Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ٥٤ ١٤١ سُوَدَّةُ الَّغْرَافِ وذهب الفرَّاء(١) - واختارهُ القاضي(٢) - إلى أنَّ المعنى: ثمَّ قصدَ إلى خلق العرش، ويبعدُه تعدِّي الاستواء بـ ((على)). وفيه قولٌ بأنَّ خلقَ العرش بعدَ خلق السماوات والأرض، وهو كما ترى. وذهب القفَّال إلى أنَّ المراد نفاذُ القدرة، وجريانُ المشيئة، واستقامةُ الملك، لكنَّه أخرجَ ذلك على الوجه الذي ألفه الناس من ملوكهم، واستقرَّ في قلوبهم. قيل: ويدلُّ على صحَّة ذلك قوله سبحانه في سورة يونس: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرِّ﴾ [الآية: ٣] فإنَّ ((يدبِّر الأمر)) جرى مجرى التفسير لقوله: ((استوى على العرش))، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وذُكِر أنَّ القفال يفسِّرُ العرشَ بالملك ويقول ما يقول(٣)، واعتُرِض بأنَّ الله تعالى لم يزل مستقيمَ الملك مستوياً عليه قبل خلق السماوات والأرض، وهذا يقتضي أنَّه سبحانه لم يكن كذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وأجيب بأنَّ الله تعالى كان قبل خلق السماوات والأرض مالكها، لكن لا يصحُ أن يقال: شبعَ زيدٌ، إلا بعدَ أكلِهِ الطعام، فإذا فُسِّر العرشُ بالملك صحَّ أن يقال: إنه تعالى إنَّما استوى ملکه بعدَ خلق السماوات والأرض. ومنهم من يجعل الإسنادَ مجازيًّا، ويقدِّرُ فاعلاً في الكلام، أي: استوى أمرُه، ولا يضرُّ حذفُ الفاعل إذا قامَ ما أُضيفَ إليه مقامَه، وعلى هذا لا يكون الاستواءُ صفةً له تعالى. وليس بشيء. ومن فسَّره بالاستيلاء أرجعَه إلى صفة القدرة. ونقل البيهقيُّ(٤) عن أبي الحسن الأشعريِّ أنَّ الله تعالى فَعل في العرشِ فعلاً سمَّاه استواءً، كما فَعل في غيره فعلاً سمَّاه رزقاً ونعمةً وغيرهما من أفعاله سبحانه؛ لأنَّ (ثُمَّ)) للتراخي، وهو إنَّما يكونُ في الأفعال. (١) في معاني القرآن له ٢٥/١. (٢) كما في مجمع البيان ٨/ ٧٥، ولعله القاضي عبد الجبار المعتزلي. (٣) ينظر كلام القفال مع شرحه للفخر الرازي في التفسير الكبير ١١٥/١٤ - ١١٧. (٤) في الأسماء والصفات ٣٠٨/٢-٣٠٩. سُوَدَّةُ الَّغَرَاقِ ١٤٢ الآية : ٥٤ وحكى الأستاذ أبو بكر بن فورك عن بعضهم أنَّ ((استوى)) بمعنى: علا، ولا يرادُ بذلك العلوُّ بالمسافة والتحيُّز والكون في المكان متمكِّناً فيه، ولكن يرادُ معنی یصحُ نسبتُه إليه سبحانه. وهو على هذا من صفاتِ الذات. وكلمةُ ((ثمَّ)) تعلَّقت بالمستوى عليه، لا بالاستواء، أو أنَّها لتفاوتٍ في الرتبة. وهو قول متين. وأنت تعلمُ أنَّ المشهورَ من مذهب السلف في مثل ذلك تفويضُ المراد منه إلى الله تعالى، فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذي عناه سبحانه منزَّهاً عن الاستقرار والتمكّن، وأنَّ تفسيرَ الاستواء بالاستيلاء تفسيرٌ مرذولٌ، إذ القائلُ به لا يَسعه أنْ يقول: كاستيلائنا، بل لا بدَّ أن يقول: هو استيلاءٌ لائقٌ به عزَّ وجلَّ، فليقل من أوَّل الأمرِ هو استواءٌ لائقٌ به جلَّ وعلا. وقد اختار ذلك السادةُ الصوفيَّة قدَّسَ الله تعالى أسرارهم، وهو أعلمُ وأسلمُ وأحكم، خلافاً لبعضهم، ولعلَّ لنا عودةً إلى هذا البحث إن شاء الله تعالى. ﴿يُغْشِى أَلَيْلَ النَّارُ﴾ أي يغطّي سبحانه النهارَ بالليل، ولمَّا كان المغطّي يجتمعُ مع المغّى وجوداً، وذلك لا يُتَصوَّر هنا، قالوا: المعنى: يُلبسه مكانَه، فيصيرُ الجوُّ مظلماً بعد ما كان مضيئاً، فيكون التجوُّز في الإسناد بإسناد ما لمكان الشيء إليه، ومكانُه هو الجوُّ على معنى أنَّه مكانٌ للضوء الذي هو لازمُه، لا أنَّه مكانٌ لنفس النهار؛ لأنَّ الزمانَ لا مكانَ له. وجُوِّزَ أنْ يكون هناك استعارةٌ بأن يُجعل غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانِه للنهار نفسِه، فكأنَّه لُفَّ عليه لَفَّ الغشاء، أو يُشبََّ تغييبُه له بطريانِه عليه بسَتْرِ اللباس للابسه(١). وجُوِّزّ أنْ يكون المعنى: يغطّي سبحانه الليل بالنهار. ورجّح الوجهُ الأول بأنَّ التغشيةَ بمعنى الستر، وهي أنسبُ بالليل من النهار، وبأنَّه يلزمُ على الثاني أنْ يكون الليلُ مفعولاً ثانياً، والنهارُ مفعولاً أولاً . وقد ذكر أبو حيان(٢) أنَّ المفعولين إذا تعذّى إليهما فعلٌ، وأحدُهما فاعل من (١) في الأصل و(م): للملابسة. والمثبت من حاشية الخفاجي ١٧٤/٤، والكلام منه. (٢) في البحر المحيط ٣٠٩/٤. الآية : ٥٤ ١٤٣ سُؤَدَّةُ الأَّغْرَافِ حيث المعنى، يلزمُ أنْ يكون هو الأوَّلَ منهما عندهم، كما لزم ذلك في: ملَّكْتُ زيداً عمراً، ورتبةُ التقديم هي الموضِّحة لأنَّه الفاعل معنّى، كما لزم ذلك في: ضَربَ موسى عيسى، بخلاف: أعطيتُ زيداً درهماً، فإنَّ تعيُّن المفعولِ الأول لا يتوقَّفُ على التقديم. ورجِّح الثاني بأنَّ حميد بن قيس قرأ: ((يَغشى الليلَ النهارُ)) بفتح الياء، ونصب ((الليل))، ورفع ((النهار))(١)، ويلزمُ عليها أن يكون الطالبُ النهار، والليلُ ملحقٌ به، وتوافقُ القراءتين أولى من تخالفهما . وبأنَّ قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَتْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] يُعْلَمُ منه - على ما قاله(٢) المرزوقيُّ - أنَّ الليلَ قبلَ النهار؛ لأنَّ المسلوخَ منه يكون قبل المسلوخ(٣)، فالنهارُ بالإدراك أولى. وبأنَّ قوله سبحانه: ﴿يَطْلُهُ، حَثِيثًا﴾ أي: محمولاً على السرعة، ففعيل بمعنى مفعول أوفقُ بهذا الوجه، فإنَّ هذا الطلبَ من النهار أظهرُ، وقد قالوا: إنَّ ضوءً النهار هو الهاجمُ على ظلمة الليل، وأنشدَ بعضُهم: نُطيرُ غراباً ذا قوادم مجُونِ (٤) كأنَّا وضوءُ الصبح يستعجلُ الدُّجی ولبعض المتأخّرين من أبيات: وكأنَّ الشرقَ بابٌ للدُّجى ما لَه خوفَ هجوم الصُّبح فتحُ(٥) وحديثُ أنَّ التَّغشيةَ أنسبُ بالليل، قيل: مُسَلَّمٌ لو كان المرادُ بالتغشية حقيقتها، لكن ليس المرادُ ذلك، بل المراد اللحوقُ والإدراك، وهذا أنسبُ بالنهار كما علمت. والقاعدةُ المذكورة لا تخلو عن كلام، على أنَّه لا يبعدُ على ما تقرَّر أنْ يكون الكلامُ من قبيل: أعطيتُ زيداً درهماً. (١) المحتسب ٢٥٣/١، والبحر المحيط ٣٠٩/٤. (٢) في (م): قال. (٣) الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١/ ٢٠. (٤) البيت لابن المعتز، وهو في ديوانه ص ٣٩١، والجَوْن: الأبيض، والجون أيضاً: الأسود، وجمعه جُونٌ، مختار الصحاح (جون). (٥) هو لفتح الله بن النحاس كما في نفحة الريحانة ٢/ ٥٢١. سُوَرَّةُ الَّغْرَافِ ١٤٤ الآية : ٥٤ والقولُ بأنَّ معنى الآية أنَّه سبحانه يجعلُ الليلَ أغشى بالنهار، أي: مبيضّاً بنور الفجرِ، بناءً على ما في ((الصحاح))(١) من أنَّ الأغشى من الخيل وغيرِه: ما ابيضَّ رأسُه كلُّه من بين جسدِهِ، كالأرخم = ممَّا لا يكادُ يقدم عليه. وذكر سبحانه أحد الأمرين، ولم يذكرهما معاً، كما في قوله تعالى: ﴿یُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] للعِلْم بالآخَر من المذكور؛ لأَنَّه يشيرُ إليه، أو لأنَّ اللفظ يحتملُه على ما قيل. وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ الليلَ والنهارَ بمعنى كلِّ ليلٍ ونهار، وهو بتعاقب الأمثال مستمرُّ الاستبدال، فيدلُّ على تغيير كلٍّ منهما بالآخر بأخصرِ عبارةٍ، من غير تكلُّفٍ ومخالفةٍ لما اشتهرَ من قواعد العربية. وجملة ((يَغْشَى)) - على ما قاله ابنُ جِنِّي(٢) - على قراءة حُميد حالٌ من الضمير في قوله سبحانه: ((ثم استوى))، والعائد محذوف، أي: يغشى الليلَ النهارُ(٣) بأمره أو بإذنه. وقوله جلَّ وعلا: ((يطلبه حثيثاً)) بدلٌ من ((يَغشى)) إلخ للتوكيد. وعلى قراءة الجماعة حالٌ من ((الليل)) أي: يُغشي الليل النهار طالباً له حثيثاً، و((حثيثاً)) حالٌ من الضمير في «يطلبه)). وجوَّزَ غيرُه أن تكون الجملةُ حالاً من ((النهار)) على تقدير قراءة حميد أيضاً. وجوَّزَ أبو البقاء(٤) الاستئنافَ في الجملة الأولى. وقال بعضهم: يجوز في ((حثيثاً)) أنْ يكون حالاً من الفاعل، بمعنى حاثاً، أو من المفعول، أي: محثوثاً، وأنْ يكونَ صفةً مصدرٍ محذوف، أي: طلباً حثيثاً، وإنَّما وُصِف الطلب بذلك؛ لأنَّ تعاقب الليل والنهار - على ما قال الإمام(٥) وغيره - إنَّما يحصل بحركة الفلك الأعظم، وهي أشدُّ الحركات سرعة، فإنَّ الإنسان إذا (١) مادة (غشا). (٢) في المحتسب ٢٥٣/١. (٣) أي: بنصب الليل، ورفع النهار. كما ضبطها ابن جني في المحتسب. (٤) في الإملاء ٣/ ١٧ . (٥) تفسير الرازي ١١٨/١٤ . الآية : ٥٤ ١٤٥ سُؤَدَّةُ الأَّغَرَافِ كان في أشدِّ عَدْوِهِ، بمقدار رَفع رجله ووضعها يتحرَّكُ الفلكُ ثلاثة آلاف ميل، وهي ألف فرسخ. واعتُرِض بأنَّ الفلكَ الأعظم إنْ كان هو العرش كما قالوا، فحركتُه غيرُ مسلَّمةٍ عند جمهور المحدّثين، بل هم لا يُسلِّمون حركة شيءٍ من سائر الأفلاك أيضاً، وهو الكرسيُّ والسماواتُ السبع، بل اذَّعوا أنَّ النجومَ بأيدي ملائكةٍ تسيرُ بها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء. وقال الشيخ الأكبر قُدّس سرُّه: إنَّها تجري في ثخن الأفلاك جَرْيَ السمك في الماء، كلٌّ في فلك يسبحون. وفسَّر - فيما نُقِل عنه - قولَه سبحانه: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النََّارَ﴾ بـ: يجعلُه غاشياً له غشيانَ الرجل المرأةَ، وقال: ذكر سبحانه الغشيان هنا والإيلاج في آيةٍ أخرى، وهذا هو التناكجُ المعنويُّ، وجعلَه سارياً في جميع الموجودات(١). وإن صحَّ هذا فما أصحّ قولهم: الليلةُ حبلى، وما ألطفَه، وأمر الحثِّ عليه ظاهرٌ لمن ذاق عُسيلةَ النكاح. والحاصلُ من هذا الغشيان عند من يقولُ به ما في هذا العالم من معدن ونبات وحيوان، وهي المواليدُ الثلاث، أو من الحوادث مطلقاً، ويقربُ من هذا قوله: أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبيرَ كرُّ الغداةِ ومرُّ العشيّ(٢) وأنت تعلمُ أنْ لا مؤثِّر في الوجود على الحقيقة إلَّ الله تعالى. ووجه ذكره سبحانه هذا بعد ذكره الاستواء - على ما نُقِلَ عن القفَّال - أنَّه جلَّ شأنه لمَّا أخبر العبادَ باستوائه، أخبرَ عن استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته، وأراهم ذلك فيما يشاهدونه؛ لينضمَّ العيانُ إلى الخبر، وتزولَ الشبهةُ من كلِّ الجهات، ولا يخفى أنَّ هذا قد يحسنُ وجهاً لذكر ذلك وما بعده بعد ذكر الاستواء، وأمَّا لذكره بخصوصه هناك دون تسخير الشمس والقمر فلا . وذكر صاحبُ ((الكشف)) في توجيه اختيارٍ صاحب ((الكشاف)) هنا أنَّ الغاشي هو النهار، وفي ((الرعد)) هو الليل، وتفسيره التغشية هناك بالإلباس، وهنا (١) الفتوحات المكية ١٧٠/٢، ٤١٦/٣ (طبعة دار صادر). (٢) هو للصلتان العبدي، كما في الشعر والشعراء ١/ ٥٠٢١، والكامل ١١٠١/٣، وشرح الحماسة للمرزوقي ١٢٠٩/٣، ونسبه الجاحظ في الحيوان ٣/ ٤٧٧ للصلتان السعدي. سُورَةُ الْأَّغَرَافِ ١٤٦ الآية : ٥٤ بالإلحاقِ(١) نظراً إلى الخلاصة ما يفهم منه وجهُ تقديم التغشية على التسخير الآتي في هذه الآية، وعكسُه في آية الرعد، حيثُ قال: والنكتةُ في ذلك أن تسخيرَ الشمسِ والقمر ذُكر هنالك من قبلُ في تعديد الآيات، فلمَّا فرغَ ذكرَ إدخالَ اللَّيل على النهار ليطابقَه، ولأنَّه أظهرُ في الآية، وأنَّ الشمسَ مسخّرةٌ مأمورةٌ، وهاهنا جاءَ به على أسلوبٍ آخر تمهيداً لقوله سبحانه: ((ادعوا ربكم))، أي: مَنْ هذه ألطافُه وآياته في شأنكم، فرجح جانبُ اللفظ على الأصل وللجمع بين القراءتين أيضاً. اهـ. فتدبّر ولا تغفل. وقُرئ: ((يُغَنِّي)) بالتشديد(٢)؛ للدَّلالة على التكرار. