنهم، وفيه استعارة مكنيةٌ؛ إذ شبّه العفوَ بأمرٍ محسوس يُطلب فيؤخذ، وإلى هذا ذهب جمعٌ من السلف، ويشهد له ما أخرجه ابنُ جرير، وابن المنُذر، وغيرُهما عن الشَّعبيِّ قال: لما أنزل الله تعالى: ((خذ العفو)) إلى آخره قال رسول الله وصلاليه: ((ما هذا يا جبريلُ؟» قال: لا أدري، حتى أسأل العالم، فذهب ثم رجع، فقال: إن الله تعالى أمرَكَ أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطي من حَرَمَك، وتَصِلَ من قطَعَك(١). وأخرج ابنُ مَرْدويه عن جابر نحو ذلك(٢). ولعل زُبدة الحديث مفسِّرة لزبدة الآية، وإلا فالتطبيقُ مشكلٌ كما لا يخفى. وتكلَّف القُطب لتطبيق ألفاظه على ألفاظها، وفيه خفاء. وعن ابن عباس: المرادُ بـ ((العفو)): ما عفى من أموال الناس، أي: خذ أيَّ شيء أتوكَ به، وكان هذا قبل فرض الزَّكاة. وقيل: العفوُ: ما فضَلَ عن النفقة من المال، وبذلك فسَّره الجوهريُّ(٣)، وإليه ذهب السُّدي؛ فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: نزلت هذه الآيةُ، فكان الرجل يُمسك من ماله ما يكفيه، ويتصدَّق بالفَضْل، فنسَخَها الله تعالى بالزكاة. ﴿وَأَمُرْ بِاَلْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف المستحسن من الأفعال؛ فإن ذلك أقرب إلى قبول الناس من غير نکیر. وفي ((لباب التأويل)) أن المراد: وَأُمُر بكلِّ ما أمرك الله تعالى به وعرفتَه بالوحي. وقال عطاء: المراد بـ ((العُرف)): كلمة لا إله إلا الله(٤). وهو تخصيصٌ من غیر داع. (١) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٤٣ من طريق سفيان بن عيينة عن رجل قد سماه، ومن طريق سفيان عن أُميِّ الصَّيْرفي، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٦٣٨/٥ من طريق سفيان عن أُميِّ عن الشعبي. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر. اهـ قلنا: وقوله: أن تعفو عمن ظلمك ... إلخ له شاهد من حديث عقبة بن عامر ظ به عند أحمد (١٧٤٥٢). (٢) أورده ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والسيوطي في الدر المنثور ١٥٣/٣ . (٣) يعني: فسر عَفْو المال بما ذكر، لا العفو مطلقاً. الصحاح: (عفو). (٤) تفسير الخازن ٣٢٨/٢. سُورَةُ الَّغْرَافِ ٥٤٨ الآية : ٢٠٠ ﴾ أي: ولا تكافئ السفهاءَ بمثل سَفَههم، ولا تُمارِهم، ١٩٩ ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ واحلم عليهم، وأَغْضٍ على ما يسوءُك منهم. وعن السُّديِّ أن هذا أمرٌ بالكفّ عن القتال، ثم نسخ بآيته. ولا ضرورةَ إلى دعوى النسخ في الآية كما لا يخفى على المتدبِّر. وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنه ليس في القرآن آيةٌ أجمعُ لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وزبدتُها كما قالوا: تحرِّي حسنِ المعاشرة مع الناس، وتوخِّي بذلِ المجهود في الإحسان إليهم، والمداراة منهم، والإغضاء عن مساويهم وجعلوا نحو ذلك زبدةَ الخبر، إلا أن القرآن مادتُه عامةٌ، و[الحديثُ القدسيُّ](١) مادته خاصة، وقد عِلمَ كلُّ أناسٍ مشربَهم . ولا يخفى حسنُ موقع هذا الأمر بعد ما عدَّ من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يُطاقُ حملُه، وإذا قيل بأن ((الجاهلين)) موضوعٌ موضع ضمير أولئك المشركين - حيث إن الكلامَ فيهم - تسجيلاً عليهم بعدم الارعواء، وإقناطاً كليًّا منهم = التأمت أطراف الكلام غايةَ الالتئام. هذا وعن ابن زيد أنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾ قال رسول الله وَج: ((كيف يا ربّ، والغضب؟)) فنزل قولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ﴾ (٢) النزُ والنسخ والنخس بمعنى، وهو: إدخالُ الإبرة أو طرف العصا أو ما يشبه ذلك في الجلد. وعن أبي زيد(٣) أنه يقال: نزغتُ ما بين القوم: إذا أفسدتَ ما بينهم. وقال الزجَّاج(٤): هو أدنى حركة تكون من الشيطان ووسوسته(٥). والمعنى الأول هو المشهور، وإطلاقه على وسوسة الشيطان مجازٌ؛ (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٤٧/٤، والكلام