Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٣٠
٨١
سُورَةُ الأَغَرَافِ
النار وإن عمل أيَّ عملٍ)) ثم قال - أي: أشار - رسول الله ◌َّل بيديه فنبذهما، ثم
قال: ((فرغ ربكم من العباد، فريقٌ في الجنَّة وفريقٌ في السعير))(١).
وقريبٌ من هذا ما روي عن ابن جبير من أنَّ المعنى: كما كُتب عليكم
تكونون.
ورُوي عن الحبر أنَّ المعنى: كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم يومَ القيامة، فهو
كقوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢](٢). وعليه
يكون قولُه سبحانه: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقِّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ بياناً وتفصيلاً لذلك،
ونظيرُه قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] بعد قوله
عزَّ شأنه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾. قيل: وهو الأنسبُ بالسياق.
وذكر الطيبيُّ أنَّ هاهنا نكتةً سريّة، وهي أنْ يقال: إنَّه تعالى قَدَّم في قوله
سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ المشبّه به على المشبّه؛ لينبِّه العاقلَ على أنَّ قضاء
الشؤون لا يخالفُ القدر والعلمَ الأزليَّ البتة، وكما رُوعي هذه الدقيقة في المفسَّر
روعيت في التفسير. وزيدت أخرى عليها؛ وهي أنَّه سبحانه قدَّم مفعول((هدى))
للدلالة على الاختصاص، وأنَّ فريقاً آخر ما أرادَ هدايتهم، وقرَّر ذلك بأنْ عَطَفَ
عليه: ((وفريقاً حقَّ عليهم الضلالة))، وأبرزَه في صورة الإضمار على شريطة التفسير،
أي: أضلَّ فريقاً حقَّ عليهم الضلالة. وفيه مع الاختصاص التوكيدُ كما قرَّره
صاحبُ ((المفتاح))؛ لتنقطعَ ريبةُ المخالف، ولا يقول: إنَّ علم الله تعالى لا أثرَ له
في ضلالتهم. انتهى. وكأنَّه يشيرُ بذلك إلى ردِّ قول الزمخشريِّ في قوله تعالى:
﴿إِنَّهُمُ أَّخَذُوْ اُلشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اٌلَِّ﴾ أي: تولَّوهم بالطاعة فيما أمروهم به،
وهذا دليلٌ على أنَّ علم الله تعالى لا أثرَ له في ضلالهم، وأنَّهم هم الضَّالُّون
باختيارهم وتوليتهم الشياطين دونَ الله تعالی(٣).
فجملةُ (إنَّهم اتَّخذُوا)) على هذا تعليلٌ لقوله سبحانه: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ
(١) سنن الترمذي (٢١٤١)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٥٦٣)، وما بين حاصرتين منهما. وإسناده
ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ١٤٢.
(٣) الكشاف ٧٦/٢، وفيه: وتَوَلِّيهم، بدل: وتوليتهم.

سُورَةُ الأَّْرَافِ
٨٢
الآية : ٣٠
الضَّلَلَةُ﴾ ويؤيِّدُ ذلك أنَّه قُرِئ: (أَنَّهم)) بالفتح(١). ويحتملُ أن تكون تأكيداً لضلالهم
وتحقيقاً له.
وأنا - والحقُّ أحقُّ بالاتباع - مع القائل: إنَّ علم الله تعالى لا يؤثِّر في المعلوم،
وإنَّ من علَّل الجبرَ به مبطلٌ، كيف والمتكلمون عن آخرهم قائلون: إنَّ العلمَ يتعلَّق
بالشيء على ما هو عليه؟ وإنَّما الكلامُ في أنَّ قدرة الله تعالى لا أثر لها على زعم
الضُّلَال أصحابِ الزمخشريّ، ونحن مانعونَ لذلك أشدَّ المنع، ولا منعَ من التعليل
بالاتّخاذِ عند الأشاعرة؛ لثبوت الكسب والاختيار، ويكفي هذه المدخليَّة في
التعليل. والزمخشريُّ قدَّر الفعلَ في قوله سبحانه: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ﴾: خذل، ووافقَه
بعضُ الناس(٢)، وما فعلُهُ الطيبيُّ هو المختارُ عند بعض المحققين؛ لظهور الملاءمة
فيه، وخلوِّه عن شبهة الاعتزال.
واختير تقديره مؤخّراً لتتناسق الجملتان، وهما عند الكثير في موضع الحال من
ضمير ((تعودون)) بتقدير ((قد))، أو مستأنفتان، وجُوِّزَ نصبُ ((فريقاً)) الأول، و((فريقاً))
الثاني على الحال، والجملتان بعدهما صفتان لهما، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ أبيٍّ:
(تعودون فريقين فريقاً هدى وفريقاً)) إلخ(٣)، والمنصوب على هذه القراءة إمَّا بدلٌ،
أو مفعول به لـ ((أعني)) مقدَّراً.
ولم تُلحق تاءُ التأنيث لـ ((حقَّ)) للفصل، أو لأنَّ التأنيثَ غيرُ حقيقيٍّ. والكلامُ
على تقدير مضاف عند بعض، أي: حقَّ عليهم كلمةُ الضلالة، وهي قوله سبحانه :
(ضلوا)).
عطفٌ على ما قبله داخلٌ معه في حيِّز التعليل
﴿وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
أو التأکید.
ولعلَّ الكلام من قبيل: بنو فلانٍ قتلوا فلاناً(٤). والأوَّلُ لكونه في مقابلةٍ من
(١) تفسير القرطبي ١٩١/٩، والبحر المحيط ٢٨٩/٤.
(٢) منهم البيضاوي وأبو السعود: ينظر الكشاف ٧٦/٢، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب
١٦٣/٤، وتفسير أبي السعود ٢٢٤/٣.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٢، ومعاني القران للفراء ٣٧٦/١، والبحر المحيط ٢٨٨/٤.
(٤) أي: نُسب القتل إليهم والقاتل واحدٌ منهم.