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِفُهِ﴾ أي: خَلقَهنَّ حالَ كونهنَّ مذلَّلاتٍ تابعاتٍ لتصرُّفه سبحانَه فيهنَّ بما شاء، غيرَ ممتنعاتٍ عليه جلَّ شأنه، كأنهنَّ مميِّزاتٍ أُمِرْنَ فانقدْنَ، فتسميةُ ذلك أمراً على سبيل التشبيه والاستعارة، ويصحُّ حملُ الأمر على الإرادة كما قيل، أي: هذه الأجرامُ العظيمة والمخلوقاتُ البديعةُ منقادةٌ لإرادته. ومنهم من حمل الأمرَ على الأمر الكلامي، وقال: إنه سبحانه أمرَ هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرَّة على الوجه المخصوص إلى حيثُ شاء. ولا مانع من أنْ يعطيها الله تعالى إدراكاً وفهماً لذلك، بل ادَّعى بعضُهم أنها مدركةٌ مطلقاً، وفي بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّ لبعضها إدراكاً لغير ما ذكر. وإفرادُ الشمس والقمر بالذكر مع دخولهما في النجوم؛ لإظهار شرفهما عليها، لما فيهما من مزيد الإشراقِ والنور، وبسيرهما في المنازل تُعرَفُ الأوقات. وقدَّم الشمسَ على القمر رعايةً للمطابقة مع ما تقدم، وهي من البديع، ولأنَّها أسنى من القمر وأسمى مكانةً ومكاناً؛ بناءً على ما قيل من أنَّها في السماء الرابعة، وأَنَّه في السماء الأولى، وليس بمسلَّم عند المحدثين، كالقول بأنَّ نورَه مستفادٌ من نورها لاختلاف تشكّلاته على أنحاء متفاوتةٍ، بحسب وضعه من الشمس في القرب والبعد عنها، مع ما يلحقُه من الخسوف، لا لاختلافِ التشكُّلات وحده، فإنَّه (١) الكشاف ٨٢/٢ و٣٤٩. (٢) هي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢. الآية : ٥٤ ١٤٧ سُوَّةُ الأَغَافِ لا يوجبُ الحكمَ بأنَّ نورَ القمر مستفادٌ من الشمس قطعاً؛ لجواز أنْ يكون نصفُه مضيئاً من ذاته، ونصفُه مظلماً، ويدور على نفسه بحركةٍ مساويةٍ لحركة فلكه، فإذا تحرَّك بعد المُحَاقِ يسيراً رأيناه هلالاً، ويزدادُ فنراه بدراً، ثمَّ يميلُ نصفه المظلم شيئاً فشيئاً إلى أن يَؤول إلى المُحاق. وفي كونها مسخَّراتٍ دلالةٌ على أنَّها لا تأثيرَ لها بنفسها في شيءٍ أصلاً. وقرأ جميعَها ابنُ عامر بالرفع على الابتداء والخبر(١). والنصبُ بالعطف على ((السماوات))، والحاليّة، كما أشرنا إليه. وجُوِّزَ تقديرُ: جَعَلَ، وجَعلُ ((الشمس)) مفعولاً أوَّلاً، و((مسخراتٍ)) مفعولاً ثانياً . ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْ﴾ كالتذييل للكلام السابق، أي: إنَّه تعالى هو الذي خلق الأشياء، ويَدخُل في ذلك السماوات والأرض دخولاً أوَّليّاً، وهو الذي دبَّرها وصرَّفَها على حسب إرادته، ويدخلُ في ذلك ما أشيرَ إليه بقوله سبحانه: ﴿مُسَخََّتٍِ بِأَمَرِهِهِ﴾ لا أَحَدٍ غيره، كما يؤذن به تقديمُ الظرف. وفسَّر بعضهم (الأمر)) هنا بالإرادة أيضاً، وفسَّر آخرونَ ((الأمر)) بما هو مقابلُ النهي، و((الخلق)) بالمخلوق، أي: له تعالى المخلوقون؛ لأنَّه خلقهم، وله أنْ يأمرهم بما أراد. واستخرج سفيانُ بن عيينة من هذا أنَّ كلامَ الله تعالى شأنه ليس بمخلوقٍ، فقال: إنَّ الله تعالى فرَّق بين الخلق والأمر، فمن جمعَ بينهما فقد كفر، يعني: من جعل الأمر الذي هو كلامُه سبحانه من جملةِ ما خلقه، فقد كفر؛ لأنَّ المخلوقَ لا يقوم إلَّا بمخلوق مثله، كذا في ((تفسير الخازن))(٢)، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أنَّ الخلقَ ما دون العرش، والأمرَ ما فوق ذلك(٣). وشاعَ عند بعضهم إطلاقُ عالم الأمر على عالم المجردات. (١) التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢. (٢) ٢/ ٢٤٠. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٩٨/٥ (٨٥٨٧). سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ ١٤٨ الآية : ٥٥ . أي: تقدَّس وتنزَّه عن كل نقصٍ، ويدخل في ذلك ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ٥٤ تنزُّهه تعالى عن نقص في الخلق أو في الأمر دخولاً أوليّاً، ففي ذلك إشارةٌ إلى أنَّهما طِبقُ الحكمة، وفي غاية الكمال، ولا يقال ذلك في غيره تعالى، بل هو صفةٌ خاصَّةٌ به سبحانه كما في ((القاموس))(١). وقال الإمام: إنَّ البركة لها تفسيران؛ أحدهما: البقاءُ والثبات. والثاني: كثرة الآثار الفاضلة. فإنْ حملته على الأوَّل فالثابتُ الدائم هو الله تعالى، وإنْ حملته على الثاني، فكلُّ الخيرات والكمالات من الله تعالى، فهذا الثناء لا يليق إلا بحضرته جلَّ وعلا(٢). واختار الزَّجَّاج أنَّه من البركة بمعنى الكثرة من كلِّ خير(٣). ولم يجىء منه مضارعٌ ولا أمرٌ ولا اسمُ فاعل مثلاً . وقال البيضاويُّ: المعنى: تعالى بالوحدانية والألوهية، وتعّم بالتفرُّد بالربوبية (٤). وعلى هذا فهو ختامٌ لوحظ فيه مطلعُه(٥). ثم حقَّق