Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ١٠٧
٢٨١
سُورَةُ الأَغَافِ
ورُوي عن ابن عباس والسُّديِّ أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حيةً صفراء
شعراء، فاغرةً فاها، بين لَحييها ثمانون ذراعاً، وارتفعت من الأرض بقَدْرٍ ميل،
وقامت على ذنبها واضعةً لَحيها الأسفل في الأرض ولَحيها الأعلى على سور
القصر، وتوجَّهت نحو فرعون لتأخذَه، فوثب عن سريره هارباً وأحدث. وفي بعض
الروايات أنه أحدث في ذلك اليوم أربع مئة مرة، وفي أخرى أنه استمرَّ معه داء
البَطَن حتى غَرِق.
وقيل: إنها أخذت قبةَ فرعون بين أنيابها، وأنها حملت على الناس فانهزموا
مزدحمين، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفًا، فصاح فرعونُ: يا موسى، أنشُدُك
بالذي أرسلك أن تأخذَها، وأنا أُؤمن بك وأُرسل معك بني إسرائيل، فأخذَها
فعادت عصاً كما كانت.
وعن مَعْمَر أنها كانت في العِظَم كالمدينة، وقيل: كان طولُها ثمانين ذراعاً،
وعن وهب بن مُنّه أن بين لَحييها اثني عشر ذراعاً.
وعلى جميع الروايات لا تعارض بين ما هنا وقوله سبحانه: ﴿كَأَنَّا جَانٌ﴾
[القصص: ٣١]، بناءً على أن الجانَّ هي الحيَّةُ الصغيرة؛ لما قالوا: إنَّ القصة غيرُ
واحدة، أو أنَّ المقصود من ذلك تشبيهُها في خفَّة الحركة بالجانِّ، لا بيانُ جتَّتها،
أو لما قيل: إنها انقلبت جانًّا وصارت ثعباناً، فحُكيت الحالتان في آيتين، وسيأتي
إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك.
والآيةُ من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته، كالنُّحاس إلى الذهب؛
إذ لو كان ذلك تخييلاً لبطل الإعجاز، ولم يكن لذكر ((مبينٌ)) معنّى مبينٌ، وارتكابُ
غير الظاهر غيرُ ظاهر، ويدلُّ لذلك أيضاً أنه لا مانع في القدرة من توجّه الأمر
التكوينيّ إلى ما ذُكر وتخصيص الإرادة له.
والقولُ بأنَّ قلب الحقائق محالٌ، والقدرةُ لا تتعلَّق به، فلا يكون النحاسُ
ذهباً = رصاصٌ مموَّه، والحقُّ جواز الانقلاب؛ إما بمعنى أنه تعالى يخلُق بدلَ
النحاس ذهباً على ما هو رأي المحقّقين، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصفَ
الذي صار به نحاساً، ويخلق فيه الوصفَ الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض

سُورَةُ الأَغرافِ
٢٨٢
الآية : ١٠٨ - ١٠٩
المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحالُ إنما هو
انقلابُه ذهبًا مع كونه نحاساً؛ لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً،
وعلى أحد هذين الاعتبارين توّا أئمةُ التفسير في أمر العصا.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أخرجَها من جيبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدََكَ فِى جَيْبِكَ﴾
[النمل: ١٢]، أو من تحت إبْطه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَآَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَلِكَ﴾ [طه:
٢٢]، والجمع بينهما ممكنٌ في زمان واحد، وكانت اليدَ اليمنى كما صُرِّح به في
بعض الآثار.
﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ ﴾﴾ أي: بيضاء بياضاً نورانيًّا خارجاً عن العادة
يجتمع عليه النُّظَّار؛ فقد رُوي أنه أضاء له ما بين السماء والأرض، وجاء في رواية
أنه أَرى فرعونَ يدَه، وقال عليه السلام: ما هذه؟ فقال: يدُك، ثم أدخلَها جيبَه
وعليه مِدْرَعة صوفٍ، ونزعها فإذا هي بيضاء بياضًا نورانيًّا غلب شعاعُه شعاعَ
الشمس .
وقيل: المعنى: بيضاءُ لأجل التُّظَّار، لا أنها بيضاءُ في أصل خلقتها؛ لأنه عليه
السلام كان آدمَ شديدَ الأُدْمة، فقد أخرج البخاريُّ(١) عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وٍَّ: ((وأمَّا موسى فآدَمُ، جسيم(٢)، سَبْطٌ، كأنه من رجال الزُِّطِ))، وعنى
عليه الصلاة والسلام بالزُّطّ جنساً من السُّودان والهنود.
ونصَّ البعضُ على أن ذلك البياض إنما كان في الكفِّ، وإطلاقُ اليد عليها
حقيقةٌ، وفي ((القاموس)) (٣): اليَدُ: الكفُّ، أو من أطراف الأصابع إلى الكتف(٤)،
وأصلُها يَدْيٌّ بدليل جمعها على أيدي، ولم تُرَدَّ الياء(٥) عند الإضافة إلى الضمير؛
لما تقرَّر في محله، وجاء في كلامهم: يَدُّ بالتشديد، وهو لغةٌ فيه.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ﴾ أي: الأشراف منهم، وهم أهل مشورته ورؤساءُ
(١) في صحيحه (٣٤٣٨).
(٢) تحرفت في الأصل و(م) إلى: جثيم. والمثبت من البخاري.
(٣) مادة (يدي).
(٤) تحرفت في الأصل و(م) إلى: الكف، والمثبت من القاموس.
(٥) في الأصل و(م): اليد، والمثبت هو الصواب.

الآية : ١١٠ - ١١١
٢٨٣
سِوَرَةُ الأَغرافِ
دولته: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ
يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: من أرض مصر.
أي: مبالِغٌ في علم السِّحر ماهرٌ فيه. ﴿يُرِيدُ أَنَ
١٠٩
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ أي: تُشيرون في أمره، كما فسَّره بذلك ابن عباس، فهو
من الأمر بمعنى المشاورة، يقال: آمَرتُه فآمَرني، أي: شاورتُه فأشار عليَّ، وقيل:
من الأمر المعهود. و((ماذا)) في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول لـ ((تأمرون)) بحذف
الجارِّ، أي: بأيِّ شيء تأمرون؟ وقيل: ((ما)) خبر مقدَّم، و((ذا)) اسمٌ موصول مبتدأ
مؤخّر، أي: ما الذي تأمرون به؟
﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ أي: أَخِّر أمرَهما وأصدِرهما عنك، ولا تعجل في أمرهما
حتى ترى رأيك فيهما. وقيل: احبِسهما، واعتُرض بأنه لم يثبتْ منه الحبس،
وأُجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعَه. وقيل عليه أيضاً: إنه لم يكن قادراً على
الحبس بعد أن رأى ما رأى، وقوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] في
(الشعراء)) كان قبل هذا. وأُجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك منه.
وقال أبو منصور(١): الأمرُ بالتأخير دلَّ على أنه تقدَّم منه أمرٌ آخر وهو الهمُّ
بقتله، فقالوا: أخِّره ليتبيَّن حالُه للناس. وليس بلازم كما لا يخفى.
وأصل ((أَرْجِهْ)): أرجِئْه بهمزةٍ ساكنة وهاء مضمومةٍ دون واو، ثم حُذفت الهمزةُ
وسكّنت الهاء؛ لتشبيه المنفصل بالمتَّصل، وجُعِل ((جِهْ و)» كإِبْل في إسكان
وسطه(٢)، وبذلك قرأ أبو عمرو، وأبو بكرٍ، ويعقوب على أنه من أرجأتُ(٣)،
وكذلك قراءة ابن كثير، وهشام عن ابن(٤) عامر: ((أرجِئْهُو)) بهمزة ساكنة وهاء
(١) في تأويلات أهل السنة ٢/ ٢٧٠ .
(٢) قال الشهاب ٢٠٣/٤: وقوله - أي البيضاوي -: ((جه و)) أي: لفظ ((جه)) بكسر الهاء غير
مشبعة مع واو العطف، كإِيل بكسرتين، فيجوز تسكينه للتخفيف. والمنفصل والمتصل:
المراد به ما كان من الكلمة وغيره، لا في الخط.
(٣) قرأ أبو عمرو ويعقوب: ((أرجئهُ)) بالهمز وضم الهاء، وكذا قرأ ابن كثير وهشام ولكن بوصل
الهاء المضمومة بواو. وقرأ أبو بكر: ((أَرْجِهْ)) وهي قراءة حفص وحمزة.
(٤) في الأصل و(م): وهشام وابن عامر، والمثبت هو الصواب، وينظر تفسير البيضاوي مع
حاشية الشهاب ٤/ ٢٠٢ .

سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ
٢٨٤
الآية : ١١١
متصلة بواو الإشباع. وقرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل، والكسائيُّ: ((أرجِهِي))
بهاء مكسورةٍ بعدها ياءٌ، من أرجيتُ، وفي رواية قالون(١): ((أرجِهِ)) بحذف الياء؛
للاكتفاء عنها بالكسرة.
وقرأ ابنُ عامر برواية ابن ذكوان: ((أرجِئْهِ) بالهمزة وكسر الهاء(٢).
وقد ذكر بعضُهم أن ضمَّ الهاء وكسرَها، والهمزَ وعدَمَه لغتان مشهورتان، وهل
هما ماذَّتان، أو الياء بدلٌ من الهمزة، كتوضَّأتُ وتوضَّيت؟ قولان.
وطُعن في القراءة على رواية ابن ذكوان، فقال الحوفيُّ: إنها ليست بجيدةٍ،
وقال الفارسيُّ(٣): إن ضمَّ الهاء مع الهمزة لا يجوز غيرُه، وكسرُها غلط؛ لأن الهاء
لا تُكسر إلا بعد ياءٍ ساكنة أو كسرة.
وأُجيب - كما قال الشِّهاب(٤) - عنه بوجهين: أحدهما أنَّ الهمزةَ ساكنةٌ،
والحرفُ الساكن حاجزٌ غيرُ حصين، فكأنَّ الهاءَ وَلِيت الجيمَ المكسورةَ، فلذا
كُسرت، والثاني: أن الهمزة عرضةٌ للتغيير كثيراً بالحذف، وإبدالِها ياءً إذا سُكِّنت
بعد كسرة، فكأنَّها وَلِيت ياءً ساكنة، فلذا كُسرت. وأَورد على ذلك أبو شامة أن
الهمزةَ تعدُّ حاجزًا، وأن الهمزةَ لو كانت ياءً كان المختار الضمَّ نظرًا لأصلها .
وليس بشيء بعد أن قالوا: إن القراءةَ متواترةٌ، وما ذُكر لغةٌ ثابتة عن العرب.
هذا واستُشكل الجمعُ بين ما هنا وما في ((الشعراء))؛ فإنَّ فيها: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ:
إِنَّ هَذَا لَسَِرُ عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [٣٤-٣٥]،
وهو صريحٌ في أن ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ﴾ إلى ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ كلامُ فرعون، وما هنا
صريحٌ في نسبة قول ذلك للملأ، والقصةُ واحدة، فكيف يَختلف القائلُ في
الموضعين؟ وهل هذا إلا منافاة؟
(١) بعدها في (م): أن.
(٢) القراءات السابقة مذكورة في التيسير ص١١١، والنشر ٣١١/١-٣١٢، ما عدا رواية
إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن نافع، فقد ذكرها البيضاوي في تفسيره - مع حاشية الشهاب
٢٠٢/٤ - وعنه نقل المصنف. وهي في السبعة لابن مجاهد ص٢٨٧ .
(٣) في الحجة للقراء السبعة ٥٨/٤.
(٤) في الحاشية ٤/ ٢٠٣.

الآية : ١١١
٢٨٥
سُورَّةُ الأَغْرَافِ
وأُجيب بأنه لا منافاةً؛ لاحتمالين: الأول أن هذا الكلامَ قاله فرعونُ والملأُ من
قومه، فهو كوقع الحافر على الحافر، فنقل في ((الشُّعراء)) كلامه، وهنا كلامهم.
والثاني: أن هذا الكلامَ قاله فرعون ابتداءً، ثم قاله الملأ إمَّا بطريقِ الحكاية
لأولادهم وغيرهم، وإما بطريق التَّبليغ لسائر الناس، فما في ((الشُّعراء)» كلامُ فرعون
ابتداءً، وما هنا كلامُ الملأ نقلاً عنه.
واختار الزمخشريُّ أن ما هنا هو قولُ الملأ نقلاً عن فرعون بطريق التَّبليغ
لا غير؛ لأنَّ القوم لما سمعوه خاطبوا فرعونَ بقولهم: أرجِهْ، إلخ(١)، ولو كان
ذلك كلامَ الملأ ابتداءً لكان المطابقُ أن يجيبوهم بأرجِثُوا، ولا سبيل إلى أنه كان
نقلاً بطريق الحكاية؛ لأنَّه حينئذٍ لم يكن مؤامرةً ومشاورةً مع القوم، فلم يتَّجه
جوابُهم أصلاً، فتعيَّنَ أن يكون بطريق التبليغ، فلذا خاطبوه بالجواب.
بقي أن يقال: هذا الجوابُ بالتأخير في ((الشُّعراء)» كلامُ الملأ لفرعون، وهاهنا
كلامُ سائر القوم، لكن لا منافاةَ؛ لجواز تطابُقِ الجوابين. وقولُ شيخ الإسلام(٢):
إن كون ذلك جواب العامَّة يأباه أنَّ الخطابَ لفرعون، وأنَّ المشاورة ليست من
وظائفهم = ليس بشيء؛ لأنَّ الأمر العظيم الذي تُصيب تبِعَتُه أهلَ البلد يشاوِرُ فيه
الملكُ الحازِمُ عوامَّهم وخواصَّهم، وقد يجمعُهم لذلك ويقول لهم: ماذا ترون،
فهذا أمرٌ لا يُصيبني وحدي؟ وربَّ رأي حسنٍ عند من لم يُظَنُّ به، على أن في ذلك
جمعًا لقلوبهم عليه وعلى الاحتفال بشأنه، وقد شاهدنا أنَّ الحوادثَ العِظامَ يُلتَفَتُ
فيها إلى العوامِّ، وأمرُ موسى عليه السلام كان من أعظم الحوادث عند فرعون بعد
أن شاهَدَ منه ما شاهَدَ.
ثم إنهم اختلفوا في قوله تعالى: ((فماذا تأمرون)) فقيل: إنه من تتمَّة كلامٍ
الملأ، واستظهَرَه غيرُ واحدٍ؛ لأنَّه مسوقٌ مع كلامهم من غيرِ فاصلٍ، فالأنسبُ أن
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٠٢/٢ احتمالاً مع الاحتمالين الآخرين، ثم أشار إلى
ترجيحه بقوله: والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: ﴿أَرَّةِ وَأَخَاهُ﴾ إلخ. وينظر حاشية
الشهاب ٤ / ٢٠٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٥٩/٣.

