Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٩٧
٢٦١
سُوَّةُ الْأَّغَرَافِ
وقرأ ابنُ عامر: ((لفتَّحنا)) بالتشديد(١).
﴿وَلَكِن كَذَّبُواْ﴾ أي: ولكن لم يؤمنوا ولم يتَّقوا، وقد اكتُفي بِذِكْر الأول
لاستلزامه الثاني، وللإشارة إلى أنه أعظمُ الأمرين.
﴿فَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها
٩٦
قولُهم السَّابق.
والظاهر أن هذا الأخذَ والمتقدِّمَ في قوله سبحانه: ﴿فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
واحدٌ، وليس عبارةً عن الجَدْب والقحط كما قيل؛ لأنهما قد زالا بتبديل الحسنة
مكانَ السيئة، وحَمْلُ أحد الأخذين على الأَخْذ الأخرويِّ والآخر على الدنيويِّ بعيدٌ.
ومَنْ ذهب إلى حمل ((أل)) على الجنس على الوجه الأخير فيه يلزمه أن يَحمل
((كذَّبوا فأخذناهم)) على وقوع التكذيب والأَخْذ فيما بينهم، ولا يخفى بُعْدُه.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ﴾ الهمزةُ لإنكار الواقع واستقباحه، وقيل: لإنكار الوقوع
ونفيه، وتُعُقِّب بأن ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ إلخ [الآية: ٩٩] يأباه.
والفاءُ للتعقيب مع السبب، والمراد بـ ((أهل القرى)): قيل: أهلُ القرى المذكورة،
على وضع المظهَر موضع المضمَر؛ للإيذان بأنَّ مدار التوبيخ أَمْنُ كلِّ طائفة ما أتاهم
من البأس، لا أمنُ مجموع الأمم، وقيل: المرادُ بهم أهل مكة وما حواليها ممن بُعث
إليه نبيُّنَا وَّرَ، وهو الأَولى عندي، وإلى ذلك ذهب مُحيي السُّنة(٢).
والعطفُ على القولين على ((فأخذناهم بغتة))، لا على محذوفٍ ويُقدَّر بما يناسب
المقامَ، كما وقع نحو ذلك في القرآن كثيراً، وأمر صدارة الاستفهام سهلٌ، وقوله
سبحانه: ((ولو أن أهل القرى آمنوا)) إلخ اعتراضٌ توسَّطَ بينهما؛ للمسارعة إلى بيان
أنَّ الأَخْذَ المذكور ممَّا كسبته أيديهم نظراً للأول، ولأنه يؤيِّد ما ذُكِر من أن الأَخذ
بغتةً ترتَّبَ على الإيمان والتقوى(٣)، ولو عكس لانعكس الأمر نظراً للثاني، ولو
(١) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢.
(٢) تفسير البغوي ١٨٣/٢.
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ترتب على أضداد الإيمان والتقوى، كما في حاشية
الشهاب ٤ / ١٩٦.

سُورَةُ الأَّغَافِ
٢٦٢
الآية : ٩٨
جُعِلت اللامُ فيما تقدَّم للجنس أَكَّد هذا الاعتراضُ المعطوفَ والمعطوفَ عليها،
وشملَهما شمولاً سواءً، على ما في ((الكشف)).
ولم يُجعل العطفُ على ((فأخذناهم)) الأقرب؛ لأنه لم يُسَقْ لبيان القرى وقصة
هلاكها قصداً كالذي قبله، فكان العطفُ عليه دونه أنسبُ، وهذا إذا أُريد بـ ((القرى))
القرى المدلول عليها بما سَبَق، وأما إذا أُريد بها مكة وما حولها، فوجهُ ذلك
أظهر؛ لأنَّ منشأ الإنكار ما أصاب الأممَ السالفة، لا ما أصاب أهل مكة ومَنْ
حولها من القحط وضيق الحال.
وربما يقال: إذا كان المراد بـ ((أهل القرى)) في الموضعين أهل مكة وما حولها،
يكون العطفُ على الأقرب أنسب، والمعنى: أَبَعْدَ ذلك الأَخْذ لمن استكبر وتعزَّز
وخالف الرُّسل عليهم السلام، وشيوعِه والعلم به، يأمَنُ أهلُ القرى المشاركون لهم
في ذلك ﴿أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾ أي: عذابُنا ﴿بَيَتَّ﴾ أي: وقت بياتٍ، وهو مرادُ من
قال: ليلاً، وهو مصدر بات، ونصبُه على الظرفية بتقدير مضاف، ويجوز أن يكون
حالاً من المفعول، أي: بائتين، وجُوِّز أن يكون مصدر بَيَّتَ، ونصبه على أنه
مفعولٌ مطلق لـ ((يأتيَهم)) من غير لفظه، أي: تبيتاً، أو حالٌ من الفاعل بمعنى مبيّاً
بالكسر، أو من المفعول بمعنى مبيَّتين بالفتح، واختار غيرُ واحد الظرفيةَ؛ ليناسب
ما سيأتي.
﴿وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴾﴾ حالٌ من ضميرهم البارز أو المستتر في ((بياتاً))؛ لتأويله
بالصِّفة كما سمعت، وهو حال متداخلٌ حينئذ.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىِ﴾ إنكار بعد إنكارٍ؛ للمبالغة في التوبيخ والتشديد، ولم
يُقصَد الترتيب بينهما، فلذا لم يُؤت بالفاء.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: ((أوْ)) بسكون الواو(١)، وهي لأحد الشيئين،
والمراد التَّرديدُ بين أن يأتيَهم العذابُ بياتاً، وما دلَّ عليه قولُه سبحانه: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُم
بأسُنَا ضُحَى﴾ أي: ضحوة النهار، وهو في الأصل ارتفاع الشَّمس، أو شروقها
وقتَ ارتفاعها، ثم استُعمل للوقت الواقع فيه ذلك، وهو أحد ساعات النهار
(١) التيسير ص١١١، والنشر ٢٧٠/٢.

