Indexed OCR Text
Pages 361-380
الآية : ١٤٥ ٣٦١ سُورَةُ الأَغراف أسمائي، ولا تحسدِ الناسَ على ما أعطيتُهم من فضلي، ولا تَنْفَس عليهم(١) نعمتي ورزقي؛ فإنَّ الحاسدَ عدوُّ نعمتي، رادٌّ لقضائي، ساخطٌ لِقِسْمتي التي أقسم بين عبادي، ومن يكون كذلك فلستُ منه وليس منِّي، ولا تشهدْ بما لم يَعِ سمعُكَ، ويحفَظُ عقلُكَ، ويعقِدْ عليه قلبُكَ؛ فإني واقفٌ أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة، ثم سائلُهم عنها سؤالاً حثيثًا، ولا تزنٍ، ولا تسرقْ، ولا تزنِ بحليلة جارٍكَ فأحجُبَ عنك وجهي، وتغلقَ عنكَ أبوابُ السماء، وأَحِبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك، ولا تذبحنَّ لغيري؛ فإني لا أقبلُ من القُربان إلا ما ذُكر عليه اسمي، وكان خالصًا لوجهي، وتفرَّغْ لي يومَ السبت، وفرِّعْ لي نفسَك وجميعَ أهلِ بيتكَ)). ثم قال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى جعل السبتَ لموسى عليه السلام عيدًا، واختار لنا الجمعةَ فجعلَها عيدًا)). ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجدٍّ وحزمٍ. قاله ابنُ عباس والجملةُ على إضمار القول عطفًا على ((كتبنا))، وحذفُ القولِ كثيرٌ مطّرد، والداعي لهذا التقدير - كما قال العلامةُ الثاني - رعايةُ المناسبة لـ ((كتبنا له))؛ لأنه جاء على الغَيبة، ولو كان بدلَه كتبنا لك لم يحتجْ إلى تقدير. وأما حديثُ عطف الإنشاء على الإخبار فلا ضيرَ فيه؛ لأنه يجوز إذا كان بالفاء. وقيل: هو بدلٌ من قوله سبحانه: ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ﴾ وضُعِّف بأن فيه الفصلَ بأجنبيٍّ، وهو جملة ((كتبنا)) المعطوفةُ على جملة ((قال))، وهو تفكيكٌ للنظم. والضميرُ المنصوب لـ ((الألواح))، أو لـ ((كل شيء))؛ فإنه بمعنى الأشياء، والعمومُ لا يكفي في عَود ضمير الجماعة بدون تأويله بالجمع، وجُوِّز عودُه للتوراة بقرينة السِّياق، والقائلُ بالبَدَلية جعله عائدًا إلى الرسالات. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ وقع حالاً من الفاعل، أي: ملتبسًا بقوة، وجُوِّز أن يكون حالاً من المفعول، أي ملتبسةً بقوة براهينها، والأول أوضحُ. وأن يكون صفةً مفعولٍ مطلق، أي: أخذًا بقوة. (١) في الأصل و(م): عليه. والمثبت من المصادر، ونَفِسَ عليه، كفرح: حسده. القاموس: (نفس). سُورَةُ الَّغَرَافِ ٣٦٢ الآية : ١٤٥ ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: أحسنها، فالباءُ زائدةٌ كما في قوله: سودُ المَحاجِرٍ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ (١) ويَحتمِلُ أن تكون الباءُ أصليةً، وهو الظاهرُ، وحينئذٍ فهي إمَّا متعلِّقةٌ بـ ((يأخذوا)) بتضمينه معنى يعملوا، أو هو من الأخذ بمعنى السِّيرة، ومنه: أخَذَ أخذَهم، أي: سار سِيْرتَهم، وتخلَّقَ بأخلاقهم (٢) كما نقول، وإمَّا متعلِّقةٌ بمحذوف وقع حالاً . ومفعولُ ((يأخذوا)) محذوفٌ، أي: أنفسَهم كما قيل، والظاهرُ أنه مجزومٌ في جواب الأمر، فيحتاجُ إلى تأويل؛ لأنه لا يلزَمُ من أَمْرِهم أخذُهم، أي: إنْ تأمُرْهم ويوفّقهم الله تعالى يأخذوا، وقيل: بتقدير لام الأمر فيه، بناءً على جواز ذلك بعد أمرٍ من القول، أو ما هو بمعناه كما هنا. وإضافةُ أفعل التفضيل هنا عند غيرٍ واحد كإضافته في: زيدٌ أحسنُ الناس، وهي على المشهور محضَةٌ على معنى اللام، وقيل: إنَّها لفظيةٌ، ويوهم صنیعُ بعضهم أنَّها على معنى في(٣)، وليس به. والمعنى: بأحسن الأجزاء التي فيها، ومعنى أحسنيَّتها: اشتمالُها على الأحسن، كالصَّبر؛ فإنَّه أحسنُ بالإضافة إلى الانتصار، أي: مُرْهُم يأخذوا بذلك على طريقة الندب والحثِّ على الأفضل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]. أو المعنى: بأحسن أحكامها، والمرادُ به الواجباتُ؛ فإنَّها أحسنُ من المندوبات والمباحات، أو هي والمندوباتُ على ما قيل؛ فإنَّها أحسنُ من المباحات. وقيل: إنَّ الأحسنَ بمعنى البالغ في الحسن مطلقًا لا بالإضافة، وهو المأمورُ به، ومقابلهُ المنهيُّ عنه، وإلى هذا يشيرُ كلامُ الزجَّاج حيث قال: أُمِرُوا بالخير ونُهُوا عن الشَّر، وعُرِّفوا ما لهم وما عليهم، فقيل: ((وأُمُرْ قومك)) إلخ(٤). فأفعل نظيرُه في قولهم: الصَّيف أحرُّ من الشتاء؛ فإنَّه بمعنى: الصيفُ في حرِّه أبلغُ من (١) عجز بيت للراعي النميري، وصدره: هنَّ الحرائرُ لا ربَّاتُ أَحْمِرَةٍ، وهو في ديوانه ص١٢٢ . (٢) في (م): بخلائقهم. (٣) قوله: بعضهم، يعني به البيضاوي، حيث قال: ((بأحسنها)) أي: بأحسن ما فيها. فكأن هناك مَن توهَّم من هذه العبارة أن الإضافة على معنى ((في)). ينظر حاشية الشهاب ٢١٧/٤. (٤) معاني القرآن ٢/ ٣٧٥. الآية : ١٤٥ ٣٦٣ سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ الشتاء في برده؛ إذ تفضيلُ حرارة الصيف على حرارة الشتاء غيرُ مرادةٍ بلا شبهة، ويقال هنا: المأمورُ به أبلغُ في الحُسْن من المنهيِّ عنه في القبح. وتفصيل ما في المقام على ما ذكره الدماميني في ((تعليقه على المصابيح))(١)، ونقله عنه الشهاب(٢): أن لأفعل أربع حالات: إحداها وهي الحالة الأصلية: أن يدلّ على ثلاثة أمور: الأول: اتِّصاف من هو له بالحدث الذي اشتقَّ منه، وبهذا كان وصفًا، الثاني: مشاركة مصحوبه في تلك الصفة، الثالث: مزيةٌ موصوفه على مصحوبه فيها، وبكلٍّ من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات. وثانيتها: أن يخلع عنه ما امتاز به من الصفات، ويتجرَّد للمعنى الوصفي. وثالثتها: أن تبقى عليه معانيه الثلاثة، ولكن يخلع عنه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيدٌ آخر، وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيَّدًا بتلك الصفة التي هي المعنى الأول، فيصير مقيدًا بالزيادة التي هي المعنى الثالث، ألا ترى أن المعنى في قولهم: العسل أحلى من الخلِّ: أن للعسل حلاوةً، وأن تلك الحلاوة ذاتُ زيادة، وأن زيادة حلاوة العسل أكثرُ من زيادة حموضة الخلِّ؟ وقد قال ذلك ابنُ هشام في ((حواشي التسهيل))، وهو بديعٌ جدًّا. ورابعتها: أن يخلع عنه المعنى الثاني وهو المشاركة، وقَيْدَ المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه، فيكون للدلالة على الاتِّصاف بالحدث، وعلى زيادةٍ مطلقة لا مقيَّدة، وذلك في نحو: يوسفُ أحسنُ إخوته. انتهى. وعدم اشتراك المأمور به والمنهيّ عنه في الحسن المراد مما لا شبهة فيه، وإن كان الحسن مطلقًا - كما في ((البحر))(٣) - مشتركًا؛ فإن المأمور به أحسن من حيث الامتثالُ وترتُّبُ الثواب عليه، والمنهيُّ عنه حسنٌّ باعتبار الملاذِّ والشهوة. (١) كذا في الأصل و(م)، والكتاب سماه العلائي في هدية العارفين ٦/ ١٨٥: المصابيح في شرح الجامع الصحيح للبخاري، وسماه الزركلي في الأعلام ٦/ ٥٧: مصابيح الجامع، وسماه البغدادي في خزانة الأدب ٦٧/٢: تعليق المصابيح على الجامع الصحيح. (٢) في الحاشية ٢١٧/٤، ولم يصرح الخفاجي باسمه. (٣) البحر المحيط ٣٨٨/٤. سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ ٣٦٤ الآية : ١٤٥ وقال قُظْرُب كما نقله عنه محيي السُّنة: المعنى: يأخذوا بحَسَنها، وكلها حَسَن(١). وهو ظاهر في حمل أفعل على الحالة الثانية. وقيل: المعنى: يأخذوا بها، و((أحسن)) صلة. وليس له من القبول عائد. وقال الجُنَّائيُّ: المراد: يأخذوا بالناسخ دون المنسوخ. وقيل: الأخذُ بالأحسن هو أن تُحمل الكلمة المحتَمِلة المعنيين أو لمعان على أشبه محتَمِلاتها بالحقِّ، وأقربها للصَّواب. ولا ينبغي أن يُحمَلَ الأخذ على الشروع، كما في قولك: أخذ زيد يتكلم، أي: شرع في الكلام، والأحسن على العقائد، فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتحلِّي بالعقائد الحقَّة، وهي لكونها أصولَ الدين، وموقوفة عليها صحةُ الأعمال، أحسنُ من غيرها من الفروع، وهو متضمِّنٌ لأمرهم بجميع ما فيها كما لا يخفى = فإنَّ أَخَذَ بالمعنى المَعنِيِّ من أفعال الشروع ليس هذا استعمالَها المعهود في كلامهم، على أنَّ فيه بَعْدُ ما فيه. ومِثْلُ هذا كونُ ضمير ((أحسنها)) عائدًا إلى ((قوة)) على معنى: مُرْهم يأخذوها بأحسن قوة وعزيمة، فيكون أمرًا منه سبحانه أن يأمرهم بأخذها، كما أمره به ربه سبحانه، إلا أنه تعالى اكتفى في أمره عن ذكر الأحسن بما أشار إليه التنوين = فإنَّ ذلك خلاف المأثور المنساق إلى الفهم، مع أنَّا لم نجد في كلامهم: أحسن قوة. ومفعول ((يأخذوا)» عليه محذوفٌ كما في بعض الاحتمالات السابقة، غير أنه فرقٌ ظاهر بين ما هنا وما هناك. ﴿سَأُؤْرِيَكُنْ دَارَ اُلْفَسِقِينَ توكيدٌ لأمر القوم بالأخذ بالأحسن، وبعثٌ عليه ١٤٥ على نهج الوعيد والترهيب، بناء على ما رُوي عن قتادة وعطيةَ العَوفيِّ من أن المراد بـ ((دار الفاسقين)): دار فرعون وقومه بمصر. ورأى بصريةٌ، وجُوِّز أن تكون علميَّة، والمفعول الثالث محذوفٌ، أي: سأريكم إيّاها خاويةً على عروشها؛ لتعتبروا وتَجِدُّوا ولا تَهاونوا في امتثال الأمر، ولا تعملوا أعمال أهلها ليحلَّ بكم ما حلَّ بهم. (١) تفسير البغوي ٢/ ٢٠٠. الآية : ١٤٥ ٣٦٥ سُورَةُ الَّغَافِ وفيه التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب، وحسَّنَ موقعَه قصدُ المبالغة في الحثِّ. وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامةُ السَّبب مقام المسبَّب مبالغةً أيضًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩]. وفي وضع ((دار الفاسقين)) موضع أرض مصر الإشعارُ بالعِلِّيَّة، والتنبيهُ على أن يحترزوا ولا يستثُّوا بسنَّتهم من الفسق، والسين للاستقبال؛ لأن ذلك قبل الرجوع إلى مصر كما في ((الكشف)). وقال الكلبيُّ: المراد بـ ((دار الفاسقين)): منازل عاد وثمود، والقرون الذين هلكوا. وعن الحسن وعطاء أن المراد بها جهنّم. وأيًّا ما كان فالكلامُ على النهج الأول أيضًا، ويجوز أن يكون على نهج الوعد والترغيب بناءً على ما رُوي عن قتادة أيضًا من أن المراد بـ ((دار الفاسقين)): أرضُ الجبابرة والعمالقة بالشام؛ فإنها مما أُبيح لبني إسرائيل وكتب لهم، حسبما ينطق به قوله عز وجل: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِىِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]. ومعنى الإراءة: الإدخال بطريق الإيراث، ويؤيده قراءةُ بعضهم: ((سأورثكم))(١)، وجُوِّز على هذا أن يراد بالدار مصر، وفي الكلام - على هذه القراءة وإرادة أرض مصر من الدار - تغليبٌ؛ لأن المعنى: سأورِّتك وقومَك أرضَ مصر، ولا يصحُّ ذلك عليها إذا أُريد من الدار أرضُ الجبابرة، بناءً على أن موسى عليه السلام لم يدخلها، وإنما دخلَها يوشَعُ مع القوم بعد وفاته عليه السلام، ويصحُ بناءً على القول بأن موسى عليه السلام دخلها ويوشَعُ على مقدِّمته، وجُوِّز اعتبارُ التغليب على القراءة المشهورة أيضًا. وقرأ الحسن: ((سأُوريكم)) (٢) بضم الهمزة، وواو ساكنة، وراء خفيفة مكسورة، وهي لغة فاشيةٌ في الحجاز، والمعنى: سأبَيِّنُ لكم ذلك وأُنوِّرُه، على أنه من أَوْرَيتُ الزَّنْد، واختار ابنُ جنِّي(٣) في تخريج هذه القراءة - ولعلَّه الأظهر - أنها على الإشباع، كقوله: (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦ إلى قسامة بن زهير وابن عباس. (٢) القراءات الشاذة ص٤٥-٤٦ . (٣) في المحتسب ٢٥٨/١. سُورَةُ الَّغَافِ ٣٦٦ الآية : ١٤٦ من حيثُما سلكوا أدنو فأَنظُورُ(١) ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ - على ما قال شيخ الإسلام(٢) - لتحذيرهم عن التكبُّر الموجِبِ لعدم التفكّر في الآيات التي كتبت في ألواح التوارة المتضمِّنة للمواعظ والأحكام، أو ما يعُمُّها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وُعِدوا إراءتَه من دار الفاسقين. ومعنى صَرْفهم عنها : منعُهم بالطبع على قلوبهم، فلا يكادون يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها؛ لإصرارهم على ما هم عليه من التكبُّر والتجبُّر، كقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، أي: سأطبع على قلوب الذين يَعُدُّون أنفسهم كبراءَ، ويرون أنَّ لهم ارتفاعًا في العالم السُّفلي، ومزيَّةً على الخلق، فلا ينتفعون بآياتي، ولا يغتنمون مغانم آثارها، فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا أمثالَهم. وقيل: هو جواب سؤالٍ مقدَّرٍ ناشئ من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة، على أنَّ المراد بالآيات ما تُلي آنفًا ونظائرُه، وبالصَّرف عنها: إزالةُ المتكبِّرين عن مقام معارضتها وممانعتها؛ لوقوع أخبارها وظهورِ أحكامها وآثارها بإهلاكِهم على يد موسى أو يُؤْشَع عليهما السلام، كأنَّه قيل: كيف نرى(٣) دارَهم وهم فيها؟ فقيل لهم: سأُهلكُهم، وإنَّما عَدَل إلى الصَّرف ليزدادوا ثقةً بالآيات واطمئنانًا بها . وعلى هذين القولين يكونُ الكلامُ مع موسى عليه السلام، والآيةُ متعلِّقةٌ إما بقوله سبحانه: ((سأريكم)) وإمَّا بما تقدَّمه على الوجه الذي أُشير إليه آنفًا . وجوَّز الطّبيُّ كونَها مثَّصلةً بقوله تعالى: ((وأمر)) إلخ، على معنى أن(٤) الأمر كذلك، وأما الإراءة(٥) فإني سأصرفُ عن الأخذ بآياتي أهلَ الطَّبع والشَّقاوة. (١) البيت لإبراهيم بن هَرْمَة، وصدره كما في ديوانه ص٢٣٩ : وأنني حيثما يُشْرِي الهوى بصري. (٢) تفسير أبي السعود ٢٧١/٣-٢٧٢. (٣) في (م): ترى، والمثبت من الأصل، وجاء في تفسير أبي السعود: يرون. (٤) قوله: أن، ليس في (م). (٥) في (م): الإرادة، ولم تجود في الأصل، والمثبت هو الصواب. الآية : ١٤٦ ٣٦٧ سُورَةُ الأَغْرَافِ وقيل: الكلامُ مع كافري مكة، والآية متَّصلةٌ بقوله عزَّ شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ الآية [١٠٠]، وإيرادُ قصَّة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار، أي: سأصرفُ المتكبِّرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا، كما فعل فرعونُ فعاد عليه فعلُه بعكس ما أراد. وقيل: إن الآيةَ - على تقدير كونِ الكلام مع قوم رسول الله وَّرِـ اعتراضٌ في خلال ما سَبَقَ؛ للاعتبار، ومن حقِّ مَنْ ساق قصةً له أن يُنبِّه على مكانه كلما وجدَ فرصةً التمگن منه. وتقديم الجارِّ والمجرور على المفعول الصَّريح لإظهار الاعتناء بالمقدّم، والتشويقِ إلى المؤشّر، مع أن في المؤشّر نوعَ طولٍ يخلُّ تقديمُه بتجاوبٍ أطراف النَّظم الجليل. واحتجَّ بالآية بعضُ أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصدُّ عنه، وهو ظاهرٌ على تقدير أَنْ يُراد بالصَّرف المنعُ عن الإيمان، وليس بمتعيِّن كما علمت. وقد خاض المعتزلة في تأويلها، فأوَّلوها بوجوهٍ ذكرها الطبرسيُّ(١). ﴿ِغَيْرِ الْحَقُّ﴾ إما صلةٌ للتكبُّر على معنى: يتكبَّرون ويتعزَّزون بما ليس بحقٌّ، وهو دينهم الباطل، وظلمُهم المفرِطُ، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعله، أي: يتكَّرون ملتبسين بغير الحقِّ، ومالُه: يتكبَّرون غيرَ محقِّين؛ لأن التكبُّر بحقِّ ليس إلا لله تعالى، كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ◌ُه: ((الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني في واحدٍ منهما قذفتُه في النَّار))(٢) . وقيل: المراد أنهم يتكبَّرون على من لا يتكبَّر، كالأنبياء عليهم السلام؛ لأنه الذي يكونُ بغير حقِّ، وأما التكبُّر على المتكبِّر فهو بحقِّ، لما في الأثر: التكبُّر (١) في مجمع البيان ٢١/٩-٢٢. (٢) سنن أبي داود (٤٠٩٠)، وأخرجه أحمد (٧٣٨٢)، وابن ماجه (٤١٧٤). وهو عند مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، بنحوه. سُورَةُ الأَغْرَافِ ٣٦٨ الآية : ١٤٦ على المتكبِّر صدقةٌ(١). وأنت تعلمُ أنَّ هذا صورةُ تكبُّرٍ لا تكبُّرٌ حقيقةً، فلعلَّ مرادَ هذا القائل أنَّ التقييد بما ذُكر لإظهار أنهم يتكبَّرون حقيقةً. ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ ◌َايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ﴾ عطفٌ على ((يتكبَّرون)) داخلٌ معه في حكم الصِّلة، والمرادُ بالآية إما المنزلةُ، فالمرادُ برؤيتها مشاهدتُها، والإحساسُ بها بسماعها، أو ما يعمُّها وغيرها من المعجزات، فالمراد برؤيتها مطلقُ المشاهدة المنتظِمَةِ للسماع والإبصار. وفسَّر بعضُهم الآياتِ فيما تقدَّم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس، والآيةَ هنا بالمنزلةِ أو المعجزة؛ لئلا يتوهّم الدَّوْر على ما قيل، فليُفهم. وجُوِّز أن يكون عطفًا على ((سأصرفُ)) للتعليل، على منوال قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] على رأي صاحب ((المفتاح))(٢). وأيًّا ما كان فالمرادُ عمومُ النفي، لا نفيُ العموم، أي: كفروا بكلِّ آيةٍ آية . ﴿وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: طريقَ الهدى والسَّداد ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا يتوجَّهون إليه، ولا يسلكونَه أصلاً؛ لاستيلاء الشَّيطنة عليهم. وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: (الرَّشَد)) بفتحتين(٣)، وقُرئ: ((الرَّشَاد))(٤). وثلاثُها لغاتٌ كالسُّقْم، والسَّقَم، والسَّقَام، وفرَّقَ أبو عمرو - كما