سُوَدَّةُ الأَشْرَافِ
٢٨٦
الآية : ١١١
يكون من بقيّة كلامهم، وقال الفرَّاء، والجُبَّائيُّ (١): إن كلامَ الملأ قد تمَّ عند قوله
سبحانه: ((يريد أن يُخرِجَكم من أرضكم))، ثم قال فرعونُ: «فماذا تأمرونَ؟ قالوا:
أرجِهْ))، وحينئذٍ يحتمِلُ - كما قال القطب - أن يكون كلامَ الملأ مع فرعون،
وخطابُ الجمع في ((يخرجَكم)) إما لتفخيم شأنه، أو لاعتباره مع خدَمِه وأعوانه،
ويَحتمِلُ أن يكون مع قوم فرعون، والمشاورةُ منه. ثم قال: وإنَّما التزموا هذا
التعسُّفَ ليكون مطابقًا لما في ((الشعراء)) في أن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من كلام
فرعون، وقوله: ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ كلامُ الملأ، لكنْ ما ارتفعتِ المخالفةُ بالمرَّة؛ لأنَّ
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَِرُ عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ﴾ كلامُ فرعون للملأ، وفي هذه
السورة - على ما وجَّهوه - كلامُ الملأ لفرعون، ولعلَّهم يحملونه على أنه قالَه لهم
مرَّةً، وقالوه له أُخرى. انتهى(٢).
ويمكن أن يقال: إنَّ الملأ لمَّا رأَوا من موسى عليه السلام ما رأَوا قال
بعضُهم لبعض: إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ يريد أن يُخرِجَكم من أرضكم، فماذا
تُشيرون؟ وما تستحسنون في أمره؟ ولمَّا رآهم فرعونُ أنَّهم مهتمُّون من ذلك قال
لهم تنشيطًا لهم، وتصويبًا لما هم عليه - قبل أن يُجيب بعضُهم بعضًا بما عنده -
مثل ما قالوه فيما بينهم، فالتفتوا إليه وقالوا: أرجه وأخاه، فحكى سبحانه هنا
مشاورةَ بعضهم لبعض وعَرْضَ ما عندهم أولَ وهلة قبل ذِكْره فيما بينهم، وحكى
في ((الشعراء)» كلامَه لهم ومشاورتَه إياهم التي هي طِبْق مشاورةِ بعضهم بعضًا
المحكيَّةِ هنا، وجوابَهم له بعد تلك المشاورة، وعلى هذا لا يدخُلُ العوامُ في
الشورى، ويكون هاهنا أبلغَ في ذمِّ الملأ. فليُتدبَّر. والله تعالى أعلم بأسرار
كلامه .
﴿وَأَرْسِلّ فِ اُلْمَدَآَيِنِ﴾ أي: البلاد، جمع مدينة، وهي من مَدَنَ بالمكان كنصر:
إذا أقام به، ولكون الياء زائدةً - كما قال غير واحد - تُقْلَبُ همزةً في الجمع. وأُريد
بها مطلقُ المدائن، وقيل: مدائنُ صعيد مصر.
(١) قول الفراء في معاني القرآن له ٣٨٧/١، وقول الجبائي نقله الطبرسي في مجمع البيان
٩ /١٤١.
(٢) الكلام في حاشية الشهاب ٢٠٢/٤.

الآية : ١١٢ - ١١٣
٢٨٧
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
﴾﴾ أي: رجالاً يجمعون السَّحَرة، وفسَّره بعضُهم بالشُّرَط: وهم
خَشِينَ
أعوانُ الولاة؛ لأنَّهم يجعلون لهم علامةً، ويقال للواحد: شُرْطيّ بسكون الراء نسبةً
للشُّرطة، وحكى في ((القاموس)) فتحَها أيضاً (١)، وفي ((الأساس))(٢) أنه خطأ؛ لأنه
نسبةٌ إلى الشُّرَط الذي هو جمع.
ونصَبَ الوصفَ على أنه صفةٌ لمحذوفٍ، ومفعولُه محذوفٌ أيضًا كما أُشير
إليه، وقد نصَّ على ذلك الأجهوريُّ.
﴿يَأْتُوُكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيٍ ﴾﴾ أي: ماهرٍ في السِّحر، والفعل مجزومٌ في جواب
الطلب.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((سخَّار))، وجاء فيه الإمالة وعدمُها(٣)، وهو صيغةُ
مبالغة، وفسَّره بعضُهم بأنَّه الذي يُديم السِّحرَ، والساحرُ مَنْ(٤) يكون قد سحَرَ في
وقتٍ دون وقت، وقيل: الساحر هو المبتدئ في صناعة السِّحر، والسَّخَّار هو
المنتهَى الذي يُتَعَلَّم منه ذلك.
﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بعد ما أَرسَل إليهم الحاشرين، وإنما لم يصرِّح به
للإيذان بمسارعةِ فرعون بالإرسال، ومبادرةِ الحاشرين والسَّحَرة إلى الامتثال.
واختلف في عِدَّتهم: فعن كعب أنهم اثنا عشر ألفًا، وعن ابن إسحاق: خمسة
عشر ألفًا، وعن أبي ثمامة: سبعة عشر ألفًا، وفي رواية: تسعة عشر ألفًا، وعن
السُّدِّي: بضعة وثلاثون ألفًا، وعن [ابن](٥) أبي بَزَّة أنهم سبعون ألفًا، وعن
محمد بن كعب: ثمانون ألفًا. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جُرَيج (٦) قال: السَّحرةُ
(١) القاموس (شرط).
(٢) مادة (شرط).
(٣) التيسير ص١١٢، والنشر ٢٧٠/٢.
(٤) بعدها في (م): أن.
(٥) ما بين حاصرتين سقط في الأصل و(م)، وأثبتناه من تفسير الطبري ٣٥٨/١٠، والدر المنثور
١٠٦/٣.
(٦) تحرف في الأصل و(م) إلى: ابن جرير، والتصحيح من تفسير الطبري ١٠٨/١٦، والدر
المنثور ١٠٦/٣، وعنه نقل المصنف هذه الأخبار.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٨٨
الآية : ١١٣
ثلاثُ مئة من الفيُّومِ(١) وثلاثُ مئة من العَرِيش، ويشكّون في ثلاث مئة من
الإسكندرية.
وعن ابن عباس ظُها أنهم كانوا سبعين ساحرًا، وقد أَخذوا السِّحرَ من رجلين
مجوسيَّين من أهل نينوى مدينةٍ يونس عليه السلام. ورُوي نحو ذلك عن الكلبيِّ.
والظاهرُ عدمُ صحَّته؛ لأنَّ المجوسيَّة ظهرت من زَرادِشْت على المشهور، وهو إنما
جاء بعد موسى عليه السلام.
واسمُ رئيسهم - كما قال مقاتل - شمعون، وقال ابن جُرَيج: هو يوحثًّا، وقال
ابن الجوزي(٢) نقلاً عن علماء السِّير: إن رؤساءهم سابور، وعاذور (٣)، وحطحط،
ومصفى .
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، ولذا لم يُعطف، كأنه قيل: فماذا قالوا له عند مجيئهم
إِيَّاه؟ فقيل: ((قالوا)) إلخ. وهذا أولى مما قيل: إنه حالٌ من فاعل ((جاؤوا)) أي:
جاؤوا قائلين: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: عوضًا وجزاء عظيمًا ﴿إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
والمقصودُ من الإخبار إيجابُ الأجر واشتراطُه، كأنهم قالوا: بشرط أن تجعل لنا
أجرًا إن غَلَبنا .
ويحتمل أن يكون الكلامُ على حذف أداة الاستفهام، وهو مطّرد، ويؤيِّد ذلك
قراءةُ ابن عامر(٤) وغيره: ((أَئِنَّ)) بإثبات الهمزة، وتوافُقُ القراءتين أولى من
تخالفهما، ومن هنا رجَّح الواحديُّ(٥) هذا الاحتمال.
وذِكْرُ الشرط لمجرَّد تعيين مناط ثبوت الأجر، لا لتردُّدهم في الغَلَبة، وقيل:
له. وتوسيطُ الضمير وتحليةُ الخبر باللام للقصر، أي: كنّا نحن الغالبين لا موسى،
عليه السلام.
(١) تحرفت في الأصل و(م) إلى: قومه، وتحرفت في الدر المنثور ١٠٦/٣ إلى قرم. والمثبت
من تفسير الطبري ١٠٨/١٦، وتفسير القرطبي ٩/ ٢٩٥.
(٢) في زاد المسير ٢٤١/٣.
(٣) في (م): عازور.
(٤) في (م): أنه قرأ ابن عامر، والقراءة مذكورة في التيسير ص١١٢، والنشر ٣٧٢/١.
(٥) كما في تفسير الرازي ٢٠٠/١٤، والدر المصون ٤١٣/٥-٤١٤.