الآية : ٣١
٨٣
سُورَةُ الأَشْرَافِ
هداه الله تعالى شاملٌ للمعاند والمخطئ، والثاني مختصٌّ بالثاني، وهو صادقٌ على
المقصِّر في النظر، والباذلِ غايةَ الوسع فيه.
واختُلِف في توجُّه الذمِّ على الأخير وخلودِه في النار؛ ومذهبُ البعض أنَّه
معذورٌ، ولم يُفَرِّقوا بين من لا عقلَ له أصلاً، ومن له عقلٌ لم يدرك به الحقَّ بعد أن
لم يدع في القوس مَنْزَعاً في طلبه، فحيثُ يعذرُ الأوَّل لعدم قيام الحجَّةِ عليه يعذرُ
الثاني لذلك؛ ولا يرون مجرَّدَ المالكيَّة وإطلاق التصرُّفِ حجَّةً، ولله تعالى الحَجَّة
البالغة.
والتزامُ أنَّ كلَّ كافرٍ معاندٌ بعدَ البعثة، وظهورِ أمر الحقِّ كنارٍ على علم، وأنَّه
ليس في مشارق الأرض ومغاربها اليومَ كافرٌ مستدلٌّ = مما لا يُقْدِمُ عليه إلَّا مسلمٌ
معاندٌ، أو مسلمٌ مستدلٌّ بما هو أوهنُ من بيت العنكبوت؛ وإنَّه لأوهنُ البيوت.
وادَّعى بعضُهم أنَّ المرادَ من المعطوف عليه المعاند، ومن المعطوف المخطئُ،
والظاهرُ ما قلنا. وجعلُ الجملة حاليَّةً على معنى: أنَّخذُوا الشياطينَ أولياءَ وهم
يحسبون أنَّهم مهتدون في ذلك الاتِّخاذ، لا يخفى ما فيه.
﴿يَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ﴾ أي: ثيابَكم لمواراة عوراتكم؛ لأنَّ المستفادَ من الأمر
الوجوب، والواجبُ إنَّما هو سترُ العورة.
﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: طوافٍ أو صلاةٍ، وإلى ذلك ذهب مجاهد وأبو الشيخ
وغيرهما .
وسببُ النزول - على ما رُوي عن ابن عباس ﴿هَا - أنَّه كان أناسٌ من الأعراب
يطوفونَ بالبيت عُرَاةً، حتى إن كانت المرأةُ لتطوفُ بالبيت وهي عريانة، فتعلِّق على
سفلها سُيُوراً مثلَ هذه السيور التي تكون على وجه الحُمُر من الذباب، وهي تقول:
اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه وما بدا منه فلا أُحِلّه
فأنزلَ الله تعالى هذه الآية(١).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٢٢١، وأخرجه مسلم (٣٠٢٨) بنحوه. قال القاضي أبو بكر
ابن العربي في أحكام القرآن ٧٦٧/٢: وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط.

سُوَّةُ الأَشْرَافِ
٨٤
الآية : ٣١
وحَمل بعضُهم الزينةَ على لباس التجمُّل؛ لأنَّه المتبادر منه، ونُسِب إلى
الباقر رُّه. ورُويَ عن الحسن السبط ظُهُ أنَّه كان إذا قام إلى الصلاة لبسَ أجود
ثيابه، فقيل له: يا ابن رسول الله وَله، لِمَ تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله تعالى
جميلٌ يحبُّ الجمال، فأتجمَّل لربي، وهو يقول: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
فأحبُّ أن ألبس أجملَ ثيابي.
ولا يخفى أنَّ الأمر حينئذٍ لا يُحمَلُ على الوجوب، لظهورِ أنَّ هذا التزيُّن
مسنونٌ لا واجبٌ.
وقيل: إنَّ الآيةَ على الاحتمال الأوَّل تشيرُ إلى سنِّيَّة التجمُّل؛ لأنها لمَّا دَّت
على وجوب أخذِ الزينة لستر العورة عند ذلك؛ فُهِم منه في الجملة حُسن التزيُّن
بلبس ما فيه حُسنٌ وجمالٌ عنده.
ونَسبَ بيتُ الكذب إلى الصادق ظ ◌ُه تعالى أنَّ أخذ الزينة التمنُّط(١)، كأنَّه
قيل: تمشَّطُوا عند كلٍّ صلاةٍ، ولعلَّ ذلك من باب الاقتصار على بعض أنواع
الزينة، وليس المقصودُ حصرَها فيما ذكر.
ومثل ذلك ما أخرجهُ ابن عديّ وابنُ مردويه عن أبي هريرة ◌َُّه قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((خذوا زينةَ الصلاة)) قالوا: وما زينةُ الصلاة؟ قال: ((البسوا نعالَكم
فصلُّوا فيها))(٢).
وأخرج ابنُ عساكر وغيره عن أنس ◌َبه عن النبيِّ ◌َّ أنَّه قال في قوله سبحانه:
(خذوا زينتكم)) إلخ: ((صَلُّوا في نعالِكم))(٣).
(١) مجمع البيان ٨/ ٤٥ .
(٢) الكامل لابن عدي ١٨٢٩/٥ بإسناد فيه علي بن أبي علي القرشي، قال ابن عدي: وهو
مجهول ومنكر الحديث. وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢١٧١/٦، وابن الجوزي في
الموضوعات ٧٩/٣، وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية. قال ابن عدي: قال يحيى بن
معین : ليس بشيء، ولا یکتب حديثه.
وأورده ابن أبي حاتم في العلل ١٤٩/١، وقال: قال أبي: هذا حديث منكر.
(٣) تاريخ دمشق ٣٦٢/٣٦، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ١٤٣/٣، وابن الجوزي في
الموضوعات ٨٠/٣. قال ابن الجوزي: وهذا لا يصح، ولا يعرف إلا بعباد بن جويرية،
ولا يتابع عليه؛ قال أحمد والبخاري: هو كذاب.

الآية : ٣١
٨٥
سُورَةُ الأَغْرَافِ
﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا﴾ مما طابَ لكم. قال الكلبيُّ: كان أهل الجاهلية لا يأكلون
من الطعام إلَّا قوتاً، ولا يأكلون دسماً في أيَّام حجِّهم، يعظّمونَ بذلك حجَّهم،
فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحقُّ بذلك، فأنزلَ الله تعالى الآية(١). ومنه
يظهر وجهُ ذكرِ الأكل والشرب هنا .
وَلَا شُرِفُوْ﴾ بتحريم الحلال، كما هو المناسبُ لسبب النزول، أو بالتعدِّي إلى
الحرام، كما رُوي عن ابن زيد، أو بالإفراط في الطعام والشره، كما ذهب إليه
کثیر.
وأخرج أبو نُعيم عن عمر بن الخطاب ◌َظُبه قال: إيَّاكم والبطنة من الطعام
والشراب، فإنَّها مَفْسَدةٌ للجسد، مورثةٌ للسقم، مكسَلةٌ عن الصلاة، وعليكم بالقصدِ
فيهما، فإنَّه أصلحُ للجسد وأبعدُ من السرف، وإنَّ الله تعالى ليبغضُ الحبرَ السمين،
وإن الرجلَ لنْ يهلكَ حتى يؤثرَ شهوتَه على دينه(٢).
وقيل: المرادُ الإسراف ومجاوزةُ الحدِّ بما هو أعمُّ ممَّا ذُكر، وعُدَّ منه أكلُ
الشخص كلَّ ما اشتهى، وأكلُه في اليوم مرتين؛ فقد أخرج ابنُ ماجه والبيهقيُّ عن
أنس قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ من الإسراف أنْ تأكلَ كلَّ ما اشتهيت))(٣).
وأخرج الثاني وضعَّفه عن عائشة قالت: رآني النبيُّ نَّهِ وقد أكلتُ في اليوم
مرتين، فقال: ((يا عائشة أَمَا تحبِّين أنْ يكون لك شغلٌ إلا في جوفك، الأكل في
اليوم مرتين من الإسراف» (٤).
وعندي أنَّ هذا ممَّا يختلفُ باختلافِ الأشخاص، ولا يبعدُ أنْ يكون ما ذُكر
من الإفراط في الطعام.
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٢٢٢.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي (١٢٧). وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في إصلاح المال
(٣٥٢). وانظر المقاصد الحسنة ص ٢٠٨.
(٣) سنن ابن ماجه (٣٣٥٢)، وشعب الإيمان للبيهقي (٥٧٢١). وفي إسناده نوح بن ذكوان،
قال فيه أبو حاتم: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدّاً. ميزان الاعتدال
٤ / ٢٧٧.
(٤) شعب الإيمان (٥٦٤٠)، (٥٦٦٥).