الآيةَ بما لا يخلو عن دغدغةٍ ومخالفة لما عليه سلفُ الأمة. ثم إنَّه تعالى بعد أنْ بَيَّن التوحيد، وأخبرَ أنَّه المتفردُ بالخلق والأمر، أمر عباده أنْ يدعوه مخلصين متذللين، فقال عزَّ من قائل: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ الذي عرفتم شؤونه الجليلة، والمراد بالدعاء (٦) - كما قال غيرُ واحد ـ السؤالُ والطلب، وهو مخُ العبادة(٧)، لأنَّ الداعيَ لا يُقْدِم على الدعاء إلَّا إذا عرف من نفسه الحاجةَ إلى ذلك المطلوب، وأنَّه عاجزٌ عن تحصيله، وعرف أنَّ ربَّه تبارك وتعالى يسمعُ الدعاء، (١) مادة (برك). (٢) تفسير الرازي ١٤/ ١٢٠. (٣) معاني القرآن له ٤/ ٥٧. (٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٧٤/٤، والعبارة فيه: تعالى بالوحدانية في الألوهية، وتعظم بالتفرد في الربوبية. ومثله في تفسير أبي السعود ٢٣٣/٣ . (٥) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُ اَللَّهُ﴾ . (٦) في (م): من الدعاء. (٧) يشير إلى حديث أنس تظ له، أخرجه الترمذي (٣٣٧١) بلفظ: ((الدعاء متُّ العبادة)». الآية : ٥٥ ١٤٩ سُورَةُ الَّغَرَافِ ويعلمُ الحاجة، وهو قادرٌ على إيصالها إليه، ولا شكَّ أنَّ معرفة العبد نفسَه بالعجز والنقص، ومعرفته ربَّه بالقدرة والكمال، من أعظم العبادات. وقيل: المراد منه هنا العبادة، لأنَّه عطفَ عليه ((ادعوه خوفاً وطمعاً)) والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه. وفيه نظر، أما أولاً؛ فلأنَّ المغايرةَ تكفي باعتبار المتعلقات، كما تقول: ضربتُ زيداً وضربت عمراً، وأما ثانياً؛ فلأنَّها لا تستدعي حملَ الدعاء هنا على العبادة، بل حملُه على ذلك إمَّا هناك أو هنا، وأما ثالثاً؛ فلأنَّه خلاف التفسير المأثور، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. ﴿َتَضَرُّعًا﴾ أي: ذوي تضرُّع، أو متضرعين، فنصبُه على الحال من الفاعل بتقديرٍ أو تأويل، وجُوِّزَ نصبُه على المصدريَّة، وكذا الكلام فيما بعد. وهو من الضراعة، وهي الذلُّ والاستكانة، يقال: ضرع فلانٌ لفلان، إذا ذلَّ له واستكان. وقال الزَّجَّاج(١): التضرُّع التملُّق. وهو قريبٌ ممَّا قالوا، أي: ادعوه تذلُّلاً. وقيل: التضرُّع مقابلُ الخفية. واختاره أبو مسلم، أي: ادعوه علانيةً ﴿وَخُفْيَةٌ﴾ أي: سرًّا. أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يُسمَعُ لهم صوتٌ، إن كان إلَّا همساً بينهم وبين ربِّهم، وذلك أنَّه تعالى يقول: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ وأنَّه سبحانه ذكر عبداً صالحاً، فرضيّ له فعله، فقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣](٢). وفي روايةٍ عنه أنَّه قال: بينَ دعوة السرِّ ودعوة العلانيةِ سبعونَ ضعفاً. وجاء من حديث أبي موسى الأشعريِّ أنَّه وَّوَ قال لقوم يجهرون: ((أيُّها الناسُ إِرْبَعوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائباً، إنَّكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، وهو أقربُ إلى أحدكم من عُنُقِ راحلته))(٣). والمعنى: ارفقوا بأنفسكم وأقصِروا من الصياح في الدعاء. ومن هنا قال جمعٌ بكراهة رفع الصوت به. (١) في معاني القرآن له ٣٤٤/٢. (٢) الزهد لابن المبارك (١٤٠)، وتفسير الطبري ٢٤٨/١٠. (٣) أخرجه البخاري (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) دون قوله: ((وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)). وهذه الزيادة مذكورة في رواية أحمد (١٩٥٩٩). سُورَةُ الأَّعْرَافِ ١٥٠ الآية : ٥٥ وفي ((الانتصاف)): حَسْبُكَ في تعيُّن الإسرار فيه اقترانُه في الآية بالتضرُّع، فالإخلال به كالإخلال بالضَّراعة إلى الله تعالى، وإنَّ دعاءً لا تضرُّع فيه ولا خشوع القليلُ الجدوى، فكذلك دعاءٌ لا خفية فيه ولا وقارَ يصحبه، وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدونَ الصراخ في الدعاء، خصوصاً في الجوامع، حتى يعظمَ اللغطُ ويشتدَّ، وتستكَّ المسامعُ وتستدَّ، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين؛ رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد(١). وروى ابن جرير(٢) عن ابن جريج أنَّ رفع الصوت بالدعاء من الاعتداءِ المشارِ إليه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وأخرج ابنُ أبي حاتم مثلَه عن زيد بن أسلم(٣). وذهبَ بعضُهم إلى أنَّه ممَّا لابأسَ به، ودعاءُ المعتدين الذي لا يحبُّه الله تعالی هو طلبُ ما لا يليقُ بالداعي، كرتبةِ الأنبياء عليهم السلام، والصعودِ إلى السماء، وإنَّ منه ما ذهبَ جمعٌ إلى أنَّه كفرٌ، كطلب دخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنَّة، وطلبٍ نزول الوحي والتنبِّي، ونحو ذلك من المستحيلات؛ لَمَا فيه مِن طَلَبٍ إكذاب الله تعالی نفسه. وأخرج أحمد في («مسنده)) وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ◌َّه يقول: ((سيكونُ قومٌ يعتدونَ في الدعاء)» وحَسْبُ المرءِ أنْ يقول: اللهم إني أسألُك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذُ بك من النار وما قَرَّبَ إليها من قول وعمل، ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). وفصَّل آخرون فقالوا: الإخفاءُ أفضلُ عند خوف الرياء، والإظهارُ أفضلُ عند عدم خوفه. وأولى منه القولُ بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيفَ الرياء، أو (١) الانتصاف ٢/ ٨٢. (٢) في تفسيره ٢٤٩/١٠. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٠٠ (٨٥٩٨). (٤) مسند أحمد (١٤٨٣)، (١٥٨٤)، وسنن أبي داود (١٤٨٠). وقوله: وحسب المرء ... إلى آخر الحدیث، من كلام سعد بن أبي وقاص الآية : ٥٥ ١٥١ سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ كان في الجهر تشويشٌ على نحو مصلٍّ، أو نائم، أو قارئ، أو مشتغلٍ بعلم شرعيٍّ، وبتقديم الجهرِ على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك، وكان فيه قصدُ تعلیم جاهلٍ، أو نحو إزالة وحشةٍ عن مستوحشٍ، أو طرد نحو نعاسٍ أو كسل عن الداعي نفسه، أو إدخال سرور على قلب مؤمنٍ، أو تنفير مبتدع عن بدعةٍ، أو نحو ذلك، ومنه الجهرُ بالترضِّي عن الصحابة، والدعاءُ لإمام المسلمين في الخطبة، وقد سنَّ الشافعيَّةُ الجهرَ بآمين بعد الفاتحة؛ وهو دعاءٌ، ويجهرُ بها الإمام والمأموم عندهم. وفرَّق بعضُهم بين رفع الصوت جدّاً كما يفعلُه المؤذِّنون في الدعاء بالفرج على المآذن، وبينَ رفعه بحيث يسمعُه من عنده فقال: لا بأس في الثاني غالباً، ولا كذلك الأول. والظاهرُ أنَّ المرادَ بالمعتدين: المجاوزون ما أمروا به في كلِّ شيءٍ، ويدخلُ فيهم المعتدون في الدعاء دخولاً أوليّاً . وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن جبير أنَّ المعنى في الآية: ادعوا ربكم في(١) حاجاتكم من أمرٍ الدنيا والآخرة، ولا تعتدوا فتدعوا على مؤمنٍ ومؤمنةٍ بشرٌّ، كالخزي واللعن(٢). وقد اختلف العلماء في كفرٍ من دعا على آخر بسلب الإيمان، أو الموتِ كافراً، وهو من أعظم أنواع الاعتداء، والمفتَى به عدمُ الكفر. وذكروا للدُّعاء آداباً كثيرةً، منها الكونُ على طهارةٍ، واستقبالُ القبلة، وتخليةُ القلب من الشواغل، وافتتاحُه واختتامه بالتصلية على النبي ◌ََّ، ورفعُ اليدين نحوَ السماء، وإشراكُ المؤمنين فيه، وتحرِّي ساعاتِ الإجابة؛ ومنها يومُ الجمعة - عندَ كثيرٍ - ساعةَ الْخُطبة، ويدعو فيها بقلبه، كما نصَّ عليه أفضل متأخِّري مصرِه الفاضل الطحطاوي في ((حواشيه)) على ((الدر المختار)) فيما نقله عنه أفقهُ المعاصرين ابنُ عابدين الدمشقي(٣)، ووقت نزول الغيث، والإفطار، وثلث الليل الأخير، وبعدَ ختم القرآن، وغير ذلك مما هو مبسوطً في محلِّه. (١) بعدها في (م): كل. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٩٩/٥ - ١٥٠٠ (٨٥٩٢) (٨٥٩٣) (٨٥٩٦). (٣) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٦٤. سُورَةُ الأَغَرَافِ ١٥٢ الآية : ٥٦ ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ نهي عن سائر أنواع الإفساد، كإفساد النفوس، والأموال، والأنساب، والعقول، والأديان. ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ أي: إصلاح الله تعالى لها، وخلقِها على الوجه الملائم المنافع الخلق ومصالح المكلَّفين، وبعثَ فيها الأنبياءَ بما شرعه من الأحكام. ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً﴾ أي: ذوي خوفٍ من الردِّ لقصوركم عن أهليَّة الإجابة، وطمعٍ في إجابته تفضُّلاً منه. وقيل: خوفاً من عقابه، وطمعاً في جزيل ثوابه . وقال ابن جريج: المعنى خوف العدلِ، وطمع الفضل. وعن عطاء: خوفاً من الميزان، وطمعاً في الجنان. وأصلُ الخوف انزعاجُ القلب؛ لعدم أمن الضرر. وقيل: توقُّع مكروهٍ يحصلُ فیما بعد، والطمعُ توقُّع محبوبٍ یحصل له. ونصبُهما على الحاليَّة، كما أشير إليه، وجُوِّز أنْ يكونَ على المفعوليَّة لأجله . قيل: ولمَّا كانَ الدعاءُ من الله تعالى بمكان، كرَّره وقيَّدهُ أوَّلاً بالأوصاف الظاهرة، وآخراً بالأوصاف الباطنة. وقيل: الأمر السابقُ من قبيل بيان شرطٍ الدعاء، والثاني من قبيل بيانٍ فائدته. وقيل: لا تكرار، فما تقدَّم أمرٌ بالدُّعاء بمعنى السؤال، وهذا أمرٌ بالدُّعاء بمعنى العبادة، والمعنى: اعبدوه جامعينَ في أنفسكم الخوف والرجاء في عبادتكم القلبيّة والقالبيّة. وهو كما ترى. ومن الناس من أبقى الدعاءَ على المعنى الظاهر، وعمَّم في متعلَّق الخوف والطمع، والمعنى عنده: ادعوه وأنتم جامعون في أنفسكم الخوفَ والرجاء في أعمالكم كلِّها، وليس بشيء. والمختارُ عند جلَّة المفسِّرين ما تقدَّم. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أعمالَهم، ومن الإحسان في الدعاء أنْ يكون مقروناً بالخوف والطمع. وقد كثُر الكلام في توجيه تذكير («قريبٌ)) مع أنَّه الآية : ٥٦ ١٥٣ سُورَةُ الَّغْرَافِ صفةٌ مخبرٌ بها عن المؤنَّث، وقد نقلَ ابنُ هشام في ذلك وجوهاً ذاكراً ما لها وما عليها(١): الأوَّل: أنَّ الرحمةَ في تقدير الزيادة، والعربُ قد تزيد المضافَ، قال سبحانه وتعالى: ﴿َسَيِجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أي: سبِّح ربَّك، ألا ترى أنَّه يقال في التسبيح: سبحانَ ربِّي، ولا يقال: سبحان اسم ربي. والتقدير: إنَّ الله تعالى قريبٌ، فالخبرُ في الحقيقة عن الاسم الأعظم. وتعقَّبه بأنَّ هذا لا يصحُّ عند علماء البصرة؛ لأنَّ الأسماءَ لا تُزاد في رأيهم، وإنَّما تُزاد الحروف، ومعنى الآية عندهم: نزِّه أسماء ربِّك عمَّا لا يليقُ بها، فلا تُجرِ عليه سبحانه اسماً لا يليقُ بكماله، أو اسماً غيرَ مأذونٍ فیه، فلا زيادة. الثاني: أنَّ ذلك على حذف مضاف، أي: إنَّ مكان رحمة الله تعالى قريبٌ، فالإخبار إنَّما هو عن المكان، وهو مذكَّرٌ، ونظير