الآية : ١١٤ - ١١٦
٢٨٩
سُورَةُ الأَغَرَافِ
﴿قَالَ نَعَمْ﴾ إنَّ لكم لأجرًا ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾ عطفٌ على مقدَّر هو عينُ
الكلام السابق الدالِّ عليه حرفُ الإيجاب، ويُسمَّى مثلُ هذا عطفَ التلقين، ومن
قال: إنه معطوفٌ على السابق أراد ما ذكرنا، والمعنى: إنَّ لكم لأجرًا، وإنكم مع
ذلك لمن المقرَّبين، أي: إني لا أقتصرُ لكم على العطاء وحدَه، وإنَّ لكم معه ما هو
أعظمُ منه وهو التقريب والتعظيم؛ لأنَّ من أُعطي شيئًا إنما يتهنَّأ به ويغتِطُ إذا نال
معه الكرامةَ والرِّفعة، وفي ذلك من المبالغة في التَّرغيب والتحريض ما لا يخفى،
ورُوي عن الكلبيِّ أنه قال لهم: تكونون أولَ من يدخلُ مجلسي، وآخر من يخرج
عنه .
﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ كنظيره السابق ﴿يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ﴾ ما تُلقي أولاً ﴿وَإِمَّآ أَنْ
نَّكُونَ تَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾ لما نُلقي أولاً، أو: الفاعلين للإلقاء أولاً. خيَّروه عليه
السلام بالبَدْء بالإلقاء؛ مراعاةً للأدب، ولذلك - كما قيل - مَنَّ الله تعالى عليهم
بما مَنَّ، أو إظهارًا للجلادة، وأنه لا يختلفُ عليهم الحال بالتقديم والتأخير، ولكنْ
كانت رغبتُهم في التقديم كما يُنبئ عنه تغييرُهم للنظم بتعريف الخبر، وتوسيطٍ ضمير
الفصل، وتوكيدِ الضمير المستتر، والظاهرُ أنه وقع في المحكيّ كذلك بما يُرادفه.
وقول الجلال السيوطيّ: إن الضميرَ المنفصل إما أن يكون فصلاً أو تأكيدًا،
ولا يمكنُ الجمع بينهما؛ لأنه على الأول لا محلَّ له من الإعراب، وعلى الثاني له
محللٌّ کالمؤگِّد = وهم كما لا يخفى.
وفرَّق الطيبيُّ بين كون الضمير فَضْلاً وبين كونه توكيدًا بأنَّ التوكيد يرفَعُ التجوُّز
عن المسند إليه، فيلزم التخصيصُ من تعريف الخبر، أي: نحن نُلقي البتةً لا غيرُنا،
والفصل يخصِّصُ الإلقاءَ بهم؛ لتخصيص المسند بالمسند إليه، فَيَعْرى عن التوكيد،
وتحقيقُ ذلك يُطلب من محلِّه.
﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام وثوقًا بشأنه، وتحقيرًا لهم، وعدمَ مبالاة بهم:
﴿أَلْقُواْ﴾ أنتم ما تُلقون أولاً.
وبما ذكرنا يُعلَم جواب ما يقال: إن إلقاءهم معارضةٌ للمعجزة بالسِّحر، وهي
كفر، والأمر به مثلُه، فكيف أمرَهم وهو هو؟ وحاصل الجواب: أنه عليه السلام
علم أنهم لابدَّ وأن يفعلوا ذلك، وإنما وقع التخييرُ في التقديم والتأخير كما صرَّح

سُورَةُ الَّغْرَافِ
٢٩٠
الآية : ١١٦
به في قوله سبحانه في آية أخرى: ﴿أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥]، فجوَّز لهم التقديمَ
لا لإباحةِ فعلهم بل لتحقيرهم، وليس هناك دلالةٌ على الرِّضا بتلك المعارضة.
وقد يقال أيضًا: إنه عليه السلام إنما أَذِن لهم ليُبطِلَ سحرَهم، فهو إبطالٌ للكفر
بالآخرة، وتحقيقٌ لمعجزته عليه السلام، وعلى هذا يُحمل ما جاء في بعض الآثار
من أنهم لمَّا قالوا ما قالوا سمع موسى عليه السلام مناديًا يقول: بل ألقوا أنتم
يا أولياءَ الله تعالى، فأوجَسَ في نفسه خِيْفةً من ذلك حتى أُمر عليه السلام،
وسيجيء إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْ﴾ ما ألقوا، وكان مع كلِّ واحد منهم حبلٌ وعصا ﴿سَحَرُواْ أَعْيُن
النَّاسِ﴾ بأن خيَّلوا إليها ما الحقيقةُ بخلافه، ولذا لم يقل سبحانه: سحروا الناسَ،
فالآيةُ على حدِّ قوله جل شأنه: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِخْرِهِمْ أَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
﴿وَأَسَّهَبُوهُمْ﴾ أي: أرهبوهم إرهابًا شديدًا، كأنهم طلبوا إرهابَهم.
﴿َرَجَءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (1﴾ في بابه، يُروى أنهم ألقَوا حبالاً غِلاظًا، وخشبًا
طوالاً، فإذا حيَّاتٌ كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركبُ بعضُها بعضًا. وفي بعض
الآثار أن الأرضَ كان سعتُها ميلاً في ميل، وقد امتلأت من الحيَّات والأفاعي،
ويقال: إنهم طَلَوا تلك الحبال بالزِّئبق، ولوَّنوها، وجعلوا داخل العِصيِّ زئبقًا أيضًا
وألقوها على الأرض، فلما أثَّر حرُّ الشمس فيها تحرَّكت والتَوَى بعضُها على بعض
حتى تخيَّل للناس أنها حيَّات.
واستدل بالآية من قال كالمعتزلة: إن السِّحر لا حقيقةً له، وإنما هو مجرَّد
تخييل. وفيه أنهم إنْ أرادوا أنَّ ما وقع في القصّة من السِّحر كان كذلك فمسلَّم،
والآية تدلُّ عليه، وإن أرادوا أن كلَّ سحرٍ تخييلٌ فممنوع، والآية لا تدلُّ عليه.
والذي ذهب إليه جمهور أهل السُّنة أن السحرَ أقسامٌ، وأن منه ما لا حقيقة له،
ومنه ما له حقيقةٌ، كما يشهد بذلك سحرُ اللَّعين لَبيد بن الأعصم اليهوديِّ
رسولَ اللهِ وَِّ﴾(١)، وسحرُ يهود خيبر ابنَ عمر ﴿ُّ حين ذهب ليَخرُص تمرهم(٢).
(١) أخرجه البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩): (٤٣).
(٢) أخرج البخاري (٢٧٣٠) من حديث ابن عمر ﴿هًا قال: لما فَدَعَ أهل خيبر عبد الله بن عمر
=

