Indexed OCR Text

Pages 281-300

التفسير الإشاري (٧٤- ٨٢)
٢٨١
سُورَةُ الأَنْعَم
الرابع: أنَّ ما ذكر يدلُّ على أنَّ الدِّين يجب أن يكونَ مبنيًّا على الدليل لا على
التقليد، وإلَّا لم يكن للاستدلال فائدةٌ البتّة.
الخامس: أنه يدلُّ على أنَّ معارف الأنبياءِ بربِّهم استدلاليةٌ لا ضرورية، وإلَّا
لَما احتاج إبراهيمُ عليه السلام إلى الاستدلال.
السادس: أنه يدلُّ على أنه لا طريقَ إلى تحصيل معرفةِ اللهِ تعالى إلَّا بالنظر
والاستدلال في أحوال مخلوقاتِهِ؛ إذ لو أمكن تحصيلُها بطريق آخَر، لَما عدل عليه
السلامُ إلى هذه الطريقة .
ولا يخفى عليك ما في هذين الأخيرين.
السابع: أنَّ قوله سبحانه: ((وتلك حجتنا)) إلخ يدلُّ على أنَّ تلك الحجَّةَ إنما
حصلت في عقل إِبراهيمَ عليه السلام بإِيتاء اللهِ تعالى وإظهارِها في عقله، وذلك
يدلُّ على أنَّ الإِيمان والكفرَ لا يحصلان إلَّا بخلق اللهِ تعالى، ويتأكَّد ذلك بقوله
سبحانه: ﴿نَفَعُ دَرَجَاتٍ﴾ إلخ.
الثامن: أنَّ قوله سبحانه: («نرفع ... )) إلخ يدلُّ على فساد طعنِ الحشويَّة في
النظر وتقريرِ الحَجَّة وذكرِ الدليل. وفيه أحكام أخَرُ لا تخفَى على من يتدبَّر.
ومن باب الإِشارةِ فيها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ،َازَرَ﴾ حين رآه محتجِباً بظواهر
عالَم الملكِ عن حقائق الملكوتِ وربوبيتِه تعالى للأشياء، معتقداً تأثيرَ الأكوانِ
والأجرامِ ذاهلاً عن المكوِّن جلَّ شأنه: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ أي: أشباحاً خاليةً بذواتها
عن الحيَاة ﴿َالِهَةَ﴾ فتعتقد تأثيرَها ﴿إِنّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلٍ مُّبِينٍ﴾ ظاهرٍ عند مَن
كشف عن عينه الغَين.
﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِنْزَهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: نوقِفه على القُوى
الروحانيةِ التي ندبِّر بها أمرَ العالم العلويِّ والسفلي، أو نوقِفِه على حقيقتها ﴿وَلِيَّكُونَ
مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي: أهلِ الإِيقان العالِمين أنْ لا تأثيرَ إلَّا لله تعالى، يدبِّر الأمرَ
بأسمائه سبحانه.

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٨٢
التفسير الإشاري (٧٤- ٨٢)
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَيْلُ﴾ أي: أَظلم عليه ليلُ عالم الطبيعةِ الجسمانية. وذلك عند
الصوفيةِ في صِباه وأوَّلِ شبابه ﴿رَءَا كَوَّكَبًا﴾ وهو كوكبُ النفس المسمّاة روحاً
حيوانيةً، الظاهرُ في ملكوت الهيكلِ الإنسانيِّ، فـ﴿قَالَ﴾ حين رأى فيضَه وحياته
وتربيته من ذلك بلسان الحال: ﴿هَذَا رَبِ﴾ وكان الله تعالى يُريه في ذلك الحينِ
باسمه المُحيي. ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ﴾ بطلوع نورِ القلب ﴿قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ﴾ أي: قمرَ القلب ((بازغاً)) من أُفق النفس، ووجد فيضَه
بمكاشفات الحقائقِ والمعارفِ وتربيته منه ﴿قَالَ هَذَا رَبٍ﴾ وكان اللهُ تعالى يُريه إذ
ذاك باسمه العالِم والحكيم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ﴾ إلى نور وجهِه
﴿لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِينَ﴾ المحتجِبين بالبواطن عنه سبحانه.
﴿فَمَّا رَءَا الشَّمْسَ﴾ أي: شمسَ الرُّوحِ ﴿بَازِغَةٌ﴾ متجلِّيةً عليه ﴿قَالَ﴾ إذ وجد
فيضَه وشهودَه وتربيتَه منها ﴿هَذَا رَبِّ﴾ وكان سبحانه يُريه حينئذٍ باسمه الشهیدِ
والعليِّ العظيم ﴿هَذَآ أَكْبٌَ﴾ من الأوَّلَين ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ بتجلِّي أنوارِ الحقِّ وتشعشُعِ
سُبُحاتِ الوجه ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ﴾ إذ لا وجودَ لغيره سبحانه ﴿إِنِّ
وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ أي: أَسلمت ذاتي ووجودي ﴿لِلَّذِى فَطَرَ﴾ أَوجدَ ﴿اُلشَّوَتِ
وَالْأَرْضَ﴾ أي: سماواتِ الأرواح وأرضَ النفس ﴿حَِفًا﴾ مائلاً عن كلِّ ما سواه،
حتى عن وجودي وميلي، بالفَناء فيه جلَّ جلاله ﴿وَمَّا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في شيءٍ .
﴿وَحَآَهُ، قَوْمُهُ﴾ في ترك السِّوى ﴿قَالَ أَتْحَُّّوْنِ فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ﴾ إلى وجوده
الحقِّ وتوحيدِه.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ من ظهور نفسٍ أو
قلب، أو وجودٍ بقية ﴿أُوْلَتَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ الحقيقيُّ ﴿وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾ حقيقةً إلى
الحقِّ.
وقال النَّيسابوري(١): قد يدور في الخَلَد أنَّ إِبراهيم عليه السلام جنَّ عليه ليلُ
الشبهة وظلمتُها، فنظر أوَّلاً في عالم الأجسام فوجدها آفلةً في أُفق التغيير، فلم
يرَها تصلح للإِلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوَسِ المدبِّرة للأجسام، فرآها آفلةً في
(١) في غرائب القرآن ٧/ ١٤٨ .

الآية : ٨٤
٢٨٣
سُورَةُ الأَنْعُ
أُفق الاستكمال، فكان حكمُها حكمَ ما دونها، فصعد منها إلى عالَم العقول
المجرَّد، فصادفها آفلةً في أفق الإِمكان، فلم يبقَ إلَّا الواجب.
وقيل غيرُ ذلك. وما ذكروه مبنيٌّ على أنَّ الاحتجاج كان مع نفسه عليه السلام،
وهو الذي ذهب إليه بعضٌ من المفسِّرين، ورووا في ذلك خبراً طويلاً(١)، وهو
مذكورٌ في كثيرٍ من الكتب مشهورٌ بين العامة، والمختارُ عندي ما علمت، واللهُ
تعالى يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ أي: لإِبراهيم عليه السلام ﴿إِسْحَقَ﴾ وهو ولدُه من سارة،
عاش مئةً وثمانين سنة. وفي ((نديم الفريد))(٢): أنَّ معنى إسحاق بالعربية: الضحَّاك
﴿وَيَعْقُوبَّ﴾ وهو ابنُ إسحاق، عاش مئة وسبعاً وأربعين سنة.
والجملة عطفٌ على قوله تعالى: ((وتلك حجتنا ... )) إلخ، وعطف الفعليةِ على
الاسمية مِمَّا لا نزاعَ في جوازه، ويجوز على بُعدٍ أن تكونَ عطفاً على جملة
(آتينا)) بناءً على أنَّها لا محلّ لها من الإِعراب، كما هو أحدُ الاحتمالات.
وقوله تعالى: ﴿كُلًا﴾ مفعولٌ لما بعده، وتقديمُه عليه للقصر، لا بالنّسبة إلى
غيرهما، بل بالنّسبة إلى أحدهما، أي: كلَّ واحدٍ منهما ﴿هَدَيْنَا﴾ لا أحدَهما دونَ
الآخر.
وقيل: المراد: كلَّا من الثلاثة. وعليه الطبرسيُّ(٣). واختار كثيرٌ من المحقّقين
الأوَّلَ؛ لأن هدايةَ إِبراهيم عليه السلام معلومةٌ من الكلام قطعاً.
وتَرْك ذِكر المهدى إليه؛ لظهور أنَّه الذي أُوتي إبراهيمُ عليه السلام؛ فإنَّهما
متعبَّدان به. وقال الجبّائي: المراد: هديناهم بنَيل الثوابِ والكرامات.
(١) ينظر ما أخرجه الطبري في تاريخه ٣٤/١، عن ابن إسحاق، و٢٣٦ عن ابن عباس وابن
مسعود څ۔
(٢) لأبي علي بن مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب، المتوفى سنة (٤٢١هـ). كشف الظنون
١٩٣٧/٢، والكلام من الإتقان ٢/ ١٠٦٤.
(٣) مجمع البيان ٧/ ١٢١ .

