Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ٦
٢١
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
وأجيبَ عنه بأنَّ ذلك عند عدم القرينة، والقرينةُ هنا كونُ الثاني أعرفَ، وتركُ
التأنيث، وأيضاً ذاك إذا لم يكن حصرٌ، فإنْ كان يلاحظُ ما يقتضيه.
ورُجِّح في ((الكشف)) الثاني بأنَّه الوجهُ المطابق لنظائره في القرآن. والمعنى
عليه أشدُّ ملاءمةً؛ لأنَّ الفرض أنَّ قولاً آخر لم يقع هذا الموقع، فالمقصودُ
الحكم على القول المخصوص بأنَّه هو الدعاء، وزِيدَ تأكيداً بإدخال أداة
القصر، وليس من التقديم في شيء؛ لأنَّ حقَّ المقصور عليه التأخيرُ أبداً.
فتأمَّل وتذكَّر.
﴿ فَلَسْتَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ بيانٌ - كما قال الطبرسي(١) - لعذابهم الأخرويِّ
إثرَ بيان عذابهم الدنيويّ، خلا أنَّه تعرَّض - كما قيل - لبيانِ مبادئ أحوال المكلَّفين
جميعاً؛ لكونه أدخل في التهويل.
والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخرويَّة على الدنيويَّة ذكراً حسبَ ترتّبِها
عليها وجوداً .
وذكر العلّامةُ الطيبيّ أن الفاء فصيحةٌ على معنى: فما كان دعواهم في الدنيا إذْ
جاءهم بأسنا إلَّا أنْ قالوا، فقطعنَا دابرَهم، ثمَّ لنحشرتَّهم فلنسألنَّهم. ووُضِعَ - على
هذا - الظاهرُ موضِعَ الضمير لمزيد التقرير.
وقال في ((الكشف)): لعلَّ الأوجهَ أن يُجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى: ((اتبعوا))،
و((لا تتبعوا))، ويُجعل قولُه سبحانه: ((وكم من قرية)) إلخ معترضاً؛ حثّاً على الاعتبار
بحال السابقين، ليتشمَّروا في الاتباع. اهـ.
والأمرُ عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير، وادَّعى أنَّ مجيءَ
البأس في الآخرة: سهلٌ كما لا يخفى، أي: لنسألنَّ الأممَ قاطبةً أو هؤلاء قائلين:
ماذا أجبتم المرسلين؟
٦
ماذا أجيبوا، والمرادُ من هذا السؤال توبيخُ الكفرة
و تقریعهم.
﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
(١) في مجمع البيان ١٣/٨.

سُورَةُ الأَْرَافِ
٢٢
الآية : ٦
والمنفيُّ في قوله تعالى: ﴿فَوَمِدٍ (١) لَّا يُتْثَلُ عَن ذَنْيِهِ إِسُ وَلَا جَآَنَّ﴾ [الرحمن: ٣٩]
سؤالُ الاستعلام، فلا منافاةَ بين الآيتين. وجمعَ آخرون بينهما بأنَّ للمثبَت موقفاً
وللمنفيّ آخر.
وقال الإمام: إنَّهم لا يُسألون عن الأعمال، أي: ما فعلتم؟ ولكن يُسألون عن
الدواعي التي دَعتهم إلى الأعمال، والصوارفِ التي صرَفتهم عنها، أي: لِمَ كان
كذا(٢)؟
وقيل: معنى ﴿لَّا يُثَلُ عَن ذَلِيِهِ إِسُ وَلَا جَآَنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]: لا يعاقبُ بذنبه
غیرُه.
وقيل: المرادُ من ((الذين أرسل إليهم)): الأنبياء، ومن ((المرسلين)): الملائكة
الذين بلَّغوهم رسالات ربِّهم. وروي ذلك عن فرقد(٣)، وهو كما ترى.
وقيل: لا حاجة إلى التوفيق، فإنَّ المنفيَّ هو السؤال عن الذنب لا مطلق
السؤال. ورُدَّ بأنَّ عدمَ قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنبٌ، وأيُّ ذنبٍ،
فسؤالُهم عنه ینافيه. وفيه نظر.
وتخصيصُ سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهدُ به الأخبار،
وتدلُّ عليه الآثار، وفي القرآن ما يؤيِّد ذلك، فقد قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ
الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]. وتخصيصُ سؤال الذين أرسِل إليهم
بما تقدَّم هو الذي جَرى عليه جماعةٌ من المفسرين.
وأخرجَ ابن أبي حاتم عن سفيان الثوريِّ أنَّه يقال للذين أرسل إليهم: هل
بلَّغكُم الرسل؟ ويقال: للمرسلين: ماذا ردُّوا عليكم؟(٤).
وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنَّه تلا هذه الآية فقال: يُسأل
العبدُ يوم القيامة عن أربع خصال، يقول ربك: ألم أجعل لك جسداً، ففيم أبليته؟
(١) في الأصل و(م): يوم.
(٢) تفسير الرازي ٢٢/١٤ .
(٣) هو فرقد السَّبَخي، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم ١٤٣٩/٥ - ١٤٤٠.

الآية : ٧ - ٨
٢٣
سُوَّةُ الأَّغَرَافِ
ألم أجعل لك علماً، ففيم عملتَ بما علمت؟ ألم أجعل لك مالاً، ففيم أنفقتَه، في
طاعتي أم في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمراً، ففيمَ أفنيته؟(١).
وأخرج هو وغيرُه عن طاوس أنَّه قرأ ذلك، فقال: الإمام يُسأل عن الناس،
والرجل يُسألُ عن أهله، والمرأةُ تُسألُ عن بيتِ زوجها، والعبدُ يُسأل عن مالٍ
سيِّده(٢).
ولعلَّ الظاهر أنَّ سؤالَ كلٍّ من المرسلِ إليهم والمرسلين هنا عن أمرٍ يتعلَّقُ
بصاحبه، ولا يأبى هذا أنَّ المكلفين يُسألون عن أمورٍ أُخر، والمواقفُ يومَ القيامة
شتَّى، ويَسأل السيِّد ذو الجلال عبادَه فيها عن مقاصدَ عديدة، فطوبى لمن أخذَ
بعضُده السعد فأجاب بما ینجيه.
﴿فَلَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ قيل: أي: على الرسل حين يَكِلُون الأمرَ إلى علمه تعالى،
ويقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أو: عليهم وعلى المرسَل
إليهم جميعاً جميعَ أحوالهم. وعن ابن عباس أنَّه ينطقُ عليهم كتابُ أعمالهم.
﴿يِعٍِّ﴾ أي: عالمين بظواهرهم وبواطنهم. أو: بمعلومنا منهم. والباءُ على
الأول للملابسة، والجارُّ والمجرور حالٌ من فاعل ((نَقصُّ))، وعلى الثاني الباءُ
متعلِّقٌ بـ (نَقُصّ)).
﴾﴾ عنهم في حالٍ من الأحوال، والمراد: الإحاطةُ التّامَّةُ
﴿وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ
بأحوالهم وأفعالهم بحيثُ لا يشذَّ منها شيءٌ عن علمه سبحانه.
والجملةُ إمَّا حالٌ أو استئنافٌ لتأكيدِ ما قبلَه.
﴿وَأَلَوَزْنُ﴾ أي: وزنُ الأعمال، والتمييزُ بين الراجح منها والخفيف، والجيِّد
والرديء. وهو مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِهِ. وقولُه
تعالى: ﴿اَلْحَقُّ﴾ صفتُه، أي: والوزنُ الحقُّ ثابتٌ يومَ إذ يكون السؤالُ والقصُّ،
واختارَ هذا بعضٌ من المعربين.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٣٩/٥-١٤٤٠ (٨٢١٦)، (٨٢١٩).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٣٩/٥ (٨٢١٤).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٣٩/٥ (٨٢١٧).

