Indexed OCR Text

Pages 301-320

الآية : ١٢٩
٣٠١
سُوَدَّةُ الأَغرافِ
وقيل: إنَّ نفسَ ذلك الإيعاد إيذاءٌ. وقيل: جُعِل إيعادُه بمنزلة فعلِه؛ لكونه
جبارًا. وقيل: أرادوا الإيذاءَ بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده.
وقيل: المراد ما كانوا يُستعبدون به ويُمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن.
وتُعقّب بأن ذلك لیس مما يلحقهم بواسطة موسی علیه السلام، فلیس لذِكْرہ کثیرُ
ملاءمةٍ بالمقام.
والظاهر أنه لا فرقَ بين الإتيان والمجيء، وأن الجمعَ بينهما لمجرَّد التفتُّن
والبعد عن التكرار اللفظيّ؛ فإنَّ الطباعَ مجبولةٌ على معاداة المُعادات، ولذلك جيء
بـ ((أَنْ)) المصدرية أولاً، وبـ ((ما)) أختها ثانيًا .
وذكر الجلال السيوطيُّ في الفرق بينهما: أن الإتيان يستعملُ في المعاني
والأزمان، والمجيء في الجواهر والأعيان. وهو غيرُ ظاهرٍ هنا إلا أن يُتكلَّف،
ونَقَّل عن الراغب في الفرق بينهما: أن الإتيانَ هو المجيءُ بسهولة، فهو أخصُّ من
مطلق المجيء(١). وهو كسابقه هنا أيضاً.
وهذا منهم جارٍ مجرى التحزُّن؛ لعدم الاكتفاء بما كنى لهم عليه السلام(٢).
لفرط ما عَرَاهم، وفظاعةِ ما اعتراهم، والمقامُ يقتضي الإطناب؛ فإنَّ شأن الحزين
الشاكي إطالةُ الكلام رجاء أن يُطفئ بذلك بعضَ الأُوام(٣).
وقيل: هو استبطاءٌ منهم لما وعدهم عليه السلام من النجاة والَّفَر.
والأولُ أولى؛ فقوله تعالى: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الذي
فعل بكم ما فعل، وتوَّّدَكم بما توقَّدَ ﴿وَسْتَغْلِفَكُمْ﴾ أي: يجعلكم خلفاء ﴿فی
اٌلْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر = تصريحٌ بما كنى عنه، وتوكيدٌ للتسلية على أبلغ وجهٍ،
وفيه إدماجُ معنى: من عادى أولياءَ الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة، وحُقَّ له الدمارُ
والخَسار.
(١) مفردات ألفاظ القرآن (أتى)، والإتقان للسيوطي ١/ ٦٢٢ - ٦٢٣.
(٢) يعني في قوله: ((إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده» فقد كان ذلك تسليةً لهم بالكناية
عن أن ملك القبط سينقل إليهم. حاشية الشهاب ٤/ ٢٠٧ .
(٣) الأوام: حرارة العطش. أساس البلاغة: (أوم).

ـرَةُ الأَغرافى
٣٠٢
الآية : ١٣٠
و ((عسى)) في مثله قطعٌ في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب، ونصَّ غيرُ واحدٍ
على أن التعبير به للجري على سَنَنَ الكرماء، وقيل: تأدُّبًا مع الله تعالى، وإن كان
الأمرُ مجزومًا به بوحي وإعلامٍ منه سبحانه وتعالى.
وقيل: إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلَفون بأعيانهم أو
أولادهم، فقد رُوي أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام. وتعقِّب بأنه
لا يُساعده قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]؛ فإن المتبادِرَ استخلافُ المستضعفين أنفسِهم،
لا استخلافُ أولادِهم، والمجاز خلافُ الأصل. نعم المشهور أنَّ بني إسرائيل بعد
أن خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر لم يَرْجِعوا إليها في حياته.
وفي قوله سبحانه: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ أي: يرى أو يعلم ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ
١٢٩
أحسنًا أم قبيحًا، فيجازيكم حسبما يظهرُ منكم من الأعمال = إرشادٌ لهم إلى
الشكر، وتحذيرٌ لهم عن الوقوع في مهاوي الكفر.
وقيل: فيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِلِسِنِينَ﴾ شروعٌ في تفصيل مبادي الهلاك الموعود به،
وإيذانٌ بأنهم لم يُمهَلوا حتى تحوَّلوا من حال إلى حال، إلى أن حلَّ بهم عذابُ
الاستئصال. وتصديرُ الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء بمضمونها .
والمراد بـ ((آل فرعون)) أتباعُه من القِبط، وإضافةُ الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى
الأشراف؛ لما فيه من الشرف الدنيويِّ الظاهر، وإن كان في نفس الأمر خسيسًا،
وعن الخطيب أن المرادَ فرعونُ والُهُ(١).
و(السنين)) جمعُ سَنَة، والمراد بها عامُ القحط، وقد غلبت في ذلك حتى
صارت كالعَلَم له؛ لكثرة ما يُذكر ويؤرَّخ به، ولا كذلك العام الخصب، ولامُها
واوٌ أو هاء، وقد اشتقوا منها فقالوا: أَسْنَتَ القومُ: إذا قُحطوا، وقلبوا اللام
تاءً؛ ليفرِّقوا بين ذلك وقولهم: أسنى القومُ: إذا لبثوا في موضعٍ سنةً، قال
المازنيُّ: وهو شاذٌّ لا يقاس عليه، وقال الفرَّاء: توهّموا أن الهاءَ أصيلةٌ؛ إذ
(١) انظر تفسير الرازي ٢١٤/١٤.

الآية : ١٣٠
٣٠٣
سُورَةُ الأَّغَافِ
وجدوها أصليَّة فقلبوها تاء، وجاء: أصابتنا سُنَيَّة حمراء، أي: جدب شديد،
فالتصغير للتعظيم.
وإجراءُ الجمع مجرى سائر الجموع السالمة المعربة بالحروف هو اللغةُ
المشهورة، واللغة الأخرى إجراءُ الإعراب على النون لكن مع الياء خاصة، فيُسلَك
فيه مسلك ((حين) في الإعراب بالحركات الثلاث مع التنوين عند بني عامر، وبنو تميم
لا ينوِّنون تخفيفًا، وحينئذٍ لا تُحذف النون للإضافة، وعلى ذلك جاء قول الشاعر(١):"
لعبْنَ بنا شِيبًا وشيَّبننا مُرْدا
دعانيَ مِنْ نجدٍ فإنَّ سنينَه
ومنه قولُه وَلِّ: ((اللهمّ اجعلها عليهم سنينًا كسنينٍ يوسف))(٢)، وجاء في رواية
أخرى: ((اللهم أعنِّي عليهم بسنينَ كسني يوسف)»(٣)، وهو على اللغة المشهورة.
﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ بكثرة عاهاتِ الثمار، وخروج اليسير منها، حتى لا تحمل
النخلةُ - كما رُوي عن رجاء بن حَيْوة - إلا بُسْرةً واحدة. وكان القحطُ - على
ما أخرج عَبْد بن حُمَيد وغيره عن قتادة - في باديتهم وأهل ماشيتهم، والنقصُ في
أمصارهم وقُراهم .
وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول))، وابنُ أبي حاتم(٤) عن ابن
عباس ◌ّ قال: لما أخذ الله تعالى آلَ فرعون بالسِّنين يَبِس كلُّ شيء لهم، وذهبت
مواشيهم، حتى يَبِس نيلُ مصر، فاجتمعوا إلى فرعون وقالوا له: إن كنتَ كما تزعمُ
فائتنا في نيل مصر بماءٍ، فقال: غدوةً يُصَبِّحكم الماء، فلما خرجوا من عنده قال:
أيَّ شيء صنعتُ؟! أنا لا أقدر على ذلك، فغدًا يكذبونني، فلما كان جوف الليل
قام واغتسل، ولبس مِدْرعةَ صوفٍ، ثم خرج حافيًا حتى أتى النيلَ، فقام في بطنه
(١) هو الصِّمَّة بن عبد الله القشيري، والبيت في الخزانة للبغدادي ٥٨/٨ .
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده (١٠٧٥٤)، وأبو عوانة ٢٨٣/٢ من حديث أبي هريرة، غير أن في
المسند: ((سنين كسنين))، وعند أبي عوانة: ((سنيناً كسني)»، وينظر شرح الألفية لابن عقيل
٦٥/١.
(٣) أخرجه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) (٢٩٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((اللهم اجعلها
عليهم سنين ... )).
(٤) في تفسيره ٥/ ١٥٤٢ .