سُوَّةُ الأَّعْرَافِ
٨٦
الآية : ٣١
وعُدَّ منه طبخُ الطعام بماء الورد، وطرحُ نحو المسك فيه مثلاً من غير داعٍ إليه
سوى الشهوة.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ الإسرافَ المنهيَّ عنه يعمُّ ما كان في اللباس أيضاً،
وروي ذلك عن عكرمة.
وأخرجَ ابنُ أبي شيبة وغيرُه عن ابن عباس ﴿يَا أنَّه قال: كلْ ما شئتَ والبسْ
ما شئتَ ما أخطأتْكَ خصلتان، سرفٌ ومخيلة(١). ورواه البخاري عنه تعليقاً(٢).
وهو لا ينافي ما ذكرَه الثعالبيُّ وغيرُه من الأدباء أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يأكلَ
ما يشتهي، ويلبسَ ما يشتهيه الناس، كما قيل:
نصحتُّه نصيحةً قالت بها الأكياس
ما تشتهيه الناس (٣)
كُلْ ما اشتهيتَ والْبَسَنْ
فإنَّه لتركِ ما لم يُعتَدْ بين الناس، وهذا لإباحةِ كلِّ ما اعتادوه. وفي ((العجائب))
للكرماني(٤): قال طبيبٌ نصرانيٌّ لعليٍّ بن الحسين بن واقد(6): ليس في كتابكم من
علم الطب شيءٌ، والعلم علمان؛ علم الأبدان، وعلم الأديان. فقال له: قد
جمعَ الله تعالى الطبَّ كلَّه في نصف آية من كتابه. قال: وما هي؟ قال: ﴿وَكُلُواْ
وَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾، فقال النصرانيُّ: ولا يؤثَرُ من رسولكم شيءٌ في الطبِّ. فقال:
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٤٠٥.
(٢) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ
◌ِبَادِهِ﴾ قبل الحديث (٥٧٨٣).
(٣) حاشية الشهاب ٤/ ١٦٤.
(٤) هو كتاب الغرائب والعجائب لمحمود بن حمزة الكرماني الملقب بتاج القراء، له كتاب خط
المصاحف، وكتاب الهداية في شرح غاية ابن مهران، وكتاب البرهان في معاني متشابه
القرآن، وغيرها. كان في حدود الخمسمئة، وتوفي بعدها. وكتابه العجائب والغرائب قال
السيوطي: ضمَّنه أقوالاً - ذكرت في معاني الآيات - منكرة، لا يحل الاعتماد عليها،
ولا ذكرها إلَّا للتحذير منها. انظر غاية النهاية ٢٩١/٢، والإتقان للسيوطي ١٢٢٥/٢،
وكشف الظنون ١١٢٦/٢.
(٥) هو أبو الحسن المروزي، المحدث، مولى فاتح خراسان عبد الله بن عامر بن كريز القرشي.
توفي سنة (٢١١هـ). السير ٢١١/١٠.

الآية : ٣١
٨٧
سُورَةُ الأَغَافِ
قد جمعَ رسولنا وَيهر الطبَّ في ألفاظٍ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله نَّهِ ((المعدةُ
بيتُ الداء، والحميةُ رأس كلَّ دواء، وأعطِ كلَّ بدنٍ ما عوَّدته)). فقال: ما ترك
كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبًّا. انتهى(١).
وما نسبه إلى النبيِّ وَله هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح
رفعُه إلى النبي ◌َِّ، وفي ((الإحياء)) مرفوعاً: ((البطنةُ أصل الداء، والحميةُ أصل
الدواء، وعَوِّدُوا كلَّ جسدٍ ما اعتاد)». وتعقّبه العراقيُّ قائلاً: لم أجد له أصلاً(٢).
وفي (شعب الإيمان)) للبيهقي و((لقط المنافع)) لابن الجوزي(٣) عن أبي هريرة
مرفوعاً أيضا: ((المعدةُ حوضُ البدن والعروقُ إليها واردة، فإذا صحَّت المعدةُ
صدرت العروق بالصحّة، وإذا فسدت المعدة صدرت(٤) العروق بالسقم))(٥).
وتعقّبه الدارقطنيُّ(٦) قائلاً: لا نعرفُ هذا من كلام النبيِّ وَّرَ، وإنَّما هو من
كلام عبد الملك بن سعيد بن أبجر(٧).
وفي ((الدر المنثور)): أخرج محمد الخلال عن عائشة ﴿ها أنَّ النبيَّ وَّ دخلَ
(١) ذكر هذه القصة الزمخشري في الكشاف ٧٦/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ١٨٨/٣،
وقال: هكذا نقلت هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي ◌َّ- لا يثبت.
وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٦٤ عن القصة: لم أجد لها إسناداً. وعن
الحديث: لم أجده. وينظر المقاصد الحسنة ص٣٨٩. وجالينوس فيلسوف يوناني، مؤلف
الكتب الجليلة في صناعة الطب. قال المسعودي: كان جالينوس بعد المسيح بنحو مئتي
سنة. أخبار العلماء للقفطي ص ٨٦.
(٢) الإحياء وبذيله المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأسفار لزين الدين
العراقي ٨٧/٣.
(٣) في الطب، جعله على سبعين باباً، ثم اختصره وسماه مختار المنافع. كشف الظنون ٢/ ١٥٦٠ .
(٤) في الأصل و(م): صارت. والمثبت من المصادر.
(٥) شعب الإيمان للبيهقي (٥٧٩٦) وضعفه، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٤٣).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٦/٥: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف. وقال
العقيلي في الضعفاء الكبير ٥١/١: هذا الحديث باطلٌ لا أصل له.
(٦) في العلل ٤٣/٨.
(٧) في الأصل و(م): أبحر. وعبد الملك بن سعيد بن أبجر من رجال مسلم، قال العجلي: كان
ثقة ثبتاً في الحديث، صاحب سنة، وكان من أطبُّ الناس. تهذيب التهذيب ٢/ ٦١٢-٦١٣.