ذلك قوله وليه مشيراً إلى الذهب والفضة: ((إنَّ هذين حرامٌ))(٢) فإنَّ الإخبارَ بالمفرد؛ لأنَّ التقدير: إن استعمال هذین، وقول حسان: يَسِقُونَ مَنْ وَرَدَ البريص عليهم بردى يصفَّقُ بالرحيقِ السَّلسلِ(٣) فإنه بتقدير: ماء بردى، فلذا قال: يصفَّقُ بالتذكير، مع أنَّ بردى مؤنث. وتُعقّب بأنَّ هذا المضاف بعيدٌ جدّاً لا قريب، والأصلُ عدم الحذف، والمعنى مع ترکه أحسنُ منه مع وجوده. الثالث: أنَّه على حذف الموصوف، أي: شيءٌ قريبٌ، كما قال الشاعر: (١) أفرد ابن هشام هذه المسألة في رسالة، وساقها الإمام السيوطي بطولها في الأشباه والنظائر ٢٦٠/٥-٢٧٢. (٢) بعدها في الأصل: على أمتي. والحديث أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي ١٦٠/٨، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وأحمد (٧٥٠)، (٩٣٥) من حديث علي ◌ّ أن نبي الله وَّ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: ((إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمَّتي)) ولم نقف عليه بخصوص الذهب والفضة. (٣) ديوان حسان ص ٣٦٥، والبريص: اسم نهر بدمشق، كما رجح ذلك الزبيدي في تاج العروس (برص)، وانظر معجم البلدان ١/ ٤٠٧. سُوَرَةُ الأَّغْرَافِ ١٥٤ الآية : ٥٦ من ليَ من بعدِك يا عامرُ قامتْ تبكِّيه على قبره قد ذَلَّ من ليس له ناصِرُ(١) تركتني في الدار ذا غُربةٍ أي: شخصاً ذا غربة. وعلى ذلك يخرَّجُ قول سيبويه(٢): قولهم: امرأةٌ حائضُ، أي: شخص ذو حیض. وقول الشاعر أيضاً: فلو أنْكِ في يوم الرخاءِ سألتِني طلاقكِ لم أبخل وأنتِ صديقٌ(٣) وتُعقِّبَ بأنَّه أشدُّ ضعفاً من سابقه؛ لأنَّ تذكيرَ صفة المؤنَّث باعتبار إجرائها على موصوفٍ مذكَّر محذوفٍ شاذٌّ، ينزَّهُ كلامُ الله تعالى عنه، على أنَّه لا فصاحةً في قولك: رحمةُ الله شيءٌ قريبٌ، ولا لطافة، بل هو عند ذي الذوق كلامٌ مستهجنٌ، ونحو حائض مِنَ الصفات المختصّة لا يحتاجُ إلى العلامة؛ لأنَّها لدفع اللبس، ولا لبس مع الاختصاص، وسيبويه وإنْ كان جواداً في مثل هذا المضمار إلَّا أنَّ الجوادَ قد يكبو، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك، ألا تَراه كيف جوَّزَ في باب الصفة المشبهة: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وَجْهِه، بإضافة حسن إلى الوجه، وإضافة الوجه إلى ضمير الرجل (٤)، وخالَفه في ذلك جميعُ البصريين والكوفيين؛ لأنَّه قد أضافَ الشيءَ إلى نفسه. وقد علمتَ أيضاً أنَّ الأصل عدم الحذف(٥). الرابع: أنَّ العربَ تعطي المضافَ حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا (١) نسبهما النحاس في إعراب القرآن ٧٧/٢، وتبعه على ذلك القرطبي في تفسيره ٤٤٢/٨ للأعشى. وهما دون نسبة في مجاز القرآن ٧٦/٢، والعقد الفريد ٢٥٩/٣، والإنصاف ٢/ ٥٠٧ و٧٦٣، وسمط اللآلي ٢/ ١٧٤ . (٢) في الكتاب ٣٨٣/٣. (٣) هو دون نسبة في الزاهر ٢١٥/١، ومغني اللبيب ص ٤٧، وخزانة الأدب ٤٢٦/٥. (٤) الكتاب ١٩٩/١، وعبارته ثمة: وقد جاء في الشعر: حَسَنةُ وَجْهِها، شبهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء. (٥) انظر الجمل للزجاجي ص ٩٨، والأشباه والنظائر ٢٥٤/٥، وردّ هذا الاعتراض ابن عصفور في شرح الجمل ٥٧٣/١ قال: أما سيبويه فلم يُجز ذلك، بل قال: وقد جاء في الشعر: حسنة وجهها. فقصره على الشعر كما ترى. وينظر تفصيل هذه المسألة في الخزانة ٢٩٣/٤ - ٣٠٣. الآية : ٥٦ ١٥٥ سُورَّةُ الأَشْرَافِ صحَّ الاستغناء عنه، وهو أمرٌ مشهورٌ، فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحَّح الإخبارَ عنها بالمذكر. وتعقّبه أبو علي الفارسي في ((تعاليقه)) على ((الكتاب)) بأنَّ هذا التقدير والتأويل في القرآن بعيدٌ فاسد، وإنَّما يجوزُ هذا في ضرورة الشعر. وقال الرُّوذْرَاوَري(١): إنَّ اكتساب التأنيث في المؤنَّث قد صحَّ بكلام من يوثق به، وأمَّا العكس فيحتاج إلى الشواهد، ومن ادَّعى الجواز فعليه البيان. الخامس: أنَّ فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، کرجل جريح، وامرأة جريح. وتُعقِّبَ بأنَّه خطأ فاحشٌ؛ لأنَّ فعيلاً هنا ليس بمعنى مفعول، بل هو (٢) بمعنى فاعل. واعتُرِض أيضاً بأنَّ هذا لا ينقاسُ، خصوصاً من غير الثاني(٣). السادس: أن فعيلاً بمعنى فاعل قد يشبّه بفعيلٍ بمعنى مفعول، فيمنع من التاء في المؤنَّث، كما قد يشبِّهون فعيلاً بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل، فيلحقونه التاء، فالأول كقوله تعالى: ﴿مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ومنه الآيةُ الكريمة. والثاني كقولهم: خصلةٌ ذميمة، وصفةٌ حميدة، حملاً على قولهم: قبيحة وجميلة ولم يَتَعقَّب (٤) هذا بشيء. وتعقّبه الروذراوريُّ بأنه مجردُ دعوى لا دليل عليه وإنْ قاله النحويون، ويردُ عليه أنَّ أحدَ الفعلين مشتقٌّ من لازم، والآخر من متعدٍّ، فلو أجري على أحدهما حكمُ الآخر لبطلَ الفرق بين المتعدِّيَ واللازم إنْ كان على وجه العموم، وإنْ كان على وجه الخصوص فأينَ الدليلُ علیه؟ وفيه نظر. (١) هو عبد المجيد بن أبي الفرج بن محمد، مجد الدين أبو محمد، درس بالمدرسة الظاهرية وغيرها. (ت ٦٦٧هـ). ذيل مرآة الزمان ٤١٨/٢، وتاريخ الإسلام ١٤٣/١٥. (٢) قوله: ليس بمعنى مفعول بل هو. ليس في (م). (٣) كذا وقع، والصواب: الثلاثي، كما في الدر المصون ٣٤٥/٥، فقد نقل السمين عن الكرماني أن فعيلاً هنا بمعنى مفعول، أي: مقرّبةٌ، ثم تعقبه بأن فعيلاً بمعنى مفعول لا ينقاس، وعلى تقدير اقتياسه فإنما يكون من الثلاثي المجرد لا من غير الثلاثي، ومقرَّبة من الثلاثي المزید. (٤) يعني ابن هشام. ينظر الأشباه والنظائر ٢٦٤/٥. سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ ١٥٦ الآية : ٥٦ السابع: أنَّ العربَ قد تخبرُ عن المضاف إليه، وتترك المضاف، كقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَفُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] فإنَّ ((خاضعين)) خبرٌ عن الضمير المضاف إليه الأعناق، لا عن الأعناق، ألا ترى أنَّك إذا قلت: الأعناقُ خاضعون. لا يجوزُ؛ لأنَّ الجمع المذكر السالم إنَّما يكون من صفات العقلاء، فلا يقال: أيدٍ طويلون، ولا : كلابٌ نابحون. وتُعقِّبَ بأنَّه لعلَّ هذا راجعٌ إلى القول بالزيادة، وقد علمت ما فيه. وقد قيل: إنَّ المرادَ بالأعناق الرؤساء والمعظّمون. وقيل: الجماعة، كما يقال: جاء زيدٌ في عنق من الناس، أي: في جماعة. وقال الروذراوريّ: إنَّه لو ساغ الإعراضُ عن المضاف والحكمُ على المضاف إليه لساغ أن يقال: كان صاحبُ الدرع سابغةً، ومالِكُ الدارِ متَّسعةً. وليس فليس. الثامن: أنَّ الرحمةَ والرُّحم (١) متقاربان لفظاً، وهو واضح، ومعنّى بدليل النقل عن أئمّة اللغة، فأعطي أحدُهما حكمَ الآخر. وتُعقِّب بأنَّه ليس بشيء،؛ لأنَّ الوعظ والموعظة تتقاربُ أيضاً، فينبغي أن يجيزَ هذا القائلُ أن يقال: موعظةٌ نافع، وعظة حسن، وكذلك الذكر والذكرى، فينبغي أُنْ یقال: ذکری نافع، کما یقال: ذکرٌ نافع. التاسع: أن فعيلاً هنا بمعنى النسب، فـ ((قريب)) معناه: ذاتُ قرب، كما يقول الخلیل في حائضٍ : إنَّه بمعنی ذات حیض . وتُعقِّبَ بأنَّه باطل؛ لأنَّ اشتمال الصفات على معنى النسب مقصورٌ على أوزانٍ خاصة، وهي فعَّال، وفَعِل، وفاعل. العاشر: ما قاله الروذراوريِّ: إن فعيلاً مطلقاً يشتركُ فيه المؤنَّثُ والمذكَّر. وتُعقِّبَ بأنَّه من أفسد ما قيل؛ لأنه خلافُ الواقع في كلام العرب، فإنهم يقولون: امرأةٌ ظريفةٌ وعليمةٌ وحليمةٌ ورحيمة، ولا يجوز التذكيرُ في شيءٍ من ذلك. ولهذا قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] إنَّ ((بغيّاً)) (١) بضم الراء وسكون الحاء، وبضمِّهما، بمعنى الرحمة. حاشية الشهاب ٤/ ١٧٥ . الآية : ٥٦ ١٥٧ سُوَرَّةُ الأَغْرَافِ فعولٌ، والأصل: بَغُوْي، ثم قلبت الواو ياءً، والضمَّة كسرةً، وأدغمت الياءُ في الياء، وأمَّا قوله: فَتورُ القيام قَطيعُ الكلام تَفْتَرُّ عن ذي غروبٍ خَصِرُ(١) فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه نادر. والثاني: أنَّ أصلَه قطيعة، ثم حذف التاء للإضافة، كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، والإضافة مجوِّزةٌ لحذف التاء، كما توجبُ حذف النون والتنوين، وقد نصَّ على ذلك غیرُ واحدٍ من القرَّاء. الثالث: أنَّه إنَّما جاز ذلك لمناسبة فَتور، لأنَّه فعول، وهو يستوي فيه المذگّر والمؤنث. الحادي عشر: أنَّهم يقولون في قرب النسب: قريب، وإن أُجريَ على مؤنث، نحو: فلانةٌ قريبٌ مِنِّي، ويفرِّقون بينه وبين قرب المسافة. وتُعقِّب بأنه مبنيٌّ على أنْ يقال في القرب النَّسَبيّ: فلان قرابتي. وقد نصَّ جمعٌ على أنَّ ذلك خطأ، وأن الصواب أن يقال: فلانٌ ذو قرابتي، كما قال: وذو قرابته في الحيِّ مسرورُ(٢) يَبكي الغريبُ عليه ليس يعرفُه الثاني عشر: من تأويل المؤنَّثِ بمذكَّرٍ موافقٍ له في المعنى. واختلفَ القائلون بذلك، فمنهم من يُقَدِّر: إنَّ إحسانَ الله قريب، ومنهم من يقدر: لطف الله قريب، ومن ذلك قوله : (١) في الأصل و(م): در عروب حصر. والمثبت من الأشباه والنظائر ٢٦٦/٥. والبيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ص ١٥٧ . قال شارحه: فتور القيام: ليست بوثابة في قيامها، وقطيع الكلام، أي: نزرة الكلام، أي: قليلته. وقوله: تفتر، أي: تتبسم ... عن ذي غروب، أي: عن ثغر ذي غروب، والغروب حدَّة الأسنان. وقوله: خصر، أي: بارد. (٢) اختلفت المصادر في قائل هذا البيت، فهو في مجالس ثعلب ٢٢١/١، والأمالي ١٨٢/٢ دون نسبة، ونُسب في عيون الأخبار لابن قتيبة ٣٠٥/٢، وتاج العروس (هرم) لحريث بن جبلة، وكذا نقله الحريري في درة الغواص ص ٧٤ عن كتاب المعمرين. ونسبه الزمخشري في المستقصى ٣٠٥/١، والبصري في الحماسة ٦٤/٢ لجبلة بن الحريث. ونسبه أيضاً الحريري في درة الغوّاص ص ٧٤، والزبيدي في التاج (هرم) لعثير بن لبيد العُذري. والله أعلم. سُوَّةُ الأَعْرَافِ ١٥٨ الآية : ٥٦ أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنّما يضمُّ إلى كشحيه كفّاً مخصَّبا(١) فأوَّل الكفَّ على معنى العضو. وتُعقِّب بأنَّه باطل؛ لأنَّ ذلك إنَّما يقع في الشعر، وقد تقدَّم أنَّه لا يقال: موعظةٌ حسنٌ، مع أنَّ الموعظةَ بمنزلة الوعظ في المعنى، ويقاربُه في اللفظ أيضاً. وأمَّا البيتُ فنصَّ النحاة على أنَّه ضرورة، وما هذه سبيلُه لا يخرَّجُ عليه كلام الله سبحانه وتعالى، على أنَّ بعضَهم قال: إنَّ الكفَّ قد يذكَّر. الثالث عشر: أنَّ المرادَ بالرحمة هنا المطر، ونُقِل ذلك عن الأخفش، والمطرُ مذكّرٌ. وأُيِّد بأنَّ الرحمةَ فيما بعدُ بمعنى المطر. واعتُرِضَ عليه من أوجه؛ أحدها: أنَّه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تُذْكَر ظاهرةً على ما هو