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٣٠٤
الآية : ١٣١
وقال: اللهمَّ إنك تعلم أني أعلم أنك تقدِرُ على أن تملأ نيل مصر ماءً، فاملأه ماء،
فما علم إلا بخرير الماء يُقبل، فخرج، وأقبل النيل مُتْرَعًا بالماء؛ لِمَا أراد الله
تعالى بهم من الهَلَكة. وهذا إن صحَّ يدلُّ على أن الرجل لم يكن دَهْريًّا منكرًا(١)
للصانع كما قال البعض.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٣)﴾ أي: لكي يتَّعظوا فيتركوا ما هم عليه، أو لكي
يذكروا اللهَ تعالى فيتضرَّعوا له ويلتجئوا إليه رغبةً فيما عنده، وقيل: لكي يتذكَّروا أن
فرعونَ لو كان إلهًا لدفَعَ ذلك الضرَّ.
وعن الزجَّاج(٢) أنهم إنما أُخِذوا بالضرَّاء؛ لأنَّ أحوال الشدةِ ترفِّقُ القلوبَ،
وترغِّبُ فيما عند الله تعالى، ألا ترى قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّّ فَذُو دُعَاءٍ
عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]؟.
﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَّةُ﴾ إلخ بيانٌ لعدم تذكُّرهم وتماديهم في الغِيِّ، والمراد
بـ ((الحسنة)) كما يُفهمه ظاهر كلام البعض: الخِصْب والرخاء، وفسَّرها مجاهدٌ
بالرخاء والعافية، وبعضهم بأعمَّ من ذلك، أي: إذا جاءهم ما يستحسنونه ﴿قَالُواْ لَّنَا
هَذِهِ،﴾ أي: إنا مستحقُّوها بيُمْنِ الذات.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَفِئَهٌ﴾ أي: ضَيْقَة وجَدْب، أو جدبٌ ومرض، أو عقوبةٌ وبلاء
﴿يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ﴾ أي: يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابنا ذلك إلا بشؤمهم.
وأصل إطلاق التطيُّر على التشاؤم - على ما قال الأزهريُّ(٣) - أنَّ العربَ كانت
تزجر الطيرَ، فتتشاءم بالبارح، وتتيمَّنُ بالسَّانح، وفي المثل: مَنْ لي (٤) بالسَّانح بعد
البارح(٥)؟ قال أبو عُبيدة: سأل يونسُ رؤبةً وأنا شاهدٌ عن السَّانح والبارح، فقال:
(١) في (م): نافيًا.
(٢) معاني القرآن ٣٦٨/٢.
(٣) ينظر تهذيب اللغة ١١/١٤ وما بعدها.
(٤) في (م): إلى. وهو تحريف.
(٥) مجمع الأمثال ٢/ ٣٠١. قال الميداني: وأصل المثل أن رجلاً مرت به ظباء بارحة،
والعرب تتشاءم بها، فكره الرجل ذلك، فقيل له: إنها ستمر بك سانحة، فعندها قال: من
لي بالسانح بعد البارح؟ يضرب مثلاً في اليأس عن الشيء.

الآية : ١٣١
٣٠٥
سُورَةُ الأَغرافِ
السَّانح: ما ولَّك ميامِنَه، والبارح: ما ولَّك مياسِرَه، وقيل: البارح: ما يأتي من
جهة الشمال، والسَّانح: ما يأتي من جهة اليمين، وأنشدوا:
زجرتَ لها طيرَ الشِّمال فإنْ يكنْ
هواكَ الذي تَهْوَى يُصِبْكَ اجتنابُها(١)
ثم إنهم سمَّوا الشؤمَ طيرًا وطائرًا، والتشاؤمَ تطيُّرًا، وقد يطلقون الطائر على
الحظّ والنصيب خيرًا أو شرًّا، حتى قيل: إن أصلَ التطيُّر تفريقُ المال وتطييرُه بين
القوم، فيطيرُ لكلِّ أحدٍ نصيبُه من خيرٍ أو شر، ثم غلبَ في الشر.
وفي الآية إغراقٌ في وصفهم بالغباوة والقساوة؛ فإنَّ الشدائد ترقِّق القلوب،
وتذلِّل العرائك، وتُزيل التماسُكَ، لاسيّما بعد مشاهدة الآيات، وقد كانوا بحيث
لم يؤثِّر فيهم شيء منها، بل ازدادوا عتوًّا وعنادًا.
وتعریفُ «الحسنة» وذِكرُها بأداة التحقیق - كما قال غير واحد - لكثرة وقوعها،
وتعلَّقِ الإرادة بإحداثها بالذات؛ لأن العنايةَ الإلهيةَ اقتضت سبقَ الرحمة وعمومَ
النعمة قبل حصول الأعمال، وتنكيرُ السيئة وذِكرُها بأداة الشكِّ؛ لندورها وعدم تعلّق
الإرادة بإحداثها إلا بالتبع؛ فإنَّ النِّقمة بمقتضى تلك العناية إنما تُستَحقُّ بالأعمالَ.
والزمخشريُّ بَيَّنَ ((الحسنة)) بالخِصْب والرخاء، ثم قال في تعليل ما ذكر: لأنَّ
جنس الحسنة وقوعُه كالواجب؛ لكثرته واتساعه، وأما السيئة فلا تقع إلا في
النُّدرة، ولا يقع إلا شيء منها(٢). وقال صاحب ((الكشف)): ذلك إشارةٌ إلى أن
التعريف للعهد الخارجيِّ التقديريِّ(٣)، بدليل أنه ذُكر في مقابلة قوله سبحانه:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾. وقوله: لأن الجنس .. إلخ، أي: جنس
الخِصْب والرخاء، وفيه مبالغةٌ، أي: لكثرة الوقوع، كأنَّ الجنس كلَّه واجبُ
الوقوع، ولهذا لا يزال يتكاثر حتى يستغرقَ الجنس. وقوله: وأما السيئة .. إلخ في
مقابلة ذلك دليل بيِّن على إرادة هذا المعنى، فلا تخالف بين كلاميه، ولم يُرِدْ
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ص ٧٠، وصدر البيت فيه:
زجرت لها طير السَّنيح فإن تصب
(٢) الكشاف ١٠٦/٢ .
(٣) في (م): التقريري، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٠٨/٤.

سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
٣٠٦
الآية : ١٣٢
بالجنس العهدَ الذهنيَّ، وهذا مرادُ صاحب ((المفتاح)) (١)، وبه يندفع ما توقَّمه
صاحب ((الإيضاح))(٢). انتهى. وفيه تعريض بشيخه الطّيبيِّ حيث حمل الجنسَ على
العهد الذهنيّ، وقال ما قال، والبحثُ طويلُ الذَّيل، فليُطلب من شروح ((المفتاح))
و((شرح التلخيص)) للعلامة الثاني(٣) وحواشيه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ الَهِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ من قِبَله
تعالى لردِّ مقالتهم الباطلة، وتحقيق للحقِّ في ذلك، وتصديرُه بكلمة التنبيه لإبراز
كمال العناية بمضمونه، أي: ليس شؤمهم إلا عند الله، أي: من قبله وحكمه،
كما قال ابن عباس. وقال الزجَّاج(٤): المعنى: ليس الشؤم الذي يلحقُهم إلا الذي
وُعِدوا به من العقاب عنده، لا ما ينالُهم في الدنيا. وقال الحسن: إن المعنى:
ألا إنَّ ما تشاءموا محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله تعالى به يوم القيامة.
وفسَّر بعضُهم الطائرَ هنا بالحظّ، أي: إنَّما حظّهم وما طار إليهم من القضاء
والقدر بسبب شؤمهم عند الله.
وقرأ الحسن: ((إنما طَيْرَهم))(٥)؛ وهو اسمُ جمع طائر على الصحيح؛ لأنه
على أوزان المفردات، وقال الأخفش: هو جمعٌ له،َ ورُوي عن قُطْرب أن الطير
يكون واحدًا وجمعًا، وكذا الطائر، وأنشد ابنُ الأعرابي:
كأنه تَهْتانُ يومٍ ماطر على رؤوسٍ كرؤوس الطائرِ(٦)
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ ذلك، فيقولون ما يقولون. وإسنادُ عدم العلم
إلى أكثرهم للإشعار بأنَّ بعضَهم يعلم ولكن لا يعمل بمقتضى علمه.
﴿وَقَالُوا﴾ شروعٌ في بيان بعضٍ آخرَ مما أُخِذوا به من فنون العذاب التي هي في
(١) مفتاح العلوم ص٢٤١ .
(٢) الإيضاح في علوم البلاغة ٨٩/١.
(٣) هو السعد التفتازاني.
(٤) في معاني القرآن ٣٦٩/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص٤٥ .
(٦) الرجز في مجمع البيان ٩/ ١٥٤، والأول في لسان العرب (قطر)، وجاء بعده:
من الربيع دائم التقاطر

الآية : ١٣٢
٣٠٧
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
أنفسها آياتٌ بيِّنات، وعدم ارعوائهم عمَّا هم عليه من الكفر والعناد، أي: قالوا
بعدما رأوا ما رأوا من العصا والسِّنين ونقصِ الثمرات: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ.﴾.
كلمة ((مهما)) مما اختلف فيها: فقيل: هي كلمة برأسها، موضوعةٌ لزيادة
التعميم. وقيل: هي مركّبة من مه: اسمُ فعلٍ للكفِّ، إما باقٍ على معناه، أو مجرَّدٌ
عنه، و(ما)) الشرطية. وقال الخليل: أصلها ما ما على أنَّ الأُولى شرطية، والثانية
إبهامية متصلة بها؛ لزيادة التعميم، فقُلبت ألفُ ((ما)) الأولى هاء؛ فرارًا من بشاعة
التكرار. وأسلمُ الأقوال - كما قال غير واحد - القولُ بالبساطة.
وفي ((حاشية التسهيل)) لابن هشام: ينبغي لمن قال بالبساطة أن يكتب مهمى
بالياء، ولمن قال: أصلُها ما ما أن يكتبها بالألف(١)، وفي ((الشرح)): وكذا إذا
قيل: أصلها مه ما. وتعقَّب ذلك الشُّمُنِّي(٢) بأن القائلين بالأصلين المذكورين
متفقون على أن مهما أصلٌ آخر، فما ينبغي في كَتْب آخرها على القول الأول ينبغي
على القول الثاني. وفيه نظر.
وهي اسمُ شرطٍ لا حرفٌ على الصحيح، ومحلُّها الرفع هنا على الابتداء،
وخبرها إما الشرط، أو الجزاء، أو هما، على الخلاف، أو النصبُ على أنها
مفعولٌ به لفعل يفسِّره ما بعدُ، أي: أيَّ شيء تحضره لدينا تأتنا به.
ومن الناس من جوَّز مجيئها في محل نصب على الظرفية، وشدَّد الزمخشري
الإنكار عليه في ((الكشاف)) (٣)، وذكر ابن المنير أنه غرَّ القائلَ بظرفيَّتها كلامُ
الخليل، أو شبهها بمتى ما (٤). وخالف ابنُ مالك في ذلك، وقال: إنه مسموع عن
العرب، كقوله(٥):
وإنك مهما تُعْطِ بطنَكَ سُولَه
وفرجَكَ نالا مُنتهى الذمِّ أجمعا
(١) وصحح ابن هشام في المغني ص٤٣٦ أنها بسيطة، لا مركبة من ((مه)) و((ما)) الشرطية، ولا من
((ما)) الشرطية و((ما)) الزائدة مع إبدال ألف الأولى هاء دفعاً للتكرار.
(٢) حاشية الشمني على مغني اللبيب ٢/ ٩٣.
(٣) ٢/ ١٠٧.
(٤) الانتصاف ٢/ ١٠٧.
(٥) هو حاتم الطائي، والبيت في ديوانه ص٦٨ .

سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
٣٠٨
الآية : ١٣٣
ويوافقه - كما قال الشهاب - استعمالُ المنطقيِين لها بمعنى كلَّما، وجعلُها سورَ
الكُلِّية؛ فإنها تفيد العمومَ كما صرَّحوا به، وليس من مخترعاتهم كما تُؤُهُّم (١).
وأنت تعلم أن كونها هنا ظرفًا مما لا ينبغي الإقدام عليه بوجهٍ؛ لإباء قوله
تعالى: ﴿مِّنْ ءَايَتِ﴾ عنه؛ لأنه بيانٌ لـ ((مهما)) وليس بزمانٍ.
وتسميتُهم إيَّاها آيةً من باب المجاراة لموسى عليه السلام والاستهزاء بها، مع
الإشعار بأن هذا العنوان لا يؤثِّر فيهم، وإلا فهم ينكرون كونَها آيَةً في نفس الأمر،
ويزعمون أنها سحر كما يُنبئ عنه قولهم: ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ .
والضميران المجروران راجعان إلى ((مهما))، وتذكيرُ الأول لرعاية جانب
اللفظ؛ لابهامه، وتأنيثُ الثاني للمحافظة على جانب المعنى؛ لأنه إنما رُجِع إليه
بعد ما بُيِّنَ بـ ((آية))، وادعى ابنُ هشام أن الأَولى عَوْدُ الضمير الثاني إلى («آية)»(٢)،
ولعله راعى القربَ، والذاهبُ إلى الأول راعى أن ((آية)) مسوقةٌ للبيان، فالأَولى
رجوعُ الضمير على المفسَّر المقصود بالذات، وإن كان المآل واحدًا، أي: لتسحر
بتلك الآية أعينَنَا، وتُشَبِّه علينا .
﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ أي: بمصدِّقين لك ومؤمنين بنبوَّتك أصلاً.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ عقوبةً لجرائمهم، لاسيما قولهم هذا ﴿اَلْطُّوفَانَ﴾ أي: ما طاف
بهم، وغشي أماكنَهم وحروثَهم من مطرٍ أو سيل، فهو اسمُ جنسٍ من الطواف،
وقيل: إنه في الأصل مصدرٌ كنقصان، وهو اسمٌ لكل شيء حادثٍ يحيط بالجهات
ويعمُّ، كالماء الكثير، والقتل الذَّرِيع، والموت الجارف، وقد اشتهر في طوفان
الماء، وجاء تفسيره هنا بذلك في عدة روايات عن ابن عباس، وجاء عن عطاء
ومجاهد تفسيرُه بالموت، وأخرج ذلك ابنُ جرير وغيره عن عائشة ◌َّا مرفوعًا (٣).
وعن وهب بن منبِّه أنه الطاعونُ بلغة اليمن، وعن أبي قِلابة أنه الجدريُّ، وهم
أول من عُذِّبوا به، وهذان القولان ينجَرَّان إلى الخبر المرفوع.
(١) حاشية الشهاب ٢٠٨/٤-٢٠٩.
(٢) مغني اللبيب ص٤٣٥ .
(٣) تفسير الطبري ٣٨٠/١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٤٤/٥. وفي إسناده يحيى بن
يمان والحجاج بن أرطاة، وهما ضعيفان، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهو حديث
غریب .

