Indexed OCR Text
Pages 461-480
الآية : ١٠٦ ٤٦١ سُورَةُ للعائدة والجرِّ على حذف حرفِ القسم وتعويضٍ حرف الاستفهام منه. وليس هذا من حذف حرف الجرِّ وإبقاءٍ عمله، وهو شاذٍّ كقوله: أشارَتْ كُلَيبٍ بِالأَكُفِّ الأصابعُ(١). لأن ذلك حيث لا تعويضَ، وفي الجلالة الكريمةِ تعويضُ همزة الاستفهامِ عن المحذوف. وهل الجرُّ به أو بالعِوض؟ قولان. وروي عنه، وكذا عن الحسن ﴿ُه ويحيى بن يَعْمَر(٢) وابنٍ جبير (٣) وآخَرين: «الله» بدون مدِّ. وفي ذلك احتمالان: الأول: أنَّ الحذف من غير عِوَض، فيكونُ على خلاف القياس. الثاني: أنَّ الهمزة المذكورة همزةُ الاستفهام، وهي همزة قطع عوِّضت عن الحرف ولكنها لم تمدَّ. وهذا أَولى من دعوى الشُّذوذ؛ ولذا اختاره في ((الدُّرّ المصون)) (٤). وقُرئ بتنوين الشهادة ووصلِ الهمزة ونصبٍ اسم الله تعالى من غير مدٍّ، وخرَّجه أبو البقاء على أنه منصوبٌ بفعل القَسم محذوفاً (٥). ﴾ أي: إذا فعلنا ذلك وكتمنا، والعدولُ عن آثمون إلى ١٠٦ ما ذكر للمبالغة. ﴿إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ وقُرئ: ((لَمِلَّاثِمين)) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللَّام وإِدغام النونِ فيها(٦). (١) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ٤٢٠، والخزانة ١١٣/٩، وصدره: إذا قيل أي الناس شرٌّ قبيلةٌ (٢) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من مجمع البيان ٢١٨/٧، والكلام منه. (٣) في (م): جرير، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل ومجمع البيان. (٤) ٤ / ٤٧٠ . (٥) في الإملاء ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١، والتقدير: ولا نكتم شهادةً واللهِ، فلما حُذف حرف الجر نُصب المقسَمُ به، وهذا يستدعي حذف المفعول الأول للكتمان، أي: ولا نكتم أحداً شهادةً والله؛ قال السمين في الدر ٤٦٨/٤: وفيه تكلّف. وذَكر لها تخريجاً آخر، وهو أن ((شهادة) مفعول ثانٍ، والجلالة نصب على التعظيم وهو الأول، والأصل: ولا نكتم الهَ شهادةً. (٦) القراءات الشاذة ص٣٥، والبحر المحيط ٤/ ٤٤. سُورَةُ القَائِدَة ٤٦٢ الآية : ١٠٧ ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أي: اطلع، يقال: عثر الرجلُ على الشيء عثوراً، إذا اطّلع عليه. وقال الغوري: تقول: عثرت، إذا اطّلعتَ على ما كان خفيًّا، وهو مجازٌ بحسب الأصل، من قولهم: عثر، إذا كبا. وذلك أنَّ العاثر ينظر إلى موضع عِثاره فيعرفه ويطَّلع عليه. وقال اللَّيث: إنَّ مصدر عثر بمعنى اطّلع: العثورُ، وبمعنى كبا: العِثار. وحينئذٍ يخفَى القولُ بالمجاز؛ لأنَّ اختلاف المصدر ينافيه، فلا تتأَتَّى تلك الدَّعوى إلَّا على ما قاله الراغبُ من اتِّحاد المصدرَین. وفي ((القاموس))(١): عثر - كضرب، ونصر، وعَلِم، وكَرُم - عَثْراً وعَثِيراً وعِثاراً: كبا. والعثور: الاطّلاع، كالعَثْر. وظاهرُ هذا أنْ لا مجاز. ويُفهم منه أيضاً الاتّحاد في بعض المصادر، فافهم. والمراد: فإن عُثر بعد التحليف ﴿عَّ أَنَّهُمَا﴾ أي: الشاهدَين الحالفين ﴿اُسْتَحَقّاً إِثْمًا﴾ أي: فَعَلَا ما يوجبه من تحريفٍ وكتم، بأنْ ظهر بأيديهما شيءٌ من التَّركة واڈَّعيا استحقاقهما له بوجهٍ من الوجوه. وقال الجبّائي: الكلام على حذفِ مضاف، أي: استحقّا عقوبةَ إِثم. ﴿فَاخَرَانٍ﴾ أي: فرجلان آخران. وهو مبتدأ، خبرُه قولُه تعالى: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ والفاء جزائيّة، وهي إِحدى مسوِّغات الابتداء بالنَّكرة. ولا محذورَ في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته، وهو قولُه سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَینِ﴾ . وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: فالشاهدان آخران، وجملة ((يقومان)) صفتُه، والجارُّ والمجرور صفة أخرى. وجوَّز أبو البقاء(٢) أن يكونَ حالاً من ضمير «یقومان)). وقيل: هو فاعلُ فعل محذوف، أي: فليشهد آخَران، وما بعده صفةٌ له. وقيل: مبتدأ خبرُه الجارُّ والمجرور، والجملة الفعليّة صفته. (١) مادة (عثر). (٢) في الإملاء ٢/ ٤٨٢. الآية : ١٠٧ ٤٦٣ سُورَةُ القَائِدَة وضمير ((مقامهما)) في جميع هذه الأَوجُه مستحقُّ للذَين استحقًا. وليس المرادُ بمقامهما مقامَ أداء الشَّهادة التي تولَّياها ولم يؤدِّياها كما هي، بل هو مقام الحبسٍ والتحليف. و((اسْتَحَقَّ)) بالبناء للفاعل قراءةُ عاصم في رواية حفصٍ عنه(١)، وبها قرأ عليّ كرَّم الله تعالى وجهه وابنُ عباس وأُبَيِّ ﴿ه، وفاعلُه ((الأوليان))، والمراد من الموصول أهلُ المَيِّت، ومن الأَولَيين الأَقربان إليه الوارثان له الأحقَّان بالشهادة؛ لقُربهما واطّلاعهما، وهما في الحقيقة الآخَران القائمان مقامَ اللَّذين استحقّا إثماً، إلَّا أنه أُقيم المُظهَر مُقامَ ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف. ومفعول ((استَحقَّ)) محذوف، واختلفوا في تقديره، فقدَّره الزمحشريُّ(٢): أن يجردوهما للقيام بالشَّهادة ليُظهروا بهما