سُورَةُ الأَنْفَعَل
٢٨٤
الآية : ٨٤
﴿وَنُوحًا﴾ قال شيخُ الإِسلام (١): منصوبٌ بمضمَر يفسِّره ﴿هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ﴾
ولعله إنَّما لم يجعله مفعولاً مقدَّماً للمذكور؛ لئلا يفصلَ بين العاطفِ والمعطوف
بشيءٍ، أو الخُلُوِّ التقديم عن الفائدة السابقة - أعني القصرَ - ولا يخلو ذلك عن
تأمُّل. أي: مِن قَبلِ إِبراهيم عليه السلام.
ونوحٌ - كما قال الجُواليقي(٢) - أعجميٌّ معرَّب. زاد الكرماني: ومعناه
بالسُّريانية: الساكن. وقال الحاكم في ((المستدرك)): إنما سمِّي نوحاً لكثرة بكائه
على نفسه، واسمُه عبدُ الغفار(٣). والأوَّل أَثبت عندي.
◌ُّ - كما قال الحاكم - أنَّه عليه السلام كان قبل إِدريس عليه
وأكثرُ الصحابةِ
السلام(٤). وذكر النسَّابون أنَّه ابن لَمْك، بفتح اللام وسكونِ الميمِ بعدَها کافٌ، ابنِ
مَتُّوْشَلَخ، بفتح الميم وتشديدِ المثنَّة المضمومةِ بعدَها واوٌ ساكنة وفتحِ الشين
المعجمةِ واللام والخاء المعجمة، ابنِ أَخَنُوْخ، بفتح المعجمةِ وضمِّ النونِ الخفيفة
وبعدها واوٌ ساكنة ثم معجَمة، وهو إِدريس فيما يقال.
وروى الطبرانيَّ(٥) عن أبي ذرِّ رَُّه قال: قلت: يا رسولَ الله، مَن أوَّل
الأنبياء؟ قال: ((آدمُ عليه السلام)) قلت: ثم مَن؟ قال: ((نوح عليه السلام، وبينهما
عشرةُ قرون(٦)). وهذا ظاهرٌ في أنَّ إِدريسَ عليه السلام لم يكن قبلَه.
وذكر ابنُ جَرِير أنَّ مولده عليه السلام كان بعد وفاةٍ آدَمَ عليه السلام بمئة وستةٍ
وعشرين عاماً (٧).
وذَكَره سبحانه هنا، قيل: لأنه لَمَّا ذكر سبحانه إِنعامَه على خليله من جهةٍ
الفرع، ثَنَّى بذِكر إِنعامه عليه من جهة الأصل، فإنَّ شرفَ الوالد سارٍ إلى الولد.
(١) في إرشاد العقل السليم ٣/ ١٥٧ .
(٢) في المعرب ص٣٧٨ ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإتقان ٢/ ١٠٦٢ .
(٣) الإتقان ٢/ ١٠٦٢، ولم نقف عليه في مطبوع المستدرك.
(٤) المستدرك ٥٤٥/٢ .
(٥) في الأوسط (٤٧١٨) مطولاً.
(٦) في الأوسط: عشرة آباء.
(٧) تاريخ الطبري ١/ ١٧٤، والإتقان ١٠٦٢/٢، والكلام منه.

الآية : ٨٤
٢٨٥
سُورَةُ الأَنْعَل
وقيل: إنَّما ذكره سبحانه لأنَّ قومَه عبدوا الأصنامَ، فذكره ليكونَ له به أسوةٌ،
وأمَّا أنَّه ذُكِرَ لما مرَّ، فلا؛ إذ لا دلالةَ على علاقة الأبوَّة لِيُقبَل، ودلالةُ ((من قبل))
على ذلك غيرُ ظاهرة، وقَنِعَ بعضُهم بالشُّهرة عن ذلك.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضميرُ عند جمع لإِبراهيمَ عليه السلام؛ لأنَّ مساق النَّظم
الجليلِ لبيان شؤونِه، وما منَّ اللهُ تعالَى به عليه من إِيتاء الحجَّة ورفع الدرجات،
وهبةِ الأَولاد الأنبياء، وإبقاءِ هذه الكرامةِ في نسله، كلُّ ذلك لإِلزام مَن ينتمي إلى
مِلَّته من المشركين واليهود.
واختار آخرون كونَه لنوح عليه السلام؛ لأنَّه أقرب، ولأنه ذكّر في الجملة لوطاً
عليه السلام، وليس من ذرِّية إِبراهيم، بل كان ابنَ أخيه - كما سيأتي إن شاء اللهُ
تعالى - آمنَ به وشخصَ معه مهاجِراً إلى الشام، فأرسله الله تعالى إلى أهلِ سَدُوم.
وكذلك يونسُ عليه السلام لم يكن من ذرِّيته فيما ذكر محيي السنَّة(١). فلو كان
الضميرُ له لاختصَّ بالمعدودين في هذه الآيةِ والتي بعدها، وأمَّا المذكورون في
الآية الثالثةِ فعطف على ((نوحا)) ولا يجب أن يُعتبرَ في المعطوف ما هو قيدٌ في
المعطوف عليه، ولا يضرُّ ذِكر إِسماعيلَ هناك وإنْ كان من ذرِّية إِبراهيمَ عليهما
السلام؛ لأنَّ السكوت عن إِدراجه في الذرِّية لا يقتضي أنَّه ليس منهم، وإنما لم
يُعَدَّ - كما قال بعضُ المحقّقين - في موهبته كإِسحاق؛ لأنَّ هِبةَ إسحاقَ كانت في
كِبَره وكبرٍ زوجته، فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب؛ لأنَّ إبقاءَ النبوّة بطناً بعد
بطنٍ غايةُ النعمة، ولم يعطف ((كلا هدينا)) لأنَّه مؤكّد لكونه نعمة.
ومن الناس مَن ادَّعى أنَّ يونسَ عليه السلام من ذرِّية إبراهيمَ بَّهِ، وصرَّح في
((جامع الأصول)) أنَّه كان من الأسباط في زمن شعيا، وحينئذٍ يبقى لوظٌ فقط
خارجاً، ولا يترك له إِرجاعُ الضميرِ على إبراهيم وجَعْلُه مختصًّا بالمعدودين في
الآيات الثَّلاث؛ لأنَّه لَمَّا كان ابنَ أخيه آمن به وهاجر معه، أَمكن أن يُجعلَ من
ذُرِّيته على سبيل التغليبِ كما قال الطّبي.
ورُوي عن ابن عباسٍ ◌ِّ أنَّ هؤلاء الأنبياءَ عليهم السلام كلَّهم مضافون إلى ذرِّية
(١) في تفسيره معالم التنزيل ٢/ ١١٢.