الآية : ١١٧
٢٩١
سُورَةُ الَّعَافِ
وذكروا أنه قد يصل السِّحر إلى حدِّ المشي على الماء، والطيران في الهواء، ونحو
ذلك، وترتُّبُ ذلك عليه كترتُّب الشِّبع على الأكل، والرِّيِّ على الشُّرب، والإحراق
على النار، والفاعلُ الحقيقيُّ في كلِّ ذلك هو الله تعالى.
نعم قال القرطبيُّ: أجمع المسلمون على أنه ليس من السِّحر ما يفعل الله تعالى
عندَه إنزالَ الجراد والقمل والضفادع، وفَلْق الحجر، وقَلْب العصا، وإحياء الموتى،
وإنطاقَ العجماء، وأمثال ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام(١).
ومن أنكر حقيقتَه استدلَّ بلزوم الالتباس بالمعجزة، وتُعقّب بأن الفرقَ مثل
الصُّبح ظاهر.
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى﴾ بواسطة الملك كما هو الظاهر ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاءٌ﴾ التي
علمتَ من أمرِها ما علمتَ. و((أن)) تفسيريَّةٌ؛ لتقدُّم ما فيه معنى القول دون حروفه،
وجُوِّز أن تكون مصدريةً، فالمصدرُ مفعول الإيحاء.
فصيحةٌ، أي: فألقاها
والفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
فصارت حيةً، فإذا هي .. إلخ، وإنما حُذف للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام
إلى الإلقاء، وبغاية سرعة الانقلاب، كأن لَقْفَها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر
بالإلقاء، وصيغةُ المضارع لاستحضار الصورةِ الغريبة.
واللَّقْفُ كاللَّقَفان: التناولُ بسرعة، وفسَّره الحسن هنا بالسَّرْط والبَلْع، والإفك:
صرف الشيء وقلبُه عن الوجه المعتاد، ويُطلق على الكذب - وبذلك فسَّره ابن
عباس ومجاهد - لكونه مقلوبًا عن وجهه، واشتهر ذلك فيه حتى صار حقيقة.
= قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ◌َّ﴿ عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نُقرُّكم
ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعُدي عليه من الليل، فقُدعت يداه
ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. وساق
الحديث بتمامه.
وقال الخطابي في أعلام الحديث ١٣٢٩/٢: قلت: إنما اتهم أهلَ خيبر بأنْ سحروا عبد الله
فقدعت يداه ورجله.
وانظر تعليق الحافظ على هذا الحديث في الفتح ٣٢٧/٥-٣٢٨.
(١) تفسير القرطبي ٢٨٧/٢. وتتمة كلامه: فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون،
ولا يفعله الله عند إرادة الساحر.

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٢٩٢
الآية : ١١٨ - ١٢٠
و((ما)) موصولة أو موصوفة، والعائد محذوفٌ، أي: ما يأفكونه ويكذبونه، أو
مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول، أي: المأفوك؛ لأنه المتلقّف.
وقرأ الجمهور: ((تلَقَّفُ)) بالتشديد وحَذْف إحدى التاءين(١).
﴿فَوَقَعَ﴾ أي: ظهر وتبيَّن كما قال الحسن ومجاهد والفراء(٢). ﴿اَلْحَقُّ﴾ وهو
أمرُ موسى عليه السلام.
وفسَّر بعضهم ((وقع)) بثبت على أنه قد استُعِير الوقعُ للثبوت والحصول، أو
للثبات والدوام؛ لأنه في مقابل ((بطل))، والباطلُ زائل، وفائدةُ الاستعارة - كما قيل
- الدلالةُ على التأثير؛ لأنَّ الوقع يستعمل في الأجسام، وقيل: المرادُ من ((وقع
الحقّ)) صيرورةُ العصا حيةً في الحقيقة، وليس بشيء.
﴿وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (
، أي: ظهر بطلانُ ما كانوا مستمرِّين على عمله.
١٨
﴿فَغُلِبُواْ﴾ أي: فرعونُ وقومه ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المجمع العظيم ﴿وَأَنْقَلَبُواْ
صَغِرِينَ (19)﴾ أي: صاروا أذلَاء، أو رجعوا إلى المدينة كذلك، فالانقلابُ إمَّا مجازٌ
عن الصيرورة، والمناسبةُ ظاهرة، أو بمعنى الرجوع، فـ ((صاغرين)) حال. ورُجّح
الأولُ بقوله سبحانه: ﴿وَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴾﴾ لأنَّ ذلك كان بمحضرٍ من
فرعون قطعًا. وجُوِّز رجوعُ ضمير ((غلبوا)) و((انقلبوا)) على الاحتمال الأول إلى
((السَّحرة)) أيضًا، وتُعقِّب بأنهم لا ذلَّة لهم، والحملُ على الخوف من فرعون، أو
على ما قبل الإيمان، لا يخفى ما فيه.
والمرادُ من ((أُلقي السحرة)) إلخ أنهم خرُّوا ساجدين، وعُبِّر بذلك دونه تنبيهًا
على أن الحق بَهَرهم، واضطرَّهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك، فكأنَّ
أحدًا دفعهم وألقاهم، أو أنَّ الله تعالى ألهمهم ذلك وحملَهم عليه، فالمُلقي هو الله
تعالى بإلهامه لهم حتى ينكسر فرعونُ بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام،
وينقِلبَ الأمرُ عليه. ويحتمل أن يكون الكلامُ جاريًا مجرى التمثيل؛ مبالغةً في
(١) التيسير ص١١٢، والنشر ٢٧١/٢، وقرأ حفص: ((تَلْقَفُ)).
(٢) في معاني القرآن ٣٩١/١.