كذبَ الكاذبين. وقدَّره أبو البقاء (٣): وصيّتهما. وقدَّره ابن عطيّة(٤): ما لَهم وتركتهم. وقال الإمام(٥): إنَّ المراد بالأَوليان الوصيَّان اللذان ظهرت خيانتُهما، وسببُ أولويَّتهما أنَّ الميت عيَّنهما للوصية، فمعنى ((استحق عليهم الأوليان)»: خان في مالهم وجنَى عليهم الوصيّان اللذان عُثر على خيانتهما. وعلى هذا لا ضرورةَ إلى القول بحذف المفعول. وقرأ الجمهور: ((استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان)) ببناء ((استُحقَّ) للمفعول. واختلفوا في مرجع ضميره، والأكثرون أنَّه الإِثم، والمرادُ من الموصول الورثة؛ لأنَّ استحقاق الإِثم عليهم كنايةٌ عن الجناية عليهم، ولا شكَّ أنَّ الذين ◌ُني عليهم وارتكب الذَّنب بالقياس إِليهم هم الورثةُ. وقيل: إنَّه الإيصاء. وقيل: الوصية؛ لتأويلها بما ذكر. وقيل: المال. وقيل: إنَّ الفعل مسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور. (١) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) في الكشاف ١/ ٦٥١. (٣) في الإملاء ٢/ ٤٨٢ . (٤) في المحرر الوجيز ٢٥٥/٢. (٥) في التفسير الكبير ١١٩/١٢ . سُورَةُ القَائِدَة ٤٦٤ الآية : ١٠٧ وكذا اختلفوا في توجيه رفع ((الأوليان)) فقيل: إنه مبتدأُ خبرُه آخران، أي: الأولیان بأمر الميت آخران. وقيل: بالعكس. واعتُرض بأنَّ فيه الإِخبارَ عن النَّكرة بالمعرفة، وهو مما اتُّفق على منعه في مثله. وقيل: خبر مبتدأ مقدَّر، أي: هما الآخَران، على الاستئناف البيانيّ. وقيل: بدل من ((آخران)). وقيل: عطفُ بيان عليه، ويلزمه عدمُ اتفاق البيانِ والمبيَّن في التعريف والتنكير، مع أنَّهم شرطوه فيه حتى مَن جوَّز تنكيره، نعم نُقل عن نزرٍ عدمُ الاشتراط . وقيل: هو بدل من فاعل ((يقومان)) وكونُ المبدَل منه في حكم الطّرح ليس من كلِّ الوجوه حتى يلزمَ خلوُّ تلك الجملةِ الواقعة خبراً أو صفةً عن الضمير، على أنَّه لو طُرح وقام هذا مَقامَه، كان من وضع الظاهرِ موضعَ الضمير، فيكون رابطاً . وقيل: هو صفةُ ((آخَران))، وفيه وصفُ النكرة بالمعرفة، والأخفش(١) أجازه هنا؛ لأنَّ النكرة بالوصف قَرُبت من المعرفة؛ قيل: وهذا على عكس: ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني (٢) فإنه يؤوَّل فيه المعرفة بالنكرة، وهذا أوّل فيه النكرةُ بالمعرفة، أو جعلت في حكمها للوصف، ويمكن - كما قال بعض المحقّقين - أن يكونَ منه بأن يُجعل (الأَوليان)) لعدم تعلُُّهما كالنكرة. وعن أبي عليٍّ الفارسيِّ: أنه نائبُ فاعل ((استُحقّ))، والمراد على هذا: استُحقّ عليهم انتدابُ الأوليين منهم للشهادة كما قال الزمخشري(٣)، أو إثم الأوليين كما قيل. وهو تثنية الأَوْلى، قُلبت ألفه ياءً عندها. (١) انظر معاني القرآن ٤٧٩/٢. (٢) عجزه: فمضيت ثُمَّتَ قلت لا يعنيني. ونسب في الأصمعيات ص٣٨ لشمر بن عمرو الحنفي، وفي الكتاب ٢٤/٣ والخزانة ٣٥٧/١ - ٣٥٨ لرجل من بني سلول. (٣) في الكشاف ١/ ٦٥١. الآية : ١٠٧ ٤٦٥ سُورَةُ القَائِدَة وفي ((على)) في ((عليهم)) أَوجُه: الأوَّل: أنها على بابها . والثاني: أنها بمعنى ((في)). والثالث: أنها بمعنى ((مِن)). وفسِّر (استحقَّ)) بـ طَلَب الحقَّ، وبـ: حقَّ وغلب. وقرأ يعقوبُ وخَلَفٌ وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه: ((استُحِقَّ عليه الأوَّلِينَ))(١) ببناء (استحقّ)) للمفعول، و((الأَوَّلِينَ)) جمع أوَّل المقابلِ للآخِرِ، وهو مجرورٌ على أنه صفة ((الذين)) أو بدلٌ منه، أو من ضمير ((عليهم))، أو منصوب على المدح. ومعنى الأوَّلية التقدُّمُ على الأجانب في الشهادة. وقيل: التقدُّم في الذِّكر؛ لدخولهم في ((يا أيها الذين آمنوا)). وقرأ الحسن: ((الأَوَّلان)) بالرفع. وهو كما قدَّمنا في ((الأَوْلَيان)). وقرئ: ((الأَوَّلَين)) بالتثنية والنصب. وقرأ ابن سيرين: ((الأَوْلَيَين)) بياءَين تثنية أَوْلى منصوباً . وقرئ: ((الأَوْلَين)) بسكون الواو وفتح اللام، جمع أَوْلى، كـ: أَعلَين(٢)، وإعرابُ ذلك ظاهر. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاَلَّهِ﴾ عطف على ((يقومان)) والسببيّة ظاهرة. وقولُه سبحانه: ﴿لَشَهَدَنْنَآَ أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾ جواب القسم. والمراد بالشّهادة عند الكثير - ومنهم ابنُ عباس ﴿ّ - اليمينُ، كما في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِلٌَّ﴾ [النور: ٦] وسمِّيت اليمين شهادةً - على ما قال الطبرسيُّ(٣) - لأنَّ اليمين كالشَّهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك، أي: (١) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ٣٥، والكشاف ٦٥١/١، والبحر ٤٥/٤، والدر المصون ٤/ ٤٧٣ . (٣) في مجمع البيان ٧/ ٢٢٨. سُورَةُ القَائِدَة ٤٦٦ الآية : ١٠٧ لَيميننا على أنَّهما كاذبان فيما ادَّعيا من الاستحقاق مع كونها حقّةً صادقة في نفسها أولى بالقبول من يمينهما مع كونها كاذبةً في نفسها؛ لِمَا أنه قد ظهر للناس استحقاقُهما للإثم ويمينُنا منزَّهة عن الرَّيب والرِّيبة. وصيغة التفضيل إنَّما هي لإمكان قَبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقِهما في ادِّعاء تملَّكهما لِما ظهر في أيديهما . وقيل: إنَّ الشهادة على معناها المتبادر عند الإطلاق. وسيأتي إن شاء الله تعالى عن بعض المحقّقين غيرُ ذلك. وقوله عزَّ شأنُه: ﴿وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ﴾ عطفٌ على الجواب، أي: ما تجاوزنا في شهادتنا الحقَّ وما اعتدينا عليهما بإبطال حقِّهما. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ استئناف مقرِّر لما قبله. أي: إنَّا إذا ١٠٧). اعتدينا فيما ذُكر لَمن الظالمين أنفسَهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه، أو لمن الواضعين الحقَّ في غير موضعه. ومعنى الآيتين عند غيرٍ واحدٍ من المفسِّرين أنَّ المحتضَر إذا أراد الوصية، ينبغي أن يُشهد عدلَين من ذوي دِينه أو نسبه، فإن لم يجدهما بأنْ كان في سفر، فآخَران من غيرهم، ثم إنْ وقع ارتيابٌ في صدقهما، أَقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على كذبهما بأمارة، حُلِّف آخران من أهل الميِّت. وادُّعي أنَّ الحكم منسوخٌ إذا كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلَّف الشاهد ولا يعارَض يمينُه بيمين الوارث. وقيل: إنَّ التحليف لم يُنسخ، لكنه مشروط بالرِّيبة. وقد رُوي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنه كان يحلِّف الشاهد والراويَ إذا اتَّهمهما. وفي بعض كتب الحنفيَّة أنَّ الشاهد إن لم يجد مَن يزكِّيه، يجوز تحليفُه احتياطاً. وهذا خلاف المفتَى به، كما بُسط في محلِّه. وكذا ادَّعى البعض النسخَ أيضاً، على تقدير أن يكونَ المراد بالشَّاهدين في السفر غيرَ مسلمَين؛ لأنَّ شهادة الكافر على المسلم لا تُقبل مطلقاً. وروى حديثَ ١) النسخ ابنُ جَریر عن ابن عباس (١) تفسير الطبري ٩/ ١٠٧. الآية : ١٠٧ ٤٦٧ سُؤَدَّةُ القَائِدَة وقال بعضهم: لا نسخَ، وأجاز شهادة الذميِّ على المسلم في هذه الصورة. وروي عن أبي موسى الأشعريِّ أنه حكم - لَمَّا كان والياً على الكوفة - بمحضَر من الصحابة بشهادة ذِمِّيين بعد تحليفهما في وصية مسلم في السفر. وإلى ذلك ذهب الإمامُ أحمد بن حنبل. وقال آخرون: الاثنان وصیّان، وحكمُ تحلیفھما إذا ارتاب الورثة غیرُ منسوخ، وما أفادته الآيةُ من ردِّ اليمين على الورثة ليس من حيث إنهم مدَّعون وقد ظهرت خيانةُ الوصيين فرُدَّت اليمين عليهما خلافاً للشافعيّ، بل من حيث إنهم صاروا مدَّعًى عليهم؛ لانقلاب الدَّعوى، فإنَّ الوصيَّ المدَّعى عليه أوَّلاً صار مدَّعياً للملك، والورثةُ ينكرون ذلك. ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ في ((التاريخ)) والترمذيُّ وحسَّنه وابنُ جرير وابنُ المنذر وخلقٌ آخَرون عن ابن عباس ﴿ًا قال: خرج رجلٌ من بني سهم مع تميم الداريٌّ وعَديٍّ بن بَدَّاء - وقيل: نَدَّاء بالنون - فمات السهميُّ بأرض ليس فيها مسلم، فلمّا قدما بتَرِكته، فقدوا جاماً من فضة مخوَّصاً بالذهب، فأَحلفهما رسولُ اللهِ وَليم بالله تعالى ما كتمتما ولا اطّلعتما، ثم وُجد الجامُ بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعديٍّ، فقام رجلان من أولياء السهميِّ فحلفا بالله سبحانه لَشهادتُهما أحقُّ من شهادتهما وأنَّ الجام لصاحبهم، وأخذا الجام، وفيهم نزلت: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) إلخ(١). هذا وادَّعى بعض المحقّقين(٢) أنَّ الشهادة هاهنا لا يمكن أن تكونَ بمعناها المتبادَر بوجه، ولا تتصوَّر؛ لأن شهادتهما إمّا على الميت، ولا وجهَ لها بعد موته وانتقالِ الحقِّ إلى الورثة وحضورِهم، أو على الوارث المخاصِم، وكيف يشهد الخصمُ على خصمه؟ فلا بدَّ من التأويل. وذكر أنَّ الظاهر أن تُحمَل في قوله سبحانه: (شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ) على الحضور أو الإحضار، أي: إذا حضر الموتُ المسافرَ فليُحضر من يوصي إليه بإيصال ماله (١) التاريخ الكبير ٢١٥/١، وسنن الترمذي (٣٠٦٠)، وتفسير الطبري ٨٧/٩-٨٨، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٤٢/٢. (٢) هو الشهاب في الحاشية ٢٩٦/٣. سُورَةُ للقائِدَة ٤٦٨ الآية : ١٠٧ لوارثه مسلماً، فإنْ لم يجد فكافراً، والاحتياط أن يكونا اثنين، فإذا جاءا بما عندهما وحصل ريبةٌ في كتم بعضه، فليحلفا؛ لأنهما مودَعان مصدَّقان بيمينهما، فإن وُجد ما خانا فيه وادَّعيا أنهما تملَّكاه منه بشراء ونحوه ولا بينةً لهما على ذلك، يحلف المدَّعَى عليه على عدم العلم بما اذَّعَياه من التملُّك، وأنه ملكٌ لمورِّثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه. والشهادة الثانية بمعنى العلم المشاهد، أو ما هو بمنزلته؛ لأن الشهادة المعاينةُ، فالتجوُّز بها عن العلم صحيحٌ قريب. والشهادة الثالثة إمّا بهذا المعنى، أو بمعنى اليمين. وعلى هذا - وهو ممَّا أفاضه الله تعالى عليَّ ببركة كلامه سبحانه ــ فلا نسخَ في الآية ولا