الآية : ٩٩
٢٦٣
سُورَةُ الْأَغْرَافِ
عندهم، وهي: الذُّرور، والبُزوغ، والضُّحى، والغَزَالة، والهاجِرَة، والزَّوال،
والدُّلوك، والعَصْر، والأَصيل، والصُّبُوب(١)، والحُدُور، والغروب، وبعضهم
يُسميها: البُكور، والشُّروق، والإشراق، والرَّأْد، والضُّحى، والمُتُوع(٢)،
والهاجِرَة، والأَصيل، والعَصْر، والطَّفَلُ، والحُدُور، والغروب(٣)، ويكون - كما قال
الشهاب(٤) - متصرِّفًا إن لم يُرَد به وقتٌ من يوم بعينه، وغيرَ متصرِّف إن أُريد به
ضحوةٌ يوم معين، فيلزم النصبَ على الظرفية، وهو مقصور، فإن فُتح مُدَّ، وقد
عَدُّوا لفظ الضحى مما يُذَكَّر ويؤنَّث.
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ أي: يلهون من فَرْط الغفلة، وهو مجاز مرسَلٌ في ذلك،
ويحتمِلُ أن يكون هناك استعارةٌ، أي: يشتغلون بما لا نفع فيه، كأنَّهم يلعبون.
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ﴾ تكريرٌ لمجموع الإنكارين السابقين جمعاً بين التفريق؛
قصداً إلى زيادة التحذير والإنذار، وذكر جمعٌ من جِلَّة المحققين أنه لو جُعل تكريرًا
له ولما سلف من غرَّة أهل القرى السابقة أيضاً، على معنى أن الكلَّ نتيجةُ الأمن
من مكر الله تعالى، لجاز، إلا أنه لمَّا جُعل تهديداً للموجودين كان الأنسبُ
التخصيص، وفيه تأمُّل.
والمكر في الأصل: الخداع، ويطلق على الستر، يقال: مَكَرَ الليل، أي: ستر
بظلمته ما هو فيه، وإذا نُسب إليه سبحانه فالمراد به استدراجُه العبدَ العاصيَ حتى
يُهلكه في غفلته؛ تشبيهاً لذلك بالخِداع، وتجوز هذه النسبةُ إليه سبحانه من غير
مشاكَلَةٍ، خلافًا لبعضهم، وهو هنا إتيانُ البأس في الوقتين والحالين المذكورين.
وهل كان تبديلُ مكان السيئة الحسنةَ المذكورُ قبلُ مكراً واستدراجاً، أو ملاطفةً
ومزاوجةً(٥)؟ فيه خلافٌ، والكلُّ محتملٌ.
(١) تحرفت في الأصل و(م) إلى: الصنوت، والمثبت موافق لما في الكشكول ٣٤٧/١،
والكلام منه.
(٢) تحرفت في الأصل و(م) إلى: المنوع، بالنون.
(٣) ينظر الأزمنة وتلبية الجاهلية لقطرب ص٥٦ وما بعدها، والمخصص لابن سيده ٩/ ٥١-٥٩.
(٤) حاشية الشهاب ٤ / ١٩٦ .
(٥) تحرفت في الأصل و(م) إلى: مراوحة. وجعلُها ملاطفةً ومزاوجة هو ما ذهب إليه
=

سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
٢٦٤
الآية : ٩٩
﴾ أي: الذين خسروا أنفسَهم،
٩٩
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ
فأضاعوا فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، والاستعدادَ القريبَ المستفادَ من النظر في
الآيات.
والفاء هنا متعلِّق - كما قال القطب الرازيُّ وغيره - بمقدَّر، كأنه قيل: فلما آمنوا
خسروا، فلا يأمَنُ .. إلخ. وقال أبو البقاء (١): إنَّها للتنبيه على تعقيب العذاب أَمْنَ
مكرِ الله تعالى، وقد يقال: إنها لتعليل ما يُفْهِمُه الكلامُ من ذمِّ الأمن واستقباحه، أو
يقال: إنَّها فصيحةٌ، ويقدَّر ما يستفاد من الكلام شرطاً، أي: إذا كان الأمنُ في غاية
القبح، فلا يرتكبُه إلا من خَسِرَ نفسَه.
واستدلَّت الحنفية بالآية على أن الأمنَ من مكر الله تعالى - وهو كما في ((جمع
الجوامع)»(٢): الاسترسالُ في المعاصي اتكالاً على عفو الله تعالى - كفرٌ، ومثلُه
اليأس من رحمة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَا يَأْيِّئَسُ مِن رَّجِ الَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر؛ لتصريح ابن
مسعود ◌َّه بذلك(٣)، وروى ابنُ أبي حاتم، والبزَّار عن ابن عباس أنه وَّ سُئل:
ما الكبائر؟ فقال: ((الشركُ بالله تعالى، واليأسُ من رَوْحِ الله، والأمنُ من مَكْر الله،
وهذا أكبر الكبائر))(٤). قالوا: وما ورد من أنَّ ذلك كفرٌ، محمولٌ على التغليظ،
وآية ﴿لَا يَأْيِّئَسُ﴾ إلخ كقوله تعالى: ﴿وَالَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَاٍ﴾ [النور: ٣]، و: ﴿لَّا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاَدَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢٢] في قولٍ.
الزمخشري في الكشاف ١٩/٢ حيث قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ،
=
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ في الصحة والسعة وصنوف النعمة؛ ليزاوج عليهم بين نوبتي
الضراء والسراء كما يفعل الأب المشفق بولده؛ يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً
لصلاحه. اهـ.
(١) في إملاء ما منَّ به الرحمن، على هامش الفتوحات الإلهية ٣/ ٤٢.
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ١٩٧/٤، والكلام ليس في جمع الجوامع، وإنما
هو في شرح الجلال المحلي عليه ١٥٩/٢ (المطبوع مع حاشية البناني).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧٠١)، والطبري في تفسيره ٦٤٨/٦ .
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩٣١/٣، ومسند البزار (١٠٦ - كشف). قال ابن كثير عند تفسير الآية
(٣١) من سورة النساء: وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، فقد روي عن ابن
مسعود نحو ذلك، وهو صحیح إليه بلا شك.

الآية : ١٠٠
٢٦٥
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
وقال بعض المحقّقين: إن كان في الأمن اعتقادُ أن الله تعالى لا يقدِرُ على
الانتقام منه، وكذا إذا كان في اليأس اعتقادُ عدم القدرة على الرحمة والإحسان، أو
نحو ذلك، فذلك مما لا ريب في أنه كفرٌ، وإن خلا عن نحو هذا الاعتقاد، ولم
يكن فيه تهاونٌ وعدمُ مبالاةٍ بالله تعالى، فذلك كبيرةٌ، وهو كالمحاكمة بين القولين.
﴿أَوَلَمَّ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أي: يَخلُفون مَنْ خلا قبلَهم
من الأمم، والمراد بهم كما رُوي عن السُّدِّي: المشركون، وفُسِّروا بأهل مكة ومَنْ
حولها، وعليه لا يبعُدُ أن يكون في الآية إقامةُ الظاهر مقام الضمير إذا كان المراد
بـ ((أهل القرى)) سابقًا أهل مكة وما حولها .
وتعديةُ فعل الهداية باللام؛ لأنها - كما رُوي عن ابن عباس ومجاهد - بمعنى
التَّبيين، وهو - على ما قيل - إمَّا بطريق المجاز أو التَّضمين، أو لتنزيله منزلةً
اللازم، كأنَّه قيل: أَغَفِلوا ولم يَفْعَل الهدايةَ لهم ﴿أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَهُمْ بِذُنُبِهِنَّ﴾
أي: بجزاء ذنوبهم، كما أصبنا مَنْ قبلهم؟! وإذا ضُمِّن ((أصبنا)) معنى أهلكنا
لا يحتاج إلى تقدير مضاف.
و ((أنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ شأن مقدَّرٌ، وخبرُه الجملةُ الشرطيةُ،
والمصدر المؤوَّلُ فاعلُ ((يهد))، ومفعولُه على احتمال التضمين محذوفٌ، أي: أَوَلم
يتبيّن لهم مآل أمرِهم، أو نحو ذلك، وجُوِّز أن يكون الفاعلُ ضميرَ الله تعالى، وأن
يكون ضميراً عائداً على ما يُفهم ممَّا قبل، أي: أَوَلم يهد لهم ما جرى على الأمم
السابقة .
وقرأ [أبو] (١) عبد الرحمن السُّلَميُّ، وقتادة، ورُوي عن مجاهد، ويعقوب:
(نَهْد)» بالنون(٢)، فالمصدر حينئذٍ مفعولٌ، ومن الناس من خصَّ اعتبار التضمين أو
المجاز بهذه القراءة، واعتبار التنزيل منزلة اللازم بقراءة الياء، وفيه بحثٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ جملةٌ معترضةٌ تذييليَّةٌ، أي: ونحن شأننا
وسُنَّنا أن نطبعَ على قلب مَنْ لم نُرد منه الإيمانَ؛ حتى لا يتَّعظ بأحوال مَنْ قبلَه،
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصل و(م).
(٢) انظر القراءات الشاذة لابن خالويه ص٤٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٤٠/٢، ومجمع البيان
للطبرسي ٩/ ١٢٩ .