سُورَةُ الأَغراف
٨٨
الآية : ٣٢
عليها وهي تشتكي، فقال لها: ((يا عائشة الأزْمُ دواء، والمعدةُ بيتُ الأدواء،
وعَوِّدوا البدنَ ما اعتاد))(١). ولم أرَ من تعقّبه.
نعم رأيت في ((النهاية)) لابن الأثير: سأل عمرُ(٢) الحارثَ بن كلدة: ما الدواء؟
قال: الأزْمُ. يعني الحِمية، وإمساكَ الأسنان بعضها على بعض.
نعم الأحاديثُ الصحيحةُ متضافرةٌ في ذمّ الشبع وكثرة الأكل، وفي ذلك إرشادٌ
للأمّة إلى كلِّ الحكمة.
﴿إِنَُّ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾﴾ أي(٣): يبغضُهم، ولا يرضى أفعالَهم. والجملةُ
في موضع التعليل للنهي، وقد جمعت هذه الآيةُ - كما قيل - أصولَ الأحكام:
الأمر، والإباحة، والنهي، والخبر.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ من الثياب وكلِّ ما يُتجمَّل به ﴿ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ أي:
خَلَقَها لنفعهم من النبات كالقطن والكتّان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن
كالخواتم والدروع ﴿وَالطَّيَِّتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: المستلَذات، وقيل: المُحَلَّلات من
المآكل والمشارب، كلحم الشاة، وشحمها، ولبنها .
واستُدِلَّ بالآية على أنَّ الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجمُّلات
الإباحة؛ لأنَّ الاستفهام في ((مَن)) لإنكار تحريمها على أبلغ وجه.
ونقل عن ابن الفرس أنَّه قال: استدَلَّ بها من أجازَ لبس الحرير والخزِّ
للرّجال (٤).
ظُهُ أَنَّه كان يشتري كساء الخزِّ بخمسين ديناراً، فإذا
ورُوي عن زين العابدين
(١) الدر المنثور ٨٠/٣.
(٢) في الأصل و(م): عمرو، والمثبت من النهاية (أزم)، وهو الصواب، وهو عمر بن
الخطاب ◌ُه. ينظر الإصابة ١٧٢/٢ .
(٣) في (م): بل.
(٤) أحكام القرآن لابن الفرس ٣/ ٥٠. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢٨٥/١٠: وقال
قومٌ: يجوز لبسه مطلقاً، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء،
أو على التنزيه. قلت [القائل ابن حجر]: وهذا الثاني ساقط؛ لثبوت الوعيد على من
لبسه. اهـ. وانظر شرح النووي على مسلم ٣٢/١٤.

الآية : ٣٢
٨٩
سُوَدَّةُ الأَغْرَاقِ
أصافَ(١) تصدَّق به، ولا يرى بذلك بأساً، ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ
لعبادِهِ،﴾.
وروي أنَّ الحسينَ رَظُه أصيبَ وعليه جبَّة خزٍّ، وأنَّ ابنَ عباس ظًّا لمَّا بعثَه
عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهه إلى الخوارج لبسَ أفضل ثيابه، وتطيّبَ بأطيب طيبه،
وركبَ أحسن مراكبه، فخرجَ إليهم فوافقهم، فقالوا: يا ابن عباس بينا أنتَ خيرُ
الناس إذا أتيتَنا في لباس الجبابرة ومراكبهم. فتلا هذه الآية.
لكن رُويَ عن طاوس أنَّه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم سبحانه بالحرير
ولا الديباج، ولكنَّه كان إذا طاف أحدُهم وعليه ثيابُه ضُرِبَ وانتزعت منه، فأنكر
علیهم ذلك.
والحقُّ أنَّ كلَّ ما لم يقم الدليلُ على حرمته داخلٌ في هذه الزينة، لا توقُّف في
استعماله ما لم يكن فيه نحو مخيلةٍ، كما أشير إليه فيما تقدَّم.
وقد رُوي أنَّه وَّهِ خرجَ وعليه رداءٌ قيمتُه ألف درهم(٢).
وكان أبو حنيفة رُّهِ يَتردَّى(٣) برداءٍ قيمته أربعُ مئة دينار، وكان يأمرُ أصحابَه
بذلك، وكان محمد يلبسُ الثيابَ النفيسة، ويقول: إنَّ لي نساءً وجواري، فأزيِّنُ
نفسي کي لا ينظرنَ إلی غيري.
وقد نصَّ الفقهاءُ على أنَّهُ يستحَبُّ التجمُّل لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ
تعالى إذا أنعمَ على عبدٍ أحبَّ أنْ يُرى أثرُ نعمته عليه))(٤).
(١) أي: دخل في الصيف، والخبر بنحوه في طبقات ابن سعد ٢١٨/٥.
(٢) لم أقف عليه في شيءٍ من المصادر الحديثية. بل أوردته بعض كتب الفقه الحنفي، انظر
العناية شرح الهداية ٩٤/٨، ومجمع الأنهر ٧٩٣/٢. وقال في الفتاوى الهندية ٣٣٢/٥:
وفي مجموع النوازل: سُئل [أي أبو حنيفة] عن الزينة والتجمُّل في الدنيا قال: خرج
رسول الله الَ ..... وذكره.
ومجموع النوازل كتاب لطيف في فروع الحنفية للإمام أحمد بن موسى الكشي المتوفى في
حدود (٥٥٠هـ). كشف الظنون ١٦٠٦/٢.
(٣) في (م): يرتدي. قال ابن منظور في اللسان (ردي): وقد تردّى به وارتدى بمعنى، أي:
لبس الرداء.
(٤) أخرجه أحمد (١٩٩٣٤)، والطبراني ١٨/ (٢٨١)، والبيهقي في السنن ٢٧١/٣ من حديث

سُوَّةُ الْأَّغَافِ
٩٠
الآية : ٣٣
وقيل لبعضهم: أليس عمر ﴿به كان يلبسُ قميصاً عليه كذا رقعة، فقال: فَعَلَ
ذلك لحكمةٍ؛ هي أنَّه كان أميرَ المؤمنين، وعمالُه يقتدون به، وربّما لا يكونُ لهم
مالٌ فيأخذون من المسلمين. نعم كره بعض الأئمَّة لُبس المُعصفر والمُزعفر،
وكرهوا أيضاً أشياءَ أخرَ تطلبُ من محالِّها.
﴿قُلّ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَّةِ الدُّنْيَا﴾ أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم
على الله تعالى، والكفرةُ وإنْ شاركوهم فيها فبالتَّبع، فلا إشكال في الاختصاص
المستفادِ من اللام.
﴿خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ لا يشاركُهم فيها غيرُهم.
وعن الجبائيِّ أنَّ المعنى: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غيرُ خالصةٍ من
الهموم والأحزان والمشقّة، وهي خالصةٌ يومَ القيامة من ذلك.
وانتصابُ ((خالصة)) على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور،
والعاملُ فيه متعلَّقه.
وقرأ نافعٌ بالرفع(١) على أنَّه خبرٌ بعد خبر، أو هو الخبر. و((للذين)) متعلِّقٌ به،
قُدِّم لتأكيد الخلوص والاختصاص.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: مثلَ تفصيلنا هذا الحكم نفصِّلُ سائرَ الأحكام
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة.
وجُوِّز أن يكون هذا التشبيهُ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾
[البقرة: ١٤٣] ونظائرِه مما تقدَّم تحقيقه.
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِنَ الْفَوَِشَ﴾ أي: ما تزايدَ قُبحه من المعاصي. وقيل: ما يتعلَّقُ
بالفروج.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنِبٌ﴾ بدلٌ من ((الفواحش))، أي: جهرَها وسرَّها. وعن
= عمران بن حصين ، وأخرج الترمذي (٢٨١٩) وأحمد (٦٧٠٨) نحوه من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وانظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ٤٣.
(١) التيسير ص١٠٩، والنشر ٢٦٩/٢.

