Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٩٦
٤٢١
سُوَرَّقُ القَائِدَة
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٢] مختصٍّ بيعقوب عليه السلام. والذي
حمله على ذلك - كما قال الشِّهاب(١) - مذهبُه، وهو مذهب إمامنا الأعظم ظُه من
أنَّ صيد البحرِ ينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وأنَّ طعامه هو المأكولُ منه.
إلَّا أنه أُورد عليه أنه يؤدِّي إلى أنَّ الفعل الواحد المسنَد إلى فاعلَين متعاطفَين
يكون المفعولُ له المذكور بعدهما لأَحدهما دونَ الآخر، ک: قام زيد وعمرو
إجلالاً لك، على أنَّ الإجلال مختصٍّ بقيام أحدهما. وفيه إلباس. وأما الحال في
الآية المذكورة فليست نظيرةً لهذا؛ لأن فيه قرينةً عقلية ظاهرة، لأن النافلة ولدُ
الولد، فلا تعلُّق لها بإسحاق؛ لأنه ولدُ صُلْب لإبراهيم عليهما السلام. وعلى غير
مذهب الإمام لا اختصاصَ للمفعول له بأحدهما. وهو ظاهرٌ جَليٍّ .
وقيل : نصب على أنه مصدرٌ مؤكّد لفعلٍ مقدّر، أي: متعكم به متاعاً. وقيل: مؤكّد
لمعنى ((أُحِلَّ)) فإنَّه في قوة: مثَّعكم به تمتيعاً، كقوله: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقيل - وليس بشيء -: إنه حال مقدَّرة من طعام، أي: متمتَّعاً به للمقيمين منكم
یأکلونه طريًّا .
﴿وَ لِسَيَّارَةِ﴾ منكم يتزوَّدونه قديداً، وهو مؤنَّثُ سيَّار باعتبار الجماعة، كما قال
الراغب(٢).
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ﴾ وهو ما توالُده ومثواه في البرِّ مما هو ممتنع؛ لتوخُّشه
الكائنِ في أصل الخلقة، فيدخل الظّبي المستأنس، ويخرج البعير والشاة
المتوحِّشان؛ لعروض الوصفِ لهما. وكونُ زكاة الظبي المستأنس بالذبح والأهليِّ
المتوحِّش بالعَقر لا ينافيه؛ لأنَّ الذكاة بالذبح والعقر دائران مع الإمكان وعدمِه،
لا مع الصيديَّة وعدمها .
واستثنى رسولُ اللهِ وَ﴿ خمساً، ففي الصحيحين(٣) عن ابن عمر ﴿يا قال: قال
رسول الله وَّه: ((خمس من الدوابٌّ ليس على المُحرِم في قتلهنَّ جُناح: العقرب،
(١) في حاشيته ٢٨٥/٣.
(٢) في مفردات القرآن (سير).
(٣) صحيح البخاري (٣٣١٥) وصحيح مسلم (١١٩٩). وهو عند أحمد (٤٥٤٣).

سُورَةُ القَائِدَة
٤٢٢
الآية : ٩٦
والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحِدَأة)) وقد تقدَّم ما في رواية لمسلم(١).
وجاء تسمیتھنَّ فواسق.
وفي ((فتح القدير))(٢): ويستثنَى من صيد البَرِّ بعضُه، كالذئب والغراب والحِدَأة،
وأما باقي الفواسق، فليست بصُيود. وأما باقي السِّباع، فالمنصوص عليه في ظاهر
الروايةِ عدُ الاستثناء، وأن يجب بقتلها الجزاءُ، ولا يجاوز شاةً إن ابتدأها
المحرم، وإن ابتدأته فلا شيءَ عليه، وذلك كالأسد والفهد والنَّمِر والصقر والبازي.
وأما صاحب ((البدائع))(٣) فيقسم البرِّيَّ إلى مأكول وغيرِه، والثانيَ إلى ما يَبتدئ
بالأذى غالباً، كالأسد والذئب والنَّمِر، وإلى ما ليس كذلك، كالضَّبُع والفهد
والثعلب، فلا يحلُّ قتل الأوَّل والأخيرِ إلَّا أن يصول، ويحلُّ قتل الثاني، ولا شيء
فيه وإن لم يَصُل. وجعل ورودَ النصِّ في الفواسق وروداً فيها دلالةً، ولم يحكِ
خلافاً، لكن في ((الخانيَّة)): وعن أبي يوسف: الأَسد بمنزلة الذئب.
وفي ظاهر الرواية: السباع كلُّها صيد، إلَّ الكلبَ والذئب. ولعل استثناء
الذئب لذِكره في المستثنَيات، على ما أخرجه ابن أبي شيبة (٤) والدارقطنيُّ
والطحاوي(٥). وقيل: لأنه المراد بالكلب العَقور في الخبر السابق. وقيل: لأنه
بمعناه، فیلحق به دلالةً.