سُوَةُ الأَغْرَافِ
٢٦٦
الآية : ١٠٠
ولا يلتفتَ إلى الأدلة، ومن أراد من ((أهل القرى)) فيما تقدَّم أهل مكة جعله تأكيداً
لما نُعي عليهم من الغرَّة والأمن والخسران، أي: ونحن نطبع على قلوبهم، فلذلك
اقتفَوا آثار مَنْ قبلهم، ولم يعتبروا بالآيات، وأمِنُوا من البَيَات لمستخلفيهم حذو
النَّعل بالنَّعل.
وجُوِّز عطفُه على مقدَّر دلَّ عليه قوله تعالى: ((أَوَلم يهد)» وعطفُه عليه أيضاً،
وهو وإن كان إنشاءً إلا أنَّ المقصود منه الإخبارُ بغفلتهم وعدم اهتدائهم، أي:
لا يهتدون، أو يغفلون عن الهداية، أو عن التأمُّل والتفكُّر، ونطبع .. إلخ.
وجُوِّز أن يكون عطفاً على ((يرثون))، واعتُرض بأنه صلةٌ، والمعطوف على
الصِّلة صلةٌ، ففيه الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبيٍّ، وهو ((أن لو نشاء)) سواءٌ كان
فاعلاً أو مفعولاً .
ونقل أبو حيان(١) عن ابن(٢) الأنباريِّ أنه قال: يجوز أن يكون معطوفاً على
((أصبنا)) إذا كان بمعنى نُصِيب، فوُضِع الماضي موضعَ المستقبل عند وضوح معنى
الاستقبال، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾
[الفرقان: ١٠]، أي: إن يشأ، يدلُّ عليه: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]، فجَعَلَ
(لو)) شرطية بمعنى إنْ، ولم يجعَلْها التي هي لِمَا كان سيقَعُ لوقوع غيره، وجعَلَ
((أصبنا)) بمعنى نُصِيب، وقد يرتكب التأويل في جانب المعطوف، فيؤوَّل ((نطبَعُ)) بـ :
طبعنا .
وردَّ الزمخشريُّ(٣) هذا العطفَ بأنه لا يُساعد عليه المعنى؛ لأنَّ القوم كانوا
مطبوعًا على قلوبهم، موصوفين بصفةٍ مَنْ قبلَهم من اقتراف الذَّنوب والإصابة بها،
وذلك يؤدِّي إلى خلوّهم عن هذه الصفة، وأن الله تعالى لو شاء لاتَّصفوا بها .
وتعقَبه ابن المنير (٤) بأنه لا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع ولا بدَّ،
وهم وإن كانوا كفَّاراً، ومقترفين للذَّنوب، فليس الطَّع من لوازم الاقتراف البثَّةَ؛ إذ
(١) في البحر المحيط ٣٥١/٤.
(٢) سقط لفظ: ابن، من (م).
(٣) في الكشاف ٩٩/٢.
(٤) في الانتصاف ٢/ ٩٩.

الآية : ١٠٠
٢٦٧
سُوَرَةُ الأَغْرَافِ
هو التمادي على الكفر، والإصرارُ والغلوُّ في التصميم، حتى يكون الموصوف به
مأيوساً من قبوله للحقِّ، ولا يلزم أن يكون كلُّ كافر بهذه المثابة، بل(١) إن الكافر
يهدَّد لتماديه على الكفر بأن يطبَعَ الله تعالى على قلبه فلا يؤمن أبداً، وهو مقتضى
العطف على ((أصبنا)»، فتكون الآيةُ قد هدَّدتهم بأمرين: الإصابة بذنوبهم، والطبعِ
على قلوبهم، والثاني أشدُّ من الأول، وهو أيضاً نوع من الإصابة بالذنوب والعقوبة
عليها، ولكنَّه أنكى أنواع العذاب، وأبلغُ صنوف العقاب، وكثيراً ما يُعاقب الله
تعالى على الذنب بالإيقاع في ذنبٍ أكبر منه، وعلى الكفر بزيادة التَّصميم عليه
والغُلوِّ فيه، كما قال سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، كما زادت
المؤمنين إيمانًا إلى إيمانهم، وهذا النوع من الثواب والعقاب مناسبٌ لِمَا كان سبباً
فيه وجزاء عليه، فثوابُ الإيمان إيمانٌ، وثواب الكفر كفرٌ، وإنما الزمخشريُّ يُحاذِر
من هذا الوجه دخولَ الطبع في مشيئة الله تعالى، وذلك عنده محالٌ؛ لأنه - بزعمه -
قبيحٌ، والله سبحانه عنه متعالٍ.
وفي ((التقريب)) نحو ذلك؛ فإنه نَظَر فيما ذكره الزمخشريُّ بأن المذكور كونُهم
مذنبين دون الطبع، وأيضاً جاز أن يُراد: لو شئنا زدنا في طبعهم، أو لأَدَمْناه(٢).
والحقُّ - كما قال غير واحدٍ من المحققين - أن منعَه من هذا العطف ليس بناءً
على أنه لا يوافق رأيَه فقط، بل لأنَّ النظم لا يقتضيه؛ فإنَّ قوله سبحانه: ﴿فَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ (٣)﴾ أي: سماعَ تفهُم واعتبار، يدل على أنهم مطبوعٌ على قلوبهم؛ لأن
المراد استمرارُ هذه الحال، لا أنه داخلٌ في حكم المشيئة؛ لأن عدمَ السماع كان
حاصلاً، ولو كان كذلك لوجب أن يكون منفيًّا، وأيضاً التحقيقُ لا يناسب الغرض،
و: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] يدلُّ على أن حالَهم
منافيةٌ للإيمان، وأنه لا يجيءُ منهم البتَّةَ، وأيضاً إدامة الطبع أو زيادتُه لا يصلح
عقوبةً للكافرين، بل قد يكون عقوبةَ ذنب المؤمن كما ورد في الصحيح(٣)، وما يُورد
(١) في الأصل و(م): بلى، والمثبت موافق لما في الانتصاف، وحاشية الشهاب ١٩٨/٤،
والكلام منه .
(٢) في (م): لأمناه.
(٣) يريد ما أخرجه مسلم في صحيحه (١٤٤) (٢٣١) من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعاً:
((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نُكت فيه نكتة سوداء،

سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
٢٦٨
الآية : ١٠١
من الدَّغدغة على هذا ممَّا لا يُلتفت إليه.
﴿َتِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ جملةٌ مستأنَفَةٌ جارية مجرى الفذلكة ممَّا
قبلها، منبئةٌ عن غاية غواية الأمم المذكورة، و((تلك)) إشارة إلى قرى الأمم المحكيَّة
من قوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم، واللامُ للعهد، وجُوِّز أن تكون للجنس. وهو
مبتدأ، و((القرى)) صفتُه، والجملة بعده خبرٌ.
وجوَّز الزمخشريُّ أن تكون ((تلك)) مبتدأً، و((القرى)) خبره، والجملة خبرٌ بعد
خبر على رأي من يرى جواز كون الخبر الثاني جملةً، وأن تكون الجملةُ حالاً ،
وإفادة الكلام بالتقييد بها(١).
واعترضَه في ((التقريب)) بأنه جعل شرطَ الإفادة التقييدَ بالحال، وعلى تقدير
كون ذلك خبراً بعد خبر ينتفي الشرطُ، إلا أن يريد: تلك القرى المعلومة حالُها أو
صفتُها، على أن اللام للعهد، لكنه يوجب الاستغناءَ عن اشتراط إفادته بالحال.
انتھی .
وفيه أنَّ حديثَ الاستغناء ممنوع؛ فإنَّ المعنى - كما في ((الكشف)) - على
التقديرين مختلفٌ؛ لأنه إذا جُعل حالاً يكون المقصود تقييدَه بالحال كما ذكره
الزَّجاج في نحو: هذا زيدٌ قائماً، إذا جُعل قيداً للخبر؛ إذ(٢) الكلامُ إنما يكون مع
مَنْ يَعْلم أنه زيد، وإلا جاء الإحالة؛ لأنه يكون زيداً قائماً كان أوْ لا(٣)، وإذا جعل
= وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا،
فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبادًا كالكوز مُجخِّيًا، لا يعرف
معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه)).
ونحوه ما أخرجه الترمذي (٣٣٣٤)، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي هريرة دُه.
(١) الكشاف ٢/ ٩٩.
(٢) في الأصل و(م): إن، والمثبت موافق لما في الشهاب ١٩٩/٤، والكلام منه.
(٣) في الأصل و(م): لأنه يكون زيدٌ ... ، والمثبت هو الصواب، ويوضح المعنى كلام الزجاج
في معاني القرآن ٦٣/٣، قال: إذا قلت: هذا زيد قائماً، فإن كنت تقصد أن تخبر من لم
يعرف زيداً أنه زيد لم يجز أن تقول: هذا زيد قائماً؛ لأنه يكون زيداً ما دام قائماً، فإذا زال
عنه القيام فليس بزيد، وإنما تقول ذاك الذي يعرف زيداً، والمعنى: انتبه لزيد في حال
قيامه، وأشير لك إلى زيد في حال قيامه.

الآية : ١٠١
٢٦٩
سُوَدَّةُ الأَغرافِ
خبرًا بعد خبر، فـ ((تلك القرى)) على أسلوب: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢] على أحد
الوجوه(١)، و((نقصُّ)) خبرٌ ثانٍ تفخيماً على تفخيم، حيث نبّه على أنَّ لها قصصاً
وأحوالاً أخرى مطويَّة.
وقال الطَّيبي: إنَّ الحال لما كانت فضلةً كان الإشكالُ قائماً في عدم إفادة
الخبر، فأُجيب بأنها ليست فضلةً من كلِّ وجه، وأمَّا الخبرُ فلا عجب من كونه
كالجزء من الأول، كما في قولك: هذا حلوٌ حامض، وهذا بمنزلته.
وفيه أن عَدَّ ما نحن فيه من ذلك القبيل حامضٌ ومستغنّى عنه بالحلو، ومثلُه ۔
بل أدهى وأمرُّ - الجواب بأنه لما اشترك الخَبران(٢) في ذات المبتدأ كفى إفادةُ
أحدهما .
وصيغةُ المضارع للإيذان بعدم انقضاء القصَّة بعد، و((من)) للتبعيض، أي: بعض
أخبارها التي فيها عظةٌ وتذكير.
وتصديرُ الكلام بذِكر القرى، وإضافةُ الأنباء - أي: الأخبار العظيمة الشأن .
إليها، مع أنَّ المقصود أنباءُ أهلها وبيانُ أحوالهم حسبما يؤذن به قوله سبحانه:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾؛ لما ذكره شيخ الإسلام من أن حكايةَ هلاكهم بالمرَّة
على وجه الاستئصال بحيث يشملُ أماكنهم أيضًا بالخسف بها والرجفة، وبقائها
خاويةً معظّلةً = أهولُ وأفظع(٣).
والباء في قوله تعالى: ((بالبينات)) متعلِّقةٌ إما بالفعل المذكور على أنها للتعدية،
وإما بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعله، أي: متلبِّسين بالبينات، على معنى أن رسولَ
كلِّ أمة من الأمم المهلكة الخاصَّ بهم جاءهم بالمعجزات البينة الجمَّة، لا أنَّ كل
رسولٍ جاء ببينةٍ واحدة، وما ذكروه من أنَّ مقابلةَ الجمع بالجمع تقتضي انقسام
الآحاد على الآحاد لا يقتضي - كما قال المولى المدقِّقُ أبو القاسم السمر قنديُّ في
تعليقاته على ((المطوَّل)) - أن يلزم في كل مقابلةٍ مقارنةُ الواحد للواحد؛ لأنَّ انقسام
(١) يعني أن ((أل)) في ((القرى)) من باب التعظيم. ينظر الدر المصون ٣٩٧/٥-٣٩٨.
(٢) في (م): الحلوان، وهو تحريف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٩٨/٤.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٥٥/٣.

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٢٧٠
الآية : ١٠١
الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السَّواء يجوز أن يكون على التفاوت،
مثلاً إذا قيل: باع القوم دوابَّهم، يُفهم أن كلَّ منهم باع ما لَه من دابة، ويجوز أن
تتعدَّد دابةُ البعض، ولهذا قيل: في قوله سبحانه: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾
[المائدة: ٦]: إن غسل يدي كلِّ شخص ثابتٌ بالكتاب، والمقام هنا يقتضي
ما ذكرناه؛ فإن الجملةَ مستأنفةٌ مبيّنة لكمال عتوِّهم وعنادهم.
وقوله عزَّ شأنُه: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بيانٌ لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان
الماضي، لا لعدم استمرار إيمانهم، ونظيرُ ذلك: ﴿لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وترتيبُ حالهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء؛
لما أنَّ الاستمرار على فعلٍ بعد ورود ما يوجب الإقلاعَ عنه يعدُّ بحسب العنوان
فعلاً جديداً، وصنعًا حادثًا، كما في: وعظتُه فلم ينزجر، ودعوتُه فلم يجبْ، واللام
لتأكيد النفي، أي: فما صحَّ وما استقام لقومٍ من أولئك الأقوام في وقت من
الأوقات ليؤمنوا، بل كان ذلك ممتنعاً منهم إلىّ أن لقوا ما لقوا؛ لغاية عتوِّهم،
وشدةٍ شكيمتهم في الكفر والطغيان.
ثم إن كان المحكيُّ آخرَ حالٍ كلِّ قوم منهم فالمراد بعدم إيمانهم هو إصرارُهم
على ذلك بعد اللُّتَيًّا والتي، وبما أُشير إليه بقوله تعالى: ﴿بِمَا كَذَّبُوْ مِنْ قَبْلٌ﴾
تكذيبُهم من لدن مجيء الرسل عليهم السلام إلى وقت الإصرار والعناد، وهذا معنى
كلام الزَّجَّاج(١): فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما كذَّبوا قبل رؤيتها،
يعني أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فأتوا بالمعجزات، فأصرُّوا على
التكذيب. وإلى هذا ذهب الحسن أيضاً.
وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول، بل جُعل صلةً للموصول
المحذوف عائدُه، أي: الذي كذَّبوه، إيذاناً بأنه بيِّنٌّ في نفسه، وإنما المحتاجُ إلى
البيان عدمُ إيمانهم بعد تواتر البينات الباهرة، وتظاهُرِ المعجزات الظاهرة التي كانت
تضطرُّهم إلى القَبول لو كانوا من ذوي العقول، والموصول الذي تعلَّق به الإيمان
والتكذيب إيجاباً وسلباً عبارةٌ عن جميع الشرائع التي جاء بها كلُّ رسول، أصولها
وفروعها .
(١) نقله المصنف بواسطة الشهاب الخفاجي ١٩٩/٤.

