Indexed OCR Text
Pages 381-400
التفسير الإشاري (٨٧ - ١١٠) ٣٨١ سُورَةُ الأَنْعَم عندهم، فليس لهم مقامٌ يُنتج أن يكونَ الحقُّ بصرَهم حتى يُدركوه به، فهم عبيدُ اضطرار، ونحن عبيدُ اضطرارٍ من فرائضنا وعبيدُ اختيارٍ من نوافلنا .. ، إلى آخِر ما قال. وهو صريحٌ في أنَّ بعض الأَبصارِ تُدركه لكن من حيثيَّة رفعِ الغيرية. وقال في الباب الرابعَ عشَرَ وأربعٍ مئةٍ(١) بعد أن أنشدَ: إنَّما أَبصره خلف حجابْ مَن رأى الحقَّ كِفاحاً (٢) عَلَناً. إنَّ هذا لهو الأمرُ العجاب وهْو لا يعرفه وهُوبه هو فيه من نعيم وعذاب كلُّ راءٍ لا يرى غيرَ الذي وهو (٣) عینُ الراءِ بل عينُ الحجاب صورةُ الرائي تجلَّت عنده فإذا رآه سبحانه الرائي كفاحاً، فما يراه إلَّا حتى يكونَ الحقُّ جلَّ جلالُه بصرَه، فيكون هو الرائي نفسَه ببصره في صورة عبدِه، فأعطته الصورةُ المكافحةً؛ إذ كانت الحاملةَ للبصر ولجميعِ القُوى .. ، إلخ. وقال في الباب الحادي وأربع مئة(٤) بعد أن أنشد: في كونهم ما عندهم شَيّ قد استوى الميِّتُ والحيّ فيهم ولا ◌ِظِلٌّ ولا فَيّ منِّي فلا نورٌ ولا ظلمة فنشرهم في كونهم(٥) طَيّ رؤيتهم إليَّ معدومة عنه إذا حقَّقته غَيّ وفهمهم إن كان معناهم إنَّ كلَّ مرئيٍّ لا يَرى الرائي إذا رآه منه إلَّا قَدْرَ منزلتِه ورتبته، فما رآه وما رأى إلَّا نفسَه، ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤيةُ في الرائين؛ إذ لو كان هو المرئيَّ ما اختلفوا، لكن لَمَّا كان هو سبحانه مجلَى رؤيتِهم أنفسَهم؛ لذلك وصفوه بأنَّه جلَّ شأنُه يتجلَّى، ولكن شُغْل الرائي برؤية نفسِه في مجلَى الحقِّ حَجَبه عن رؤية الحقِّ، (١) ٤ / ١٨ -١٩. (٢) في الفتوحات: جهاراً. (٣) في الفتوحات: وهي. (٤) ٤ / ٢. (٥) في الفتوحات: كونها . سُورَةُ الأَنْعَل ٣٨٢ التفسير الإشاري (٨٧ - ١١٠) فلو لم تبدُ للرائي صورتُه، أو صورةُ كونٍ من الأكوان، ربّما كان يراه، فما حَجَبَنا عنه إلَّا رؤيةُ نفوسِنا فيه، فلو زلنا عنَّا ما رأيناه؛ لأنَّه ما كان يبقَى بزوالنا مَن يراه، وإنْ نحن لم نزل فما نرى إلَّا نفوسَنا فيه، وصُوَرنا وقَدْرَنا ومنزلتنا، فعلى كلِّ حالٍ ما رأيناه. وقد نتوسَّع فنقول: قد رأيناه، ونَصْدُق، كما أنَّه لو قلنا: رأينا الإِنسان، صَدَقنا أن نقولَ: رأينا مَن مضى مِن الناس ومَن بقي ومَن في زماننا، من كونهم إنساناً من حيث شخصيةُ كلِّ إنسان، ولَمَّا كان العالَم أَجمعُه وآحادُه على صورة حقٍّ ورأينا الحقَّ، فقد رأينا وصَدَقْنا، وإذا نظرنا في عين التمييزِ في عينٍ عينٍ، لم نَصْدُق .. ، إلى آخِر ما قال. وفي ذلك تحقيقٌ نفيس لهذا المطلب، ومنه يُعلَم ما في قول بعضهم: لا تدركه الأبصار؛ لغاية ظهورِه سبحانه. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ إذ لا أَلطفَ - كما قال الشيخُ الأَكبر قدِّس سرُّه - مَن هُويَّةٍ تكون عينَ بصر العبد ﴿الْخَبِيرُ﴾ أي: العليمُ خبرةً أنَّه بصرُ العبد ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآبِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وعن الجنيد قدِّس سرُّه: اللطيفُ مَن نوَّر قلبَك بالهدى، وربَّى جسمَك بالغذاء، وجعل لك الولايةَ بالبلوى، ويَحرسك وأنت في لَظى، ويُدخلك جنةَ المأوى. وقال غيرُه: اللطيفُ إن دعوتَه لبَّاك، وإن قصدتَه آواك، وإنْ أحببتَه أدناك، وإن أطعتَه كافاك، وإن أغضبتَه عافاك، وإن أعرضتَ عنه دعاك، وإنْ أَقبلت إليه هداك، وإن عصيتَه راعاك. وهو كلامٌ ما ألطفه. ﴿قَدّ ◌َجَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّيِّكُمْ﴾ وهي صُوَر تجلِّياتٍ صفاته. وقال بعضُ العارفين: إنَّها كلماتُه التي تجلَّى منها لذوي الحقائق، وبرزت من تحت سُرادقاتها أنوارُ نعوتِهِ الأزليَّة ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ واهتدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ ذلك الإِبصارُ، أي: إنَّ ثمرتَه تعود إليه ﴿وَمَنْ عَمِىَ﴾ واحتجبَ عن الهدى ﴿فَعَلَيْهَا﴾ عَمَاه واحتجابُه ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ بل اللهُ تعالى حفيظُ عليكم؛ لأنَّكم وسائرَ شؤونكم به موجودون. التفسير الإشاري (٨٧-١١٠) ٣٨٣ سُورَةُ الأَنْعَّ وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ... لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابنُ عطاء: أي: حقيقةً البيان، وهو الوقوفُ معه حيث ما وقف، والجَرْيُ معه حيث ما جرى، لا يتقدَّم لغَلَبته، ولا يتخلَّف عنه لعجزه. وقال آخَر: المعنى: لقومٍ يعرفون قَدْري ويفهمون خطابي، لا مَن لا يعرف مكانَ خطابي ومرادي من كلامي. ﴿أَنَّعْ مَّا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن ◌َّكَ﴾ قيل: هو إشارةٌ إلى وحي خاصِّ بِهَِّ لا يتحمَّله غيره، أو إشارةٌ إلى الوحي بالتوحيد؛ ولذا وَصَفَ سبحانه نفسَه بقوله: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّا هُوَ﴾ ثم قال جلَّ شأنه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ المحجوبين بالكثرة عن الوحدة. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ﴾ بل شاء سبحانه إِشراكَهم؛ لأنَّه المعلومُ له جلَّ شأنُه أزلاً دون إيمانهم، ولا يشاء إلَّا ما يعلمه دونَ ما لا يعلمه من النفي الصِّرف. ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ﴾، بل أَرشِدوهم إلى الحقِّ بالتي هي أَحسن ﴿فَيَسُبُواْ اللّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بأن يسبُّوكم وأنتم أعظمُ مظاهرِهِ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ إذ هو الذي طلبوه منَّا بألسنة استعدادِهم الأَزليِّ، ومن شأننا ألَّا نردَّ طالباً . ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمْ لَيِن ◌َّتْهُمْ ءٌَ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهِأَ﴾ أي: إنَّهم طلبوا خوارقَ العادات، وأَعرَضوا عن الحُجَجِ البَيِّئَات؛ لاحتجابهم بالحسِّ والمحسوس ﴿قُلْ إِنَّمَا اُلَأَبَثُ عِندَ اللَّهِ﴾ فيأتي بها حسبما تقتضيه الحكمةُ ﴿وَمَا يُشْعِرُّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لسَبْق الشقاءِ عليهم . ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾ لاقتضاء استعدادِهم ذلك ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ﴾ حين أَعرضوا عن الحجج البيِّنات، أو في الأَزَل ﴿وَنَذَّرُهُمْ فِي ◌ُفْيَنِهِمْ﴾ الذي هو لهم بمقتضى استعدادِهم ﴿يَعْمَعُونَ﴾ يتردّدون متحیِّرین لا یدرون وجهَ الرَّشاد: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. سُورَةُ الأَنْتَعَم ٣٨٤ الآية : ١١١ ﴿وَلَوْ أَنََّ نَزَّلْنَا إِلَهِمُ الْمَلَبِكَةَ﴾ تصريحٌ بما أشعر به قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ﴾ إلخ، من الحكمة الدَّاعية إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقتَرحُوا، وبيانٌ لكذبهم في أيمانهم على أبلغ وجهٍ وآكده. أي: ولو أنَّنا لم نقتصر على ما اقترحُوه هاهنا، بل نَزَّلنا إليهم الملائكة كما سألُوه بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَئِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، وقولهم: ﴿لَوْ مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]. ﴿وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْقَى﴾ بأن أحيينَاهم، وشهدوا بحقِّيَّة الإيمان، حسبما اقترحُوه بقولهم: ﴿فَأَتُوْ بِتَابَآَيِنَا﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿وَحَشَرْنَا﴾ أي: جمعنا وسُقْنَا (١) ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾ أي: مقابلةً ومعاينةً، حتى يواجهُوهم، كما رُوي عن ابنِ عباسٍ وقتادة، وهو على هذا مصدرٌ كما قاله غير واحدٍ، وإلى ذلك ذهبَ أبو زيد (٢)، وعنه: يقال: لقيتُ فلاناً قِبَلاً، ومقابلةً، وقَبَلاً، وقُبُلاً، وقبيلاً، كُلُّه بمعنَى واحدٍ، وهو المواجهة . ونقل الراغب(٣) أنَّه جمعُ قابل، بمعنى: مقابلٌ لحواسِّهم، وقيل: هو جمع قَبيل، بمعنى: كفيل، كرغيفٍ ورُغُف، وقضيبٍ وقُضُب. فهو من قولك: قَبِلْتُ الرجلَ وتقبَّلْتُ به، إذا تكفَّلتَ به، ومنه: القَبالَّةُ، لكتاب العهد والصكِّ. وروي ذلك عن الفرَّاء(٤). وعن مجاهد تفسيرُه بالجماعةِ، على أنَّه جمعُ قبيلةٍ كما قال الراغب، ونَقَل تفسيرَهُ بالكفيل، وبالجماعة، وكذا بالمعاينة والمقابلة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢](٥). أي: لو أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتَّى منه (٦) الكفالةُ والشهادةُ بحقِّيَّة الإيمان، (١) في (م): سوقنا. (٢) في الأصل و(م): ابن زيد. والمثبت هو الصواب. وكلام أبي زيد في النوادر ص٢٣٥. وينظر تفسير الرازي ١٥٠/١٣، والدر المصون ١١٢/٥، وغيرها. (٣) في المفردات (قبل). (٤) في معاني القرآن له ١/ ٣٥٠-٣٥١. (٥) مفردات الراغب (قبل). (٦) في الأصل و(م): تتأتى منهم. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧٤/٣، والكلام منه. الآية : ١١١ ٣٨٥ سُورَةُ الأَنْعَم لا فرادى، بل بطريق المعَّة، أو: لو حشرنا عليهم كلَّ شيءٍ جماعاتٍ في موقفٍ واحد ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي: ما صحَّ ولا استقامَ لهم الإيمان. وانتصابُ ((قُبُلاً)) على هذه الأقوال على أنَّه حالٌ من ((كل))، وساغ ذلك على القول بجمعيَّتِه؛ لأنَّ (كلَّا)) يجوز مراعاة معناه ومراعاة لفظه، كما نصَّ عليه النحاةُ. واستشهدُوا له بقول عنترة: فتركْنَ كلَّ حديقةٍ كالدرهم(١) جَادتْ عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ إذ قال: تركْنَ، دون تَركَتْ، فلا حاجة إلى ما قيل: إنَّ ذلك باعتبار لازمه، وهو الكلُّ المجموعيُّ . وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((قِبَلاً)) بكسر القاف وفتح الباء (٢). وهو مصدرٌ بمعنى: مقابلةً ومشاهدةً، ونصبه على الحال، كما قال الفرَّاء والزَّجَّاج(٣)، وكثير. وعن المبرِّد أنَّه بمعنى: جهة وناحية، فانتصابه على الظرفيَّة، كقولهم: لي قِبَلَ فلان كذا . وقُرِئَ: (قُبْلاً)) بضمٌّ فسكون(٤). و ((ما كانوا)) إلخ جواب ((لو))، وهو إذا كان منفيّاً لا تدخله اللام، خلافاً لمن وَهَم فقدَّرَها (٥). (١) ديوان عنترة ص١٨، وشرح المعلقات للنحاس ١٦/٢، وللتبريزي ص ٢٢٠، وللزوزني ص ١٤٠، وأمالي القالي ٢٩٦/٢، ومقاييس اللغة ٦٧/١، وأساس البلاغة (ثرر)، والبحر ٥٤٢/٥. ورواية الديوان وشروح المعلقات: جادت عليه كل بكر حرة، وروايته في جميع المصادر عدا البحر :... كلَّ قرارة كالدرهم. والبكر: هي السحابة في أول الربيع التي لم تمطر. والقرارة: هي الموضع المطمئن من الأرض يجتمع فيه السيل. والعين هنا: مطر أيام لا يقلع. والثرَّة: الغزير. وقوله: كالدرهم. شبه بياض الماء واستدارته حين امتلأت الحديقة منه بالدرهم. شرح أبيات المغني للبغدادي ٢٢٦/٤. (٢) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٨٢/٢. وقرأ بها أيضاً - من العشرة - أبو جعفر. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٥١/١، وللزجاج ٢٨٣/٢. (٤) هي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي حيوة. البحر المحيط ٢٠٦/٤. (٥) وهو الحوفي كما في البحر المحيط ٢٠٦/٤، والدر المصون ١١٤/٥. سُورَةُ الأَنْعَهُم ٣٨٦ الآية : ١١١ وعُلِّلَ هذا الحكمُ بسوءِ استعدادِهم الثابت أزلاً في علم الله تعالى المتعلّقِ بالأشياء حسبما هي عليه في نفس الأمر. وعلَّله البعض(١) بسبق القضاء عليهم بالكفر. واعترَضَ عليه بعضُ الأفاضل بأنَّ فيه تعليلَ الحوادث بالتقدير الأزليّ. ولا يَخْفَى فسادُه، وعلَّله ببطلان استعدادهم وتبدُّلِ فطرتهم القابلةِ بسوء اختيارهم، وتبعَهُ في ذلك شيخ الإسلام، وعلَّله بتماديهم في العصيان، وغلوِّهم وتمرُّدهم في الطغيان، معترضاً على ما ذُكِر(٢) بأنَّه من الأحكام المترتِّبَة على التمادي المذكور، حسبما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِ ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . وتعقّب ذلك الشهابُ قائلاً: إنَّه ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ما ذُكِرَ على مذهب الأشعريِّ القائل بأنَّه لا تأثيرَ لاختيار العبد وإن قارنَ الفعلَ عنده. ولا يَلْزمُ الجبر - كما يُتَوهَّم - على ما حقَّقه أهل الأصول. ولا خفاء في كون القضاء الأزليِّ سبباً لوقوع الحوادث، ولا فسادَ فيه، وأمَّا سوءُ اختيار العبد فمسبَّبٌ(٣) للقضاء الأزليِّ، وتحقيقه كما قيل: إنَّ سوء الاختيار، وإن كان كافياً في عدم وقوع الإيمان، لكنَّه لا قطعَ فيه؛ لجواز أن يحسنَ الاختيارَ بصرفه إلى الإيمان بدل صرفه إلى الكفر، فكان سوءُ اختياره فيما لا يزالُ مسبَّباً(٤) للقضاء بكفره في الأزل، فبعد القضاء يكونُ الواقعُ منه الكفر حتماً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنَهَا﴾ [السجدة: ١٣]. أهـ. وأنا أقول - وإن أنكر علي أرباب الفضول(٥) -: المُعَلِّلُ بسوءِ الاستعداد هو السالكُ مسلكَ السداد، وتحقيق ذلك: أنَّه قد حقَّق كثيرٌ من الراسخين، وأهل الكشف الكاملين، أنَّ ماهيات الممكناتِ المعلومة لله تعالى أزلاً معدوماتٌ متميِّزةٌ في نفسها تميُّزاً (٦) ذاتيّاً غيرَ مجعولٍ؛ لِمَا حُقِّقَ من توقُّفِ العلم بها على ذلك (١) وهو الإمام البيضاوي. ينظر تفسيره مع حاشية الشهاب ٤/ ١١٤. (٢) أي: من القول بسبق القضاء عليهم بالكفر. تفسير أبي السعود ١٧٤/٣ . (٣) في الأصل و(م): فسبب. والتصويب من حاشية الشهاب ١١٤/٤. (٤) في الأصل و(م): سبباً. (٥) بعدها في (م): إن. (٦) في (م): تمييزاً. الآية : ١١١ ٣٨٧ سُورَةُ الأَنْعَُّ التميُّز، وإنَّما المجعول صورها الوجوديَّة الحادثة، وأنَّ لها استعداداتٍ ذاتيَّةً غيرَ مجعولةٍ، تختلف اقتضاءاتها؛ فمنها ما يقتضي اختيار الإيمان والطاعة، ومنها ما يقتضي اختيار الكفر والمعصية. والعلم الإلهيُّ متعلَّقُ بها، كاشفٌ لها على ما هي عليه في أنفسها؛ من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتيح الغيب التي لا يعلمُها إلَّا هو، واختلافٍ مقتضيات تلك الاستعدادت، فإذا تعلّق العلم الإلهيُّ بها على ما هي عليه ممَّا يقتضيه استعدادُها من اختيار أحد الطرفين الممكنين - أعني: الإيمانَ والطاعة، أو: الكفر والمعصية - تعلَّقت الإرادة الإلهيَّة بهذا الذي اختاره العبدُ حال عدمه بمقتضى استعداده - تفضُّلاً ورحمةً لا وجوباً؛ لغناه الذاتيّ عن العالمين المصحِّح لصرف اختيار العبد إلى الطرف الآخر الممكنِ بالذات إن شاء - فيصير مرادُ العباد بعد تعلُّق الإرادة الإلهيَّة مراداً لله(١) تعالى. ومن هذا يظهر أنَّ اختيارَهم الأزليَّ بمقتضى استعدادهم متبوعٌ للعلمِ المتبوع للإرادة؛ مراعاةً للحكمة تفضُّلاً، وأنَّ اختيارَهم فيما لا يزال تابعٌ للإرادة الأزليَّة المتعلّقة باختيارهم لما اختاروه، فهم مجبورون فيما لا يزال في عين اختيارهم، أي: مُساقون إلى أنْ يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم، لا بالإكراه والجبر - ومنه يتَّضحُ معنى قولِ أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: إنَّ الله تعالى لم يُعْصَّ مغلوباً، ولم يُطَعْ مكرهاً، ولم يملك تفويضاً - ولم يكونوا مجبورين في اختيارهم الأزلي؛ لأنَّه سابقُ الرتبة على العلم السابقِ على تعلَّق الإرادة، والجبر تابعٌ للإرادة التابعة(٢) للعلم التابع للمعلوم، الذي هو هنا اختيارهم الأزليُّ، فيمتنعُ أن يكون تابعاً لما هو متأخّرٌ عنه بمراتب، فمن وجد خيراً فليحمد الله تعالى؛ لأنَّه سبحانه متفضِّلٌ بايجادِ ما اختارُوه، لا يجب عليه مراعاةُ الحكمةِ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلَّا نفسه؛ لأنَّ إرادته جلَّ شأنه لم تتعلَّق بما صدر منهم من الأفعال إلَّا لكونهم اختارُوها أزلاً بمقتضى استعدادهم، فاختارها تعالى مراعاةً للحكمة تفضُّلاً، والعبادُ كاسبونَ بالله تعالى، إذ لا كسب إلَّ بقوّةٍ ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم، واللهُ تعالى خالقُ أعمالهم بهم؛ لأنَّه سبحانه أخبر بأنَّه خالق أعمالهم مع (١) في (م): مراد الله. (٢) في الأصل و(م): التابع. والمثبت هو الصواب، والعبارة سلفت على الصواب ٣٩٣/١. سُورَةُ الأَنْتَُّ ٣٨٨ الآية : ١١١ نسبة العمل إليهم، المتبادرِ منها صدورُها منهم باختيارهم، وذلك يقتضي أنَّ المخلوقَ لله تعالى بالعبد عينُ مكسوبِ العبد بالله تعالى، ولا منافاةً بين كون الأعمال مخلوقةً لله تعالى، وبين كونها مكسوبةً لهم بقدرتهم واختيارهم. وما شاعَ عن الأشعريِّ من أنَّه لا تأثير لقدرة العبد أصلاً، وإنَّما هي مقارِنةٌ للفعل، وهو بمحضٍ قدرة الله تعالى، فممَّا لا يكاد يُقبل عند المحقّقين المحِقِّين. وقدرةُ العبدِ عندهم مؤثّرةٌ بإذن الله تعالى، لا استقلالاً كما يزعمه المعتزلة، ولا غيرُ مؤثّرةٍ كما نُسِبَ إلى الأشعريِّ، ولا هي منفيَّةٌ بالكليّة، كما يقوله الجبريَّةُ. وهذا بحثٌ مفروٌ منه، وقد أشرنا إليه في أوائل التفسير، وليس غرضُنا هنا سوى تحقيق أنَّ عدم إيمان الكفَّار إنَّما هو لسوءِ استعدادهم الأزليّ، الغيرِ المجعول، المتبوع للعلم المتبوعِ للإرادة؛ ليُعْلَم منه ما في كلام الشهاب وغيرِهِ. وقد حصلَ ذلك بتوفيقه تعالى عند من تأمَّل وأنصف. ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال، فإن لُوحِظ أنَّ جميعَ أحوالهم شاملةٌ لحال تعلُّق المشيئةِ بهم، فهو مثَّصل. وإن لم يُلاحظ؛ لأنَّ حال المشيئة ليس من أحوالهم، كان منقطعاً. أي: لكن إن شاء الله تعالى آمنوا. واستبعدَهُ أبو حيان(١). وقيل: هو استثناءٌ من أعمِّ الأزمانِ. وهو خلافُ الظاهر. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة. أي: ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذُكرَ من الأمور الموجبة للإيمان في حالٍ من الأحوال إلَّا في حال مشيئته تعالى إيمانَهم، والمرادُ بيان استحالة وقوع إيمانهم بناءً على استحالة وقوع المشيئة، كما يدلُّ عليه السّباق واللحاق. استدراكٌ(٢) من مضمون الشَّرطيَّة بعد ورود ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ الاستثناء، وضميرُ الجمع للمسلمين أو للمُقْسِمين، والمعنى أنَّ حالَهم كما شُرح، ولكنَّ أكثرَ المسلمينَ يجهلون عدمَ إيمانهم عند مجيء الآيات؛ لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم، فيتمنَّون مجيتَها طمعاً فيما لا يكون. (١) في البحر المحيط ٤ /٢٠٦. (٢) في الأصل و(م): استثناء. والتصويب من تفسير أبي السعود ١٧٥/٣ . الآية : ١١٢ ٣٨٩ سُورَةُ الأَتْعَم أو: ولكنَّ المشركينَ يجهلون عدمَ إيمانهم عندَ مجيء الآيات؛ لجهلهم عدمَ مشيئته تعالى لإيمانهم حينئذٍ، فيقسمون بالله تعالى جهدَ أيمانهم على ما لا يكادُ يوجد أصلاً . فالجملةُ على الأول - كما قال بعضُ المحققين - مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾ إلخ على القراءة المشهورة. وعلى الثاني: بيانٌ لمنشأ خطأ المقسِمين، ومناطٍ إقسامهم على تلك القراءة أيضاً، وتقريرٌ له على قراءةِ ((لا تؤمنون)» بالفوقانية، وكذا على قراءةٍ: ((وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)). واستدلَّ أهل السنة بالآية على أنَّ الله تعالى يشاءُ من الكافر كفرَه، وقرّر ذلك بأنَّه سبحانه لمَّا ذكر أنَّهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله تعالى إيمانهم، دلَّ على أنَّه جلَّ شأنُه ما شاء إيمانهم، بل كفرهم. وأجاب عنه المعتزلة بأنَّ المراد: إلّا أنْ يشاء مشيئةَ قسرٍ وإكراه، وعدمُ إيمانهم يستلزمُ عدم المشيئة القسريّة؛ وهي لا تستلزمُ عدم المشيئةِ مطلقاً . واستدلَّ بها الجبائيُّ على حدوثٍ مشيئتهِ تعالى، وإلا يلزم قدمُ ما دلَّ الحسُّ على حدوثهِ. وأهلُ السنَّة تفصّوا(١) عن ذلك بدعوى أنَّ تعلُّقَها بإحداث ذلك المحدثِ في الحال إضافةٌ حادثةٌ. فتأمَّل جمیعَ ذلك. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّ﴾ كلامٌ مستأنفٌ(٢) مسوقٌ لتسليةِ رسولِ اللهِوَه عمَّا يشاهده من عداوة قريش، وما بنَوا عليها من الأقاويل والأفاعيل. و «ذلك)» إشارةٌ إلى ما يُفهَم ممَّا تقدَّم، والكافُ في موضع نصبٍ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ مؤكِّدٍ لما بعدَه، والتقديمُ للقصر المفيدِ للمبالغة، و((عدوّاً)) بمعنى أعداء، كما في قوله: إذا أنا لم أنفعْ صديقي بودِّه فإنَّ عدوِّي لم يضرَّهُم بغضِي (٣) (١) أي: تخلَّصوا. القاموس (نصی). (٢) في (م): مبتدأ . (٣) هو للنابغة الشيباني كما في ديوانه ص٢٣٨. ونسبه له أيضاً أبو بكر الأنباري في الزاهر ٢١٨/١. وجاء البيت أيضاً في ديوان النابغة الذبياني في الأبيات المفردة ص ١٣٠. سُورَةُ الأَنْقُ ٣٩٠ الآية : ١١٢ أي: مثلَ ذلك الجعل في حقِّك، حيث جعلنا لك أعداءً يُضَادُّونك(١) ولا يؤمنون، ويبغونَك الغوائلَ، ويَجهدُون في إبطال أمرك، جعلنا لكلِّ نبيِّ تقدَّمك [عدوًّا] فعلُوا معهم نحوَ ما فعلَ معك أعداؤك، لا جعلاً أنقصَ منه. وجعلَهُ الإمامُ على هذا الوجه عطفاً على معنى ما تقدَّم من الكلام. ولعلَّه ليس المرادُ منه العطفَ الاصطلاحيَّ، وجوَّز أن يكون مرتبطاً بقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُنَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي: كما فعلنا ذلك، جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوّاً(٢). وفيه بُعد. وأيًّا ما كان فالآية ظاهرةٌ فيما ذهب إليه أهل السنَّة من أنَّ الله تعالى خالق الشرِّ، كما أنَّه خالق الخير. وحملُها على أنَّ المراد بها: وكما خلَّينا بينك وبينَ أعدائك، كذلك فعلنا بمن قبلكَ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائِهم، لم نمنعْهُم من العداوة؛ لما فيه من الامتحانِ الذي هو سببُ ظهور الثبات والصبر، وكثرةِ الثواب والأجر = خلافُ الظاهر. ومثله قول أبي بكرِ الأصم: إنَّ هذا الجعلَ بطريق التسبُّب، حيث أرسلَ سبحانه الأنبياء عليهم السلام، وخصّهم بالمعجزات، فحسدهم مَن حسدهم، وصار ذلك سبباً للعداوة القويَّة، ونظيرُ ذلك قولُ المتنبي: فأنت الذي صيّرتهم [ليَا حُسَّدا(٣) وقيل: المرادُ: كما أمرناك بعداوةٍ قومك من المشركين، كذلك أمرنا من قبلَك من الأنبياء بمعاداةٍ نحو أولئك، أو: كما أخبرناكَ بعداوةِ المشركين، وحكمْنَا بذلك، أخبرنا الأنبياءَ بعداوة أعدائِهم، وحكمنا بذلك. والكلُّ ليس بشيءٍ، وهكذا غالب تأويلاتِ المعتزلة. (١) في (م): أيضاً دونك، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣/ ١٧٥، وما سيأتي بين حاصرتین منه . (٢) تفسير الرازي ١٣/ ١٥٢- ١٥٣. (٣) ديوان المتنبي ٢/ ١٣، وما بين حاصرتين منه. وصدره: أَزِلْ حسدَ الحُسَّاد عنِّي بِكْبْتِهم الآية : ١١٢ ٣٩١ سُورَةُ الأَنْعُ ﴿ِشَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ أي: مردةَ النوعين، كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد على أنَّ الإضافةَ بمعنى مِنْ البيانية. وقيل: هي إضافةُ الصفة للموصوف، والأصل: الإنسُ والجنُّ الشياطين. وقيل: هي بمعنى اللام، أي: الشياطين [التي](١) للإنس والجن. وفي تفسير الكلبيِّ عن ابن عباس ما يؤيِّده، فإنَّه رُوي عنه أنَّه قال: إنَّ إبليسَ عليه اللعنة جعلَ جنده فريقين، فبعث فريقاً منهم إلى الإنس، وفريقاً منهم(٢) إلى الجن. وفي روايةٍ أخرى عنه: أنَّ الجنَّ هم الجانُّ، وليسوا بشياطين، والشياطينُ ولدُ إبليس، وهم لا يموتون إلَّا معه، والجنُّ يموتون، ومنهم المؤمنُ والكافر. وهو نصب على البدليَّة من ((عدوّاً))؛ والجعلُ متعدٍّ إلى واحدٍ، أو إلى اثنين؛ وهو أوَّلُ مفعولَيه، قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بيان العداوة. واللام على التقديرين متعلِّقةٌ بالجعل، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ((عدوّاً)، قُدِّمَ عليه لنكارته، وجُوِّز أن يكون متعلقاً به، وقُدِّم عليه للاهتمام، وأن يكون نصبُ ((شياطين)) بفعلٍ مقدَّرٍ. وقوله سبحانه: ﴿يُحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان أحكام عداوتهم، أو حالٌ من ((شياطين))، أو صفةٌ لـ ((عدوّ))، وجمعُ الضمير باعتبار المعنى، كما في البيت السابق. وأصل الوحي كما قال الراغب(٣): الإشارةُ السريعةُ، ولتَضمُّن السرعةِ قيل: أمرٌ وَحِيٌّ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمزِ والتعريض، وقد يكون بصوتٍ مُجرَّدٍ عن التركيب، وبإشارة بعضٍ الجوارح، وبالكتابة أيضاً. والمعنى هنا: يُلقي ويوسوسُ شياطين الجنِّ إلى شياطين الإنس، أو بعضُ كلٍّ من الفريقين إلى الآخر. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ أي: المزوَّق من الكلام الباطل منه. وأصلُ الزخرف الزينةُ المزوَّقةُ، ومنه قيل للذهب: زخرفٌ. وقال بعضهم: أصلُ معنى الزخرف الذهب، ولمَّا كان حسناً في الأعين، قيل لكلِّ زينةٍ: زخرفة، وقد يخصُّ بالباطل. (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٣/ ١٧٥ . (٢) في (م): آخر. (٣) في المفردات (وحي). سُورَةُ الأَنْعََّم ٣٩٢ الآية : ١١٢ ﴿غُرُورًا﴾ مفعول له، أي: ليغرُّوهم. أو مصدرٌ في موقع الحال، أي: غارِّين. أو مصدرٌ لفعلٍ مقدَّرٍ هو حالٌ من فاعلٍ ((يوحي)) أي: يغرُّون غروراً. وفسَّر الزمخشريُّ(١) الغرورَ بالخداع والأخذ على غِرَّةٍ، ونُسِبَ للراغبِ(٢) أنَّه قال: يقال: غرَّه غروراً، كأنَّما طواه على غِرِّه - بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء(٣) - وهو طيُّه الأول. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوٌَّ﴾ رجوعٌ - كما قيل - إلى بيان الشؤون الجارية بينَه عليه الصلاة والسلام وبين قومِه، المفهومةِ من حكاية ما جرى بين الأنبياء عليهم السلام وبين أُمَمِهم، كما يُنبئُ عنه الالتفاتُ، والتعرُّضُ لوصفِ الربوبيَّة مع الإضافةِ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، المعربةِ عن كمالِ اللطف في التسلية. والضميرُ المنصوب في ((فعلوه)) عائدٌ إلى عداوتهم له وَلَّ، وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مُزَخرَفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلّقةِ بأمره عليه الصلاة والسلام باعتبار انفهام ذلك مما تقدَّم. وأمرُ الإفراد سهلٌ. وقيل: إنه عائدٌ إلى ما ذُكر من معاداةِ الأنبياء عليهم السلام، وإيحاءُ الزخارف أعمُّ من أن تكون في أمره وَّهِ وأمورٍ إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفيه أنَّ قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ كالصريح في أنَّ المرادَ بهم الكفرةُ المعاصرونَ له عليه الصلاة والسلام. وقيل: هو عائدٌ إلى الإيحاء، أو الزخرف، أو الغرور. وفي أخذ ذلك عامّاً أو خاصّاً احتمالان، لا يخفَى الأَوْلَى منهما . ومفعول المشيئة محذوفٌ، أي: عَدَمَ ما ذكر، ولا إشكالَ في جعل العدم الخاصِّ مُتَعلَّقَ المشيئة. (١) في الكشاف ٢/ ٤٥ . (٢) بنحوه في مفرداته (غرر)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١١٥/٣. (٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب، ولم تقيد في مفردات الراغب، وقيدها صاحب اللسان والتاج (غرر) بالفتح. قال صاحب التاج: ومن المجاز: طويتُ الثوب على غَرِّوٍ بالفتح، أي: على كسره الأول. الآية : ١١٣ ٣٩٣ سُورَةُ الأَنْعَام وقدَّره بعضُهم: إيمانَهم. واعتُرِضَ بأنَّ القاعدة المستمرَّة أنَّ مفعول المشيئة عند وقوعها شرطاً يكون مضمونَ الجزاء، كما في علم المعاني، وهو هنا ((ما فعلوه)). وتُعقّبَ بأنَّه(١) هاهنا ذكر [فِعْل](٢) المشيئة - فيما تقدَّمَ - متعلِّقاً بشيءٍ، وهو الإيمان، كما أُشيرَ إليه، ثمَّ ذُكِرَ في حيّز الشرط بدون متعلَّق، فالظاهر أنَّه يجوزُ أنْ يُقَدَّرَ متعلَّقُه مضمونَ الجزاء، وأنْ يُقَدَّرَ ما عُلِّق به فعلُ المشيئة سابقاً، ولا بأسَ بمراعاةٍ كلٍّ من الأمرين بحسَب ما يقتضيه الحال. والمذكورُ في المعاني إنَّما هو فيما لم يتكرَّر فيه فعلُ المشيئة، ولم يكن قرينةٌ غيرُ الجزاء، فليُعرف ذلك فإنَّه بديع. والأولَى عندي اعتبارُ مضمونِ الجزاء مطلقاً . وإنَّما قال سبحانه هنا: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ﴾ وفيما يأتي: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] فغايرَ بين الاسمين في المحلَّين؛ لما ذكره(٣) بعضهم؛ وهو أنَّ ما قبلَ هذه الآية من عداوتهم له عليه الصلاة والسلام - كسائرِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ التي لو شاء الله منعَهم عنها، فلا يَصِلُون إلى المضرَّة أصلاً - يقتضي ذكرَه جلَّ شأنه بهذا العنوان؛ إشارةً إلى أنَّه مُرَبِّيه عليه الصلاة والسلام في كنفِ حمايته، وإنَّما لم يفعل سبحانه ذلك لأمرٍ اقتضته حكمته. وأمَّا الآيةُ الأخرى، فذكر قبلها إشراكهم، فناسب ذكرَه عزَّ اسمُه بعنوانِ الألوهيَّةِ التي تقتضي عدمَ الإشراك (٤). فكأنَّه قيل هاهنا: إذا كان ما فعلُوه من إحكام عداوتك من فنون المفاسد بمشيئة ربِّك جلَّ شأنه؛ الذي لم تزل في كنف حمايته وظِلِّ تربيته، فاتركهم وافتراءَهم - أو وما يفترونَه - من أنواع المكايد، ولا تبال به، فإنَّ لهم في ذلك عقوباتٍ شديدة، ولك عواقبُ حميدة؛ لابتناء مشيئته سبحانه على الحِكَم البالغة البتة. ﴿وَلِنَصْغَىَ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى زخرفِ القول، وقيل: الضميرُ للوحي، أو للغرور، أو للعداوة؛ لأنَّها بمعنى التعادي، والواو للعطف، وما بعدها عطف على (١) في الأصل: بأن. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١١٥/٤. (٣) في (م): ذكر. (٤) في (م): الاشتراك. سُورَةُ الأَنْسَل ٣٩٤ الآية : ١١٣ ((غروراً)) بناءً على أنه مفعولٌ له، فيكونُ علَّةً أخرى للإيحاء، وما في البين اعتراض، وإنَّما لم يُنصب لفقد شرط النصب، إذ الغرورُ فعلُ المُوحِي وصغو الأفئدة فعلُ الموحَى إليه، وهو على الوجهين الأخيرين عِلَّةٌ لفعلٍ محذوفٍ يدور عليه المقام، أي: وليكونَ ذلك جعلنا ما جعلنا . وأصلُ الصغو كما قال الراغب(١): الميل. يقال: صَغَتِ الشمسُ والنجوم صَغْواً: مالت للغروب، وصَغَيْتُ(٢) الإناءَ، وأصغيتُه، وأصغيتُ إلى فلانٍ، ملتُ بسمعي نحوه، وحُكي: صَغوتُ إليه، أصْغُو، وأَصْغَى صَغْواً وصُغِيّاً، وقيل: صَغَيْتُ أَصْغَى، وأصْغَيتُ أُصْفِي. وفي ((القاموس)) (٣) صغا يَصْغُو ويَصْغَى صَغْواً، وصَغِيَ يَصْغَى صَغاً وصُغِيّاً: مال. وذكر بعضُ الفضلاء أنَّ هذا الفعل ممَّا جاءَ واويّاً ويائيّاً، فقيل: يَصْغُو ويَصْغَى؛ ويقال في مصدره: صغْياً بالفتح والكسر. وزاد الفرَّاء: صُغِيّاً وصُغُوّاً، بالياء والواو مشددتين، ويقال: إنَّ أصغَى مثله(٤). والمراد هنا: ولتميلَ إليه. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ أي: على الوجه الواجب. وخُصَّ عدم إيمانهم بها دون ما عداها من الأمور التي يجبُ الإيمانُ بها وهم بها كافرون - قال مولانا شيخُ الإسلام -: إشعاراً بما هو المدار في صَغْو أفئدتهم إلى ما يُلْقَى إليهم، فإنَّ لذَّات الآخرة محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره، وآلامَها مزيَّنةٌ بالشهوات، فالذين لا يؤمنونَ بها وبأحوالِ ما فيها، لا يدرونَ أنَّ وراء تلك المكاره لذَّاتٍ، ودونَ هذه الشهوات آلاماً، وإنَّما ينظرون [إلى] ما بدا لهم في الدنيا باديَ الرأي، فهم مضطرُّون إلى حبِّ الشهوات التي من جملتها مزخرفَاتُ الأقاويل ومموَّهات الأباطيل، وأمَّا المؤمنون بها، فحيث كانوا واقفينَ على حقيقة الحال، ناظرينَ إلى (١) في المفردات (صغا). (٢) في الأصل و(م): وصغت. والتصويب من المفردات (صغا). وينظر لسان العرب (صغا). (٣) مادة (صغا). (٤) حاشية الشهاب ١١٦/٤، وينظر الدر المصون ١١٩/٥. الآية : ١١٣ ٣٩٥ سُورَةُ الأَنْسَل عواقب الأمور، لمْ يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرفات؛ لعلمهم ببطلانها ووخامةٍ عاقبتها(١). اهـ. والآيةُ حجَّةٌ على المعتزلة في وجه. وأجاب الكعبيُّ بأنَّ اللام للعاقبة، وليست للتعليل بوجهٍ. وهو خلافُ الظاهر. وقال غيره: إنَّها لامُ القسم، كُسِرت لمَّا لم يؤكّد الفعل بالنون. واعتُرِضَ بأنَّ النون حذفت ولامُ القسم باقيةٌ على فتحها، كقوله: لئنْ تكُ قد ضاقَتْ عليَّ بيوتكم لَيَعْلَمُ ربِّي أنَّ بيتيَ واسعُ(٢) بفتح لام ليعلم، نعم حُكي عن بعض العرب كسرُ لام جواب القسم الداخلة على المضارع، كقوله: لِتُغْنيَ عني ذا إنائكَ أجمعًا (٣) وهو غيرُ مجمع عليه أيضاً، فإنَّ أناساً أنكروا ورود ذلك، وجعلوا اللام في البيت للتعليل، والجوابُ محذوف، أي: لتَشربنَّ لتغنيَ عني. واستشهدَ الأخفشُ(٤) بالبيت على إجابة القسم بلام كي. وقال الرضيُّ: لا يجوزُ عند البصريين في جواب القسم الاكتفاءُ بلام الجواب عن نون التوكيد، إلَّا في الضرورة. وعن الجبائيّ أنَّ اللام هنا لامُ الأمر، والمرادُ منه التهديد، أو التخليةُ، واستعمال الأمر في ذلك کثیر. واعتُرِضَ بأنَّها لو كانت لامَ الأمر، لحذف حرفُ العلّة. (١) تفسير أبي السعود ١٧٦/٣. وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) أورده الفراء في معاني القرآن ٦٦/١، و١٣١/٢ وقال: وأنشدني الكسائي للكميت بن معروف. اهـ. وهو أيضاً في تفسير الطبري ٣٦٥/٢، وخزانة الأدب ٦٨/١٠. وجاء في المصادر السالفة بلفظ: ضاقت عليكم. والبيت بالرواية التي ذكرها المصنف في حاشية الشهاب ١١٦/٤، وعنه نقل. (٣) هو عجز بيت لحريث بن عَنَّاب الطائي، وسلف ١٨/٥. (٤) في معاني القرآن له ٢/ ٥٥٧-٥٥٨ . سُؤَةُ الأَنْدَعَل ٣٩٦ الآية : ١١٣ وأُجيبَ بأنَّ حرف العلَّة قد يثبت(١) في مثله، كما خُرِّج عليه قراءةُ: ((أرسلْه معنا غداً نرتعي ونلعب))(٢) [يوسف: ١٢]، و((إنَّه من يتَّقي ويصبر))(٣) [يوسف: ٩٠] فليكنْ هذا كذلك، ويؤيِّد أنَّها لامُ الأمر أنه قُرئَ بحذفِ حرفِ العلّة(٤). وقرأ الحسنُ بتسكين اللام في هذا وفي الفعلين بعدَه(٥). فدعوى أنَّ ضعفَ كونها للأمر أظهرُ من ضعفِ الوجهين الأوَّلين غيرُ ظاهرة. واستدلَّ أصحابُنا بإسنادِ الصغوِ إلى الأفئدة على أنَّ البنية ليست شرطاً للحياة، فالحيُّ عندهم هو الجزءُ الذي قامت به الحياة، والعالِمُ هو الجزء الذي قام به العلم. وقالت المعتزلة: الحيُّ والعالِمُ هو الجملةُ، لا ذلك الجزء، والإسنادُ هنا مجازيٌّ. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسهم بعدما مالت إليه أفتدتُهم. ﴿وَلِيَقْتِّفُواْ﴾ أي: ليكتسبوا، قال الراغب: أصلُ القرف والاقتراف: قَشْرُ اللِّحاء عن الشجرة، والجليدة عن الجرح، وما يُؤخَذُ منه: قِرفٌ، واستعير الاقتراف للاكتساب؛ حسنى أو سوأى، وفي الإساءة أكثرُ استعمالاً، ولهذا يقال: الاعترافُ يزيلُ الاقتراف، ويقال: قَرَفْتُ فلاناً بكذا، إذا عبتَه به واتهمتَه؛ وقد حُمِلَ على ذلك ما هنا(٦). وفيه بعد. ومثلُه ما نُقِلَ عن الزجَّاجِ(٧) أنَّ المعنى فيه: وليختلقُوا وليكذبوا. ﴿مَا هُم مُقْتِفُونَ ﴾﴾ أي: الذي هم مقترفُوه من القبائح التي لا يليقُ ذكرها. وُجُوِّزَ أنْ تكون (ما)) موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ أيضاً. وأنْ تكون مصدريَّةً، فلا حاجةً إلى تقدير عائد. (١) في الأصل: ثبت، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١١٦/٤. (٢) قرأ بها قنبل بخلف عنه، كما سيأتي في موضعه. وانظر النشر ٢٩٣/٢. (٣) قرأ بها قنبل. كما في النشر ٢٩٧/٢. (٤) أوردها الشهاب في حاشيته ١١٦/٤ دون نسبة. (٥) القراءات الشاذة ص ٤٠، والمحتسب ٢٢٧/١، والبحر المحيط ٢٠٨/٤. (٦) المفردات (قرف). (٧) في معاني القرآن له ٢٨٥/٢. الآية : ١١٤ ٣٩٧ سُورَةُ الأَنْعَل ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ كلامٌ مستأنفٌ على إرادة القول، والهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: قل لهم يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين، أو أعدلُ عن الطريق المستقيم، فأطلب حَكَماً غيرَ الله تعالى يحكمُ بيني وبينكم، ويَفصلُ المحقَّ منَّا من المبطل؟! وقيل: إنَّ مشركي قريشٍ قالوا لرسول الله وَّر: اجعل بيننا وبينك حَكَماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى؛ ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت(١). وإسنادُ الابتغاء المنكَر لنفسِه الشريفة وَّ لا إلى المشركين كما في قوله سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] مع أنَّهم الباغون؛ لإظهارِ كمال النصفة، أو لمراعاةٍ قولهم: اجعل بيننا وبينك حكماً. و((غير)) مفعولُ ((أبتغي))، و((حَكماً)) حالٌ منه، وقيل: تمييزٌ لما في ((غير)) من الإبهام كقولهم: إنَّ لنا إبلاً غيرَها، وقيل: مفعول له. وأُوْلِيَ المفعولُ همزةً الاستفهام دون الفعل؛ لأنَّ الإنكارَ إنَّما هو في ابتغاء غير الله تعالى حكماً، لا في مطلق الابتغاء، فكان أولَى بالتقديم وأهم. وقيل: تقديمُه للتخصيص. وحُمِلَ على أنَّ المرادَ تخصيصُ الإنكار، لا إنكار التخصيص . وقيل: في تقديمه إيماءٌ إلى وجوبِ تخصيصِه تعالى بالابتغاءِ، والرِّضَى بكونه حكماً. وجُوِّزَ أن يكون ((غير)) حالاً من ((حَكماً))، وحكماً مفعولُ ((أبتغي))، والتقديمُ لکونه مصبَّ الإنكار. والحَكّمُ يُقَال للواحدِ والجمع، كما قال الراغب(٢)، وصرَّح هو وغيرُه بأنَّه أبلغُ من الحاكم، لا مساوٍ له كما نقل الواحديُّ عن أهل اللغة. وعُلِّل بأنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ تفيدُ ثبوتَ معناها، ولذا لا يوصَفُ به إلَّا العادلُ أو من تكرَّرَ منه الحكم (٣). (١) أورده الماوردي في النكت والعيون ٢/ ١٦٠، وأبو السعود ١٧٧/٣، وعنه نقل المصنف. (٢) في المفردات (حكم). (٣) ينظر تفسير الرازي ١٥٩/١٣، وحاشية الشهاب ١١٦/٤. سُورَةُ الأَنْدَعَل ٣٩٨ الآية : ١١٤ ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَّلَ إِلَيْكُمُ الْكِنَبَ﴾ جملةٌ حاليَّةٌ مؤكِّدةٌ للإنكار، ونسبةُ الإنزال إليهم خاصَّةً مع أنَّ مقتضى المقام إظهارُ تساوي نسبتهِ إلى المتحاكمين؛ لاستمالتهم نحو المُنْزل واستنزالهِم إلى قَبولِ حكمه بإيهام قوَّة نسبته إليهم. وقيل: لأنَّ ذلك أوفقُ بصدرٍ الآية؛ بناءً على أنَّ المرادَ بها الإنكارُ عليهم، وإنْ عَبَّر بما عبَّر إظهاراً للنَّصفة، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]. ومعنى الآية عند بعضٍ المحققين: أغيرَه تعالى أبتغي حكماً، والحالُ أنَّه هو الذي أنزلَ إليكم الكتاب(١) - وأنتم أمَّةٌ أميَّةٌ لا تدرونَ ما تأتونَ وما تذرون - القرآنَ الناطقَ بالحقِّ والصوابِ، الحقيقَ بأن يُخَصَّ به اسمُ الكتاب. ﴿مُنَصَّلاً﴾ أي: مبيّناً فيه الحقُّ والباطل، والحلالُ والحرام، وغير ذلك من الأحكام بحيثُ لم يَبْقَ في أمر الدين شيءٌ من التخليط والإبهام، فأيُّ حاجةٍ بعد ذلك إلى الحَكَم؟ ثمَّ قال: وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ القرآنَ الكريم كافٍ في أمر الدين، مُغْنٍ عن غيره ببيانه وتفصيله. وأمَّا أن يكونَ لإعجازه دخلٌ في ذلك - كما قيل - فلا. اهـ(٢). ولا يخفى أنَّ ملاحظةً الإعجاز أمرٌ مطلوبٌ على تقدير كون الآية مرتبطةً معنّی بقوله سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ﴾ الآية [١٠٩ من هذه السورة]، وبيانُ ذلك على ما ذكرهُ الإمام: أنَّه سبحانه وتعالى لمَّا حكى عن الكفار أنَّهم أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمنُنَّ بها، أجابَ عنه جلَّ شأنه بأنَّه لا فائدة في إظهار تلك الآيات؛ لأنَّه تعالى لو أظهرها لبقُوا مصرِّين على كفرهم، ثمّ إنَّه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ الدليل الدالَّ على نبوَّته عليه الصلاة والسلام قد حَصَل وكَمَل، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة، وذلك ممَّا لا يجب الالتفاتُ إليه، ثم نَّه على حصول الدليل من هذه الآية بو جھین: الأوَّل: أنَّه تعالى أنزل إليه الكتابَ المفصَّل المبيَّنَ، المشتملَ على العلوم الكثيرةِ والفصاحة الكاملة، وقد عَجَز الخلقُ عن معارضته، فيكونُ ظهورُ هذا المعجزِ دليلاً على أنَّه تعالى قد حَكَم بنبوَّته، فمعنى الآية: قل يا محمد: إنَّكم (١) قوله: الكتاب، لم يرد في تفسير أبي السعود ١٧٧/٣، والكلام منه. (٢) تفسير أبي السعود ٣/ ١٧٧ . الآية : ١١٤ ٣٩٩ سُورَةُ الأَنْقَط تتحكّمون في طلب سائرِ المعجزاتِ، فهل يجوزُ في العقل أنْ يُطلبَ غيرُ الله سبحانه حكماً؟ فإنَّ كلَّ أحدٍ يقول: إنَّ ذلك غيرُ جائز. ثمَّ قل: إنَّه تعالى حَكم بصحة نبوَّتي حيث خصَّني بمثل هذا الكتاب المفضَّل الكامل البالغ إلى حدِّ الإعجاز. الثاني: اشتمالُ التوراة والإنجيل على الآيات الدالّة على أنَّهِ وَلِّ رسول حقّ، وعلى أنَّ القرآنَ كتاب حقّ من عند الله تعالى، وهذا هو المرادُ من الآية بعدُ. اهـ (١). ووجَّه بعضُهم مدخليَّةَ الإعجاز بأنَّه لا يتمُّ الإلزام إلَّا بالعلم بكون المُنْزَل من عند الله تعالى، وهو يتوقَّفُ على الإعجاز، بحيثُ يستغني عن آيةٍ أخرى دالَّةٍ على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام أنَّه من عند الله تعالى، لكن قال: إنَّ في دلالة النظم الكريم على ذلك خفاءً، إلَّا أنْ يقال: الجملةُ الاسميّةُ الحاليَّةُ تفيدُه لما فيها من الدلالة على ثبوته وتقرُّره في نفسه، أو يُجعلَ الكتابُ بمعنى المعهود إعجازُه. وذكر أنَّ هذا من عدم تدبُّر الآية، إذ المعنى: لا أبتغي حكماً في شأني وشأن غيري إلَّ اللهَ سبحانه الذي نزَّل الكتاب لذلك، وهو إنَّما يحكَمُ له وَلَّهِ بصدق مُدَّعاه بالإعجاز، فإنَّهم لما طعنوا في نبَّته عليه الصلاة والسلام، وأقسموا إنْ جاءتهم آيةٌ آمنوا، بَيَّن سبحانَه أنَّهم مطبوعٌ على قلوبهم، وأَمَره أن يوبِّخهم، وينكرَ عليهم بقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ إلخ. أي: أأزيغُ عن الطريق السويِّ، فَأَخصَّ غيرَه بالحكم، وهو الذي أنزلَ هذا الكتابَ المعجزَ الذي أفحمكم وألزمَكُم الحجَّةَ، فكفى به سبحانه حاكماً بيني وبينكم، بإنزالِ هذا الكتاب المفضَّل بالآيات البيّنات من التوحيدٍ والنبوَّة وغيرهما، الذي أعجزَكم عن آخركم. ويَؤولُ هذا إلى أنَّه ◌ِهِ أجابَهم بالقول بالموجَب؛ لأنَّهم طعنُوا في معجزاته، فبكَّتهم(٢) على أحسن وجه، وضمَّ إليه علم أهل الكتاب، وعلى هذا فكونُه معجزاً مأخوذٌ من كونِه مُغنياً عمَّا عداه في شأنه وشأنٍ غيره على ما أشير إليه. وهذا له نوعُ قربٍ ممَّا ذكره الإمام. وما أشارَ إليه من ارتباط الآية معنّى بما تقدَّم من قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاَلَهِ﴾ إلخ لا يخلو عن حُسْنٍ، إلّا أنَّ (١) تفسير الرازي ١٣/ ١٥٩. (٢) في الأصل و(م): فكبتهم. والمثبت من حاشية الشهاب ١١٧/٤، والكلام منه. وبأَّته بالحجة تبكيتاً: غلبه. مختار الصحاح (بكت). سُورَةُ الْأَنْعَم ٤٠٠ الآية : ١١٤ دعوى خفاء(١) دلالة النظم الكريم على الإعجاز ممَّا لا خفاءَ في صحَّتها عندي، ولم يظهر ممَّا ذُكِر ما يزيلُ ذلك الخفاء، وكونُ سَوْقِ الآيةِ دليلاً على ملاحظة ذلك غيرُ بعيدٍ عن المأخذ الذي سمعتَه، فتدبَّر. ومن الناس مَن قال: يحتملُ أنْ يُرادَ بالكتاب التوراة، أي: إنَّه تعالى حكم بيني وبينكم بما أنزلَ فيه مفصَّلاً، حيثُ أخبركم بنبوَّتي، وفضَّلَ فيه علاماتي. وهو كما ترى، والحقُّ ما تقدَّم. ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ، مُنَزٌَّ مِنِ زَيَّكَ بِآلْمِّ﴾ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحتَ القول المقدَّرِ، مسوقٌ من جهتهِ تعالى لتحقيق حقيَّةِ الكتابِ الذي نيطً بإنزاله أمرُ الحَكَمِيَّةِ، وتقريرٍ كونه منزَّلاً من عنده عزَّ وجلَّ، وليس المرادُ منه الاستدلالَ على ثبوتٍ نبوَّته بَّهِ كما يلوح من كلامِ الإمام(٢). والمرادُ بالكتاب التوراةُ والإنجيل، والتعبيرُ عنهما بذلك؛ للإيماء إلى ما بينهما وبينَ القرآن من المجانسةِ المقتضية للاشتراكِ في الحَقيَّةِ والنزولِ من عنده تعالى، مع ما فيه من الإيجاز، والمرادُ بالموصول: إمّا علماءُ اليهودِ والنصارى، وإمَّا الفريقانِ مطلقاً، والعلماء داخلونَ دخولاً أوليًّا، والإيتاءُ على الأوَّلِ التفهيمُ بالفعل، وعلى الثاني أعمُّ منه ومن التفهيم بالقوة. وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاءِ الكتاب؛ للإيذان بأنَّهم علموا ما علموا من جهة کتابهم . وقيل: المرادُ بالموصولِ مؤمنو أهل الكتاب. وعن عطاء أنَّ المرادَ بالكتاب القرآنُ، وبالموصول كبراءُ الصحابة وأهلُ بدر ظه. ولا يخفى أنَّه أبعد من الثريا. والتعرُّض لعنوان الربوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفهِ وَ﴿ مع الإيذانِ بأنَّ نزولَه مِن آثار الربوبيَّة. (١) لفظة: خفاء. ليست في الأصل. (٢) في تفسيره ١٥٩/١٣ .