سُؤَةُ الأَنْدَعَم
٢٨٦
الآية : ٨٤
إبراهيم وإنْ كان منهم مَن لم يلحقه بولادة من قِبَل أبٍ ولا أم؛ لأنَّ لوطاً ابنُ أخي
إبراهيم عليهما السلام، والعربُ تجعل العمَّ أباً، كما أخبر الله تعالى عن أبناء يعقوبَ
أنَّهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآَبِكَ إِنَزَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] مع أنَّ
إسماعيل عمّ يعقوب.
والجارُّ والمجرور متعلِّق بفعل مضمَرٍ مفهومٍ مما سبق. وقيل: بمحذوفٍ وقع
حالاً من المذكورين في الآية.
واختير الأوَّل، أي: وهدينا مِن ذرِّيته ﴿دَاوُدَ﴾ هو - كما قال الجلال
السيوطيُّ - ابن إِيْشا، بكسر الهمزة وسكونِ الياءِ المثنَّاة التحتية وبالشِّين المعجمة،
ابن عَوْبَر، بمهملة وموخَّدة بوزن جَعْفَر، ابن باعَر (١)، - بموخَّدة ومهملة مفتوحة - ابن
سلمون، بن يخيئون، بن عمى، بن يارب - بتحتيّة وآخرُه باء موحّدة - ابن رام، بن
حضرون(٢)، بمهملة ثم معجَمة، بن فارص - بفاء وآخرُه مهملة - بن يهوذا، بن
يعقوب .
قال كعب: كان أحمرَ الوجه، سبطَ الرأس، أبيضَ الجسم، طويلَ اللحيةِ فيها
جُعودة، حسنَ الصوتِ والخلق، وجمع له بين النبوّة والملك. ونقل النوويُّ(٣) عن
المؤرِّخين أنَّه عاش مئةً سنة، ومدةُ ملكِه منها أَربعون، وله اثنا عَشَرَ ابناً .
﴿وَسُلَيْمَنَ﴾ ولده. قال كعب: كان أبيضَ جسيماً وسيماً وضيئاً جميلاً خاشعاً
متواضعاً، وكان أبوه يشاوره في كثيرٍ من أموره في صِغَر سنِّه؛ لوفور عقلِه وعلمِه.
وعن ابن عباسٍ رَّ أنَّه ملك الأرض، وعن المؤرِّخين أنه ملك وهو ابنُ ثلاثَ
عشْرةً سنة، وابتدأ بناءَ بيتِ المقدس بعد ملكه بأربع سنين، وتوِّ وله ثلاثٌ
وخمسون سنة.
وتقديمُ المفعولِ الصَّريح للاهتمام بشأنه، مع ما في المفاعيل من نوعٍ طولٍ
ربّما يُخلُّ تأخيرُه بتجاوب النظمِ الكريم.
(١) في الأصل و(م): عابر، وهو تصحيف، والمثبت من الإتقان ١٠٦٨/٢، والكلام منه.
(٢) في الأصل: حضرمون، وفي (م): حضرموت، والمثبت من المحبَّر ص٥، والمستدرك ٢/
٥٨٥، وفتح الباري ٦/ ٤٥٤، والإتقان ١٠٦٩/٢، والكلام منه.
(٣) في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨١، والكلام من الإتقان ١٠٦٩/٢ .

الآية : ٨٤
٢٨٧
سُؤَةُ الأَنْعَم
﴿وَأَيُّوُبَ﴾ قال ابن جرير: هو ابنُ موص بنٍ روحٍ(١) بن عيص ابن إسحاق.
وقيل: ابن موص بن تارخ بن روم ... إلخ، وحكى ابنُ عساكر أنَّ أمه بنتُ لوطِ
عليه السلام، وأنَّ أباه مِمَّن آمن بإبراهيم، فهو قبلَ موسى عليه السلام، وقال ابن
جَرير: إنَّه كان بعد شعيب. وقال ابنُ أبي خيثمة: كان بعد سليمانَ. وروى
الطبرانيُّ(٢) أنَّ مدة عمرِه كانت ثلاثاً وتسعين سنة.
﴿وَيُوسُفَ﴾ وهو على الصحيح المشهورِ ابنُ يعقوب بنِ إسحاق بن إِبراهيم.
ويشهد له ما أخرجه ابنُ حِبَّن في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرةَ مرفوعاً (٣): ((إنَّ
الكريم ابنَ الكريمِ ابنِ الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» عاش مئةً
وعشرين سنةً. وفَيَه ستُّ لغات: تثليثُ السينٍ مع الواو(٤) والهمز. والصوابُ أنه
أعجميّ لا اشتقاقَ له.
﴿وَمُوسَى﴾ وهو ابنُ عمرانَ ابنِ يصهر بنِ ماهيث بن لاوي بن يعقوب، ولا
خلافَ في نسبه، وهو اسمٌ سرياني.
وأَخرج أبو الشَّيخ من طريق عكرمةً عن ابن عباسٍ رِّمَا قال: إنما سمِّي موسى؛
لأنَّه أُلقي بين شجرٍ وماء، فالماءُ بالقبطية: مو: والشجرُ: شا(٥). وفي الصحيح
وصفُه بأنَّه ((آدَمُ طُوَالٌ جَعدٌ، كأنَّه من رجال شنوءة)»(٦). وعاش - كما قال
الثعلبيُّ(٧) - منةً وعشرين سنة.
(١) في الأصل و(م): روم، والمثبت من تفسير الطبري ٧/ ٢٦١ (طبعة البابي الحلبي)، والإتقان
١٠٦٩/٢، والكلام منه، وذكر الطبري في تاريخه ٣٢٢/١ ثلاثة أقوال دون ترجيح: ابن
موص بن رازح، ابن موص بن رغويل، ابن موص بن رعويل.
(٢) كذا في الأصل و(م) ومطبوع الإتقان، ولعل الصواب: الطبري، ينظر تاريخه ٣٢٤/١.
(٣) برقم (٥٧٧٦) وذكره البخاري تعليقاً قبل حديث (٣٥٢٥) من حديث ابن عمر
وأبي هريرة رضيه. وأخرجه أيضاً برقم (٣٣٥٣) ومسلم (٢٣٧٨) بنحوه من حديث
أبي هريرة رقڅه .
(٤) في الأصل و(م): مع الياء، والمثبت من الإتقان ٢/ ١٠٦٥ .
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٠٥/٣، والإتقان ١٠٦٨/٢، والكلام منه.
(٦) صحيح البخاري (٣٢٣٩) وصحيح مسلم (١٦٥) من حديث ابن عباس ـ
(٧) في قصص الأنبياء المسمَّى: عرائس المجالس ص٢٥١، والكلام من الإتقان ١٠٦٨/٢.

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٨٨
الآية : ٨٥
﴿وَهَرُونَ﴾ أخوه شقيقُه. وقيل: لأمِّه، وقيل: لأبيه فقط. حكاهما الكرمانيُّ
في ((عجائبه)). مات قبلَ موسى عليهما السلام، وكان وُلِد قبله بسنة. وفي بعض
أحاديثِ الإِسراء(١): ((صَعِدتُ إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون ونصفُ لحيته
أبيضُ ونصفُها أسود، تكاد تضرب سُرَّتَه من طولها، فقلت: يا جبريل، من هذا؟
قال: المحبَّب في قومه هارونُ بن عمران. وذكر بعضُهم أنَّ معنى هارون بالعبرانية:
المحبَّب.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ قيل: أي: نجزيهم مثل ما جزينا إبراهيمَ عليه
السلام برفع درجاتهِ وكثرةٍ أولاده والنبوَّة فيهم. والمرادُ مطلق المشابهةِ في مقابلة
الإِحسان بالإِحسان، والمكافأةِ بين الأعمال والأَجزيةِ من غير بَخس، لا المماثلةُ
من كلِّ وجه؛ لأنَّ اختصاص إِبراهيمَ وَّهِ بكثرة النبوَّة في عَقِبه أمرٌ مشهور.
واختار بعضُ المحقّقين كونَ التشبيهِ على حدٍّ ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
جَمَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ونظائرِهِ.
وأل في ((المحسنين)) للعهد، والإِظهارُ في موضع الإِضمار للثَّناء عليهم
بالإِحسان الذي هو عبارةٌ عن الإِتيان بالأعمال على الوجه اللائقٍ، الذي هو حُسنُها
الوصفيُّ المقارنُ لحسنها الذاتي، وقد فسَّرِهِ وَّه بقوله: ((أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراه،
فإِن لم تكن تراه فإنَّه يراك))(٢) والجملةُ اعتراض مقرِّر لما قبلها.
﴿وَزَّكَرِنَا﴾ هو ابنُ آذن بنِ بركيا، كان من ذرِّية سليمانَ عليهما السلام، وقُتل
بعد قتلٍ ولده، وكان له يومَ بُشِّر به من العُمر اثنتان وتسعون، وقيل: تسعٌ وتسعون،
وقيل: مئةٌ وعشرون سنة. وهو اسم أعجميٌّ، وفيه خمسُ لغات: أشهرها المدُّ،
والثانيةُ القصر، وقُرئ بهما في السَّبع، وزكري، بتشديد الياءِ وتخفيفها، وزَكَر،
کقلم .
﴿وَيَحْبَى﴾ ابنه، وهو اسمٌ أعجميٍّ، وقيل: عربيٍّ، وعلى القولَين - كما قال
(١) أخرجه مطولاً عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٥، والطبري ٤٣٦/١٤، والبيهقي في الدلائل
٣٩٠/٢ من حديث أبي سعيد الخدري ـ
◌ُه .
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) عن أبي هريرة، ومسلم (٨) عن عمر قريبًا، وقد سلف ٢٩٥/١.

الآية : ٨٥
٢٨٩
سُورَةُ الْأَنْعَم
الواحديُّ - لا ينصرف، وسمِّي بذلك على القول الثاني لأنه حَيِيَ به رحمُ أمِّه. وقيل
غیرُ ذلك.
﴿وَعِيسَى﴾ ابن مريم، وهو اسم عبرانيٌّ أو سرياني. وفي الصَّحيح أنَّه رَبعةٌ
أحمرُ كأنَّما خرج من ديماس(١).
وفي ذِكره عليه السلام دليلٌ على أنَّ الذرِّية تتناول أولادَ البنات؛ لأنَّ انتسابه
ليس إلَّا من جهة أمِّه.
وأُورد عليه أنَّه ليس له أبٌ يَصرف إضافته إلى الأمُّ إلى نفسه، فلا يظهر قياسُ
غيرِهِ عليه في كونه ذريةً لجدِّه من الأم.
وتُعقِّب بأن مقتضَى كونِه بلا أبٍ أن يذكرَ في حيِّز الذرِّية. وفيه منعٌ ظاهر،
والمسألةُ خلافية .
والذاهبون إلى دخول ابنِ البنت في الذرِّية يستدلُّون بهذه الآية، وبها احتجّ
موسى الكاظمُ رَُّبه - على ما رواه البعضُ - على الرشيد، وفي ((التفسير الكبير))(٢)
أنَّ أبا جعفرٍ رَظُه استدلَّ بها عند الحجَّاج بنٍ يوسفَ، وبآية المباهلةِ حيث دعا وَهل
الحسن والحسينَ ﴿ّ بعدما نزل: ﴿تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٣) [آل عمران: ٦١].
وادَّعى بعضُهم أنَّ هذا من خصائصه وََّ، وقد اختلف إِفتاءُ أصحابِنا في هذه
المسألة، والذي أميلُ إليه القولُ بالدخول.
﴿وَ إِيَاسِّ﴾ قال إسحاق في ((المبتدأ)): هو ابنُ يس(٤) بنِ فنحاص بنِ العيزار بن
هارونَ أخي موسى بنِ عمرانَ عليهم السلام. وحكى القُتَبيُّ(٥) أنَّه من سِبط يوشع،
وقيل: من ولد إسماعيل عليه السلام. وعن ابن مسعودٍ رَُّ أنَّه إدريس، وهو - على
(١) صحيح البخاري (٣٣٩٤)، وصحيح مسلم (١٦٨) من حديث أبي هريرة ظه. والديماس:
الحمّام، كما في فتح الباري ٦/ ٤٨٤ .
(٢) ٦٦/١٣.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٠٨)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص
(٤) في الإتقان ٢/ ١٠٧١: ياسين، وفي فتح الباري ٣٧٥/٦: نسي.
(٥) في المعارف ص٥١.

سُورَةُ الْأَنْعَم
٢٩٠
الآية : ٨٦
ما قال ابنُ إسحاق - ابنُ يرد بنٍ مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم، وهو
جدُّ نوحٍ كما أشرنا إليه، ورُوي ذلك عن وهب بن منّبِّه. وفي ((المستدرك))(١): عن
ابن عباس رضيًّا أنه كان بين نوح وإِدريس ألف سنة. وعلى القول بأنه قبلَ نوحٍ يكون
البيانُ مختصًّا بِمَن في الآية الأَولى، ونصَّ الشِّهاب(٢) أنَّ قوله تعالى: ((وزكريا)) وما
بعده حينئذٍ معطوفٌ على مجموع الكلامِ السابق.
أي: كلُّ واحدٍ من أولئك المذكورين ﴿مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴾ أي:
الكاملين في الصَّلاح الذي هو عبارةٌ عن الإِتيان بما ينبغي والتحرُّزِ عمَّا لا ينبغي،
وهو مقولٌ بالتشكيك(٣)، فيوصف بما هو من أَعلى مراتبِ الأنبياء عليهم السلام.
والجملةُ اعتراض جيءَ بها للثَّناء عليهم بمضمونها .
﴿وَإِسْمَعِيلَ﴾ هو - كما قال النوويُّ(٤) - أكبرُ ولدِ إِبراهيم عليه السلام،
ويقال - كما نقل عن الجواليقيّ(٥) - بالنون آخرَه. قيل: ومعناه: مطيع الله.
﴿وَأَلْيَسَعَ﴾ قال ابنُ جرير(٦): هو ابنُ أخطوب بنِ العجوز.
وقرأ حمزةُ والكسائي: ((اللَّيْسَع)) بوزن ضيغم(٧)، وهو أعجميٌّ دخلت عليه
اللامُ على خلاف القياسِ وقارنت النقلَ فجُعلت علامةً للتعريب، كما قاله
التبريزيُّ، ونصَّ على أنَّ استعماله بدونها خطأٌ يغفل عنه الناس، فليس كاليزيد في
قوله :
رأيت الوليد بن اليزيدِ مباركاً شديداً بأعباء الخلافةِ كاهِلُهْ(٨)
من جميع الوجوه.
(١) ٥٤٨/٢.
(٢) في حاشيته ٤ / ٩١.
(٣) أي: هو لفظ يدل على أمر عامٌّ مشتركٍ بين أفراد، لا على السواء بل على التفاوت. المعجم
الوسيط (شكك).
(٤) في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٠٢ .
(٥) المعرب ص٦٢، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإتقان ٢/ ١٠٦٤.
(٦) في تفسيره ٣٨٤/٩.
(٧) التيسير ص ١٠٤، والنشر ٢٦٠/٢.
(٨) قائله ابن ميادة، وهو في ديوانه ص ١٩٢. وقد تقدم ص ١٨٠ من هذا الجزء.