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٢٤
الآية : ٨
وقيل: الظاهرُ أنَّ ((الحق)) خبر، و((يومئذٍ)) ظرف للوزن؛ لئلا يقعَ الفصلُ بين
الصفة والموصوف.
ولعلَّ وجهَ عدم اختيار هذا أنَّ فيه إعمالَ المصدر المعرَّف، وهو قليل.
وفي «الكشف)»: ليس المعنى على أنَّ الوزنَ هو الحقُّ، بل أنَّ الوزنَّ الحقَّ
يكونُ يومئذٍ، ألا يرى إلى قوله سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
[الأنبياء: ٤٧].
وذكر الأصفهانيُّ في ((شرح اللمع))(١) لابن جنِّي أنَّ ((الحق)) بدلٌ من الضمير
المستترِ في الظرف. وهو وجهٌ حسنٌ، إلّا أنَّ الأولَ رجَّحَ جانبَ المعنى. ولم يُبال
بالفصل بالخبر؛ لاتِّحاده من وجهٍ بالمبتدأ، لا سيَّما والظرفُ يتوسَّعُ فيه.
وجَوَّزَ أبو البقاء(٢) أنْ يكونَ ((الحق)) خبرَ مبتدأ محذوف، كأنَّه قيل: ما ذلك
الوزن؟ فقيل: هو الحق، أي: العدل السويّ. وأنْ يكون ((الوزن)) خبر مبتدأ
محذوفٍ أيضاً، أي: هذا الوزن. وهو كما ترى.
وقرئ: ((القسط))(٣).
والوزنُ كما قال الراغب (٤): معرفةُ قَدْرِ الشيء، يقال: وَزَنْتُه وزناً وزِنَةً،
والمتعارفُ فيه عند العامة ما يُقَدَّرُ بالقسطاس والقبَّان.
واختلف في كيفيته يومَ القيامة، والجمهور - كما قال القاضي - على أنَّ صحائفَ
الأعمال هي التي توزنُ بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان؛ لينظر إليه الخلائق، إظهاراً للمعدلة
وقطعاً للمعذرة، كما يُسألون عن أعمالِهِم فتعترفُ بها ألسنتهم وجوارحهم(٥).
ولا تَعرُّض لهم لماهيةِ هاتيك الصحائف، والله تعالى أعلم بحقيقتها .
(١) ٣٠١/١. والأصفهاني هو علي بن الحسين بن علي الضرير، النحوي، أبو الحسن
الباقولي، المعروف بالجامع. انظر معجم الأدباء ١٦٤/٣ وما بعدها.
(٢) في الإملاء ٢/ ٦٦٢ .
(٣) أوردها الزمخشري في الكشاف ٧٦/٢، وقرأ بها جعدة بن هبيرة كما ذكر السيوطي في الدر
المنثور ١١٣/٥، وعزاه للبغوي في معجمه.
(٤) في المفردات (وزن).
(٥) تفسير البيضاوي ٣/٣.

الآية : ٨
٢٥
سُوَرَّةُ الْأَّغَافِ
ويؤيِّد ذلك ما أخرجَه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ
وغيرُهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَله: ((يصاحُ برجلٍ
من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشرُ له تسعةٌ وتسعون سجلًا، كلٌّ
سجلٍّ منها مدُّ البصر، فيقول سبحانه: أتنكرُ من هذا شيئاً؟ أظلمكَ كتبتي
الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ، فيقول سبحانه: أَفَلَكَ عذرٌ أو حسنةٌ؟ فيهابُ
الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول جلَّ شأنه: بلى إنَّ لك عندنا حسنةً، وإنَّه لا ظلمَ
عليك اليوم، فتُخْرَجُ له بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده
ورسوله. فيقول: يا ربّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنَّك لا تُظْلَم.
فتوضع السجلات في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السجلَّات، وثَقُلَت البطاقة،
ولا يَثْقُلُ مع اسم الله تعالى شيءٌ»(١).
وهذه الشهادة - على ما قاله القرطبي (٢) نقلاً عن الحكيم الترمذي - ليست
شهادةَ التوحيد؛ لأنَّ من شأن الميزان أنْ يوضعَ في إحدى كفتيه شيءٌ وفي الأخرى
ضدُّه، فتوضع الحسناتُ في كفَّةٍ، والسيئاتُ في كفَّةٍ، ومن المستحيل أنْ يؤتَى
لعبدٍ واحدٍ بكفرٍ وإيمانٍ معاً، فيستحيلُ أنْ توضعَ شهادةُ التوحيد في الميزان، أمَّا
بعد الإيمان فإنَّ النطقَ بهذه الكلمة الطيبة حسنةٌ، فتوضَعُ في الميزان كسائر
الحسنات. وأيَّدَ ذلكَ بقوله جلَّ وعلا في الحديث: ((إنَّ لك عندنا حسنة)) دونَ أن
يقول سبحانه: إيماناً. وجَوَّزَ أنْ يكونَ المرادُ هذه الكلمة إذا كانت آخرَ كلامه في
الدنیا .
وجَوَّزَ غيرُه أنْ تكون كلمةَ التوحيد، ومَنَعَ لزوم وضع الضِّدِّ في الكفَّة الأخرى
ليلزم المحال. فتدبّر.
وجاء في خبرٍ آخرِ أخرجه ابنُ أبي الدنيا والنميري في كتاب ((الأعلام)) عن
عبد الله أيضاً قال: إنَّ لآدم عليه السلام من الله عزَّ وجلَّ موقفاً في فُسُحِ من
العرش، عليه ثوبان أخضران كأنَّه نخلةٌ سحوق، يَنظرُ إلى من يُنطلَق به من ولده إلى
(١) مسند أحمد (٦٩٩٤)، وسنن الترمذي (٢٦٣٩)، وسنن ابن ماجه (٤٣٠٠)، ومستدرك
الحاكم ٥٢٩/١، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٨٣).
(٢) في التذكرة ٣١٦/١.

