Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ٢٠ ٦١ سُؤَدَّةُ الأَّغَرَافِ وقرأ عبد الله: ((أُوري)) بالهمزة(١)؛ لأنَّ القاعدة إذا اجتمعَ واوان في أَوَّل كلمةٍ، فإن تحرَّكت الثانية، أو كان لها نظيرٌ متحرِّك، وجبَ إبدالُ الأولى همزةٌ تخفيفاً، مثالُ الأول: أُوَيْصِل وأَوَاصِل في تصغيرٍ واصِل وتكسيره(٢)، ومثال الثاني: أُوْلى، أصله: وُوْلَى، فأبدِلت الأولى لمَّا تحرَّكت الثانيةُ في الجمع، وهو أُوَل، فإنْ لم يتحرَّك بالفعل أو القوة جازَ الإبدالُ وعدمُه كما هنا، قاله الشهابُ نقلاً عن النحاة (٣). وقُرئ: ((سوأتهما)) بالإفراد والهمزة على الأصل. و((سوَّتهما)) بإبدال الهمزة واواً، وإدغام الواو في الواو. وقُرِئ: ((سَوَاتِهما)) بالجمع وطرح حركة الهمزة على ما قبلَها وحذفها، و((سؤَّاتهما)) بالطرحِ وقلبِ الهمزة واواً والإدغام(٤). ﴿وَقَالَ﴾ عطفٌ على ((وسوس)) بطريق البيان ﴿مَا نَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ أي: الأكل منها ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكٍَّ﴾ استثناءٌ مفرَّغ من المفعول لأجله بتقدير مضافٍ، أو حذفٍ حرف النفي ليكون علَّة، أي: كراهةً(٥) أن تكونا، أو: لئلا ، أي: الذين لا يموتون أصلاً، أو الذين تكونا ملكين. ﴿أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِدِينَ لَّ يَخلدون في الجنَّة. وقرأ ابنُ عباس ويحيى بن كثير: ((مَلِكين)) بكسر اللام(٦). قال الزجَّاج(٧): ويشهدُ لهذه القراءة قوله تعالى حكايةً عن اللعين: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. واستُدِلَّ بالآية على أفضليَّةِ الملائكة، حيثُ إنَّ اللعين قال ذلك ولم ينكر عليه، (١) الكشاف ٢/ ٧٢، والبحر المحيط ٢٧٩/٤. (٢) في (م): وتصغيره. (٣) حاشية الشهاب ١٥٨/٤ . (٤) تنظر هذه القراءات في المحتسب ٢٤٣/١، والكشاف ٧٢/٢، والبحر المحيط ٢٧٩/٤، وحاشية الشهاب ٤/ ١٥٨ . (٥) في (م): كراهية. (٦) أخرجها عنهما الطبري ١٠٨/١٠. وانظر البحر المحيط ٢٧٩/٤. (٧) في معاني القرآن له ٣٢٦/٢. سُورَةُ الأَْرَافِ ٦٢ الآية : ٢١ وارتكبَ آدم عليه السلام المنهيَّ عنه طمعاً فيما أشارَ إليه الشيطانُ من الصيرورة ملكاً، فلولا أنَّه أفضلُ لم يرتكبه. وأجيبَ بأنَّ رغبتَهما إنَّما كانت في أنْ يحصلَ لهما أوصافُ الملائكة من الكمالات الفطريَّة، والاستغناءِ عن الأطعمة والأشربة ونحو ذلك، ونحن لا نمنعُ أفضليّة الملائكةِ من هذه الأوجه، وإنَّما نمنعُ أفضليتهم من كلِّ الوجوه، والآية لا تدلُّ عليه. وأيضاً قد يقال: إنَّ رغبتهما كانت في الخلودِ فقط، وفي آية ((طه)) ما يُشير إليه، حيثُ عقَّب فيها الترغيبَ في الخلود بالأكل. واعتُرِضَ بأنَّ رغبتهما في الخلود تستلزمُ الكفرَ؛ لما يلزمُ ذلك من إنكار البعث والقيامة، ومن ثَمَّ قال الحسنُ لعمرو بن عبيد لمَّا قال له: إنَّ آدَمَ وحواءَ هل صدَّقًا قول الشيطان؟: معاذَ الله تعالى، لو صدَّقا لكانا من الكافرين. وأجيبَ بأنَّ المرادَ من الخلود طولُ المكث، والتصديقُ به ليس بكفر، ولو سُلِّم أنَّ المرادَ الدوامُ الأبديُّ فلا نسلِّم أنَّ اعتقادَ ذلك إذ ذاك كفرٌ، لأنَّ العلمَ بالموتِ والبعث بعدَه يتوقَّفُ على الدليل السمعيِّ، ولعلَّه لم يصل إليهما وقتئذٍ. وادَّعى بعضُهم أنَّ المرادَ بالخلود الخلودُ العارضُ بعدَ الموت بدخول الجنَّة، وحينئذٍ لا إشكال، إلَّا أنَّه خلافُ الظاهر. وعن السيد المرتضى في معنى الآية أنَّه قال: إنَّ اللعين أوهمهما أنَّ المنهيَّ عن تناول الشجرة الملائكةُ والخالدون خاصَّة دونهما، كما يقول أحدنا لغيره: ما نُهيتَ عن كذا إلَّا أنْ تكون فلاناً، يريدُ أنَّ المنهيَّ هو فلانٌ دونك(١). وهو كما ترى. ﴿وَقَاسَمَهُمَّا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِينَ ﴾﴾ أقسمَ لهما، وإنَّما عبّر بصيغةِ المفاعلة للمبالغة؛ لأنَّ من يباري أحداً في فعلٍ يجدُّ فيه، فاستعمل في لازمه. وقيل: المفاعلة على بابها، والقَسَم وقع مِنَ الجانبين، لكنَّه اختلف متعلَّقه، فهو أقسمَ لهما على النصح، وهما أقسما له على القَبول. (١) أمالي المرتضى ٣٣٦/٢. الآية : ٢٢ ٦٣ سُورَةُ الأَعْرَافِ وتُعقّب بأنَّ هذا إنَّما يتمُّ لو جرَّدَ المقاسمةَ عن ذكرِ المقسَم عليه، وهو النصيحة، أمَّا حيثُ ذكر، فلا يتمُّ إلَّا أنْ يقال: سمَّى قَبول النصيحة نصيحةً للمشاكلة والمقابلة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَوَ عَدْنَا مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٤٢]: إنَّه سمى التزام موسى عليه السلام الوفاءَ والحضور للميعاد ميعاداً، فأسند التعبيرَ بالمفاعلة. وقيل: قالا له: أتقسمُ بالله تعالى إنَّك لمن الناصحين، وأقسمَ لهما، فجعلَ ذلك مقاسمةً. وعلى هذا فيكون - كما قال ابن المنير - في الكلام لفٍّ؛ لأنَّ آدمَ وحواء عليهما السلام لا يقسمان بلفظ التكلم، بل بلفظ الخطاب(١). وقيل: إنَّه إلى التغليب أقرب. وقيل: إنَّه لا حاجةَ إليه، بأن يكون المعنى: حَلَفَا عليه بأنْ يقولَ لهما: إنِّي لكما لمن الناصحين. ﴿فَدَلَّهُمَا﴾ أي: حظّهما عن درجتهما، وأنزلهما عن رتبةِ الطاعة إلى رتبة المعصية، فهو من دلَّى الدلوَ في البئر، كما قاله أبو عبيدة وغيره. وعن الأزهريّ(٢) أنَّ معناه: أطمعهما، وأصلُه من تدليةِ العطشان شيئاً في البئر، فلا يجدُ ما يشفي غليلَه. وقيل: هو من الدَّالَّة، وهي الجرأةُ، أي(٣): فجرَّأهما. كما قال: وقد يُستجهَل الرجلُ الحليم(٤) أظنُّ الحلمَ دلَّ عليَّ قومي فأبدلَ أحدَ حرفي التضعيف ياء(٥). ﴿بِغُرُورٍ﴾ أي: بما غرَّهما به من القَسَم، أو متلبِّسين به، فالباء للمصاحبة، أو الملابسة، والجارُّ والمجرور حالٌ من الفاعل أو المفعول. وجعل بعضُهم الغرور مجازاً عن القَسَمِ؛ لأنَّه سببٌ له. ولا حاجةَ إليه. (١) الانتصاف ٢/ ٧٢. (٢) في تهذيب اللغة ١٤/ ١٧٢ . (٣) في (م): في. (٤) هو لقيس بن زهير. انظر الأغاني ٢٠٦/١٧ والأمالي ٢٦١/١. (٥) والأصل: دلَّلهما، فاستُثقل توالي ثلاثة أمثال فأبدل الثالث حرف لين، كقولهم: تظنَّيت في تظننت. الدر المصون ٢٨٢/٥. سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٦٤ الآية : ٢٢ وسببُ غرورهما على ما قاله غيرُ واحدٍ أنَّهما ظنًّا أنَّ أحداً لا يُقسِمُ بالله تعالى كاذباً. ورووا في ذلك خبراً(١). وظاهر هذا أنَّهما صَدَّقا ما قاله، فأقدما على ما نُهيا عنه. وذهب كثيرٌ من المحقّقين أنَّ التصديقَ لم يوجد منهما لاقطعاً ولا ظنّاً، وإنَّما أقدما على المنهيِّ عنه لغلبةِ الشهوة، كما نجدُ من أنفسنا أنْ نُقْدِمَ على الفعل إذا زَيَّن لنا الغيرُ ما نشتهيه، وإنْ لم نعتقد أنَّ الأمرَ كما قال. ولعلَّ كلامَ اللعين على هذا من قبيل المقدِّمات الشعريَّة أثارَ الشهوة حتى غلبت، ونُسي معها النهيُ، فوقعَ الإقدامُ من غير رويَّةٍ. وقال القطب: يمكنُ أنْ يقال: إنَّ اللعينَ لما وَسوسَ لهما بقوله: ((ما نهاكما)) إلخ، فلم يقبلا منه، عَدَل إلى اليمين على ما قاله سبحانه، وقاسمهما فلم يصدِّقاه أيضاً، فعدلَ بعد ذلك إلى شيءٍ آخر، وكأنَّه أشارَ إليه سبحانه بقوله تعالى: ((فدلاهما بغرور)»، وهو أنَّه شغلَهما باستيفاءِ اللذَّات حتى صارًا مستغرقين بها، فنُسيَ النهيُ، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وجعل العتابَ الآتي على ترك التحقُّظ. فتدبّر. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أي: أكلا منها أكلاً يسيراً ﴿بَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ قال الكلبيُّ: تهافتَ عنهما لباسُهما، فأبصرَ كلٌّ منهما عورةَ صاحبه فاستحيا . ﴿وَطَفِقَا﴾ أخذا وجَعلا، فهو من أفعال الشروع، وكسرُ الفاء فيه(٢) أفصحُ من فتحها، وبه قرأ أبو السمَّال(٣). ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أي: يَرِقَعان ويَلزقان ورقةً فوق ورقة، وأصلُ معنى الخصفِ الخرزُ في طاقات النِّعال ونحوها بإلصاقٍ بعضها ببعض. وقيل: أصلُه الضمُّ والجمعُ. (١) يشير إلى ما أخرجه الطبري في تفسيره ١١١/١٠-١١٢ من قول ابن عباس، وفيه قول آدم: ما حسبت أن أحداً يحلفُ بك كاذباً. (٢) ليست في الأصل. (٣) القراءات الشاذة ص ٤٢، والكشاف ٧٣/٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٠. الآية : ٢٢ ٦٥ سُوَدَّةُ الَّغَافِ ﴿عَلَيْهِمَا﴾ أي: على سوآتهما، أو على بدنِهما، ففي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ. وقيل: الضميرُ عائدٌ على ((سوءاتهما))(١). ﴿مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ﴾ وكان ذلك بعضُ ورق التين، على ما روي عن قتادة. وقيل: الموز. وقرأ الزهريُّ: ((يُخْصِفان)) من أَخْصَفَ (٢)، وأصلُه خصف إلّا أنَّه - كما قال الجَارَبَرْدِيُّ(٣) - نُقل إلى أخصف للتعدية، وضُمِّنَ الفعلُ لذلك معنى التصيير، فصارَ الفاعل في المعنى مفعولاً للتصيير، فاعلاً لأصل الفعل، فيكون التقدير: يُخْصِفان أنفسَهما - أي: يجعلان أنفسَهما خاصفين - عليهما من ورقِ الجنة، فحذفَ مفعول التصيير. وجَوَّزَ بعضهم كون خصفَ وأخصف بمعنى. وقرأ الحسنُ: ((يَخِصِّفان)) بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصَّاد من الافتعال(٤)، وأصله يختصفان، سكِّنت التاء وأدغمت، ثمَّ كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ يعقوب بفتحها(٥). وقرئ: ((يُخُصِّفان))(٦)، من خَصَّف المشدَّد بفتح الخاء، وقد ضُمَّتْ إتباعاً للياء، وهي قراءةٌ عَسِرةُ النطق. ﴿وَنَادَنْهُمَا رَبُهُمَا﴾ بطريق العتاب والتوبيخ ﴿أَلَ أَنْهَكُمَا﴾ تفسيرٌ للنداء، فلا محلَّ له من الإعراب، أو معمولٌ لقولٍ محذوف، أي: وقال، أو قائلاً: ألم أنهكما ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ إشارة إلى الشجرة التي نُهيا عن قربانها. والتثنيةُ لتثنيةِ المخاطب. (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وفيه ما لا يخفى. اهـ منه. (٢) المحتسب ٢٤٥/١، والبحر المحيط ٢٨٠/٤. (٣) هو أحمد بن الحسن الجارَبَرْدي نزيل تبريز، شرح ((منهاج)) البيضاوي، و((تصريف ابن الحاجب)) وغيرهما. (ت ٧٤٦هـ). طبقات الشافعية للسبكي ٩/ ٨، والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٤٧ . (٤) البحر المحيط ٤/ ٢٨٠. (٥) البحر المحيط ٢٨٠/٤. وقراءة يعقوب المشهورة عنه كقراءة الجماعة. (٦) هي قراءة عبد الله بن زيد كما في البحر المحيط ٢٨٠/٤. سُورَةُ الْأَّغَرَافِ ٦٦ الآية : ٢٣ ﴿وَأَقُل لَّكُمَا﴾ عطفٌ على ((أنهكما))، أي: ألم أقل لكما: ﴿إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌ ◌ُبِينٌ ﴾ أي: ظاهرُ العداوة، وهذا - على ما قيل -: عتابٌ وتوبيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ، كما أنَّ الأوَّل عتابٌ على مخالفةِ النهي. ولم يحك هذا القول هاهنا، وقد حُكي في سورة طه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ الآية [١١٧]. و((لكما)) متعلِّقٌ بـ ((عدو)) لما فيه من معنى الفعل، أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً منه. واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنَّ مطلقَ النهي للتحريم؛ لما فيها من اللومِ الشديد مع الندم والاستغفار المفهوم ممَّا يأتي. والأكثرون على أنَّ النهيَ هنا لَلتنزيه، وندمَهما واستغفارَهما على تَرَك الأَوْلى، وهو في نظرهما عظيمٌ، وقد يُلَامُ عليه أشدَّ اللوم إذا كان فاعلُه من المقرَّبين. ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ أي: ضررناها بالمعصية، وقيل: نقصناها حظّها بالتعرُّضِ للإخراج من الجنَّة، وحذفا حرفَ النداء مبالغةً في التعظيم؛ لما أنَّ فيه طرفاً من معنى الأمر. ﴿وَإِن ◌َّْ تَغْفِّرْ لَنَا﴾ ذلك بعدم العقاب عليه ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ بالرِّضا علينا. وقيل: المراد: وإن لم تَستُر علينا بالحفظ عمَّا يتسبَّبُ نقصانَ الحظّ، وترحمنا بالتفضُّل علينا بما يكونُ عوضاً عما فاتنا . ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾ جوابُ قسم مقدَّر دلَّ على جواب الشرط السابق على ما قيل. واستُدِلَّ بالآية على أنَّ الصغائر يعاقبُ عليها مع اجتناب الكبائر إن لم يغفر الله تعالى . وذهبت المعتزلةُ إلى أنَّ اجتنابَ الكبائر يوجبُ تكفيرَ الصغائر وإنْ لم يتب العبدُ منها، وجعلوا لذلك ما ذُكِر هنا جارياً على عادةٍ الأولياء والصالحين في تعظيمِهم الصغيرَ من السيئات، وتصغيرِهم العظيمَ من الحسنات، فلا ينافي كونَهما مغفوراً لهما. والكثيرُ من أهل السنة جعلوه من باب هضم النفس؛ بناءً على أنَّ ما وقعَ كان عن نسيانٍ، ولا كبيرةَ ولا صغيرةً معه. الآية : ٢٤ ٦٧ سُورَةُ الْأَّغَرَافِ وادَّعى الإمام أنَّ ذلك الإقدامَ كان صغيرةً، وكان قبلَ نبوّة آدم عليه السلام؛ إذ لا يجوزُ على الأنبياء عليهم السلام بعد النبوَّة كبيرةٌ ولا صغيرةٌ(١). والكلام في هذه المسألة مشهور. ﴿وَقَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ مراراً: ﴿أَهِْطُواْ﴾ المأثورُ عن كثيرٍ من السَّلف أنَّه خِطابٌ لآدم وحواء عليهما السلام وإبليسَ عليه اللعنة، وكَرَّر الأمرَ له تبعاً لهما؛ إشارةً إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا، أو أنَّ الأمرَ وقع مفرَّقاً، وهذا نقلٌ له بالمعنى، وإجمالٌ له كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقيل: إنَّ الأمرَ بالنسبة إلى اللعين غيرُ ما تقدَّم، فإنَّه أمرٌ له بالهبوط من حيث و سوس. واختار الفرَّاءُ(٢) كونَه خطاباً لهما ولذريَّتهما، وفيه خطابُ المعدوم. وقيل: إنَّه لهما فقط؛ لقوله سبحانه: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]، والقصَّةٌ واحدةٌ، وضميرُ الجمع لكونهما أصلَ البشر، فكأنَّهم هم. ومن الناس من قال: إنَّ مختارَ الفرَّاء(٣) هو هذا. وقيل: إنَّه لهما ولإبليس والحيَّة. واعترِض، وأجيب بما مرَّ في سورة البقرة. والظاهرُ من النظم الكريم أنَّ آدمَ عليه السلام عاجلَه ربُّه سبحانه بالعتاب والتوبيخ على فعلِه، ولم يتخلَّل هناك شيءٌ. ونقل الأُجهوريُّ عن حُجَّة الإسلام الغزاليّ أنَّه عليه السلام لمَّا أكل من الشجرة تحرَّكت معدتُه لخروج الفضلة، ولم يكن ذلك مجعولاً في الجنَّة في شيءٍ من أطعمتها إلا في تلك الشجرة، فلذلك نهي عن أكلها، فجعلَ يدورُ في الجنة، فأمر الله تعالى ملكاً يخاطبُه، فقال له: أيَّ شيءٍ تريدُ يا آدم؟ قال: أريدُ أن أضعَ ما في بطني من الأذى، فقال له: في (١) تفسير الرازي ٨/٣، ٥٠/١٤. (٢) في معاني القرآن له ٣١/١. (٣) ونص عبارة الفراء بعد ذكر الآية قال: فإنَّه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضاً: آدم وإبليس، وقال: ((اهبطوا)) يعنيه ويعني ذريَّته، فكأنه خاطبهم ... سُورَةُ الأَّغْرَافِ ٦٨ الآية : ٢٤ أيِّ مكانٍ تضعه، أعلى الفُرش أم على السُّرر، أم في الأنهار، أم تحتَ ظلال الأشجار؟ هل ترى هاهنا مكاناً يصلحُ لذلك؟ ثم أمره بالهبوط(١). وأنا لا أرى لهذا الخبر صحَّةً. ومثلُه ما رُوي عن محمد بن قيس قال: إنَّه عليه السلام لمَّا أكل من الشجرة ناداه ربُّه: يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتُك؟ قال: أطعمَتني حواء، فقال سبحانه: يا حواء لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، فقال للحيَّة: لم أمرتِها؟ قالت: أمرني إبليس، فقال الله تعالى: أمَّا أنت يا حواء فلأُدمينَكِ كلَّ شهر كما أدميتِ الشجرة، وأما أنت يا حيَّة فأقطع رجليك فتمشين على وجهك، وسيشدخُ وجهَك كلُّ من لقيك، وأمَّا أنت يا إبليس فملعون(٢) . ◌ِبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدٌُ﴾ في موضع الحال من فاعل ((اهبطوا)) وهي حالٌ مقارنة أو مقدَّرة، واختارَ بعضُ المعربين كونَ الجملة استئنافيَّةً، كأنَّهم لمَّا أُمِروا بالهبوط سَألوا: كيف يكون حالنا؟ فأجيبوا بأنَّ بعضكم لبعضٍ عدوّ. وأمرُ العداوة على تقدير دخول الشيطان في الخطاب ظاهرٌ، وأمَّا على تقديرٍ التخصيص بآدم وحواء عليهما السلام، فقد قيل: إنَّه باعتبار أنْ يُراد بهما ذريَّتهما؛ إمَّا بالتجوُّز، كإطلاق تميم على أولاده كلِّهم، أو يكتفى بذكرهما عنهم. واختارَ بعضُهم كونَ العداوة هنا بمعنى الظلم، أي: يظلمُ بعضكم بعضاً بسبب تضليل الشيطان. فليفهم. ﴿وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: استقرارٌ، أو موضع استقرار، فهو إمَّا مصدرٌ میميٌّ، أو اسم مكان. وجُوِّز أنْ يكون اسمَ مفعولٍ بمعنى: ما استقرَّ ملككم عليه، وجاز تصرُّفكم فيه. ولا يخفى أنَّه خلافُ الظاهر، ومحتاجٌ إلى الحذف والإيصال. واللفظُ في نفسه يَحتملُ أنْ يكون اسم زمان، إلا أنَّه غيرُ مُحتمِلٍ هنا؛ لأنَّه ، يريد به وقتَ الموت، ٢٢٤ يتكرَّرُ مع قوله سبحانه: ﴿وَمَتَهُ﴾ أي: بُلْغَةٌ ﴿إِلَى ◌ِينٍ (١) إحياء علوم الدين ٢٠٤/٣. (٢) أخرجه الطبري ١ / ٥٦٧ . الآية : ٢٥ - ٢٦ ٦٩ سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ وقيل: القيامة، وتجعل السُّكنى في القبر تمتُّعاً في الأرض. أو يقال: معنى ((لكم)). لجنسكم ولمجموعكم. والظرفُ قيل: متعلِّق بـ ((متاع))، أو به وبـ ((مستقرٌّ)) على التنازع إن كان مصدراً. وقيل: إنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((متاع)). ﴿قَالَ﴾ أعيدَ للاستئناف؛ إمَّا للإيذان بعدم اتِّصال ما بعدَه بما قبله، وإمَّا لإظهار العناية بما بعدَه، وهو قوله سبحانه: ﴿فِيهَا تَحْيَوَنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا عندَ البعث يوم القيامة. ٢٥ تُخْرَجُونَ وقرأ أهلُ الكوفة غير عاصم: ((تَخْرُجون)) بفتح التاء وضمِّ الراء على البناء للفاعل(١). ﴿يَبَنِيِّ ءَدَمَ﴾ خطابٌ للناس كافَّة. واستُدِلَّ به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد. ولا يخفى سرُّ هذا العنوان في هذا المقام. ﴿قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا﴾ أي: خلقنا لكم ذلك بأسبابٍ نازلةٍ من السماء، كالمطر الذي ينبتُ به القطن الذي يُجعَل لباساً، قاله الحسن. وعن أبي مسلم أنَّ المعنى: أعطيناكم ذلك ووهبناه لكم، وكلُّ ما أعطاه الله تعالى لعبده فقد أنزلَه عليه من غير أنْ يكون هناك علوٌّ أو سفلٌ، بل هو جارٍ مجرى التعظيم، كما تقول: رفعتُ حاجتي إلى فلانٍ، وقصَّتي إلى الأمير، وليس هناك نقلٌ من سفلٍ إلى علوّ. وقيل: المراد: قضينا لكم ذلك وقَسَمْناه. وقَضاياه تعالى وقِسَمُه توصَفُ بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح المحفوظ. وعلى كلِّ فالكلامُ لا يخلو عن مجاز، ويحتمل أن يكون في المسند، وهو الظاهر، ويَحتمل أنْ يكونَ في اللباس أو الإسناد. وقوله سبحانه: ﴿يُؤَرِى﴾ أي: يسترُ، ترشيحٌ على بعض الاحتمالات. (١) التيسير ص ١٠٩، والنشر ٢٦٧/٢. وقرأ بها أيضاً يعقوب، وابن ذكوان راوية ابن عامر. سُوَرَةُ الْأَّشَرَافِ ٧٠ الآية : ٢٦ وعن الجبّائي أنَّ الكلامَ على حقيقته، مُدَّعياً نزولَ ذلك مع آدم وحواء من الجنة حين أمِرا بالهبوط إلى الأرض، ولم نقف في ذلك على خبرٍ كستهُ الصحّة لباساً. نعم أخرج ابنُ عساكر بسندٍ ضعيف عن أنس قال: قال رسولُ اللهِ وَّةُ: ((أُحِبطَ آدم وحواءُ عليهما السلام عريانين جميعاً عليهما ورقُ الجنة، فأصابَ آدَمَ الحرُّ حتى قعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحرُّ، فجاءَه جبريلُ عليه السلام بقطنٍ، وأمرَها أنْ تغزلَه، وعلَّمها وعلَّمَ آدَمَ، وأمرَه بالحياكة وعلَّمه))(١). وجاء في خبرٍ آخرَ أنَّه عليه السلام أُهبِط ومعهُ البذور، فوضعَ إبليسُ عليها يدَه، فما أصابَ يده ذهب منفعته(٢). وفي آخر رواه ابنُ المنذر عن ابن جريج أنَّه عليه السلام أُهِبط معه ثمانيةُ أزواجٍ من الإبل والبقر والضأن والمعز، وبَاسِنَة، والعلاة، والكلبتان(٣)، وغريسة(٤) عنبُ وريحان. وكلُّ ذلك - على ما فيه - لا يدلُّ على المذَّعَى، وإنْ صلح بعضُ ما فيه لأنْ يكونَ مبدأً لما يواري. ﴿سَوْءَاتِكُمْ﴾ أي: التي قصدَ إبليسُ عليه اللعنة إبداءَها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصفِ الأوراق، وأنتم مستغنون عن ذلك. ورَوى غيرُ واحدٍ أنَّ العربَ كانوا يطوفونَ بالبيت عرايا، ويقولون: لا نطوفُ بثيابٍ عصينا الله تعالى فيها، فنزلت هذه الآية(٥). (١) تاريخ دمشق ٤١٣/٧، ١٠٨/٦٩، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٥٧/١. وفي إسناده سعيد بن ميسرة البصري، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات. وقال ابن عدي: مظلم الأمر. البداية والنهاية ١٨٨/١ - ١٨٩. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨٩/١ عن السري بن یحیی قوله. (٣) الباسنة، قيل: إنها آلات الصناع، وقيل: هي سكة المحراث، وليس بعربي محض. والعلاة: هي السندان. والكلبتان: ما يأخذ به الحداد الحديد المحمَّى. النهاية (بسن)، (علا)، والقاموس المحيط (كلب). (٤) في الدر المنثور ٥٦/١ - والخبر فيه -: وتعريشة. (٥) تفسير أبي السعود ٢٢٢/٣. وأخرج الطبري ١٢٠/١٠ عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَبَنِيّ الآية : ٢٦ ٧١ سُوَرَةُ الأَشْرَافِ وقيل: إنَّهم كانوا يطوفون كذلك تفاؤلاً بالتعرِّي عن الذنوب والآثام. ولعلَّ ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذٍ للإيذان بأنَّ انكشاف العورة أوَّلُ سوءٍ أصابَ الإنسان من قِبَل الشيطان، وأنَّه أغواهم في ذلك كما فَعل بأبويهم. وفي الكشاف(١) أنَّ هذه الآية واردةٌ على سبيل الاستطراد عقيبَ ذكر بدوِّ السوآت وخصف الورق عليها(٢)؛ إظهاراً للمنَّة فيما خلقَ من اللباس، ولما في العُري وكشفِ العورة من المهانة والفضيحة، وإشعاراً بأنَّ التستُّر بابٌ عظيمٌ من أبواب التقوى. ﴿وَرِيثًا﴾ أي: وزينةً، أخذاً من ريش الطير؛ لأنَّه زينةٌ له. وعطفُه على هذا من عطف الصفاتِ، فيكونُ اللباس موصوفاً بشيئين؛ مواراة السوأة، والزينة. ويحتملُ أنْ يكونَ من عطفِ الشيء على غيره، أي: أنزلنا لباسين؛ لباسَ مواراة، ولباسَ زينةٍ، فيكون ممَّا