Indexed OCR Text
Pages 341-360
الآية : ٩٩ ٣٤١ سُورَةُ الأَنْعَل قيل: وهذا مبنيٌّ على أنَّ المراد بالنبات المعنى العامُّ، وحينئذٍ لا يَحسُن عطفُه عليه؛ لأنه داخلٌ فيه، وإن أُريد ما لا ساقَ له تعيّن عطفُه عليه؛ لأنَّه غيرُ داخلٍ فيه، وتعيَّن أن يقدَّر لقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ فعلٌ آخَر كما أُشير إليه، فتدبّر. وقرأ أميرُ المؤمنين عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وابنُ مسعود، والأعمشُ، ويحيى بن يَعْمَر، وأبو بكرٍ عن عاصم: ((وجناتٌ))(١) بالرفع على الابتداءِ، أي: ولكم، أو: ثَمَّ جنَّاتٌ، أو نحو ذلك. وجوَّز الزمخشريُّ(٢) أن يكونَ على العطف على ((قنوان))؛ قال في ((التقريب)»: وفيه نظر؛ لأنَّه إن عُطف على ذلك، فـ ((من أعناب)) حينئذٍ إمَّا صفة ((جنات)) فيَفسد المعنى؛ إذ يصير المعنى: وحاصلةٌ من النخيل جناتٌ حَصَلت من أعناب، وإما خبرٌ لـ (جنات)) فلا يصحُّ؛ لأنَّه يكون عطفاً لها على مفرَد، ويكون المبتدأُ نكرةً، فلا يصحُّ. وفي ((الكشف)) أنَّ الثاني بعيدُ الفهم من لفظ الزمخشريِّ وإنْ أَمكن الجوابُ بأنَّ العطف على المخصَّص مخصِّصٌ، كما قال ابنُ مالكِ واستشهدَ عليه بقوله : فهل بأعجبَ من هذا امرؤٌ سمعا(٣) عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي والظاهر الأوَّل، لكنَّه عطفُ جملةٍ على جملة، ويقدَّر: ومخرجةٌ من الخضر، أو من الكَرْم، أو حاصلةٌ جناتٌ من أعناب، دون صلته؛ لأنَّ التقييد لازمٌ كما حقِّق في عطف المفرَدِ وحدَه، ولا يخفَى أنَّ هذا تكلُّف مستغنّى عنه. ولعل زيادةَ الجنَّات هنا - كما قيل - من غير اكتفاءٍ بذكر اسم الجنس كما فيما تقدَّم وما تأخّر؛ لما أنَّ الانتفاعَ بهذا الجنسِ لا يتأتَى غالباً إلَّا عند اجتماعٍ طائفةٍ من أفراده. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ لعزَّة هذين الصِّنفين عندهم، أو على العطف على ((نبات)). (١) مجمع البيان ١٤٣/٧، وانظر قراءة الأعمش في القراءات الشاذة ص٣٩، ورواية أبي بكر في جامع البيان للداني ٢/ ١٣٧. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٠ . (٣) حاشية الشهاب ١٠٤/٤، والبيت في المغني ص ٦١٠ أيضاً دون نسبة. سُورَةُ الأَنْدَعَل ٣٤٢ الآية : ٩٩ وقولُه سبحانه: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيّرَ مُتَنَِةٍ﴾ إمَّا حالٌ من ((الزيتون)) لسبقه، اكتُفي به عن حالٍ ما عطف عليه، والتقدير: والزيتونَ مشتبهاً وغيرَ متشابه، والرمانَ كذلك، وإمَّا حالٌ من ((الرمان)) لقربه، ويقدَّر مثله في الأوّل. وأيًّا ما كان، ففي الكلام مضافٌ مقدَّر، وهو: بعض، أي: بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابهٍ في الهيئة والمقدارِ واللون والطعم، وغيرٍ ذلك من الأَوصاف الدالّة على كمال قدرةٍ صانعها، وحكمةٍ مُنشيها ومبدعِها جلَّ شأنه، وإلَّا كان المعنى: جميعه مشتبهٌ وجميعه غيرُ متشابه، وهو غيرُ صحيح. ومن الناس مَن جوَّز كونَه حالاً منهما مع التزامِ التأويل. وافتعلَ وتفاعلَ هنا بمعنَى، كاستوى وتساوى، وقُرئ: ((متشابهاً وغيرَ متشابه))(١). ﴿ أَنْظُرُوّا﴾ نظرَ اعتبارٍ واستبصار ﴿إِلَى ثَمَرِوٍ﴾ أي: ثمر ذلك، أي: الزيتون والرمَّان، والمراد شجرتُهما، وأُريد بهما فيما سبق الثمرةُ، ففي الكلام استخدام. وعن الفرَّاء(٢): أنَّ المراد في الأوَّل شجرُ الزيتون وشجرُ الرمان، وحينئذٍ لا استخدام. وأيًّا ما كان، فالضميرُ راجعٌ إليهما بتأويله باسم الإِشارة. ورجوعُه إلى كلِّ واحدٍ منهما على سبيل البدل بعيدٌ، لا نظيرَ له في عدم تعيين مرجعِ الضمير. وجوِّز رجوُ الضميرِ إلى جميع ما تقدَّم بالتأويل المذكور؛ ليشملَ النّخلَ وغيرَه مما يُثمر. ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ أي: إذا أَخرج ثمرَه، كيف يُخرجه ضئيلاً لا يكاد يُنتفع به. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((ثُمُرِه)) بضمِّ الثاء(٣)، وهو جمعُ ثمرة كخشبة وخُشُب، أو ثمارٍ ککتاب وکتب. ﴿وَيَنْعِهِ:﴾ أي: وإلى حال نضجِه، أو: إلى نضيجه، كيف يعود ضخماً ذا نفع (١) الكشاف ٢/ ٤٠، والبحر ٤ / ١٩١ . (٢) في معاني القرآن ١/ ٣٤٨. (٣) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢. الآية : ١٠٠ ٣٤٣ سُورَةُ الأَتْعَم عظيم ولذَّةٍ كاملة. وهو في الأصل مصدرُ: يَنْعَت الثمرةُ: إذا أَدركت. وقيل: جمعُ یانع، کتاجر وتجْر. وقُرئ بالضمِّ(١)، وهي لغةٌ فيه. وقرأ ابنُ مُحَيصن: ((ويانِعه)(٢). ولا يخفَى أنَّ في التقييد بقوله تعالى: ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ على ما أَشرنا إليه إِشعاراً بأنَّ الثَّمر حينئذٍ ضعيفٌ غيرُ منتفَع به، فيقابل حال اليَنع، ويدلُّ كمال التفاوتِ على كمال القدرة. وعن الزمخشريِّ(٣) أنه قال: فإن قلتَ: هلَّا قيل: إلى غضِّ ثمرِه وينعه؟ قلتُ: في هذا الأسلوبِ فائدة، وهي أنَّ الينعَ وقع فيه معطوفاً على الثمر على سنن الاختصاص، نحو قوله سبحانه: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] للدَّلالة على أنَّ الينع أَوْلى من الغضٍّ. وله وجهٌ وجيه وإنْ خفي على بعض الناظرين. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما أُمروا بالنظر إليه. وما في اسم الإِشارةِ من معنى البُعد لما مرَّ غيرَ مرَّة ﴿لَيَتٍ﴾ عظيمةً أو كثيرة دالَّة على وجود القادرِ الحكيم ووحدتِه ﴿لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يطلبون الإِيمانَ بالله تعالى، كما قال القاضي(٤). أو مؤمنون بالفعل، وتخصيصُهم بالذِّكر لأنَّهم الذين انتفعوا بذلك دون غيرهم كما قیل. ووجهُ دلالةِ ما ذُكر على وجود القادرِ الحكيم ووحدته أنَّ حدوثَ هاتيكَ الأَجناسِ المختلفة والأنواعِ المتشعِّبة من أصلٍ واحد، وانتقالَها من حالٍ إلى حال على نمطٍ بديع، لا بدَّ أن يكونَ بإِحداث صانع يعلم تفاصيلَها، ويرجِّح ما تقتضيه حكمتُه من الوجوه الممكنة على غيره، ولا يعوقَه ضدٌّ يعانده، أو ندٌّ يعارضه. ثم إنَّه سبحانه بعد أن ذكرَ هذه النعمَ الجليلةَ الدالّة على توحيده، وبَّخ مَن أَشرك به سبحانه، وردًّ عليه بقوله عزَّ شأنه: ﴿وَجَعَلُواْ﴾ في اعتقادهم ﴿لِلِّ﴾ الذي (١) أي: ((يُنْعِهِ)) بضم الياء. البحر ١٩١/٤. (٢) القراءات الشاذة ص٣٩. (٣) لم يرد في مطبوع الكشاف، ونُقِل ذلك عنه في الحواشي كما ذكر الشهاب في الحاشية ١٠٥/٤. (٤) هو القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكلامه في تفسير الرازي ١٣/ ١١١. سُؤْرَةُ الأَنْفَعَل ٣٤٤ الآية : ١٠٠ شأنُه ما فُصِّل في تضاعيف هذه الآيات ﴿شُرَّكَّةَ﴾ في الألوهية أو الرُّبوبية ﴿اَلْمِنَّ﴾ أي: الملائكةَ حيث عبدوهم وقالوا: إنَّهم بناتُ اللهِ سبحانه . وتسميتهم جِنَّا مجاز، لاجتنانهم واستتارِهم عن الأَعيُن كالجِنّ. وفي التعبير عنهم بذلك حظّ لشأنهم بالنّسبة إلى مقام الإلهية. ورُوي هذا عن قتادةَ والسدِّي. ويُفهَم من كلام بعضِهم أنَّ الجنَّ تشمل الملائكةَ حقيقةً. وقيل: المرادُ بهم الشياطين، ورُوي عن الحسن. ومعنى جعلِهم شركاءَ أنَّهم أطاعوهم كما يطاع اللهُ تعالى، أو عبدوا الأوثانَ بتسويلهم وتحريضهم . ويُروَى عن ابن عباسٍ ﴿ّ: أنَّ الآية نزلت في الزَّنادقة الذين قالوا: إنَّ الله تعالى خالقُ الناسِ والدوابِّ والأنعام والحَيَوان، وإِبليس خالقُ السِّباعِ والحيَّات والعقاربِ والشرور. فالمرادُ من الجنَّ إبليسُ وأَتباعه الذين يفعلون الشُّرَورَ ويُلقون الوساوسَ الخبيثةَ إلى الأرواح البشريّة، وهؤلاء المجوسُ القائلون بالنُّور والظلمة، ولهم في هذا البابِ أقوال تمُجُها الأَسماع، وتشمئزُّ عنها النفوس. وادَّعى الإِمامُ(١) أنَّ هذا أحسنُ الوجوه المذكورةِ في الآية. ومفعولا ((جعل)) قيل: ((لله)) و((شركاء))، و((الجن)) إمَّا منصوبٌ بمحذوفٍ وقع جواباً عن سؤال، كأنه قيل: مَن جعلوه شركاءَ؟ فقيل: الجن. أو منصوبٌ على البدلية من ((شركاء» والمبدَلُ منه ليس في حكم الساقطِ بالكلِّية، وتقديمُ المفعول الثاني لأنه محزُّ الإِنكار، ولأنَّ المفعول الأوَّل منكَّر يستحقُّ التأخير. وقيل: هما (شركاء)) و((الجن))، وتقديمُ ثانيهما على الأوَّل لاستعظام أن يُتَّخذَ لله سبحانه شريكٌ ما كائناً ما كان، و(الله)) متعلِّق بـ ((شركاء)) وتقديمُه عليه للنُّكتة المذكورةِ أيضاً، على ما اختاره الزمخشريُّ(٢) . وقُرئ: ((الجِنُّ) بالرفع، كأنَّه قيل: مَن هم؟ فقيل: الجنُّ، وبالجرّ على الإضافة التي هي للتبيين(٣). (١) في التفسير الكبير ١١٣/١٣. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٠ . (٣) القراءات الشاذة ص٣٩، والبحر ١٩٣/٤. الآية : ١٠٠ ٣٤٥ سُورَةُ الأَنْعُ ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ من فاعل ((جعلوا)) بتقديرٍ قد، أو بدونه، على اختلاف الرَّأيين، مؤكّدةٌ لِمَا في جعلهم ذلك من الشَّناعة والبطلان باعتبار عِلمِهم بمضمونها، أي: وقد علموا أنَّ الله تعالى خالقُهم خاصَّة. وقيل: الضمير للجِنّ، أي: والحالُ أنَّه تعالى خلق الجنَّ، فكيف يجعلون مخلوقَه شريكاً له؟ ورجّح الأوَّل بخلوِّه عن تشتُّت الضمائر، ورجَّح الإمام(١) الثانيَ بأنَّ عودَ الضميرِ إلى أقرب المذكوراتِ واجب، وبأنَّه إذا رجع الضميرُ إلى هذا الأقرب، صار اللفظُ الواحدُ دليلاً قاطعاً تامًّا كاملاً في إبطال المذهبِ الباطل. وقرأ يحيى بن يَعْمَر: ((وخَلْقَهم))(٢) على صيغة المصدرِ عطفاً على ((الجن))، أي: وما يخلقونه من الأصنام، أو على ((شركاء)) أي: وجعلوا له اختلافَهم للقبائح حيث نسبوها إليه سبحانه وقالوا: اللهُ أَمرنا بها . ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ أي: افتعلوا وافترَوا له سبحانه. قال الفرَّاء(٣): يقال: خَلَقَ الإِفكَ واختلقه وخرقه واخترقه، بمعنّى. ونُقل عن الحسن أنَّه سئل عن ذلك فقال: كلمةٌ عربيَّة كانت العربُ تقولها، كان الرجلُ إذا كَذَبَ كذبةً في نادي القوم، يقول له بعضُهم: قد خرقها و اللهِ. وقال الرَّاغب: أصلُ الخرقِ: قطعُ الشيءِ على سبيل الفسادِ من غير تفكّر ولا تدبُّر، ومنه قوله تعالى: ﴿أَخَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧١] وهو ضدُّ الخلق، فإنه فِعلُ الشيء بتقديرٍ ورِفق، والخرقُ بغير تقدير، قال تعالى: ﴿وَخَقُواْ لَهُ﴾ أي: حكموا بذلك على سبيلِ الخرقِ وباعتبار القطع(٤). وقرأ نافعٌ: ((وخرَّقوا)) بتشديد الراءِ للتكثير(٥). وقرأ ابن عمرَ وابن عباسٍ لَّه: ((وحرَّفوا)) (٦) من التحريف، أي: وزوَّروا له. (١) في التفسير الكبير ١١٦/١٣. (٢) القراءات الشاذة ص٣٩، والبحر ٤/ ١٩٤. (٣) في معاني القرآن ٣٤٨/١. (٤) عبارة المفردات (خرق): وباعتبار القطع قيل: خَرَق الثوب وخرَّقه وخَرَق المفاوز .... إلخ. (٥) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦١/٢. (٦) القراءات الشاذة ص٣٩. سُورَةُ الأَنْعَم ٣٤٦ الآية : ١٠١ ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ فقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النَّصارى: المسيحُ ابن الله، وقالت العرب: الملائكةُ بنات الله، والله سبحانه منزَّه عمَّا قالوه. ﴿يِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقته مِن خطأ أو صوابٍ، ولا فكرٍ ولا رويَّة فيه، بل قالوه عن عمّى وجهالة، أو: بغير علم بمرتبةِ ما قالوه وأنَّه من الشَّناعة بالمحلِّ البعيد. وأيًّا ما كان، فالجارُّ والمجرور متعلّق بمحذوفٍ وقع حالاً من الواو، أو نعتاً المصدر مؤكِّد، أي: خرقوا ملتبسين بغيرِ علم، أو خرقاً كائناً بغير علم، والمقصودُ على الوجهین ذُّهم بالجهل. وقيل: إنَّ ذلك كنايةٌ عن نفي ما قالوا؛ فإنَّ ما لا أصل له لا يكون معلوماً، ولا يقامُ عليه دليل. ولا حاجةً إليه؛ إذ نفيُه معلومٌ من جعله اختلاقاً وافتراء، ومن قوله تعالى: ﴿سُبْحَكَنَّهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ من أنَّ له جلَّ شأنُه شريكاً أو ولداً. وقد تقدَّم الكلامُ في ((سبحان)) وما يُفيده من المبالغة في التنزيه (١)، و((تعالى)) عطفٌ على الفعل المضمَر الناصبِ لـ ((سبحان)). وفرَّق الإِمام(٢) بين التسبيح والتَّعالي، بأنَّ الأول راجعٌ إلى أقوال المسبّحين، والثاني إلى صفاته تعالى الذاتيّةِ التي حصلت لذاته سبحانه لا لغيره. والمراد بالبنين فيما تقدَّم ما فوقَ الواحد، أو أنَّ من يجوِّر الواحدَ يجوِّز الجمع. ﴿َبَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعُهما وموجدهما بغير آلةٍ ولا مادَّة، ولا زمانٍ ولا مكان، قاله الرَّاغب(٣). وهو كما يُطلق على المبدع يطلق على المبدَع اسم مفعول، ومنه قيل: رَكِيٍّ بديع(٤)، وكذلك البدع - بكسر الباءِ - يقال لهما. وقيل: هو من إضافة الصفةِ المشبَّهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبِهِ، تشبيهاً لها باسم الفاعلِ كما هو المشهورُ، أي: بديعٌ سماواتُه وأرضُه، مِن: بَدُعَ، إذا كان على (١) ١٠٣/٢. (٢) في التفسير الكبير ١١٧/١٣ . (٣) في المفردات (بدع). (٤) الركي: البئر. الآية : ١٠١ ٣٤٧ سُورَةُ الأَنْعَل نمطٍ عجيب، وشكلٍ فائق، وحُسنٍ رائق. أو إلى الظّرف، كما في قولهم: فلان ثَبْتُ (١) الغَدَر، أي: ثبتٌ في الغَدَر، وهو بغين معجمةٍ ودالٍ وراءٍ مهملتين: المكانُ ذو الحجارةِ والشُّقوق، ويقولون ذلك إذا كان الرجلُ ثبتاً في قتالٍ أو كلام، والمرادُ من ((بديع السماواتِ والأرضِ)) أنَّه سبحانه عديمُ النظيرِ فيهما. ومعنى ذلك - على ما قال بعضُ المحقّقين - أنَّ إبداعه لهما لا نظيرَ له؛ لأنَّهما أعظمُ المخلوقاتِ الظاهرة، فلا يَرِد أنَّه لا يلزمُ من نفي النظيرِ فيهما نفيُه مطلقاً. ولا حاجةً إلى تكلُّفٍ أنَّه خارجٌ مَخرجَ الردِّ على المشركين بحسب زعمِهم أنَّه لا موجودَ خارجٌ عنهما. واختار غيرُ واحدٍ التفسيرَ الأوَّل، والمعنى عليه: أنَّه تعالى مبدعٌ لقُطرَي العالَم العلويِّ والسُّفلي بلا مادَّة، فاعلٌ على الإطلاق، منزَّه عن الانفعال بالكلِّية، والوالدُ عنصر الولدِ منفعلٌ بانتقال ماذَّتِهِ عنه، فكيف يمكنُ أن يكونَ له ولد؟ وقرئ: (بديعَ)) بالنَّصب على المدح، والجرِّ (٢) على أنَّه بدلٌ من الاسم الجليل، أو من الضمير المجرورِ في ((سبحانه)) على رأي مَن يجوِّزه. وارتفاعُه على القراءة المشهورةِ على ثلاثة أَوجهٍ - كما قال أبو البقاءِ(٣) -: الأوَّل: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ. الثاني: أنه فاعلُ ((تعالى))، وإِظهارُه في موضع الإِضمار لتعليل الحكم، وتوسيطُ الظرفِ بينه وبين الفعلِ للاهتمام ببيانه. والثالث: أنَّه مبتدأ خبرُه قولُه سبحانه: ﴿أَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَهٌ﴾. وهو على الأوَّلَيْنِ جملةٌ مستقلّة مسوقة كما قبلَها لبيان استحالةِ ما نسبوه إليه تعالی، وتقریرٍ تنزیهِه عنه جلَّ شأنه. وقولُه تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَُّ صَاحِبَةٌ﴾ حالٌ مؤكِّدة للاستحالة المذكورة، ضرورةً أنَّ الولد لا يكون بلا والدة أصلاً وإنْ أَمكن وجودُه بلا والد، أي: من أين وكيف يكون له ولدٌ والحال أنَّه ليس له صاحبةٌ يكون الولدُ منها؟ (١) بسكون الباء بمعنى: ثابت. حاشية الشهاب ٤/ ١٠٧ . (٢) القراءات الشاذة ص٣٩، والبحر ١٩٥/٤، وتفسير أبي السعود ١٦٩/٣، والكلام منه. (٣) في الإملاء ٢/ ٦١٠ . سُورَةُ الأَنْفَعُ ٣٤٨ الآية : ١٠١ وقرأ إبراهيمُ النَّخَعي: ((لم يكن)) (١) بتذكير الفعل، وجاز ذلك مع أنَّ المرفوع مؤنَّث للفصل، كما في قوله : لقد ولد الأُخيطلَ أمُّ سَوءٍ على نَمعِ اسْتها صُلُبٌّ وشامُ(٢) قال ابن جِنِّي(٣): تؤنَّث الأفعالُ لتأنيث فاعلِها؛ لأنَّهما يجريان مَجرى كلمةٍ واحدة، لعدم استغناءِ كلِّ عن صاحبه، فإذا فُصل جاز تذكيرُه، وهو في باب كان أَسهلُ؛ لأنَّك لو حذفتَها استقلَّ ما بعدَها. وقيل: إنَّ اسم ((يكن)) ضميرُه تعالى، والخبر هو الظرفُ، و((صاحبة)) مرتفعٌ به على الفاعليَّة؛ لاعتماده على المبتدأ، أو الظرفُ خبرٌ مقدَّم، و((صاحبة)) مبتدأ، والجملة خبرُ ((يكون)) وعلى هذا يجوز أن يكونَ الاسمُ ضميرَ الشأن؛ لصلاحية الجملةِ حينئذٍ لأن تكونَ مفسِّرة للضمير، لا على الأوَّل؛ لأنه - كما بيِّن في موضعه - لا یفسَّر إلَّا بجملة صريحة، والاعتراضُ بأنَّه إذا كان العمدةُ في المفسِّرة مؤنثاً فالمقدَّر ضميرُ القصةِ لا الشأنِ فيعود السؤالُ، ليس بوارد؛ لعدم اللزوم وإن توقَّمه بعضُهم. وقولُه تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ استئنافٌ لتحقيق ما ذكر من الاستحالة، أو حالٌ أخرى مقرِّرة لها، أي: أنَّى يكون له ولدٌ والحالُ أنَّه خلق كلَّ شيءٍ من الموجودات التي من جملتها ما سمّوه ولداً، فكيف يتصوَّر أن يكونَ المخلوقُ ولداً لخالقه؟ ويُفهم من ((التفسير الكبير))(٤) أنَّ مَن زعم أنَّ لله تعالى شأنُه ولداً، إن أراد أنَّه سبحانه أحدثه على سبيل الإِبداع من غير تقدُّم نطفةٍ مثلاً، ردًّ بأنَّ خلقه للسماوات والأرضِ كذلك، فيلزم كونُهما وَلَداً له تعالى، وهو باطلٌ بالاتفاق، وإنْ أراد ما هو المعروفُ من الولادة في الحيوانات، ردَّ أولاً بأنَّه لا صاحبةً له، وهي أمرٌ لازم في المعروف، وثانياً بأن تحصيلَ الولدِ بذلك الطريقِ إنَّما يصحُ في حقِّ من لا يكون (١) القراءات الشاذة ص ٤٠، والمحتسب ٢٢٤/١. (٢) قائله جرير، وهو في ديوانه ٢٨٣/١، والخزانة ١٢١/٩. والصلب جمع صليب، والشام جمع شامة . (٣) في المحتسب ٢٢٥/١. (٤) ١٣ /١١٨ -١١٩. الآية : ١٠١ ٣٤٩ سُؤَةُ الأَنْعَم قادراً على الخلق والإِيجادِ والتكوينِ دفعةً واحدة، أمَّا مَن كان خالقاً لكلِّ الممكنات، وكان قادراً على كلِّ المحدَثات، فإذا أراد شيئاً قال له: كن، فيكون، فيمتنع منه إحداثُ شخصٍ بطريق الولادة. وإنْ أراد مفهوماً ثالثاً فهو غيرُ متصوَّر. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ مِن شأنه أن يُعلَمَ كائناً ما كان، مخلوقاً أو غيرَ مخلوق، كما ينبئُ عنه تركُ الإضمار إلى الإِظهار ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ مبالغٌ في العلم أزلاً وأبداً، حَسبَما يُعْرِب عنه العدولُ إلى الجملة الاسمية، وحينئذٍ فلا يخلو إمَّا أن يكونَ الولد قديماً أو محدثاً، لا جائزٌ أن يكونَ قديماً؛ لأنَّ القديم يجب كونُه واجبَ الوجودِ لذاته، وما كان كذلك كان غنيًّا عن غيره، فامتنع كونُه ولداً للغير، فتعيَّن كونُه حادثاً، ولا شكَّ أنَّه تعالى عالمٌ بكلِّ شيءٍ، فإمَّا أن يعلمَ أنَّ له في تحصيل الولدِ كمالاً أو نفعاً، أو يعلم أنَّه ليس كذلك، فإن كان الأوَّل، فلا وقتَ يُفرض إلَّا والدَّاعي إلى إيجاد هذا الولدٍ كان حاصلاً قبله، وهو يوجب كونَه أزليًّا، وهو محال، وإن كان الثاني، وجب ألَّ يحدث البتّةَ في وقتٍ من الأَوقات. وقرَّر الإِمامُ(١) عليه الرحمةُ الردَّ بهذه الجملةِ بوجهٍ آخَر أيضاً، وبعضُهم جعل هذه الجملةَ مع ما قبلها متضمِّنة لوجه واحدٍ من أَوجُه الردِّ . والجملة إمَّا حاليةٌ أو مستأنفة، واقتصر بعضُهم على الثاني فقال: إنها استئنافٌ مقرِّر لمضمون ما قبلَها من الدَّلائل القاطعةِ ببطلان مقالتهم الشنعاءِ التي اجترؤوا عليها بغيرِ علم. والظاهرُ من هذا أنَّ ما في الآية أدلَّة قطعيةٌ على بطلان ما زعمه المختلقون، وكلامِ الإِمام حيث قال بعد تقرير الوجوه: لو أنَّ الأوَّلين والآخِرِين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألةِ كلاماً يساويه - أي: ما دلَّت عليه الآيةُ في القوَّة والكمال - لَعجزوا عنه(٢). وادعى الشِّهاب(٣) أنَّ ما يفهم من ذلك أدلةٌ إِقِناعية. ولعلَّ الأَولى القولُ بأنَّ البعض قطعيٌّ والبعض الآخَر إِقناعيٌّ، فتدبَّر. (١) في التفسير الكبير ١١٩/١٣. (٢) التفسير الكبير ١٢٠/١٣. (٣) في حاشيته ٤/ ١٠٧. سُؤَدَّةُ الأَنْعَم ٣٥٠ الآية : ١٠٢ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى المنعوت بما ذُكر من جلائل النُّعوت، وما فيه من معنى البُعد لما مرَّ مراراً. والخطابُ للمشركين المعهودين بطريق الالتفات. وذهب الطبرسيُّ(١) أنَّه لجميع الناس. وهو مبتدأٌ، وقولُه سبحانه: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أخبارٌ أربعةٌ مترادفة، أي: ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ العظيمة الشأن هو الله المستحقُّ للعبادة خاصَّة، مالكُ أمرٍكم لا شريكَ له أصلاً، خالق كلِّ شيءٍ مِمَّا كان وسيكون، والمعتبرُ في عنوان الموضوعِ حسبما اقتضته الإِشارةُ إنَّما هو خالقيتُه سبحانه لما كان فقط، كما ينبئُ عنه صيغةُ الماضي. وجوِّز أن يكونَ الاسمُ الجليل بدلاً من اسم الإِشارة، و((ربكم)) صفتُه، وما بعده خبر، وأن يكونَ الاسمُ الجليل هو الخبر، وما بعده أَبدالٌ منه، وأن يكونَ بدلاً والبواقي أخبار، وأن يقدَّر لكلِّ خبرٍ من الأخبار الثلاثةِ مبتدأ، وأن يجعلَ الكلُّ بمنزلة اسم واحد، وأن يكونَ ((خالق كل شيء)) بدلاً من الضمير. وجوِّز غيرُ ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدُوهُ﴾ مسبَّب عن مضمون الجملة؛ فإنَّ مَن جمع هذه الصفات، كان هو المستحقَّ للعبادة خاصَّة. وادَّعى بعضُهم أنَّ العبادة المأمورَ بها هي نهايةُ الخضوع، وهي لا تتأَّى مع التَّشريك؛ فلذا استُغني عن أن يقال: فلا تعبدوا إلا إياه. ويُفهم منه أن مجرَّد مفهوم العبادة يفيد الاختصاصَ، ولا يأباه دعوى إفادةٍ تقديم المفعول في ((إياك نعبده إياه؛ لأنَّ إِفادة الحصرِ بوجهين لا مانعَ منها، كما في ﴿فَلَِّ اٌلَمْدُ﴾ [الجاثية: ٣٦] ونحوه. وإنَّما قال سبحانَه هنا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوّ خَلِقُ ككُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ وفي سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَى تُؤْفَكُونَ﴾ [الآية: ٦٢] فقدَّم سبحانه هنا ((لا إله إلا هو)) على ((خالق كل شيء)» وعَكَسَ هناك، قال بعض المحقّقين: لأنَّ هذه الآيةَ جاءت بعد قولِه تعالى: (١) في مجمع البيان ٧/ ١٥١ . الآية : ١٠٢ ٣٥١ سُورَةُ الأَنْعَم ((جعلوا لله شركاء)) إلخ، فلمَّا قال جلَّ شأنه: ((ذلكم الله ربكم)) أتى بعدَه بما يدفع الشَّركة فقال عزَّ قائلاً: ((لا إله إلا هو)) ثم ((خالق كل شيء)» وتلك جاءت بعد قولِه سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] فكان الكلام على تثبيت خلقِ الناس وتقريره، لا على نفي الشَّريك عنه جلَّ شأنُه كما كان في الآية الأُولى، فكان تقديمُ («خالقُ كلِّ شيء)» هناك أَولى، والله تعالى أعلمُ بأَسرار كلامِه. عطفٌ على الجملة السابقة، أي: وهو مع ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ (َ تلك الصفاتِ الجليلةِ الشأن متولِّي جميعَ الأمور الدنيويةِ والأخروية، ويلزم من ذلك ألَّ يُوكَلَ أمر إلى غيره مِمَّن لا يتولَّى. وجوِّز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضع الحالِ وقيداً للعبادة، ويَؤول المعنى إلى أنَّه سبحانه مع ما تقدَّم متولِّي أموركم، فكلوها إليه وتوسَّلوا بعبادته إلى إِنجاح مآربِکم. وفسَّر بعضُهم الوكيلَ بالرقيب، أي: أنَّه تعالى رقيبٌ على أعمالكم فيجازيكم عليها . واستدلَّ أصحابُنا بعموم ((خالق كل شيء)» على أنَّه تعالى هو الخالقُ لأَعمال العباد. والمعتزلةُ قالوا: عندنا هنا أشياءُ تُخرج أعمالَ العباد من البين: أحدها: تعقيب ذلك العموم بقوله سبحانه: ((فاعبدوه)) فإنَّه لو دخلت أعمالُ العبادِ هناك، لَصارَ تقديرُ الآية: إنَّا خلقنا أعمالَكم فافعلوها بأَعيانها مرَّةً أخرى. وفساده ظاهر. ثانيها: أنَّ((خالق كل شيء)) ذُكر في معرض المدحِ والثناء، ولا تمدُّحَ بخلق الزّنى واللِّواطةِ والسرقةِ والكفر مثلاً . ثالثها: أنَّه تعالى قال بعدُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّيِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَيِىَ فَعَلَيْهَا﴾ [الآية: ١٠٤] وهو تصريحٌ بكون العبدِ مستقلًا بالفعل والترك، وأنَّه لا مانعَ له. سُورَةُ الأَنْعَل ٣٥٢ الآية : ١٠٣ رابعها: أنَّ هذه الآيةَ أتى بها بعدَ ((وجعلوا لله شركاء الجن)) والمرادُ منه على ما رُوي عن الخَبرِ (١) الردّ على المجوس في إِثبات إلهين، فيجب أن يكونَ ((خالق كل شيء)» محمولاً على إِبطال ذلك، وهو إنَّما يكون إذا قلنا: إنه تعالى هو الخالقُ لما في هذا العالَم من السِّباعِ والآلامِ ونحوِها، وإذا حُمل على ذلك لم تدخل أعمال العباد. ولا يخفى ما في ذلك من النَّظر، ومثلُه استدلالُهم بالآية على نفي الصفات وكونِ القرآن مخلوقاً، فتدبّر. ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ جمعُ بصر، يُطلق - كما قال الراغب(٢) - على الجارحة الناظرة، وعلى القوَّة التي فيها، وعلى البصيرة: وهي قوَّة القلبِ المدرِكة. وإدراكُ الشيءِ عبارةٌ عن الوصول إلى غايته والإِحاطة به. وأكثرُ المتكلِّمين على حمل البصرِ هنا على الجارحة من حيث إنَّها محلُّ القوَّة. وقيل: هو إشارةٌ إلى ذلك وإلى الأَوهام والأَفهام، كما قال أميرُ المؤمنين عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه: التوحيدُ ألَّا تتوهَّمَه، وقال أيضاً: كلُّ ما أدركتَه فهو غيرُه. ونقل الراغبُ عن بعضهم أنَّه حمل ذلك على البصيرة، وذكر أنه قد نبَّه به على ما رُوي عن أبي بكر الصِّدِّيقِ رَّه في قوله: يا مَن غايةُ معرفتِهِ القصورُ عن معرفته. إذ كان معرفتُه تعالى أن تعرفَ الأشياءَ فتعلمَ أنَّه ليس بمثلٍ لشيءٍ منها، بل هو موجدُ كلِّ ما أَدرِكْتَه(٣). واستدلَّ المعتزلةُ بهذه الآيةِ على أنَّه تعالى لا يُرى. وتقريرُ ذلك على ما في (المواقف)) وشرحها (٤): أنَّ الإِدراك المضافَ إلى الأبصار إنَّما هو الرؤية، ولا فرقَ بين: أدركتُه ببصري ورأيته، إلا في اللفظ، أو هما متلازمان لا يصحُّ نفيُ أحدِهما مع إِثبات الآخَر، فلا يجوز: رأيتُه وما أدركتُه ببصري، ولا عكسُه، فالآيةُ نفت أن (١) ينظر قول ابن عباس ﴿ها المتقدم ص ٣٤٤. (٢) في المفردات (بصر). (٣) مفردات الراغب (درك). (٤) للشريف الجرجاني ١٣٩/٨- ١٤٠. الآية : ١٠٣ ٣٥٣ سُورَةُ الأَنْعَل تراه الأَبصار، وذلك يتناول جميعَ الأبصارِ بواسطة اللام الجنسيةِ في مقام المبالغةِ في جميع الأوقات؛ لأنَّ قولك: فلانٌ تُدركه الأَبصار، لَا يُفيد عمومَ الأوقات، فلا بدَّ أن يفيدَه ما يقابله، فلا يراه شيءٌ من الأَبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لِمَا ذُكر، ولأنَّه تعالى تمَّح بكونه لا يُرى حيث ذكره في أثناء المدائح، وما كان من الصفات عدمُه مدحاً، كان وجودُه نقصاً يجب تنزيهُ اللهِ تعالى عنه، فظهر أنَّه يمتنع رؤيتُه سبحانه، وإنَّما قيل: من الصِّفات، احترازاً عن الأَفعال، كالعفو والانتقام، فإنَّ الأوَّل تفضُّل، والثاني عدل، وكلاهما كمالٌ. انتهى. وحاصلُه أنَّ المراد بالإِدراك الرؤيةُ المطلقة، لا الرؤيةُ على وجه الإِحاطة، وأنَّ ((لا تدركه الأبصار)) سالبةٌ كلِّية دائمة. وهذا أقوى أدلَّتهم النقليةِ في هذا المطلب، كما ذكره شيخُ مشايخنا الكورانيُّ قُدِّس سرُّه. والجوابُ عنه من وجوه: الأوَّل: أنَّ الإِدراك ليس هو الرؤيةَ المطلقة، وإن اختاره - على ما نقله الآمديُّ - أبو الحسن الأشعريُّ، وإنَّما هو الرؤيةُ على نعت الإِحاطةِ بجوانب المرئيّ، كما فسَّره ابنُ عباس ﴿ًّا بها في أَحد تفسيرَيه، ففي ((الدُّرِّ المنثور)(١): وأخرج ابن جَريرٍ (٢) عن ابن عباسٍ: ((لا تدركه الأبصار)) لا يُحيط بصرُ أحدٍ بالله تعالى. انتهى. وإليه ذهب الكثيرُ من أئمّة اللغةِ وغيرِهم. والرؤية