سُورَةُ الأَشْراقِ
٢٦
الآية : ٨
الجنَّة، ومن يُنطلَق به إلى النَّار، فبينا آدمُ على ذلك إذ نظرَ إلى رجلٍ من أمَّة
محمَّدٍ وَلِّ يُنطلَق به إلى النار، فينادي آدم عليه السلام: يا أحمد يا أحمد، فيقول
عليه الصلاة والسلام: لبّيك يا أبا البَشَر. فيقول: هذا رجلٌ من أمَّتك يُنطلَق به إلى
النَّار. قال ◌َّهِ: فأشدُّ المئزرَ، وأسرعُ في إِثْرِ الملائكة، فأقول: يا رسل ربِّي قفوا،
فيقولون: نحنُ الغلاظُ الشِّدادُ الذين لا نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر،
فإذا أيسَ النبيُّ وَّهِ قبضَ على لحيته بيده اليسرى، واستقبلَ العرشَ بوجهه، فيقول:
يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمَّتي، فيأتي النداءُ من قبل العرش: أطيعوا
محمداً، ورُدُّوا هذا العبدَ إلى المقام، فيخرِجُ نَّهِ بطاقةً بيضاءَ كالأَنْمَلَة، فيلقيها في
كفَّةِ الميزان اليمنى، وهو يقول: بسم الله، فترجحُ الحسناتُ على السيئات، فينادي
المنادي: سعدَ وسعدَ جدُّه وثقلتْ موازينه، انطلقوا به إلى الجنَّة، فيقول: يا رسل
ربِّي، قفوا حتى أسألَ هذا العبدَ الكريم على ربِّه، فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن
وجهكَ وأحسنَ خلقك، من أنت؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمتَ عبرتي، فيقول عليه
الصلاة والسلام: أنا نبيُّك محمد، وهذه صلاتُك التي كنتَ تصلِّي عليَّ، وفيتُكُها
أحوجَ ما تكون إليها(١). اهـ.
ولعلَّ فعل مثل هذا - إذا صحَّ الخبر - مبالغةٌ في إظهار كرامة النبيِّ نَّهِ على ربِّه
عزَّ وجلَّ بين الأوَّلين والآخرين.
وقيل: توزنُ الأشخاص، واحتجُّوا له بما أخرجه الشيخان من حديث
أبي هريرة ◌ُ: «إنه ليأتي العظيمُ السمين يومَ القيامة لا يزنُ عند الله تعالى جناحَ
بعوضةٍ))(٢).
ولا أدري على هذا ما يوضعُ في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضعَ المذنبُ
في أحدهما، وَضْعُ شخصٍ في مقابلة شخصٍ لا أراه إلّا كما ترى، والخبر ليس
نصًّا في الدعوى كما لا يخفى.
(١) الدر المنثور ٧١/٣، وهو في حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (٧٩). وفي إسناده عبد الله بن
واقد الحراني، وهو متروك كما في التقريب.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥) مرفوعاً.

الآية : ٨
٢٧
سُورَةُ الْأَّغرافِ
وقيل: إنَّ هذه الأعمالَ الظاهرة في هذه النشأة بصورٍ عَرَضيَّةٍ تظهرُ في النشأة
الأخرى بصورٍ جوهريَّةٍ مناسبةٍ لها في الحسن والقبح، وروي هذا عن ابن عباس .
وصحَّحه غيرُ واحد، وقال: إنَّ عليه الاعتقاد، وفي الآثارِ ما يؤيِّدُه، فقد أخرجَ ابنُ
عبد البرِّ عن إبراهيم النخعي قال: يُجاء بعمل الرجل فيوضعُ بكفَّة ميزانه يومَ القيامة
فيخف، فيُجاء بشيءٍ أمثال الغمام، فيوضعُ في كفَّة ميزانه، فيرجحه، فيقال له:
أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا فضلُ العلم الذي كنت تعلِّمه الناس(١).
وأخرج ابنُ المبارك (٢) عن حماد بنِ أبي سليمان بمعناه.
وقيل: الوزنُ عبارةٌ عن القضاء السويِّ والحكم العادل. واستعمال لفظ الوزن
في هذا المعنى شائعٌ في اللغة والعرف بطريق الكناية، وبه قال مجاهد والأعمش
والضحاك، وإليه ذهبَ المعتزلة، إلَّا أنَّ منهم من جوَّزَ الوزنَ بالمعنى المتعارف
عقلاً، وإنْ لم يقض بثبوتِهِ، كالعلَّاف وبشر بن المعتمر(٣). ومنهم من أحالَه؛ لأنَّ
الأعمالَ أعراضٌ، وهي ممَّا لا تبقى، وممَّا لا يمكنُ إعادتها. سلَّمنا بقاءَها أو
إمكانَ إعادتها، لكنَّها أعراضٌ، والأعراض يمتنعُ وزنها، إذ لا توصَفُ بثقلٍ
ولا خِفَّة. سلَّمنا إمكانَ وزنها، لكن لا فائدةَ في ذلك، إذ المقصودُ إنَّما هو العلمُ
بتفاوتِ الأعمال، والله تعالى عالمٌ بذلك، وما لا فائدةً فیه ففعلُه قبیحٌ، والربُّ
تعالى منزَّهُ عن فعل القبيح. وجوابهُ يعلَم ممَّا قدَّمنا.
وفسَّر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف. واعترضَ الآمديُّ(٤) على ذلك بأنَّ
الميزانَ موصوفٌ بالثقل والخفَّةِ، والعدلُ والإنصاف لا يوصفان بذلك، وفي
الأخبار ما هو صريحٌ في أنَّ الميزانَ جسمانيٌّ، فقد أخرج الحاكم وصحَّحه(٥) عن
سلمان عن النبيِّ وَّهِ قال: ((يوضعُ الميزانُ يومَ القيامة، فلو وزن فيه السماوات
(١) جامع بيان العلم وفضله (٢٢٥).
(٢) في الزهد (١٣٨٤).
(٣) هو أبو سهل الكوفي، ثم البغدادي، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، منها: تأويل
المتشابه، والرد على الجهال. توفي سنة (٢١٠هـ). السير ٢٠٣/١٠.
(٤) في أبكار الأفكار ٣٤٦/٤.
(٥) المستدرك ٥٨٦/٤. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٣٢٦/٤، والسيوطي في الدر
٧٠/٣، وعنه نقل المصنف.