الآية : ١٢١ - ١٢٢
٢٩٣
سُورَةُ الْأَّغرافِ
سرعة خرورهم وشدَّته، وإليه يشير كلامُ الأخفش، وجُوِّز أن يكون التعبيرُ بذلك
مشاكلةً لما معه من الإلقاء، إلا أنه دون ما تقدَّم.
يُروى أنَّ اجتماع القوم كان بالإسكندرية، وأنه بلَغَ ذنب الحيَّة من وراء
البحر، وأنها فَتَحت فاها ثمانين ذراعًا، فابتلعت ما صنعوا واحدًا بعد واحد،
وقصدت الناسَ، ففزِعُوا ووقع الزِّحام، فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفًا،
ثم أخذها موسى عليه السلام، فعادت في يده عصًا كما كانت، وأعدم الله تعالى
بقدرته تلك الأجرامَ العظام، ويحتمل أنه سبحانه فرَّقها أجزاء لطيفةً، فلما رأى
السَّحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء، فعند ذلك
خرُّوا سجَّدًا .
والمتبادر من السجود حقيقتُه، ولا يبعُدُ أنهم كانوا عالمين بكيفيَّته، وقيل: إن
موسى وهارون عليهما السلام سجدا شكرًا لله تعالى على ظهور الحقِّ، فاقتدَوا بهما
وسجدوا معهما، وحَمْلُ السجود على الخضوع - أي: أنهم خضعوا لمَّا رأوا ما رأوا
- خلافُ الظاهر الذي نطقت به الآثارُ من غير داعٍ إلى ارتكابه.
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ، وجوَّز أبو البقاء كونَه حالاً من ضمير ((انقلبوا))(١)، وليس
بشيءٍ، وقيل: هو حالٌ من ((السَّحرة))، أو مِنْ ضميرهم المستتر في ((ساجدين))، أي
أنهم أُلقوا ساجدين حال كونهم قائلين: ﴿مَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ أي: مالكِ أمرهم
والمتصرِّف فيهم.
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
١٢٢
بدلٌ مما قبل، وإنما أَبدلوا لئلا يُتَوهَّم أنهم أرادوا
فرعون، ولم يقتصروا على موسى عليه السلام؛ إذ ربما يبقى للتوهُّم رائحةٌ؛ لأنه
كان ربَّى موسى عليه السلام في صغره، ولذا قُدِّم هارونُ في محلٌّ آخر(٢)؛ لأنه
أدخلُ في دفع التوقُّم، أو لأجل الفاصلة، أو لأنه أكبر سنًّا منه، وقُدِّم موسى هنا؛
لشرفه، أو الفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم، فقد
قيل : إنه لا يضرُّ.
(١) الإملاء ٥١/٣.
(٢) وهو قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ ◌ُجَّدًا قَالُواْ ءَمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠].

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٢٩٤
الآية : ١٢٣
ورُوي أنهم لما قالوا: ((آمنا بربِّ العالمين))، قال فرعون: أنا ربُّ العالمين،
فقالوا ردًّا علیه: ((ربِّ موسى وهارون)).
وإضافةُ الربِّ إليهما كإضافته إلى ((العالمين))، وقيل: إنَّ تلك الإضافة على
معنى الاعتقاد، أي: الربِّ الذي يعتقدُ ربوبيَّتَه موسى وهارون، ويكون عدمُ
صدقِهِ على فرعون بزعمه أيضًا ظاهرًا جدًّا، إلا أن ذلك خلافُ الظاهر من
الإضافة .
ويُعلم مما قدَّمنا سِرُّ تقديم السجود على هذا القول. وقال الخازن في ذلك:
إنَّ الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمانَ خرُوا سَجَّدًا لله تعالى على ما هداهم
إليه وألهمهم من الإيمان، ثم أظهروا بذلك إيمانَهم، وقيل: إنهم بادروا إلى
السجود؛ تعظيمًا لشأنه تعالى؛ لما رأوا من عظيم قدرته، ثم إنهم أظهروا
الإيمانَ (١).
ومَنْ جَعَل الجملة حالاً قال بالمقارنة، فافهم.
وأول من بادر بالإيمان - كما رُوي عن ابن إسحاق ـ الرؤساءُ الأربعة الذين
ذكرهم ابنُ الجوزيِّ، ثم اتبعتهم السَّحرة جميعًا .
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ منكرًا على السَّحرة، موبِّخًا لهم على ما فعلوه: ﴿مَامَنْثُم بِهِ﴾
أي: بربِّ موسى وهارون، أو بالله تعالى؛ لدلالة ذلك عليه، أو بموسى عليه
السلام، قيل: لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿َمَنْتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء: ٤٩] فإنَّ الضمير
فيها له عليه السلام؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَكِيُّكُمْ﴾ إلخ [الشعراء: ٤٩].
والمقصودُ من الجملة الخبرية التوبيخ؛ لأن الخبر إذا لم يُقصد به فائدتُه
ولا لازمُها تولَّد منه بحسب المقام ما يناسبُه، وهنا لمَّا خاطبهم الجبَّار بما فعلوا
مخبرًا لهم بذلك، مع ظهور عدمٍ قَصْد إفادة أحد الأمرين - والمقامُ هو المقام - أفادَ
التوبيخَ والتقريع.
ويجوز أن تقدَّر فيه الهمزةُ بناءً على اطِّراد ذلك، والاستفهامُ للإنكار؛ بمعنى
(١) تفسير الخازن ٢/ ٢٧٢ .

الآية : ١٢٤
٢٩٥
سُوَرَّةُ الأَّغَافِ
أنه لا ينبغي ذلك، ويؤيد ذلك قراءةُ حمزة، والكسائيِّ، وأبي بكر عن عاصم،
وروح عن يعقوب: ((أآمنتم)) بهمزتين محقَّقتين، وتحقيقُ الأولى وتسهيل الثانية بينَ
بينَ مما قُرئ به أيضًا(١).
﴿قَبْلَ أَنْ ◌َذَنَ لَكُمْ﴾ أي: قبل أن آمرَكم أنا بذلك، وهو على حدٍّ قوله تعالى:
﴿لَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ [الكهف: ١٠٩]، لا أنَّ الإذنَ منه ممكنٌ في ذلك.
وأصلُ ((آذن)): أأذن بهمزتين، الأولى للتكلُّم، والثانيةُ من صلب الكلمة، قلبت
ألفًا لوقوعها ساكنةً بعد همزة.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الصَّنيع ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾ لَحيلةٌ احتلتُمُوها أنتم وموسى، وليس
مما اقتضى الحالُ صدورَه عنكم لقوة الدليل وظهورِ المعجزة، وهذا تمويهٌ منه على
القبط؛ يريهم أنهم ما غُلبوا ولا انقطعتْ حجَّتُهم، قيل: وكذا قوله: ((قبل أن آذن
لكم)).
﴿فِ الْمَدِينَةِ﴾ أي: في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد. أخرج ابنُ جرير
وأبو الشَّيخ عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة قال: التقى موسى عليه السلام وأميرُ
السَّحرة، فقال له موسى: أرأيتَكَ إن غلبتُك، أتؤمنُ بي وتشهد أنَّ ما جئتُ به حقٌّ؟
فقال الساحر: لآتينَّ غدًا بسحرٍ لا يغلبُه سحرٌ، فوالله لئن غلبتني لأومننَّ بك،
ولأشهدنَّ أنك حقٌّ. وفرعونُ ينظر إليهم(٢). وهو الذي نشأ عنه هذا القول.
﴿لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهِّ﴾ أي: القبط، وتخلُصَ لكم ولبني إسرائيل.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ عاقبةَ ما فعلتُم، وهذا وعيدٌ ساقَهُ بطريق الإجمال
للتهويل، ثم عقَّبه بالتفصيل فقال: ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ يَِفٍ﴾ أي: من كلِّ
جانب عضوًا مغايرًا للآخر، كاليد من جانب والرجل من آخر، والجارُّ في موضع
الحال، أي: مختلفةً. والقولُ بأن (مِنْ)) تعليليةٌ متعلِّقة بالفعل، أي: لأجل
خلافكم، بعيدٌ.
﴿ِثُمَّ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
تفضيحًا لكم، وتنكيلاً لأمثالكم.
١٢٤
(١) التيسير ص١١٢، والنشر ٣٦٨/١-٣٦٩.
(٢) الدر المنثور ١٠٧/٣، وهو في تفسير الطبري ٣٦٢/١٠.

سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
٢٩٦
الآية : ١٢٥ - ١٢٦
والتصليبُ مأخوذ من الصَّلب: وهو الشدُّ على خشبة أو غيرها، وشاع في
تعليق الشخص بنحو حبل في عنقه ليموت، وهو المتعارفُ اليوم، ورأيتُ في بعض
الكتب أن الصَّلب الذي عناه الجبّار هو شدُّ الشخص من تحت الإبطين وتعليقُه حتى
يهلك، وهو كقطع الأيدي والأرجل أولُ من سَنَّه فرعون على ما أخرجه ابن المنذر
وغيره عن ابن عباس ظًا(١)، وشَرَعه الله تعالى لقّاع الطريق؛ تعظيمًا لجرمهم،
ولهذا سماه سبحانه محاربةً لله ولرسوله.
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ
﴾ أي: إلى رحمته سبحانه
١٢٥
وثوابه عائدون إن فعلتَ بنا ذلك، فياحبَّذاه.
أخرج ابن أبي حاتم(٢) عن ابن جُبير أنَّ السحرة حين خرُّوا سجَّدًا رأوا منازلَهم
تُبنى لهم. وأخرج عن الأوزاعيّ أنهم رُفعت لهم الجنةُ حتى نظروا إليها(٣).
ويحتمل أنهم أرادوا: إنَّا ولا بدَّ ميِّتون، فلا ضيرَ فيما تتوعَّدُنا به، والأجل
محتومٌ لا يتأخّر عن وقته:
ومَن لَمْ يَمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيره
تعدَّدَتِ الأسبابُ والموتُ واحد (٤)
ويحتمل أيضًا أن المعنى: إنَّا جميعًا ننقلب إلى الله تعالى فيحكم بيننا:
وعند الله تجتمعُ الخصوم(٥)
إلى ديَّان يوم الدِّين نمضي
وضميرُ الجمع على الأول للسَّحرة فقط، وعلى الثالث لهم ولفرعون، وعلى
الثاني يحتمل الأمرين .
٠
﴿وَمَا نَنِقِمُ﴾ أي: ما تكره، وجاء في الماضي نَقَمَ ونَقِمَ على وزن ضرَبَ وعلِمَ.
﴿مِنََّ﴾ معشرَ مَنْ آمن ﴿إِلَّ أَنْ ءَامَنَا ◌ِئَايَتِ رَبِنَا لَمَّا جَتْنَا﴾، وذلك أصلُ المفاخر،
وأعظمُ المحاسن. والاستثناءُ مفرَّغ، والمصدر في موضع المفعول به، والكلامُ
على حدٍّ قوله:
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٦٣.
(٢) في تفسيره ١٥٣٦/٥ .
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٠٧/٣.
(٤) البيت لابن نباتة السعدي، وهو في ريحانة الأليًّا للخفاجي ٤٤٤/١، وخلاصة الأثر ٤/ ٤٠٧.
(٥) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص٣٥٤.

الآية : ١٢٧
٢٩٧
سِوَرَةُ الأَغْرَافِ
تُعاب بنسيانِ الأحبَّةِ والوطن(١)
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ ضيوفَهم
وقيل: إن ((تنقِمُ)) مضارعُ نَقْمَ (٢) بمعنى عاقب، يقال: نقِمَ منه نَقْمًا، وتِنِقَّاماً،
وانتقم: إذا عاقبه، وإلى هذا يشير ما رُوي عن عطاء، وعليه فيكون ((أَنْ آمنًّا)) في
موضع المفعول له، والمراد على التقديرين حسمُ طمعٍ فرعون في نَجْعِ تهديده
إياهم، ويحتمل أن يكون على الثاني تحقيقًا لما أشاروا إليه أولاً من الرحمة
والثواب.
ثم أعرضوا عن مخاطبته وفَزعوا، والتجؤوا إليه سبحانه، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ أَفْرِعْ
عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: أفِضْ علينا صبرًا يغمرنا كما يُفْرَغ الماء، أو صُبَّ علينا ما يُطهِّرنا
من الآثام، وهو الصبرُ على وعيد فرعون، فـ ((أفرغْ)) على الأول استعارةٌ تبعيَّة
تصريحية، و((صبرًا)) قرينتُها، والمراد: هَبْ لنا صبرًا تامًّا كثيرًا، وعلى الثاني يكون
((صبرًا)) استعارةٌ أصليَّة مكنيَّة، و((أفرِعْ)) تخييلية.
وقيل: الكلامُ على الأول كالكلام على الثاني، إلا أن الجامعَ هناك الغمرُ
وهاهنا التطهير. وليس بذاك، وإنْ جَلَّ قائلُه.
﴾ أي: ثابتين على ما رزقتنا من الإسلام، غير مفتونين من
﴿وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ (٢٦)
الوعيد .
عن ابن عباس والكلبيِّ والسدِّي أنه فَعَلَ بهم ما أَوْعَدَهم به، وقيل: لم
يقدِرْ عليه لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بَِايَتِنَآ أَنْتُهَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ﴾
[القصص: ٣٥]. وأجاب الأوَّلون عن ذلك بأن المرادَ الغلبةُ بالحجَّة، أو في
عاقبة الأمر ونهايته. وهذا لا ينافي قتلَ البعض.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ مخاطبين له بعدما شاهدوا من أمر موسى عليه
السلام ما شاهدوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾ أي: أتتركُه ﴿وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: في
أرض مصر؟! والمراد بالإفساد ما يشمل الدينيَّ والدنيويّ، ومفعولُ الفعل محذوفٌ
للتعميم، أو أنه منزَّلٌ منزلةَ اللازم، أو يُقدَّر: يفسدوا الناسَ بدعوتهم إلى دينهم
(١) البيت دون نسبة في خزانة الأدب لابن حجة ص٤١٩، ومعاهد التنصيص ١٠٩/٣ .
(٢) كضرب وعلم. القاموس (نقم).

سُورَةُ الأَّغَافِ
٢٩٨
الآية : ١٢٧
والخروج عليك. أخرج ابن جرير(١) عن ابن عباس قال: لمَّا آمنتِ السحرةُ اتَّبع
موسى عليه السلام ستَّ مئة ألفٍ من بني إسرائيل.
﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفٌ على ((يفسدوا)) المنصوب بأن، أو منصوبٌ على جواب
الاستفهام كما يُنصب بعد الفاء، وعلى ذلك قول الحطيئة:
وبينَكم المودَّةُ والإخاءُ(٢)
ألم أكُ جارَكم ويكونَ بيني
والمعنى: كيف يكون الجمع بين تركِكَ موسى عليه السَّلام وقومَه يفسدون في
الأرض وتركِهم إياكَ .. إلخ؟ أي: لا يمكنُ وقوعُ ذلك.
وقرأ الحسن ونُعيم بنُ ميسرة بالرفع(٣) على أنه عطفٌ على ((تذر))، أو
استئنافٌ، أو حال بحذف المبتدأ، أي: وهو يذرُك؛ لأنَّ الجملة المضارعيةَ لا تقترن
بالواو على الفصيح. والجملةُ على تقدير الاستئناف معترضةٌ مؤكِّدة لمعنى ما سبق،
أي: تذرُه وعادتُه تركُكَ؟ ولا بدَّ من تقدير ((هو)) على ما قال الطّبيُّ، كما في
احتمال الحال؛ ليدلَّ على الدوام، وعلى تقدير الحالية تكونُ مقرِّرةً لجهة الإشكال.
وعن الأشهب أنه قرأ بسكون الراء(٤)، وخرَّج ذلك ابنُ جِنِّي(٥) على أنه تُرِكت
الضمةُ للتخفيف، كما في قراءة أبي عمرو: ((يأْمُرْكم)) [النساء: ٥٨] بإسكان الراء
استثقالاً(٦) للضمة عند توالي الحركات(٧)، واختاره أبو البقاء(٨). وقيل: إنه عطفٌ
على ما تقدَّم بحسب المعنى، ويقال له في غير القرآن: عطف التوقُّم، كأنه قيل:
يُفسدوا ويذرْك (٩)، كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠].
(١) تفسير الطبري ٣٧١/١٠.
(٢) ديوان الحطيئة ص٩٨، والرواية فيه: ألم أك مسلمًا.
(٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٤٥، وتفسير الطبري ٣٦٦/١٠، والبحر المحيط ٣٦٧/٤.
(٤) المحتسب ٢٥٧/١، والبحر المحيط ٣٦٧/٤، والأشهب هو العقيلي.
(٥) المحتسب ٢٥٧/١.
(٦) في الأصل و(م): استقلالاً، والمثبت من المحتسب.
(٧) اختلفت الرواية عن أبي عمرو بين إسكان للراء، واختلاس للضمة فيها، وتفصيل مذهبه في
النشر ٢١٢/٢-٢١٣.
(٨) الإملاء ٣/ ٥٢.
(٩) أي كأنه توهّم جزم ((يُفْسدوا)) في جواب الاستفهام، فعطف عليه بالجزم. الدر المصون ٤٢٣/٥.