الآية : ١٣٣
٣٠٩
سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
﴿وَالْجَرَادَ﴾ هو المعروف، واحده جرادة، سُمي به لجرده ما على الأرض، وهو
جندٌ من جنود الله تعالى يسلِّطه على من يشاء من عباده.
وأخرج أبو داود، وابنُ ماجه، والطبراني، وغيرهم عن أبي زهير النُّميري
مرفوعًا النهيّ عن مقاتلته معلَّلاً بما ذُكر(١)، وذكر البيهقيُّ(٢) أن ذلك - إنْ صحَّ -
مرادٌ به إذا لم يتعرَّض لإفسادِ المزارع، فإذا تعرَّض له جاز دفعُه بما يقع به الدفع
من القتال والقتل، أو أُريد به الإشارة إلى تعذّر مقاومته بذلك.
وأخرج أبو داود ومن معه عن سلمان قال: سُئل رسول الله وَّر عن الجراد
فقال: ((أكثرُ جنود الله تعالى، لا آكلُه ولا أُحرِّمه))(٣). وزَعْمُ أنه مخلوقٌ من ذنوب
ابن آدم مؤوَّلٌ.
﴿وَالْقُمَّلَ﴾ بضم القاف وتشديد الميم، قيل: هو الدَّبَى: وهو الصغار من
الجراد، ولا يُسمَّى جرادًا إلا بعد نباتِ أجنحته، ورُوي ذلك عن ابن عباس
ومجاهد وقتادة والسدِّي.
وقيل: هو القِرْدان جمع القُراد المعروف، وقيل: صغار الذَّرِّ، وعن حَبيب بن
أبي ثابت أنها الجُعْلان، وعن ابن زيد قال: زعم بعضُ الناس أنها البراغيث، وعن
سعيد بن جبير أنها السُّوس: وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها، ويُسمَّى
قَمْلاً بفتح فسكون، وبذلك قرأ الحسن(٤).
﴿وَالضَّفَارِعَ﴾ جمع ضفدع كزِبْرِج(٥)، وجعفر، وجُنْدَب، ودرهم - وهذا أقلُّ أو
مردود -: الدابة المائية المعروفة .
﴿وَلَّمَ﴾ معروف، وتشديدُ داله(٦) لغةٌ.
(١) المعجم الكبير ٢٢/ (٧٥٧)، ونسبة الحديث لأبي داود وابن ماجه وهم من المصنف رحمه الله،
ينظر الدر المنثور ١٠٩/٣. والحديث قال عنه ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدًّا.
(٢) في شعب الإيمان ٧/ ٢٣٢.
(٣) سنن أبي داود (٣٨١٣)، وسنن ابن ماجه (٣٢١٩)، والمعجم الكبير الطبراني ٦/ ٦١٢٩.
(٤) القراءات الشاذة ص ٤٥ .
(٥) الزبرج: الزينة من وشي أو جوهر، والذهب، والسحاب الرقيق فيه حمرة. القاموس: (زبرج).
(٦) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ميمه، كما في القاموس (دم).

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٣١٠
الآية : ١٣٣
ورُوي أن موسى عليه السلام لما رأى من فرعون وقومه العنادَ والإصرار دعا
وقال: يا ربِّ، إن فرعون علا في الأرض، وإن قومَه قد نقضوا العهدَ، ربِّ
فخُذْهم بعقوبة تجعلُها عليهم نقمةً، ولقومي عظةً، ولمن بعدهم آيةً وعبرة،
فأرسل الله تعالى عليهم المطرَ ثمانية أيام في ظلمة شديدة لم يستطع أحدٌ لها أن
يخرج من بيته، فدخل الماءُ بيوتَهم حتى قاموا فيه إلى تَرَاقيهم، ولم يدخل بيوتَ
بني إسرائيل منه قطرةٌ، وكانت مشتبكةً في بيوتهم، وفاض الماء على أرضهم
وركد، فمنعهم من الحرث والتصرُّف، ودام ذلك الماءُ عليهم سبعةَ أيام من السبت
إلى السبت، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك يكشف عنَّا ذلك، ونحن نؤمنُ بك
ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربَّه، فكشف عنهم، فنبت من العشب والكلأ ما لم
يُعْهَدْ مثلُه قَبْلَه، فقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمةً علينا، فلم يؤمنوا، فبعث الله
تعالى عليهم الجرادَ فأكل زروعَهم وثمارهم، وأبوابَهم، وسقوفهم، وثيابهم،
وأمتعتهم، حتى أكل مسامير الحديد التي في الأبواب، ولم يصب بني إسرائيل من
ذلك شيءٌ، فعجُوا وضجُّوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا له كما قالوا أولاً،
فخرج عليه السلام إلى الصحراء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع إلى
النواحي التي جاء منها - وقيل: جاءت ريحٌ فألقته في البحر - فلم يؤمنوا، فسلّط الله
تعالى عليهم القُمَّلَ، فأكل ما أبقى الجرادُ، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلدِه
فيمصُّه، وإذا أراد أن يأكل طعامًا امتلأ قملاً.
وقال ابن المسيّب: ابتُلُوا بالسوس، فكان الرجل منهم يخرج بعشرة أَجْرِيةٍ إلى
الرَّحى، فلا يَرِدُ إلا بثلاثةِ أقفزةٍ منها، وأخذ حواجِبَهم وأشفارَ عيونهم وسائرَ
شعورهم، وفعل في جلودهم ما يفعلُه الجدريُّ، ومنعهم النومَ والقَرار، ففزعوا إلى
موسى عليه السلام فرُفِعَ عنهم، فقالوا: قد تحقَّقنا الآن أنك ساحرٌ، فأرسل الله
تعالى عليهم الضفادعَ، فامتلأت بيوتُهم وأفنيتُهم وأمتعتهم وآنيتهم منها، فلا يكشفُ
أحدٌ إناءً إلا وجدَها فيه، وكان الرجلُ يجلس في الضفادع فتبلغُ إلى حلقه، فإذا
أراد أن يتكلّم يشبُّ الضفدع فيدخل في فيه؛ وكانت تشبُّ في قدورهم، فتفسد
عليهم طعامهم، وتطفئُ نيرانَهم، وإذا اضطجع أحدهم ركِبَتُه حتى تكون عليه
ركامًا، فلا يستطيع أن ينقلب، وإذا أراد أن يأكل سبقته إلى فيه، ولا يعجِنُ عجينًا