سُورَّةُ الأَغَافِ
٢٨
الآية : ٨
والأرض لوسع، فتقولُ الملائكة: يا رب، من(١) يزنُ هذا؟ فيقول الله تعالى: من (١)
شئت من خلقي، فتقولُ الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك)).
وفي رواية ابنِ المبارك واللالكائيّ عنه قال: يوضعُ الميزان، وله كفتان لو
وُضع في إحداهما السماواتُ والأرض ومن فيهنَّ لوسعه، فتقول الملائكة: من يزن
هذا؟ الحديث(٢).
وأخرجَ ابن مردويه عن عائشة: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((خلق الله تعالى
كفَّتي الميزان مثل السماوات والأرض، فقالت الملائكةُ: يا ربَّنا من تزنُ بهذا؟
فقال: أزنُ به من شئت))(٣) .
وفي بعضٍ الآثار: أنَّ الله تعالى كشفَ عن بصرٍ داود عليه السلام فرأى من
الميزان ما هاله حتى أُغميَ عليه، فلمَّا أفاق قال: يا رب من يملأ كفَّة هذا
حسنات، فقال جل شأنه: يا داود إذا رضيتُ عن عبدٍ ملأتُها بشقِّ تمرةٍ تصدَّق بها .
إلى غير ذلك مما لا يُحصَى كثرةً. فالأولَى - كما قال الزَّجَّاجِ (٤) - اتباعُ ما جاء
في الأحاديث، ولا مقتضَى للعدولِ عن ذلك.
فإن قيل: إنَّ المكلَّف يومَ القيامة إمَّا مؤمنٌ بأنَّه تعالى حكيمٌ مُنَزَّهُ عن الجور،
فيكفيه حكمُه تعالى بكيفياتِ الأعمال وكميَّاتها، وإمَّا منكرٌ له، فلا يسلِّم حينئذٍ أنَّ
رجحان بعضٍ الأعمال على بعضٍ لخصوصياتٍ راجعةٍ إلى ذوات تلك الأعمال،
بل يسندُه إلى إظهار الله تعالى إيَّه على ذلك الوجه، فما الفائدةُ في الوزن؟
أُجيب بأنَّه ينكشفُ الحالُ يومئذٍ، وتظهرُ جميعُ الأشياء بحقائقها على ما هي
عليه، وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحُسن والقبح وغير ذلك، وتنخلعُ عن
الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا، فلا يبقى لأحدٍ ممن يشاهدُها شبهةٌ في
(١) في المصادر: لمن.
(٢) الزهد لابن المبارك (١٣٥٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٢٠٨)، وأخرجه
أيضاً الآجرِّي في الشريعة (٨٩٥).
(٣) الدر المنثور ٧٠/٣.
(٤) في معاني القرآن له ٣١٩/٢.

الآية : ٩
٢٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
أنَّها هي التي كانت في الدنيا بعينها، وأنَّ كلَّ واحدٍ منها قد ظهرَ في هذه النشأة
بصورته الحقيقيَّة المستتبعة لصفاته، ولا يخطرُ بباله خلاف ذلك. قاله بعض
المحقّقين، والله تعالى أعلم بحقيقةِ الحال.
﴿فَمَنْ ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ تفصيلٌ للأحكام المترتِّبة على الوزن. والموازين إمَّا جمعُ
ميزان، وجمعه - مع أنَّ المشهور الصحيح أنَّ الميزانَ مطلقاً واحدٌ - باعتبار تعدُّدٍ
الأوزان أو الموزونات، وكذا إذا قلنا بأنَّ ميزانَ كلِّ شخصٍ واحدٌ، وفي الكلام
مضافٌ مقدَّرٌ، أي: كفَّةُ موازينه. وإمَّا جمعُ موزون، وإضافتُه للعهد؛ لترتُّب الفلاح
على ذلك، فالمرادُ الحسنات، والجمعُ على هذا ظاهر، وكذا لو قلنا: إنَّ لكلِّ
عملٍ ميزاناً.
﴿ فَأُوْلَتِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتِّصافه بما في حيِّزِ الصلة، والجمعيَّةُ
باعتبارِ معناه، كما أنَّ إفراد ضمير ((موازينه)» العائد إليه باعتبارٍ لفظه. وما فيه من
معنى البعد لما مرَّ غيرَ مرَّة، وهو مبتدأ، و﴿هُمُ﴾ إمَّا ضميرُ فصلٍ يفصلُ به بين الخبر
والصفة، ويؤكِّد النسبةَ، ويفيدُ اختصاصَ المسنَد بالمسنَد إليه و﴿ الْمُفْلِحُونَ
- أي: الفائزونَ بالنجاة والثواب - خبر، وإمَّا مبتدأ ثان و («المفلحون)» خبرُه، والجملةُ
خبرُ المبتدأ الأول.
وتعريف المفلحين للدلالة على أنَّهم الناسُ الذين بلغك أنَّهم مفلحون في
الآخرة، أو إشارةٌ إلى ما يعرفه كلُّ أحدٍ من حقيقة المفلحين وخصائصهم.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بتضييع فطرةِ الإسلام التي ما من
مولودٍ إلَّا يولدُ عليها(١)، أو فطرةِ الخير الذي هو أصلُ الجبلَّة.
((خسروا))، و((ما))
متعلّقٌ بـ
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُواْ بِشَايَيِّنَا يَظْلِمُونَ (3)
مصدريَّة، و((بآياتنا)) متعلِّقٌ بـ ((يظلمون))، وقُدِّمَ عليه للفاصلة، وعَدَّى الظلمَ بالباء؛
لتضمُّنه معنى التكذيب أو الجحود. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمضارع؛
للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا .
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة رضي الله
قال: قال رسول الله وَله: ((ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو
يمجسانه .... )). وسلف ٤/ ١٤٢.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٣٠
الآية : ١٠
وظاهر النظم الكريم أنَّ الوزنَ ليس مختصًّا بالمسلمين، بل الكفارُ أيضاً تُوزَنُ
أعمالُهم التي لا توقُّف لها على الإسلام، وإلى ذلك ذهب البعض. وادَّعى
القرطبيُّ(١) أنَّ الصحيحَ أنَّه يُخفَّفُ بها عذابُهم وإنْ لم تكن راجحة، كما وردَ في
حقِّ أبي طالب(٢).
وذهبَ الكثيرُ إلى أنَّ الوزنَ مختصٌّ بالمسلمين، وأمَّا الكفارُ فتحبَطُ أعمالُهم
كيفما كانت - وهو أحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾.
[الكهف: ١٠٥] - ولا يخفَّفُ بها عنهم من العذاب شيء. وما وردَ من التخفيف عن
أبي طالب فقد قال السخاويُّ: إنَّ المعتمدَ أنَّه مخصوصٌ به. وعلى هذا فلا بدَّ من
ارتكاب خلاف الظاهر في الآية.
وهي على كلا التقديرين ساكتةٌ عن بيان حالٍ من تساوت حسناتُه وسيئاته، وهم
أهلُ الأعراف على قول، ومن هنا استدلَّ بها بعضُهم على عدم وجود هذا القسم.
ورُدَّ بأنَّه قد يُدْرج في القسم الأول؛ لقوله سبحانه: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ
سَيْئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَّهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، و((عسى)) من الله تعالى تحقيقٌ كما صرَّحوا
به. وفيه نظر.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ ترغيبٌ في قَبول دعوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام
بتذكيرِ النعمِ إثرَ ترغيبٍ.
وذكر الطيبيُّ أنَّ هذا نوعٌ آخرُ من الإنذار، فإنَّه جملةٌ قسميّةٌ معطوفةٌ على قوله
سبحانه: ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ على تقدير: قل اتبعوا، وقل والله لقد
مگنَّاکم.
والمعنى: جعلنا لكم في الأرض مكاناً وقراراً، وقيل: أقدرناكُم على التصرُّف
فيها، فهو حينئذ كنايةٌ، ورجحت هنا الحقيقة.
(١) في التذكرة ٣١٢/١-٣١٣.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩) عن العباس به قال:
قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: ((نعم،
وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح)). واللفظ لمسلم. وسيأتي عند تفسير
الآية (١١٣) من سورة التوبة.