حُذِفَ فيه الموصوف، أي: لباساً ريشاً، أي: ذا ريشٍ. وتفسيرُ الريشِ بالزينة مرويٌّ عن ابن زيد. وذكرَ بعضُ المحقّقين أنَّه مشترَكٌ بين الاسم والمصدر. وعن ابن عباس ومجاهد والسُّدِّيِّ أنَّ المرادَ به المال، ومنه تريَّش الرجلُ، أي: تموَّل. وعن الأخفش أنَّه الخصب والمعاش، وقال الطبرسيُّ(٣): إنَّه جمیعُ ما يُحتاجُ إليه. وقرأ عثمان رظُهُ: ((ورياشا))(٤)، وهو إمَّا مصدرٌ كاللباس، أو جمعُ ريش، کشِعْب وشِعَاب. = ٠َآدَمَ قَدّ أَنزَلْنَا عَيْكُمْ لَِاسًا يُؤْرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيثًا﴾ قال: أربع آيات نزلت في قريش، كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراةً. وأصل طواف أهل الجاهلية عراة أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٩) (١٥٢) من قول عروة بن الزبير (١) ٢ / ٧٤. (٢) في الأصل: عليهما. (٣) في مجمع البيان ٣٧/٨، وقول الأخفش السابق منه. (٤) البحر المحيط ٤/ ٢٨٢. سُوَرَّةُ الأَّغَرَافِ ٧٢ الآية : ٢٦ ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾ أي: العملُ الصالح، كما رُوي عن ابن عباس. أو خشيةُ الله تعالى، كما رُوي عن عروة بن الزبير. أو الحياء، كما رُوي عن الحسن. أو الإيمان، كما روي عن قَتادة والسُّدِّيّ. أو ما يَسترُ العورةَ، وهو اللباسُ الأوَّل، كما رُوي عن ابن زيد. أو لباسُ الحرب؛ الدرع والمِغْفَر والآلات التي يُتَّقى بها من العدو، كما روي عن زيد بن عليٍّ بن الحسين ﴿ه، واختارَه أبو مسلم. أو ثيابُ النسك والتواضع، كلباس الصوف والخشن من الثياب، كما اختاره الجبَّائيّ. فاللفظُ إمَّا مشاكلةٌ، وإمَّا مجازٌ، وإمَّا حقيقةٌ، ورفعُه بالابتداء، وخبرُه جملة: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ والرابطُ اسم الإشارة؛ لأنَّه يكون رابطاً كالضمير. وجُوِّزَ أنْ يكون الخبر ((خير))، و((ذلك)) صفةُ ((لباس))، وإليه ذهبَ الزَّجَّاج(١) وابنُ الأنباري وغيرهما . واعُترِض بأنَّ الأسماءَ المبهمة أعرفُ من المعرَّفِ باللام وممَّا أُضيفَ إليه، والنعتُ لا بدَّ أنْ يساويَ المنعوتَ في رتبة التعريف، أو يكونَ أقلَّ منه. ولا يجوزُ أنْ يكون أعرفَ منه، فلذا قيل: إنَّ ((ذلك)) بدلٌ أو بيانٌ لا نعتٌ. وأجيب: بأنَّ ذلك غيرُ متَّفقٍ عليه، فإنَّ تعريفَ اسم الاشارة لكونه بالإشارة الحسيَّة الخارجةِ عن الوضع؛ قيل: إنَّه أنقصُ من ذي اللام، وقيل: إنَّهما في مرتبةٍ واحدة . وعن أبي عليٍّ - وهو غريب - أنَّ ((ذلك)) لا محلَّ له من الإعراب، وهو فصلٌ کالضمير(٢). وقرئ: ((ولباس التقوى)) بالنصب(٣) عطفاً على ((لباساً)). وقال بعض المحقّقين: وحينئذٍ يكونُ اللباس المنزَّل ثلاثةً، أو يفسّرُ ((لباس التقوى)) بلباس الحرب، أو يجعل الإنزالُ مشاكلةً. وذكر على القراءة المشهورة أنَّ ((ذلك)) إنْ كان إشارةً للِّباس المواري، فلباسُ التقوى حقيقةٌ، والإضافةُ لأدنى (١) في معاني القرآن ٣٢٨/٢-٣٢٩. (٢) الحجة ١٢/٤. وقد أشار الفارسي إلى ضعف هذا القول. (٣) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وأبي جعفر. التيسير ص ١٠٩، والنشر ٢٦٨/٢. الآية : ٢٧ ٧٣ سُورَةُ الأَغرافِ ملابسة، وإنْ كان للباس التقوى، فهو استعارةٌ مكنيَّة تخييلية، أو من قبيل: لجين الماء (١). وعلى كلٍّ تكونُ الإشارةُ بالبعيدِ للتعظيم بتنزيلِ البُعْدِ الرُّتبي منزلةَ البعدِ الحسيِّ. فتأمَّل ولا تغفل. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إنزالُ اللباس المتقدِّم كلِّه، أو الأخير ﴿مِنْ ءَايَتِ الَّهِ﴾ الدالَّة على عظيم فضله، وعميمٍ رحمته ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ · فيعرفونَ نعمتَه، أو: يَتَّعُون فيتورَّعون عن القبائح. ﴿يَنِىّ ءَدَمَ﴾ تكريرُ النداء للإيذان بكمال الاعتناء بمضمون ما صدِّر به ﴿لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لا يوقعنَّكم في الفتنة والمحنة بأنْ يوسوسَ لكم بما يمنعُكم به عن دخول الجنَّة فتطيعوه. وقرئ: ((يُفْتِنَنَّكُم)) بضمٌّ حرف المضارعة(٢)، مِن أَقْتَنَه: حملَه على الفتنة. وقُرِئ: ((يَفْتِنكم) بغير توكيد(٣). وهذا نهيٌّ للشيطان في الصورة، والمراد نهيُّ المخاطبين عن متابعته وفعلٍ ما يقودُ إلى الفتنة. ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَّةِ﴾ أي: كما فتنَ أبويكم ومحنَهما بأنْ أخرجَهما منها، فوضع السبب موضعَ المسبَّب(٤). وجُوِّز أنْ يكونَ التقدير: لا يفتننَّكم فتنةً مثلَ فتنة إخراج أبويكم، أو: لا يخرجنَّكم بفتنتهِ إخراجاً مثلَ إخراجِه أبویکم. ونسبةُ الإخراج إليه لأنَّه كان بسبب إغوائه، وكذا نسبةُ النزع إليه في قوله سبحانه: ﴿يَنِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً﴾ والجملةُ حال من ((أبويكم))، أو من فاعل ((أخرج)). ولفظُ المضارع - على ما قاله القطب - لحكاية الحال الماضية؛ لأنَّ النزعَ السلبُ، وهو ماضٍ بالنسبة إلى الإخراج، وإنْ كان العريُ باقياً . وقوله جلَّ شأنه: ﴿إِنَّهُ، يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمَّ﴾ تعليلٌ للنهي، كما هو (١) أي من إضافة المشبه به للمشبه. انظر حاشية الدسوقي على مغني اللبيب ٣٢٠/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٤٣ . (٣) البحر المحيط ٢٨٣/٤، وحاشية الشهاب ٤/ ١٦١. (٤) أي: أوقعهما في المحن والبلاء بسبب الإخراج. حاشية الشهاب ٤/ ١٦١. سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٧٤ الآية : ٢٧ معروفٌ في الجملة المصدَّرة بـ ((إنَّ) في أمثاله، وتأكيدٌ للتحذير؛ لأنَّ العدوَّ إذا أتى من حيثُ لا يُرَى كان أشدَّ وأخوف. والضميرُ في ((إنَّه)) للشيطان، وجُوِّزَ أنْ يكونَ للشأن، و((هو)) تأكيدٌ للضمير المستتر في ((يراكم))، و((قبيله)) عطفٌ عليه، لا على البارز لأنَّه لا يصلح للتأكيد، وجُوِّزَ أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر. و((من)) لابتداءِ الغاية، و((حيثُ)) ظرفٌ لمكانٍ انتفاء الرؤية، وجملةُ ((لا ترونهم)) في محل جرِّ بالإضافة. وعن أبي إسحاق أنَّ ((حيث)) موصولةٌ وما بعدُ صلةٌ لها. ولعلَّ مرادَه أن ذلك كالموصول، وإلا فلا قائلَ به غيره، كما قال أبو علي الفارسيُّ(١). والقبيلُ الجماعة، فإنْ كانوا من أبٍ واحدٍ فهم قبيلةٌ. والمرادُ بهم هنا جنودُه من الجن. وقرأ اليزيديُّ: ((وقبيلَه)) بالنصب(٢)، وهو عطفٌ على اسم ((إنَّ). ويتعيَّن كون الضمير للشيطان، ولا يصحُّ كونُه للشأن - خلافاً لمن وَهَم فيه - لأنَّه لا يصلحُ العطفُ عليه، ولا يُتَبَع بتابِعٍ. والقضيّةُ مطلقةٌ لا دائمة، فلا تدلُّ على ما ذهب إليه المعتزلة من أنَّ الجنَّ لا يُرَون، ولا يظهرون للإنس أصلاً، ولا يتمثلون. ويشهدُ لما قلنا ما صحَّ من رؤيةِ النبيِّ نَلِّ لُمقَدَّمهم حين رامَ أنْ يشغلَه عليه الصلاة والسلام عن صلاتِه، فَأَمْكَنَه الله تعالى منه، وأرادَ أنْ يربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجدِ، يلعبُ به صبيانُ المدينة، فذكرَ دعوةَ سليمان عليه السلام فتركه(٣). ورؤيةُ ابن مسعود لجنِّ نصيبين(٤). (١) الإغفال لأبي علي ٢٥١/٢- ٢٥٢، وأبو إسحاق هو الزجاج، وينظر معاني القرآن له ٣٢٩/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٤٣، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٤. (٣) حديث تعرُّضٍ الشيطان للنبي ◌َّ ر في صلاته أخرجه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة ظُه. وأخرجه مسلم (٥٤٢) من حديث أبي الدرداء څ. (٤) حديث رؤية ابن مسعود جنَّ نصيبين أخرجه أحمد (٤٣٨١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١٣/٨-٣١٤: وفيه أبو زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول. وسيأتي الخلاف في رؤية ابن مسعود للجن ليلتئذٍ عند تفسير الآية (٢٩) من سورة الأحقاف. الآية : ٢٧ ٧٥ سُوَّةُ الأَّغرافِ وما نُقِل عن الشافعيَّ ◌َظُه من أنَّ من زعَمَ أنَّه رآهم رُدَّت شهادتُه وعُزِّرَ لمخالفته القرآن (١)، محمولٌ - كما قال البعضُ - على زاعم رؤيةٍ صُوَرهم التي خُلِقوا عليها، إذ رؤيتُهم بعدَ التشكِّل الذي أقدرَهُم الله تعالى عليه مذهبُ أهلِ السنَّة، وهو څُهُ مِنْ ساداتهم. وما نُوزع به القولُ بقدرتِهم على التشكُّل من استلزامِه رفعَ الثقة بشيءٍ؛ فإنَّ من رَأى ولو ولدَه يَحتملُ أنَّه رأى جنيًّا تشكّل به = مردودٌ بأنَّ الله تعالى تكفَّل لهذه الأمَّة بعصمتِها عن أن يقعَ فيها ما يؤدِّي لمثل ذلك المترتِّب عليه الريبةُ في الدين، ورفع الثقة بعالم وغيره، فاستحالَ شرعاً الاستلزامُ المذكور. وقولُ العلامة البيضاويّ بعد تعريف الجنِّ في سورتهم بما عَرَّف: وفيه دليلٌ على أنَّه ◌ِوَ ﴿ ما رآهم، ولم يقرأ عليهم، وإنَّما اتفقَ حضورُهم في بعض أوقاتٍ قراءته، فسمعوها، فأخبر الله تعالى بذلك(٢) = ناشئٌ من عدم الاطلاع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة المصرِّحَة برؤيته وَلّ لهم، وقراءتِه عليهم، وسؤالهم منه الزادَ لهم ولدوابِهم على كيفياتٍ مختلفة(٣). وعندي أنَّه لا مانعَ من رؤيته وَلَّ للجنِّ على صُوَرهم التي خُلِقوا عليها، فقد رأى جبريل عليه السلام بصورتِه الأصليَّة مرَّتين(٤)، وليست رؤيتُهم بأبعد من رؤيته، ورؤيةُ كلِّ موجودٍ عندنا في حيِّز الإمكان، واللطافةُ المانعةُ من رؤيتهم عند المعتزلة لا توجبُ الاستحالة، ولا تمنعُ الوقوع خرقاً للعادة، وكذا تعليلُ الأشاعرة عدمَ (١) أحكام القرآن للشافعي ١٩٤/٢-١٩٥. (٢) تفسير البيضاوي ١٥٤/٥ . (٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه (٣٨٦٠) من حديث أبي هريرة رضيته أنه كان يحمل مع النبي ◌َّر إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: ((من هذا))؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ((ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة)) فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضَعْتُها إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفدٍ جنٍّ نصيبين، ونِعِمَ الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلَّا وجدوا عليه طعاماً» وانظر فتح الباري ٧/ ١٧٢ - ١٧٣ . (٤) أخرجه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧) من حديث عائشة ـ سُوَّةُ الأَّْرَافِ ٧٦ الآية : ٢٨ الرؤية بأنَّ الله تعالى لم يخلق في عيون الإنس قوةً الإدراك، لا يقتضي الاستحالةَ أيضاً؛ لجواز أنْ يخلُقَ الله تعالى في عينٍ رسوله عليه الصلاة والسلام - الرائي له جلَّ شأنُه بعيني رأسه على الأصحِّ ليلةَ المعراج (١) - تلكَ القوَّةَ فيراهم، بل لا يبعد القولُ برؤية الأولياء ﴿ه لهم كذلك، لكن لم أجد صريحاً ما يدلُّ على وقوع هذه الرؤية، وأمَّا رؤية الأولياء بل سائر الناس لهم متشكِّلين، فكتبُ القوم مشحونةٌ بها، ودفاترُ المؤرِّخين والقُصَّاص ملأى منها؛ وعلى هذا لا يفسَّق مُدَّعي رؤيتهم في صورهم الأصليّة إِذا كان مَظِنَّةً للكرامة، وليس