الآية : ١٣٣
٣١١
سُورَةُ الأَغْرَافِ
إلا امتلأ منها، ففزعوا إليه عليه السلام وتضرَّعوا، فأخذ عليهم العهود والمواثيق،
ودعا، فكشف اللهُ تعالى عنهم ذلك، فنقضوا العهدَ، فأرسل الله تعالى عليهم الدَّمَ،
فسال النِّيلُ عليهم دمًا عَبِيطًا، وصارت مياهُهم دماءً، فكان فرعونُ يجمع بين
القبطيِّ والإسرائيليِّ في إناءٍ واحد، فيكون ما يلي الإسرائيليَّ ماءً، وما يلي القبطيَّ
دمًا، ويقومان إلى الجرَّة فيها الماءُ، فيخرُجُ للقبطيِّ دٌّ وللإسرائيليِّ ماءٌ، حتى إن
المرأة من آل فرعون تأتي المرأةَ من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقيني ماءً، فتصبُّ
لها من قِرْبتها، فيصير في الإناء دمًا، حتى كانت تقول: إِجعليه في فيكِ، ثم مُجِّيه
في فيَّ، فتفعلُ ذلك فيصير دمًا .
وقال ابنُ أسلم: إنَّ الدم الذي سُلِّط عليهم كان الرُّعاف.
﴿وَيَتٍ﴾ حالٌ من الأشياء المتقدمة ﴿ُفَضَّلَتٍ﴾ مبيَّنات، لا يشُّ عاقلٌ أنها
آياتٌ إلهية، لا سحرٌ كما يزعمون، أو مميَّزًا بعضُها من بعض، منفصلةً بالزمان؛
لامتحان أحوالهم، وكان بين كلِّ اثنين منها شهرٌ، وكان امتدادُ كل واحدةٍ منها
شهرًا، كما أخرج ذلك ابنُ المنذر عن ابن عباس.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كانت الآياتُ التسعُ في تسعِ
سنين، في كلِّ سنة آيةٌ(١).
وأخرج أحمد في ((الزهد)) وغيرُهُ(٢) عن نَوْفِ الشاميِّ قال: مكثَ موسى عليه
السلام في آل فرعون بعد ما غَلَبَ السَّحرةَ عشرين سنةً يُريهم الآياتِ: الجرادَ
والقُمَّل، إلخ، فَأَبَوا أن يُسلموا. وفي رواية أبي الشَّيخ عن ابن عباس أنه مكثَ عليه
السلام بعد أن غَلَب أربعين سنةً يُريهم ما ذُكر(٣).
ورأيتُ في مسامرات الشيخ ابن العربي قدِّس سرُّه أنَّ موسى عليه السلام مكث
يُنذِر آلَ فرعون ستةَ عشر شهرًا، إلى أن أُغرقوا فأُدخلوا نارًا، ولم ينتفعوا بما رَأَوا
من الآيات.
(١) الدر المنثور ١١١/٣.
(٢) أخرجه كذلك ابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٤٩/٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٥٠/٦.
ونوف الشامي: هو ابن أبي فضالة البكالي.
(٣) الدر المنثور ١١٠/٣.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
٣١٢
الآية : ١٣٤
®) جملةٌ معترضة
﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها .
﴿وَلَنَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ﴾ أي: العذابُ المذكور على التفصيل، كما رُوي عن
الحسن وقتادة ومجاهد. و((لمّا)) لا تُنافي التفصيلَ والتكرير، كما لا يخفى.
وعن أبي عبد الله رَُّه أنه أصابهم ثلجٌ أحمرُ لم يَرَوه قبلُ، فهلك منهم
كثيرٌ (١).
وعن ابن جُبَير أنه الطَّاعون، وقد ورد إطلاقُه عليه في حديث أسامة بن زيد
المرفوع، وهو: ((الطاعونُ رِجْزٌ أُرسل على طائفةٍ من بني إسرائيل - أو على مَنْ كان
قبلَكم - فإذا سمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها
فلا تخرجُوا فِرارًا منه))(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم(٣) عن ابن عباس قال: أَمَر موسى عليه السلام بني
إسرائيل فقال: ليذبَحْ كلٌّ منكم كبشًا، ثم ليخضِبْ كفَّه في دمه، ثم ليضرِبْ على
بابه. ففعلوا، فقال القِبْطُ لهم: لِمَ تجعلون(٤) هذا الدمَ على أبوابكم؟ قالوا: إنَّ الله
تعالى يريد أن يُرسل عليكم عذابًا، فنسلمُ وتهلكون. قال القِبْط: فما يَعرفُكم الله
تعالى إلا بهذه العلامة؟ قالوا: هكذا أَمرنا نبيُّنا، فأصبحوا وقد طُعِن من قوم فرعون
سبعون ألفًا، فأمسَوْا وهم لا يتدافنون.
والمعنى على الأول: أنهم كلَّما وقع عليهم عقوبةٌ من العقوبات المذكورة
﴿قَالُواْ يَمُوسَى﴾ في كلِّ مرَّة. وعلى(٥) القول بأنَّ المراد بالرجز غيرُ ما تقدَّم: أنه لمَّا
وقع عليهم الثلجُ المُهلِكُ، أو الطاعون الجارفُ، قالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ
عِنْدَكَ﴾ أي: بعهده سبحانه عندكَ، وهو النبوةُ كما قال أبو مسلم (٦)، فـ ((ما))
(١) مجمع البيان ٩ (تتمته)/ ٦. وأبو عبد الله: هو جعفر الصادق رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٣)، ومسلم (٢٢١٨) (٩٢).
(٣) في تفسيره ٥/ ١٥٥٠، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١١١/٣ .
(٤) في الأصل و(م): تجعلوا، والمثبت من الدر المنثور.
(٥) في (م): على. ولا يستقيم المعنى بها.
(٦) نقل قوله الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمته)/ ٦.

الآية : ١٣٥
٣١٣
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
مصدريَّةٌ. وسميت النبوةُ عهدًا - كما قال العلامةُ الثاني - لأنَّ الله تعالى عهد إكرام
الأنبياء عليهم السلام بها، وعهدوا إليه تحمُّل أعبائها، أو لأنَّ لها حقوقًا تُحفَظ
كما تُحفَظ العهود، أو لأنَّها بمنزلة عهدٍ ومنشور منه جلَّ وعلا .
أو: بالذي عهد إليك أن تدعُوَه به، فيجيبك كما أجابك في آياتك، فـ ((ما))
موصولةٌ، والجارُّ والمجرور صلةٌ لـ ((ادع))، أو حالٌ من الضمير فيه، يعني: ادع الله
تعالى متوسِّلاً بما عهِدَ عندك.
ويحتمل أن تكون الباءُ للقسم الاستعطافيِّ، كما يقال: بحياتك افعل كذا،
فالمرادُ استعطافُه عليه السلام لأنْ يدعُوَ، وأن تكون للقسم الحقيقيِّ، وجوابُه:
﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الذي وقع علينا ﴿لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ
﴾ أي: أقسمنا بعهد الله تعالى عندَك، ((لئن كشفتَ)) إلخ.
إِسْرَِّيلَ (َ).
وخلاصةُ ما ذكروه في الباء هنا أنَّها إما للإلصاق، أو للسببيَّة، أو للقَسَم
بقِسْمَيه .
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ﴾ أي: إلى حدٍّ من الزمان هم
واصلون إليه ولا بدَّ، فمعذَّبون فيه أو مهلَكون، وهو وقتُ الغرق كما رُوي عن ابن
عباس ◌ًّا، أو الموت كما رُوي عن الحسن، والمراد: أنجيناهم من العذاب إلى
ذلك الوقت، ومن هنا صحَّ تعلُّقُ الغاية بالكشف، ولا حاجةَ إلى جعل الجارِّ
والمجرور متعلِّقًا بمحذوفٍ وقع حالاً من ((الرِّجز))، خلافًا لزاعمه.
وقيل: المرادُ بالأجَل ما عيَّنوه لإيمانهم.
﴿إِذَا هُمْ يَنَكُونَ (9﴾﴾ أي: ينقضون العهدَ، وأصلُ النَّكث: فَلُّ طاقات
الصُّوف المغزول؛ ليغزل ثانيًا، فاستُعير لنقض العهد بعد إبرامه.
وجوابُ ((لمَّا)) فعلٌ مقدَّر يُؤْذِن به ((إذا)) الفجائيةُ، لا الجملةُ المقترنة بها، وإن
قيل به فتساهلٌ، أي: فلمَّا كشفنا عنهم ذلك فاجؤوا بالنَّكث من غير توقُّف وتأمُّل.
كذا قيل، وعليه فكلا الاسمين، أعني: ((لمَّا)) و((إذا)) معمولٌ لذلك الفعل، على أنَّ
الأولَ ظرفُه، والثاني مفعولُه. قاله(١) العلامة، والداعي لذلك المحافظةُ على
(١) في الأصل: قال، وهو خطأ، ينظر حاشية الشهاب ٤/ ٢١٠.