الآية : ١٠
٣١
سُورَةُ الأَغْرَافِ
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَ﴾ أي: ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب.
ونحوها، أو ما تتوصَّلونَ به إلى ذلك، وهو في الأصل مصدر عاشَ يعيشُ عَيْشاً،
وعِيشَةً، ومعاشاً، ومَعيشة بوزن مَفعلة، والجمهورُ على التصريح بالياء فيها. وروي
عن نافع: ((معائشَ)) بالهمزة(١). وغلَّطهُ النحويون ومنهم سيبويه(٢) في ذلك؛ لأنَّه
لا يُهمزُ عندَهم بعد ألف الجمع إلَّا الياءُ الزائدة، كصحيفة وصحائف، وأمَّا
معايش، فياؤه أصليَّةٌ هي عينُ الكلمة؛ لأنَّها من العيش، وبالغ أبو عثمان(٣) فقال:
إنَّ نافعاً لم يكن يدري ما العربية (٤). وتُعقِّبَ ذلك بأنَّ هذه القراءة وإن كانت شاذةً
غيرَ متواترةٍ مأخوذةٌ من الفصحاء الثقات، والعربُ قد تشبِّه الأصليَّ بالزائد؛ لكونه
على صورته، وقد سُمِع هذا عنهم فيما ذكر، وفي مصائب ومنائر أيضاً .
وقول سيبويه: إنها غلط. يمكنُ أنْ يرادَ به أنَّها خارجةٌ عن الجادّة والقياس،
وكثيراً ما يستعملُ الغلط في كتابه بهذا المعنى.
والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع، وكلُّ واحدٍ من الطرفين متعلِّقٌ به، أو
بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعوله المنكَّر، إذ لو تأخّر لكان صفةً له، وتقديمهما على
المفعول مع أنَّ حقَّهما التأخير عنه - كما قال بعض المحققين - للاعتناءِ بشأن
المقدَّم، والتشويق إلى المؤخّر، فإنَّ النفس عند تأخير ما حقُّه التقديم - لا سيَّما عند
كون المقدَّمِ منبئاً عن منفعةِ السامع - تبقى مترقِّةً لورودِ المؤشّر، فيتمكَّنُ فيها عند
الورود فضَلَ تمكُّن. وأمَّا تقديمُ ((اللام)) على ((في)) فلمَا أنَّه المنبئُ عما ذُكِر من
المنفعة، والاعتناءُ بشأنِهِ أتمُّ، والمسارعةُ إلى ذكره أهمّ.
وقيل: إنَّ الجعلَ متعدٍّ إلى مفعولين؛ ثانيهما أحدُ الظرفين على أنَّه مستقرّ قُدِّم
على الأول، والظرفُ الآخر إمَّا لغوٌ متعلِّقٌ بالجعل، أو بالمحذوفِ الواقع حالاً من
(١) القراءات الشاذة ص ٤٢، وزاد نسبتها للأعرج.
(٢) الكتاب ٣٥٦/٤.
(٣) هو المازني البصري، بكر بن محمد بن عثمان - ويقال: بقية، وقيل: عدي - النحوي، إمام
عصره في النحو والأدب. توفي سنة ثمان وأربعين ومئتين، أو تسع وأربعين. إنباه الرواة ١/
٢٤٦، ووفيات الأعيان ٢٨٥/١.
(٤) في الأصل و(م): بالعربية، والتصويب من المنصف لابن جني شرح كتاب التصريف
لأبي عثمان المازني ٣٠٧/١.

سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
٣٢
الآية : ١١
المفعول الأوَّلِ كما مر. واعترض بأنَّه لا فائدةَ يعتدُّ بها في الإخبار بجعل المعايش
حاصلةً لهم، أو حاصلةً في الأرض.
﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾﴾ تلك النعمةَ الجسيمة. وهو تذييلٌ مسوقٌ لبيان سوء
المخاطبين وتحذيرهم. قال الطيبي: والتذييلُ بذلك، لأنَّ الشكرَ مناسبٌ لتمكينهم
في البلاد والتصرف فيها، كما أنَّ التذكُّر في الجملة السابقة موافقٌ للتمييزِ بين اتِّبَاعِ
دين الحقِّ ودين الباطل. وبقيَّةُ الكلام في هذه الجملة على طرز ما مرَّ في نظيرها
فتذكر .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى، وتأخيره عن تذكيرِ ما وقع
قبله(١) من نعمةِ التمكّن في الأرض؛ إمّا لأنَّها فائضةٌ على المخاطبين بالذات،
وهذه بالواسطة، وإمَّا للإيذانِ بأنَّ كلَّ منهما نعمةٌ مستقلّةٌ.
والمرادُ خلق آدم عليه السلام وتصويرُه كما يقتضيه ظاهرُ العطف الآتي، لكن
لمَّا كانَ مبدأً للمخاطبين؛ جُعِلَ خلقُه خلقاً لهم، ونُزَّلَ منزلتَه، فالتجوُّزُ على هذا في
ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرُّعهم عنه، أو في الإسناد؛ إذ
أسندَ ما لآدم الذي هو الأصلُ والسببُ إلى ما تفرَّع عنه وتسبَّب. وجعل بعضهم
الكلامَ على تقدير المضاف(٢).
وذهب الإمام(٣) إلى أنه كنايةٌ عن خلقِ آدمَ عليه السلام، والمعنى: خلقنا أباكم
آدَمَ عليه السلام طيناً غير مصوَّرٍ، ثمَّ صوَّرناه أبدعَ تصويرٍ وأحسنَ تقويم سارٍ ذلك
إلیکم .
وجُوِّزَ أن يكونَ التجوُّزُ في الفعل، والمراد: ابتدأنا خلقَكم ثمَّ تصويرَكم بأنْ
خلقنا آدم ثمَّ صوَّرناه. ويعودُ هذا إلى ابتداءِ خلقِ الجنس، وابتداءُ خلقِ كلِّ جنسٍ
بإيجاد أوَّل أفراده، فهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧].
(١) في (م): بعده، وهو خطأ، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢١٤/٣. والكلام منه.
(٢) وقدَّره بعضهم: ولقد خلقنا أرواحكم ثم صوَّرنا أجسامكم، وقيل: التقدير: ولقد خلقنا
أباکم ثم صورنا أباكم. البحر ٤/ ٢٧٢ .
(٣) تفسير الرازي ٣٠/١٤.