الآية : ٨٧
٢٩١
سُورَةُ الأَنْعَم
وهو على القراءة الأُولى أعجميٌّ أيضاً. وقيل: إنه معرَّبُ يوشع، وقيل: عربيٌّ
منقول مِن يَسَع مضارع وَسِع.
﴿وَيُونُسَ﴾ وهو ابن مَتَّى، بفتح الميمِ وتشديدِ التاء الفوقية، مقصور كـ : حتى،
ويقال: متتى، بالفكِّ، وهو اسمُ أبيه كَما قاله ابنُ حجرٍ(١) وغيرُه من الحفاظ.
ووقع في تفسير عبدِ الرزَّاق(٢) أنه اسمُ أمّه، وهو مردود، ولم نقف كغيرنا على
اتّصال نسبهِ عليه السلام، وقد مرَّ ما في ((جامع الأصول)»(٣). وقيل: إنَّه كان في
زمن ملوكِ الطوائفِ من الفرس. وهو مثلَّث النونِ ويُهمَز.
وقرأ طلحةً(٤): ((يونس)) بكسر النون، قيل: أَراد أن يجعلَه عربيًّا من أَنِسَ، وهو
شاذّ.
﴿وَلُوطَأْ﴾ قال ابنُ إسحاق: وهو ابنُ هاران بنِ آزر. وفي ((المستدرك))(٥) عن
ابن عباسٍ ﴿ّ أنه ابنُ أخي إبراهيمَ، ولم يصرِّح باسم أبيه .
﴿وَكُلًا﴾ أي: كلَّ واحدٍ من هؤلاء المذكورين لا بعضَهم دون بعض
﴿فَضَّلْنَا﴾ بالنبوَّة ﴿عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: عالَمي عصرِهم، والجملة اعتراضٌ
كأُختيها، وفيها دليلٌ على أنَّ الأنبياءَ أفضلُ من الملائكة.
﴿وَمِنْ ءَبَابِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَانِهِمٌ﴾ يحتمل - كما قيل - أن يتعلَّق بما تعلَّق به ((من
ذرِّيته))، و(من)) ابتدائية، والمفعولُ محذوف، أي: وهدينا من آبائهم وأبنائهم
وإِخوانِهم جماعاتٍ كثيرة، أو معطوفٌ على ((كلَّا فضلنا)) و((من)) تبعيضية، أي:
فضَّلنا بعضَ آبائهم ... إلخ.
وجعله بعضُهم عطفاً على ((نوحاً)) و((من)) واقعة موقعَ المفعولِ به مؤوَّلاً ببعض.
واعتبارُ البعضية لما أنَّ منهم مَن لم يكن نبيًّا ولا مهديًّا، قيل: وهذا في غير الآباء؛
(١) في فتح الباري ٦/ ٤٥١ .
(٢) ٢٩٩/٢.
(٣) ص٢٨٠.
(٤) في الأصل و(م): أبو طلحة، والمثبت من الإتقان ١٠٧١/٢، وهو طلحة بن مصرف كما
ذكر السيوطي، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٧٠ .
(٥) ٥٦١/٢.

سُورَةُ الْأَنْعَطَل
٢٩٢
الآية : ٨٨ - ٨٩
لأنَّ آباء الأنبياءِ كلَّهم مهديُّون موحِّدون. وأنت تعلم أنَّ هذا مختلفٌ فيه نظراً إلى
آباء نبيِّنا وَّ، وكثيرٌ من الناس من وراء المنع، فما ظنُّك بآباء غيرِه من الأنبياء
عليهم السلام؟
ولا يخفى أنَّ إضافة الآباء والأبناء والإِخوان إلى ضميرهم لا يقتضي أن يكونَ
لكلِّ منهم أبٌّ أو ابن أو أخ، فلا تغفُل.
﴿وَأَجْنَبَيْنَهُمْ﴾ عطفٌ على ((فضلناهم) أي: اصطفيناهم.
﴿وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ (﴾﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتمهيدٌ لبيان ما هُدوا إليه.
ولم يظهر لي السُّ في ذِكر هؤلاء الأنبياءِ العِظام، عليهم من الله تعالى أفضلُ
الصلاةِ وأكملُ السلام، على هذا الأسلوبِ المشتمل على تقديم فاضلٍ على أفضل،
ومتأخِّرٍ بالزمان على متقدِّم به، وكذا السرُّ في التقرير أوَّلاً بقوله تعالى: ((وكذلك
نجزي ... )) إلخ، وثانياً بقوله سبحانه: ((وكل من الصالحين)) والله تعالى أعلمُ
بأسرار كلامِه.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي: الهدى إلى الطريق المستقيم، أو ما يُفهَم من النَّظم الكريم من
مصادر الأفعالِ المذكورة، أو ما دانوا به. وما في ((ذلك)) من معنى البُعد لمَا مرَّ
مراراً. ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ُ الإِضافةُ للتشريف ﴿يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ هدايتَه ﴿مِنْ عِبَادِهِ،﴾
وهم المستعدُّون لذلك.
وفي تعليق الهدايةِ بالموصول إشارةٌ إلى عِلِّية مضمونِ الصِّلة، ويفيد ذلك أنَّه
تعالى متفضِّل بالهداية .
﴿وَلَوْ أَشْرَّكُواْ﴾ أي: أولئك المذكورون ﴿لَحَبِطَ﴾ أي: لَبطل وسقط ﴿عَنْهُمْ﴾ من
فضلهم وعلوِّ شأنهم ﴿مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (®﴾ أي: ثوابُ أعمالهم الصالحة، فكيف
بمَن عداهم وهم هم وأعمالُهم أعمالهم؟
﴿أُوْلَكَ﴾ إِشارةٌ الى المذكورين من الأنبياء الثمانيةَ عشَرَ والمعطوفين عليهم
عليهم السلام، باعتبار اتِّصافهم بما ذُكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلةٍ كما
قیل.