الآية : ١٠١
٢٧١
سُورَةُ الأَّغَافِ
وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوالِ كلِّ قوم منهم، فالمراد - على ما قيل - بما ذُكر
أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى آخر أمرهم، وبما
أشير إليه آخراً تكذيبُهم قبل مجيئهم، فلا بدَّ من جعل الموصول عبارةً عن أصول
الشرائع التي لا تقبل التبدُّلَ والتغيُّر، واجتمعت الرسل قاطبةً عليها، ودَعَوا الأمم
إليها : كلمة التوحيد ولوازمها .
ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء الرسل: أنهم كانوا يسمعونَها من بقايا مَنْ قبلهم
فيكذِّبونها، لا أنَّ العقلَ يرشد إليها ويحكم بها ويخالفونه، ثم كانت حالُهم بعد
مجيء الرسل إليهم كحالهم قبلُ، كأن لم يُبعث إليهم أحد.
وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذُكر من الأصول؛ لظهور حال الباقي بدلالة
النصِّ؛ فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه كافةُ الرسل، فلأَنْ لا يؤمنوا بما تفرَّد به
بعضُهم أولى، وعدمُ جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات؛ لما أنه ليس مدارَ العذاب،
بل مدارُه التكذيب بعد البعثة كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإنما ذُكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب.
وقيل: المراد بما أُشير إليه آخرًا تكذيبُهم الذي أُمروه يوم الميثاق، ورُوي ذلك
عن أبيٍّ بن كعب، والربيع، والسُّدِّي، ومقاتل، واختاره الطبري(١).
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم(٢)، وغيرُهما عن مجاهد أنَّ الآية على حدٍّ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فالمعنى: ما كانوا لو
أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذّبوا قبل إهلاكهم، وعلى هذا فالمرادُ
بالموصول جميعُ الشرائع أصولها وفروعها، وفيه من المبالغة في إصرارهم وعتوِّهم
ما لا يخفى، إلا أنه في غاية الخفاء.
وأيَّاما كان فالضمائر الثلاثةُ متوافقةٌ في المرجع، وقيل: ضمير ((كذبوا)) راجع
إلى أسلافهم، والمعنى: فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذّب به الآباء، ولا يخفى
ما فيه من التعشُّف.
(١) تفسير الطبري ٣٣٦/١٠-٣٣٨.
(٢) تفسير الطبري ٣٣٨/١٠، وتفسير ابن أبي حاتم ١٥٣٠/٥.

سُورَةُ الأَغْرافِ
٢٧٢
الآية : ١٠٢
وذهب الأخفش إلى أنَّ الباء سببيةٌ، و((ما)) مصدرية، والمعنى عليه - كما قيل -:
فما كانوا ليؤمنوا الآن - أي: عند مجيء الرسل - لما سبق منهم من التكذيب الذي
أَلِفِوه وتمرَّنوا عليه قبل مجيئهم، أو: لم يؤمنوا قٌّ، واستمرُّوا على تكذيبهم؛
لما حصل منهم من التكذيب حين مجيء الرسل.
كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطّبع الشديد المحكم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
اُلْكَفِنَ ®﴾ أي قلوبهم، فوضَعَ المظهَرَ موضع المضمَر؛ ليدلَّ على أن الطبع
بسبب الكفر، وإلى هذا يشير كلام الزجَّاج(١)، وصرَّح به بعضُهم، ويجوز - ولعلّه
الأولى - أن يراد بالكافرين ما يشمل المذكورين وغيرَهم، وفي ذلك من تحذير
السامعين ما لا يخفى.
وإظهارُ الاسم الجليل بطريق الالتفات؛ لتربية المهابة وإدخال الرَّوعة.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم﴾ أي: أكثر الأمم المذكورين، و((وجد)) متعدِّيةٌ لواحد،
واللام متعلِّقةٌ بها، كما في قولك: ما وجدتُ لزيد مالاً، أي: ما صادفتُ له مالاً
ولا لقيتُه، أو بمحذوف - كما قال أبو البقاء(٢) - وقع حالاً من قوله تعالى: ﴿مِّنْ
عَهْدٍ﴾ لأنه في الأصل صفةٌ للنكرة، فلما قُدِّمت عليها انتصبت حالاً، و((من)) مزيدةٌ
للاستغراق.
وجُوِّز أن تكون ((وجد)) عِلْميةً، والأول أظهر.
والكلام على تقدير مضاف، أي: ما وجدنا وفاءَ عهدٍ كائن لأكثرهم؛ فإنَّهم
نقضوا ما عاهدوا عليه الله تعالى عند مساس البأساء والضَّراء قائلين: لئن أنجيتنا
من هذه لنكوننَّ من الشاكرين، وإلى هذا ذهب قتادة. وتخصيصُ هذا الشأن
بأكثرهم ليس لأنَّ بعضَهم كانوا يوفون بالعهد، بل لأنَّ بعضَهم كانوا لا يَعهدون
ولا يوفون.
وقيل: المراد بالعهد ما وقع يومَ أخذ الميثاق، ورُوي ذلك عن أبيٍّ بن كعب
وأبي العالية. وقيل: المراد به ما عَهِدَ الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب
(١) في معاني القرآن ٣٦١/٢.
(٢) في الإملاء ٤٣/٣.