منه، والمراد بالحديث القدسي ما سلف من خبر الشعبي. (٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٤٦. (٣) في الأصل و(م): ابن زيد، والمثبت من تهذيب اللغة ٩٨/٨ و١٧٧/١٣، وتفسير الرازي ٩٧/١٥، واللسان والتاج (نزغ). (٤) معاني القرآن ٣٩٦/٢. (٥) في (م): ومن الشيطان وسوسته. الآية : ٢٠١ ٥٤٩ سُوَرَّةُ الأَّغرافِ حيث شبَّه وسوستَه إغراءً للناس على المعاصي، وإزعاجاً، بغرز السائق ما يسوقه. وإسنادُ الفعل إلى المصدر مجازيٌّ كما في جدَّ جدُّه. وقيل: النزغ بمعنى النازغ، فالتجوُّز في الطرف، والأول أبلغُ وأولى. أي: إما يحملنَّك من جهة الشيطان وسوسةٌ ما على خلاف ما أُمرت به من اعتراء غضب أو نحوه ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، فاستجِرْ به، والتجئ إليه سبحانه وتعالى في دفعه عنك، ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ﴾ يسمع على أكمل وجهٍ استعاذتَك قولاً، ﴿عَلِيمُ ﴾﴾ يعلم كذلك تضرُّعَك إليه قلباً في ضمن القول أو بدونه، فيعصمُك من شرِّه، أو: سميع، أي: مجيبٌ دعاءك بالاستعاذة، عليمٌ بما فيه صلاحُ أمرك، فيحمِلُك عليه، أو: سميعٌ بأقوال مَنْ آذاك، عليمٌ بأفعاله، فيجازيه عليها . والآيةُ على ما نصَّ عليه بعضُ المحقّقين من باب: ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فلا حجَّةً فيها لمن زعم عدمَ عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وسوسة الشيطان وارتكاب المعاصي. وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة)). قالوا: وإِيَّاكَ يا رسول الله؟ قال: ((وإيَّيَ، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم، فلا يأمُرُني إلا بخير))(١). وقال آخرون: إن نَزْعَ الشيطان بالنسبة إليه وَّ مجازٌ عن اعتراء الغضب المُقْلِقِ للنفس، وفي الآية حينئذٍ زيادةُ تنفيرٍ عن الغضب، وفَرْطُ تحذيرٍ عن العمل بموجبه، ولذا كرَّرَ بَّهِ النهيَ عنه كما جاء في الحديث(٢). وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويلٌ لذلك، وتنبيهٌ على أنه من الغوائل التي لا يُتخلّص من مضرَّتها إلا بالالتجاء إلى حَرَمِ عصمته عزَّ وجل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْا﴾ استئنافٌ مقرِّر لما قبله من الأمر ببيان أنَّ الاستعاذة سنَّةٌ مسلوكة للمتقين، والإخلالُ شِنْشِنةُ الغاوين(٣)، أي: إن الذين اتَّصفوا بتقوى الله (١) صحيح مسلم (٢٨١٤)، وأخرجه أحمد (٣٦٤٨). (٢) وهو ما أخرجه أحمد (١٠٠١١) والبخاري (٦١١٦) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ـ أن رجلاً قال للنبي وَ له: أوصني. قال: ((لا تغضب)). فردد مراراً، قال: ((لا تغضب)). (٣) أي: عادتهم وطبيعتهم. القاموس (شنن). سُورَةُ الأَّغرافِ ٥٥٠ الآية : ٢٠١ تعالى ﴿إِذَا مَتَهُمْ طَهِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ﴾ أي: لَمَّةٌ منه، كما روي عن ابن عباس. وتنوينُهُ للتحقير، والمراد: وسوسةٌ ما، وهو اسمُ فاعل من طاف بالشيء: إذا دار حولَه، وجعل الوسوسة طائفاً للإيذان بأنها وإن مسَّتْ لا تؤثِّر فيهم، فكأنها طافت حولَهم ولم تصل إليهم. وجُوِّز أن يكون من طاف طَيْفُ الخيال: إذا ألمَّ في المنام، فالمراد به الخاطر. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أن المراد بالطائف الغضبُ. وقرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: ((طيف)) (١) على أنه مصدر، أو تخفيف من طيِّف من الواويِّ أو اليائيٌّ، کھیِّن ولیِّن. والمراد بـ ((الشيطان)): الجنس لا إبليس فقط، ولذا جُمع ضميره فيما سيأتي. ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، أو: الاستعاذةَ به تعالى، والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، أو: عداوة الشيطان وكيده. مواقعَ الخطأ ومناهجَ الرُّشد، ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ بسبب ذلك التذكُّر ﴿مُبْصِرُونَ فيحترزون عما يُخالف أمرَ الله تعالى، وينجون عما لا يُرضيه سبحانه وتعالى، والظاهرُ أن المراد من الموصول من اتَّصف بعنوان الصِّلة مطلقاً . وقال بعضُ المحقّقين: إن الخطاب في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ إلخ إما أن يكون مختصًا برسول الله بَّر كما هو الظاهر، فالمناسب أن يراد بالمتقين: المرسلون من أُولي العزم، أو يكون عامًّا على طريقة: ((بشِّر المشَّائين [في الظلم] إلى المساجد بالنور التامِّ يومَ القيامة»(٢)، أو خاصًّا يرادُ به العامّ، نحو: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]، فالمتقون حينئذٍ الصالحون من عباد الله تعالی. انتهى. ولا يخفى أنَّ الملازمةَ في الشرطية الأولى في حيِّز المنع، والعمومُ هو المتبادِرُ على كلِّ حال. (١) التيسير ص١١٥، والنشر ٢٧٥/٢. (٢) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣) من حديث بريدة الأسلمي، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وأخرجه ابن ماجه (٧٨١) من حديث أنس بن مالك. وما بين حاصرتين من مصادر التخريج. ٤. الآية : ٢٠٢ ٥٥١ سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ وزعم بعضُهم أن المراد بالمتقين المنسوب إليهم المسُّ: غيرُ الأنبياء عليهم السلام، وجعَلَ الخطاب فيما سبق خاصًّا بالسيد الأعظم وَّ، وادَّعى أن النزغ أولُ الوسوسة، والمسّ لا يكون إلا بعد التمكّن، ثم قال: ولذا فصَل الله سبحانه وتعالى بين النبيِّ عليه الصلاة والسلام وغيره من سائر المتقين، فعبَّر في حقِّه عليه الصلاة والسلام بالنزغ، وفي حقِّهم بالمسِّ، وقد يقال: إن اهتمامَ الشيطان في الوسوسة للكامل أكمَلُ من اهتمامه في الوسوسة لمن دونه، فلذا عبَّر أولاً بالنزغ، وثانياً بالمسِ. ﴿وَإِخْوَنُهُمْ﴾ أي: إخوانُ الشياطين الذين لم يتقوا، وذلك معنى الأخوّة بينهم، وهو مبتدأ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِ الْفَيِّ﴾ خبره، والضمير المرفوع للشياطين، والمنصوبُ للمبتدأ، أي: تعاونهم الشياطين في الضَّلال، وذلك بأن يزيِّنوه لهم، ويحملوهم عليه، والخبرُ على هذا جارٍ على غير مَنْ هو له، وفي أنه هل يجب إبراز الضمير، أو لا يجب في مثل ذلك، خلافٌ بين أهل القريتين كالصِّفة المختلفِ فيها بينهم، وقيل: إن الضميرَ الأول للإخوان، والثاني للشياطين، والمعنى: وإخوانُ الشياطين يمدُّون الشياطين بالاتِّباع والامتثال، وعلى هذا يكون الخبر جارياً على مَنْ هو له، والجارُّ والمجرور متعلِّق بما عنده، وجُوِّز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أو من المفعول. وقرأ نافع: ((يُمِدُّونهم)) بضمِّ الياء وكسر الميم، من الإمداد، والجمهورُ على فتح الياء وضمِ الميم(١). قال أبو عليٍّ في ((الحجَّة))(٢) بعد نقل ذلك: وعامَّة ما جاء في التنزيل مما يُحمد ويستحبُّ: أَمْدَدْتُ على أفعلتُ، كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمِدُهُرِ بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، ﴿وَأَمَّدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢]، ﴿أَتْمُِّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦]، وما كان بخلافه على مَدَدْتُ قال تعالى: ﴿وَيَئُدُّهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. وهكذا يتكلمون بما يدلُّ على أن الوجهَ فتحُ الياء كما ذهب إليه الأكثر، ووجه قراءة نافع أنه مثل: ﴿فَبَشِرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ﴿فَسَنُيَسِّرُ لِلْمُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]. (١) التيسر ص ١١٥، والنشر ٢٧٥/٢. (٢) الحجة للقراء السبعة ١٢٢/٤-١٢٣. سُورَةُ الأَّغَافِ ٥٥٢ الآية : ٢٠٣ وقرأ الجَحْدري: ((يُمادُّونهم))(١) من باب المفاعلة، وهي هنا مجازية، كأنهم كان الشياطينُ يعينونهم بالإغراء وتهوينِ المعاصي عليهم، وهؤلاء يعينون الشياطينَ بالاتّباع والامتثال. أي: لا يُمسكون ولا يكفُّون عن إغوائهم حتى يردُّوهم ٢٠ ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ بالكلِّية، فهو من أقصر: إذا أقلَعَ وأمسَكَ، كما في قوله : سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا(٢) وجُوِّز أن يكون الضمير للإخوان، ورُوي ذلك عن ابن عباس والسُّدي، وإليه ذهب الجُبَّائي، أي: ثم لا يكفُّ هؤلاء عن الغيِّ ولا يقصرون كالمتقين. وجُوِّز أيضاً أن يراد بالإخوان الشياطين، وضمير الجمع المضاف إليه أولاً، والمفعول ثانياً، والفاعل ثالثاً، يعود إلى ((الجاهلين)) في قوله سبحانه وتعالى: ((وأعرض عن الجاهلين))، أي: وإخوانُ الجاهلين - وهم الشياطينُ - يمدُّون الجاهلين في الغيِّ، ثم لا يُقْصِر الجاهلون عن ذلك، والخبر على هذا أيضاً جارٍ على ما هو له، كما في بعض الأوجه السابقة، والأول أولى؛ رعايةً للمقابلة. وقرأ عيسى بن عمر: (يَقْصُرون)) بفتح الياء وضمِّ الصاد(٣)، من قَصَرَ، وهو مجازٌ عن الإمساك أيضاً . ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِثَايَةٍ﴾ من القرآن عند تراخي الوحي، كما رُوي عن مجاهد وقتادة والزجَّاج، أو بآيةٍ مقترحةٍ كما رُوي عن ابن عباس والجُبائي وأبي مسلم. ﴿قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلَّ جمعتَها ولفَّقتها من عند نفسك افتراءً، أو هلَّا أخذتَها من الله تعالى بطلبٍ منه، وهو تهكُّم منهم، لعنَهم الله تعالى. ومما ذكرنا يُعلم أن لـ ((اجتبى)) معنيين: جمَعَ وأخَذَ، ويختلف المرادُ حسب (١) القراءات الشاذة ص٤٨، والمحتسب ٢٧١/١. (٢) صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه كما في ديوانه ص٥٦ : وحلَّت سُلَيمى بطنَ قَوِّ فَعَرْعَرا وقوّ وعرعر: موضعان. (٣) القراءات الشاذة ص٤٨ . الآية : ٢٠٣ ٥٥٣ سُورَةُ الَّغَرَافِ الاختلاف في تفسير الآية، وعن عليٍّ بن عيسى أنَّ الاجتباء في الأصل الاستخراجُ، ومنه جبايةُ الخَراج، وقيل: أصلُه الجمع، من جَبيتُ الماء في الحوض: جمعته، ومنه قيل للحوض: جابِيَة؛ لجمعه الماء، وإلى هذا ذهب الراغبُ (١)، وفي ((الدر المصون)): جبى الشيء: جمعَه مختاراً، ولذا غلَبَ اجتبيتُه بمعنی اخترتُه(٢). وقال الفراء: يقال: اجتبيتُ الكلام، واختلقتُه، وارتجلتُه: إذا افتعلتَه من قِبَل نفسك(٣). وكذا اخترعتُه عند أبي عُبيدة(٤)، وقال أبو زيد(٥): هذه الأحرف تقولُها العرب للكلام يبتديه الرجلُ لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه. ومَنْ جعل الأصل شيئاً لا يُنكِرِ الاستعمالَ في الآخر مجازاً كما لا يخفى. ﴿قُلْ﴾ ردًّا عليهم: ﴿إِنَّمَا أَتَّعُ مَا يُوحَى إِلَى مِن زَبِّ﴾ من غير أن يكون لي دخلٌ ما في ذلك أصلاً، على معنى تخصيص حاله عليه الصلاة والسلام باتِّباع ما يُوحى إليه بتوجيه القَصْر إلى نفس الفعل بالنسبة إلى مقابله الذي كلَّفوه إياه عليه الصلاة والسلام، لا على معنى تخصيص اتِّباعه وَّه بما يُوحى إليه بتوجيه القصر بالقياس إلى مفعولٍ آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال، كأنه قيل: ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحى إليَّ منه تعالى دون الاختلاف والاقتراح. وفي التعرُّض لعنوان الرُّبوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى. ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى القرآن الجليل المدلولِ عليه بـ ((ما يُوحى إليَّ) ﴿بَصَآِرُ مِن زَّبِّكُمْ﴾ أي: بمنزلة البصائر للقلوب، بها تُبصر الحقَّ وتُدرك الصواب، أو حججٌ بيِّنة، وبراهينُ نيِّرةٌ تُغني عن غيرها، فالكلام خارجٌ مخرجَ التشبيه البليغ، وقد (١) في مفردات ألفاظ القرآن: (جبى). (٢) الدر المصون ٥٥١/٥ . (٣) تفسير الطبري ٦٥٦/١٠، ومجمع البيان ٩١/٩، والكلام منه، وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٢. (٤) في تفسير الطبري: عبيد. (٥) في الأصل و(م): ابن زيد، والمثبت من تفسير الطبري ٦٥٦/١٠، ومجمع البيان ٩/ ٩١، وعنه نقل المصنف. سُورَةُ الأََّافِ ٥٥٤ الآية : ٢٠٤ حقّقتُ ما فيه على الوجه الأتم