الآية : ٣٣
٩١
سُوَدَّةُ الأَعْرَافِ
ابن عباس ﴿ها: ((ما ظهرَ)) الزَّنا علانية، و((ما بطنَ)) الزِّنا سرّاً، وقد كانوا يَكرهونَ
الأوَّل، ويفعلونَ الثاني، فُهوا عن ذلك مطلقاً .
وعن مجاهد: ((ما ظهرَ)) التعرِّي في الطواف، وما بطن: الزنا.
وقيل: الأول: طوافُ الرجال بالنهار(١)، والثاني: طوافُ النساء بالليل عاريات.
الإِثْمَ﴾ أي: ما يُوجِبُ الإثم، وأصله الذمُّ، فأُطلقَ على ما يوجبُه من مطلق
الذنب. وذُكِر للتعميم بعد التخصيص؛ بناءً على ما تقدَّم من معنى الفواحش.
وقيل: إنَّ الإثمَ هو الخمر، كما نُقِل عن ابن عباس والحسن البصري، وذكره
أهلُ اللغة كالأصمعيِّ وغيره، وأنشدوا له قول الشاعر:
نهانا رسولُ الله أن نقربَ الزَّنا وأنْ نشربَ الإثمَ الذي يوجبُ الوِزرا(٢)
وقول الآخر:
شربتُ الإثمَ حتى ضلَّ عقلي كذاك الإثمُ يذهبُ بالعقول(٣)
وزعم ابنُ الأنباريِّ أنَّ العربَ لم تسمّ الخمرَ إثماً في جاهليةٍ ولا إسلام، وأنَّ
الشعرَ موضوعٌ(٤). والمشهور أنَّ ذلك من باب المجازِ؛ لأنَّ الخمرَ سببُ الإثم.
وقال أبو حيان وغيره: إنَّ هذا التفسيرَ غيرُ صحيح هنا، لأنَّ السورةَ مكيّةٌ، ولم
تُحرَّم الخمرُ إلَّا بالمدينة بعد أُحد(٥). وأيضاً يُحتَاجٌ حينئذٍ إلى دعوى أنَّ الحصرَ
إضافيٍّ. فتدبر.
﴿وَلْبَغْىَ﴾ الظلمُ والاستطالةُ على الناس، وأُفرد بالذكر بناءً على التعميم فيما
قبله، أو دخوله في الفواحش للمبالغةِ في الزجر عنه.
(١) في الأصل و(م): بالنساء. والتصويب من البحر المحيط ٤/ ٢٩٢.
(٢) هو دون نسبة في البحر المحيط ٢٩٢/٤، والدر المصون ٣٠٦/٥، واللباب ٩٦/٩، وحاشية
الشهاب ٤ / ١٦٥ .
(٣) سلف ٢٨٨/٢.
(٤) وقال أبو حيان ٢٩٢/٤ بعد أن ذكر طرف البيت: وهو بيت موضوع مختلق، وإن صحَّ فهو
على حذف مضاف، أي: موجب الإثم.
(٥) البحر المحيط ٢٩٢/٤.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
٩٢
الآية : ٣٤
﴿يِغَيرِ الْحَقِّ﴾ متعلِّقٌ بالبغي، لأنَّ البغيَ لا يكون إلَّا كذلك. وجُوِّزَ أن يكون
حالاً مؤكّدةً.
وقيل: جيء به ليخرجَ البغي على الغير في مقابلة بغيه؛ فإنَّه يسمى بغياً في
الجملة، لكنَّه بحقِّ. وهو كما ترى.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِلَلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ أي: حجَّة وبرهاناً. والمعنى على نفي
الإنزال والسلطان معاً على أبلغ وجه، كقوله:
لا ترى الضبَّ بها ينجحرْ(١)
وفيه من التھگُم بالمشركين ما لا يخفى.
﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (٣) بالإلحاد في صفاته، والافتراء عليه،
كقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ولا يخفى ما في توجيه التحريم إلى قولهم
عليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعَه دونَ ما يعلمون عدمَ وقوعه: من السرِّ الجليل.
﴿ وَلِكُلِّ أُنَّةٍ﴾ من الأمم المهلكة ﴿أَجَلٌ﴾ أي: وقتٌ معيَّنٌ مضروبٌ
لاستئصالهم، كما قال الحسن، وروي ذلك عن ابن عباس ومقاتل. وهذا - كما قيل
- وعيدٌ لأهل مكة بالعذابِ النازل في أجلٍ معلوم عند الله، كما نزلَ بالأمم قبلهم،
ورجوعٌ إلى الحثِّ على الاتباعِ بعدَ الاستطراد الذي قاله البعض. وقد روعي نكتة
في تعقيبه تحريمَ الفواحش حيث ناسبه أيضاً .
وفسَّر بعضُهم الأجلَ هنا بالمدَّة المعيَّنة التي أُمهلوها لنزول العذاب، وفسَّره
آخرون بوقت الموت، وقالوا: التقديرُ: ولكلِّ أحدٍ من أمةٍ، وعلى الأول لا حاجة
إلى التقدير .
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ الضمير - كما قال بعضُ المحققين - إمَّا للأمم المدلول عليها
بـ ((كلِّ أمَّةٍ))، وإمَّا لكلِّ أمة، وعلى الأول فإظهار الأجل مضافاً إلى ذلك الضمير
لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغُ كلِّ أمَّةٍ أجلَها الخاصَّ بها، ومجيئُه إيّاها
(١) هو لعمرو بن الأحمر، وسلف ٢٣٧/٣، وتمامه:
لا تُفزع الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الضبَّ بها ينجحر