الآية : ١٢٧
٢٩٩
سُوَّةُ الَّغرافِ
﴿وَءَالِهَنَّكَ﴾ أي: معبوداتك؛ يُروى أنه كان يعبد الكواكبَ، فهي آلهتُه، وكان
يعتقد أنها المربيةُ للعالم السفليِّ مطلقًا، وهو ربُّ النوع الإنسانيّ، وعن السدِّي أن
فرعونَ كان قد اتّخذ لقومه أصنامًا، وأمرهم بأن يعبدوها تقرُّبًا إليه، ولذلك قال:
﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٤
وقيل: إنه كانت له بقرةٌ يعبدُها، وكان إذا رأى بقرةً حسنةً أمر قومَه بعبادتها،
ولذلك أخرج السامريُّ لبني إسرائيل عجلاً. وهو رواية ضعيفةٌ عن ابن عباس.
وقال سليمان التَّيْمي: بلغني أنه كان يجعلُ في عنقه شيئًا يعبدُه، وأمرُ الجمعِ
عليه يحتاج إلى عناية.
وقرأ ابن مسعود، والضحَّاكُ، ومجاهدٌ، والشعبيُّ: ((وإلا هتك)) كعبادتك لفظًا
ومعنى(١)، فهو مصدرٌ. وأخرج غير واحد عن ابن عباس أنه كان ينكر قراءةً الجمع
بالجمع، ويقرأُ بالمصدر، ويقول: إنَّ فرعون كان يُعبَدُ ولا يَعْبُدُ(٢)، ألا ترى إلى
قوله: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] ومن هنا قال بعضهم:
الأقربُ أنه كان دهريًّا منكرًا للصانع.
وقيل: الإلاهةُ اسمٌ للشمس، وكان يعبُدُها؛ وأنشد أبو عليٍّ:
وأعجَلْنا الإلاهَةَ أن تؤوبا(٣)
﴿قَالَ﴾ مجيبًا لهم: ﴿سَنُقَئِّلُ أَنَّهُمْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَهُمْ﴾ كما كنّا نفعل بهم ذلك من
قبل؛ ليعلمَ أنَّا على ما كنَّا عليه من القهر والغلبة، ولا يَتوهّم أنه المولود الذي
حكم المنجّمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده.
(١) القراءات الشاذة ص ٤٥، وتفسير الطبري ٣٦٩/١٠، والمحتسب ٢٥٦/١. ولم نقف عليها
عن الشعبي.
(٢) تفسير الطبري ٣٦٨/١٠.
(٣) نُسِب لعتيبة بن الحارث اليربوعي كما في تهذيب اللغة ٢٢٤/٦، ومعجم البلدان ٢٢٣/١،
ونُسب أيضاً لبنته أم البنين مية بنت عتيبة كما في تفسير الطبري ٣٦٩/١٠، ومعجم البلدان
١٨/٥، واللسان (اله)، وصدره:
تروَّحنا من اللَّغْباء عَضْرًا

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٣٠٠
الآية : ١٢٨ - ١٢٩
وقرأ ابنُ كثير ونافعُ: ((سنَقْتُلُ)) بالتخفيف (١). والتضعيفُ كما في مؤَّتَتِ الإبلُ.
﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (٣)﴾ أي: غالبون كما كنا، لم يتغيَّر حالُنا، وهم مقهورون
تحت أيدينا. وكأنَّ فرعونُ قد انقطع طمعُه عن قتل موسى عليه السلام، فلم يَعِدِ الملأَ
بقتله؛ لما رأى من علوّ أمره وعظيمٍ شأنه، وكأنه لذلك لم يَعِدْ بقتل قومه أيضًا .
والظاهرُ ـ على ما قيل - أن هذا من فرعون بيانٌ لأنهم لا يقدرون على أن
يفسدوا في الأرض، وإيذانٌ بعدم المبالاة بهم، وأنَّ أمرَهم فيما بعدُ كأمرهم فيما
قبل، وأن قتلَهم عبثٌ لا ثمرةَ فيه، وذكر الطَّبيُّ أنه من الأسلوب الحكيم، وإن
صدر من الأحمق، وأن الجملةَ الاسميةَ كالتذييل لما قبلها، فافهم.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ تسليةً لهم حين تضجَّروا مما سمعوا بأسلوبٍ حكيم:
﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ على ما سمعتُم من الأقاويل الباطلة ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَِّ﴾.
أي: أرض مصر، أو الأرض مطلقًا، وهي داخلة فيها دخولاً أوليًّا. ﴿يُورِثُهَا مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُشَّقِينَ (
الذين أنتم منهم.
وحاصلُه أنه ليس الأمر كما قال فرعون: ((إنا فوقهم قاهرون))؛ فإن القهرَ
والغلبةَ لمن صبَرَ واستعان بالله، ولمن وعدَه اللهُ تعالى توريثَ الأرض، وأنا ذلكم
الموعودُ الذي وعدَكم الله تعالى بالنُّصرة به، وقَهْرَ الأعداء، وتوريثَ أرضهم.
وقوله: ((والعاقبة)) إلخ تقريرٌ لما سبق.
وقرأ أبيٍّ وابن مسعود: ((والعاقبةَ)) بالنصب(٢) عطفًا على اسم ((إن)).
﴿قَالُوا﴾ أي: قوم موسى له عليه السلام: ﴿أُوذِينَا﴾ من جهة فرعون ﴿مِن قَبْلِ
أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، يعنون بذلك قتلَ الجبّار أولادهم قبل مولده وبعده، إذ قيل له :
يُولد لبني إسرائيل غلامٌ يسلبُكَ ملكَكَ، ويكونُ هلاكُكَ على يديه.
﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ﴾ أي: رسولاً، يعنون به ما توعَّدهم به من إعادة قتل
الأبناء، وسائر ما كان يفعل بهم - لعداوة موسى عليه السلام - من فنون الجَوْر
والعذاب.
(١) التيسير ص١١٢، والنشر ٢٧١/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٥ .