وأما الكلب، فقد جاء استثناؤه في الحديث، إلَّا أنه وُصف فيه بالعقورية،
ولعل الإمام إنَّما يعتبر الجنس.
ونُظِر فيه بأنه يُفضي إلى إبطال الوصف المنصوصِ عليه.
وأُجيب بأنه ليس للقيد، بل لإظهار نوع إذائه، فإن ذلك طَّبْعٌ فيه.
(١) ص ٤٠٥.
(٢) ٢٥٦/٢.
(٣) ٢٣٢/٣ - ٢٣٣.
(٤) في الأصل و(م): أبو شيبة. ولعله سهو.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٥٥/٤، وسنن الدارقطني (٢٤٧٦)، وشرح معاني الآثار (٣٧٥٦).
وهو عند أحمد (٤٧٣٧).

الآية : ٩٦
٤٢٣
سُورَةُ العَائِدَة
وقال سعدي جلبي(١): لو صحَّ هذا النظر، يلزم اعتبارُ مفهوم الصفة، بل سائرٍ
المفاهيم، وهو خلاف ما في أصولنا .
وأمّا كون السباع كلِّها صيداً إلَّا ما استثني، ففيه خلاف الشافعيِّ ◌َظ ◌ُبه أيضاً،
فعنده هي داخلٌ في الفواسق المستثنَيَات قياساً، أو ملحقة بها دَلالة، أو لأن الكلب
العَقور يتناولها لغة.
وأجاب بعض الأصحاب بأنَّ القياس على الفواسق ممتنع؛ لما فيه من إبطال
العدد، وكذلك الإلحاقُ بها دلالةً؛ لأن الفواسق ممَّا تعدو علينا للقرب منَّا، والسبعُ
ليس كذلك؛ لبعده عنا، فلا يكون في معنى الفواسق ليلحقَ بها. واسمُ الكلب وإن
تناوله لغة، لم يتناوله عرفاً، والعرفُ أَقوى وأرجح في هذا الموضع، كما في
الأَيمان؛ لبنائه على الاحتياط. وفيه بحث طويل الذِّيل، فتأمَّل.
وقرأ ابن عباس ﴿هما: ((حَرَّم عليكم صيدَ)) ببناء ((حرَّم)) للفاعل، ونصبٍ
((صيد))(٢)، أي: وحرَّم اللهُ عليكم صيدَ البرّ.
﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: مُحرِمين. وقُرئ: ((دِمتم)) بكسر الدال(٣)، كخفتم، من:
دام يدام، وذلك لغةٌ فيها.
وقرأ ابن عباس ﴿﴾: ((حَرَماً)) بفتحتين(٤)، أي: ذَوي حرم، بمعنى إِحرام، أو
على المبالغة.
وظاهر الآية يوجب حرمةَ ما صاده الحلالُ على المُحرِم وإن لم يكن له مدخلٌ
فيه، وهو قول ابنِ عباس وابن عمر، ونُقل عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وجماعةٍ
من السلف. واحتُجَّ له أيضاً بما أخرجه مسلم(٥) عن الصَّعب بن جَّامة الليئيّ: أنه
أَهدى لرسول الله وَالهر حماراً وحشيًّا، وفي رواية: حمارَ وحش(٦)، وفي رواية: مِن
(١) في حاشيته على العناية ٢/ ٢٦٧ على هامش فتح القدير.
(٢) القراءات الشاذة ص ٣٥.
(٣) المحتسب ٢١٩/١.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في صحيحه (١١٩٣)، وأخرجه البخاري (١٨٢٥). وهو عند أحمد (١٦٤٢٣).
(٦) صحيح البخاري (٢٥٩٦)، وصحيح مسلم (١١٩٣): (٥١). وهي عند أحمد (١٦٤٢٧).

الآية : ٩٦
٤٢٤
سُورَةُ القَائِدَة
لحم حمارٍ وحش (١)، وفي رواية: من رِجْل حمار وحش(٢)، وفي رواية: عَجُزَ
حمار وحش يقطر دماً(٣)، وفي رواية: شِقَّ حمار وحش(٤)، وفي أخرى: عضواً من
لحم صيد(٥)، وهو عليه الصلاة والسلام بالأَبواء، أو بوَدّان، فردَّه عليه وَلِّ، قال:
فلمَّا رأى رسول الله وَّهِ ما في وجهي، قال: ((إنَّا لم نردَّه عليك، إلَّا أنَّا حُرُم)).