الآية : ٣٤
٩٣
سُورَةُ الأَغْرَافِ
بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموماً يفيدُه معنى الجمعية، كأنَّه قيل: إذا جاء
آجالهم بأن يجيء كلَّ واحدٍ من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها. وعلى الثاني - وهو
الظاهر -: فالإظهار في موقع الإضمار لزيادةِ التقرير، والإضافة لإفادة أكملٍ
التمييز.
وقرأ ابنُ سيرين: ((آجالهم)) بصيغة الجمع(١). واستظهرها ابنُ جنِّي، وجعل
الإفراد لقصد الجنسيَّة، والجنسُ من قبيل المصدر، وحسَّنه الإضافةُ إلى
الجماعة(٢).
والفاء قيل: فصيحةٌ، وسقطت في آية ((يونس)) لِمَا سنذكره إنْ شاء الله تعالى
هناك(٣)
.
والمراد من مجيء الأجل قربُه أو تمامُه، أي: إذا حانَ وقَرُب، أو انقطعَ
وتمَّ.
إِلَا يَسْتَأِْرُونَ﴾ عنه ﴿سَاعَةٌ﴾ قطعةً من الزمان في غاية القِلَّة. وليس المراد بها
الساعةَ في مصطلح المنجِّمين، والمنقسمةَ إلى ساعةٍ مستويةٍ - وتسمَّى فلكيَّةً - هي
زمانٌ مقدار خمس عشرة درجةً أبداً، ومعوجَّةٍ - وتسمَّى زمانية - هي زمانٌ مقدار
نصف سدس النهار أو الليل أبداً، ويَستعملُ الأولى أهلُ الحساب غالباً، والثانيةَ
الفقهاءُ وأهل الطلاسم ونحوهم، وجملةُ الليل والنهار عندهم أربعٌ وعشرون ساعةً
أبداً. سواءٌ كانت الساعةُ مستويةً أو معوجَّةً، إلَّا أنَّ كلَّا من الليل والنهارلا يزيدُ
على اثنتي عشرةَ ساعةً معوجَّةً أبداً، ولهذا تطولُ وتقصر، وقد تساوي الساعةَ
المستوية، وذلك عند استواء الليل والنهار.
والمرادُ: لا يتأخّرون أصلاً، وصيغة الاستفعال(٤) للإشعار بعجزهم وحرمانهم
عن ذلك مع طلبهم له.
(١) القراءات الشاذة ص ٤٤، والمحتسب ٢٤٦/١.
(٢) ينظر المحتسب ٢٤٦/١. وعبارته ثمة: فأما إفرادُ الأجل فلأنه جعله جنساً، أو لأنه مصدر
فأتته الجنسية من قبل المصدرية، وحسن الإفراد لإضافته أيضاً إلى الجماعة.
(٣) عند تفسير الآية (٤٩) منها.
(٤) في (م): الاستغفار.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٩٤
الآية : ٣٤
أي: ولا يتقدّمون عليه، والظاهرُ أنَّه عطفٌ على
٣٤
﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
((لا یستأخرون))، كما أعربه الحوفيُّ وغيره.
واعترض بأنَّه لا يُتصَوَّر الاستقدامُ عند مجيئه، فلا فائدةَ في نفيه، بل هو
من باب الإخبار بالضروريّ، كقولك: إذا قمتَ فيما يأتي لم يتقدَّم قيامُك فيما
مضی.
وقيل: إنَّه معطوفٌ على الجملة الشرطيّة لا الجزائيَّة، فلا يتقيَّدُ بالشرط، فمعنى
الآية: لكلِّ أَمَّةٍ أجلٌ فإذا جاء أجلُهم لا يستأخرون عنه، ولكلِّ أُمَّة أجلٌ
لا یستقدمونَ علیه.
وتعقّبه مولانا العلامةُ السيالكوتي بأنَّه لا يخفى أنَّ فائدةَ تقييد قوله تعالى:
(لا يستأخرون)) فقط بالشرط غيرُ ظاهرةٍ وإنْ صحَّ، بل المتبادرُ إلى الفهم السليم
ما تقدَّم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الأجلَ كما يمتنعُ التقدُّم عليه بأقصرِ مدَّةٍ هي الساعة،
كذلك يمتنعُ التأخّر عنه، وإنْ كان ممكناً عقلاً، فإنَّ خلافَ ما قدَّره الله تعالى
وعَلِمِه محالٌ. والجمع بين الأمرين فيما ذُكر كالجمع بين من سَوَّف التوبةَ إلى
حضورِ الموت ومن ماتَ على الكفر في نفي التوبة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [النساء: ١٨]. ولعلَّ هذا مراد من قال: إنَّه
عطفٌ على الجزاء؛ بناءً على أنْ يكون معنى قوله تعالى: ((لا يستأخرون))
(ولا يستقدمون)): لا يستطيعونَ تغييره، على نمط قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ
إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقولِهم: كلَّمته فما ردَّ عليَّ سوداءَ ولا بيضاء. فلا يَرِدُ
ما قيل. وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا المعنى حاصلٌ بذكر الجزاء بدون ذكر((ولا يستقدمون)).
والحقُّ العطفُ على الجملة الشرطية.
وفي ((شرح المفتاح): القيدُ إذا جُعِل جزءاً من المعطوف عليه لم يشاركه
المعطوف فيه، ومثَّل بالآية. وعليه لا محذور في العطف على ((لا يستأخرون))؛
لعدم المشاركة في القید.
وأنت تعلمُ أنَّهم ذكروا في هذا الباب أنَّ، إذا عُطف شيءٌ على شيء وسبقَه قيدٌ،
يشارك المعطوفُ المعطوفَ عليه في ذلك لقيد لا محالة، وأمَّا إذا عطف على

الآية : ٣٥
٩٥
سُوَّةُ الأَّعْرَافِ
ما لحقَه قيدٌ فالشركة محتمِلة، فالعطفُ على المقيَّد له اعتباران؛ الأول: أنْ يكونَ
القيدُ سابقاً في الاعتبار، والعطفُ لاحقاً فيه. والثاني: أن يكونَ العطفُ سابقاً
والقيدُ لاحقاً. فعلى الأول لا يلزمُ اشتراكُ المعطوفين في القيد المذكور، إذ القيدُ
جزءٌ من أجزاء المعطوف عليه، وعلى الثاني يجبُ الاشتراك؛ إذ هو حكمٌ من
أحكام الأوَّل يجبُ فيه الاشتراك.
وبعضُهم بنى العطفَ هنا على أنَّ المرادَ بالمجيء الدنوّ، بحيثُ يمكنُ التقدُّم
في الجملة، كمجيء اليوم الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ منه. وليس بذاك.
وتقديمُ بيان انتفاء الاستئخار - كما قيل - لما أنَّ المقصودَ بالذات بيانُ عدم
خلاصهم من العذاب، وأمَّا [ما] (١) في قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] من سبق السبق في الذّكر، فلما أنَّ المرادَ هناك بيانُ
سرِّ تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له، حسبما ينبئ عنه قوله سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] فالأهمُّ هناك بيانُ انتفاءِ
السبق .
﴿يَبَنِىّ ءَدَمَ﴾ خطابٌ لكافَّةِ الناس، ولا يخفى ما فيه من الاهتمام بشأن ما في
حيِّزه. وقد أخرج ابنُ جرير عن أبي سيَّار (٢) السلميّ قال: إنَّ الله تبارك وتعالى
جعلَ آدم وذريَّته في كفِّه فقال: ﴿يَبِيّ ◌َادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿فَتَّقُونِ﴾ ثم
بثّهم.
والذي ذهبَ إليه بعضُ المحقّقين أنَّ هذا حكايةٌ لما وقع مع كلِّ قوم. وقيل:
المرادُ ببني آدمَ أمَّةُ نبيِّنا وَّرَ. وهو خلاف الظاهر، ويبعدهُ جمعُ الرُّسل في قوله
سبحانه: ﴿إِنَّا يَأْتِيَتَّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ
بمحذوفٍ وقعَ صفةً لـ ((رسل)).
و((إمَّا)) هي ((إنْ)) الشَّرطيَّة، ضُمَّت إليها (ما)) لتأكيد معنى الشرط، فهي مزيدةٌ
للتأكيد فقط. وقيل: إنها تفيدُ العمومَ أيضاً، فمعنى: ((إمَّا تفعلنَّ)) مثلاً: إن اتَّفق
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٢٥/٣، والكلام منه.
(٢) في الأصل و(م): أبي يسار. والمثبت من تفسير الطبري ١٦٦/١٠، والدر المنثور ٨٢/٣.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٩٦
الآية : ٣٥
منكَ فعلٌ بوجهٍ من الوجوه. ولزمت الفعلَ بعد هذا الضمِّ نونُ التأكيد، فلا تحذفُ
- على ما ذهبَ إليه المبرِّدُ(١) والزجاج(٢) ومن تبعّهما - إلَّا ضرورةً، ومن ذلك
قولُه :
فإمَّا تَرَيْنِي ولي لِمَّةٌ
فإنَّ الحوادث أَوْدَى بها(٣)
ورُدَّ بأنَّ كثرة سماع الحذف تُبعدُ القول بالضرورة. ووجهُ هذا اللزوم عند بعضٍ
حذار انحطاط رتبةٍ فعل الشرط عن حرفه.
وقيل: إنَّ نون التوكيد لا تدخلُ الفعلَ المستقبل المحض إلَّا بعد أنْ يدخلَ على
أوَّل الفعلِ ما يدلُّ على التوكيد، كـ ((لام القسم)) أو ((ما المزيدة)) ليكون ذلك توطئةً
لدخول التوكيد، وعليه فأمر الاستباع بعكسٍ ما تقدَّم.
وفي الإتيان بـ ((إنْ)) تنبيهٌ على أنَّ إرسالَ الرسل أمرٌ جائزٌ لا واجبٌ، وهو الذي
ذهبَ إليه أهل السنة. وقالت المعتزلة: إنَّه واجبٌ على الله تعالى؛ لأنَّه سبحانه
بزعمهم يجبُ عليه فعل الأصلح.
وقوله سبحانه: ﴿يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَئِ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((رسل)). وجُوِّزَ أنْ
يكون في موضع الحال منه، أو من الضمير في الظرف، أي: يَعرضون عليكم
أحكامي وشرائعي، ويخبرونَكم بها ويبيِّنونَها لكم.
(١) في نسبة هذا الكلام للمبرد نظر، ولعله مأخوذ من قول المبرد في المقتضب ١١/٣-١٤ عند
ذكر مواضع دخول النونين الثقيلة والخفيفة على الأفعال: ومن مواضعها الجزاء، إذا لحقت
(ما)) زائدة في حرف الجزاء ... فمن ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾
[مريم: ٢٦]، وقال: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨]. اهـ. ولكن في كلام المبرد في غير
موضع ما يدل على غير ذلك، ينظر المقتضب ٢٩/٣ و٢٦٥، والكامل ٣٧٨/١-٣٧٩،
وينظر ما قاله الأستاذ محمد عبد الخالق عظيمة في تعليقه على المقتضب ١٤/٣-١٥ فهو
نافعٌ إن شاء الله.
(٢) في معاني القرآن له ٣٣٤/٢.
(٣) هو للأعشى ميمون بن قيس كما في ديوانه ص ٢٢١. وصدره فيه: فإن تعهديني ولي لمَّةٌ.
وذكره برواية المصنف البغدادي في الخزانة ١١/ ٤٣٠، وأشار فيه إلى رواية الديوان. وقال
في شرحه: واللِّمَّة بالكسر الشعر الذي يُلِمُّ، والحوادث جمع حادثة، وأودى بها: ذهب
ببهجتها وحسنها. الخزانة ٤٣٠/١١-٤٣٢.