الآية : ١٠٢
٢٧٣
سُورَةُ الَّغَرَافِ
الدلائل والحجج وإنزالِ الآيات. وفسَّره ابنُ مسعود بالإيمان، كما في قوله تعالى:
﴿أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]. وقيل: هو بمعنى البقاء، أي: ما وجدنا لهم
بقاءً على فطرتهم، والمراد بالأكثر في الكلِّ الكلُّ.
وذهب كثير من الناس إلى أن ضمير («أكثرهم)) للناس، وهو معلومٌ لشهرته،
والجملة إلى: ((فاسقين)) اعتراضٌ؛ لأنَّه لا اختصاصَ له بما قبله، لكن لعمومه
يؤكِّدُه، وعلى الأول تتميمٌ(١)، على ما نصَّ عليه الطَّيبيُّ وغيره.
﴿وَإِن وَجَدْنَآً أَكْثَهُمْ﴾ أي: أكثرَ الأمم، أو أكثر الناس، أي: عَلِمناهم،
كقولك: وجدتُ زيدًا فاضلاً. وبين ((وجد)) هذه و((وجد)) السابق على المعنى الأول
فيه الجناسُ التامُّ المماثل.
و((إنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة، وضميرُ الشأن محذوف، ولا عمل لها فيه؛ لأنها
ملغاةٌ على المشهور، وتعيَّن تفسير ((وجد)» بعَلِمَ الناصبة للمبتدأ والخبر؛ لدخولها
عليها(٢)، فقد صرَّح الجمهور أنها لا تدخل إلا على المبتدأ، أو على الأفعال
الناسخة، وخالف في ذلك الأخفش فلا يرى ذلك، وجَوَّز دخولَها على غيرهما.
وذهب الكوفيون إلى أنَّ ((إنْ)) نافيةٌ(٣). واللامُ في قوله سبحانه: ﴿لَفَسِقِينَ
١٠٢
اللامُ الفارقة.
وعند الكوفيين أنَّ ((إنْ)) نافية، واللامُ بمعنى إلا، أي: ما وجدنا أكثرهم
إلا خارجين عن الطاعة، ويدخل في ذلك نقضُ العهد.
وذكر الطَّبيُّ أنه إذا فُسِّر الفاسقون بالناكثين يكون في الآية الطَّرْد والعكس:
وهو أن يُؤتى بكلامين يُقرِّر الأولُ بمنطوقه مفهومَ الثاني وبالعكس، وهو كقوله
تعالى: ﴿لِسْتَقْذِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ
(١) هو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتةً. الإتقان ٢/ ٨٧١ . .
(٢) في (م): عليهما، وهو خطأ. ومعنى لدخولها عليها، أي: لدخول ((إن)) المخففة على وجد.
ينظر حاشية الشهاب ٤/ ٢٠٠، والكلام منه.
(٣) قوله: وذهب الكوفيون ... ، كذا وقعت هذه الجملة هنا، وهو سبق قلم من المصنف
رحمه الله .

سُودَةُ الأَعْرَافِ
٢٧٤
الآية : ١٠٣
◌ُنَاٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: ٥٨] فمنطوقُ الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة خاصةً مقرِّرٌ
لمفهوم رفع الجُناح فيما عداها، وبالعكس، وكذا قوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَاً
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وهذا النوعُ من الإطناب يقابله في الإيجاز
نوع الاحْتِباك(١).
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى﴾ أي: أرسلناه عليه السلام بعد الرسل أو بعد الأمم،
والأول متقدِّم في قوله سبحانه: ((ولقد جاءتهم رسلهم))، والثاني مدلولٌ عليه بـ ((تلك
القرى))، والاحتمالُ الأول أولى.
والتصريحُ بالبَعدية مع ((ثم)) الدالةِ عليها، قيل: للتنصيص على أنها للتراخي
الزمانيِّ؛ فإنها كثيرًا ما تستعمل في غيره، وقيل: للإيذان بأن بَعْثَه عليه السلام جرى
على سنن السُّنة الإلهية من إرسال الرسل تَتْرى.
و((من)) لابتداء الغاية، وتقديم الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح؛ لما مَرَّ
مراراً من الاعتناء بالمقدَّم، والتشويق إلى المؤخّر.
وقوله سبحانه: ﴿ِئَايَتِنَا﴾ متعلّق بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعول ((بعثنا))، أو
صفةً لمصدره، أي: بعثناه عليه السلام ملتبساً بها، أو بعثناه بعثًا ملتبساً بها، وأُريد
بها الآياتُ التسع المفصّلة.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو عَلَم شخصٍ، ثم صار لقباً لكلِّ مَنْ مَلَك مصر من
العمالقة، كما أنَّ كسرى لقبُ مَن مَلَكَ فارس، وقيصر لقبُ من ملك الروم،
والنجاشيَّ لقبُ من ملك الحبشة، وتُبَّع لقبُ من ملك اليمن، وقيل: إنه من
أول الأمر لقبٌ لمن ذُكر، واسمه الوليد بنُ مصعب بن الرَّيَّان، وقيل: قابوس،
وكنيتُه أبو العباس، وقيل: أبو مرَّة، وقيل: أبو الوليد، وعن جماعة أن قابوساً
والوليدَ اسمان لشخصين: أحدُهما فرعون موسى، والآخر فرعونُ يوسف عليهما
السلام.
(١) الاحتباك: هو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في
الأول. كما في قوله تعالى: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِئَا﴾ [التوبة: ١٠٢] أي: عملاً
صالحاً بسيئ، وآخر سيئاً بصالح. الإتقان ٨٣١/٢ - ٨٣٢ و٨٧٠.

الآية : ١٠٣
٢٧٥
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
وعن النّقَّاش(١) وتاج القرَّاء(٢) أن فرعون موسى هو والد الخَضِر عليه السلام!
وقيل : ابنُه! وذلك من الغرابة بمكان.
ويُلقَّب به كلُّ عاتٍ، ويقال فيه: فُرْعُون كُنْبُور، وحكى ابن خَالَويه عن الفرَّاء
ضمَّ فائه وفتحَ عينه، وهي لغةٌ نادرة، ويقال فيه: فُرَيع كزُبَير، وعليه قولُ أميةَ بن
[أبي] الصلت:
حَيٍّ داودَ وابنَ عادٍ وموسى وفُرَيعُ بنيانه بالفِّقالِ(٣)
وقيل: هو فيه ضرورةُ شعرٍ. ومُنِع من الصَّرف لأنه أعجميّ، وحكى
أبو الخطّاب بن دحية في ((مروج البحرين)) عن أبي النَّصر القُشَيريِّ في ((التيسير)) أنه
بلغة القِبْط: اسمٌ للتِّمساح، والقول بأنه لم ينصرف لأنه لا سَمِيَّ له، کإبليس عند
من أَخَذه من أبلَسَ، ليس بشيء.
وقيل: هو وأضرابُه السابقة أعلامُ أشخاصٍ، وليست من عَلَم الجنس؛ لجمعها
على فراعنة وقياصرة وأكاسرة، وعَلَم الجنس لا يُجمع، فلا بدَّ من القول بوضعٍ
خاص لكلِّ من تطلق عليه. وتُعقِّب بأنه ليس بشيء؛ لأن الذي غرَّه قولُ الرَّضي(٤):
إنَّ عَلَم الجنس لا يُجمع؛ لأنه كالنكرة شاملٌ للقليل والكثير لوضعه للماهية،
فلا حاجةً لجمعه. وقد صرَّح النحاةُ بخلافه، وممن ذَكر جمعَه السُّهيليُّ في
((الروض الأُنف))(٥)، فكأنَّ مراد الرضيِّ أنه لا يطَّرد جمعُه، وما ذكره تعسُّف نحن
في غنّی عنه.
﴿وَمَلَإِيْهِ﴾ أي: أشراف قومه، وتخصيصُهم بالذكر مع عموم بعثته عليه السلام
لقومه كافةً؛ لأصالتهم في تدبير الأمور، واتِّباع غيرِهم لهم في الورود والصُّدور.
(١) نقله عنه السهيلي في التعريف والإعلام ص١٠٤.
(٢) هو محمود بن حمزة الكرماني، صاحب ((لباب التفاسير)) المعروف بكتاب ((العجائب
والغرائب)). ينظر الإتقان ١٢٢٥/٢، والأعلام ١٦٨/٦.
(٣) ديوانه ص٤٤٤، وما بين حاصرتين سقط من الأصل و(م).
(٤) نقله المصنف عنه بواسطة الشهاب الخفاجي ٢٠٠/٤، والمسألة في شرح الرضي على
الكافية ٣٦٦/٣ -٣٦٧.
(٥) الروض الأنف ١/ ١٧١ .