وعن أبي هريرة وعطاءٍ ومجاهدٍ وابن جبير، ورواه الطَّحَاوي(٦) عن عمر
وطلحةً وعائشة ﴿ه: أنه يَحلُّ له أكلُ ما صاده الحلال وإن صاده لأجله، إذا لم
يدلَّ عليه ولم يُشِر إليه ولا أمره بصيده، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه. وهو مذهب
أبي حنيفة ﴿ه، على ما اختاره الطحاوي؛ لأنَّ الخطاب للمُحرمين، فكأنه قيل:
وحرَّم عليكم ما صدتم في البَرّ. فيخرج منه مصيدُ غيرهم. أو يقال: إنَّ المراد
صيدهم حقيقة أو حكماً، وصورة الدَّلالة أو الأمر من الشِّقِّ الثاني.
وعن مالك والشافعيِّ وأحمد وداودَ رحمهم الله تعالى: لا يباحُ ما صِيْدَ له؛
لِمَا رواه أبو داود والترمذيُّ والنَّسائي(٧) عن جابر ◌َبه قال: قال رسول الله وَّه:
((لحم الصيد حلالٌ لكم وأنتم مُحرِمون، ما لم تصيدوه أو يصادَ(٨) لكم)).
وأُجيب بأنه قد روَى محمدٌ عن أبي حنيفة، عن ابن المنكدر [عن عثمانَ بن
محمدً(٩) عن طلحةَ بن عُبيد الله تع﴿ه: تذاكرنا لحمَ الصيد يأكله المُحرم،
(١) صحيح مسلم (١١٩٣): (٥٢)، ومسند أحمد (١٦٤٢٧).
(٢) صحيح مسلم (١١٩٤): (٥٤)، ومسند أحمد (١٨٥٦) من حديث ابن عباس
(٣) صحيح مسلم (١١٩٤): (٥٤)، ومسند أحمد (٢٥٣٠) من حديث ابن عباس
(٤) صحيح مسلم (١١٩٤): (٥٤)، ومسند أحمد (٣١٣٢) من حديث ابن عباس
(٥) صحيح مسلم (١١٩٥)، ومسند أحمد (١٩٢٧١) من حديث زيد بن أرقم
(٦) انظر معاني الآثار ١٦٨/٢ فما بعد.
(٧) سنن أبي داود (١٨٥١)، وسنن الترمذي (٨٤٦)، وسنن النسائي ١٨٧/٥. وهو عند أحمد
(١٤٨٩٤).
(٨) قال السيوطي في شرح سنن النسائي: قال الشيخ ولي الدين: هكذا رواية ((يصاد)» بالألف،
وهي جائزة على لغة. وقال السندي في حاشيته: والوجه نصب ((يصاد)) على أن (أو)) بمعنى
((إلّا أنْ)) فلا إشكال.
(٩) ما بين حاصرتين ليس في الأصل و(م). والحديث في مسند أبي حنيفة ص١١٦، وكتاب
الحجة لمحمد ١٥٨/٢ - ١٦٠. وأصله عند مسلم (١١٩٧).

الآية : ٩٦
٤٢٥
سُورَةُ العَائِدَة
والنبيُّ وَ﴿ نائم، فارتفعت أصواتنا، فاستيقظ رسول الله وَله، فقال: ((قيم
تتنازعون)»؟ فقلنا: في لحم الصيدِ يأكله المحرم. فَأَمَرَنا بأكله.
وروى الحافظ أبو عبد الله الحسينُ عن أبي حنيفة، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن جدِّه الزبير بن العوَّام قال: كنَّا نحمل لحمَ الصيد صفيفاً(١)، وكنّا نتزوَّده،
وكنَّا نأكله ونحن مُحرِمون مع رسول الله وَلِ(٢).
وأخرج مسلم(٣) عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: خرج رسولُ اللهِ وَله
حاجًّا، وخرجنا معه، فصَرف نفراً من أصحابه فيهم أبو قتادة، فقال: ((خذوا ساحلَ
البحر حتى تلقَوني)). قال: فأخذوا ساحل البحر، فلمَّا انصرفوا قِبَلَ رسول الله ◌ِّهِ،
أَحرموا كلُّهم إلَّا أبا قتادة فإنَّه لم يُحرم، فبينما هم يسيرون، إذ رأَوا حُمُرَ وحش،
فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أَتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمها. قال: فقالوا: أكلنا
لحماً ونحن مُحرِمون. قال: فحملوا ما بقي من لحم الأَتان، فلما أتَوا رسول الله وَّتِ،
قالوا: يا رسول الله، إنَّا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يُحرم، فرأينا حُمُرَ وحش
فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأَكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحمَ صيدٍ
ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. فقال عليه الصلاة والسلام: ((هل معكم
أحدٌ أَمَره أو أشار إليه بشيء)»؟ قالوا: لا. قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها)).
وفي رواية لمسلم(٤): أنه وَّر قال: ((هل عندكم منه شيء))؟ قالوا: معنا رِجُه.
فأخذها عليه الصلاة والسلام فأَكلها .
وحدیث جابر مؤۇَّل بوجهین :
الأوَّل: كون اللام للملك، والمعنى: أن يصادَ ويجعل له. فيكون مفاده تمليكَ
عين الصيد من المُحرم، وهو ممتنع أن يتملَّكَه فيأكلَ من لحمه.