الآية : ٨٩
٢٩٣
سُورَةُ الأَتْعَوَم
واقتصر الإِمام(١) على المذكورين من الأنبياء. وعن ابن بشير (٢) قال: سمعتُ
رجلاً سأل الحسنَ عن ((أولئك)) فقال له: مَن في صدر الآية.
وهو مبتدأ خبرُه قولُه سبحانه: ﴿الَِّينَ ءَانْتَهُمُ الْكِتَبَ﴾ أي: جنسَه. والمراد
بإيتائه التفهيمُ التامُّ لما فيه من الحقائق، والتمكينُ من الإِحاطة بالجلائل والدقائق،
أعمُّ من أن يكونَ ذلك بالإِنزال ابتداءً، وبالإيراث بقاءً، فإنَّ مِمَّن ذُكر مَن لم ينزل
علیه کتابٌ معین.
﴿وَلَّكْرَ﴾ أي: فصلَ الأمرِ بين الناس بالحقّ، أو الحكمةَ، وهي معرفةُ حقائقٍ
الأشياء.
﴿وَالَُُّةَ﴾ فسَّرها بعضهم بالرِّسالة، وعلَّل بأنَّ المذكورين هنا رسل. لكن في
((المحاكمات)) لمولانا أحمدَ بنِ حيدر الصفوي: أنَّ داود عليه السلام ليس برسولٍ
وإنْ كان له كتاب. ولم أجد في ذلك نصًّا. وذهب بعضُهم إلى أنَّ يوسف بن
يعقوبَ عليهما السلام ليس برسول أيضاً، ويوسفُ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ
يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيْنَتِ﴾ [غافر: ٣٤] ليس هو يوسف بن يعقوبَ عليهما السلام، وإنَّما
هو يوسفُ بن أفراثيم بنِ يوسف بن يعقوب. وهو غريب. وأَغرب منه القولُ بأنَّه
كان من الجنِّ رسولاً إليهم.
وقال الشِّهاب(٣): قد يقال: إنَّما ذكر الأعمّ (٤) في النّظم الكريم؛ لأنَّ بعض
مَن دخل في عموم آبائهم وذرِّياتهم ليسوا برسل.
﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بهذه الثَّلاثة، أو بالنبوَّة الجامعةِ للباقين ﴿هَؤُلاءٍ﴾ أي:
أهلُ مكة، كما رُوي عن ابن عباسٍ فِيَّ وقتادة، مع دلالة الإِشارة والمقام على
ما قيل. وقيل: المرادُ بهم الكفارُ الذين جحدوا بنبوَّته وَلَه مطلقاً، وأيًّا ما كان،
(١) في التفسير الكبير ٦٩/١٣.
(٢) هو جويرية بن بشير البصري الهجيمي، روى عنه يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون
وغيرهما. التاريخ الكبير ٢٤٢/٢، والجرح والتعديل ٥٣١/٢، والأثر عند ابن أبي حاتم
في التفسير ١٣٣٧/٤ .
(٣) في حاشيته ٤/ ٩٢.
(٤) أي: النبوة.

سُورَةُ الأَنْعَل
٢٩٤
الآية : ٨٩
فكفرُهم برسول الله وَّه وما أُنزل عليه من القرآن يستلزم كفرَهم بما يصدقه جميعاً.
وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل لما مرَّ غيرَ مرة.
﴿فَقَدْ وَكْنَا بِهَا﴾ أي: أمرنا برعايتها ووقَّقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها
﴿قَوْمًا﴾ فِخاماً ﴿لَّيِسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ في وقتٍ من الأوقات، بل مستمرُّون على
الإِيمان بها .
والمرادُ بهم - على ما أَخرج ابن جَرِير(١) وغيرُه عن ابن عباسٍ ﴿ًّا، وعبدُ بن
حُمَيد عن سعيد بنِ المسيَّب ـ أهلُ المدينة من الأَنصار. وقيل: أصحابُ النبيِّ وَل
مطلقاً. وقيل: كلُّ مؤمنٍ من بني آدمَ عليه السلام. وقيل: الفرس. فإنَّ كلَّا من
هؤلاء الطوائفِ موفَّقون للإِيمان بالأنبياء وبالكتب المنزَّلة إليهم، عاملون بما فيها
من أُصول الشرائعِ وفروعها الباقية في شريعتنا .
وعن قتادة: أنَّهم الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام المذكورون. وعليه يكون
المرادُ بالتوكيل الأمرَ بما هو أعمُّ: من إِجراء أحكامِها كما هو شأنُهم في حقِّ
كتابِهم، ومن اعتقاد حقِّيتها كما هو شأنُهم في حقِّ سائر الكتب التي نُورُ فرقها
القرآن.
واختار هذا الزجَّاج (٢)، ورجَّحه الزمخشريُّ(٣) بوجهين: الأوَّل أنَّ الآية التي
بعدُ إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين عليهم السلام، فإن لم يكن الموگَّلون هم، لزم
الفصلُ بالأجنبيّ. الثاني: أنَّه مرتَّب بالفاء على ما قبلَه، فيقتضي ذلك.
واستبعده بعضُهم؛ فإنَّ الظاهر كونُ مصدِّقِ النبوّة ومنكرِها مغايراً لمن أُوتيها .
وأخرج ابن حُمَيد وغيرُه عن أبي رجاء العطارديِّ أنَّهم الملائكة. فالتوكيلُ
حينئذ هو الأمر بإِنزالها وحفظها واعتقادٍ حقِّيتها.
واستبعده الإمام(٤)؛ لأنَّ القوم قلَّما يقع على غيرِ بني آدم.
(١) في تفسيره ٣٨٩/٩.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٧٠.
(٣) في الكشاف ٣٣/٢.
(٤) في تفسيره ١٣ /٦٨ .

الآية : ٩٠
٢٩٥
سُورَةُ الأَنْعَل
وأيًّا ما كان فتنوينُ ((قوماً)) للتفخيم كما أشرنا إليه، وهو مفعولُ ((وَّلنا)»، و((بها)»
قبلَه متعلِّق بما عنده، وتقديمُه على المفعول الصريح لما مرَّ، ولأنَّ فيه طولاً ربَّما
يؤدِّي تقديمُه إلى الإِخلال بتجاوب النظم الكريم، أو إلى الفصل بين الصفةٍ
والموصوف، والباءُ التي بعدُ صِلةٌ لـ ((كافرين)) قدِّمت محافظةً على الفواصل، والتي
بعدها لتأكيد النفي، وجوابُ الشرطِ محذوف، يدلُّ عليه جملة ((فقد وكلنا ... )) إلخ،
أي: فإنْ يكفر بها هؤلاء فلا اعتدادَ به أصلاً، فقد وقَّقنا للإِيمان قوماً مستمرِّين على
الإِيمان بها والعملِ بما فيها، ففي إيمانهم مندوحةٌ عن إيمان هؤلاء.
ومن هذا يُعلم أنَّ الأَرجح - كما قال شيخُ الإِسلام(١) - تفسيرُ القوم بإحدى
الطوائفِ مِمَّن عدا الأنبياءَ والملائكة عليهم الصلاة والسلام؛ إذ بإيمانهم بالقرآن
والعملِ بأحكامه يتحقَّق الغنيةُ عن إيمان الكفرةِ به والعملِ بأحكامه، ولا كذلك
إيمانُ الأنبياءِ والملائكةِ عليهم السلام.
﴿ أُوْلَئِكَ﴾ أي: الأنبياء المذكورون، كما رُوي عن ابن عباسٍ رَّ والسديِّ
وابنِ زيد. وقيل: الإِشارةُ إلى المؤمنين الموكَّلين، ورُوي ذلك عن الحسن وقتادة.
ولا يخفى ما فيه.
وهو مبتدأٌ، خبره قولُه سبحانه: ﴿الَّذِينَ هَدَى اللٌّ﴾ أي: هديناهم إلى الحقِّ
والصراطِ المستقيم. والالتفاتُ إلى الاسم الجليلِ للإِشعار بعلَّة الهداية، وحُذفَ
المهديُّ إليه اعتماداً على غاية ظهوره.
﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ أي: اجعل هداهم منفرداً بالاقتداء، واجعل الاقتداءَ
مقصوراً عليه. والمرادُ بهداهم عند جمعٍ: طريقُهم في الإِيمان بالله تعالى وتوحيدِه
وأصولِ الدين، دونَ الشرائعِ القابلة للنسخ، فإنَّها بعد النسخِ لا تبقى هدّى، وهم
أيضاً مختلفون فيها، فلا يمكنُ التأسِّي بهم جميعاً .
ومعنى أمرِهِ وَّهِ بالاقتداء بذلك: الأخذُ به لا من حيث إنه طريقُ أولئك
الفِخام، بل من حيث إنه طريقُ العقلِ والشرع، ففي ذلك تعظيمٌ لهم وتنبيهٌ على أنَّ
طريقهم هو الحقُّ الموافق لدليل العقل والسمع.
(١) في إرشاد العقل السليم ٣/ ١٦٠.