الآية : ٣٦ - ٣٧
٩٧
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
﴾ جواب الشرط.
٣٥
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَتِهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
و(مَن)) إمَّا شرطيّةٌ، أو موصولة، و((منكم)) مقدَّرٌ في نظم الكلام؛ ليرتبط الجوابُ
بالشرط، والمرادُ: فمن اتَّقى منكم التكذيبَ وأصلحَ عملَه فلا خوفٌ .. إلخ. وتوحيد
الضمير وجمعه لمراعاة لفظ ((من)) ومعناه.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ منكم ﴿بِثَايَِنَا﴾ التي تُقَصُّ ﴿ وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾، ولم يقبلوها
﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ لتكذيبهم واستكبارهم. وهذه الجملة
عطفٌ على الجملة السابقة، وإيرادُ الاتقاء فيها للإيذان بأنَّ مدارَ الفلاح ليس مجرَّدَ
عدم التكذيب، بل هو الاتقاءُ والاجتنابُ عنه.
وإدخال الفاء في الوعد دون الوعيد؛ للمبالغة في الأول، والمسامحةِ في
الثاني.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: تعمَّد الكذبَ عليه سبحانه، ونسبَ إليه
ما لم يقل ﴿أَوْ كَذَّبَ ◌َِايَتِهِهُ﴾ أو كذَّبَ ما قاله جلَّ شأنه. والاستفهام للإنكار، وقد
مرَّ تحقيقُ ذلك.
﴿أُوْلَهِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول، والجمعُ باعتبار المعنى، كما أنَّ الإفرادَ في
الضمير المستكنِّ في الفعلين باعتبارِ اللفظ. وما فيه من معنى البعد للإيذان
بتماديهم في سوء الحال، أي: أولئك الموصوفون بما ذُكِر من الافتراء والتكذيب
﴿يَنَهُمْ﴾ أي: يصيبهم ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِنَبِّ﴾ أي: مما كُتب لهم وقُدِّرَ من الأرزاق
والآجال مع ظلمهم وافترائهم، لا يُحرمون ما قُدِّر لهم من ذلك إلى انقضاءِ
أجلهم، فـ ((الكتاب)) بمعنى المكتوب، وتخصيصُه بما ذُكر مرويٌّ عن جماعةٍ من
المفسِّرین.
وعن ابن عباس أنَّ المرادَ: ما قُدِّر لهم من خير أو شر. ومثله عن مجاهد.
وعن أبي صالح: ما قُدِّر من العذاب. وعن الحسن مثله.
وبعضهم فسَّر الكتابَ بالمكتوب فيه، وهو اللوحُ المحفوظ.
و ((من)) لابتداء الغاية، وجُوِّزَ فيها التبيين والتبعيضُ. والجارُّ والمجرور متعلِّق
بمحذوفٍ وقع حالاً من («نصيبهم))، أي: كائناً من الكتاب.

سُوْدَةُ الأَغَرَافِ
٩٨
الآية : ٣٧
﴿حَّ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه ﴿يَتَوَقَّوْنَهُمْ﴾ أي: حالَ
كونهم متوفِّينَ لأرواحهم، و((حتى)) غايةٌ نَيلهم؛ وهي حرفُ ابتداءٍ غيرُ جارَّةٍ، بل
داخلةٌ على الجملة(١)، كما في قوله:
وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرسان(٢)
وقيل: إنَّها جارَّةٌ. وقيل: لا دلالةَ لها على الغاية. وليس بشيء.
وعن الحسن أنَّ المراد: حتى إذا جاءتهم الملائكةُ يحشرونهم إلى النار يومَ
القيامة. وهو خلافُ الظاهر، وكأنَّ الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ﴾ أي:
الرسل لهم ﴿أَيْنَ مَا كُنُتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: أين الآلهةُ التي كنتم تعبدونها
في الدنيا وتستعينونَ بها في المهمَّات ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ﴾ أي: غابوا ﴿عَنَّا﴾ لا ندري أين
مكانُهم = فإنَّ هذا السؤال والجوابَ وكذا ما يترتَّبُ عليهما ممَّا سيأتي إنَّما يكونُ
يوم القيامة لا محالة.
ولعلَّه على الظاهر أُريدَ بوقتٍ مجيءٍ الرسل وحال التوفِّي الزمانُ الممتدُّ من
ابتداء المجيء والتوفِّي إلى نهاية يوم الجزاء؛ بناءً على تحقَّق المجيء والتوفِّي في
ذلك الزمان، وإنْ كان حدوثهما في أوَّله فقط. أو قُصدَ بيانُ غاية سرعة وقوع
البعث والجزاء، كأنهما حاصلان عند ابتداء التوقّي.
و((ما)) وُصلت بـ ((أين)) في المصحف العثمانيّ، وحقُّها الفصلُ لأنَّها موصولةٌ،
ولو كانت صلةً لاتصلت.
﴿وَشَهِدُواْ عَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: اعترفوا على أنفسهم. وليس في النظم ما يدلُّ على
أنَّ اعترافَهم كان بلفظ الشهادة، فالشهادةُ مجازٌ عن الاعتراف ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ في
عابدين لما لا يستحقُّ العبادةَ أصلاً، حيث اَّضح لهم حالُه.
الدنيا ﴿كَفِرِينَ
والجملةُ يحتمل أنْ تكون استئنافَ إخبارٍ من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم
بالكفر، ويحتمل أنْ تكون عطفاً على ((قالوا)). وعطفُها على المقول لا يخفى ما فيه.
(١) في (م): الجمل.
(٢) هو عجز بيت لامرئ القيس، وصدره كما في الديوان ص ٩٣ :
مطوتُ بهم حتى تكلَّ مطيُّهم
وسلف ٣١٣/٥.