والثاني: الحمل على أنَّ المراد أن يصادَ بأمره، وهذا لأنَّ الغالب في عمل
(١) جاء في هامش الأصل و(م): أي: قدیداً. اهـ منه.
(٢) وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٥٠ مختصراً، وأبو عبد الله الحسين هو ابن محمد بن خسرو
البلخي، محدث مکثر، جمع مسند أبي حنيفة، مات سنة (٥٢٦هـ). سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٩٢.
(٣) في صحيحه (١١٩٦): (٦٠)، وأخرجه البخاري (١٨٢٤).
(٤) صحيح مسلم (١١٩٦): (٦٣)، وهي عند البخاري (٢٨٥٤).

سُورَةُ للَائِدَة
٤٢٦
الآية : ٩٦
الإنسان لغيره أن يكونَ بطلب منه. والتزامُ التأويل دفعاً للتعارض، كما قال غيرُ واحد.
وقال ابنُ الهمام(١): وقد يقال: القواعد تقتضي ألَّا يُحكمَ بالتعارض بين
حديث جابرٍ وبين الخبرين الأوَّلَين من هذه الأخبار الثلاثة؛ لأنَّ قول طلحة: فَأَمَرنا
بأَكله، مقيّدٌ عندنا بما إذا لم يدلَّه المُحرم، على الصحيح - خلافاً لأبي عبد الله
الجُرجانيّ - ولا أَمَرِه بقتله، على ما يدلُّ عليه حديث أبي قتادة، فيجب تخصيصه
بما إذا لم يُصَدْ للمُخْرِمِ بالحديث الآخَر.
وحديث الزبير حاصلُه نقل وقائعٍ أخبار، وهي لا عمومَ لها، فيجوز كونُ ما كانوا
يحملونه من لحوم الصيد للتزوُّد ما لَم يُصَد لأجل المحرمين، بل هو الظاهر؛ لأنهم
يتزوَّدونه من الحضر ظاهراً، والإِحرامُ بعد الخروج إلى الميقات. فالأَوْلى الاستدلال
على أصل المطلوب بحديث أبي قتادة المذكورِ على وجه المعارضة، فإنَّه أفاد أنه
عليه الصلاة والسلام لم يُجِب بحِلِّه لهم حتى سأَلهم عن موانع الحِلِّ أكانت موجودةً
أم لا؟ فلو كان من الموانع أن يصادَ لهم، لنَظَمَه ◌َِّ في سِلك ما يسأل عنه منها في
التفخُّص عن الموانع؛ ليجيب بالحلِّ عند خلوِّه عنها .
وهذا المعنى كالصَّريح في نفي كونِ الاصطياد مانعاً، فيعارض حديثَ جابر
ويقدَّم عليه؛ لقوَّة ثبوته، إذ هو في الصَّحيحين وغيرِهما من الكتب السِّتة، بخلاف
ذلك، بل قيل: في حديث جابرٍ انقطاعٌ؛ لأن المطّلب في سنده لم يسمع من جابر
عندَ غیرٍ واحد، وكذا في رجاله مَن فیه لِین. وبعد ثبوت ما ذهبنا إليه بما ذكرنا،
يقوم دليلٌ على ما ذكر من التأويل. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ في حديث جابر أيضاً شيئاً من جهة العربية، ولعل الأمرَ فيه سهل.
بقي أنَّ حديث الصعب بظاهره يعارض ما استدلَّ به أهل المذهبين الأخيرَين.
واختار بعضُ الحنفية في الجواب: بأنَّ فيه اضطراباً ليس مثلُه في حديث أبي(٢) قتادة،
حتى روى عمرو بن أمية الضَّمري عن أبيه: أنَّ الصعب أَهدى لرسول الله وَّهِ عَجُزَ
حمارٍ وحش بالجُحفة، فأكل منه عليه الصلاة والسلام، وأكل القوم(٣)، فكان حديث
(١) في فتح القدير ٢٧٤/٢.
(٢) قوله: أبي، ساقط من الأصل و(م).
(٣) أخرجه البيهقي ٥/ ١٩٣ .

التفسير الإشاري (٨٧ - ٩٦)
٤٢٧
سُورَةُ القَائِدَة
أبي(١) قتادةَ أَولى، وقد وقع ما وقع فيه في الحِّ، كما تحكيه الرِّواية التي ذكرناها،
ومعلومٌ أن رسول الله وٍَّ لم يحَجَّ بعد الهجرة إلَّ حَجةَ الوداع.
وقال الشافعيُّ رَّه في الجواب: يحتمل أن يكونَ وَ﴿ علم أنَّه صِيدَ له فردَّه
عليه، فلا يعارض حديثَ جابر، وتعليلُه عليه الصلاة والسلام الردَّ بأنَّه مُحرم
لا يمنع من كونه صِيد له؛ لأنه إنَّما يَحرُم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرطِ أن
يكون مُحرِماً، فبَّن ◌َله الشرط الذي يحرم به.