سُورَةُ الأَنْقَال
٢٩٦
الآية : ٩٠
وبهذا أجاب العلّامة الثاني عمَّا أورده سؤالاً من أنَّ الواجب في الاعتقادات
وأصولِ الدين هو اتِّاعُ الدليلِ من العقل والسمع، فلا يجوز سيَّما للنبيِّ نَّهِ أن يقلِّد
غيره، فما معنى أمرِه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء؟
وأُورد عليه أنَّ اعتقاده عليه الصلاة والسلام حينئذٍ ليس لأجل اعتقادِهم، بل
لأجل الدليلٍ، فلا معنى لأَمره بالاقتداءِ بذلك. واعتُرض أيضاً بأنَّ الأخذ بأصول
الدِّين حاصلٌ له قبل نزول الآية، فلا معنى للأمر بأخذ ما قد أخذ قبل. اللهمَّ إلَّا
أن يحملَ على الأمر بالثَّبات عليه.
وحقَّق القطب الرازيُّ في حواشيه على ((الكشّاف)) أنَّه يتعيَّن أنَّ الاقتداء المأمورَ
به ليس إلَّا في الأخلاق الفاضلةِ والصفاتِ الكاملة، كالحِلم، والصبرِ، والزُّهد،
وكثرةٍ الشكر، والتضرُّع، ونحوها. ويكون في الآية دليلٌ على أنَّه ◌َّرِ أفضلُ منهم
قطعاً؛ لتضمُّنها أنَّ الله تعالى هدى أولئك الأنبياء عليهم السلام إلى فضائل
الأَخلاق وصفاتِ الكمال، وحيث أَمر رسولَ الله وَّر أن يقتديَ بهداهم جميعاً،
امتنع للعصمة أن يقال: إنَّه لم يمتثل، فلا بدَّ أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام قد
امتثلَ وأتى بجميع ذلك، وحصَّل تلك الأَخلاق الفاضلةَ التي في جميعهم، فاجتمع
فيه من خِصال الكمالِ ما كان متفرِّقاً فيهم، وحينئذٍ يكون أفضلَ من جميعهم قطعاً،
كما أنه أفضلُ من كلِّ واحدٍ منهم. وهو استنباطٌ حسن.
واستدلَّ بعضُهم بها على أنَّه بِّهِ متعبَّد بشرع مَن قبله. وليس بشيءٍ.
وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهداهم دون الاقتداءِ بهم ما لا يخفَى
من الإِشارة إلى علوٍّ مقامه وَّةٍ عند أرباب الذَّوق.
والهاء في ((اقتده)) هاءُ السكتِ التي تزاد في الوقف ساكنةً، وقد تثبت في الدَّرْج
ساكنةً أيضاً إجراءً للوصل مُجرَى الوقف، وبذلك قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمرٍو
وعاصم. وبحذف الهاءِ في الوصل خاصَّةً حمزةُ والكسائيُّ. وقرأ ابنُ عامر:
((اقتدِ)) بكسر الهاءِ من غير إِشباع، وهو الذي تسمِّيه القراءُ اختلاساً، وهي رواية
هشامٍ عنه. وروى غيرُه إِشباعَها، وهو كسرُها ووصلُها بياء(١).
(١) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢/ ١٤٢.

الآية : ٩٠
٢٩٧
سُوَةُ الأَنْعَم
وزعم أبو بكر بنُ مجاهدٍ (١) أنَّ قراءة ابنِ عامر غلط، معلِّلاً ذلك بأنَّ الهاء
هاءُ الوقف، فلا تحرَّك في حالٍ من الأحوال، وإنَّما تذكر ليظهرَ بها حركةٌ
ما قبلها .
وتعقّبه أبو عليٍّ الفارسي (٢) بأنَّ الهاء ضميرُ المصدر وليست هاءَ السكت، أي:
اقتدِ الاقتداءَ. ومثلُه - كما قال أبو البقاء - قوله :
هذا سراقةٌ للقرآن يدرسهُ والمرءُ عند الرُّشا إنْ يلقها ذِيبُ
فإنَّ الهاءَ فيه ضميرُ الدرسِ لا مفعول؛ لأنَّ ((يدرس)) قد تعدَّى إلى القرآن(٣).
وقال بعضهم: إنَّ هاءَ السكت قد تحرَّك تشبيهاً لها بهاء الضمير، والعربُ كثيراً
ما تعطي الشيءَ حكمَ ما يشبهه وتَحمله عليه، وقد روي قولُ أبي الطيِّب:
وا حرَّ قلباه مِمَّن قلبه شَبِمُ (٤)
بضمِّ الهاء وكسرِها على أنَّها هاءُ السكت، شُبِّهت بهاء الضميرِ فحرِّكت.
واستحسن صاحبُ ((الدُّرّ المصون))(٥) جعلَ الكسرِ لالتقاء الساكنين، لا لشبه
الضمير؛ لأنَّ هاءه لا تكسر بعد الألفِ، فكيف ما يُشبهها؟
وزعم الإِمام(٦) أنَّ إِثبات الهاءِ في الوصل للاقتداء بالإِمام(٧). ولا يقتدى به في
ذلك؛ لأنَّه يقتضي أنَّ القراءة بغير نقلٍ تقليداً للخطّ، وهو وَهَم.
﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ﴾ أي: لا أَطلب منكم ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على القرآن، أو على
التبليغ؛ فإنَّ مساق الكلام يدلُّ عليهما وإن لم يَجرِ ذِكرهما ﴿أَجْرًا﴾ أي: جُعلاً،
قلَّ أو كثر، كما لم يسأله مَن قبلي مِن الأنبياء عليهم السلام أُمَمَهم.
(١) في كتابه السبعة ص ٢٦٢.
(٢) في الحجة ٣٥٢/٣.
(٣) الإملاء ٥٨٩/٢-٥٩٠، والبيت سلف ٣١/٣.
(٤) ديوانه ٤/ ٨٠، وعجزه: ومَن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ. والشبم: البارد.
(٥) ٣٣/٥.
(٦) في تفسيره ١٣/ ٧١.
(٧) أي: المصحف الإمام.

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٩٨
الآية : ٩١
قيل: وهذا من جملة ما أُمر (١) بالاقتداء به مِن هداهم عليهم السلام. وهو
ظاهرٌ على ما قاله القطبُ؛ لأنَّ الكفَّ عن أخذ أجرٍ في مقابلة الإِحسانِ من
مكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الأفعال، وأمَّا على قولٍ مَن خصَّ الهدى السابقَ
بالأُصول، فقد قيل: إنَّ بين القولِ به والقولِ بذلك الاختصاصِ تنافياً. وأُجيب
بأنَّ استفادةَ الاقتداءِ بالأصول من الأمر الأوَّل لا ينافي أن يؤمَرَ عليه الصلاة
والسلام بالاقتداء بأمرٍ آخَر كالتبليغ. وتقديمُ المتعلَّق هناك إنَّما هو لنفي اتِّباعِ
طريقةٍ غيرهم في شيءٍ آخر.
واستُدلَّ بالآية على أنَّه يحلُّ أخذ الأجرِ للتعليم وتبليغِ الأحكام. وفيه كلامٌ
للفقهاء على طوله مشهورٌ غنيٌّ عن البيان.
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما القرآنُ ﴿إِلَّا ذِكْرَى﴾ أي: تذكيرٌ، فهو مصدر، وحَمْله على
ه كافَّةٌ، فلا يختصُّ
٩٠
ضمير القرآنِ للمبالغة، ولا حاجةَ لتأويله بمذكَّر ﴿لِلْعَلَمِينَ
به قومٌ دون آخرين. واستدلَّ بالآية على عموم بعثتِهِ وَّر.
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ﴾ لَمَّا حكى سبحانه عن إِبراهيم عليه السلام أنَّه ذكر دليلَ التوحيد
وإِبطالِ الشِّرك، وقرَّر جلَّ شأنه ذلك الدليلَ بأوضحٍ وجه، شرع سبحانه بعدُ في
تقرير أمرٍ النبوّة؛ لأنَّ مدار أمرِ القرآن على إِثبات التوحيدِ والنبوّة والمعاد، وبهذا
ترتبط الآيةُ بما قبلَها كما قال الإِمام(٢).
وأَولى منه ما قيل: إنه سبحانه [لما بيَّن](٣) شأنَ القرآنِ العظيم، وأنَّه نعمةٌ
جليلة منه تعالى على كافَّة الأُمم، حسبما نطق به قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] عقَّب ذلك ببيان غَمطِهم إيَّاها وكفرهم بها، على
وجهٍ سَرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتبِ الإِلهية.
وأصل القَدْرِ معرفةُ المقدار بالسَّبر، ثم استُعمل في معرفة الشيءٍ على أتمِّ
الوجوه حتى صار حقيقةً فيه. وقال الواحديُّ: يقال: قدر الشيءَ: إذا سَبَره وأَراد
(١) في (م): أمرنا .
(٢) في تفسيره ١٣/ ٧٢.
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٣/ ١٦١، وفي الأصل: إنه سبحانه عظّم شأن ...