إشكال، وما ذكروه كلُّه تكلُّفٌ لم يَصْفُ من الكَدَر لذَوْقِ ذائقٍ، وسببُ النزول وفعلُ الرسولِوَّهِ مبِيِّن لِمَا ذُكر. انتھی. ولعل تخصيصَ الاثنين اللذَين يحلفان بأحقِّيّة شهادتهما - على ما قيل - الخصوص الواقعة، وإلّا فإن كان الوارث واحداً حلف، وإن تعدَّد حلف المتعدِّد كما بيِّن في الكتب الفقهية. وما ذكر من أنَّ سبب النزول .. إلخ مبيِّن لما قرَّره، فيه بعضُ خفاء؛ إذ ليس في الخبر أنَّ الوارثَين حلفا على عدم العلم، وفي غيره ما هو نصٌّ في الحلف على الثبات، فقد روي في خبر أطولَ ممَّا تقدَّم: أن عَمرو بن العاص والمطّلبَ بن أبي وداعة السهميين قاما فحلفا بالله سبحانه بعد العصر أنهما - أي: تميماً وعديًّا - كذبا وخانا، نعم قال الترمذيُّ في ((الجامع))(١) بعد روايته لذلك الخبر: إنه حديثٌ غريب، وليس إسناده بصحيح. وأيضاً في حمل الشهادة على شيءٍ ممَّا ذكره في قوله سبحانه: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَئِدَةَ اللَّهِ) خفاءٌ، وادَّعى هو نفسُه أنَّ حمل الشهادة على اليمين بعيد؛ لأنها إذا أُطلقت فهي المتعارفة، فتأمل، فقد قال الزجَّاج(٢): إنَّ هذه الآيةَ من أَشكلٍ ما في القرآن. وقال الواحديّ (٣): روي عن عمرَ ﴿به أنه قال: هذه الآية أعضلُ ما في هذه السورة من الأحكام. (١) عقب الحديث (٣٠٥٩). (٢) في معاني القرآن ٢١٦/٢. (٣) في البسيط كما في تفسير الرازي ١٢/ ١٢١. الآية : ١٠٨ ٤٦٩ سُورَةُ القَائِدَة وقال الإمام: اتفق المفسِّرون على أن هذه الآيةَ في غاية الصعوبة، إعراباً ونظماً وحكماً(١). وقال المحقّق التفتازاني: اتفقوا على أنَّ هذه الآية أصعبُ ما في القرآن، حكماً وإعراباً ونظماً. وقال الشِّهاب(٢): اعلم أنهم قالوا: ليس في القرآن أعظمُ إشكالاً وحكماً وإعراباً وتفسيراً من هذه الآيةِ والتي بعدها، يعني: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواأ) إلخ وقولَه تعالى: (فَإِنْ عُثِرَ) إلخ، حتى صنَّفوا فيها تصانيفَ مفرَدة، قالوا: ومع ذلك لم يخرج أحد من عُهدتها . وذكر الطبرسيُّ(٣) أنَّ الآيتين من أعوصِ القرآن حكماً ومعنَى وإعراباً، وافتخر بما أَتى فيهما، ولم يأتِ بشيءٍ. إلى غير ذلك من أقوالهم، وسبحان الخبيرِ بحقائق كلامه. ﴿ذَالِكَ﴾ كلام مستأنف سيق لبيان أنَّ ما ذكر مستتبع للمنافع واردٌ على مقتضى الحكمة. والإشارةُ إلى الحكم السابق تفصيلُه. وقيل: إلى تحليف الشّاهدين. وقيل: إلى الحبس بعد الصَّلاة. ﴿أَدَّفَ أَن يَأْتُواْ بِالشََّدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: أقربُ إلى أن يؤدِّيَ الشهود الشهادةَ على حقيقتها من غير تغيير لها خوفاً من العذاب الأُخروي، وهذه حكمةُ التحليف الذي تقدَّم أوَّلاً. والجارُّ الأول متعلِّق بـ ((يأتوا)) والثاني بمحذوفٍ وقع حالاً من ((الشهادة)) . وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدّ ◌َيٌَْ﴾ أي: إلى الورثة فيحلفوا ﴿بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ التي حلفوها. عطفٌ على مقدَّر يُنبئ عنه المقام، كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة محقَّقةً ويخافوا عذابَ الآخرة بسبب اليمين الكاذبة المحرَّمة في سائر (١) تفسير الرازي ١٢/ ١٢١ . (٢) في حاشيته ٢٩١/٣. (٣) في مجمع البيان ٢٢٨/٧ . سُورَةُ القَائِدَة ٤٧٠ الآية : ١٠٩ الأَديان، أو يخافوا أن تردّ الأَيمان إلى الورثة فيحلفوا ويأخذوا ما في أيديهم، فيخجلوا من ذلك على رؤوس الأشهاد، فينْزجروا عن الخيانة، وهو بيانٌ لحكمةٍ شرعيّةٍ قيام الآخَرين، فأيُّ هذين الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو الإتيانُ بالشهادة على وجهها . وقيل: إنه عطف على ((يأتوا))، أي: ذلك الحكم الذي ذكرناه أقربُ أن يأتوا بالشّهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه، وأقربُ إلى خوف الفضيحة. وجعل الشهابُ هذا العطفَ على حدٍّ قوله: علفتها تبناً وماءً باردا(١) وجوَّز السمينُ(٢) كونَ ((أو)) بمعنى الواو، كما جوَّز جَعْلَها لأحد الشيئين على ما هو الأصلُ فیھا، فتدبّر. وُجُمع ضمير (يأتوا)) و((يخافوا)) - على ما قيل - لأنَّ المراد ما يعُّ الشاهدَين المذكورين وغيرهما من بقيّة الناس. والظرفُ بعدُ متعلِّق بـ ((تُرَدَّ) كما هو الظاهر. وجوَّز السمين(٣) - وهو ضعيفٌ - أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ وقعَ صفةً لـ ((أَيمان)). ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ﴾ في مخالفة أحكامه التي مِن جملتها ما ذكر، والجملة - على ما قيل - عطفٌ على مقدَّر، أي: احفظوا أحكامَ الله سبحانه واتقوا. ﴿وَآسممُوا﴾ سمعَ إجابةٍ وقبولٍ جمیعَ ما تؤمرون به. تذييلٌ لما تقدم. والمراد: فإن لم تتَّقوا ١٠٨ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اٌلْقَوْمَ الْفَِقِينَ وتسمعوا، كنتم فاسقين خارجين عن الطاعة، والله تعالى لا يهدي القوم الخارجين عن طاعته إلى ما ينفعهم، أو إلى طريق الجنة. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ قيل: ظرفٌ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَّهْدِى﴾ ونَظَر فيه الحلبيُّ(٤) من حيث إنَّه سبحانه لا يهديهم مطلقاً، لا في ذلك اليومٍ ولا في (١) حاشية الشهاب ٢٩٧/٣، وسلف البيت ٢٩١/٥. (٢) في الدر المصون ٤/ ٤٨٢. (٣) في الدر المصون ٤٨٣/٤. (٤) في الدر المصون ٤/ ٤٨٥. الآية : ١٠٩ ٤٧١ سُورَةُ القَائِدَة الدنيا. وهذا احتمالٌ ذكره الزمخشريُّ(١)، ونُقِلَ عن المغربيِّ أيضاً. وهو ظاهر على تقديرٍ أن يكونَ المراد: لا يهديهم إلى طريق الجنة، وفيه مراعاةٌ لمذهب الاعتزال من أنَّ نفي الهداية المطلقة لا يجوز على الله جلَّ وعلا؛ ولذلك خصَّص المهدى إليه. وقيل: إنه بدلٌ من مفعول ((واتقوا)) فهو حينئذٍ مفعول لا ظرفٌ. وتعقَّبه أبو حيَّان(٢) بأنَّ فيه بعداً؛ لطول الفصل بالجملتين. وقال الحلبيُّ(٣): لا بعدَ، فإنَّ هاتين الجملتين من تمام معنى الجملةِ الأولى. وهو عند القائلين بالبدليّة بدلُ اشتمال. وتعقّب ذلك العَلَم العراقيُّ بأنَّ الإنصاف أنَّ بدل الاشتمال هاهنا ممتنع؛ لأنه لا بدَّ فيه من اشتمال البدل على المبدل منه، أو بالعكس، وهنا يستحيل ذلك؛ ولهذا قال الحلبيُّ: لا بد في هذا الوجهِ من تقدير مضافٍ ليصحَّ، والمراد: واتقوا عقابَ الله يوم(٤). وحينئذ يصحُ انتصاب اليوم على الظرفية. وقال المحقِّق التفتازانيُّ: وجه بدلِ الاشتمال ما بينهما من الملابسة بغير الكلِّيّة والبعضية، بطريق اشتمال المبدَل منه على البدل، لا كاشتمال الظرفٍ على المظروف، بل بمعنى أن ينتقلَ الذهن إليه في الجملة ويقتضيه بوجهٍ إجمالي، مثلاً إذا قيل: اتَّقوا الله، يتبادر الذهن منه إلى أنه: مِن أيِّ أمرٍ من أموره، وأيّ يومٍ من أيام أفعاله يجب الاتقاءُ، أيومَ جَمعِه سبحانه للرُّسل أم غير ذلك؟ واعتُرض بأنه اشترط في ذلك ألَّا تكون ظرفيةً، وهذا ظرفُ زمان لو أُبدل منه لأَ وهم ذلك. وقيل: إنه منصوب بمضمَر معطوفٍ على ((اتقوا .. )) إلخ، أي: واحذروا، أو: واذكروا يوم .. إلخ. فإنَّ تذكير ذلك اليومِ الهائل مما يضطرُّهم إلى تقوى الله تعالى وتلقِّي أمره بسمع الإجابة. (١) في الكشاف ٦٥٢/١. (٢) في البحر ٤٨/٤ . (٣) في الدر المصون ٤/ ٤٨٥ . (٤) المصدر السابق. سُورَةُ القَائِدَة ٤٧٢ الآية : ١٠٩ وقيل: منصوب بقوله سبحانه: (وَأَسْمَعُواْ) بحذف مضاف، أي: واسمعوا خبرَ ذلك اليوم. وقيل: منصوب بفعل مؤخّر، حذف للدَّلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانِه، لكمال فظاعة ما يقع فيه، كأنه قيل: يومَ يجمع الله الرسل .. إلخ، يكون من الأَحوال والأَهوال ما لا يَفي ببيانه نطاقُ المقال. وتخصيص الرسل بالذِّكر مع أنَّ ذلك يومٌ مجموع له الناس؛ لإبانة شرفهم وأَصالتهم، والإيذانِ بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم، بناءً على ظهور كونهم أتباعاً لهم. وقيل - ولا يخفَى لطفُه على بعض الاحتمالات الآتية في الآية؛ لأنَّ المقام مقامُ ذِكر الشهداء والرسل عليهم الصلاة والسلام -: هم الشهداءُ على أممهم، كما يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] ففي بيان حالِهم وما يقع لهم يومَ القيامة وهم هم من وعظ الشهداء الذين البحثُ فيهم ما لا يخفَى، وبهذا تتصل الآية بما قبلها أتمَّ اتصال. وإظهارُ الاسم الجليلِ في موضع الإِضمار لتربية المهابةٍ وتشديدٍ التهويل. ﴿فَيَقُولُ﴾ لهم ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: في الدنيا حين بلَّغتم الرسالةَ وخرجتم عن العهدة، كما ينبئُ عن ذلك العدولُ عن تصدير الخطاب بـ : هل بلَّغتم. وفي العدول عن: ماذا أجاب أُممُكم، ما لا يخفى من الإنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدَّةِ السخط والغيظ عليهم. والسؤالُ لتوبيخ أولئك أيضاً، وإلّا فهو سبحانه علام الغيوب. و((ماذا)) متعلِّق بـ ((أجبتم)) على أنه مفعولٌ مطلق له، أي: أيَّ إجابة أُجبتم من قِبَل أممكم، إجابةَ قَبول أو إجابةَ ردّ؟ وقيل: التقدير: بماذا أجبتم، أي: بأيِّ شيءٍ أُجبتم، على أن يكونَ السؤال عن الجواب لا الإجابة، فحُذف حرفُ الجرِّ وانتصب المجرور. وضعِّف بأنَّ حذف حرف الجرِّ وانتصابَ مجروره لا يجوز إلَّا في الضرورة، كقوله: الآية : ١٠٩ ٤٧٣ سُوَرَّةُ القَائِدَة تمرُّون الديارَ ولم تَعُوجوا(١) وكذا تقديرُه مجروراً. وقال الحَوْفي: إنَّ ((ما)) اسم استفهام مبتدأٌ، و((ذا)) بمعنى الذي خبرُه، و((أجبتم)) صلته، والعائدُ محذوف، أي: ما الذي أُجبتم به. واعتُرض بأنَّه لا يجوز حذفُ العائد المجرورِ إلَّا إذا جرَّ الموصولُ بمثل ذلك الحرف الجارِّ وانَّحد متعلَّقاهما. وغايةُ ما أجابوا به عن ذلك أنَّ الحذف وقع على التَّدريج، وهو كما ترى. ﴿قَالُواْ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من سوق الكلام، كأنه قيل: فماذا يقول الرسلُ عليهم الصلاة والسلام حينئذ؟ فقيل: يقولون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. والتعبير بالماضي للدَّلالة على التقرُّر والتحقُّق، كـ: (نُفِخَ في الصور)) وغيره. ونفيُ العلم عن أنفسهم مع علمهم بماذا أجيبوا كما تدلُّ عليه شهادتهم عليهم الصلاة والسلام على أممهم هنالك حسبما نطقت به بعضُ الآيات، ليس على حقيقته، بل هو كنايةٌ عن إظهار التشكِّي والالتجاء إلى الله تعالى بتفويض الأمر كلِّه إليه عزَّ شأنه. وقال ابن الأنباريّ: إنه على حقيقته، لكنه ليس لنفي العلم بماذا أُجيبوا عند التبليغ ومدةً حياتهم عليهم الصلاة والسلام، بل بما كان في عاقبة الأمر وآخرٍ الذي به الاعتبار. واعترض بأنهم يرون آثارَ سوء الخاتمة عليهم، فلا يصحُّ أيضاً نفيُ العلم بحالهم وبما كان منهم بعد مفارقتهم لهم. وأجيب بأنَّ ذلك إنما يدلُّ على سوء الخاتمة وظهورِ الشقاوة في العاقبة، لا على حقيقة الجواب بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلعلّهم أجابوا إجابةَ قبول ثم غلبت عليهم الشّقوة. (١) وعجزه: كلامكمُ عليَّ إذن حرامٌ، وهو لجرير كما في الخزانة ١١٨/٩ - ١٢١، وجاء صدر البيت في الديوان ٢٧٨/١: أتمضون الرسوم ولا تُحَّى. سُورَةُ القَائِدَة ٤٧٤ الآية : ١٠٩ وتُعقب بأنه من المعلوم أنْ ليس المرادُ بـ ((ماذا أجبتم)) نفسَ الجواب الذي يقولونه، أو الإجابة التي تحدث منهم، بل ما كانوا عليه في أمر الشريعة من الامتثال والانقياد، أو عکسُ ذلك. وفي رواية عن الحسن: أنَّ المراد: لا علم لنا كعلمك؛ لأنك تعلم باطنَهم ولسنا نعلم ذلك، وعليه مدارُ فلك الجزاء. وقيل: المراد من ذلك النفي تحقيقُ فضيحةٍ أممهم، أي: أنتَ أعلم بحالهم منَّا ولا تحتاج إلى شهادتنا . وأخرج الخطيب في ((تاريخه)) عن ابن عباس ﴾ أنَّ المراد نفيُ العلم نظراً إلى خصوص الزمان، وهو أولُ الأمر حين تزفِر جهنم، فتجثوا الخلائقُ على الرُّكب، وتنهمل الدموع وتبلغ القلوبُ الحناجر، وتطيش الأحلام وتذهل العقول، ثم إنهم يجيبون في ثاني الحال وبعد سكون الرَّوع واجتماعِ الحواسّ، وذلك وقتُ شهادتهم على الأُمم. وبهذا أجاب ◌َُّهُ نافعَ بن الأزرق حين سأله عن المنافاة بين هذه الآيةِ وما أثبت الله تعالى لهم من الشهادة على أممهم في آية أخرى(١). وروي أيضاً عن السُّدِّي والكلبيِّ ومجاهدٍ. وهو اختيار الفرَّاء. وأنكره الجبّائيُّ، وقال: كيف يجوز القولُ بذهولهم من هول يوم القيامة مع قوله سبحانه: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وقد نَقل ذلك عنه الطبرسيُّ(٢) ثم قال: ويمكن أن يجابَ عنه بأنَّ الفزع الأكبر دخولُ النار، وقولُه سبحانه: (لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ) إنما هو كالبِشارة بالنَّجاة من أهوال ذلك اليوم، مثل ما يقال للمريض: لا بأسَ عليك ولا خوف. وقيل: إنَّ ذلك الذهولَ لم يكن لخوف ولا حزن، وإنَّما هو من باب العَوم في بحار الإِجلال؛ لظهور آثار تجلِّي الجلال. (١) تاريخ بغداد ٣٠٢/١٢ - ٣٠٤. (٢) في مجمع البيان ٧/ ٢٣٠. الآية : ١١٠ ٤٧٥ سُورَةُ القَائِدَة واعترض شيخ الإسلام(١) على ما تقدَّم بأنَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴾﴾ في موضع التعليل، ولا يلائم ما ذكر. و((علَّام)) صيغة مبالغة، والمراد: الكاملُ في العلم. و ((الغيوب)) جمع: غَيب، وجُمع وإنْ كان مصدراً على - ما قال السَّمين(٢) - لاختلاف أنواعه وإن أُريد به الشيءُ الغائب، أو قلنا: إنه مخفَّفُ غَيِّب، فالأمرُ واضح. وقرئ: ((علّمَ)) بالنصب(٣)، على أنَّ الكلام قد تمَّ عند ((إنك أنت)) ونصب الوصفُ على المدح، أو النداءِ، أو على أنه بدلٌ من اسم ((إنَّ)، ومعنى ((إنك أنت)): إنَّك الموصوفُ بصفاتك المعروفة، والكلامُ على طريقة: أنا أبو النَّجم وشعري شعري(٤) وقرأ أبو بكرٍ وحمزة: ((الغِيوبِ)) بكسر الغينِ حيث وقع(٥)، وقد سُمع في كلِّ جمعٍ على وزن فُعول كبيوت كَسرُ أَوَّله؛ لئلا يتوالى ضمّتان وواو. ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيمٌ﴾ بدلٌ من ((يوم يجمع الله الرسل)) وقد نُصب بإضمار: اذكر. وقيل: في محلٌّ رفع على معنى: ذاك إذ، وليس بشيءٍ. وصيغة الماضي لِمَا مرَّ آنفاً من الدَّلالة على تحقُّق الوقوع. والمراد بيانُ ما جرى بينه تعالى وبين فردٍ من الرسل المجموعين على التفصيل إثرَ بيان ما جرى بينه عزَّ وجلَّ وبين الكلِّ على وجه الإِجمال؛ ليكونَ ذلك كالأُنموذج على تفاصيلٍ أحوال الباقين. وتخصيصُ عيسى عليه السلام بالذِّكر؛ لما أنَّ شأنه عليه الصلاة والسلام متعلِّق بكلا فريقَي أهل الكتاب المُفْرطين والمفرِّطين الذين نَعَتْ هذه السورةُ الكريمة جناياتِهم، فتفصيلُه أعظم عليهم وأَجلب لحسراتهم. وإظهار الاسمِ الجليل لما مرّ. و((عيسى)) مبنيٌّ عند الفرّاء ومتابعيه، إمّا على ضمَّة مقدَّرة، أو على فتحة (١) في تفسيره ٩٤/٣. (٢) في الدر المصون ٤٩١/٤. (٣) القراءات الشاذة ص٣٦. (٤) تقدم ص ٣١٠ من هذا الجزء. (٥) التيسير ص١٠١، والنشر ٢٢٦/٢. سُورَةُ القَائِدَة ٤٧٦ الآية : ١١٠ كذلك؛ إجراءً له مُجری: يا زيد بن عَمرو، في جواز ضمّ المنادی