في الآية أكثرُ من نفي رؤيتهم كذلك بحسب العادة. على أنَّه يمكنُ أنْ تكون الآيةُ خارجةً مخرجَ التمثيل لدقيق مكرهم، وخفيٍّ حَيَلهم، وليس المقصودُ منها نفيَ الرؤية حقيقةً، ومن هذا يُعلم أنَّ القولَ بكفرٍ مُدَّعي تلك الرؤيةِ خارجٌ عن الإنصاف، فتدبر. ﴿إِنَّا جَمَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ أي: قرناءَ لهم مسلَّطين عليهم متمكِّنين من إغوائهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة، أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم منهم. والجملةُ إمَّا تعليلٌ آخَر للنهي، وتأكيدٌ للتحذير إثرَ تأكيد، وإمَّا فذلكةُ(٢) الحكاية السابقة . وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ جملةٌ مبتدأةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وجُوِّزَ عطفُها على الصلة. والفاحشةُ الفعلةُ القبيحة المتناهيةُ في القبح، والتاء إمّا لأنَّها مجراةٌ على الموصوف المؤنَّث، أي: فعلةٌ فاحشة؛ وإمَّا للنقل من الوصفيَّة إلى الاسميَّة. والمراد بها هنا: عبادةُ الأصنام، وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك، وعن الفرَّاء تخصيصُها بكشف العورة. وفي الآية - على ما قاله الطبرسيُّ(٣) - حذفٌ، أي: وإذا فعلوا فاحشةً فُهوا (١) انظر ما سلف حول اختلاف السلف في رؤية سيدنا محمد ﴿ ربَّه عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. (٢) الفذلكة: مجمل ما فُصِّل وخلاصته، وهو لفظ مولّد. المعجم الوسيط (فذلك). (٣) في مجمع البيان ٣٩/٨. الآية : ٢٨ ٧٧ سُورَةُ الأَّغْرَافِ عنها ﴿قَالُوا﴾ جوابٌ للناهين ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَاللَّهُ أَمَهَنَا بِهَا﴾ محتجِّين بأمرين: تقليدِ الآباء، والافتراء على الله سبحانه. وتقديمُ المقدَّم للإيذان بأنَّه المعوَّل عليه عندهم، أو للإشارة منهم إلى أنَّ آباءَهم إنَّما كانوا يفعلونَها بأمر الله تعالى، على أنَّ ضمير ((أمرنا)» - كما قيل - لهم ولآبائهم؛ وحينئذٍ يظهرُ وجه الإعراض عن الأوَّل في ردِّ مقالتهم بقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْنَةٌ﴾ فإنَّ عادَته تعالى جرت على الأمر بمحاسنِ الأعمال، والحثِّ على مكارم الخصال، وهو اللائقُ بالحكمةِ المقتضية أنْ لا يتخلَّف. وقال الإمام: لم يذكر سبحانه جواباً عن حُجَّتهم الأولى؛ لأنَّها إشارةٌ إلى محض التقليد، وقد تقرَّر في العقول أنَّه طريقةٌ فاسدةٌ؛ لأنَّ التقليدَ حاصلٌ في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليدُ حقًّا لزمَ القول بحقيَّة الأديان المتناقضة، وإنَّه محالٌ. فلمَّا كانَ فسادُ هذا الطريق ظاهراً لم يذكر الله تعالى الجواب عنه(١). وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ الإعراض إنَّما هو عن التصريح بردِّه، وإلَّا فقولُه سبحانه: ((إنَّ الله)) إلخ متضمِّنٌ للردِّ، لأنَّه سبحانه إذا أمرَ بمحاسن الأعمال، كيفَ يُتْرَكُ أمرُه لمجرَّد اتباع الآباء فيما هو قبيحٌ عقلاً؟ والمرادُ بالقبح العقليِّ هنا نفرةٌ الطبع السليم، واستنقاص العقل المستقيم، لا كونُ الشيء متعلَّقَ الذمِّ قبل ورودٍ النهي عنه، وهو المتنازعُ فيه بيننا وبين المعتزلة، دون الأوَّل كما حُقِّق في الأصول، فلا دلالة في الآية على ما زعموه. وقيل: إنَّ المذكورَ جوابًا سؤالين مترتِّبين، كأنَّه قيل لهم لمَّا فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا [عليها](٢) آباءنا، فقيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها. والكلام حينئذٍ على تقدير مضاف، أي: أمر آباءنا. وقيل: لا تقدير، والعدولُ عن أمرهم الظاهر حينئذٍ للإشارة إلى ادِّعاء أنَّ أمرَ آبائهم أمرٌ لهم. وعلى الوجهين يمتنعُ التقليد إذا قام الدليلُ على خلافه، فلا دلالةَ في الآية على المنع من التقليد مطلقاً . (١) تفسير الرازي ٥٦/١٤. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي ٧/٣، وتفسير أبي السعود ٢٢٣/٣. سُورَةُ الأَّغرافِ ٧٨ الآية : ٢٩ من تمام القول المأمور به، والهمزةُ ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَّعْلَمُونَ لإنكار الواقع واستقباحه والإشارة إلى أنَّه لا ينبغي أن يكون. وتوجيهُ الإنكار إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدورَه منه عزَّ شأنُه، مع أنَّ منهم من يقولُ عليه سبحانه ما يعلمُ عدمَ صدوره، مبالغةٌ في إنكار تلك الصورة. ولا دليل في الآية لمن نفى القياسَ بناءً على أنَّ ما يثبت به مظنون لا معلوم؛ لأنَّ ذلك مخصوصٌ من عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتدُّ به، أو بدليل آخر. وقيل: المرادُ بالعلم ما يشمل الظن. ﴿قُلْ أَمَرَ رَقِ بِالْقِسْطِ﴾ بيانٌ للمأمور به إثرَ نفي ما أسنِدَ أمرُه إليه تعالى من الأمور المنهيّ عنها . والقسطُ على ما قال غيرُ واحدٍ: العدلُ، وهو الوسطُ من كل شيءٍ، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. وقال الراغب: هو النصيبُ بالعدل، كالنِّصفِ والنَّصَفَة. ويقال: القسطُ لأخذ قسطٍ غيره، وذلك جورٌ، والإقساط لإعطاء قسطٍ غيره، وذلك إنصافٌ؛ ولذلك يقال: قَسَطَ الرجلُ، إذا جار، وأقسطً، إذا عدل(١). وهذا أولى مما قاله الطبرسيُّ من أنَّ أصلَه الميل(٢)، فإنْ كان إلى جهةِ الحق فعدلٌ، ومنه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] وإنْ كان إلى جهة الباطل فجورٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. والمرادُ به هنا - على ما نُقل عن أبي مسلم - جميعُ الطاعات والقُرَب. وروي عن ابن عباس والضَّحَّاك أنَّه التوحيدُ وقولُ لا إله إلا الله. ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ وأكثرُ المفسِّرين على أنَّه الاستقامةُ والعدلُ في الأمور. ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي: توجّهوا إلى عبادته تعالى مستقيمين غيرَ عادلين إلى غيرها ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: في كلِّ وقتٍ(٣) سجودٍ، كما قال الجبائيُّ. أو (١) المفردات (قسط). (٢) وقع في مطبوع مجمع البيان ٤٠/٨: العدل. بدل: الميل. (٣) في الأصل و(م): في وقت كل، والمثبت من الكشاف ٢/ ٧٥، وتفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ١٦٢/٤، وتفسير أبي السعود ٢٢٣/٣. الآية : ٢٩ ٧٩ سُورَةُ الَّغَرَافِ مكانه، كما قال غيرُه. فـ ((عند)) بمعنى في، والمسجدُ اسمُ زمانٍ أو مكانٍ بالمعنى اللغويّ، وكان حقّه فتحَ العين؛ لضمِّها في المضارع، إلَّا أنَّه ممَّا شدَّ عن القاعدة. وزعم بعضهم أنَّه مصدرٌ ميميٌّ، والوقتُ مقدَّرٌ قبلَه، والسجودُ مجازٌ عن الصلاة . وقال غيرُ واحدٍ: المعنى: توجهوا إلى الجهة التي أمَركم الله تعالى بالتوجُّه إليها في صلاتكم، وهي جهةُ الكعبة. والأمر على القولين للوجوب. واختار المغربيُّ أنَّ المعنى: إذا أدركتم الصلاة في أيِّ مسجدٍ فصلُّوا، ولا تؤخِّروها حتى تعودُوا إلى مساجِدكم. والأمرُ على هذا للندب، والمسجدُ بالمعنى المصطلح. ولا يخفى ما فيه من البعد. ومثله ما قيل: إنَّ المعنى: اقصدوا (١) المسجد في وقت كلِّ صلاةٍ، على أنَّه أمرٌ بالجماعة ندباً عند بعضٍ ووجوباً عند آخرين. والواو للعطف، وما بعده قيل: معطوفٌ على الأمر الذي ينحلُّ إليه المصدرُ مع أنْ، أي: أنْ أقسطوا. والمصدر ينحلُّ إلى الماضي والمضارع والأمر. وقال الجرجانيُّ: إنَّه عطفٌ على الخبر السابق المقولِ لـ ((قل))، وهو إنشاءٌ معنّى. وإنْ أبيتَ فالكلامُ من باب الحكاية. وجُوِّز أن يكون هناك ((قل)) مقدَّراً معطوفاً على نظيره، و((أقيموا)) مقولٌ له. وأنْ يكون معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: قل: أقبلوا وأقيموا. ﴿وَأَدْعُوهُ﴾ أي: اعبدوه ﴿يُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الطاعة. فالدعاء بمعنى العبادة؛ لتضمُّنها له، والدين بالمعنى اللغويّ. وقيل: إنَّ هذا أمرٌ بالدعاء والتضرُّع إليه سبحانه على وجه الإخلاص، أي: ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له في الدین . إليه سبحانه فيجازيكم على ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ أي: أنشأكم ابتداءً ﴿تَعُودُونَ ﴿َـ أعمالكم، فامتثلوا أوامره. أو فأخلصوا له العبادة. فهو متَّصِلٌ بالأمر قبله. (١) في (م): اقصد. سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ ٨٠ الآية : ٢٩ وقال الزَّجَّاج (١): إنَّه مثَّصلٌ بقوله تعالى: ﴿فِيَهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الآية: ٢٥]. ولا يخفى بعدُه. ولم يقل سبحانه: يعيدكم، كما هو الملائم لما قبلَه؛ إشارةً إلى أنَّ الإعادة دون البدء من غير مادَّةٍ؛ بحيثُ لو تُصوِّرَ الاستغناء عن الفاعل لكان فيها دونه(٢)، فهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] سواءٌ كانت الإعادةُ الإيجادَ بعد الإعدام بالكليَّه، أو جمعَ متفرِّق الأجزاء. وإنَّما شبَّهها سبحانه بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرة عليها . وقال قتادة: المعنى: كما بدأكم من التراب تعودونَ إليه، كما قال سبحانه: ـنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وقيل: المعنى: كما بدأكم لا تملكونَ شيئاً، كذلك تُبعثونَ يوم القيامة. وعن محمد بن كعب: أنَّ المرادَ أنَّ من ابتدأ الله تعالى خلقَه على الشِّقوة صارَ إليها، وإن عَمل بأعمالِ أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقَه على السعادة صار إليها، وإنْ عمل بعمل أهل الشقاوة. ويؤيِّد ذلك ما رواه الترمذيُّ عن [عبد الله بن] عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسولُ الله ◌ِوَ لير وفي يده كتابان فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)» قلنا: لا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتابٌ(٣) من ربِّ العالمين، فيه أسماءُ أهل الجنَّةِ وأسماءُ آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل(٤) على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقَص منهم أبداً)) ثمّ قال للذي في شماله: ((هذا كتابٌ من ربِّ العالمين، فيه أسماءُ أهل النار وأسماءُ آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجْمِل على آخرهم، فلا يُزَادُ فيهم ولا يُنْقَص منهم أبداً)) فقال أصحابه: فقيم العملُ يا رسولَ الله إن كان أمرٌ قد فُرِغَ منه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((سدِّدوا وقاربُوا، فإنَّ صاحبَ الجنَّة يُختَم له بعمل أهل الجنَّة، وإنْ عمل أيَّ عملٍ، وإنَّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل (١) في معاني القرآن له ٣٣١/٢. (٢) أي: في الإعادة دون البدء. حاشية الخفاجي ١٦٣/٤. (٣) جاء في هامش (م) مانصه: الظاهر أن هذا صادر عن طريق التمثيل. اهـ منه. (٤) قال ابن الأثير: أجملت الحساب: إذا جمعت آحاده، وكملت أفراده، أي: أحصوا وجمعوا، فلا يزاد فيهم ولا ينقص. النهاية (جمل).