قال الجُبَّائيُّ - بين الرُّشْد والرَّشَد بأن الرُّشْد بالضمّ: الصَّلاحُ في الأمر، والرَّشَد بالفتح: الاستقامةُ في الدِّين، والمشهورُ عدمُ الفرق. (١) لم نقف عليه مسندًا، ولا منسوبًا لأحد، وقد أورده العجلوني في كشف الخفاء ٣٧٤/١، وقال: نقل القاري عن الرازي أنه كلام، ثم قال: لكن معناه مأثور. اهـ. وقد نقل ابن الملقن في طبقات الأولياء ص ١١٢ قول بشر الحافي: التكبر على المتكبر من التواضع. (٢) قال السكاكي في مفتاح العلوم ص٢٧٨: يحتمل عندي أنه أخبر تعالى عما صنع بهما، وأخبر عما قالا، كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد تفويضًا، استفادت (يعني الواو في ((وقالا))) ترتب الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع. (٣) وكذلك قرأ بها خلف. التيسير ص١١٣، والنشر ٣٧٢/٢. (٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦ لعليّ ◌َلُه. الآية : ١٤٧ ٣٦٩ سُورَةُ الأَغرافِ ﴿وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْفِيَ﴾ أي: طريقَ الضَّلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: يختارونَه لأنفسهم مسلكًا مستمرًّا لا يكادون يعدلون عنه؛ لموافقته لأهوائهم، وإفضائه بهم إلى شهواتهم. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من التكبُّر، وعدم الإيمان بشيء من الآيات، وإعراضهم عن سبيل الهدى، وإقبالهم التامّ إلى سبيلَ الضَّلال حاصلٌ ﴿بِأَنَهُمْ﴾ أي: بسبب أنَّهم ﴿كَذَّبُواْ بِتَايَتِنَ﴾ الدَّالَّة على بطلان ما اتَّصفوا به من القبائح، وعلى حقِّيةِ أضدادها ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ ﴾﴾ غيرَ معتدِّين بها، فلا يتفكّرون فيها، وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل. وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يكون ((ذلك)) إشارةً إلى الصَّرف، وما فيه من البحث يُدفَع بأدنى عنايةٍ كما لا يخفى على من مدَّت إليه العنايةُ أسبابَها . وأيًّا ما كان فاسم الإشارة مبتدأٌ، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ خبرًا عنه كما أشرنا إليه. وقيل: محلُّ اسم الإشارة النصبُ على المصدر، أي: سأصرِفُهم ذلك الصَّرفَ بسبب تكذيبهم بأَياتنا، وغفلتهم عنها. ولا مانعَ من كون العامل ((أصرفُ)) المقدَّم؛ لأنَّ الفاصِلَ ليس بأجنبيٍّ. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُرْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآءِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: لقائهم الدارَ الآخرة، على أنه من إضافة المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، أو لقائهم ما وعدَه الله تعالى في الآخرة من الجزاء، على أنَّ الإضافة إلى الظرف على التوسُّع، والمفعولُ مقدَّر كالفاعل، ومحلُّ الموصول في الاحتمالين الرفعُ على الابتداء، وقوله تعالى: ﴿حَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ خبرُه، أي: ظهر بطلانُ أعمالهم التي كانوا عملوها من صلة الأرحام وإغاثة الملهوفين بعد ما كانت مرجوَّةَ النفع على تقدير إيمانهم بها، وحاصلُه أنهم لا ينتفعون بأعمالهم، وإلا فهي أعراضٌ لا تَحبَطْ حقيقةً. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي: لا يجزَون يوم القيامة ﴿إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أي: إلا جزاءَ ما استمرُّوا على عمله من الكفر والمعاصي. وتقديرُ هذا المضاف لظهور أن المُجْزى ليس نفسَ العمل. وقيل: إنَّ أعمالَهم تظهرُ في صور ما يُجزون به، فلا حاجةً إلى التقدير. وهذه الجملةُ مستأنفةٌ، وقيل: هي الخبرُ، والجملةُ السابقةُ في موضع الحال بإضمار قد. سُورَةُ الأَغَرَافِ ٣٧٠ الآية : ١٤٨ واحتجَّت الأشاعرةُ ـ على ما قيل - بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم: إن تاركَ الواجب يستحقُّ العقابَ وإن لم يصدر عنه فعل الضِّدِّ؛ لأنها دَلَّت على أنه لا جزاءَ إلا على عمل، وتردُ الواجب ليس به. وأجاب أبو هاشم بأني لا أسمِّ ذلك العقابَ جزاءً. ورُدَّ بأن الجزاءَ ما يجزي - أي: يكفي ـ في المنع عن المنهيِّ عنه، والحثِّ على المأمور به، والعقابُ على ترك الواجب كافٍ في الزَّجر عن ذلك الترك، فكان جزاءً. ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ذهابه إلى الجبل لمناجاة ربه سبحانه ﴿مِنْ حُلِهِمْ﴾ جمع حَلْي، كثَدْىٍ وتُدِيٍّ: وهو ما يُتَّخذ للزينة، ويُتُحلَّى به من الذهب والفضة. والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ((اتَّخذ))، كـ ((من بعده)) من قبله، ولا ضيرَ في ذلك؛ لاختلاف معنى الجارّين؛ فإنَّ الأول للابتداء، والثاني للتبعيض، وقيل: للابتداء أيضًا، وتعلُّقه بالفعل بعد تعلُّق الأول به واعتبارِه معه. وقيل: الجارُّ الثاني متعلِّق بمحذوفٍ وقع حالاً مما بعده؛ إذ لو تأخّر لكان صفةً له. وإضافةُ الحُليّ إلى ضمير القوم لأدنى ملابسةٍ؛ لأنها كانت للقِبط، فاستعاروها منهم قُبيل الغرق، فبقيت في أيديهم، وقيل: إنها على ما يتبادَرُ منها، بناءً على أنَّ القوم مَلَكوها بعد أن ألقاها البحرُ على السَّاحل بعد غرق القِبْط، أو بعد أن استعاروها منهم وهلكوا. قال الإمام: رُوي أنه تعالى لمَّا أراد إغراقَ فرعون وقومِه لِعِلْمِهِ أنَّه لا يؤمنُ أحدٌ منهم، أمَرَ موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حُلِيَّ القِبْط؛ ليخرجوا خلفَهم لأجل المال، أو لتبقى أموالُهم في أيديهم (١). واستُشكل ذلك بكونه أمرًا بأخذ مال الغير بغير حقٍّ، وإنما يكون غنيمةً بعد الهلاك، مع أنَّ الغنائم لم تكن حلالاً لهم؛ لقوله ◌ََّ: ((أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ قبلي: أُحلَّتْ لي الغنائمُ)) الحديث(٢). على أن ما نقل عن القوم في سورة (طه)) من قولهم: ﴿حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [الآية: ٨٧] يقتضي عدم الحِلِّ أيضًا. (١) تفسير الرازي ٣/ ٧٠ . (٢) أخرجه أحمد (١٤٢٦٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الآية : ١٤٨ ٣٧١ سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ وأُجيب بأنَّ لك(١) أن تقول: إنهم لمَّا استعبدوهم بغير حقِّ، واستخدموهم، وأخذوا أموالهم، وقتلوا أولادهم، ملَّكهم الله تعالى أرضَهم وما فيها، فالأرضُ لله تعالى يُورِثُها من يشاءُ من عباده، وكان ذلك بوحي من الله تعالى لا على طريق الغَنِيمة، ويكون ذلك على خلاف القياس، وكم من الشَّرائع مثلُه. والقولُ المحكيُّ سيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه. وهذه الجملةُ - كما قال الطَّبيُّ - عطفٌ على قوله سبحانه: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى﴾ عطفَ قصَّةٍ على قصَّة. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((حِلِيِّهم)) بكسر الحاء إتباعًا لكسرِ اللام(٢)، كدِليٍّ، وبعضُ: ((حَلْيِهِم))(٣) على الإفراد. وقوله سبحانه: ﴿عِجْلًا﴾ مفعولُ ((اتَّخذ)) بمعنى صاغ وعمل، أُخِّر عن المجرور لما مرَّ آنفًا. وقيل: إنَّ ((اتّخذ)) متعدٍّ إلى اثنين، وهو بمعنى صيَّر، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي: إلهًا . والعجل: ولد البقر خاصَّةً، وهذا كما يقال لولد الناقة: حُوَار، ولولد الفرس: مُهْر، ولولد الحمار: جَحْش، ولولد الشاة: حَمَل، ولولد العنز: جَدْي، ولولد الأسد: شِبْل، ولولد الفيل: دَغْفَل، ولولد الكلب: جَرْو، ولولد الظَّبي: خِشْف، ولولد الأُرْوِيَّة(٤): غُفْر، ولولد الضَّبُع: فُرْعُل، ولولد الدبِّ: دَيْسَم، ولولد الخِنزير: خِنَّوْص، ولولد الحيَّة: حِرْبِش، ولولد النَّعام: رَأْل، ولولد الدجاجة: فرُّوج، ولولد الفأر: دَرْص، ولولد الضَّبِّ: حِسْل، إلى غير ذلك، والمرادُ هنا ما هو على صورةٍ العجل. وقوله تعالى: ﴿جَسَدًا﴾ بدلٌ من ((عجلاً))، أو عطفُ بيانٍ، أو نعتٌ له بتأويل متجسِّدًا، وفُسِّر ببدنٍ ذي لحم ودم، قال الراغبُ(٥): الجسد كالجسم، لكنَّه أخصُّ (١) في (م): ذلك. (٢) التيسير ص ١١٣، والنشر ٢٧٢/٢ . (٣) وهي قراءة يعقوب. النشر ٢/ ٢٧٢. (٤) الأُرْوِيَّة، بالضم والكسر: أنثى الوعول. القاموس المحيط (روي). (٥) في مفردات ألفاظ القرآن (جسد). سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٣٧٢ الآية : ١٤٨ منه، وقيل: إنه [لا](١) يقال لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، ويقال أيضًا لما له لونٌ، والجسمُ لما لا يَبينُ له لونٌ کالھواء، ومن هنا - على ما قيل - قيل للزَّعفران: الجِسَاد، ولِمَا أُشبعَ صبغُه من الثياب: مُجْسَد، وجاء المُجْسَد أيضًا بمعنى الأحمر، وبعضٌ فسَّر الجسد به هنا فقال: أي: أحمرُ من ذهب. ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ هو صوتُ البقر خاصَّةً، كالتُّغاء للغنم، واليُعار للمعز، والنَّبِيْب للتَّيس، والنباح للكلب، والزَّئير للأسد، والعُوَاء والوَعْوَعَة للذئب، والصُّباح للثعلب، والقُبَاع للخِنْزير، والمُوَاء للهرة، والنَّهِيق والسَّحِيل للحمار، والصَّهيل والضَّبْحِ والقَبْع(٢) والحَمْحَمَة للفرس، والرُّغاء للناقة، والصَّنِيُّ(٣) للفيل، والبُغَام(٤) للظَّبي، والضَّغِيب(٥) للأرنب، والعِرَار للَّلِيم، والصَّرْصَرة للبازيِّ، والغقفقة(٦) للصقر، والصَّفير للنَّسر، والهَدِير للحمام، والسَّجْع للقُمْريِّ، والسَّفْسَقة للعصفور، والنَّعِيق والنَّعِيب للغراب، والصُّقاعُ(٧) والزُّقاء للدِّيك، والقَوْقاء والنَّقْنَقة(٨) للدجاجة، والفَحيح للحية، والنَّقيق للضفدع، والصَّيءُ(٩) للعقرب والفأرة، والصَّرِير للجراد، إلى غير ذلك. (١) ما بين حاصرتين سقط من الأصل و(م)، والمثبت من مفردات ألفاظ القرآن (جسد)، والعين للخليل ٦/ ٤٧، وهذا قوله. (٢) تحرفت في الأصل و(م) إلى: القنع. قال في تاج العروس (قبع): القَبْع: صوت يردُّه الفرس من منخريه إلى حلقه، ولا يكاد يكون إلا نفارًا، أو شيء يتقيه ويكرهه. (٣) تحرفت في الأصل و(م) إلى الصني. والتصحيح من تهذيب اللغة ١٢ / ٢٦٤، والصحاح (صأي). (٤) في الأصل: التغمم، وفي (م): البتغم. والمثبت هو الصواب؛ يقال: بَغَم الظّبي، يَبْغَم، بُغَامًا وبُغُومًا. انظر الفرق لقُطْرُب ص ١٦٠، والصحاح (بغم)، والمخصص لابن سيده ٢٦/٨ . (٥) تحرفت في الأصل و(م) إلى الضعيب، بالعين المهملة. والمثبت من الفرق لقطرب ص١٦١، والمخصص ٧٨/٨. (٦) تحرفت في الأصل إلى: القعقعة. وفي (م) إلى: العقعقة، والمثبت من تهذيب اللغة ٢٩/١٦، والمخصص ٨/ ١٣٣ . (٧) تحرفت في الأصل و(م) إلى: الصقاء، والمثبت من المخصص ١٣٥/٨، وفقه اللغة ص ١٩٧ . (٨) تحرفت في الأصل إلى: التقيقة، وفي (م) إلى: النقيقة، والمثبت من الفرق لقطرب ص١٦٥، وفقه اللغة ص١٩٧ . (٩) وكذلك يقال: الصَّئِيُّ، كما يقال للفيل. انظر: العين ١٧٥/٧، والفرق لقطرب ص١٦١، وتهذيب اللغة ٢٦٤/١٢، وفقه اللغة ص ١٩٧ . الآية : ١٤٨ ٣٧٣ سُوَرَّةُ الْأَغْرَافِ وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنه قرأ: ((جُؤَار)) بجيم مضمومةٍ وهمزةٍ(١)، وهو الصَّوت الشَّديد، ومثلُه الصِّياح والصُّراخ. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ وقع خبرًا مقدَّمًا، و((خوار)) مبتدأٌ، والجملةُ في موضع النَّعت لـ ((عجلاً)). رُوي أن السامريَّ لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام، فصار حيًّا، وذكر بعضُهم في سرِّ ذلك أن جبريل عليه السلام لكونه الرُّوح الأعظم سَرَتْ قوةٌ منه إلى ذلك التراب أَثَّرت ذلك الأثرَ بإذن الله تعالى لأمرٍ يريدُه عز وجل، ولا يلزم من ذلك أَنْ يحيا ما يطؤه بنفسه عليه السلام؛ لأنَّ الأمر مربوطٌ بالإذن، وهو إنما يكون بحسَبِ الحِكَم التي لا يعلمها إلا الحكيم الخبير، فتدبّر. وإلى القول بالحياة ذهب كثيرٌ من المفسرين، وأُيِّد بأن الخُوار إنما يكون للبقر لا لصورته، وبأنَّ ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة ((طه)) كالصَّريح فيما دلَّ عليه الخبر. وقال جمعٌ من مفسِّري المعتزلة: إنَّ العجلَ كان بلا روحٍ، وكان السامريُّ قد صاغَه مجوَّفًا، ووضع في جوفه أنابيبَ على شكلٍ مخصوصً، وجعله في مهبّ الرِّيح، فكانت تدخُلُ في تلك الأنابيب، فيُسمَعُ لَها صوتٌ يشبه خُوارَ العجل، ولذلك سُمي خوارًا. وما في ((طه)) سيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ فيه. واختُلف في هذا الخوار؛ فقيل: كان مرَّةً واحدةً، وقيل: كان مرَّاتٍ كثيرة، وكانوا كلَّما خار سجدوا له، وإذا سكتَ رفعوا رؤوسَهم، وعن السُّدِّي أنه كان يخورُ ويمشي، وعن وَهْبٍ نفيُ الحركة، والآيةُ ساكتةٌ عن إثباتها، وليس في الأخبار ما يعوَّل عليه، فالتوقُّفُ عن إثباتِ المشي أَولى، وليست هذه المسألةُ من المهمَّات. وإنَّما نُسب الاتِّخاذُ إلى قوم موسى عليه السلام وهو فعل السامريِّ؛ لأنهم رَضُوا به، وكثيرًا ما يُنسب الفعل إلى قوم مع وقوعه من واحد منهم، فيقال: قتل بنو فلان قتيلاً، والقاتل واحدٌ منهم. (١) الكشاف ١١٨/٢، ونسبها ابن خالويه ص٤٦ إلى أبي السّمال. سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ ٣٧٤ الآية : ١٤٨ وقيل: لأنَّ المراد اتِّخاذهم إِيَّاه إلهًا، فالمعنى: صَيَّرُوه إلهًا وعَبَدوه، وحينئذٍ لا تجوُّزَ في الكلام؛ لأنَّ العبادة له وقعتْ منهم جميعًا، قال الحسن: كلُّهم عبدوا العجلَ إلا هارون عليه السلام، واستثنى آخرونَ غيرَه معه. وعلى القول الأول قيل: لابدَّ من تقدير: فعبدوه؛ ليكون ذلك مصبَّ الإنكار؛ لأنَّ حرمةَ التصوير حدثَتْ في شرعنا على المشهور، ولأنَّ المقصودَ إنكارُ عبادته. ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريعٌ لهم، وتشنيعٌ على فَرْط ضلالهم، وإخلالهم بالنَّظر، أي: ألم يروا أنه لا يقدِرُ على ما يقدِرُ عليه آحادُ البشر من الكلام وإرشاد السبيل بوجهٍ من الوجوه، فكيف عَدَلوه بخالقِ الأجسام والقوى والقُدَر. وجعلَه بعضُهم تعريضًا بالإله الحقِّ، وكلامِه الذي لا ينفَدُ، وهدايته الواضحة التي لا تُجحَد، وقيل: إنه تعريضٌ بالله تعالى، وبكلامه مع موسى عليه السلام وهدايته لقومه. ﴿أَتَّخَذُوهُ﴾ تكرارٌ لجميع ما سلف من الاتِّخاذ على الوجهِ المخصوص المشتمل على الذمِّ(١)، وهو من باب الكناية على أسلوب: أن يَرى مُبْصِرٌ ويسمَعَ واعٍ(٣) أي: أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر. ﴿وَكَانُوْ ظَلِمِينَ (٣)﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ، أي: إنَّ دأبَهم قبل ذلك الظلمُ، ووضعُ الأشياء في غير موضعها، فليس بِبِدْع منهم هذا المنكر العظيم، وكرَّر الفعل (١) في هذا إشارة إلى أنه متعد لمفعولين، ذكر الأول، وقدر الثاني، أي: اتخذوه إلهًا. انظر حاشية الشهاب ٢١٩/٤. (٢) البيت للبحتري من قصيدة يمدح بها المعتز بالله بن المتوكل على الله، ويعرِّض بالمستعين بالله أحمد بن المعتصم. وصدره كما في الديوان ٢/ ١٢٤٤: شَجْوُ حُسَّاده وغيظُ عِدَاهُ. يقول: إن محاسن الممدوح وفضائله يكفي في معرفة أنها سببٌ لاستحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع، فحسَّاده وأعداؤه يتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها، كي يخفى استحقاقه للإمامة. فجعل مطلق الرؤية كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره، فهذا نوع من الكناية تَذْكُر فيه الفعلَ وفي نفسك له مفعول مخصوص قد عُلم مكانه إما بجَرْىٍ ذكرٍ أو دليلٍ حالٍ، وينظر تفصيل هذه المسألة في دلائل الإعجاز ص ١٥٥ - ١٥٦، والإيضاح في علوم البلاغة ١/ ١٠٤ . الآية : ١٤٩ ٣٧٥ سُورَةُ الأَّغَرَافِ ليبنيَ عليه ذلك. وقيل: الجملةُ في موضع الحال، أي: اتَّخذوه في هذه الحالة المستمرَّة لهم. ﴿وَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ﴾ أي: ندموا كما رُوي عن ابن عباس ◌ًَّا، وجعلَه غيرُ واحدٍ كنايةً عن شدَّةِ الندم وغايته؛ لأنَّ النادمَ إذا اشتدَّ ندمُه عضَّ يده غمًّا، فتصيرُ يدُه مسقوطًا فيها، وأصلُه: سَقَطَ فُوه - أو عضُّه - في يده، أي: وقع، ثم حُذف الفاعلُ وبُني الفعلُ للمفعول به، فصار سُقط في يده، كقولك: مُرَّ بزید. وقرأ ابنُ السَّميفع: ((سَقَطَ)) بالبناء للفاعل على الأصل(١). واليدُ على ما ذُكر حقيقة. وقال الزجَّاج: معناه: سقط النَّدم في أنفسهم (٢)، وجعل القطب ذلك من باب الاستعارة التمثيلية، حيث شبَّه حالَ النَّدم في النفس بحال الشَّيء في اليد في التحقيق والظّهور، ثم عبَّر عنه بالسُّقوط في اليد، ولا لُظْفَ للاستعارة التصريحية فيه. وقال الواحديُّ: إنه يقال لما حصلَ وإن لم يكن في اليد: وقَعَ في يده، وحصَلَ في يده مكروهٌ، فيُشَبَّه ما يحصُل في النفس وفي القلب بما يُرى بالعين. وخُصَّت اليد لأنَّ مباشرةَ الأمور بها، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، أو لأنَّ الندم يظهرُ أثرُه بعد حصوله في القلب في اليد؛ لعضِّها، والضَّربِ بها على أُختها، ونحو ذلك، فقد قال سبحانه في النادم: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَقَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ [الفرقان: ٢٧]. وقيل: من عادة النادم أن يُطأطئَ رأسَه، ويضَعَ ذقنَه على يده بحيث لو أزالها سقَطَ على وجهه، فكأنَّ اليدَ مسقوطٌ فيها. و((في)) بمعنى على. (١) البحر ٣٩٤/٤، ونسبها ابن خالويه ص٤٦ لليماني. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢، وفيه: سقط الندم في أيديهم. وكذا نقله عنه الزمخشري وابن الجوزي وأبو حيان والنسفي في تفاسيرهم، وما ذكره المصنف هو شرح لكلامه، فقد قال الزمخشري في الكشاف ١١٨/٢ إثر كلام الزجاج: أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويُرى في النفس. سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ ٣٧٦ الآية : ١٤٩ وقيل: هو من السِّقاط: وهو كثرةُ الخطأ. وقيل: من السَّقِيط: وهو ما يَغْشى الأرضَ بالغَدَوات شِبْه الثلج لا ثباتَ له، فهو مثَلٌ لمن خسِرَ في عاقبته، ولم يحصُل على طائلٍ من سعيه . وعدَّ بعضُهم ((سقط)) من الأفعال التي لا تتصرَّف، كنعم وبئس. وقرأ ابنُ أبي عَبْلة: ((أُسْقِط)) على أنه رباعيٍّ مجهول(١)، وهي لغةٌ نقلَها الفَرَّاءُ والزجَّاج(٢). وذكر بعضُهم أنَّ هذا التركيبَ لم يُسمع قبل نزول القرآن، ولم تعرفْه العربُ، ولم يوجد في أشعارهم وكلامهم، فلذا خفي على الكثير وأخطؤوا في استعماله، كأبي حاتم، وأبي نُوَاس، وهو العالم النِّحرير(٣)، ولم يعلموا ذلك، ولو علموه لسُقِط في أيديهم. ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُوا﴾ أي: تبيَّنوا ضلالَهم باتِّخاذهم العجلَ وعبادته تبيّنًا كأنَّهم قد أبصروه بعيونهم. قيل: وتقديمُ ذِكْر ندمهم على هذه الرؤية مع كونه متأخِّرًا عنها للمسارعة إلى بيانه، والإشعارِ بغاية سرعته، كأنه سابقٌ على الرؤية. وقال القطب في بيان تأخّر تبيَّنِ الضَّلال عن الندم مع كونه سابقًا عليه: إنَّ الانتقال من الجزم بالشيء إلى تبيَّن الجزم بالنقيض لا يكون دفعيًّا في الأغلب، بل إلى الشكِّ، ثم الظنِّ بالنقيض، ثم الجزم به، ثم تبيُّنْه، والقومُ كانوا جازمين بأنَّ ما هم عليه صوابٌ، والندمُ عليه ربما وقع لهم في حال الشكِّ فيه، فقد تأخّر تبيُّنُ الضَّلال عنه. انتهى. فافهم ولا تغفَلْ. ﴿قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بإنزالِ التوبة المكفِّرة ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بالتجاوزِ عن خطيئتنا . (١) البحر المحيط ٤ /٣٩٤. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٩٣/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢. (٣) ينظر ما أخطأا فيه في هذه المسألة في الدر المصون ٤٦٢/٥. الآية : ١٥٠ ٣٧٧ سُورَةُ الأَّغَرَافِ وتقديمُ الرحمة على المغفرة مع أنَّ التخليةَ حقُّها أن تقدَّم على التَّحلية؛ قيل: إمَّا للمسارعة إلى ما هو المقصودُ الأصليُّ، وإمَّا لأنَّ المرادَ بالرحمة مطلقُ إرادةٍ الخير بهم، وهو مبدأ لإنزال التوبة المكفِّرة لذنوبهم. واللام في (لئن)) موظّئة للقسم، أي: والله لئن .. إلخ، واللامُ في قوله سبحانه: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ لجوابِ القَسَم، كما هو المشهور. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((تَرْحمنا))، و((تَغْفر لنا)) بالتاء الفوقية، و((ربَّنا)) بالنَّصب على النداء(١). وما حُكي عنهم من النَّدامة والرؤية والقولِ كان بعد رجوع موسى عليه السلام من الميقات، كما ينطِقُ به ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ((طه))، وقُدِّم ليتَصِلَ ما قالوه بما فعلوه. ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ﴾ ممَّا حدَثَ منهم ﴿أَسِفًا﴾ أي: شديد الغضب كما قال أبو الدرداء، ومحمد القُرَظيُّ، وعطاء، والزجَّاج(٢). أو حزينًا على ما رُوي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة وقال أبو مسلم: الغضبُ والأسفُ بمعنّى، والتكريرُ للتأكيد. وقال الواحديُّ: هما متقاربان، فإذا جاءك ما تكره ممَّن هو دونَك غضبتَ، وإذا جاءك ممَّن هو فوقَك حزنتَ، فعلى هذا كان موسى عليه السلام غضبانَ على قومه باتِّخاذهم العجلَ، حزينًا لأنَّ الله تعالى فتنَهم، وقد أخبَرَه سبحانه بذلك قبل رجوعه . ونصَبَ الوصفين على أنَّهما حالان مترادفان، أو متداخلان؛ بأن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الأول، وجوَّزَ أبو البقاء(٣) أن يكون بدلاً من الحال الأولى، وهو بدلُ كلٍّ لا بعضٍ كما تُوُهِّم. (١) التيسير ص١١٣، وزاد في النشر ٢/ ٢٧٢ نسبتها لخلف. (٢) في معاني القرآن ٣٧٨/٢. (٣) في إملاء ما من به الرحمن ٦٤/٣ . سُورَةُ الأَغَرَافِ ٣٧٨ الآية : ١٥٠ ﴿قَالَ بِتْسَمَا خَلَفْتُهُنِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ خطابٌ إما لعَبَدة العجل، وإما لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين، أي: بئسما فعلتُم بعد غَيبتي، حيثُ عبدتُم العجلَ بعد ما رأيتُم منِّي من توحيد الله تعالى، ونفي الشُّركاء عنه سبحانه، وإخلاص العبادة له جلَّ جلاله، أو: بئسما قمتُم مقامي حيث لم تُراعوا عَهْدي، ولم تكفُّوا العَبَدةَ عمَّا فعلوا بعدما رأيتُم مني من حَمْلهم على التوحيد، وكفِّهم عما طَمَحَتْ نحوَه أبصارُهم من عبادة البقر حين قالوا: ((اجعَلْ لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ)). وجُوِّز أن يكون (١) الخطابُ للفريقين، على أنَّ المراد بالخلافة الخلافةُ فيما يعمُّ الأمرين اللذين أُشير إليهما . ولا تكرار في ذكر ((من بعدي)) بعد ((خلفتموني))؛ لأنَّ المراد: من بعد ولايتي وقيامي بما كنتُ أقوم؛ إذ بعديَّتُه على الحقيقة إنَّما تكون - على ما قيل - بعد فراقِهِ الدُّنيا . وقيل: إنَّ (من بعدي)) تأكيدٌ من باب: رأيتُه بعيني، وفائدتُه تصويرُ نيابة المستخلِف، ومزاولة سيرته، كما أن هنالك تصوير الرؤية وما يتَّصل بها . و((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ مفسِّرة لفاعل ((بئس)) المستكِنِّ فيه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: بئس خلافةً خلفتمونيها من بعدي خلافتُكم، والذمُّ فيما إذا كان الخطاب لهارون عليه السلام ومَنْ معه من المؤمنين ليس للخلافة نفسها، بل لعدم الجَرْي على مقتضاها، وأما إذا كان للسامريِّ وأشياعِه فالأمر ظاهر. ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِّكُمْ﴾ أي: أعجِلتُم عمَّا أمرَكم به ربُّكم، وهو انتظار موسى عليه السلام حالَ كونهم حافظين لعهده وما وصَّاهم به، فبنيتُم الأمرَ على أنَّ الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجِعْ إليكم، فحدَّثتُم أنفسَكم بموتي فغيّرتُم . رُوي أنَّ السامريَّ قال لهم حين أخرَجَ لهم العجلَ، وقال: إنَّ هذا إلهكم وإله موسى: إن موسى لن يرجِعَ، وإنه قد مات. ورُوي أنهم عدُّوا عشرين يومًا بلياليها، فجعلوها أربعينَ، ثم أحدثوا ما أحدثوا . (١) بعدها في (م): على. الآية : ١٥٠ ٣٧٩ سُورَةُ الأَغْرَافِ والمعروف تعدِّي ((عَجِلَ)) بـ ((عن))، لا بنفسه، فيقال: عَجِل عن الأمر: إذا تركَه غيرَ تامٌّ، ونقيضُه: تمَّ عليه، وأعجَلَه عنه غيرُه، وضمَّنوه هنا معنى السَّبق، وهو كنايةٌ عن الترك، فتعدَّى تعديَتَه، ولم يُضمَّن ابتداءً معنى الترك لخفاء المناسبة بينهما وعدم حُسْنها. وذهب يعقوبُ(١) إلى أن السَّبق معنى حقيقيّ له من غير تضمين. والأمر واحدُ الأوامر. وعن الحسن أن المعنى: أعجِلتُم وعدَ ربِّكم الذي وعدكم من الأربعين. فالأمر عليه واحدُ الأمور. والمرادُ بهذه الأربعين - على ما ذكره الطَّبيُّ - غيرُ الأربعين التي أشار الله تعالى إليها بقوله سبحانه: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وسيأتي تتمةُ الكلام في ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى. ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: وضَعَها على الأرض، كالطَّارح لها، ليأخُذَ برأس أخيه مما عَرَاه من فَرْط الغَيْرة الدينية، وكان عليه السلام شديدَ الغضب لله سبحانه؛ فقد أخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان إذا غضب اشتعلَتْ قَلَتْسُوتُه نارًا(٢). وقال القاضي ناصرُ الدِّين: أي: طرَحَها من شدةِ الغضبِ وفَرْط الضَّجْرة حميَّةً للدِّين، ثم نَقَل أنه انكسر بعضُها حين ألقاها(٣). واعترَضَ عليه أفضلُ المتأخرين شيخُ مشايخنا صبغةُ الله أفندي الحَيْدريُّ بأنَّ الحميَّةَ الدِّين إنما تقتضي احترامَ كتاب الله تعالى، وحمايتَه أن يلحَقَ به نقصٌ أو هوانٌ، بحيث تنكسر ألواحُه، ثم قال: والصَّواب أن يقال: إنه عليه السلام لفَرْط حميّته الدينية وشدَّة غضبِه لله تعالى لم يتمالَكْ ولم يتماسك أن وقعت الألواح من (١) هو ابن السكيت، وكلامه في إعراب القرآن للنحاس ١٥١/٢، وحاشية الشهاب ٢٢١/٤، وعنه نقل المصنف. (٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٢٧/٣، ونسبه إلى أبي الشيخ. والخبر لو صح سنده فظاهره ظاهر البطلان، وفيه احتمال إرادة المجاز، وأنه من باب المبالغة في وصف شدة غضب موسى عليه السلام. (٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٢١/٤. سُورَةُ الأَّغَافِ ٣٨٠ الآية : ١٥٠ يده بدون اختيارٍ، فنزَّل ترك التحقُّظِ منزلةَ الإلقاء الاختياريِّ، فعبَّر به تغليظًا عليه عليه السلام؛ فإنَّ حسناتِ الأبرار سيِّئَاتُ المقرَّبين. انتهى. وتعقَبه العلامةُ صالح أفندي الموصليُّ عليه الرحمةُ بأنَّه لا يخفى أنَّ هذا الإيراد إنّمَّا نشأَ من جعل قول القاضي: حميَّةً للدِّين، مفعولاً له لـ : طَرَحها، وهو غيرُ صحيح؛ فقد صرَّح في أوائل تفسيره لسورة ((طه)) (١) بأن الفعل الواحد لا يتعدّى لعلَّتين، وإنَّما هو مفعولٌ له لـ : شدَّة الغضب وفَرْط الضَّجْرة، على سبيل التنازع، والتوجيهُ الذي ذُكر للآية هو ما أراده القاضي، وتفسيرُه الإلقاء بالطّرح لا ينافي ذلك على ما لا يخفى. اهـ. وأقول: أنتَ تعلمُ أنَّ كونَ هذا التوجيه هو ما أراده القاضي غيرُ بيِّنٍ ولا مبيِّن، على أنَّ حديث كون التعبير بالإلقاء تغليظًا عليه عليه السلام منحظٌ عن درجة القَبول جدًّا؛ إذ ليس في السِّباق ولا في السِّياق ما يقضي بكون المقام عتاب موسى عليه السلام ليُفتى بهذا التَّغليظ نظرًا إلى مقامه وََّ، بل المقامُ ظاهرٌ في الحظّ على قومه، كما لا يخفى على مَنْ له أدنى حِّ من رفيع النَّظر، والذي يراه هذا الفقيرُ ما أشرنا إليه أوَّلاً، وحاصلُه أن موسى عليه السلام لما رأى من قومه ما رأى غضِبَ غضبًا شديدًا حميَّةً للدِّين، وغيرةً من الشِّرك بربِّ العالمين، فعجَّلَ في وَضْعِ الألواح لتَفْرُغَ يدُه فيأخُذَ برأس أخيه، فعبّر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعًا لفعل قومه، حيث كانت معاينته سببًا لذلك، وداعيًا إليه، مع ما فيه من الإشارة إلى شدَّة غيرته، وفَرْط حميَّته، وليس في ذلك ما يُتَوَهَّم منه نوعُ إهانةٍ لكتابِ الله تعالى بوجهٍ من الوجوه، وإنكسارُ بعض الألواح حصَلَ من فعلٍ مأذونٍ فيه، ولم يكن غرضَ موسى عليه السلام، ولا مرَّ بباله، ولا ظنَّ ترتُّبَه على ما فعل، وليس هناك إلا العَجَلةُ في الوضع، الناشئةُ من الغَيْرة لله تعالى، ولعلَّ ذلك من باب: ﴿وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى﴾ [طه: ٨٤]. واختلفت الرواياتُ في مقدار ما تكسَّر ورُفِع، وبعضُهم أنكر ذلك، حيث إنَّ ظاهر القرآن خلافُه. نعم أخرج أحمدُ وغيره، وعبد بن حُميد، والبزَّار، وابنُ (١) تفسير البيضاوي ١٨٩/٦.