الآية : ١١
٣٣
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وعلى هذين الوجهين يظهرُ وجهُ العطفِ بـ (ثمَّ)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ
أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾ .
وزعمَ الأخفش(١) أنَّ (ثم)) هنا بمعنى الواو، وتعقّبه الزجاج(٢) بأنَّه خطأ
لا يُجيزُه الخليلُ وسيبويه(٣)، ولا من يُوثَق بعلمه؛ لأنَّ ((ثمَّ)) للشيء الذي يكون بعدَ
المذكور قبلَه لا غير، وإنَّما المعنى: إنَّا ابتدأنا خلقَ آدم عليه السلام من ترابٍ، ثمَّ
صوَّرناه، أي: هذا أصلُ خلقكم، ثم بعد الفراغ من أصلِكم قلنا .. إلخ.
وقيل: إنَّ (ثمَّ)) لترتيب الإخبار لا للترتيب الزمانيِّ حتى يحتاجَ إلى توجيه،
والمعنى: خلقناكم يا بني آدم مُضَغاً غيرَ مصوَّرةٍ، ثمَّ صورناكم بشقِّ السمع والبصر
وسائر الأعضاء، كما روي عن يمان، أو: خلقناكم في أصلاب الرجال، ثمَّ
صورناكم في أرحام النساء، كما روي عن عكرمة، ثمَّ نخبرُكم أنَّا قلنا
للملائكة إلخ. وإلى هذا ذهب جماعةٌ من النحويين منهم عليّ بن عيسى والقاضي
أبو سعيد السيرافي وغيرهما .
وقال الطيبيُّ: يمكن أنْ تُحملَ ((ثم)) على التراخي في الرتبة؛ لأنَّ مقام الامتنان
يقتضي أن يقال: إنَّ كون أبيهم مسجوداً للملائكة أرفعُ درجةً من خلقِهم
وتصويرهم.
وفيه تلويحُ إلى شرف العلم، وتنبيهٌ للمخاطبين على تحصيل ما فازَ به أبوهم من
تلك الفضيلة، ومن ثَمَّ عَقَّبَ في ((البقرة)) الأمرَ بالسجود مسألةَ التحدِّي بالعلم.
وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسُّدِّي أنَّ المعنى: خلقنا آدم عليه
السلام، ثمَّ صوَّرناكم في ظهره، ثمَّ قلنا .. إلخ.
وقد تقدَّم الكلام في المراد بالملائكة المأمورين بالسجود، وكذا الكلام في
المراد بالسجود (٤) .
(١) في معاني القرآن له ٢/ ٥١٢.
(٢) في معاني القرآن له ٣٢١/٢.
(٣) ينظر الكتاب ٤٣٨/١.
(٤) في سورة البقرة، عند الآية (٣٤).

سُورَةُ الْأَغْرَافِ
٣٤
الآية : ١١
وقد ذكر بعضُ المحققين أنَّ الظاهر أنْ يقال: ثمَّ أمرنا الملائكةَ بالسجود لآدم،
إلَّا أنَّه عدلَ عن ذلك؛ لأنَّ الأمرَ بالسجود كان قبلَ خلق آدم عليه السلام على ما نطقَ
به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]،
والواقعُ بعد تصويره إنَّما هو قوله سبحانه: ﴿أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ وذلك لتعيين وقت
السجدةِ المأمور بها قبل. والحاصلُ أنَّه سبحانه أمرهم أوَّلاً أمراً معلّقاً، ثم أمرهم
ثانياً أمراً منجَّزاً مطابقاً للأمر السابق، فلذا جعله حكايةً له، وفي ذلك ما لا يخفى
من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام.
﴿فَسَجَدُوَا﴾ أي: الملائكةُ عليهم السلام بعد القول من غير تلعثُم كلَّهم أجمعون.
﴿إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل سواءٌ قلنا: إنَّ إبليسَ من الملائكةِ حقيقةً، أم لا؛
أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني، فلأنَّه لما كان جنِّيّاً مفرداً مغموراً بألوفٍ من
الملائكة متَّصفاً بغالب صفاتهم غُلِّوا عليه في ((سجدوا)) ثم استُثني استثناءَ واحدٍ منهم.
وقيل: منقطعٌ، بناءً على أنَّه من الجنِّ، وأنَّهم ليسوا من جنس الملائكة،
ولا تغليب. والأوَّل هو المختار.
وذكر قوله تعالى: ﴿لَمَّ يَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ ﴾﴾ - أي: ممَّن سجدَ لآدم عليه
السلام - مع أنَّه عُلِم من الاستثناء عدمُ السجود؛ لأنَّ المعلومَ من الاستثناء عدمُ
العموم، لا عمومُ العدم، والمراد الثاني، أي: إنه لم يصدر منه السجودُ مطلقاً
لا معهم ولا منفرداً، وهذا إنَّما يفيدُه التنصيص. كذا قيل.
ونُظِرَ فيه بأنَّ التنصيصَ المذكور لا يفيدُ عموم الأحوال والأوقات، فلا یتمُّ
ما ذكر.
وتحقيقُ هذا المقام على ما ذكره المولى سريُّ الدين أنْ يقال: إنَّ القوم اختلفوا
في أنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ أم لا؟
فقال الشافعيُّ: نعم. فيكون نقيضُ الحكم ثابتاً للمستثنى بطريق العبارة،
ويوافقه ظاهر عبارة ((الهداية))(١).
(١) الهداية للمرغيناني ٥٣/٢ قال - رحمه الله - في شرح قوله في البداية: ((ولو قال: ما أنت
إلا حرِّ عتق)): لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد كما في كلمة الشهادة. اهـ.

الآية : ١١
٣٥
سُورَةُ الَّغَافِ
وذهب طائفةٌ من الحنفية إلى أنَّه بطريق الإشارة.
وذهب آخرون إلى أنَّ المستثنى في حكم المسكوت عنه، وإنما يُستفادُ الحكم
بطريق مفهوم المخالفة .
واختار صاحبُ ((البحر))(١) أنَّه منطوقُ إشارةٍ تارةً وعبارةٍ أخرى.
وإذا تقرَّرَ هذا فيمكن أنْ يقال في الجواب: إنَّ المقام لمَّا كان مقامَ التسجيل
على إبليس بعدم السجود، والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة، كان خليقاً
بالتصريح، جديراً بالاحتياط؛ لضعف التعويل على القرينة، لائقاً بكمال الإيضاح
والتقرير، فعدلَ عن طريق الحذف - وإنْ كان الكلامُ دالاً على المحذوف - إلى
منهج الذكر والتصريح به. وهذا على رأي الشافعيِّ ومن وافقه ظاهرٌ، وإليه أشار
السراجُ الهندي (٢) في مباحث الاستثناءِ من ((شرح المغني))، وأمَّا على باقي
المذاهب فالأمر أظهر؛ لأنَّ الحكمَ على المستثنى بنقيضٍ حكم المستثنى منه، إمّا
بطريق الإشارة، أو بمفهوم(٣) المخالفة، وعلى كلِّ فالمقامُ يأبى الاكتفاء بمثل
ذلك، ويقتضي التصريحَ بذكر الحكم.
وادَّعى مولانا ابنُ الكمال أنَّ هذه الجملةَ إنَّما جيءَ بها لانقطاع الاستثناء، وأنَّه
لو كان الاستثناء متَّصِلاً يكونُ الإتيان بها ضائعاً؛ لأنَّ عدمَ كون إبليس من
الساجدين يفهَمُ من الاستثناء على تقدير اتِّصاله. ولا يخفى ما فيه على من أحاط
علماً بما ذكرنا .
واعترضَهُ البعضُ أيضاً بأنَّه على تقدير الانقطاع يكونُ ذلك ضائعاً أيضاً بناءً
على ما ظنَّه؛ فإنَّ ثبوتَ نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى غيرُ مختصٍّ بالمتصل،
(١) هو ابن نجيم الحنفي، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، من مصنفاته: البحر الرائق،
والأشباه والنظائر. (ت ٩٧٠هـ). التعليقات السنية على الفوائد البهية ص٢٢١، والأعلام
٦٤/٣. وكلامه في كتابه فتح الغفار في شرح المنار المعروف بمشكاة الأنوار ١٢٧/٢.
(٢) هو عمر بن إسحاق بن أحمد، أبو حفص الغزنوي، من مصنفاته: شرح الهداية المسمى
بالتوشيح، والشامل في الفقه، وشرح المغني للخبازي، وغيرها. (ت ٧٧٣هـ). كشف
الظنون ١٧٤٩/٢، والفوائد البهية ص٢٤١ .
(٣) في (م): مفهوم.