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٧٦
الآية : ١٠٤ - ١٠٥
﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: بالآيات، وأصلُ الظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه، وهو
يتعدَّى بنفسه لا بالباء، إلا أنه لمَّا كان هو والكفر من وادٍ واحد عُدِّي تعديتَه، أو
هو بمعنى الكفر مجازاً أو تضميناً، أو هو مضمَّن معنى التكذيب، أي: ظلموا
كافرين بها أو مكذُّبين بها، وقولُ بعضهم: إن المعنى: كفروا بها مكانَ الإيمان
الذي هو من حقٌّها؛ لوضوحها، ظاهرٌ في التضمين، كأنه قيل: كفروا بها واضعين
الكفر في غير موضعه، حيث كان اللائقُ بهم الإيمان.
وقيل: الباء للسببية، ومفعول ((ظلموا)) محذوفٌ، أي: ظلموا الناس بصدِّهم
عن الإيمان، أو أنفسَهم - كما قال الحسن والجبائيُّ(١) - بسببها، والمراد الاستمرارُ
على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا.
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ أي: آخرُ أمرهم، ووضعُ ((المفسدين))
موضع ضميرهم؛ للإيذان بأن الظلم مستلزمٌ للإفساد، والفاء لأنه كما أنَّ ظلمَهم
بالآيات مستتبعٌ لتلك العاقبة الهائلة، كذلك حكايتُه مستتبع للأمر بالنظر إليها .
والخطابُ إما للنبيِّ وَّ، أو لكلٍّ من يتأتَّى منه النظر، و((كيف)) - كما قال أبو البقاء
وغيره - خبر ((كان)) (٢)، قُدِّم على اسمها لاقتضائه الصَّدارة، والجملةُ في حيِّز النصب
بإسقاط الخافض كما قيل(٣)، أي: فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم.
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأ مسوقٌ لتفصيل ما أُجمل فيما قبله: ﴿يَفِرْعَوْنُ إِنِ
رَسُولٌ﴾ أي: إليكم، كما يُشعر به ((قد جئتكم)) أو: إليك، كما يشعر به ((فأرسل)).
﴿مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿®﴾ أي: سيِّدِهم ومالكِ أمرهم.
﴿حَقِيقُ عَلَى أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقّ﴾ جوابٌ لتكذيبه عليه السلام المدلول
عليه بقوله سبحانه: ((فظلموا بها)).
و((حقيق)) صفةُ ((رسول))، أو خبرٌ بعدَ خبر، وقيل: خبرُ مبتدأ محذوف، أي:
أنا حقيق، وهو بمعنى جدير، و((على)) بمعنى الباء كما قال الفرَّاء(٤)، أو بمعنى
(١) نقله المصنف عنه بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٩/ ١٣٦.
(٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٣/٣-٤٤ .
(٣) قوله: كما قيل، ليس في الأصل.
(٤) في معاني القرآن ٣٨٦/١.

الآية : ١٠٥
٢٧٧
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
حريص(١) و((على)) على ظاهرها. قال أبو عُبيدة(٢): أو بمعنى واجب. واستُشكل
بأن قولَ الحق هو الواجب على موسى عليه السلام لا العكس، والكلام ظاهر فیه،
وأُجيب بأن أصلَه: ((حقيق عليَّ)) - بتشديد الياء كما في قراءة نافع ومجاهد(٣) - ((أن
لا أقول)) إلخ، فقُلب لأمن الالتباس، كما في قول خِدَاش بن زهير (٤):
فَوادِمَ حربٍ لا تلينُ ولا تَمْرِي
كذَبتُم وبيتِ الله حتى تُعالِجوا
وتشقى الرماحُ بالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ (٥)
وتلحقُ خيلٌ لا هوادةَ بينها
وضُعِّف بأن القلبَ سواء كان قلبَ الألفاظ بالتقديم والتأخير، كخرقَ الثوبَ
المسمارُ، أم قلب المعنى فقط كما هنا = إنما يَفْصُح إذا تضمَّن نكتةً كما في
البيت، وهي فيه: الإشارة إلى كثرة الطّعن حتى شقيت الرماحُ بهم؛ لتكسُّرها بسبب
ذلك، وقد أفصح عن هذا المتنبي بقوله :
والسيفُ يشقى كما تشقى الضلوع به
وللسيوفِ كما للناس آجال(٦)
و
وبأنَّ(٧) بين الواجب ومن يجب عليه ملازمةٌ، فعبَّر عن لزومه للواجب بوجوبه
على الواجب، كما استفاض العكس، وليس هو من الكناية الإيمائية كقول
البُحتريِّ :
أَوَما رأيتَ الجودَ ألقى رَحْلَه في آل طلحةَ ثم لم يتحَوَّلِ(٨)
(١) جاء على هامش الأصل ما نصه: أي تضمينًا. اهـ منه.
(٢) في مجاز القرآن ١/ ٢٢٤.
(٣) قراءة نافع في التيسير ص١١١، والنشر ٢/ ٢٧٠، وأخرجها عن مجاهد أبو الشيخ كما في
الدر المنثور ١٠٥/٣.
(٤) في (م): خراش، وهو تحريف.
(٥) البيتان في ديوان خداش ص٧٩. والضياطرة جمع ضَيْطار: وهو الجبان العظيم الخَلْق الذي
لا يحسن حمل السلاح. معجم مقاييس اللغة ١٠٢/٢.
(٦) ديوان المتنبي ٣٩٩/٣، وحاشية الشهاب ٢٠١/٤، وصدره في الديوان: +=+القاتلُ السيفَ
في جسم القتيل به، وفيه الشاهد أيضاً .
(٧) عطف على قوله: وأجيب بأن أصله ... ، وينظر حاشية الشهاب ٢٠١/٤.
(٨) ديوانه ١٧٤٥/٣، وحاشية الشهاب ٢٠١/٤، ورواية الديوان: المجد، بدل الجود.