سُوَرَةُ الأَّغَرَافِ
٣١٤
الآية : ١٣٦
ما ذهبوا إليه من أنَّ ما يلي كلمةَ ((لمَّا)) من الفعلين يجبُ أن يكون ماضيًا لفظًا أو
معنى، إلا أنَّ مقتضى ما ذكروا من أنَّ إذْ وإذا المفاجأة في موقع المفعول به للفعل
المتضمِّنين هما إياه = أن يكون التقدير: فاجؤوا زمانَ النكثِ أو مكانَه.
وقد يقال أيضًا: تقدير الفعل تكلُّفٌ مستغنّى عنه؛ إذ قد صرَّحوا بأنَّ لمَّا تُجاب
بإذا المفاجأة الداخلةِ على الجملة الاسمية، نعم هم يذكرون ما يوهم التقدير،
وليس به، بل هو بيانُ حاصل المعنى وتفسيرٌ له، فتدبّر.
﴿فَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: فأردنا الانتقامَ منهم، وأُوِّل بذلك ليتفرَّع عليه قولُه
سبحانه: ﴿فَأَغْرَقْتَهُمْ﴾، وإلا فالإغراقُ عينُ الانتقام، فلا يصحُّ تفريعه عليه. وجوِّز
أن تكون الفاءُ تفسيريةً، وقد أثبتها البعضُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُوحٌ رَّبَّهُ.
فَقَالَ رَبٍ﴾ [هود: ٤٥] إلخ، وحينئذٍ لا حاجةَ إلى التأويل.
﴿فِي الْيَمِ﴾ أي: البحر، كما رُوي عن ابن عباس والسُّدي ﴿ه، ويقع على
ما كان مِلحًا زُعافًا، وعلى النهر الكبير العذبِ الماءِ، ولا يُكسَّر، ولا يُجمع جمعَ
السلامة. وقال الليث: هو البحر الذي لا يُدرك قعرُه. وقيل: هو لجَّة البحر. وهو
عربي في المشهور، وقال ابنُ قتيبة: إنه سريانيٍّ، وأصله - كما قيل - يما، فعُرِّب
إلى ما ترى.
والقولُ بأنه اسمٌ للبحر الذي غرِقَ فيه فرعونُ غريقٌ في يَمِّ الضعف.
ويَأَنَهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا﴾ تعليلٌ للإغراق، يعني أن سببَ الإغراقِ وما استوجَبوا به
ذلك العقاب هو التكذيبُ بالآيات العظام، وهو الذي اقتضى تعلَّق إرادة الله تعالى
به تعلُّقًا تنجيزيًّا، وهذا لا ينافي تفريعَ الإرادة على النكث؛ لأنَّ التكذيب هو العلّة
الأخيرةُ والسببُ القريب، ولا مانع من تعدُّد الأسباب، وترتُّب بعضها على بعض.
قاله الشهاب(١)، ونور الحقِّ ساطعٌ منه.
وقال شيخُ الإسلامِ(٢): الفاء وإن دلَّت على ترتُّب الإغراق على ما قبلَه من
النكث، لكنه صرَّح بالتعليل؛ إيذانًا بأن مدارَ جميع ذلك تكذيبُ آيات الله تعالى
(١) حاشية الشهاب ٢١٠/٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٦٦/٣.

الآية : ١٣٧
٣١٥
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
وما عُطِفَ عليه، ليكون ذلك مَزْجَرةً للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد
رسول الله وَل﴿. انتهى. وفيه مناقشةٌ لا تخفى.
﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾﴾ الضميرُ المجرور للآيات، والغفلةُ مجازٌ عن عدم
الذِّكر والمبالاة، أي: بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم مبالاتهم بها وتفكّرِهم فيها،
بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية، وإلا فالمكذِّبُ بأمرٍ لا یکون غافلاً عنه؛
للتَّنافي بين الأمرين، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ شاهد مثلَها لا ينبغي له أن يكذِّب
بها مع علمِهِ بها .
وعن ابن عباس ﴾ أن الضميرَ للنِّقمة، وأُريد به الغرقُ كما يدلُّ عليه ما قبله،
وعليه فيجوز أن تكون الجملةُ حاليةً بتقدير قد، ولا مجاز في الغفلة حينئذٍ، والأولُ
أولی کما لا یخفی.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستعبادِ وذبح الأبناء، والجمعُ بين
صيغتي الماضي والمستقبل للدلالةِ على استمرار الاستضعاف وتجدُّدِه، والمرادُ بهم
بنو إسرائيل، وذُكروا بهذا العنوان إظهارًا لكمال اللُّطف بهم، وعِظَم الإحسان
إليهم، حيث رُفِعوا من حضيض المذلَّة إلى أوج العزَّة، ولعل فيه إشارةً إلى أن الله
سبحانه عند القلوب المنكسرة.
ونُصب ((القوم)) على أنه مفعولٌ أول لـ ((أورثنا))، والمفعولُ الثاني قوله سبحانه:
﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ أي: جميع جهاتها ونواحيها، والمرادُ بها - على
ما رُوي عن الحسن وقتادة وزيد بن أسلم - أرضُ الشام، وذكر محيي السُّنة
البغويُّ(١) أنها أرضُ الشام ومصر، وفي رواية أنها أرضُ مصر التي كانت بأيدي
المستضعفين، وإلى ذلك ذهب الجُبَّائيُّ(٢)، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد(٣)،
أي: أورثنا المستضعَفين أرضَ مستضعِفیھم ومُلگھم.
ومعنى توريثهم إيَّاها - على القول بأنهم لم يدخلوها بعد أن خَرجُوا منها مع
موسى عليه السلام -: إدخالُها تحت مُلكهم، وعدمُ وجود مانعٍ لهم عن التصرّف
(١) في تفسيره ٢/ ١٩٤.
(٢) كما في مجمع البيان ٩ (تتمته)/ ٨.
(٣) كما في الدر المنثور ١١٣/٣.

