Indexed OCR Text
Pages 401-420
الآية : ١٥٦ ٤٠١ سُؤَدَّةُ الَّغَرَافِ على ما هم فيه بَعُدُوا عن القَبول، والغرضُ ترغيبُهم على الثبات على التوبة والعمل الصالح، وتحذيرُهم عن المعاودة عمَّا فرَطَ منهم، مع التخلّص إلى ذِكْر النبيِّ الْأُمِّيِّ(١) ◌ََّ والحثُّ على اتِّباعه أحسنَ تخلُّصٍ وحثٌّ يُحيِّر الألباب، ويُبدي للمتأمِّل فيه العجبَ العُجاب، وإلى بعض هذا يُشير كلامُ الزمخشريٌّ(٢). وقال العلامة الطّبيُّ في توجيهه: إنّ هذا الجواب واردٌ على الأسلوب الحكيم، وقوله سبحانه: ((عذابي)) إلخ، كالتمهيد للجواب، والجوابُ ((فسأكتبها)) إلخ، وذلك أنَّ موسى عليه السلام طلب الغُفران والرَّحمة والحسنة في الدارين لنفسه ولأُمَّته خاصَّةً بقوله: ((واكتب لنا))، وعلَّله بقوله: ((إنَّا هُدْنا إليك))، فأجابه الربُّ سبحانه بأنَّ تقييدَكَ المطلَقَ ليس من الحكمة؛ فإنَّ عذابي من شأنه أنه تابعٌ لمشيئتي، فأمَّتُك لمَّا(٣) تعرَّضوا لِمَا اقتضت الحكمةُ تعذيبَ من باشَرَه لا ينفعُهم دعاؤك لهم، وإنَّ رحمتي من شأنها أن تعُمَّ في الدنيا الخلقَ، صالحَهم وطالحهم، مؤمنهم وكافرَهم، فالحسنةُ الدنيويةُ عامةٌ، فلا تختصُّ بأمَّتك، فتخصيصُها تحجيرٌ للواسع، وأما الحسنةُ الأُخروية فهي للموصوفين بكذا وكذا، وجعل ((سأكتبها)) كالقول بالموجِبٍ؛ لأنَّه عليه السلام طلب ما طلب، وجعَلَ العلةَ ما جعَلَ، فضمَّ الله تعالى ما ضمَّ، يعني أنَّ الذي يوجِبُ اختصاصَ الحسنتين معاً هذه الصفاتُ المتعدِّدة، لا التوبةُ المجرّدة، ثم ذكَرَ أنَّ ترتيبَ هذا على ما قبلَه بالفاء على منوالٍ قوله تعالى جواباً عن قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَ مِنْ ذُرِّيَِّ﴾: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾(٤) [البقرة: ١٢٤] وأُيِّد هذا التقريرُ بما رُوي عن الحسن وقتادة: وسعت رحمتهُ في الدنيا البرَّ والفاجرَ، وهي يوم القيامة للمتقين خاصةً. انتهى ما أُرِيدَ منه. وما ذكره من حديث التحجُّر في القلب منه شيءٌ؛ فإنَّ الظاهر أن ما في دعاء موسى عليه السلام ليس منه، وإنَّما التحجّر في مثل ما أخرجه أحمد وأبو داوود عن (١) قوله: الأمي، سقط من (م). (٢) الكشاف ٢/ ١٢٢. (٣) في (م): لو، وهو تصحيف. (٤) في (م): ﴿قَالَ لَا يَنَالُ ... ﴾. سُورَةُ الْأَّغَرَافِ ٤٠٢ الآية : ١٥٦ جُنْدُب بن عبد الله(١) البَجَليِّ قال: جاء أعرابيٌّ، فأناخ راحِلَتَه، ثم عقَلَها وصلَّى خلف رسول الله وَليو، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تُشرِك في رحمتنا أحداً. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لقد حظَرتَ رحمةً واسعةً؛ إن الله خلق مئةَ رحمةٍ، فأنزل رحمةً يتعاطَفُ بها الخلقُ جِتُّها وإنسُها وبهائمُها، وعنده تسعةٌ وتسعون))(٢). وأنا أقول(٣): إنَّ موسى عليه السلام إنَّما طلب على أبلغ وجهِ المغفرةَ والرحمةَ الدنيويةَ والأخرويةَ له ولقومه، وتعليلُ ذلك بالتوبة ممَّا لا شكَّ في صحَّته، ولا يُفهم من كلامه عليه السلام أنه طَلَب للقوم كيف كانوا، وفي أيِّ حالةٍ وُجِدوا، وعلى أيِّ طريقةٍ سلَكوا؛ فإنَّ ذلك مما لا يكاد يقَعُ ممَّن له أدنى معرفةٍ بربِّه، فضلاً عن مثله عليه السلام، وإنَّما هذا الطلبُ لهم من حيث إنهم تائبون راجعون إليه عزَّ شأنُه، ولا يبعُدُ أن يقال باستجابةِ دعائه بذلك، بل هي أمرٌ مقطوعٌ به بالنسبة إليه وَّهِ، وكيف يُشَكُّ في أنه غُفِر له ورُحِم، وأُتي خيرَ الدارين وهو هو؟! وأما بالنسبة إلى قومه فالظاهرُ أنَّ التائب منهم أُوتِي خيرَ الآخرة؛ لأنَّ هذه التوبةَ إن كانت هي التوبة بالقتل فقد جاء عن الزُّهري أنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى بعد أن كان ما كان: ما يحزُّنُك؟ أمَّا من قُتِل منكم فحيٌّ يُرزَق عندي، وأما مَنْ بقي فقد قبِلتُ توبَتَه. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل، وإن كانت غيرها فمن المعلوم أن التوبةَ تُقبل بمقتضى الوعد المحتوم، وخيرُ من قُبِلت توبتُه في الآخرة كثير، وأما خيرُ الدنيا فقد نطَقَت الآياتُ بأنَّ القوم غَرْقى فيه، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿يَنِىّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]. وحينئذٍ فيمكن أن يُقال في توجيه الجواب: إنه سبحانه لما رأى من موسى عليه السلام شدَّة القلق والاضطراب، ولهذا بالغ في الدعاء خشيةً من حلول(٤) غضبه (١) تحرف في الأصل إلى: عن أبي عبد الله، وفي (م) إلى: عن عبد الله. (٢) مسند أحمد (١٨٧٩٩)، وسنن أبي داود (٤٨٨٥). وقوله: ((لقد حظرت ... )) له شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٠١٠)، وقوله: ((إن الله خلق مئة رحمة ... )) له شاهد من حديث أبي هريرة كذلك عند البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢). (٣) بعدها في (م): قد يقال. (٤) تحرفت في (م) إلى: طول. الآية : ١٥٦ ٤٠٣ سُوَرَّةُ الأَغْرَافِ تعالى على من يُشفق عليه من ذلك = سگَّن جلَّ شأنُه روعته، وأجاب طلبته بأسلوبٍ عجيب، وطريقٍ بديع غريب، فقال سبحانه له: (عذابي)) الذي تخشى أن تُصيب بعضُ نِباله التي أرميها بيد جلالي عن قِسِيِّ إرادتي مَنْ دعوتَ له «أُصيب به من أشاء)»، فلا يتعيَّنُ قومُك الذين تخشى عليهم ما تخشى لأن يكونوا غرضاً له بعد أن تابوا من الذَّنب وتركوا فعله، ((ورحمتي وسعت كلَّ شيءٍ)) إنساناً كان أو غيره، مطيعاً كان أو غيره، فما من شيء إلا وهو داخلٌ فيها، سابحٌ في تيّارها، أو سائح في فَيافيها، بل ما من معَذَّب إلا ويرشح عليه ما يرشح منها، ولا أقلَّ مِنْ أني لم أعذِّبه بما هو أشدُّ(١) مما هو فيه مع قدرتي عليه، فطِبْ نفساً، وقَرَّ عيناً، فدخولُ قومِك في رحمةٍ وسعت كلَّ شيءٍ، ولم تضِقْ عن شيء، أمرٌ لا شكَّ فيه، ولا شبهة تعتريه، كيف وقد هادوا إليَّ، ووَفَدوا عليَّ؟ أفتَرى أنِّي أضيِّقُ الواسعَ عليهم، وأوجِّه نِبالَ الخَيبة إليهم، وأردُهم بخُفَّي حُنَين، فيرجع كلٌّ منهم صفرَ الكفَّين؟ لا أُراني أفعل، بل إني سأرحمُهم، وأُذهب عنهم ما أهمَّهم، وأكتُبُ الحظّ الأوفر من رحمتي لأخلافهم الذين يأتون آخرَ الزمان، ويتَّصفون بما يُرضيني، ويقومون بأعباء ما يُراد منهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: ((فسأكتُبُها للذين يتقون)) إلخ. ولعلَّ تقديمَ وصفِ العذاب دون وصف الرحمة ليفرغ ذهنه عليه السلام ممَّا يخاف منه، مع أنَّ في عكس هذا الترتيب ما يوجبُ انتشارَ النظم الكريم، ووصفُ أخلاقهم بما وُصِفُوا به لاستنهاض هِمَمِهم إلى الاتصاف بما يمكن اتِّصافُهم به منه، أو إلى الثبات عليه، ولم يصرَّح في الجواب بحصول السؤال بأن يقال: قد أُوتِيتَ سؤالكَ يا موسى مثلاً؛ اختياراً لما هو أبلغ فيه. وهذا الذي ذكرناه، وإن كان لا يخلو عن شيء، إلا أنه أَولى من كثير ممَّا وقفنا عليه من كلام المفسرين، وقد تقدَّم بعضُه. وأقول بعد هذا كلِّه: خيرُ الاحتمالات ما تشهَدُ له الآثار، وإذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي، فتأمَّل. والسين في ((سأكتبها)) يَحتمل أن تكون للتأكيد، ويَحتمل أن تكون للاستقبال، كما لا يخفى وجهُه على ذَوِي الكمال. (١) في (م): بأشد. سُورَةُ الأَغراقِ ٤٠٤ الآية : ١٥٧ ﴿الَّذِينَ يَقَبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الذي أرسله الله تعالى لتبليغ الأحكام ﴿النَّبِىَّ﴾ أي: الذي أنبأ الخلقَ عن الله تعالى، فالأول تُعتبر فيه الإضافة إلى الله تعالى، والثاني تُعتبر فيه الإضافة إلى الخلق، وقدَّم الأول عليه لشرفه، وتقدُّم إرسال الله تعالى له على تبليغه، وإلى هذا ذهب بعضُهم، وجعلوه(١) إشارةً إلى أنَّ ((الرسولَ)) و ((النبيَّ)) هنا مرادٌ بهما معناهما اللغويُّ؛ لإجرائهما على ذاتٍ واحدة، كما أنهما كذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّا﴾ [مريم: ٥١]. وفسَّر في ((الكشاف)) ((الرسولَ)) بالذي يُوحى إليه كتابٌ، و((النبيَّ)) بالذي له معجزةٌ(٢)، ويُشير إلى الفرق بين الرسول والنبيِّ بأنَّ الرسول مَنْ له كتابٌ خاصٌّ، والنبيّ اعُمُّ. وتعقَّبه في ((الكشف)) بأنَّ أكثر الرسل لم يكونوا أصحابَ كتابٍ مستقلِّ كإسماعيل، ولوط، وإلياس ويونس (٣) عليهمُ السلام، وكم، وكم، ثم قال: والتحقيقُ أنَّ النبيَّ: هو الذي يُنبىء عن ذاته تعالى وصفاته، وما لا تستقلُّ العقول بدِرايته ابتداءً بلا واسطةٍ بشر، والرسولُ: هو المأمورُ مع ذلك بإصلاح النَّوع، فالنُّبوةُ نُظِر فيها إلى الإنباء عن الله تعالى، والرسالةُ إلى المبعوث إليهم، والثاني وإن كان أخصَّ وجودًا، إلا أنَّهما مفهومان مفترقان، لهذا لم يكن: ((رسولاً نبيًّا)) مثل: إنسان حيوان. اهـ. وفيه مخالفةٌ بيِّنة لما ذُكر أولاً، ولا حَجْر في الاعتبار. نعم ما ذكره (٤) مدفوعٌ بأن الفرقَ المذكورَ مع تغايُرِ المفهومين على كلِّ حال مِنْ عُرْف الشرع والاستعمال، وأما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامَّان، وقد ورد في القرآن بالاستعمالين، فلا تعارضَ بينهما. ولا يَرِد أن ذِكْر النبيِّ العامّ بعد الخاصِّ لا يفيد، والمعروفُ في مثل ذلك العكسُ، ولا يخفى أنَّ المراد بهذا الرسولِ النبيِّ نبيُّنَا وَله. (١) تحرفت في (م) إلى: وجعلوا. (٢) الكشاف ٢/ ١٢٢. (٣) قوله: ويونس، سقط من (م). (٤) في (م): ذكروه. الآية : ١٥٧ ٤٠٥ سُوَرَّةُ الأَّغَافِ ﴿اَلْأُنِّىَ﴾ أي: الذي لا يكتُبُ ولا يقرأ، وهو - على ما قال الزجَّاج(١) - نسبةٌ إلى أُمة العرب؛ لأنَّ الغالبَ عليهم ذلك. وروى الشيخان وغيرُهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إنا أُمة أُمِّية، لا نكتُب ولا نحسُبُ))(٢). أو إلى أُمّ القرى؛ لأنَّ أهلها كانوا كذلك، ونُسب ذلك إلى الباقر رَظُه. أو إلى أُمِّه، كأنه على الحالة التي ولدته أُمه عليها . ووُصِف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيهًا على أن كمال علمِه مع حاله إحدى معجزاته يطير، فهو بالنسبة إليه - بأبي هو وأمي، عليه الصلاة والسلام - صفةٌ مدح، وأما بالنسبة إلى غيره فلا، وذلك كصفة التكبُّر، فإنها صفةُ مدح الله عزَّ وجلَّ وصفةُ ذمِّ لغيره . واختُلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدَرَ عنه الكتابة في وقتٍ أم لا؟ فقيل: نعم صدرت عنه عامَ الحُدَيبية، فكتب الصُّلح، وهي معجزةٌ أيضاً له وَلِّ، وظاهرُ الحديث يقتضيه(٣)، وقيل: لم يصدُر عنه أصلاً، وإنما أُسندت إليه في أنه وَلِّ كان تَنطِقُ له الحروفُ الحديث مجازاً، وجاء عن بعض أهل البيت . المكتوبة إذا نظَرَ فيها، ولم أَرَ لذلك سندًا يعوَّل عليه، وهو نَّ فوق ذلك. نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجالد(٤) قال: حدَّثني عَوْن بنُ عبد الله بن عُتْبة، عن أبيه قال: ما مات النبيُّ ونَ﴿ حتى قرأ وكتَبَ، فذكرتُ هذا الحديثَ للشعبيِّ، فقال: صدَقَ، سمعتُ أصحابنا يقولون ذلك(٥) . وقيل: ((الأُمي)) نسبةٌ إلى الأَمِّ بفتح الهمزة بمعنى القَصْد؛ لأنه المقصودُ، وضمُّ (١) في معاني القرآن ٣٨١/٢. (٢) صحيح البخاري (١٩١٣)، وصحيح مسلم (١٠٨٠) (١٥)، وأخرجه أحمد في مسنده (٥٠١٧). (٣) يشير إلى حديث البراء بن عازب عند البخاري (٢٦٩٩)، ومسلم (١٧٨٣): (٩٢)، وفيه: فأخذ رسول الله ( الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، الحديث. وينظر التلخيص الحبير ١٢٦/٣ - ١٢٨. (٤) تحرفت في (م) إلى: مجاهد. (٥) الدر المنثور ١٣١/٣، وأخرجه البيهقي في السنن ٤٢/٧ وقال: حديث منقطع وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين. سُوَدَّةُ الَّشَرائِ ٤٠٦ الآية : ١٥٧ الهمزة من تغيير النَّسَب، ويؤيده قراءةُ يعقوب: ((الأَمِّيِّ)) بالفتح (١)، وإن احتَمَلت أن تكون من تغيير النَّسب أيضاً. والموصول في محلِّ جرِّ، بدلٌ من الموصول الأول، وهو إما بدلُ كلٍّ على أنَّ المرادَ منه هؤلاء المعهودين، أو بعضٍ على أنَّه عامٌ، ويقدَّر حينئذٍ منهم، وجُوِّز أن يكون نعتاً له، ويَحتمِل أن يكون في محلِّ نصبٍ على القطع وإضمارِ ناصبٍ له، وأن يكون في محلِّ رفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقيل: على أنه مبتدأُ خبرُه جملةُ ((يأمرهم))، أو ((أولئك هم المفلحون))، وكلاهما خلافُ المتبادِر من النظم. ﴿الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْنُوبًا﴾ باسمه ونعُوته الشريفة، بحيث لا يشكُّون أنَّه هو، ولذلك عُدِلَ عن أن يقال: يجدون اسمَه أو وصفَه مكتوباً . عِنْدَهُمْ﴾ ظرفٌ لـ ((مكتوباً)) الواقع حالاً، أو لـ ((يجدون))، وذُكر لزيادة التقرير، وأنَّ شأنه عليه الصلاةُ والسلام حاضرٌ عندَهم لا يغيبُ عنهم أصلاً. ﴿فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ اللذَين يَعتدُّ بهما بنو إسرائيل سابقاً ولاحقاً، وكأنَّه لهذا المعنى اقتَصَر عليهما، وإلا فهو رَّ مكتوبٌ في الزَّبور أيضًا. أخرج ابنُ سعد، والدارِمِيُّ في ((مسنده))، والبيهقيُّ في ((الدلائل))، وابنُ عساكر عن عبد الله بن سلام قال: صفةُ رسول الله وَّهَ في التوراة: يا أيُّها النبيُّ إنا أرسلناك شاهداً، ومبشِّراً، ونذيراً، وحِرْزاً للأُمِّيين، أنتَ عبدي ورسولي، سمَّتُك المتوكّل، ليس بفظٌ، ولا غليظِ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئةِ مثلَها(٢)، ولكن يعفو ويصفحُ، ولن يقبضَه الله تعالى حتى يقيمَ به الملَّةَ العوجاء، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعيناً عُمْياً، وآذاناً صُمَّا، وقلوباً غُلْفاً(٣). ومثلُه من رواية البخاريِّ وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٤). (١) البحر المحيط ٤٠٣/٤، وهي من الشواذ، وقد نسبت القراءة كذلك لليماني وابن رومي، ينظر: القراءات الشاذة ص ٤٦، والمحتسب ٢٦٠/١. (٢) قوله: مثلها، سقط من (م). (٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣٦٠/١-٣٦١، ومسند الدارمي (٦)، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٧٦/١، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٣٨٨/٣. (٤) صحيح البخاري (٢١٢٥)، وأخرجه أحمد (٦٦٢٢). الآية : ١٥٧ ٤٠٧ سُورَةُ الأَغرافِ وجاء من حديثٍ أخرجه ابنُ سَعْد وابنُ عساكر(١) من طريق موسى بن يعقوب الزَّمْعي (٢) عن سَهْلِ مولى خَيْئمة (٣)، قال: قرأتُ في الإنجيل نعتَ محمدٍ وَلِّ أنَّه لا قصيرٌ ولا طويل، أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتمٌ، لا يقبل الصَّدقة، ويركبُ الحمارَ والبعير، ويحلُب الشّاة، ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعَلَ ذلك فقد برئ من الكِبْر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرِّيَّة إسماعيل، اسمه أحمد. وجاء من خبرٍ أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) (٤) عن وَهْب بن منبِّه قال: إنَّ الله تعالى أوحى في الزَّبور: يا داود، إنَّه سيأتي من بعدِك نبيٌّ اسمهُ أحمدُ ومحمد، لا أغضَبُ عليه أبداً، ولا يعصيني أبداً، وقد غفرتُ له قبل أن يعصيَني ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، وأُمَّته مرحومةٌ، أَعطيتُهم من النوافل مثلَ ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياء والرُّسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثلُ نور الأنبياء، وذلك أنِّي افترضتُ عليهم أن يتطهَّروا لي لكلِّ(٥ صلاةٍ كما افترضتُ على الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالغُسْل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياء قبلَهم، وأمرتُهم بالحجِّ كما أمرتُ الأنبياء قبلَهم، وأمرتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرسل قبلَهم، يا داودُ، إني فضَّلتُ محمداً وأمَّتَه على الأمم كلِّهم، أعطيتُهم ستَّ خصالٍ لم أُعطِها غيرَهم من الأمم: لا أؤاخِذُهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنبٍ ركبوه على غيرِ عمدٍ إذا استغفروني منه غفرتُه، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبةً به أنفسُهم عجَّلتُه لهم أضعافاً مضاعفةً، ولهم عندي أضعافٌ مضاعفةٌ وأفضلُ من ذلك، وأعطيتُهم على المصائب إذا صبروا وقالوا: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون الصلاةَ والرحمةَ والهدى إلى جنات النَّعيم، فإن دَعَوني استجبتُ لهم، فإمّا أن يروه عاجلاً، وإمَّا أن أصرِفَ عنهم سوءاً، وإما أن أدَّخره لهم في الآخرة، يا داود، من لقيَني من أُمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، (١) الطبقات الكبرى ٣٦٣/١، وتاريخ دمشق ٣٨٩/٣-٣٩٠. (٢) في الأصل و(م) والدر المنثور ١٣٤/٣: الربعي، وهو تحريف. وموسى بن يعقوب هذا قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، سيئ الحفظ. (٣) في الطبقات: عتيبة، وفي تاريخ دمشق: عثيمة. (٤) دلائل النبوة ١/ ٣٨٠-٣٨١. (٥) في (م): إلى كل. سُورَةُ الأَّغَافِ ٤٠٨ الآية : ١٥٧ صادقاً بها، فهو في جنَّتي وكرامتي، ومَنْ لقيَني وقد كذَّب محمداً، وكذَّب بما جاء به، واستهزأ بكتابي، صببتُ عليه في قبره العذاب صبًّا، وضربتِ الملائكة وجهَهُ ودُبُره عند منشره في قبره، ثم أُدخِلُه في الدَّرْك الأسفل من النار. إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنَّه وَله مكتوبٌ في الكتب الإلهية. والظّرفان متعلِّقان بـ ((يجدونه))، أو بـ ((مكتوباً)). وذِكْر الإنجيل قبلَ نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذِكر النبيِّ وَّهَ والقرآنِ الكريم قبل مجيئهما . ﴿يَأَمُرُهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ، وهو - على ما قيل - متضمِّنٌ لتفصيل بعضٍ أحكام الرحمة التي وعَدَ فيما سبق بكَتْبها إجمالاً؛ إذ ما أشارَتْ إليه المتعاطفات من آثارِ الرحمة الواسعة، وجُوِّز كوُه في محلِّ نصبٍ على أنه حالٌ مقدَّرة من مفعول (يجدونَه))، أو من ((النَّبيّ))، أو من المستكِنِّ في ((مكتوباً))، وقيل: هو مفسِّر لـ ((مكتوباً))، أي: لِمَا كُتب، والمراد بـ ((المعروف))؛ قيل: الإيمان، وقيل: ما عُرف في الشريعة، والمراد بـ ((المنكر)) ضدُّ ذلك. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ فُسِّر الأول بالأشياء التي يستطيبُها الطّبع كالشُّحوم، والثاني بالأشياء التي يستخِثُها كالدَّم، فتكونُ الآية دالَّةً على أنَّ الأصل في كلِّ ما تستطيبه النفسُ ويستلذَّه الطبع الحِلُّ، وفي كلِّ ما تستخبتُه النفس ويكرهُه الطبعُ الحرمةُ إلا لدليل منفصلٍ . وفسَّر بعضُهم الطّيِّب بما طاب في حكم الشرع، والخبيثَ بما خُبُثَ فيه، كالرِّبا والرِّشوة. وتُعقِّب بأنَّ حالَ(١) الكلام حينئذٍ: يُحلُّ ما يحكم بحلِّه، ويحرِّم ما يحكم بحرمته، ولا فائدةَ فيه. وردُّوه بأنه يفيد فائدةً وأيَّ فائدةٍ؛ لأنَّ معناه أنَّ الحلَّ والحرمةَ بحكم الشرع لا بالعقل والرأي. وجوَّز بعضُهم كونَ الخبيث بمعنى ما يُستخبَث طبعاً، أو ما خبُثَ شرعاً، وقال: كالدم أو الرِّبا، ومثّل للطيِّب بالشحم، وجعلَ ذلك مبنيًّا على اقتضاء التحليلِ سَبْقَ التحريم، والشحم كان محرَّماً عند بني إسرائيل، وعلى اقتضاء التحريم سَبْقَ التحليل، وجعل الدم وأخيه مما حرم على هذا؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الحِلُّ، (١) قوله: حال، ليس في (م). الآية : ١٥٧ ٤٠٩ سُورَةُ الأَغَرَافِ ولا يرد: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الِيَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ لأنَّه لردِّ قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوْ﴾، أو لأنَّ المراد إبقاؤه على حِلِّه؛ لمقابلته بتحريم الرِّبا، ودُفِع بهذا ما تُؤُهِّم من عدم الفائدة. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اُلَّتِى كَانَتْ عَلَهِزَّ﴾ أي: يخفِّفُ عنهم ما كُلِّفوه من التكاليف الشاقَّة، كقَطْع موضع النجاسة من الثوب(١)، أو منه ومن البدن، وإحراق الغنائم، وتحريم السَّبت، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعيُّن القصاص في العمد والخطأ من غير شَرْعِ الدِّيَة، فإنه وإن لم يكن مأموراً به في الألواح، إلا أنه شُرع بعدُ تشديداً عليهم على ما قيل. وأصلُ الإصر: الثِّقل الذي يأصِرُ صاحبَه عن الحِراك، و((الأغلال)) جمع غُلِّ بضم الغين: وهي في الأصل - كما قال ابنُ الأثير(٢) - الحديدةُ التي تَجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضاً، ولعلَّ غيرَ الحديد إذا جُمِع به يدٌ إلى عنُقٍ يقال له ذلك أيضاً، والمراد منهما هنا ما علمتَ، وهو المأثور عن كثير من السَّلف، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة، وجُوِّز أن يكون هناك تمثیلٌ. وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلِّ لبِسوا المُسُوح، وغَلُّوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقَبَ الرجلُ ترقوته وجعل فيها طرفَ السلسلة، وأوثقَها على السارية يحبِسُ نفسَه على العبادة. وعلى هذا فـ ((الأغلال)) يمكن أن يراد حقيقتُه. وقرأ ابنُ عامر: ((آصارهم)) على الجمع (٣). وقُرئ(٤): ((أصرهم)) بالفتح على المصدر، وبالضَّم على الجمع أيضاً (٥). ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ﴾ أي: صدَّقوا برسالته ونبوَّته. (١) تحرفت في (م) إلى: الثواب. (٢) في النهاية: (غلل). (٣) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧٢/٢. (٤) تحرفت في (م) إلى: وقرأ. (٥) القراءات الشاذة ص٤٦، وقد نسب ابن خالويه قراءة الضم إلى المعلى عن عاصم، وأوردهما أبو حيان في البحر ٤٠٤/٤ من غير نسبة. سُورَّةُ الَّغَرَافِ ٤١٠ الآية : ١٥٧ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظّموه ووقَّروه كما قال ابنُ عباس ﴿يَا، وقال الراغبُ(١): التعزيرُ: النُّصرة مع التعظيم، والتعزيرُ الذي هو دون الحدِّ يرجع إليه، لأنَّه تأديبٌ، والتأديبُ نصرةٌ؛ لأنَّ أخلاق السوء أعداء، ولذا قال في الحديث: ((انصُرْ أخاكَ ظالماً أو مظلوماً)). فقيل: كيف أنصُره ظالماً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «تكفُّه عن الظلم))(٢). وأصله عند غير واحدٍ: المنع، والمرادُ: منعوه حتى لا يقوى عليه عدوٌّ. وقُرئ: ((عَزَرُوه)) بالتخفيف(٣) . ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه في الدِّين. وعطفُ هذا على ما قبلَه ظاهرٌ على ما رُوي عن الحَبْر، وكذا على ما قاله الجمعُ؛ إذ الأولُ عليه من قبيل دَرْء المفاسد، وهذا من قبيل جَلْب المصالح، ومن فسَّر الأول بالتعظيم مع التقوية أخذاً من كلام الراغب قال هنا: نَصَرُوه لي، أي: قصدوا بنصره وجهَ الله تعالى وإعلاء كلمته، فلا تكرار خلافاً لمن توقَّمه. ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآنُ، وعبَّر عنه بالنُّور لظهوره في نفسهِ بإعجازه، وإظهاره لغيره من الأحكام، وصدقِ الدَّعوى، فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه والمظهِرِ لغيره، بل هو نورٌ على نور. والظرفُ إمَّا متعلِّقٌ بـ ((أُنزِل))، والكلامُ على حذف مضافٍ، أي: مع نبوَّته، أو إرساله عليه السلام؛ لأنَّه لم ينزل معه، وإنَّما نزَلَ مع جبريل عليه السلام، نَعَم استنباؤه أو إرسالُه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به. وإما متعلقٌ بـ ((اتّبعوا)) على معنى: شاركوه في اتباعه، وحينئذٍ لم يحتجْ إلى تقديرٍ، وقد يعلّق به على معنى: اتَّبعوا القرآن مع اتِّباعهم النبيَّ وَِّ؛ إشارةً إلى العمل بالكتاب والسنة. وجُوِّز أن يكون في موضع الحال من ضمير («اتّبعوا))، أي: اتَّبعوا النورَ مصاحبين له في اتِّباعه، وحاصلُه ما ذكر في الاحتمال الثاني، وأن يكون حالاً مقدَّرةً من نائب فاعل (أُنزل)). (١) في مفردات ألفاظ القرآن (عذر). (٢) أخرجه أحمد (١١٩٤٩)، والبخاري (٦٩٥٢) من حديث أنس بن مالك عته (٣) القراءات الشاذة ص٤٦ والمحتسب ٢٦١/١. الآية : ١٥٧ ٤١١ سُورَةُ الأَْرَافِ وفي ((مجمع البيان)) أن ((مع)) بمعنى على، وهو متعلِّق بـ ((أُنزل)) (١)، ولم يشتهِر ورودُ(٢) ذلك. وقال بعضُهم: هي هنا مرادفةٌ لعند، وهو أحدُ معانيها المشهورة، إلَّا أنه لا يخفى بُعدُه، وإن قيل: حاصلُ المعنى حينئذٍ: أُنزل عليه. ﴿أُوْلَّكَ﴾ أي: المنعُوتون بتلك النُّعوت الجليلةِ ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ أي: همُ الفائزون بالمطلوب، لا المتَّصِفون بأضداد صفاتهم. وفي الإشارة إشارةٌ إلى عِلِّيَّة تلك الصفاتِ للحُكم، وكافُ البُعد للإيذان بُعد المنزلة، وعلوِّ الدرجة في الفضل والشَّرف. والمراد بالموصول(٣) المخبَرِ عنه بهذه الجملة عند ابن عباسٍ ﴿ اليهود الذين آمنوا برسول الله وَلجر، وقيل: ما يعمُّهم وغيرَهم من أُمته عليه الصَّلاة والسلام المتَّصِفين بعنوان الصِّلَة إلى يوم القيامة، والاتِّصافُ بذلك لا يتوقَّف على إدراكه وَّ كما لا يخفى، وهو الأَولى عندي. وادّعى بعضُهم أنَّ المراد من الموصول في قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعنى الأعمُّ أيضاً، وجعلَه ابنُ الخازن قولَ جمهور المفسّرين(٤)، وفيه ما فيه، وممَّا يَقضي منه العَجَبَ كونُ المراد منه اليهود الذين كانوا زمن موسى عليه السلام. والجملة متفرِّعة على ما تقدَّم من نعوته وَّو الجليلة الشأن، وقيل: على گَتْب الرحمة لمن مرَّ، وذكر شيخُ الإسلام أنها تعليمٌ لكيفية اتِّباعه عليه الصلاة والسلام، وبيان علوٍّ رتبة متَّبعيه، واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين، إثرَ بيان نعوته الجليلة، والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إيَّاهم بما في ضمن (يأمرهم)) إلخ، وجعَلَ الحصرَ المدلول عليه بقوله سبحانه: ((أولئك هم المفلحون» بالنسبة إلى غيرهم من الأمم، قال: فيدخُل فيهم قومُ موسى دخولاً أوليًّا حيث لم (١) مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٤١ . (٢) تحرفت في (م) إلى: وروي. (٣) في (م): من الموصول. (٤) تفسير الخازن ٢٩٧/٢. 1 سُؤَدَةُ الأَغْرَافِ ٤١٢ الآية : ١٥٨ ينجوا عمَّا في توبتهم من المشقّة الهائلة(١). وهو مبنيٌّ على ما سلَكَه في تفسير الآيات من أولِ الأمر، ولا يصفو عن گَدَر. ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لمَّا حكي ما في الكتابين من نُعوته بَّهَ وشرفِ من يتَّبِعُه على ما عرفتَ، أُمِرَ عليه الصلاة والسلام بأن يصدَع بما فيه تبكيتٌ لليهود الذين حرَّموا اتباعَه، وتنبيهٌ لسائر الناس على افتراء مَنْ زعمَ منهم أنَّه وَلَه مرسلٌ إلى العرب خاصَّةً، وقيل: إنه أَمْر له عليه الصَّلاة والسلام ببيان أنَّ سعادة الدارين المشار إليهما فيما تقدَّم غيرُ مختصَّة بمن اتَّبعه من أهل الكتابين، بل شاملةٌ لكلِّ من يشَّبِعِه كائناً من كان، وذلك ببيان عمومٍ رسالته وََّ، وهي عامَّة للتَّقَلين كما نطقت به النصوصُ، حتى صرَّحوا بكفر منكرِهَ، وما هنا لا يأبى ذلك، والمفهومُ فيه غيرُ معتبرٍ عند القائل به؛ لفقد شَرْطه. ﴿الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ في موضع نصبٍ بإضمار أعني أو نحوه، أو رَفْع على إضمار هو، وجُوِّز أن يكون في موضع جرٍّ على أنه صفةٌ للاسم الجليل، أو بدلٌ منه، واستبعَدَ ذلك أبو البقاء(٢) لما فيه من الفَصْل بينهما، وأُجيب بأنه مما ليس بأجنبيٍّ، وفي حكم ما لا يكونُ فيه فصلٌ، ورجح الأول بالفخامة؛ إذ يكون عليه جملةً مستقلةً مؤذِنةً بأنَّ المذكورَ علمٌ في ذلك، أي: اذكر مَنْ لا يخفى شأنُه عند الموافق والمخالف. وقيل: هو مبتدأُ خبرهُ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهو على الوجوه الأُوَل بيانٌ لما قبلَه، وجعلَه الزَّمخشريُّ(٣) مع ذلك بدلاً من الصِّلة، وقد نصَّ على جواز هذا النحو سيبويه(٤)، وذكر العلامةُ أن سوقَ كلامه يشعر بأنَّه بدلُ اشتمالٍ، ووجه البيان أنَّ مَنْ ملك العالم عُلْوِيَّه وسُفْلِيَّه هو الإله، فبينهما تلازمٌ يُصحِّحُ جعلَ الثاني مبيِّناً للأول، وليس المراد بالبيان الإثباتَ بالدليل حتى يقال: الظاهرُ العكسُ؛ لأنَّ الدليلَ على تفرُّده سبحانه بالألوهية ملكُه للعالم بأسره، مع أنَّه يصحُّ أنْ يُجعل دليلاً عليه أيضاً، فيقال: الدليلُ على أنَّه (١) تفسير أبي السعود ٣/ ٢٨٠، وقوله: فيدخل فيهم ... ، أي: في غيرهم من الأمم .. (٢) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٧٣/٣. (٣) في الكشاف ٢/ ١٢٣ . (٤) أي كون البدل بياناً. انظر حاشية الشهاب ٢٢٦/٤. الآية : ١٥٨ ٤١٣ سُورَةُ الَّغَرَافِ جلَّ شأنُه المالكُ المتصرِّفُ في ذلك انحصارُ الأُلوهيَّة فيه، إذ لو كان إلهٌ غيرُه لكان له ذلك. واعترض أبو حيَّان القول بالبَدَلية بأنَّ إبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عاملٍ لا يُعرف(١)، وتُعقّب بأنَّ أهل المعاني ذكروه، وتعريفُ التابع بكلِّ ثانٍ أُعرِب بإعراب سابقه(٢) ليس بكلِّيٍّ. وقوله سبحانه: ﴿يُحِى، وَيُمِيثٌ﴾ لزيادةٍ تقرير إلهيَّته سبحانه، وقيل: لزيادة تقرير اختصاصِه تعالى بذلك، وله وجهٌ وجيهٌ. والفاءُ في قوله عزَّ شأنه: ﴿قَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لتفريع الأمر على ما تقرَّر من رسالته وَله، وإيرادُ نفسِه الكريمة عليه الصَّلاة والسلام بعنوان الرِّسالة على طريق الالتفات إلى الغَيبة للمبالغة في إيجاب الامتثال، ووصفُ الرَّسول بقوله تعالى: ﴿النَّبِيّ اٌلْأُمِّ﴾ لمدحِه، ولزيادةٍ تقرير أمْرِهِ، وتحقيقِ أنَّه المكتوبُ في الكتابين. ﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَكَلِمَتِهِ﴾ ما أُنزل عليه وعلى سائر الرُّسل عليهم السَّلام من كتبه ووحيه. وقُرئ: ((وكلمته))(٣) على