المكيَّفة بكيفية الإِحاطةِ أخصُّ مطلقاً من الرؤية المطلقة، ولا يلزم من نفي الأخصِّ نفيُ الأَعمّ، فظهر صحَّةُ أن يقال: رأيتُه وما أَدركه بصري، أي: ما أَحاط به من جوانبه، وإنْ لم يصحّ عکسه. الثاني: أنَّ ((لا تدركه الأبصار)) كما يحتمل أن يلاحظَ فيه أوَّلاً دخولُ النفي ثم ورودُ اللام، فتكون سالبةً كلِّية على طرز قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] فيكون لعموم السَّلب، كذلك يحتمل أن يعتبرَ فيه العمومُ أوَّلاً ثم ورودُ النفي عليه، فتكون سالبةً جزئية، نحو: ما قام العبيدُ كلَّهم، و: لم (١) ٣٧/٣. (٢) في تفسيره ٤٥٩/٩ . سُورَةُ الأَنْعَوَا ٣٥٤ الآية : ١٠٣ آخذ الدراهمَ كلَّها، فتكون لسَلْب العموم، وكلُّ ما احتمل سلبَ العموم لم يكن نصًّا في عموم السَّلب، وإنْ كان عمومُ السلبِ في مِثل هذا هو الأكثر، وكلُّ ما كان كذلك لم يبقَ فيه حجَّة على امتناع الرؤيةِ مطلقاً، وهو ظاهر. وهذا إذا كان ((أل)) في ((الأبصار)) للاستغراق، فإنْ كان للچِنس، كان ((لا تدركه الأبصار)) سالبةً مهملةً، وهي في قوَّة الجزئية، فيكون المعنى: لا تُدركه بعضُ الأَبصار. وهو متفقٌ عليه. الثالث: أنَّا لو سلَّمنا أن الإِدراكَ هو الرؤيةُ المطلقة، وأنَّ ((أل)) للاستغراق، وأنَّ الكلامَ لعموم السَّلب، لكن لا نسلِّم عمومَه في الأحوال والأوقات، أي: لا نسلِّم أنَّها دائمة؛ لجواز أن يكونَ المراد نفيَ الرؤيةِ في الدنيا، كما يروَى تقييدُه بذلك عن الحسنِ وغيره. ويدلُّ عليه ما أَخرجه الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأُصول)) وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) عن ابن عباسٍ قال: تلا رسولُ اللهِ وَّر هذه الآية: ﴿رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فقال: ((قال الله تعالى: يا موسى، إنَّه لا يراني حيٍّ إلَّا مات، ولا يابسٌ إلَّا تدهده، ولا رطبٌ إلَّا تفرَّق، وإنَّما يراني أهلُ الجنةِ الذين لا تموت أَعينُهم. ولا تبلَى أجسادُهم))(١). قولهم: بل هي دائمةٌ، لأنَّ قولك: فلانٌ تدركه الأبصار، لا يفيد عمومَ الأَوقات، فلا بدَّ أن يفيدَه ما يقابله. قلنا: هذا لا يتمُّ إلَّا إذا وجب أن يكونَ التقابلُ بين: اللهُ تعالى تدركه الأبصار، و((لا تدركه الأبصار)) تقابلَ تناقُضٍ، ولا موجبَ لذلك، لا عقليًّا ولا لغويًّا ولا شرعيًّا : أما الأوَّل: فلأنَّا إذا وجدنا قضيةً موجبةً مطلقةً، جاز أن يقابلَها سالبةٌ مطلقة، وأن يقابلَها سالبةٌ دائمة، ولا تتعيَّن السالبةُ (٢) الصادقة إلَّا إذا كانت المطلقةُ كاذبةٌ قطعاً، لكنَّ كَذِبَ المطلقةِ هاهنا أوَّلُ البحث وعينُ المتنازَع فيه، فلا يجوزُ أن يُبنَى كونُ ((لا تدركه الأبصار)) دائمةً على كَذِب هذه المطلقة، أَعني: الله تعالى تدركه (١) نوادر الأصول ص١٤٢، والحلية ٢٣٥/١٠، وفي إسناده محمد بن رزام، وهو متهم بوضع الحديث. الميزان ٥٤٥/٣ . (٢) في (م): الدائمة. الآية : ١٠٣ ٣٥٥ سُورَةُ الأَنْفَعَل الأَبصار، مراداً بها أبصارُ المؤمنين في الجنَّة والموقف، لأنَّه مصادرةٌ على المطلوب المستلزم للدَّور. وأما الثاني: فلأنَّ الجملة ثبوتيةً كانت أو منفيةً تُستعمل بحسَب المقامات، تارةً في الإِطلاق وتارةً في الدَّوام، وليس يجب في اللغة أنَّا إذا وجدنا جملةً مثبتةً استُعملت في مقام ما في معنى الإِطلاق، أن تكونَ الجملةُ المقابلة لها مستعملةً في معنى الدوام البنّة، بل يختلف باختلاف المقاماتِ وقَصدِ المستعملين لها. وهو ظاهر جدًّا . وأما الثالث: فلأنَّ المطلقةَ المذكورةَ بالمعنى السابقِ عينُ المتنازَع فيه بيننا وبينَ المعتزلةِ شرعاً، فنحن نقول: إنَّها صادقةٌ شرعاً، ونحتجُ عليها بالعقل والنَّقلِ من الكتاب والسُّنة، وكلُّ ما كان كذلك، لَزِم ألَّا يكونَ ((لا تدركه الأبصار)) دائمةً؛ دفعاً للتناقض، فتكون إمَّا مطلقةً عامَّة، أو وقتيَّةً مطلقة، وعلى التقديرين لا تناقضَ؛ لانتفاء اتِّحاد الزَّمان، فيصدق: اللهُ تعالى تدركه الأبصار، أي: أبصارُ المؤمنين يومَ القيامة مثلاً، أو وقتَ تجلِّيه في نوره الذي لا يَذهب بالأَبصار، اللهُ تعالى لا تُدركه الأَبصار، أي: في الدنيا بالقيد الذي أُشير إليه سابقاً، أو وقتَ تجلِّيه بنوره الذي يَذهب بالأبصار، وهو النورُ الشعشعانيُّ المشارُ إليه في الحديث الواردِ في صحيح مسلم(١) وغيرِهِ: ((لَأَحْرِقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه)). وإلى هذا التقييدِ يُشير ثاني تفسيرَي ابنِ عباس المتقدِّم أوَّلُهما. فقد روي أنَّه قال: رأى محمدٌ وَلَّ ربَّه. فقال له عِكرمة: أليس اللهُ تعالى يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَرُ﴾ فقال: لا أُمَّ لك، ذاك نورُه الذي هو نورُه، إذا تجلَّى بنوره لا يُدركه شيءٌ، الحديثَ(٢). وبإِثبات هذين النُّورَين يُجمع بين جوابَيه عليه الصلاة والسلام لأبي ذرِّ حيث سأله: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال في أَحد جوابَيه: ((نورٌ أنَّى أراه)). وفي الجواب الآخَر: ((رأيت نوراً))(٣) فيقال: النورُ الذي نفى رؤيته في الاستفهام الإِنكاريِّ (١) برقم (١٧٩) من حديث أبي موسى ضيعنه . (٢) أخرجه الترمذي (٣٢٧٩) والحاكم ٣١٦/٢ واللفظ له. (٣) الروايتان في صحيح مسلم برقم (١٧٨). سُورَةُ الأَنْفَعَل ٣٥٦ الآية : ١٠٣ المدلولِ عليه بـ ((أنَّى)) هو نورُه، أعني: النورَ الذي يذهب بالأبصار ولا يقوم له بصرٌ، والنورُ الذي أثبت رؤيتَه هو النورُ الذي لا يَذهب بالأَبصار. وكذا يمكن حملُ قولٍ عائشةَ ﴿ُّ: مَن زعم أنَّ محمداً بَّهِ رأى ربَّه سبحانه فقد أَعظمَ على الله عزَّ وجلَّ الفِرية(١). واستشهادها لذلك بهذه الآيةِ على هذا = بأنْ يقال: أرادت مَن زعم أنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام رأى ربَّه سبحانه في نوره الذي هو نورُه الذي يذهب بالأبصار، فقد أَعظم على الله عزَّ وجلَّ الفِرية؛ ويكون الاستشهادُ بالآية على ما رُوي عن ابن عباسٍ من ثاني تفسيرَيه. وحينئذٍ لا يتمُّ للمتعزلة دعوى كونِ («لا تدركه الأبصار)» دائمةً، إلَّا إذا كانت هذه المطلقةُ كاذبةً شرعاً، وهو عينُ المتنازَعِ فيه كما عرفتَ، فلم يبقَ لهم على دعوى الدوام دليلٌ أصلاً . وقد يقال أيضاً: المراد: نفيُّ الرؤيةِ وقتَ عدم إِذن اللهِ تعالى للأَبصار بالإِدراك، والدليلُ على صحَّة إرادةِ هذا القيدِ هو أنَّ إدراك(٢) الأَبصارِ فعلٌ من أفعال العبيدِ وكسبٌ من كسبهم، وقد ثبت بغير ما دليلٍ أنَّ العبادَ لا يقدرون على شيءٍ ما من المقدورات إلَّ بإذن اللهِ تعالى ومشيئته وتمكينِه، فلا تُدركه الأبصار إلَّا بإذنه، وهو المطلوب. ويؤيِّد هذا البيانَ ويشيِّد أركانَه أنَّ ((لا تدركه الأبصار)) وقع بعدَ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾. ووجهُ التأييدِ أنَّ الله تعالى أخبرَ بأنَّه على كلِّ شيءٍ وكيل، أي: متولٌّ لأموره، ومعلومٌ أن الأبصارَ من الأشياء، وأنَّ إِدراكها من أمورها، فهو سبحانه وتعالى متولِّيها ومتصرِّفٌ فيها على حسَب مشيئته، فيُفيض عليها الإِدراكَ ويأذن لها إذا شاءَ كيف شاء وعلى الحدِّ الذي شاء، ويقبض عنها الإِدراكَ قبضاً كليًّا أو جزئيًّا، في أيِّ وقتٍّ شاءً كيف شاء، ولا يخفى على هذا أنَّه غايةُ التمدُّح بالعزَّة والقهرِ والغلبة، فإنَّ مَن هو على كلِّ شيءٍ وكيل إذا لم تدركه الأبصارُ إلَّا بإذنه مع كونِه يدرك الأبصارَ ولا تخفى عليه خافية، كان ذلك غايةً في عزَّته وقهرِه وكونِه غالباً على أمره. (١) أخرجه البخاري (٣٢٣٤)، ومسلم (١٧٧). (٢) في (م): إرادة. الآية : ١٠٣ ٣٥٧ سُورَةُ الأَنْعَوَم وذهب بعضُ المحقّقين أنَّ الآية لم تُسَق للتمدُّح، وإنَّما سيقت للتخويف بأنَّه سبحانه رقيبٌ من حيث لا يُرى، فليُحذَر، وهو ظاهرٌ على التفسير الثاني للوكيل. الرابع من الوجوه: يجوز أن يكونَ المرادُ: لا تدركه الأبصارُ على الوجه المعتادِ في رؤية المحسوساتِ المشروطةِ بالشروط التسعةِ العادية، على ما يُشير إليه آخرُ الآية، ومعلومٌ أنَّ نفي الخاصِّ لا يستلزم نفيَ العامِّ، فلا يلزم على هذا مِن الآية نفيُ الرؤيةِ مطلقاً . الخامس: ما قيل: إنَّا لو سلَّمنا للخصم ما أَراد، نقول: إنَّ الآية إنما تدلُّ على أنَّ الأبصارَ لا تدركه، ونحن نقول به وندَّعي أنَّ ذوي الأَبصارٍ يدركونه، والاعتراضُ بأنه كما أنَّ الأبصارَ لا تدركه فكذلك لا يُدركه غيرُها فلا فائدةَ للتخصيص، مدفوعٌ بأنه إنَّما يلزم انتفاءُ الفائدة أنْ لو انحصرت في نفي حكمٍ المنطوقِ على المسكوت، وهو غيرُ مسلَّم، ولعلَّه كان لخصوص سؤالِ سائلٍ عنه دون غيره، أو لمعنّی آخر. السادس: أنا سلَّمنا أنَّ المراد: لا يُدركه المبصِرون بأبصارهم، لكنَّه لا يُفيد المطلوبَ أيضاً؛ لجواز حصولٍ إِدراك اللهِ تعالى بحاسَّة سادسةٍ مغايرةٍ لهذه الحواسِّ، كما يذَّعيه ضِرارُ بن عَمرِو الكوفي(١)، فقد نُقُل عنه أنَّه كان يقول: إنَّ اللهَ تعالى لا يُرى بالعين، وإنَّما يُرى بحاسَّة سادسةٍ يخلقها سبحانه له يومَ القيامة، واحْتَجَّ عليه بهذه الآيةِ، فقال: إنَّها دلَّت على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيصُ الحكم بالشيءٍ يدلُّ على أنَّ الحالَ في غيره بخلافه، فوجب أن يكونَ إِدراكُ الله تعالى بغير البصرِ جائزاً في الجملة، ولَمَّا ثبت أنَّ سائرَ الحواسِ الموجودةِ الآنَ لا يصلحُ لذلك، ثبت أنَّه تعالى يخلق يومَ القيامةِ حاسَّةً سادسةً بها تحصلُ رؤیةُ الله تعالی وإدراكُه. اهـ. ومن الناس مَن استدلَّ بالآية على أنَّ الاطّلاع على كُنه ذاتِ الله تعالى ممتنع، بناءً على أنّ الأَبصار جمعُ بصرٍ بمعنى البصيرة، وقرَّره كما قرَّر المعتزلة (١) من رؤوس المعتزلة، شيخ الضرارية، له مقالات خبيثة. من مصنفاته: كتاب التوحيد، كتاب تناقض الحديث، وغير ذلك. مات في زمن الرشيد. الفهرست ص١٤، والفرق بين الفرق ص٢٠١، والسير ٥٤٤/١٠، ولسان الميزان ٣٤١/٤. سُورَةُ الأَنْعَط ٣٥٨ الآية : ١٠٣ استدلالَهم على امتناعِ الرُّؤية. وفيه ما فيه. نعم احتمالُ حملِ البصرِ على البصيرة مِمَّا يوهن استدلالَ المعتزلةِ كما لا يخفَى. ولهم في هذا المطلبِ أدلَّة أخرى نقليّة، سيأتي إن شاء اللهُ تعالى الكلامُ على بعضها، وعقليةٌ قد عَقَّلها القومُ في معاطن البطلان. ولعل النَّوبة تُفضي إلى تسريح يَعْمَلاتِ(١) الأَقلام في رياض تحقيقِ ذلك إن شاء الله تعالى الملكُ العلَّام، فمنه التوفيقُ لإِدراك أبصارِ الأَفهام مَخفيَّاتِ الأَسرار، وفَلْقِ صباحِ الحقِّ بسواطع الأنوار. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ﴾ أي: يراها على وجه الإِحاطة، أو يُحيط بها عِلماً، أو علماً ورؤيةً كما قيل، وذكر الآمديُّ أنَّ البصريين من المعتزلة ذهبوا إلى أنَّ إِدراك اللهِ تعالى بمعنى الرؤية، وأنَّ البغداديين منهم ذهبوا إلى أنَّها بمعنى العِلمٍ لا بمعنى الرُّؤية . والمرادُ بالأبصار هنا - على ما قرَّره بعضُ المحفِّقين - النورُ الذي تُدرَك به المبصَرات؛ فإنَّه لا يدركه مدرٌِ، بخلاف جِرم العين فإنه يُرى، ولعلَّ هذا هو السرُّ في الإِظهار في مقام الإِضمار. وجوِّز أن يقال: المرادُ أنَّ كلَّ عينٍ لا ترى نفسها . ﴿وَهُوَ الَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ فيُدرك سبحانه ما لا يُدركه الأَبصار، فالجملةُ سيقت لوصفه تعالى بما يتضمَّن تعليلَ قوله سبحانه: ((وهو ... )) إلخ. وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يكونَ ما ذُكر من باب اللفّ، فإنَّ اللطيفَ يناسب كونَه غير مدرَك - بالفتح - والخبير يناسب كونه تعالى مدرِكاً، بالكسر. واللطيفُ مستعارٌ من مقابل الكثيفِ لِمَا لا يُدرَك بالحاسَّة من الشيء الخفيّ. ويُفهَم من ظاهر كلام البهائيّ - كما قال الشِّهاب(٢) - أنَّه لا استعارةَ في ذلك، حيث قال في ((شرح أسماء الله تعالى الحسنى)): (١) جمع يعملة: وهي الناقة النجيبة المعتملة المطبوعة. القاموس (عمل). (٢) في حاشيته ١٠٩/٤. والبهائي هو محمد محيي الدين بن بهاء الدين بن لطف الله البيرامي الرومي الحنفي، له: رسالة التوحيد، ورسالة سر القدر، وشرح أسماء الله الحسنى، توفي سنة (٩٥١هـ). هدية العارفين ٢٣٨/٢. الآية : ١٠٤ ٣٥٩ سُؤَدَّةُ الْأَنْعَم ((اللطيفُ)): الذي يعامل عباده باللُّطف، وألطافُه جلَّ شأنه لا تتناهى ظواهرُها وبواطنُها في الأُولى والأُخرى ﴿وَإِن نَعُذُوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وقيل: ((اللطيفُ)): العليمُ بالغوامض والدَّقائق، من المعاني والحقائق؛ ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيفٌ. ويحتمل أن يكونَ من اللَّطافة المقابلةِ للكثافة، وهو وإنْ كان في ظاهر الاستعمالِ من أوصاف الجسم، لكن اللَّطافة المطلّقة لا توجد في الجسم؛ لأنَّ الجسميةَ يلزمها الكثافة، وإنَّمَا لطافتها بالإضافة، فاللطافةُ المطلقة لا يَبعد أن يوصفَ بها النورُ المطلق الذي يجلُّ عن إدراك البصائر، فضلاً عن الأبصار، ويعزّ عن شعور الأَسرار، فضلاً عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصُّوَرِ والأَمثال، وينزَّه عن حلول الألوانِ والأشكال، فإنَّ كمال اللطافةِ إنَّما يكون لمن هذا شأنُه، ووصفُ الغيرِ بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونَه في اللطافة، ويوصف إليه بالكثافة. انتهى. والراجحُ أنَّ إطلاق اللطيفِ بمعنى مقابلٍ الكثيف - على ما ينساق إلى الذِّهن - على الله تعالى ليس بحقيقة أصلاً، كما لا يخفى. ﴿قَدّ ◌َجَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن ◌َّيَّكُمْ﴾ استئنافٌ واردٌ على لسان الرسولِ وَّرَ، فـ ((قل)) مقدَّرة كما قاله بعض المحقّقين. والبصائرُ جمعُ بصيرة، وهي للقلب كالبصر للعين، والمرادُ بها الآياتُ الواردة هاهنا، أو جميعُ الآياتِ، ويدخل ما ذُكر دخولاً أوليًّا . و((من)) لابتداء الغايةِ مجازاً، وهي متعلِّقة بـ ((جاء)» أو بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((بصائر)). والتعرُّض لعنوان الربوبيةِ مع الإِضافة إلى ضمير المخاطَبين؛ لإِظهار كمالٍ الُّطف بهم، أي: قد جاءكم من جهة مالكِكم ومبلَّغكم إلى كمالكم اللائقٍ بكم من الوحي الناطقِ بالحقِّ والصوابِ ما هو كالبصائر للقلوب. أو: قد جاءكم بصائرُ كائنٌ من ربّكم . ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي الحقَّ بتلك البصائرِ وآمَنَ به ﴿فَلِنَفْسِةِ.﴾ أي: فلنفسه أَبصر، سُورَةُ الأَنْعَل ٣٦٠ الآية : ١٠٥ كما نقل عن الكلبيِّ، وتبعه الزمخشريُّ(١)، أو: فإِبصارُه لنفسه، كما اختاره أبو حيَّان(٢)؛ لِمَا ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى. والمرادُ على القولين أنَّ نفعَ ذلك يعود إليه. ﴿وَمَنْ عَيِىَ﴾ أي: ومَن لم يُبصر الحقَّ بعد ما ظهرَ له بتلك البصائرِ ظهوراً بيِّناً، وضلَّ عنه. وإنما عبَّر عنه بالعمَى تنفيراً عنه ﴿فَعَلَيْهَا﴾ عمي، أو: فعماه عليها، أي: وبالُ ذلك عليها. وهما قولان لمن تقدَّم. وذكر أبو حيَّان أنَّ تقدير المصدرِ أَولى لوجهين: أحدُهما: أنَّ المحذوف يكون مفرداً لا جملةً، ويكون الجارُّ والمجرورُ عمدةً لا فَضلة. والثاني: أنَّه لو كان المقدَّر فعلاً لم تدخل الفاءُ، سواءٌ كانت ((مَن)) شرطيةً أو موصولةً؛ لامتناعها في الماضي. وتعقّب بأنَّ تقدير الفعلِ يترجَّح لتقدُّم فعلٍ ملفوظ به وكان أقوى في الدَّلالة، وأيضاً إنَّ في تقديره تقديمَ المعمولِ المؤذنِ بالاختصاص، وأيضاً ما ذكر في الوجه الثاني غيرُ لازم؛ لأنَّه لم يقدَّر الفعل مُولَياً لفاء الجواب، بل قدِّر معمول الفعلِ الماضي مقدَّماً، ولا بدَّ فيه من الفاء، فلو قلتَ: مَن أَكرم زيداً فلنفسه أَكرمه، لم يكن بدٌّ من الفاء، نعم لم يُعهَد تعديةُ ((عمي)) بـ ((على))، وهو لازمٌ في التقدير السابقِ في الجملة الثانية، وكأنَّه لذلك عَدَلَ عنه بعضُهم - بعد أن وافق في الأوَّل ـ إلى قوله: فعليها وبالُه. ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ()﴾ وإنَّما أنا منذرٌ، والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالکم ویجازیکم عليها . ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التصريفِ البديع ﴿نُصَرِفُ اُلْآَيَتِ﴾ الدالّة على المعاني الرَّائقة، الكاشفة عن الحقائق الفائقة، لا تصريفاً أدنى منه. وقيل: المراد: كما صرَّفنا الآياتِ قبلُ نصرِّف هذه الآياتِ. وقد تقدَّم لك ما هو الحريُّ بالقَبول. (١) في الكشاف ٤٢/٢. (٢) في البحر ٤ / ١٩٦.