وفتحِه عند الجمهور. وهذا إذا أُعرب ((ابن)) صفةً لـ ((عيسى))، أما إذا أُعرب بدلاً أو بياناً، فلا يجوز تقدير الفتحة إِجماعاً، كما بيَّن في كتب النحو. و ((على)) في قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْ نِعْمَقِ عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ متعلِّقة بـ ((نعمتي)) إنْ جُعل مصدراً، أي: اذكر إنعامي، أو بمحذوف وقع حالاً من نعمة إن جعل اسماً، أي: اذكر نعمتي كائنةً عليك .. إلخ. وعلى التقديرين يراد بالنِّعمة ما هو في ضمن المتعدِّد، وليس المراد - كما قال شيخ الإسلام(١) - بأمره عليه السلام يومئذٍ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفَه عليه السلام بشكرها والقيام بمواجبها ولاتَ حين تكليفٍ، مع خروجه عليه السلام عن عُهدة الشكر في أوانهَ أيَّ خروج، بلٍ إظهارَ أمره عليه السلام بتعداد تلك النِّعم حسبما بيَّنه الله تعالى اعتداداً بها وتلذَّذاً بذكرها على رؤوس الأشهاد؛ ليكون(٢) حكايةُ ذلك على ما أَنبا عنه النظمُ الكريم توبيخاً للكفرة من الفريقين المختلفين في شأنه عليه السلام، إفراطاً وتفريطاً، وإبطالاً لقولهما جميعاً. ﴿إِذْ أَبَدتُّكَ﴾ ظرف لـ «نعمتي))، أي: اذكر إنعامي علیکما وقت تأييدي لكما، أو حالٌ منها، أي: اذكرها كائنةً وقتَ ذلك. وقيل: بدلُ اشتمال منها، وهو في المعنى تفسيرٌ لها. وجوَّز أبو البقاء(٣) أن يكون مفعولاً به على السَّعة. وقُرئ: ((آيدتك)) بالمدّ، ووزنه عند الزمخشريِّ(٤): أَفعلتك، وعند ابنِ عطية(٥): فاعلتك. قال أبو حيان(٦): ويُحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب، فإنْ كان يُؤاپِدُ، فهو فاعَلَ، وإن كان يُؤْيِدُ، فهو أَفْعَلَ. (١) في إرشاد العقل السليم ٣/ ٩٤. (٢) في (م): وليكون. (٣) في الإملاء ٤٩٠/٢. (٤) في الكشاف ٦٥٣/١. (٥) في المحرر الوجيز ٢٥٧/٢. (٦) في البحر ٤/ ٥١. الآية : ١١٠ ٤٧٧ سُوَرَّةُ لقَائِدَة ومعناه ومعنى أَيَّد واحد. وقيل: معناه بالمدِّ: القوةُ، وبالتشديد: النصرُ. وهما - كما قيل - متقاربان؛ لأنَّ النصر قوة. ﴿يُرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾ أي: جبريل عليه السلام، أو الكلام الذي يَحْيَى به الدِّينُ ويكونُ سبباً للطهر عن أَوضار الآثام، أو تَحْيَى بها الموتى أو النفوسُ حياةً أبدية، أو نفسُ روحه عليه السلام، حيث أَظهرها سبحانه وتعالى روحاً مقدَّسة طاهرة مشرِقة نورانية عُلوية. وكونُ هذا التأييد نعمةً عليه عليه الصلاة والسلام ممَّا لا خفاء فيه. وأمَّا كونه نعمةً على والدته؛ فلِمَا ترتّب عليه من براءتها مما نُسب إليها - وحاشاها - وغيرِ ذلك . ﴿تُكِمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ﴾ أي: طفلاً صغيراً. وما في النَّظم الكريم أبلغُ من التصريح بالطفولية وأَولى؛ لأنَّ الصغير يسمَّى طفلاً إلى أن يبلغَ الحلم، فلذا عدل عنه. والظرف في موضع الحالِ من ضمير ((تكلّم)) وجوِّز أن يكونَ ظرفاً للفعل. والجملة إمَّا استئناف مبيِّن لتأييده عليه الصلاة والسلام، أو في موضع الحال من الضمير المنصوب في ((أيدتك)) كما قال أبو البقاء(١). والمهد معروفٌ. وعن الحسن: أنَّ المراد به حِجْرُ أمِّه عليهما السلام. وأَنكر النصارى كلامَه عليه الصلاة والسلام في المهد، وقالوا إنما تكلّم عليه السلام أوانَ ما يتكلّم الصبيان، وقد تقدَّم مع جوابه(٢) . وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلَا﴾ للإيذان - على ما قيل - بعدم تفاوت كلامِه عليه الصلاة والسلام طفوليةً وكهولة، لا لأنَّ كلَّ منهما آية، فإنَّ التكلُّم في الكهولة معهودٌ من کلِّ أحد. وقال الإمام(٣): إنَّ الثاني أيضاً معجزة مستقلّة؛ لأنَّ المراد: تكلُّم الناسَ في (١) في الإملاء ٢/ ٥٧ . (٢) ٤ / ١٩٩. (٣) هو الرازي في تفسيره ٨/ ٥٥. سُورَةُ القَائِدَة ٤٧٨ الآية : ١١٠ الطفولية وفي الكهولة حين تَنزل من السماء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام حين رُفع لم يكن كهلاً. وهذا مبنيٌّ على تفسير الكهل بمَن وَخَطَه الشيبُ ورأيتَ له بَجَالةً، أو مَن جاوز أربعاً وثلاثين سنة إلى إِحدى وخمسين، وعيسى عليه الصلاة والسلام رُفع وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين، قيل: وثلاثة أشهر وثلاثةِ أيام. وقيل: رُفع وهو ابنُ أربع وثلاثين، وما صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام وَخَطَه الشَّيب. وأما لو فسِّر بمن جاوز الثلاثين، فلا يتأتَّى هذا القولُ كما لا يخفى. وقال بعض: الأَولى أن يُجعل ((وكهلاً)) تشبيهاً بليغاً، أي: تكلِّمهم كائناً في المهد وكائناً كالكهل. وأنت تعلم أنَّ أخذ التشبيه من العطف لا وجه له، وتقديرُ الکاف تكلُّف. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ عطف على ((إذا أيدتك))، أي: واذكُر نعمتي عليكما وقتَ تعليمي لك من غير معلِّم ﴿اَلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: جنسَهما، وقيل: الكتاب: الخظُ، والحكمة: الكلام المحكمُ الصوابُ ﴿وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِلَ﴾ خصَّا بالذِّكرِ إِظهاراً لشرفهما على الأوَّل. ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ أي: تصوِّر ﴿مِنَ الطِّينِ﴾ أي: جنسِه ﴿كَهَيْئَةِ اٌلَّيْرِ﴾ أي: هيئةٌ مثل هيئته ﴿بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في تلك الهيئةِ المشبهة ﴿فَتَكُونُ﴾ بعدَ نفخك من غير تراخٍ ﴿طَيْرًّا بِإِذْنِ﴾ أي: حيواناً يطير كسائر الطُيور. وقرأ نافع ويعقوبُ: ((طائراً))(١) وهو إمَّا اسم مفرد، وإمَّا اسم جمع، كباقر وسامر. ﴿وَتُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَالْأَصَ بِإِذْنِ﴾ عطفٌ على ((تخلق)). وقولُه سبحانه: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْقَ بِإِذْنِ﴾ عطف على ((إذ تخلق)) أُعيدت فيه ((إذ)) - كما قيل - لكون إخراج الموتى من قبورهم لاسيَّما بعد ما صاروا رميماً معجزةً باهرة حَرِيّة بتذكير وقتها صريحاً. وما في النظم الكريم أبلغُ من: تُحيي الموتی؛ فلذا عدل عنه إليه. (١) التيسير ص٨٨، والنشر ٢٤٠/٢. الآية : ١١١ ٤٧٩ سُوَرَّةُ القَائِدَة وقد تقدَّم الكلام في بيان مَن أحياهم عليه الصلاة والسلام مع بيان ما ينفعك في هذه الآية في سورة ((آل عمران)). وذكر ((بإذني)) هنا أربعَ مرات وثَمَّةَ مرتين، قالوا: لأنه هنا للامتنان، وهناك للإخبار، فناسب هذا التكرار هنا . ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ﴾ يعني اليهود حين همُّوا بقتله ولم يتمكّنوا منه . ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ أي: المعجزاتِ الواضحة مما ذُكر وما لم يذكر. وهو ظرفٌ لـ ((كففت)) مع اعتبار قولهِ تعالى: ﴿فَقَالَ اُلَِّينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ : وهو مما يدلُّ على أنهم قصدوا اغتيالَه عليه الصلاة والسلام المحوِجَ مُبِينٌ إلى الكفّ. أي: كففتُهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئك إيَّاهم بالبيِّنات. ووضع الموصولُ موضعَ ضميرهم؛ لذمِّهم بما في حيِّز الصلة، فكلمة ((مِن)) بيانية، وهذا إشارةٌ إلى ما جاء به. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((إلا ساحرٌ))(١) فالإِشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام. وجعلُ الإشارة إليه على القراءة الأُولى وتأويلُ السِّحر بساحر لتتوافقَ القراءتان، لا حاجةً إليه. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِنَ﴾ أي: أَمرتُهم في الإِنجيل على لسانك، أو: أمرتهم على ألسنة رسلي. وجاء استعمالُ الوحي بمعنى الأَمر في كلام العرب، كما قال الزجَّاج وأنشد: الحمد لله الذي استقلَّتِ بإذنه السماءُ واطمأنتِ أَوحى لها القرار فاستقرَّتِ أي: أمرها أن تَقِرَّ فامتثلت(٢). (١) التيسير ص ١٠١، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢١٩/٢، والرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص ٢٦١. سُورَةُ العَائِدَة ٤٨٠ الآية : ١١٢ وقيل: المراد بالوحي إليهم إلهامُه تعالى إياهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] وروي ذلك عن السُّدِّي وقتادةَ. وإنما لم يُترَك الوحي على ظاهره؛ لأنه مخصوصٌ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والحوارُّون ليسوا كذلك؛ وقد تقدَّم المراد بالحواريين. و((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِ﴾ مفسِّرة لِمَا في الإيحاء من معنى القول، وقيل: مصدرية، أي: بأن آمِنوا .. إلخ. وتقدَّم الكلام في دخولها على الأمر. والتعرُّضُ لعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه الصلاة والسلام والرمزِ إلى عدم إخراجه عليه الصلاة والسلام عن حدِّه حظًا ورفعاً. ﴿قَالُواْ ءَامَنَّهُ طِبِقَ ما أُمرنا به ﴿وَأَشْهَدْ بِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ مخلصون في إيماننا، أو منقادون لما أُمرنا به. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِتُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ منصوب بـ ((اذكر)) على أنه ابتداءُ كلام لبيان ما جرى بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه، منقطعٌ عمَّا قبله، كما يشير إليه الإِظهارُ في مقام الإِضمار. وجوِّز أن يكونَ ظرفاً لـ ((قالوا)). وفيه ــ على ما قيل - حينئذٍ تنبيهٌ على أنَّ ادِّعائهم الإِخلاصَ مع قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ لم يكن عن تحقيقٍ منهم ولا عن معرفةٍ بالله تعالى وقدرتِه سبحانه؛ لأنهم لو حقَّقوا وعرفوا لم يقولوا ذلك، إذ لا يليق مثلُه بالمؤمن بالله عزَّ وجلَّ. وتعقَّب هذا القولَ الحلبيُّ (١) بأنه خارق للإِجماع. وقال ابن عطية(٢): لا خلافَ أَحفظه في أنهم كانوا مؤمنين. وأُيِّد ذلك بقوله تعالى: (فَمَن يَكْفُرَ بَعْدُ مِنكُمْ) وبأنَّ وصفهم بالحواريِّين ينافي أن يكونوا على (١) في الدر المصون ٤/ ٥٠٠ . (٢) في المحرر الوجيز ٢٦٠/٢.