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٣١٦
الآية : ١٣٧
فيها، أو تمكينُ أولادهم فيها، وذلك في زمن داود وسليمان عليهما السلام،
ولا يخفى أنه خلافُ المتبادر، كما مرت الإشارة إليه. على أنَّ أرض مصر بعد أن
فُتحت في زمن داود عليه السلام لم يكن لبني إسرائيل تمكّنٌ فيها واستقرارٌ، وإنما
كان مُلكٌ وتصرُّف، وكان التمكُّن في الأرض المقدَّسة، والسَّوقُ ـ على ما قيل -
يقتضي ذِكْر ما تمكَّنوا فيه لا ما ملكوه.
وأقول: قد يقال: المرادُ بالأرض هنا وفيما تقدَّم من قوله سبحانه: ﴿عَسَى
رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَغْلِفَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾: الأرضُ المقدَّسة التي طلب
موسى عليه السلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها؛ فإنها موطنٌ
آبائهم، فيكون موسى عليه السلام قد وَعَدهم هلاكَ عدوّهم المانعِ لهم من
الذهاب إليها، وجَعْلَ الله تعالى إياهم خلفاءَ فيها بعد آبائهم وأسلافهم، أو بعد
مَنْ هي في يده إذ ذاك من العمالقة، ثم أخبر سبحانه هنا أنَّ الوعد قد نَجَزَ،
وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين، وأورثناهم الأرضَ التي مَنَعوهم عنها،
ومكَّنَّاهم فيها، وفي ذلك حصولُ بغية موسى عليه السلام. وما أَلطفَ توريثَ
الأبناء مساكنَ الآباء!
﴿اَلَِّى بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ بالخِصْب وسَعَة الأرزاق، أو بذلك وبكونها مساكنَ الأنبياء
عليهم السلام والصالحين، وذلك ظاهرٌ على تقدير أن يُراد بـ ((مشارق الأرض
ومغاربها)) الشامَ ونواحيها؛ فقد أخرج ابنُ أبي شيبة عن أبي أيُّوبِ الأنصاريِّ قال:
لَيهاجِرنَّ الرعدُ والبرق والبركاتُ إلى الشام(١).
وأخرج ابن عساكر عن ضَمْرة بن ربيعة قال: سمعتُ أنه لم يُبعث نبيٌّ إلا من
الشام، فإن لم يكن منها أُسري به إليها(٢).
وأخرج أحمد(٣) عن عبد الله بن حَوَالة (٤) الأزديِّ أنه قال: يا رسول الله، خِرْ
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ (١٢٥٠٧). وفيه: والركاب، بدل والبركات، وقد جاء بلفظ
البركات عند السيوطي في الدر المنثور ١١٢/٣ .
(٢) تاريخ دمشق ١/ ١٦٤.
(٣) في المسند (١٧٠٠٥).
(٤) تحرفت في الأصل و(م) إلى: خوالة.

الآية : ١٣٧
٣١٧
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
لي بلدًا أكونُ فيه، قال: ((عليكَ بالشام؛ فإنَّه خِيرةُ الله تعالى من أرضه؛ يجتبي إليه
خیرته من عباده)).
وأخرج ابنُ عساكر عن واثِلةً بن الأسقع قال: سمعتُ رسول الله وَّ ه يقول:
((عليكم بالشام؛ فإنَّها صفوةُ بلادِ الله تعالى، يُسْكِنُها خَيرتَه من عباده))(١).
وأخرج الحاكم وصحَّحه، عن عبد الله بن عمر ظثم قال: يأتي على الناس
زمانٌ لا يبقى فيه مؤمنٌ إلا لَحِقَ بالشام(٢).
وجاء من حديث أحمد، والترمذيِّ، والطبرانيِّ، وابنٍ حبَّان، والحاكم أيضًا
وصحَّحه(٣)، عن زيد بن ثابتٍ أنه وَّر قال: ((طوبى للشام))، فقيل له: ولم؟ قال:
(إنَّ ملائكةَ الرحمن باسطةٌ أجنحَتَها عليها)).
والأحاديثُ في فضل الشام كثيرةٌ، وقد جمعها غيرُ واحدٍ، إلا أنَّ في الكثير
منها مقالاً، وسببُ الوضع كان قويًّا.
وهو اسمٌ لأحد الأقاليم العرفية، وفي ((القاموس)) أنها بلادٌ عن مَشأمة القِبلة،
وسُمِّيت بذلك لأنَّ(٤) قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها، أي: تياسَروا، أو سُمِّي
بِسامٍ بن نوح؛ فإنَّه بالشين بالسُّريانية، أو لأنَّ أرضَها شاماتٌ بيضٌ، وحُمْرٌ،
وسودٌ، وعلى هذا لا تُهْمَز.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن أبي الأغبش(٥) - وكان قد أدركَ أصحابَ النبيِّ وَّل ـ
أنه سُئل عمَّا بُورك من الشام، أين مبلغُ حَدِّه؟ فقال: أولُ حدوده عريشُ مصر،
(١) تاريخ دمشق ١٢٠/١.
(٢) المستدرك ٥٠٤/٤ .
(٣) مسند أحمد (٢١٦٠٧)، وسنن الترمذي (٣٩٥٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، والمعجم
الكبير للطبراني (٤٩٣٣)، وصحيح ابن حبان (٧٣٠٤)، والمستدرك ٢٢٩/٢.
(٤) في القاموس (شأم): وسميت لذلك أو لأن ...
(٥) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور ١١١/٣، والصواب: الأَعْيَس بالمثناة التحتية، والسين
المهملة، فليس هناك من يسمى أبا الأغبش، وأبو الأَغْيَس: هو عبد الرحمن بن سلمان
الخولاني، الشامي، الحمصي. يُنظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٥٠. والخبر لم نقف عليه في
مطبوع تفسير ابن أبي حاتم، واقتصر السيوطي في عزوه على ابن عساكر، وهو في تاريخه
١٩٦/١، وجاء الاسم فيه على الصواب.

سُوَرَةُ الأَْزَافِ
٣١٨
الآية : ١٣٧
والحدُّ الآخر طَرَفُ الثنيَّة، والحدُّ الآخر الفراتُ، والحدُّ الآخرُ جَبَلٌ(١) فيه قبرُ هود
النَّبِيِّ عليه السلام.
وليس المراد بها ما هو متعارفُ الناس اليوم، أعني دمشق، نعم هي داخلة
فيها، وقد تكلَّمنا على حدودها بأبسطَ من هذا في ((حواشينا على شرح مختصر
السَّمَرْقَندية لابن عصام)).
وقد وَلِعَ الناسُ في دمشق مدحًا وذمًّا، فقال بعضُهم:
وإنْ شاقَكَ الجامعُ الجامعُ
تجنَّبْ دمشقَ ولا تَأْتها
وفَجْرُ الفُجُور بها طالِعُ(٢)
فَسُوق الفُسُوق بها نافِقٌ
وقال آخر:
زَهَا وصَفا العيشُ في ظلُّها
دمشقُ غدتْ جنةً للوَرَى
ولا عيبَ فيها سوى أهلِها
وفيها لدى النَّفس ما تَشتهي
وقال آخرُ في الشام، ولعلَّه عَنَى متعارَفَ الناس:
شامَ مِنْ بارقِ الهَنَا مَا شَامَهْ
قيل لي ما يقول في الشام حَبْرٌ
هي في وَجْنَةِ المحاسن شامَه(٣)
قلتُ ماذا أقول في وصفِ أرضٍ
وأنا أقول: إذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي، ونعوذُ بالله تعالى من اتِّباع الهوى.
والموصولُ صفةُ المشارق والمغارب، وقيل: صفةُ الأرض، وضعَّفه
أبو البقاء(٤) بأنَّ فيه العطفَ على الموصوف قبل الصِّفة، وهو نظيرُ قولك: قام أمّ
هندٍ وأبوها العاقلةِ، وجُوِّز أن يكون المفعولَ الثاني لـ ((أورثنا))، أي: الأرضَ التي،
فعَلَى هذا يكون نصبُ المشارق وما عُطِف عليه بـ ((يُستضعَفون)) على معنى:
(١) في الأصل و(م) والدر: جعل، والمثبت من تاريخ دمشق.
(٢) البيتان في نفح الطيب ٤٠٦/٢.
(٣) البيتان لأبي العباس المقري صاحب نفح الطيب، كما في خلاصة الأثر ٣٠٦/١، وهما في
نفح الطيب ١/ ٦٠ باختلاف في عجز البيت الأول.
(٤) إملاء ما منَّ به الرحمن ٥٧/٣ .