وقيل: إنَّ جابراً إنما أهدَى حماراً، فردَّه ◌َّهِ لا متناع تملُّك المُحرم الصيدَ.
ولا يخفى أنَّ الرواياتِ الدالّة على البعضيّة أكثر، ولا تعارضَ بينها، فتُحمَل رواية
أنه أهدى حماراً على أنه من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، ويمتنع هنا العكس؛ إذ
إطلاق الرِّجل مثلاً على كلِّ الحيوان غيرُ معهود، وقد صرَّحوا أنه لا يجوز أن يطلقَ على
زيدٍ أصبع ونحوه؛ لأنَّ شرط إطلاق اسم البعض على الكلِّ التلازمُ، كالرقبة والرأس
على الإنسان فإنه لا إنسانَ دونهما، بخلاف نحو الرِّجل والظّفر، وأمَّا إطلاق العين على
الرؤية، فليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثيّة
لا يتحقَّق بلا عين، أو هو أحد معاني المشترك اللفظيِّ كما عدَّه كثير منها، فليتيقّظ.
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما نهاكم عنه من الصَّيد، أو في جميع المعاصي التي مِن جملتها
ذلك ﴿الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (﴾﴾ لا إلى غيره حتى يُتوهّم الخلاصُ من أَخْذِهِ
تعالى بالالتجاء إلى ذلك الغير.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إيماناً عِلْميًّا ﴿لَا
تُحَرِّمُوا﴾ بتقصيركم في السُّلوك ﴿طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ من مكاشفات الأحوال
وتجلِّياتِ الصفات ﴿وَلَا تَعْنَدُواْ﴾ بظهور النَّفْس بصفاتها ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللّهُ﴾ أي:
اجعلوا ما مَنَّ الله تعالى به عليكم من علوم التجلِّيات ومواهبِ الأحوال والمقامات
غِذاءَ قلوبكم ﴿حَلًا طَيِّبًا وَأَّقُواْ اللَّهَ﴾ في حصول ذلك لكم بأن تروها(٢) منه وله.
(١) قوله: أبي: ساقط من الأصل و(م).
(٢) في (م): تردُّها.

سُورَُّ للقَائِدَة
٤٢٨
التفسير الإشاري (٨٧ - ٩٦)
وجعل غيرُ واحد هذا خطاباً للواصلين من أرباب السلوك، حيث أرادوا
الرجوعَ إلى حال أهل البداياتِ من المجاهدات، فنُهوا عن ذلك، وأُمروا بأكل
الحلال الطيِّب.
وفسّروا الحلال بما وصل إلى المعارف من خزائن الغيبِ بلا كُلفة، والطيِّبَ
ما يقوِّي القلب في شوق الله تعالی وذِكْرٍ جلاله.
وقيل: الحلال الطيِّب ما يأكل على شهود، وإلَّ فعلى ذِكر؛ فإنَّ الأكل على
الغفلة حرامٌ في شرع السلوك.
وقال آخرون: الحلال الطيِّب هو الذي يراه العارف في خزانة القَدَر، فيأخذه
منها بوصف الرِّضا والتسليم، والحرام ما قُدِّر لغيره، وهو يجتهد في طلبه لنفسه.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ وهو الحَلِفِ لملالة النفس وكَلَالة القُوَى،
وغلبةٍ سلطان الهوى. وعَدُّوا من اللغو في اليمين الإقسامَ على الله تعالى بجماله
وجلاله سبحانه عند غَلَبة الشوق، ووجدان الذوق، أن يرزقَه شيئاً من إقباله عزَّ
وجلَّ ووِصاله، فإنَّ ذلك لغوٌ في شريعة الرِّضا ومذهبِ التسليم. والذي يقتضيه ذلك
ما أُشير إليه بقوله(١):
أُريدُ وصالَه ويُرِيدُ مَجْري
فأَتْرُكُ ما أُريدُ لِمَا يُريدُ
لكن لا يؤاخذ الله تعالى عليه الحالفَ؛ لعلمه بضعف حاله.
وعدُّوا من ذلك أيضاً ما يجري على لسان السَّالكين في غلبة الوجد، من تجديد
العهد، وتأكيد العقد، كقول بعضهم (٢):
وحقِّك لا نظرتُ إلى سواكا
بعين مودّة حتى أراكا
فإنَّ ذلك ينافي التوحيد، وهل في الدار ديّار؟ كلًّا، بل هو اللهُ الواحد القهار.
﴿وَلَكِنْ يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ وذلك إذا عزمتم على الهِجران، وتعرَّضتم
(١) قائله عبد الرحمن بن مروان بن سالم بن المبارك، أبو محمد التنوفي المعري، المعروف
بابن المنجم الواعظ. انظر الوافي بالوفيات ٢٦٨/١٨، وفوات الوفيات ٣٠١/٢.