إرادة الجنس، أو القرآن، أو عيسى عليه السلام كما رُوي ذلك عن مجاهد، تعريضاً باليهود، وتنبيهاً على أنَّ مَنْ لم يؤمن به عليه السلام لم يُعتبر إيمانُه، والإتيانُ بهذا الوصف لحَمْل أهل الكتابين على الامتثال بما أُمروا به، والتصريحُ بالإيمان بالله تعالى للتنبيه على أنَّ الإيمانَ به سبحانه لا ينفكُّ عن الإيمان بكلماته، ولا يتحقَّقُ إلا به. ولا يخفى ما في هذه الآية من إظهار النَّصَفة، والتفادي عن العصبيَّة للنفس، وجعلوا ذلك نكتةً للالتفاتِ، وإجراءٍ هاتيك الصِّفات. ﴿وَتَّبِعُوهُ﴾ أي: في كلِّ ما يأتي وما يَذَر من أمور الدِّين. (١) البحر المحيط ٤ / ٤٠٥. (٢) في الأصل: تابعه، والمثبت من (م)، وهو موافق لما في الشهاب الخفاجي ٢٢٧/٤، وعنه نقل المصنف. (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦ إلى مجاهد، وزاد نسبتها إلى عيسى أبو حيان في البحر ٤٠٦/٤ . سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ ٤١٤ الآية : ١٥٩ علَّةٌ للفعلين، أو حالٌ من فاعلَيهما، أي: رجاءً ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (@. لاهتدائكم إلى المطلوب، أو راجين له، وفي تعلُّقه بهما إيذانٌ بأنَّ من صدَّقَه ولم يَتَبِعْه بالتزام شَرْعه فهو بعدُ في مَهامِهِ الضَّلالة. ﴿وَمِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ يعني: بني إسرائيل. ﴿أُنَّةٌ﴾ جماعةٌ عظيمةٌ ﴿يَهْدُونَ﴾ للناس ﴿ِالْحَقِ﴾ أي: محقِّين، على أنَّ الباء للملابسة، والجارُّ والمجرور في موضعٍ الحال، أو: بكلمةِ الحقِّ على أن الباء للآلة، والجارّ لغوٌ. ﴿وَبِهِ﴾ أي: بالحق في الأحكام الجارية فيما بينهم، وصيغةُ المضارع في الفعلين ١٥٩ وَيَعْدِلُونَ للإيذان بالاستمرار التجدُّديِّ. واختلف في المراد منهم: فقيل: أُناسٌ كانوا كذلك على عهد موسى وَّل، والكلامُ مسوقٌ لدَفْع ما عسى يُوهِمُه تخصيصُ كَتْب الرحمة والتقوى والإيمانِ بالآيات بمتَبعي رسول الله وَِّ من حرمان أسلاف قوم موسى من كلِّ خيرٍ، وبيان أنَّ كلَّهم ليسوا كما حُكِيت أحوالُهم، بل منهم الموصوفون بكيتَ وكيت، وصيغةُ المضارع لحكاية الحال الماضية، واختار هذا شيخُ الإسلام(١). ولا يبعُدُ عندي أن يكون ذلك بياناً لقِسْم آخرَ من القوم مقابلٍ لما ذكره موسى عليه السلام في قوله: ((أَتهلِكُنا بما فعل السُّفهاء منَّ))، فيه تنصيصٌ على أنَّ من القومِ مَنْ لم يفعل. وقيل: أناسٌ وُجِدوا على عهد نبيِّنا نَّ﴿ موصوفون بذلك، كعبد الله بن سلام وأضرابه. ورجَّحه الطَّبيُّ بأنه أقربُ الوجوه، وذلك أنَّه تعالى لما أجاب عن دعاء موسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَقَّعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُفِىَ﴾ إلخ، ثم أمر رسولَ الله وَِّ أن يصدَعَ بما فيه تبكيتٌ لليهود، وتنبيهٌ على افترائهم فيما يزعمونه في شأنه عليه الصلاة والسلام مع إظهار النَّصَفة، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلخ، وقوله سبحانه: ﴿فَامِنُواْ﴾ إلخ، عقَّبَ ذلك بقوله عزَّ شأنه: ﴿وَمِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ إلخ، والمعنى أنَّ بعضَ هؤلاء الذين حكينا عنهم ما حكينا آمَنوا وأنصَفوا من أنفسِهم، يهدون الناسَ إلى أنَّه عليه الصَّلاة (١) تفسير أبي السعود ٢٨١/٣. الآية : ١٥٩ ٤١٥ سُورَةُ الأَّغراقِ والسلام الرسولُ الموعودُ، ويقولون لهم: هذا الرسولُ النبيُّ الأُميُّ الذي نجِدُه مكتوباً عندنا في التوراة والإنجيل، ويعدِلون في الحُكم ولا يجورون، ولكنَّ أكثرهم ما أنصفوا، وألبَسوا الحقَّ بالباطل، وكتموه، وجاروا في الأحكام، فيكونُ ذِكر هذه الفرقة تعريضاً بالأكثر. واعتُرِض بأنَّ الذين آمنوا من قوم موسى على عهد رسول الله وَّر كانوا قليلين، ولفظ ((أُمَّة)) يدلُّ على الكثرة، وأيضاً إنَّ هؤلاء قد مرَّ ذِكْرهم فيما سلف. وأُجيب بأنَّ لفظ الأُمَّة قد يُطلق على القليل، ولا سيّما إذا كان له شأنٌ، بل قد يُطلق على الواحد إذا كان كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠]، وبأنَّ ذِكْرهم هنا لما أُشير إليه من النُّكتة لا يأبى ذِكْرهم فيما سلف لغير تلك النُّكتة، وتكرارُ الشيء الواحد لاختلاف الأغراض سنةٌ مشهورةٌ في الكتاب، على أنه قد قيل: إنَّهم فيما تقدَّم قد وُصِفوا بما هو ظاهرٌ في أنَّهم مهتدون، وهنا قد وُصِفوا بما هو ظاهرٌ في أنهم هادون، فيحصُلُ من الذِّكرين أنَّهم موصوفون بالوصفين. نعم يبقى الكلامُ في نكتة الفَصْل، ولعلها لا تخفى على المتدبِّر. وقيل: هم قومٌ من بني إسرائيل وُجِدوا بين موسى ونبيِّنا محمد عليهما الصَّلاة والسلام، وهم الآن موجودون أيضاً؛ فقد أخرج ابنُ جريرٍ وغيرُه(١) عن ابن جُرَيج أنه قال: بلغني أنَّ بني إسرائيل لما قَتَلوا أنبياءهم وكفروا، وكانوا اثني عَشَر سِبطاً، تبرَّأ سبطٌ منهم ممَّا صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يُفرِّق بينهم وبينهم، ففَتَح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصِّين، فهم هنالك حنفاء، يستقبلون قِبْلتَنا، وإليهم الإشارة كما قال ابنُ عباس بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِه لِبَبِىّ إِسْرَغِيلَ أُسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]. وفَسَّر ((وعد الآخرة)) بنزول عيسى عليه السلام، وقال: إنَّهم ساروا في السرب سنةً ونصفاً . (١) تفسير الطبري ٥٠١/١٠-٥٠٢، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور ١٣٦/٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٤١٦ التفسير الإشاري (١٤٤ -١٥٩) وذكر مقاتل - كما روى أبو الشَّيخ - أنَّ الله تعالى أجرى معهم نهراً، وجعل لهم مصباحاً من نورٍ بين أيديهم، وأنَّ أرضَهم التي خرجوا إليها يجتمع فيها الهوامُ والبهائم والسِّباع مختلطين، وأنَّ النبيَّ وَِّ أتاهم ليلةَ المِعراج ومعه جبريلُ عليه السَّلام، فآمنوا به، وعلَّمَهم الصَّلاةُ(١). وعن الكلبيِّ والضَّّاك والرَّبيع أنه عليه الصَّلاة والسَّلام علَّمَهم الزكاةً وعشرَ سورٍ من القرآن نزلتْ بمكةً، وأمرَهم أن يُجَمِّعوا ويتركوا السَّبتَ، وأَقرَؤوه سلامَ موسى عليه السَّلام، فردّ النبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - السَّلامَ. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن السُّدِّي أنه قال: بينكم وبينهم نهرٌ من رملٍ يجري(٢) . وضعَّف هذه الحكاية ابنُ الخازن(٣)، وأنا لا أراها شيئاً، ولا أظنُّكَ تجدُ لها سنداً يعوَّل عليه ولو ابتغيتَ نفقاً في الأرض أو سلماً في السَّماء(٤). هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿قَالَ يَمُوسَى إِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَلَمِى﴾ دون رؤيتي على ما يقولُه نفاةُ الرؤية. ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ﴾ بالتمكين ﴿وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ بالاستقامة في القيام بحقِّ العبودية التي لا مقام أعلى منها : فإنَّه أشرفُ أسمائي(٥) لا تَدْعُني إلا بيا عبدَها وبالشكر تزدادُ النِّعم كما نطق بذلك الكتاب. (١) أورده السيوطي في الدر ١٣٦/٣. (٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٥٨٨/٥). (٣) تفسير الخازن ٢/ ٣٠٠. (٤) جاء على هامش الأصل حاشية نصُّها: وقد سئلت اليهود، فأنكروا هذا التفصيل، وزعموا أن أحد عشر سبطاً منهم ونصف سبط منهم ذهبوا زمن داود عليه السلام من بيت المقدس، ولا يدرون إلى الآن أين ذهبوا. والله تعالى أعلم. اهـ منه. (٥) أورده القرطبي في تفسيره ٣٤٩/١، واليوسي في زهر الأكم ١٥٧/١ دون نسبة. التفسير الإشاري (١٤٤-١٥٩) ٤١٧ سُورَةُ الأَّغرافِ ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ﴾ أي: أظهرنا نقوشَ استعدادِه في ألواح تفاصيل وجودِهِ: من الرُّوح، والقلب، والعقل، والفِكْر، والخيال، فظهَرَ فيها ﴿مِن كُلّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزمٍ؛ لتكون من ذَوِيْه، ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: أكثرها نفعاً، وهي العزائم ﴿سَأُوِْيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ أي: عاقِبَة الذين لا يأخذون بذلك. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهم الذين في مقام النَّفس، فيكون تكبِّرهم حجاباً لهم عن آيات الله تعالى، وأما المتكبِّرون بالحقِّ، وهم الذين فَنِيَتْ صفاتُهم، وظهرتْ عليهم صفاتُ مولاهم، فليسوا بمحجوبين، ولا يعدُّ تكبِّرهم مذموماً؛ لأنه ليس تكبِّرَهم حقيقةً، وإنما حظّهم منه كونُهم مظهراً له. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ حيث حُجِبوا بصفاتهم وأفعالهم ﴿حَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ فلا تُقَرِّبُهم شيئاً. ﴿وَأَخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيِّهِمْ ◌ِجْلًا﴾ صنَعَه لهم السَّامريُّ، وكان من قومٍ يعبدون العجلَ، أو ممَّن رآهم، فوقَعَ في قلبه لسوءِ استعداده حبُّه، وأضمَرَ عبادته، واختار صياغَتَه من حُلِيِّهم ليكون ميلُهم إليه أتمَّ؛ لأن قلب الإنسان يميلُ حيث مالُه، سيَّما إذا كان ذهباً أو فضَّة، وكثيرٌ من الناس اليومُ عبيدُ الدِّرهم والدِّينار، وهما العجلُ المعنويُّ لهم، وإن لم يسجدوا له، وأكثرُ الأقوال أنَّ ذلك العجلَ صار ذا لحم ودم، وإليه الإشارةُ بقوله سبحانه: ﴿جَسَدًا لَّهُ خُّوَارٌ﴾ وفي كلام الشيخ الأكبر قُدِّسَ سرُّه أنه صار ذا روحٍ بواسطةِ التراب الذي وَطِئه الروحُ الأمين، ولم يُصرِّح بكونه ذا لحم ودم(١). ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: ذَهَل من شدَّة الغضب عنها، وتجافَى عن حكم ما فيها، ونسيانُ ما يُستحسَن من الحِلْم مثلاً عند الغضب مما يجدُه كلُّ أحدٍ من نفسه. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهِ﴾ ظنًّا أنه قصّر في كفِّهم. ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ﴾ ناداه بذلك لغَلَبة الرَّحمة عليه(٢) . (١) الفتوحات المكية، الباب الأربعون في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه. (٢) من قوله: ((وألقى الألواح))، إلى هنا، كذا ورد في الأصل و(م) في غير موضعه، وظاهر أنه ليس من التفسير الإشاري، وسيرد تفسيرها إشاريًّا في موضعه. سُورَةُ الأَغْرَافِ ٤١٨ التفسير الإشاري (١٤٤-١٥٩) وتأويلُ ذلك في الأنفُس على ما قاله بعضُ المؤوِّلين أنَّ سامريَّ الهوى بعد توجُّه موسى الروحِ لميقات مكالمة الحقِّ اتَّخذ من حُلْي زينة الدنيا ورُعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفاتِ القلب من قِبْط صفاتِ النفس معبوداً يتعجَّلون إليه، له خُوار يدعو (١) الخلقَ به إلى نفسه. ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ بما ينفعُهم ﴿وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًا﴾ إلى الحقِّ. ﴿اَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ حيث عدَلوا عن عبادة الحقِّ إلى عبادة غيره في نظرهم. ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ﴾ أي: ندِموا عند رجوع موسى الروحِ ﴿قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بجذبات العناية ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بأن يستُرَ صفاتِنا بصفاته سبحانه وتعالى ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ رأسَ مالِ هذه النَّشْأة من (٢) الاستعداد. ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهم الأوصافُ الإنسانية ﴿غَضْبَنَ﴾ مما عبدَتْ صفاتُ القلب عجلَ الدُّنيا، ﴿أَسِفًا﴾ على ما فاتَ لها من عبادة الحقِّ ﴿قَالَ بِثْسَمَا ◌َلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ حيثُ لم تَسِيروا سَيري ﴿أَعَِلْتُمْ أَنَ رَبِّكُمْ﴾ بالرُّجوع إلى الفاني من غير أمره تعالى؟ ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: ما لاحَ له من اللوائح الرَّبَّانية عند استيلاء الغضب الطبيعيِّ ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾، وهو القلبُ ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قسراً(٣). ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ﴾ ناداه بذلك مع أنَّه أخوه من أبيه - وهو عالَمُ الأرواح(٤) - وأُمِّه وهو عالَمُ الخَلْق؛ لأنَّهما في عالَم الخلق. ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ أي: الأوصافَ البشرية ﴿أَسْتَضْعَفُونِيِ﴾ عند غيبَتَك ﴿وَكَادُواْ يَقْنُلُونَنِى﴾ يُزيلون مني حياةَ استعدادي بالكُلية ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ﴾ وهم هم، وهذا ما يقتضيه مقامُ الفَرْق. (١) في (م): يدعون. (٢) في (م): وهو. (٣) قوله: قسراً ليس في الأصل، والمثبت من (م). (٤) في (م): الأمر. التفسير الإشاري (١٤٤-١٥٩) ٤١٩ سُؤَدَّةُ الأَّغَافِ ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى﴾ بسَتْر صفاتِنا ﴿وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌ﴾ بإفاضة الصِّفات الحقَّة علينا ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ لأنَّ كلَّ رحمةٍ فهو شعاعُ نورٍ رحمتك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَمَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ أي: عِجْلَ الدُّنيا إلهاً ﴿سَيَنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ وهو عذابُ الحجاب ﴿وَزِلَّةٌ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا﴾ باستعباد هذا الفاني المُدْني لهم ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ الذين يفترون على الله تعالى، فيُثبتون وجوداً لما سواه. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾ رجعوا إليه سبحانه وتعالى بمجاهدة نفوسِهم وإفنائها ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ﴾ فيستُرُ صفاتِهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ فيُفيض عليهم من صفاته . ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَاحٌ﴾ الربانية ﴿وَفِي نُشْخَتِهَا هُدَى﴾ إرشادٌ إلى الحقِّ ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافون لحسن استعدادهم. ويقال في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَتِنَا﴾: إنَّ موسى عليه السلامُ اختار سبعين رجلاً من أشرافِ قومه ونُجبائهم أهل الاستعداد والصَّفاء، والإرادة والطّلب والسُّلوك. ﴿فَلَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: رجفةُ البَدَن التي هي من مبادئ صَعْقةِ الفناء عند طَرَيان بوارق الأنوار، وظهور طوالع تجليات الصِّفات من اقشعرار الجسد وارتعاده. وكثيرًا ما تعرِضُ هذه الحركةُ للسَّالكين عند الذِّكر، أو سماع القرآن، أو ما يتأثَّرون به، حتى تكاد تتفرَّق أعضاؤهم، وقد شاهدنا ذلك في الخالديِين(١) من أهل الطريقة النقشبندية، وربَّما يعتريهم في صلاتهم صياحٌ معه، فمنهم من يستأنِفُ صلاتَه لذلك، ومنهم مَنْ لا يستأنف(٢). (١) تحرفت في (م) إلى: الخالدين، ويعني بالخالدبين أتباع الشيخ خالد بن حسن الكردي الشهير بالحضرة، خاتمة أئمة الطريقة النقشبندية بالشام، المتوفى بها سنة (١٢٤٢هـ)، وهو شيخ المصنف رحمه الله. ينظر فهرس الفهارس ٣٧٣/١. (٢) قوله: يستأنف، ليس في الأصل، والمثبت من (م). سِوَرَةُ الأَغْرَافِ ٤٢٠ التفسير الإشاري (١٤٤ - ١٥٩) وقد كثُرَ الإنكار عليهم، وسمعتُ بعضَ المنكرين يقول: إن كانت هذه الحالةُ مع الشُّعور والعقل فهي سوءُ أدبٍ، ومبطلةٌ للصلاة قطعاً، وإن كانت مع عدم شعورٍ وزوال عقلٍ فهي ناقضةٌ للوضوء، ونراهم لا يتوضؤون! وأُجيب بأنَّها غيرُ اختياريةٍ مع وجودِ العقل والشعور، وهي كالعطاس والسُّعال، ومن هنا لا تنقض الوضوء، ولا تبطلُ الصَّلاة، وقد نصَّ بعضُ الشافعية أن المصلِّي لو غَلَبه الضَّحك في الصلاة لا تبطُلُ صلاته، ويعذَرُ بذلك(١)، فلا يبعُدُ أن يلحَقَ ما يحصُلُ من آثار التجلِّيات الغير الاختيارية بما ذُكر، ولا يلزم من كونه غيرَ اختياريٍّ كونُه صادراً من غير شعورٍ؛ فإن حركةَ المرتعش غيرُ اختيارية مع الشعور بها، وهو ظاهرٌ، فلا معنى للإنكار. نعم كان حضرةُ مولانا الشَّيخ خالد قُدِّس سرُّه يأمر من يعتريه ذلك من المريدين بالوضوء واستئنافِ الصَّلاة؛ سدًّا لباب الإنكار. والحقُّ أن ما يعتري هذه الطائفةَ غيرُ ناقضٍ للوضوء؛ لعدم زوال العقل معه، لكنَّه مبطلٌ للصلاة؛ لما فيه من الصِّياح الذي يظهَرُ به حرفان، مع أمورٍ تأباها الصلاة، ولا عذرَ لمن يعتريه ذلك إلا إذا ابتُلي به، بحيث لم يخلُ زمنٌ من الوقت يسَعُ الصلاة بدونه، فإنه يُعذَرُ(٢) حينئذٍ، ولا قضاء عليه إذا ذهب منه ذلك الحال، كمن به حكَّة لا يصبِرُ معها على عدم الحكِّ. وقد نصَّ الجدّ(٣) عليه الرحمةُ في ((حواشيه على شرح الحضرميَّة)) للعلامة ابن حجر في صورة من ابتُلي بسعالٍ مزمنٍ على نحو ذلك، ثم قال: فرع: لو ابتُلي بذلك، وعلم من عادته أن الحمّام يسكِّنُه عنه مدةً تسعُ الصلاة وجب عليه دخوله حيث وجَدَ أُجرةَ الحمَّام فاضلةً عما يُعتبر في الفطرة(٤)، وإن فاتته الجماعةُ وفضيلةٌ أول الوقت. انتهى. (١) جاء على هامش الأصل ما نصه: وفي التحفة التقييد بما إذا قل عرفاً، فلا تغفل. اهـ منه. (٢) بعدها في الأصل: عنه. (٣) هو نجم الدين أبو عبد الله حسين بن علي بن حسن العشاري، ولد وتعلم في بغداد، وغلب عليه الفقه حتى كان يسمى الشافعي الصغير، كان عالماً فاضلاً شاعراً، وهو جد الآلوسي لأُمِّه، من مصنفاته: الأبحاث الرفيعة في الرد على الشيعة، وتعليقات على شرح جمع الجوامع للمحلي، توفي سنة (١١٩٥ هـ). سلك الدرر ٦٩/٢، هدية العارفين ٣٢٨/٥، الأعلام ٢٤٨/٢. (٤) أي: زكاة الفطر.