الآية : ٩١
٢٩٩
سُورَةُ الأَنْعَم
أن يعلمَ مقدارَه، يَقدُره بالضمِّ قَدْراً. وقالِ نََّ: ((إنْ غُمَّ عليكم فاقدُرُوا له))(١) أي:
فاطلبوا أن تعرفوه. ثم قيل لمن عرفَ شيئاً: هو يقدُر قَدْرَه، وإذا لم يعرفْه بصفاته:
إنَّه لا يَقْدِرُ قَدْرَه.
واختلف التفسيرُ هنا: فعن الأَخفش أنَّ المعنى: ما عرفوا اللهَ تعالى ﴿حَقَّ
قَدْرِهِهِ﴾ أي: حقَّ معرفته. وعن ابن عباسٍ ◌ِّ: ما عظّموا اللهَ تعالى حقَّ تعظيمِه.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ صفته. والكلُّ محتمِل.
واختار بعضُ المحقّقين ما عليه الأخفشُ؛ لأنَّه الأوفقُ بالمقام، أي: ما عرفوه
سبحانه معرفته الحقَّ في اللَّطف بعباده والرحمةِ عليهم، ولم يراعوا حقوقَه تعالى في
ذلك، بل أخلُّوا بها إخلالاً عظيماً ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ منكِرين لبَعثِه الرسل عليهم الصلاةُ
والسلام وإنزالِ الكتب، كافرين بنعمه الجليلةِ فيهما .
أو ما عرفوه جلَّ شأنُه حقَّ معرفته في السخط على الكفار وشدَّةِ بطشه بهم حين
اجترؤوا على إِنكار ذلك بقولهم: ﴿مَآ أَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ أي: شيئاً من الأشياء.
فـ (من)) للتأكيد، ونصب ((حق)) على المصدرية، وهو - كما قال أبو البقاء(٢) - في
الأصل صفةٌ للمصدر، أي: قَدْرَه الحقَّ، فلما أُضيف إلى موصوفه انتصبَ على
ما كان ينتصب عليه. و((إذ)) ظرفٌ للزمان، وهل فيها معنى العِلَّة هنا أم لا؟
احتمالان. وأبو البقاء يعلِّقها بـ ((قدروا)) وليس بالمتعيِّن.
وقُرئ: «قَدَرِه)) بفتح الدال(٣) .
واختُلف في قائلي ذلك القولِ الشنيع، فأخرج أبو الشَّيخ عن مجاهدٍ أنَّهم
مشركو قريش. والجمهورُ على أنهم اليهود، ومرادُهم من ذلك الطعنُ في رسالته ال
على سبيل المبالغة، فقيل لهم على سبيل الإِلزام: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جََّ بِهِ،
مُؤْسَى﴾ فإنَّ المراد أنَّه تعالى قد أَنزل التوراةَ على موسى عليه السلام ولا سبيلَ لكم
إلى إِنكار ذلك، فلمَ لا تجوِّزون إنزالَ القرآنِ على محمدٍ بَّهِ؟
(١) أخرجه البخاري (١٩٠٠) ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر .
(٢) في الإملاء ٢/ ٥٩١.
(٣) البحر المحيط ٤/ ١٧٧ .

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٠٠
الآية : ٩١
وبهذا ينحلُّ استشكالُ ما عليه الجمهورُ بأنَّ اليهود يقولون: إنَّ التوراة كتابُ الله
تعالى أَنزله على موسى عليه السلام، فكيف يقولون: ((ما أنزل الله على بشر من
شيء)) وحاصلُ ذلك أنَّهم أَبرزوا إنزالَ القرآنِ عليه عليه الصلاة والسلام في صورة
الممتنعات، حتى بالغوا في إِنكاره، فأُلزموا بتجويزه.
وقيل: إنَّ صدور هذا القولِ كان عن غضبٍ وذهولٍ عن حقيقته، فقد أخرج
ابنُ جريرٍ والطبرانيُّ (١) عن سعيد بن جبير: أنَّ مالك بنَ الصيفِ من أحبار اليهودِ
قال له رسولُ اللهِ وَّيِ: ((أَنشدك الله تعالى الذي أَنزل التوراةَ على موسى، هل
تجد فيها أنَّ اللهَ تعالى يُبغض الحَبرَ السمين؟ فأنت الحَبرُ السمين، قد سمنتَ من
مالك الذي يُطعمك اليهود)) فضحك القوم، فغضب، فالتفت إلى عمرَ نظ ◌ُبه فقال:
ما أَنزل الله تعالى على بشرٍ من شيءٍ. فقال له قومُه: ما هذا الذي بَلَغَنا عنك؟
قال: إنه أَغضبني. فنزعوه وجعلوا مكانَه كعب بن الأَشرف، فأنزل اللهُ تعالى هذه
الآية(٢).
واعتُرض بأنَّ هذا لا يلائم الإِلزامَ بإنزال التوراةِ على موسى عليه السلام، فقد
اعترف القائلُ بأنَّه إنَّما صدر ذلك عنه من الغضب، فليُفهَم.
ولا يَرِدِ أنَّ هذه السورةَ مِّية، والمناظراتُ التي وقعت بين رسولِ الله ◌ِّ وبين
اليهودِ كلُّها مدنية، فلا يتأتّى القولُ بأن الآيةَ نزلت في اليهود؛ لما أَخرج أبو الشَّيخ
عن سفيانَ والكلبيِّ أنَّ هذه الآية مدنية.
واستُشكل أيضاً قولُ مجاهدٍ بأنَّ مشركي قريشٍ كما يُنكرون رسالةَ النبيِّ وَّ
ينكرون رسالةً سائرِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، فكيف يَحسُن إِيراد هذا الإِلزامِ
عليهم؟
(١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٩٤/٤ عزوه للطبراني، ولم نقف عليه عنده.
(٢) كذا جاء لفظ الخبر في الكشاف ٣٤/٢، وهو عند الطبري ٣٩٣/٩-٣٩٤، وابن أبي حاتم
٤/ ١٣٤٢، وأسباب النزول للواحدي ص٢١٥ دون قوله: فأنت الحبر السمين قد سمنت من
مالك الذي يطعمك اليهود، فضحك القوم. وقوله: إنه أغضبني فنزعوه وجعلوا مكانه
کعب بن الأشرف.