(٢) قائله أبو علي الروذباري كما في طبقات الأولياء لابن الملقن ص ٥٢.

التفسير الإشاري (٨٧ - ٩٦)
٤٢٩
سُورَةُ للقائِدَة
للخذلان، عن صميم الفؤاد ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطَعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ وهي - على ما قاله
بعض - الحواسُّ الخمس الظاهرة، والحواسُّ الخمس الباطنة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطِمُونَ
أَهْلِيكُمْ﴾ وهم القلب، والسِّرُّ، والروح، والخفيُّ(١). وطعامهم: الشَّوق، والمحبّة،
والصِّدق، والإخلاص، والتفويض، والتسليم، والرِّضا، والأنس، والهيبة،
والشُّهود، والكشوف. والأَوسط: الذِّكر، والفِكر، والشوق، والتوُّل، والتعبُّد،
والخوف، والرَّجاء. وإطعام الحواسِّ ذلك أن يَشغلَها به.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ لباس التقوى ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٌ﴾ وهي رقبة النّفْس، فيحرِّرها من
عبودیّة الحِرص والهوى.
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ ولم يستطع ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاتٍ﴾ فيُمسك في اليوم الأوَّل عمَّا
عزم عليه، وفي اليوم الثاني عمَّا لا يعنيه، وفي اليوم الثالث عن العود إليه.
وقيل: كنى سبحانه بصيام ثلاثة أيّام عن التوبة والاستقامةِ عليها ما دامت
الدنيا؛ فقد قيل: الدنيا ثلاثةُ أيام: يومٌ مضى، ويوم أنتَ فيه، ويوم لا تدري ما اللهُ
سبحانه قاضٍ فیه.
﴿وَأَطِيعُواْ الَّ﴾ بالفَناء فيه ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ بالبقاء بعد الفناء ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾ ظهورَ
ذلك بالنَّظر إلى نفوسكم ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينٌ﴾ ولم يقصِّر
فيه، فالقصورُ منكم.
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بالتقليد ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الأعمالَ البدنيةَ الشرعية
﴿ُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ من المباحات ﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ﴾ الشبهةَ والإسراف ﴿وَءَامَنُوا﴾
بالتحقيق ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ الأعمالَ القلبيةَ الحقيقية، من تخلية القلب عمّا سواه
سبحانه، ومن تحليته بالأحوال المضادّةِ لهواه، من الصدق، والإخلاص،
﴿قُمَّ أَنَّقَواْ﴾ شركَ الأنانية ﴿وَءَامَنُواْ﴾ بالهويّة
والتوگُّل، والتسليم، ونحو ذلك
أَنَّقَوْ﴾ هذا الشركَ، وهو الفناء ﴿وَأَحْسَنُواْ﴾ بالبقاء به جلَّ شأنه. قاله النَّيسابوري(٢).
وقال غيره: ليس على الذين آمنوا الإيمانَ العينيَّ بتوحيد الأفعال، وعملوا
(١) في غرائب القرآن النيسابوري ٧/ ٣٥ (والكلام منه): والخفاء.
(٢) في غرائب القرآن ٣٦/٧.

سُوَرَُّ لقَائِدَةِ
٤٣٠
التفسير الإشاري (٨٧ - ٩٦)
بمقتضى إيمانهم أعمالاً تُخرجهم عن حجب الأَفعال، وتصلحهم لرؤية أفعال
الحقِّ، ◌ُناحٌ وضيقٌ فيما تمتَّعوا به من أنواع الحظوظِ إذا ما اجتنبوا بقايا أفعالهم،
واتخذوا اللهَ تعالى وقايةً في صدور الأفعال منهم، وآمنوا بتوحيد الصِّفات، وعملوا
ما يُخرجهم عن حُجُبها، ويُصلِحهم لمشاهدة الصفات الإِلهيّة بالمحو فيها، ثم اتقَوا
بقايا صفاتهم، واتخذوا اللهَ تعالى وقايةً في ظهور صفاتِه عليهم، وآمنوا بتوحيد
الذات، ثم اتقوا بقيةَ ذواتهم، واتخذوا الله تعالى وقايةً في وجودهم بالفناء المحض
والاستهلاكِ في عين الذات، وأحسَنوا شهود(١) التفصيلِ في عين الجمع،
والاستقامةِ في البقاء بعد الفناء ﴿وَلَّهُ يُحِبُّ الِْينَ﴾ الباقين بعد فنائهم، أو
المشاهدين للوحدة في عين الكثرة، المراعين لحقوق التفاصيل في عين الجمعِ
بالوجود الحقّاني.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالغيب ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ في أثناء السير والإحرام لزيارة كعبةٍ
الوصول ﴿بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾، أي: الحظوظِ والمقاصد النفسانية ﴿تَنَالُهُ، أَيْدِيكُمْ
وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي: يتيسَّر لكم ويتهيّا ما يُتُوصَّل به إليه.