سُوَدَّةُ الْأَّغَافِ
٢٧٨
الآية : ١٠٥
(١) .
وقول ابن هانئ
ولكن يسيرُ الجود حيث يسير
فما جازَه جودٌ ولا حلَّ دونه
بل هو تجوُّزٌ فيه مبالغةٌ حسنة.
وبأن(٢) ذلك من الإغراق في الوصف بالصدق: بأن يكون قد جعل قولَ الحق
بمنزلة رجل يجبُ عليه شيء، ثم جعل نفسَه - أي: قابليّتَه لقول الحقِّ وقيامه به -
بمنزلة الواجب على قول الحق، فيكون استعارةً مكنيَّة وتخييليَّة، والمعنى: أنا
واجبٌ على الحق أن يسعى في أن أكون قائلَه والناطقَ به، فكيف يُتصوَّر مني
الكذبُ؟
واعترضه القطب الرازيُّ وغيره بأنه إنما يتمُّ لو كان هو حقيقاً على قول الحق،
وليس كذلك، بل على قوله الحق، وجَعْلُ قوله الحقَّ بحيث يجب عليه أن يسعى
في أن یکون قائله لا معنى له.
وأُجيب بأن مبنى ذلك على أن المصدرَ المؤوَّلَ لا بدَّ من إضافته إلى ما كان
مرفوعاً به، وليس بمسلَّم؛ فإنه قد يُقطع النظر عن ذلك، وقد صرَّح بعضُ النحاة
بأنه قد يكون نكرةً، نحو: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧] أي: افتراءً،
وهاهنا قد قُطع النظر فيه عن الفاعل؛ إذ المعنى: حقيقٌ عليَّ قولُ الحق، وهو
محصّل مجموع الكلام، فلا إشكال.
وذكر ابن مِقْسم(٣) في توجيه الآية على قراءة الجمهور - وادَّعى أنه الأَولى - أن
((على أَنْ لا أقول)) متعلِّق بـ ((رسول)) إن قلنا بجواز إعمال الصفة إذا وُصفت، وإن
لم نقل به - وهو المشهور - فهو متعلِّق بفعل يدلُّ عليه، أي: أُرسلت على أن
لا أقول .. إلخ.
(١) هو أبو نواس الحسن بن هانئ، والبيت في ديوانه ص ٣٢٨، وحاشية الشهاب ٢٠١/٤.
(٢) عطف على قوله: وأجيب بأن أصله ...
(٣) أبو بكر، محمد بن الحسن بن مِقْسَم البغدادي العطار، شيخ القراء، صنف في التفسير
والمعاني، وطُعن عليه بأن عمد إلى حروف تخالف الإجماع فأقرأ بها، فأنكر عليه،
واستتيب بحضرة الفقهاء والقراء، فتاب عن ذلك. له كتاب: الأنوار في علم القرآن، وكتاب
اختياره في القراءات. توفي سنة (٣٥٤هـ). سير أعلام النبلاء ١٠٥/١٦- ١٠٦.

الآية : ١٠٥
٢٧٩
سُورَةُ الأَغراف
والأولى عندي كونُ ((على)) بمعنى الباء، ويؤيِّده قراءةُ أبيّ ((بأن لا أقول))(١)،
وقرأ عبد الله: ((أن لا أقول)) بتقدير الجارِّ(٢)، وهو على أو الباء، وقد(٣) يقدَّر
((عليَّ)) بياءٍ مشددة.
وقوله سبحانه: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ استئنافٌ مقرِّر لما قبله، ولم يكن
هذا وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذُكر هاهنا، بل بعد ما جرى بينهما من
المحاورات التي قصَّها الله تعالى في غير ما موضع، وقد طوى ذكرها هنا للإيجاز،
و ((من)) متعلِّقة إما بـ ((جئتُكم)) على أنها لابتداء الغاية مجازاً، وإما بمحذوف وقع
صفةً لـ ((بينة)) مفيدةً لفخامتها الإضافية، مؤكّدةً لفخامتها الذاتية المستفادة من التنوين
التفخيميٍّ كما مرَّ غير مرَّة، وإضافة اسم الربِّ إلى ضمير المخاطبين بعد إضافته
فيما قبلُ إلى العالمين؛ لتأكيد وجوب الإيمان بها، وذُكر الاسم الجليل الجامع في
بيان كونه جديرًا بقول الحقِّ عليه سبحانه تهويلاً لأمر الافتراء عليه تعالى شأنُه، مع
الإشارة إلى التعليل بما ليس وراءه غايةٌ.
﴾ أي: خلِّهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض
﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ (
المقدَّسة التي هي وطن آبائهم، وكان عدوُّ الله تعالى والقبطُ قد استعبدوهم بعد
انقراض الأسباط، يستعملونَهم ويكلِّفونهم الأفاعيل الشاقّة، كالبناء وحمل الماء،
فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسفُ عليه
السلام مصرَ واليوم الذي دخل فيه موسى عليه السلام - على ما رُوي عن وهب -
أربع مئة سنة.
واستعمالُ الإِرسال بما أُشير إليه - على ما يظهر من كلام الراغب (٤) . - حقيقةٌ،
وقيل : إنه استعارةٌ من إرسال الطيرِ من القفص تمثيليةٌ أو تبعيَّة، ولا يخفى أنه ساقطٌ
عن وَكْر القبول. والفاءُ لترتيب الإرسال أو الأمرِ به على ما قبلَه من رسالته عليه
السلام ومجيئه بالبيِّنة.
(١) البحر المحيط ٣٥٥/٤.
(٢) المحرر الوجيز ٤٣٦/٢، وزاد نسبتها للأعمش.
(٣) بعدها في (م): تقدم.
(٤) في مفردات ألفاظ القرآن (رسل).

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٨٠
الآية : ١٠٦ - ١٠٧
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فما قال فرعون؟ فقيل: قال: ﴿إِن كُنْتَ جِئْتَ
◌َِايَةِ﴾ من عند من أَرسلك كما تدَّعيه ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ أي: فأحضرها عندي، ليثبُتَ بها
صدقُك في دعواك، فالمغايرةُ بين الشرط والجزاء مما لا غبار عليه، ولعل الأمر
غنيٌّ عن التزام ذلك؛ لحصوله بما لا أظنُّه يخفى عليك.
﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾﴾ في دعواك؛ فإنَّ كونَك من جملة المعروفين
بالصدق يقتضي إظهارَ الآية لا محالة.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ وكانت - كما روى ابنُ المنذر وابن أبي حاتم - من عوسَج(١).
ورُوي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز.
وأخرج عَبْد بن حُميد وأبو الشَّيخ عن قتادة أنه قال: ذُكر لنا أنها عصا آدم عليه
السلام، أعطاها لموسى مَلَكٌ حين توجَّه إلى مدين، فكانت تضيءُ له بالليل،
ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرجُ له رزقُه، ويهشُّ بها على غنمه(٢).
والمشهور أنها كانت من آسٍ الجنة، وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى
شعيب فأعطاه إيَّاها. وجاء عن ابن عباس ◌ًَّا أنَّ اسمَها مأشا.
﴿وَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ﴾ أي: حيَّةٌ ضخمة طويلة. وعن الفراء(٣) أن الثعبان هو الذَّكَر
العظيم من الحيَّات، وقال آخرون: إنه الحيَّةُ مطلقًا، وفي ((مجمع البيان))(٤) أنه مشتقٌ
من ثَعَبَ الماء: إذا انفجر، فكأنه سُمِّي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر.
﴾ أي: ظاهرٌ أمره، لا يُشكُّ في كونه ثعباناً، فهو إشارة إلى أن
﴿مُبِينٌ
الصيرورةَ حقيقيةٌ لا تَخْييلية(٥).
وإيثارُ الجملة الاسمية؛ للدلالة على كمال سرعة الانقلاب، وثباتٍ وصف
الثُّعبانية فيها، كأنَّها في الأصل كذلك.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٣٢/٥، وانظر الدر المنثور ١٠٦/٣.
(٢) الدر المنثور ١٠٥/٣.
(٣) في معاني القرآن ٣٨٧/١.
(٤) ٩ /١٣٣.
(٥) في (م): لا تخيلية.