سُوَدَّةُ الأَّغْرَافِ
٣٦
الآية : ١٢
ولذا لا نراهم يذكرونَ مع المستثنى المنقطع أيضاً نقيضَ حكم المستثنى منه
إلَّا قليلاً، ولو تمَّ ما ذكره لوجبَ ذكرُ الخبرِ مع كلِّ منقطعٍ. فليفهم.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ للجواب عن سؤالٍ نشأ من حكاية عدم سجوده، كأنَّه
قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ وبه - كما قيل - يظهرُ وجه الالتفات إلى الغيبة، إذْ
لا وجهَ لتقدير السؤال على وجه المخاطبة.
وفيه فائدةٌ أخرى؛ هي الإشعارُ بعدم تعلّق المحكيّ بالمخاطَبين كما في حكاية
الخلق والتصوير. أي: قال الله تعالى لإبليسَ حين لم يكن من الساجدين: ﴿مَا مَنَعَكَ
أَّا تَسْجُدَ﴾ المشهورُ أنَّ ((لا)) مزيدةٌ، بدليل قوله سبحانه في آيةٍ أخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ
تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وقد جاءتْ كذلك في قوله سبحانه: ﴿لِثَلَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾
[الحديد: ٢٩] أي: ليعلم، وهي في ذلك - كما قال غيرُ واحد - لتأكيدِ معنى الفعل
الذي تدخل عليه وتحقيقه.
واستُشكِلَ بأنَّها كيف تؤكِّد ثبوتَ الفعل مع إيهام نفيه؟ قال الشهاب: والذي
يظهرُ لي أنَّها لا تؤكِّده مطلقاً، بل إذا صحب نفياً مقدَّمَاً أو مؤخّراً، صريحاً أو غيرَ
صريح، كما في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وكما هنا،
فإِنَّها تؤكِّدُ تعلُّق المنع به(١).
ومن هنا قالوا: إنَّها منبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخَ عليه تركُ السجود.
وقيل: إنَّها غيرُ زائدةٍ، بأن يكون المنعُ مجازاً عن الإلجاء والاضطرار،
فالمعنى: ما اضطرك إلى أنْ لا تسجد. وجعله السكاكيُّ(٢) مجازاً عن الحمل،
و ((لا)) قرينةٌ للمجاز، أي: ما حملك ودعاك إلى أنْ لا تسجد؟ وليس بين الجعلين
کثیرُ فرق.
وجُوِّزَ أنْ يكون ذلك من باب التضمين.
وقال الراغب: المنعُ يقال في ضدِّ العطيَّة، كرجل مانع ومنَّاع، أي: بخيل،
ويقال في الحماية، ومنه: مكانٌ منيعٌ، وقد مَنُع، وفلانٌ ذو مَنَعَة، أي: عزيز ممتنعٌ
(١) حاشية الشهاب ٤/ ١٥٣.
(٢) في مفتاح العلوم ص ٣٦٧.

الآية : ١٢
٣٧
سُورَةُ الْأَثْرَافِ
على من يَرومه(١). والمنعُ في الآية من الثاني، أي: ما حَماك عن عدم السجود.
﴿إِذْ أَمَرْتٌُ﴾ بالسجود، و(إذ)) ظرفٌ لـ ((تسجد)).
وهذه الآيةُ أحدُ أدلَّة القائلين بأنَّ الأمرَ للفور؛ لأنَّه ذُمَّ على ترك المبادرة،
ولولا أنَّ الأمرَ للفور لم يتوجَّه الذُّ عليه، وكان له أنْ يُجيب بأنَّك ما أمرتني
بالبدار، وسوفَ أسجد.
وأجيبَ بأنَّ الفورَ إنَّما هو من قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] ولیس
من صيغة الأمر، إلّا أنَّ بعضَهم منعَ دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخٍ.
وقال آخرون: إن الاستدلالَ إنَّما هو بترتُّبِ اللوم على مخالفةِ الأمر المطلق،
حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ أَمّئٌُ﴾، ولم يقل جلَّ شأنه: إذ قلت فقعوا له ساجدين.
فتدبّر.
وفي حكاية التوبيخ ها هنا بهذه العبارة، وفي سورة الحجر بقوله تعالى:
﴿يَإِلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ [الآية: ٣٢]، وفي سورة ص بقوله سبحانه: ﴿مَا
مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌ﴾ [ص: ٧٥] إشارةٌ إلى أنَّ اللعينَ أدمجَ في معصيةٍ واحدةٍ
غيرَ واحدة، وقد وُبِّخَ على كلٍّ من ذلك، لكن اقتَصر عندَ الحكاية في كلِّ موطنٍ
على ما ذَكر فيه؛ اكتفاءً بما ذكر في موطنٍ آخر، وإشعاراً بأنَّ كلَّ واحدةٍ من هاتيكٌ
المعاصي كافيةٌ في التوبيخ وبطلانِ ما ارتكبه، وقد تُرِكَت حكايةُ التوبيخ رأساً في
سورة البقرة، وسورة بني إسرائيل، وسورة الكهف، وسورة طه. والله تعالى أعلم
بحكمةِ كلِّ.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما تقدَّم مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكاية التوبيخ، كأنَّه قيل:
فماذا قال اللعين عند ذلك؟ فقيل: قال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْةٌ﴾ هو من الأسلوب الأحمق،
فإنَّ الجوابَ المطابقَ للسؤال: منعني كذا، وهذا جوابٌ عن: أيُّكما خير؟ وفيه
دعوى شيءٍ بَيِّنِ الاستلزام للمقصود بزعمه، ومشعرٍ بأنَّ مَنْ هذا شأنُه لا يحسنُ أن
يسجدَ لمن دونَه، فكيف يحسنُ أنْ يؤمرَ به؟ فاللعينُ أوَّلُ من أسَّسَ بنيانَ التكبُّر
واخترعَ القول بالحسن والقبح العقليين.
(١) المفردات (منع).