وقيل: ما تناله الأيدي اللذَّات البدنية، وما تناله الرِّماح اللذاتُ الخيالية.
﴿لِعْلَمَ اَللَّهُ﴾ العلمَ الذي ترتَّب عليه الجزاء ﴿مَن يَخَافُهُ بِلْغَيْبٍ﴾ أي: في حال
الغيبة. ولا يكون ذلك إلَّا للمؤمنين بالغيب؛ لتعلُّقه بالعقاب الذي هو مِن باب
الأفعال، وأمَّا في الحضور، فالخشيةُ والهيبة دون الخوف، والأُولى بتجلِّي صفات
الربوبيّة والعظمة، والثانيةُ بتجلِّي الذات. فالخوفُ - كما قيل - من صفات النفس،
والخشيةُ من صفات القلب، والهيبة من صفات الروح.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بتناول شيءٍ من الحظوظ ﴿فَلَهُ، عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو عذابُ
الاحتجاب.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: في حال الإحرام الحقيقيِّ ﴿وَمَنْ
قَدْلَهُ، مِنْكُم ◌ُتَعَيِّدًا﴾ بأن ارتكب شيئاً من الحظوظ النفسانية قصداً ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ﴾
بأن يقهرَ تلك القوةَ التي ارتكب بها من قُوى النفس البهيمية بأمرٍ يماثل ذلك الحظّ.
(١) في (م): بشهود.

الآية : ٩٧
٤٣١
سُورَةُ القَائِدَة
﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وهما القوَّتان: النظرية والعملية ﴿هَدْيًا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾
الحقيقية، وذلك بإفنائها في الله عزَّ وجلَّ ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَئِكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا﴾ أي: أو يستر تلك القوةَ بصدقة أو صيام.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرٍ﴾ وهو ما في العالَم الروحانيِّ من المعارف ﴿وَطَعَامُهُ﴾
وهو العلم النافعُ من علم المعاملات والأخلاق ﴿مَتَعًا﴾ أي: تمتيعاً لكم أيها
السَّالكون بطريق الحقِّ ﴿وَلِسَيَّارَةِ﴾ المسافرين سفرَ الآخرة ﴿وَحُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِ﴾
وهو ما في العالَم الجسمانيّ من المحسوسات والحظوظِ النفسانية.
﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في سيركم واعلموا أنكم ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ بالفناء، فاجتهِدوا في
السُّلوك ولا تقفوا مع الموانع. وهو اللهُ تعالى الميسِّر للرَّشاد، وإليه المرجعُ والمعاد.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ أي: صيَّرها. وسمِّيت كعبة ـ على ما روي عن عكرمة
ومجاهدٍ - لأنَّها مربّعة، والتكعيب التربيع، وتطلق لغة على كلِّ بيت مربَّع.
وقد يقال: التكعُّب: الارتفاع. قيل: ومنه سمّيت الكعبة كعبةً؛ لكونها مرتفعة.
ومن ذلك كعبُ الإنسان؛ لارتفاعه ونتوئه. وكَعَبت المرأة: إذا نتأ ثديها .
وقيل: سمِّيت كعبة؛ لانفرادها من البناء. وردَّ الكرماني إلى ما قبله؛ لأنَّ
المنفرد من البناء ناتئ من الأرض.
وقوله تعالى: ﴿اَلْبَيْتَ الَْرَامَ﴾ عطف بيانٍ على جهة المدح؛ لأنَّه عُرف بالتعظيم
عندهم، فصار في معنى المعظّم، أو لأنَّه وصف بالحرام المشعِر بحرمته وعظمته،
وذِكر البيت كالتوطئة له، فالاعتراض بالجمود من الجمود دونَ التوضيح(١).
وقيل: جيء به للتَّبين؛ لأنَّه كان لخثعم بيتٌ يسمُّونه بالكعبة اليمانيّة.
وجوِّز أن يكون بدلاً، وأن يكون مفعولاً ثانياً لـ ((جعل))، وقولُه سبحانه: ﴿قِيًَا
لِلنَّاسِ﴾ نصب على الحال. ويردُّه عطفُ ما بعده على المفعول الأوّل كما ستعلم
(١) أي: الاعتراض على كونه عطف بيان بأنَّ شرط البيان الجمود، من الجمود. انظر البحر
المحيط ٢٥/٤، وحاشية الشهاب ٢٨٦/٣.

سُورَةُ لقائِدَة
٤٣٢
الآية : ٩٧
قريباً إن شاء الله تعالى، بل هذا هو المفعولُ الثاني.
وقيل: ((جعل)) بمعنى خلق، فتتعدَّى لواحد، وهذا حال.