الظاهر، إذ الموضع للضمير. ثانيها: أنَّه إذا أمكنَ الحملُ على العامِّ لا يُعْدَل إلى الخاص، ولا ضرورةَ هنا إلى الحمل، كما لا يخفى. ثالثها: أنَّ الرحمةَ التي هي المطر لا تختصُّ بالمحسنين؛ لأنَّ الله سبحانه يرزقُ الطائعَ والعاصي، وإنَّما المختصُّ في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوزُ والثواب. والجوابُ عن هذا بأنَّه كما جاز تخصيصُ الخطاب بالرحمة بالمعنى الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب، كذلك يجوزُ تخصيصُ المطر الذي هو سببُ الأرزاق بهم ترغيباً في الإحسان = ليس بشيء عندي. رابعها: أنَّك لو قلت: مطر الله قريب، لوجدتَ هذه الإضافة مما تمجّها الأسماع، وتنبو عنها الطباع، بخلاف: ((إن رحمة الله))، فدلَّ على أنَّه ليس بمنزلته في المعنى. وأجيب عنه بأن مجموع ((رحمة الله)) استُعمل مراداً به المطر، وبأنَّ الإضافة في مطر الله إنَّما لم تحسن للعلم بالاختصاص، ولا كذلك رحمةُ الله تعالى، وهذا كما يحسنُ أنْ يقال: كلامُ الله تعالى، ولا يحسن أن يقال: قرآن الله سبحانه. (١) البيت للأعشى الكبير، وهو في ديوانه ص ١٦٥ . الآية : ٥٦ ١٥٩ سُورَةُ الأَعْرَاق والإنصاف أنَّ هذا القول ليس بشيءٍ كما لا يخفى على ذي ذهن طري. وقال ابن هشام: لا بعدَ في أن يقال: إنَّ التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمورٍ من الأمور المذكورة. واختارَ أنّه لمَّا كانا لمضافٍ يكتسبُ من المضاف إليه التذكيرَ، وكانت الرحمةُ مقاربةً للرُّحم في اللفظ، وكان ((قريب)) على صيغة ((فعيل))، و ((فعيل)) الذي بمعنى فاعل قد يحمل على ((فعيل)) بمعنى مفعول = جاء (١) التذكير. وادَّعى أنه لا يناقضُ ما قدَّمه من الاعتراضات؛ لأنَّه لا يلزمُ من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلّاً انتفاءُ اعتباره مع غيره. اهـ. ولا يخلو عن حسنٍ، سوى أنَّه إذا أُخِذ في المجموع كونُ الرحمة بمعنى المطر يفسدُ الزرع. وقد جرى في هذه الآية بحثٌ طويل بين ابن مالك والروذراوريّ(٢)، وفي كلام كلِّ حقٌّ وصواب، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة. وأجاب الجوهريُّ بأنَّ الرحمةَ مصدرٌ، والمصادرُ لا تجمعُ ولا تؤنَّث(٣). وهو كما ترى. وقيل: التذكير لأنَّ تأنيث الرحمة غيرُ حقيقي. ولا يخفى بُعْدُه، لأنَّ المتضمِّنَ لضمير المؤنَّث - ولو كان غير حقيقيّ - لم يحسن تذكيرُه على المشهور. وقيل: إنَّ ((فعيلاً)) هنا محمولٌ على ((فعيل)) الوارد في المصادر، فإنَّه للمؤنث والمذكر، كفعيل بمعنى مفعول، كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة، وهو صوتُ الرحلِ ونحوه، والضغيب بالضاد والغين المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة، صوت الأرنب. وأنتَ تعلم أنَّ حمله على فعيل بمعنى مفعول أولى من هذا الحمل، وهو الذي أميلُ إليه. نعم ربَّما يُدَّعى أنَّ في ذلك إشارةً ما إلى مزيد قرب الحرمة، لكنه بعيدٌ جدّاً، وقد لا يسلّم. (١) في الأشباه والنظائر ٢٧٢/٥: جاز. (٢) ذكر ملخص المناظرة بينهما الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر ٢٣٠/٥-٢٥٩ فانظرها. (٣) كذا ذكر المصنف، وإنما علل الجوهري في الصحاح (قرب) عدم تأنيث ((قريب)) بأنه أراد بالرحمة الإحسان، ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيّاً جاز تذكيره. اهـ وينظر البحر ٣١٣/٤. سُورَةُ الأَشْرَائِ ١٦٠ الآية : ٥٦ والذي أختارُه أنَّ (فعيلاً)) هنا بمعنى فاعل، لا بمعنى مفعول كما زعم الكرمانيُّ، لَمَا مَرَّتِ الإشارةُ إليه(١)، ولأنَّ الرحمة صفةُ ذاتٍ عند جمع، وصفاتُ الذات - سواءٌ قلنا بعينيَّتها، أو بغيريَّتها، أو بأنَّها لا ولا - لا يحسنُ الإخبارُ عنها بأنَّها مقرَّبة، وذلك على القولين الأخيرين ظاهرٌ، وعلى الأول أظهر. والقول بأنَّ في ذلك ترغيباً في الإحسان حيثُ أشير إلى أنَّه كالفاعل، وقد أثَّر فيما لا يقبل التأثّر = ممَّا لا يكادُ يسلّم. وأنه (٢) قد حُمِل على ((فعيل)) بمعنى مفعول، كما حمل على ذلك في خصوصية قریب في قول جرير: أتنفعكَ الحياةُ وأم عمرٍو قريبٌ لا تَزورُ ولا تُزارُ(٣) وإنَّما لم يقل: قريبةٌ، على الأصل؛ للإشارة لأرباب الأذهان السليمة إلى أنَّها قريبةٌ جدّاً من المحسنين، كما لا يخفى على المتأمِّل. واختار بعضُهم تفسيرَ الرحمة هنا بالإحسان لمكان ((المحسنين)) ﴿هَلْ جَزَآءُ اَلْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ولعلَّه يعتبر شاملاً للإحسان الدنيويّ والأخروي. ووجهُ القرب - على ما قيل - وجودُ الأهلِيَّة بحسب الحكمة، مع ارتفاع الموانع بالكليّة . وفسَّرها ابنُ جبير بالثواب، والمتبادرُ منه الإحسان الأخرويّ، ووجهُ القرب عليه بأنَّ الإنسان في كل ساعةٍ من الساعات في إدبارٍ عن الدنيا، وإقبالٍ على الآخرة، وإذا كان كذلك كان الموتُ أقربَ إليه من الحياة، فلا يكون بين المحسن والثواب في الآخرة إلَّا الموت، وکل آتٍ قریب. وجعل الزمخشريُّ(٤) الآية من قبيل قوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾ إلخ [طه: ٨٢]، أي: علَّق فيها الرحمةَ بإحسان الأعمال، كما علَّق الغفرانَ فيه بالتوبة (١) في خامس الوجوه التي نقلها ابن هشام، وكلام الكرماني في شرحه على صحيح البخاري ١٥٨/٢٥. (٢) عطف على قوله: أن فعيلاً هنا بمعنى فاعل. (٣) دیوان جرير ١٣٤/١. (٤) في الكشاف ٣/ ٧١.