سُوَدَةُ الأَغْرَافِ
٣٨
الآية : ١٢
تعليلٌ لما اذَّعاه
١٢
وقولُه تعالى حكايةً عنه: ﴿خَلَقْلِ مِنْ ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ
عليه اللعنةُ من فضله عليه عليه السلام، وحاصلُه: إنِّي مخلوقٌ من عنصرٍ أشرفَ من
عنصره؛ لأنَّ عنصري عُلويٌّ نَيِّرٌ، قويُّ التأثير، مناسبٌ لمادة الحياة، وعنصرُه بضدٌ
ذلك، والمخلوقُ من الأشرفِ أشرفُ؛ لأنَّ شرف الأصل يوجبُ شرفَ الفرع، فأنا
كذلك، والأشرفُ لا يليقُ به الانقيادُ لمن هو دونه.
وقد أخطأ اللعينُ، فإنَّ كونَ النار أشرفَ من التراب ممنوعٌ، فإنَّ كلَّ عنصرٍ من
العناصر الأربع يختصُّ بفوائدَ ليست لغيره، وكلٌّ منها ضروريٌّ في هذه النشأة،
ولكلِّ فضيلةٌ في مقامه وحاله، فترجيحُ بعضها على بعض تطويلٌ بلا طائل.
على أنَّ من نظرَ إلى أنَّ الأرضَ أكثرُ منافع للخلق؛ لأنَّها مستقرُّهم وفيها
معايشهم، وأنَّها متَّصِفةٌ بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار، وإلى أنَّ
النار دونها في المنافع، وأنَّها متَّصِفةٌ بالخفَّةِ التي هي من مقتضيات الطيش
والاستكبارِ والترفع = عَلِمَ ما في كلام اللعين. وأيضاً شرفُ الأصل لا يوجب
شرف الفرع:
ينبتُ النرجسُ إلَّا مِن بَصَلْ(١)
إنَّما الوردُ من الشوك ولا
ويكفي في ذلك أنَّه قد يخرج الكافرُ من المؤمن.
وأيضاً قد خصَّ الشرفَ بما هو من جهة المادّةِ والعنصر، مع أنَّ الشيء
كما يَشرفُ بمادته وعنصره يشرفُ بفاعله وغايته وصورته، وهذا الشرف في آدم عليه
السلام دونَه، فإنَّ الله تعالى خلقَه بيديه، ونفخَ فيه من روحه، وجعله خليفةً في
الأرض كما قصَّ سبحانه؛ لِمَا أودعَه فيه.
وأيضاً أيُّ قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحظّ النفس، على
أنَّ الخدمةَ في الحقيقة إنَّما كانت لله تعالى، وإلى هذا أشارَ ظافرُ الإسكندري(٢)
بقوله:
(١) هو من لامية ابن الوردي. ينظر شرح اللامية للقناوي الشافعي ص ١١٥ .
(٢) هو ظافر بن القاسم بن منصور، أبو منصور الجذامي الإسكندراني الحداد، (ت: ٥٢٩هـ).
معجم الأدباء ٢٧/١٢، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٩٧ .

الآية : ١٢
٣٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
بُنيت على الأفهام في تبجيله
أنت المرادُ بنظم كلِّ قصيدةٍ
وسجودُهم لله في تأويله(١)
كسجودِ أملاك السماء لآدم
ثمَّ الظاهرُ أنَّ هذا الجوابَ من اللعين كان مع تسليم أنَّه مأمورٌ بالسجود،
وحينئذٍ فخطؤهُ أظهرُ من نارٍ على علم، إذ يعودُ ذلك إلى الاعتراض على المالك
الحکیم.
وقال بعضهم: إنَّه لم يسلِّم أنَّه كان مأموراً، بل أخرج نفسَه من العموم
بالقیاس.
واستدلَّ أهلُ هذا القول بهذا التوبيخ على أنَّه لا يجوزُ تخصيصُ النصِّ
بالقياس. وأجيبَ بأنَّ هذا ليس من التخصيص، بل هو إبطالٌ للنصِّ ورفعٌ له
بالكليّة. وفيه تأمُّل.
وأخرجَ أبو نعيم في ((الحلية)) والديلميُّ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن
جدِّه ظّ أنَّ رسول اللهِ وَّرِ قال: ((أوَّلُ من قاسَ أمرَ الدين برأيه إبليس، قال الله
تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خيرٌ منه)) إلخ. قال جعفر: فمن قاسَ أمرَ الدين
برأيه قرنَهُ الله تعالى يومَ القيامة بإبليس؛ لأنَّ اتَّبعهُ بالقياس(٢) .
واستَدلَّ بهذا ونحوه مَنْ منع القياس مطلقاً. وأجيبَ عن ذلك بأنَّ المذمومَ هو
القياسُ والرأيُ في مقابلة النصِّ، أو الذي يُعدَم فيه شرط من الشروط المعتبرة،
وتحقیقُ ذلك في محلِّه.
وفي الآية دليلٌ على الكون والفساد(٣)؛ لدلالتها على خلق آدم عليه السلام
وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من
الطينيَّةِ والناريَّة لمَّا ترَّبَ منهما ما تركب، وعلى أنَّ إبليس ونحوه أجسامٌ حادثةٌ،
لا أرواحٌ قديمة.
(١) ديوان ظافر الحداد ص٢٥٦. باختلاف يسير.
(٢) الدر المنثور ٧٢/٣. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١٩٧/٣.
(٣) الكون: الخروج من العدم إلى الوجود، والفساد عكسه. حاشية الشهاب ٤/ ١٥٤.

سُورَةُ الَّغْرَافِ
٤٠
الآية : ١٣
قيل: ولعلَّ إضافةً خلق آدم عليه السلام إلى الطين، وخَلْقِه إلى النار باعتبارٍ
الجزء الغالب، وإلَّا فقد تقرَّر أنَّ الأجسامَ من العناصر الأربعة، وبعض الناس من
وراء المنع.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما سلف، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَهِْطْ مِنْهَا﴾، لترتيبِ الأمر
على ما ظهرَ منه من الباطل.
وضمير ((منها)) قيل: للجنَّة، وكونُه من سكانها مشهور. والمرادُ بها عند بعضٍ
الجنَّةُ التي يسكنُها المؤمنون يوم القيامة. وعن ابن عباس ﴿ُهَا أنَّها روضةٌ بعدنَ،
وفيها خُلِقِ آدم عليه السلام، وكانت على نَشَزِ من الأرض في قول.
وأصلُ الهبوط: الانحدارُ على سبيل القهر، كما في هبوط الحجر، وإذا
استعمل في الإنسان ونحوِه فعلى سبيل الاستخفاف، كما قال الراغب(١).
ولم يشترط بعضُهم فيه سوى الانتقال من شريفٍ إلى مادونَه؛ لقوله تعالى:
﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] والأمرُ عليه واضحٌ وإن لم نقل: إنَّ تلك الجنة كانت
على نشز.
وقيل: الضميرُ لزمرة الملائكة، أي: اخرج من زمرة الملائكة المعزَّزين، فإنَّ
الخروجَ من زمرتهم هبوطٌ وأيُّ هبوط، وفي سورة الحجر: ﴿فَأُخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الآية: ٣٤].
وقيل: الضمير للسماء، وإليه ذهب جماعة.
ورُدَّ بأنَّ وسوستَه لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد، فلا بدَّ أنْ يُحمَل على
أحد الوجهين السابقين قطعاً، ويكون وسوسته على الوجه الأوَّل بطريق النداء من
باب الجنَّة، كما روي عن الحسن البصري.
وأجيبَ بأنَّه يحتمل أنْ يكونَ المرادُ من ذلك الجنةَ، أو زمرة الملائكة أيضاً؛
بناءً على أنَّ (٢) الأُولى ومعظمَ الثانية في السماء، أو يقال: إنَّ القصةَ وقعت في
الأرض، وكانت الجنَّة فيها، وبعد العصيان حُجِب اللعينُ من السماء التي هي مقرُّه
(١) في المفردات (هبط).
(٢) ليست في الأصل.