في ((الطراز المذهب))، أو فيه مجازٌ مرسل؛ حيث أطلق المسبّب على السبب. وجُوز أن تكون البصائر مستعارةً لإرشاد القرآن الخلقَ إلى إدراك الحقائق، و((هذا)) مبتدأ، و((بصائر)) خبرُه، وجُمع خبرُ المفرد لاشتماله على آيات وسور جُعِلَ كلٌّ منها بصيرةً. و((من)) متعلِّقة بمحذوف وقَعَ صفةً لـ((بصائر)) مفيدةً لفخامتها، أي: بصائرُ كائنةٌ منه تعالى، والتعرُّض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأکید وجوب الإيمان بها . وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ عطفٌ على ((بصائر))، وتنوينُهما للتفخيم، وتقديمُ الظرف عليهما وتعقيبُهما بقوله تعالى: ﴿لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - كما قال شيخ الإسلام - للإيذان بأن كون القرآن بصائرَ متحقِّقٌ بالنسبة إلى الكلِّ، وبه تقومُ الحَجَّةُ على الجميع، وأما كونُه هدى ورحمةً فمختصٌّ بالمؤمنين؛ إذ هم المقتبسون من أنواره، والمقتطفون من نُؤَارِه(١). وهذا مخالفٌ لما يُفهمه كلامُ البعض من أن الثلاثةَ للمؤمنين؛ فقد قال النيسابوريُّ في ((التفسير)): إن البصائر لأصحاب عَيْن اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلِّدين على أتم وجهٍ، والجميعُ لقوم يؤمنون(٢). وذكر نحو ذلك الخازنُ، وادَّعى أنه من اللطائف(٣)، وهو خلاف الظاهر، بل لا يكاد يسلم، وهذه الجملةُ على ما يظهر من تمام القول المأمور به. واحتجَّ بالآية من لم يُجوِّز الاجتهادَ للنبيِّ بَِّ، وفيه نظر. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُوا﴾ إرشاد إلى طريق الفوز بما أُشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن. والاستماعُ معروفٌ، واللام: جُوِّز أن تكون أَجْلية، وأن تكون بمعنى إلى، وأن تکون صلةً، أي: فاستمعوه. (١) تفسير أبي السعود ٣٠٩/٣. (٢) غرائب القرآن ٩/ ١١١. (٣) تفسير الخازن ٣٣٠/٢. الآية : ٢٠٤ ٥٥٥ سُورَةُ الْأَّيْرَافِ والإنصات: السكوت، يقال: نصت ينصت، وأنصت وانتصت: إذا سكت، والاسم: النُّصتة بالضم، ويقال - كما قال الأزهريُّ(١) .: أنصَتَه وأنصَتَ له: إذا سكتَ له، واستمع لحديثه، وجاء أنصتُّه: إذا أسكنَّه. والعطفُ للاهتمام بأمر القرآن. وعُلِّل الأمر بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ ()﴾ أي: لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته. والآيةُ دليلٌ لأبي حنيفة ◌َّه في أن المأموم لا يقرأ في سرِّية ولا جهرية؛ لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وقد قام الدليلُ في غيرها على جواز الاستماع وتركه، فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر، وكذا في الإخفاء؛ لعلمنا بأنه يقرأ، ويؤيِّد ذلك أخبارُ جمَّة؛ فقد أخرج عَبْد بن حُميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في (سننه)) عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله وَّر في الصلاة، فنزلت ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ إلخ(٢). وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلَّى بأصحابه، فسمع أُناساً يقرؤون خلفَه، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله تعالى(٣). وأخرج ابنُ أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءةً خلف الإمام(٤). وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا)»(٥). وأخرج أيضاً عن جابر أن النبيَّ وَّ قال: ((مَنْ كان له إمامٌ فقراءتُه له قراءة))(٦). (١) في تهذيب اللغة ١٢ / ١٥٥ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم (٨٧٣١)، وسنن البيهقي ١٥٥/٢. (٣) تفسير الطبري ٦٥٩/١٠. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣٧٦/١. (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٣٢٦/٢. وأخرجه أحمد (٨٨٨٩)، والبخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤)، وقوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) ليس في حديث البخاري ومسلم، وانظر التعليق عليه في مسند أحمد. (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٣٧٧/١. وأخرجه كذلك أحمد (١٤٦٤٣)، وابن ماجه (٨٥٠). سُورَةُ الأَغرافِ ٥٥٦ الآية : ٢٠٤ وهذا الحديثُ إذا صحَّ وجب أن يُخصَّ عمومُ قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا يََّسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقولِهِ وَ﴾: ((لا صلاةَ إلا بقراءة))(١)، على طريقة الخصم مطلقاً، فيخرجُ المقتدي، وعلى طريقتنا أيضاً؛ لأن ذلك العموم قد خُصَّ منه البعضُ، وهو المُذْرَكُ في الركوع إجماعاً، فجاز التخصيصُ بعده بالمقتدي بالحديث المذكور، وكذا يُحمل قوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاتَه: ((فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن))(٢) على غير حالةِ الاقتداء؛ جمعاً بين الأدلة، بل قد يقال: إن القراءةَ ثابتةٌ من المقتدي شرعاً؛ فإن قراءة الإمام قراءةٌ له، فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غيرُ مشروع. بقي الكلامُ في تصحيح الخبر، وقد رُوي من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر ظُه، عنه عليه الصلاة والسلام، وقد ضُعِّف، واعترف المضعِّفون لرفعه كالدار قطنيٍّ والبيهقيِّ وابن عَدِيٍّ بأن الصحيح أنه مرسلٌ (٣)؛ لأن الحفّاظ كالسُّفيانَين، وأبي الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وشَرِيك، وجرير، وأبي الزُّبير، وعبد بن حُمَيد(٤)، وخلقٍ آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدَّاد، عن النبيِّ وَّرَ، فأرسلوه، وقد أرسله مرةً أبو حنيفة ظلُبه، وحينئذٍ لنا أن نقول: المرسل حجةٌ عند أكثر أهل العلم، فيكفينا فيما يرجع إلى العمل على رأينا، وعلى طريق الإلزام أيضاً بإقامة الدليل على حُجِّية المرسل أيضاً، وعلى تقدير التنزُّلِ عن حجّيته فقد رفعه الإمام بسندٍ صحيح؛ وروى محمد بن الحسن في ((موطئه))(٥) قال: أنبأنا أبو حنيفة، حدَّثنا أبو الحسن موسى بنُ أبي عائشة، عن (١) أخرجه أحمد (٨٠٧٦)، ومسلم (٣٩٦) (٤٢) من حديث أبي هريرة نظاله. (٢) أخرجه أحمد (٩٦٣٥)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة. (٣) سنن الدارقطني ١١١/٢، وسنن البيهقي ١٥٩/٢، والكامل ٢٤٧٧/٧. وقاله أيضاً الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٤٦٢/٢. والكلام من فتح القدير لابن الهمام ٢٣٩/١. (٤) كذا وقع في الأصل و(م): وجرير وأبي الزبير وعبد بن حميد، وهو خطأ، ووقع في فتح القدير: وجرير وعبد الحميد، وهو خطأ أيضاً، والصواب: وجرير بن عبد الحميد، كما في سنن الدارقطني وسنن البيهقي وموضح أوهام الجمع والتفريق، كما أن ذكر أبي الزبير هنا وهم من المصنف رحمه الله. (٥) موطأ محمد (١١٧). الآية : ٢٠٤ ٥٥٧ سُورَةُ الأَغَرَافِ عبد الله بن شدَّاد، عن جابر بن عبد الله، عن النبيِّ نَّه قال: ((من صلَّى خلف إمام فإنَّ قراءةَ الإمام له قراءة)). وقولُهم: إن الحفاظَ الذين عدّوهم لم يرفعوه، غيرُ صحيح؛ فقد قال أحمد بنُ مَنِيع في («مسنده)): أخبرنا إسحاق الأزرق، حدَّثنا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدَّاد، عن جابر، عن رسول الله وَّرَ: ((مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإمام له قراءة)). ثم قال: وحدثنا جَرِير، عن موسى، عن عبد الله، عن النبيِّ وَّر. فذكره ولم يذكر جابراً. ورواه عبد بن حُمَيد قال: حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا الحسن بنُ صالح، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن النبيِّ وَّرَ، فذكره(١). وإسنادُ حديث جابر الأول على شرط الشيخين، والثاني على شرط مسلم (٢)، فهؤلاء سفيان، وشَرِيك، وجَرِير، وأبو الزُّبير رفعوه بالطرق الصحيحة، فبطَلَ عدُّهم فيمن لم يرفعه، ولو تفرَّد الثقة وجب قبولُه؛ لأن الرفع زيادةٌ، وزيادةُ الثقة مقبولة، فكيف ولم ينفرد؟ والثقةُ قد يسند الحديثَ تارةً ويرسلُه أخرى. وأخرجه ابن عَدِيٍّ (٣) عن الإمام ◌َبه في ترجمته، وذكر فيها قصَّة، وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال: حدثنا أبو محمد بنُ بكر بنِ محمد بن حَمْدان الصَّيْرفي، حدثنا عبد الصَّمد بن الفضل البَلْخيُّ، حدثنا مكيُّ بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، عن جابر بن (١) مسند عبد بن حميد (١٠٥٠)، ورواه أحمد (١٤٦٤٣) عن أسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير به، وجاء في إسناده عند عبد بن حميد بين الحسن بن صالح وأبي الزبير: جابر الجعفي، وهو الصواب، وكذا أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٢٧/١، والدارقطني (١٢٥٤) من طرق عن الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير به، وجابر الجعفي ضعيف، وينظر التعليق الذي بعده. (٢) كذا ذكر المصنف، ولعل كلامه هذا مبني على إيراده الحديث الثاني دون ذكر جابر الجعفي في إسناده، وقد بيَّنا أن الصواب وجوده فيه، وذكر ابن عدي في الكامل ٦/ ٢١٠٧ أن هذا معروف بجابر الجعفي عن أبي الزبير، يرويه عنه الحسن بن صالح، إلا أن بعضهم رواه عن الحسن بن صالح عن ليث وجابر. قلنا، وليث هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف أيضاً، وقد أخرجه الدار قطني (١٢٥٣) وقال: ليث وجابر ضعيفان. (٣) في الكامل ٧/ ٢٤٧٧ . سُورَةُ الأَغَافِ ٥٥٨ الآية : ٢٠٤ عبد الله، أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى ورجلٌ خلفَه يقرأ، فجعل رجلٌ من أصحاب النبيِّ وَّل ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجلُ، قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله وَله؟! فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبيِّ وَله فقال ◌َّ: ((مَنْ صلَّى خلف إمام فإن قراءةَ الإمام له قراءة))(١) . وفي رواية لأبي حنيفة (٢) أن ذلك كان في الظهر أو العصر، وهي أن رجلاً قرأ خلف رسول الله وَ ◌ّر في الظهر أو العصر، فأومأ إليه رجلٌ فنهاه، فلما انصرف قال: أتنهاني. الحديثَ. نعم إن جابراً روى منه محلَّ الحكم فقط تارةً، والمجموع تارةً، ويتضمَّن ردَّ القراءة خلف الإمام؛ لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقاً في السرية والجهرية، خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في السرية، لا إباحة فعلها وتركها . فيعارضُ ما رُوي في بعض روايات حديث: ((ما لي أُنازع في القرآن)) أنه قال: ((إن كان لا بدَّ(٣) ففي الفاتحة)) (٤)، وكذا ما رواه أبو داود والترمذيُّ عن عبادة بن الصامت قال: كنّا خلف رسول الله وَ لفي صلاة الفجر، فقرأ رسول الله وَلقوله فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)) قلنا: نعم، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاةَ لمن لا يقرأ بها))(٥). ويقدَّم لتقدُّم المنع على الإطلاق عند التعارض، ولقوة السَّند؛ فإن حديث المنع أصحُّ، فبطل ردُّ المتعصبين، وتضعيفُ بعضهم لمثل الإمام الأعظم ظراته، مع تضييقه في الرواية إلى الغاية، حتى إنه شرَطَ التذكُّر لجوازها بعد علم الراوي أنَّ ذلك المرويَّ خظُه، ولم يشترط الحفاظ هذا، ولم يوافقه صاحباه، على أن الخبر (١) لم نقف عليه في المطبوع من المستدرك، وقد رواه البيهقي في سننه ١٥٩/٢ عن شيخه أبي عبد الله الحاكم. (٢) مسند أبي حنيفة بشرح القاري ص٣٠٩. (٣) في (م): إنه لا بد. (٤) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد (٧٢٧٠)، وأبو داود (٨٢٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٤١، وابن ماجه (٨٤٨)، ولم نقف على من ذكر الزيادة التي أوردها المصنف غير ابن الهمام في فتح القدير ٢٣٩/١، وعنه نقل المصنف، وفيه: ((فالفاتحة)) بدل: ((ففي الفاتحة)». (٥) سنن أبي داود (٨٢٣)، وسنن الترمذي (٣١١)، وأخرجه كذلك أحمد (٢٢٦٧١). الآية : ٢٠٤ ٥٥٩ سُورَةُ الأَّغَرَافِ قد عُضِدَ بروايات كثيرةٍ عن جابر غيرِ هذه، وإن ضُعِّفَت، وبمذاهب الصحابة أيضاً کابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. وأخرج محمد عن داود بن قَيْس بن عَجْلان أن عمر ◌َُّّه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً (١)، ورَوى مثلَ ذلك عن سعد بن أبي وقاص(٢). ورُوي عن عليٍّ كرم الله وجهه - إلا أن فيه مقالاً- أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفِطْرة(٣). وقال الشعبيُّ: أدركتُ سبعين بدريًّا كلَّهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام. وقد ادعى بعضُ أصحابنا إجماع الصحابة رضيه على ذلك، ولعل مرادَه بذلك إجماع كثير من كبارهم، وإلا ففيه نظر، وكونُ مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضاً. وذهب قوم إلى أن المأمومَ يقرأ إذا أسرَّ الإمام القراءة، ولا يقرأ إذا جهر، وهو قول عُروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمد، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن ابن عمر رَظُه، وحجَّتهم - فيما قيل - أن الآية تدلُّ على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن، والسنةُ تدلُّ على وجوب القراءة خلف الإمام، فحملنا مدلولَ الآية على صلاة الجهر، ومدلول السنة على صلاة السرِّ جمعاً بين الدلائل . وقال آخرون: إنما يقرأ في السرِّية؛ لأنه لا يقال له: مستمع، واعتُرض بأنه وإن سلَّمنا أنه لا يقال له ذلك، لكن لا نسلِّم أنه لا يقال له: منصت، مع علمه بالقراءة، وبأنّا لا نسلِّم دلالةَ السنة على وجوب القراءة خلف الإمام، ودون إثبات ذلك خَرْط القَتاد، على أن الحزم العمل بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع. ومن هنا ضُعِّف ما يُروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل الاحتياط مخالفاً لما ذهب إليه الإمام وأبو يوسف من (١) موطأ محمد (١٢٧). (٢) موطأ محمد (١٢٦). (٣) أخرجه الدارقطني في السنن (١٢٥٥). سُورَةُ الأَشَرَافِ ٥٦٠ الآية : ٢٠٤ كراهة القراءة؛ لما في ذلك من الوعيد، والحقُّ أن قوله كقولهما؛ فقد قال في ((كتاب الآثار)) بعدما أسند إلى علقمة بن قَيْس أنه ما قرأ قظُ فيما يُجهر به، ولا فيما لا يُجهر به: وبه نأخذ، فلا نرى القراءةَ خلف الإمام في شيء من الصلاة يُجهر فيه أو لا يجهر فيه، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها، وذكر في ((موطئه)) نحو ذلك(١) .. وقال السَّرخسيُّ (٢): تفسدُ صلاة القارئ خلفَ الإمام في قول عدَّة من الصحابة ﴿ه، ومنهم - فيما قيل - سعد بنُ أبي وقَّاص؛ وفي روايةِ المُزَنيُّ عن الشافعي ظُه أنه يقرأ في الجهرية والسرية، وفي رواية البُوَيطي أنه يقرأ في السِّرية ((أمَّ القرآن))، ويضمُّ السورةَ في الأوليين، ويقرأ في الجهرية ((أَمَّ القرآن)) فقط، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمامَ في جهرية، بل يستمع، فإن بَعُدَ بأن لم يسمع، أو سمع صوتاً لا يميِّزْ حروفَه، أو كانت سريةً، قرأ في الأصح. وسببُ النزول لم يكن القراءةَ في الصلاة، بل أمر آخر؛ فقد روى أبو هريرة قالُله أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة، فنزلت(٣)، وحاصلُها النهيُ عن التكلُّم لا عن القراءة. ومن الناس من فسَّر القرآن بالخطبة، والأمرُ بالاستماع إما للوجوب أو للندب، وعندنا الإنصاتُ في الخطبة فرضٌ على تفصيل في المسألة، وأخرج غيرُ واحد عن مجاهد أن الآية في الصلاة والخطبة يوم الجمعة. وفي كلام أصحابنا ما يدلُّ على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقاً؛ قال في ((الخلاصة)): رجلٌ يكتب الفقه وبجنبه رجلٌ يقرأ القرآن، فلا يمكنُه استماعُ القرآن، فالإثم على القارئ، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهراً والناس نياٌ يأثم، وهذا صريحٌ في إطلاق الوجوب، وعُلِّل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. و((إذا)) هنا للكلية، وغالبُ الشرطيات القرآنية المؤدّاة بها كليةٌ. (١) موطأ محمد ٤١٠/١. (٢) في المبسوط ١٩٩/١ . (٣) سنن البيهقي ١٥٥/٢.