الآية : ٣٨
٩٩
سُؤَدَّةُ الْأَغْرَافِ
والاستفهامُ - على ما ذهبَ إليه غيرُ واحد - غيرُ حقيقيٍّ، بل للتوبيخ والتقريع،
وعليه فلا جواب، وما ذُكر إنَّما هو للتحسُّر والاعتراف بما هم عليه من الخيبةِ
والخسران. ولا تعارضَ بين ما في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: ٢٣]؛ لأنَّ الطوائف مختلفةٌ، أو المواقفَ عديدةٌ، أو الأحوال شتى.
﴿قَالَ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ لأولئك الكاذبين المكذِّبين يومَ القيامة، بالذات، أو
بواسطةِ المَلَك ﴿آدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ﴾ أي: مع أُمَم، والجارُّ والمجرور في موضع
الحال، أي: مصاحبين لأمَم ﴿قَدْ خَتْ﴾ أي: مضت ﴿مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنّ وَالْإِسِ﴾
يعني: كفارَ الأمم من النّوعين، وقدَّم الجنَّ لمزيدٍ شرِّهم ﴿فِ النَّارِ﴾ متعلِّقٌ
بـ ((ادخلوا))، وجُوِّزَ أنْ يتعلَّق ((في أمم)) به، ويحمل ((في النار)) على البدليَّة، أو على
أنَّه صفة ((أمم)).
وجَوَّز بعضُ المفسِّرين أن يكون هذا إخباراً عن جعله سبحانه إيَّاهم في جملة
أولئك من غير أن يكون هناك قولٌ مطلقاً، أي: إنه تعالى جعلَهم كذلك. وهو
خلاف الظاهر كما لا يخفى.
﴿ُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌ﴾ من الأمم تابعةً أو متبوعةً في النار ﴿لََّنَتْ أُخْنَا﴾ أي: دعت
على نظيرها في الدين، فتلعنُ التابعةُ المتبوعةَ التي أضلَّتها، وتلعنُ المتبوعةُ التابعةَ
التي زادتْ في ضلالها. وعن أبي مسلم: يلعنُ الأتباعُ القادةَ؛ يقولون: أنتم
أوردتمونا هذه الموارد، فلَعَنكم الله تعالی.
﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جِيعًا﴾ غايةٌ لما قبلَه، أي: يدخلون فوجاً فوجاً، لاعناً
بعضُهم بعضاً، إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار. وأصلُ ((اداركوا)):
تداركوا، فأدغمت التاءُ في الدال بعد قلبها دالاً وتسكينها، ثمَّ اجتُلبت همزةُ
الوصل .
وعن أبي عمرو أنَّه قرأ: ((إِذَّاركوا)) بقطع ألف الوصل(١)، وهو - كما قيل - مبنيٌّ
على أنه وقفَ مثلَ وقفة المستذكر، ثمَّ ابتدأَ فقطع، والإ فلا مساغَ لذلك في كلام الله
تعالى الجليل.
(١) المحتسب ٢٤٧/١، والبحر المحيط ٢٩٦/٤. وقراءة أبي عمرو المشهورة كقراءة الجماعة.

سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
١٠٠
الآية : ٣٨
وقرئ: ((إذا دَّاركوا)) بألفٍ واحدةٍ ساكنةٍ ودالٍ بعدها مشدّدة، وفيه جمعٌ بين
ساكنين، وجازَ لمَّا كان الثاني مدغماً، ولا فرق بين المتَّصل والمنفصل(١).
﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ﴾ منزلةً، وهم الأتباعُ والسفلة ﴿لِأُولَئُهُمْ﴾ منزلةً، وهم القادةُ
والرؤساء، أو: ((قالت أُخراهم)) دخولاً ((لأولاهم)) كذلك. وتقدُّم أحد الفريقين
على الآخر في الدخول مرويٌّ عن مقاتل، واللام في ((لأولاهم)) للتعليل، لا للتبليغ
كما في قولك: قلتُ لزيدٍ: افعل كذا؛ لأنَّ خطابَهم مع الله تعالى لا معهم، كما يدلُّ
عليه قوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿رَبَّا هَؤُلاءِ أَضَلُونَ﴾ أي: دَعَوْنا إلى الضلال،
وأمرونا به حيث سنُّوه، فاقتدينا بهم ﴿فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفاً، كما روي
عن مجاهد ﴿مِّنَ النَّارِ﴾ والضِّعفُ - على ما قال أبو عبيد(٢)، ونصَّ عليه الشافعيُّ في
الوصايا(٣) - مثلُ الشيءِ مرَّةً واحدةً، وعن الأزهريِّ أن هذا معنًى عرفيٍّ، والضعف
في كلام العرب - وإليه يُرَدُّ كلام الله تعالى - المثلُ إلى ما زاد، ولا يقتصرُ على
مثلين، بل هو غير محصورٍ (٤). واختاره هنا غير واحد.
وقال الراغب(٥): الضَّعفُ بالفتح مصدرٌ وبالكسر اسمٌ، كالثَّني والنِّني، وضِعْفُ
الشيء هو الذي يُئِّيه، ومتى أُضيف إلى عددٍ اقتضَى ذلك العددَ [و] مثلَه، نحو أن
يقال: ضعفُ عشرة وضعف مئة، فذلك عشرون ومئتان بلا خلاف، وعلى ذلك
قول الشاعر (٦):
جزیتُكِ ضِعفَ الوُدِّ لمَّا اشتکیتهِ
وما إنْ جَزاكِ الضِّعفَ من أَحدٍ قبلي
(١) يعني بالمتصل نحوَ: ((الضالِّين)) و((جانّ))، وبالمنفصل أن ألف ((إذا)) من كلمة، والساكن
الثاني من كلمة أخرى. الدر المصون ٣١٤/٥، وذكر القراءة أيضاً أبو البقاء في الإملاء
٦/٣، وأبو حيان في البحر ٢٩٦/٤.
(٢) كذا في الأصل و(م) ولسان العرب (ضعف) وحاشية الشهاب ١٦٨/٤. وجاء في تهذيب
اللغة ١/ ٤٨٠ - وعنه نقل صاحب اللسان - والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ٣٧٥ :
أبو عبيدة. وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٣٦/٢-١٣٧، وانظر حاشية الخفاجي ٦٣/٣.
(٣) مختصر المزني (بهامش كتاب الأم) ٣/ ١٦٠.
(٤) تهذيب اللغة ١/ ٤٨٠-٤٨١ .
(٥) في المفردات (ضعف). وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٦) هو أبو ذؤيب الهذلي. والبيت في شرح أشعار الهذليين ٨٨/١.