الآية : ١٣٧
٣١٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
يُستضعَفون فيها. وأن يكون المشارق منصوبةً بـ ((يستضعفون))، و((التي)) صفةٌ كما في
الوجه الأول، والمفعولُ الثاني لـ ((أورثنا)) محذوفٌ، أي: الأرضَ أو المُلك،
ولا يخفى بُعْدُه، وأنَّ المتبادِرَ هو الأول.
﴿وَتَمَّتْ كَلِّمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي: مضَتْ عليهم واستمرَّت،
من قولهم: مضى على الأمر: إذا استمرَّ. والمراد من الكلمة وعدُه تعالى لهم
بالنَّصر والتمكين على لسان نبيِّهم عليه السلام، وهو قوله السابق: ((عسى ربكم أن
يهلك عدوكم) إلخ. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّه الوعدُ الذي يُؤْذِنُ به قولُه سبحانه:
﴿وَزِيدُ أَنْ ثَمُنَ عَلَى الَِّبِنَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ﴾
[القصص: ٥]. وقيل: المراد بها علمُه تعالى الأزليُّ، والمعنى: مضى واستمرَّ عليهم
ما كان مقدَّرًا من إهلاك عدوِّهم وتوريثِهم الأرض.
و ((الحسنى)) تأنيثُ الأحسن، صفةٌ للكلمة، ووُصِفت بذلك لما فيها من الوعد
بما يُحبُّون ويستحسنون.
وعن الحسن أنه أُريد بالكلمة عِدَتُه سبحانه وتعالى لهم بالجنة، ولا يخفى أنه
يأباه السِّباق والسِّياق.
والتفتَ من التكلُّم إلى الخطاب في قوله سبحانه: ((ربُّك)) - على ما قال الطّبيُّ
- لأنَّ ما قبلَه من القَصص كان غيرَ معلومٍ له وَلِّ، وأما كونُه جلَّ شأنُه منجِزًا
لما وعَدَ، ومُجْرِيًا لما قضى وقدَّر، فهو معلومٌ له عليه الصلاة والسلام. وذَكَر في
((الكشف)) أنه أدمج في هذا الالتفات أنه ستتمُّ كلمةُ ربك في شأنك أيضًا.
وقرأ عاصمٌ في رواية: ((كلمات)) بالجمع(١)؛ لأنَّها مواعيد. والوصفُ
بـ ((الحسنى)) لتأويله بالجماعة، وقد ذكروا أنه يجوز وصفُ كلِّ جمع بمفردٍ مؤنَّث،
إلا أنَّ الشائع في مثله التأنيثُ بالتاء، وقد يؤنَّث بالألف كما في قوله سبحانه:
﴿مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨].
﴿بِمَا صَبِّرُواْ﴾ أي: بسبب صَبْرهم على الشدائد التي كابَدوها من فرعون وقومه،
وحسبُك بهذا حاثًّا على الصبر، ودالًا على أنَّ من قابَلَ البلاءَ بالجَزَعِ وَكَلَه الله تعالى
(١) القراءات الشاذة ص ٤٥، والبحر المحيط ٣٧٦/٤.

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٣٢٠
الآية : ١٣٧
إليه، ومن قابَلَه بالصَّبر ضَمِن الله تعالى له الفَرَج. وأخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن
الحسن قال: لو أنَّ الناسَ إذا ابتُلُوا من قِبَل سلطانهم بشيء صبروا ودَعَوا الله تعالى
لم يلبثوا أن يرفَعَ الله تعالى ذلك عنهم، ولكنهم يفزَعُون إلى السَّيف، فيُوكلون إليه،
ثم تلا هذه الآية(١). وفي رواية أخرى عنه قال: ما أُوتيتْ بنو إسرائيل ما أُوتيتْ
إلا بصبرهم، وما فزِعَتْ هذه الأمةُ إلى السيف قطُ فجاءت بخير.
وأقول: قد شاهدنا الناسَ سنةً الألف والمئتين والثمان والأربعين قد فزعوا إلى
السَّيف، فما أغناهم شيئًا، ولا تَّ لهم مرادٌ، ولا حُمِد منهم أمرٌ، بل وقعوا في حَرَّة
رُجَيلة(٢)، ووادي خَدِبَّات(٣)، وأُمّ حَبَوْكَر (٤)، ورُموا - لعَمْرُ الله - بثالثة الأثافيّ(٥)،
وقُصَّ من جناح عِزِّهم القُدَامى والخَوَافي(٦)، ولم يعلموا أن عيش المُضِرِّ حُلْوُهُ مرٍّ
مَقِرِ (٧)، وأن الفَرَج إنما يُصطاد بشباك الصَّبر.
وما أحسن قول الحسن: عجبت ممن خَفَّ كيف خَفَّ وقد سمع قوله سبحانه!
وتلا الآية.
ويعلم منها أن التحزُّن لا ينافي الصبر؛ لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به
مع قولهم السابق لموسى عليه السلام: ((أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)).
(١) الدر المنثور ١١٣/٣-١١٤، وأخرجه أيضاً ابن سعد ١٦٤/٧-١٦٥، وابن أبي حاتم
١٥٥١/٥.
(٢) تحرفت في الأصل و(م) إلى رحيلة. وحرة رُجَيْلة ورجلاء: إذا كانت كثيرة الحجارة، يشتد
المشي فيها. مجمع الأمثال ٢/ ٣٧٢.
(٣) من أمثالهم: وقعوا في وادي خدبات، أي: شدائد منكرة، وهو مثل يضرب في هلاك القوم
بالحوادث. الأمثال لأبي عبيد ص٣٣٩، والمستقصى للزمخشري ٣٧٩/٢.
(٤) وهذا أيضاً من أمثالهم، وقد تحذف كلمة أم، فيقال: وقعوا في حبوكر، وأصل الحبوكر:
الرمل يضل فيه، وهو مثل يضرب لمن وقع في داهية عظيمة. مجمع الأمثال ٣٦١/٢.
(٥) ومن أمثالهم: رماه الله بثالثة الأثافي، يضرب لمن رمي بداهية عظيمة. مجمع الأمثال
٢٨٧/١.
(٦) القدامى: المتقدم من ريش الجناح، والخوافي: ما خفي خلف القدامى. مجمع الأمثال
٢٠٤/٢.
(٧) المضر: الذي له ضرائر، والمقر: الشديد المرارة، يضرب لمن كان له كفاف، فطلب عيشًا
أرفع وأنفع، فوقع فيما يتعبه. مجمع الأمثال ٢/ ٤١ .