ومعنی کونِه قیاماً لهم أنه سببُ إصلاح أمورهم، وجبرِها ديناً ودنيا، حیث کان
مأمناً لهم وملجأً ومجمعاً لتجارتهم، يأتون إليه من كل فجّ عميق؛ ولهذا قال
سعيد بن جبير: مَن أتى هذا البيتَ يريد شيئاً للُّنيا والآخرة، أصابه. ومن ذلك
أَخَذَ بعضهم أنَّ التجارة في الحجّ لیست مكروهة. وروي هذا عن أبي عبد الله
وأخرج ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان الناس كلُّهم فيهم ملوٌّ
يدفع بعضُهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوكٌ كذلك، فجعل الله تعالى لهم
البيت الحرام قياماً يدفع به بعضُهم عن بعض، فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنِه
عنده، ما قتله(١). فالمرادُ من الناس على هذا العربُ خاصة.
وقيل: معنى كونِه قياماً للناس كونُه أمناً لهم من الهلاك، فما دام البیت یَحجّ
إليه الناس، لم يهلكوا، فإن هُدم وترك الحجّ هلكوا. ورُوي ذلك عن عطاء.
وقرأ ابن عامر: ((قِيَماً))(٢) على أنّه مصدر، كشِيَع، وكان القياس ألَّا تُقْلبَ واوه
ياءً، لكنها لمَّا قُلبت في فعله ألفاً، تبعه المصدر في إعلال عينه.
﴿وَالشَّهَرَ أَلْحَمَ﴾ أي: الذي يؤدَّى فيه الحجّ، وهو ذو الحِجّة، فالتعريف للعهد
بقرينة قرنائه. واختار غير واحد إرادةَ الجنس على ما هو الأَصل. والقرينةُ المعهودة
لا تعيِّن العهد. والمراد الأشهرُ الحرم، وهي أربعة: واحدٌ فرد، وثلاثة سَرْد.
فالفرد رجب، والسرد: ذو القَعدة، وذو الحِجّة، والمحرَّم.
وهو وما بعده عطفٌ على «الكعبة))، فالمفعولُ الثاني محذوف ثقةً بما مرّ، أي:
وجَعل الشهرَ الحرام ﴿وَأَحَدّىَ وَالْقَلَبِدُ﴾ أيضاً قياماً لهم.
والمراد بالقلائد ذواتُ القلائد، وهي البُدن، خُصَّت بالذِّكر لأنَّ الثواب فيها
أكثر، والحجّ بها أظهر.
وقيل: الكلام على ظاهره؛ فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي مِجْلَز: أنَّ أهل
(١) تفسير الطبري ٩/ ١٠، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢١٣/٤ - ١٢١٤ .
(٢) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٦/٢.

الآية : ٩٨
٤٣٣
سُورَةُ القَائِدَة
الجاهلية كان الرجلُ منهم إذا أَحرم، تقلَّد قِلادةً من شعر، فلا يتعرَّض له أحد، فإذا
حجَّ وقضی حجَّه، تقلَّد قلادة من إِذخر(١).
وقيل: كان الرجل يقلِّد بعيرَه أو نفسه قلادة من لِحَاء شجر الحَرَم، فلا يخاف
من أحد، ولا يتعرَّض له أحد بسوء، وكانوا لا يُغِيرون في الأشهر الحرم،
وينصِّلون(٢) فيها الأَسِنّة، ويُهرع الناس فيها إلى معايشهم، ولا يخشون أحداً، وقد
توارثوا - على ما قيل - ذلك من دين إسماعيل عليه السلام.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الجعلُ المذكور خاصّة، أو مع ما ذُكر من الأَمر بحفظ حُرمة
الإحرام وغيرِهِ.
ومحلُّ اسم الإشارة النصبُ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه السّياق، وبه تتعلَّق اللام
فيما بعد. وقيل: محلَّه الرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: الحكم الذي قرَّرناه
ذلك. أو مبتدأُ خبره محذوف، أي: ذلك الحكم هو الحقُّ.
والحكم الأوَّل هو الأقرب، والتقدير: شرع ذلك ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى
الشَمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ فإنَّ تشريع هذه الشرائعِ المستتبِعة لدفع المضارِّ الدينيّة
والدنيوية قبل الوقوع، وجلبِ المنافع الأَوَّلية والأخروية، من أوضح الدلائلِ على
حِكمة الشارع وإحاطة علمِه سبحانه.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ واجباً كان أو ممتنعاً أو ممكناً ﴿عَلِيهُ ﴾﴾ كاملُ العلم.
وهذا تعميمٌ إثرَ تخصيص، وقدِّم الخاصُّ؛ لأنه كالدَّليل على ما بعد.
وجوّز أن يرادَ بـ ((ما في السماوات والأرض)) الأَعيانُ الموجودة فيهما، و«بكلِّ
شيء)» الأمورُ المتعلّقة بتلك الموجوداتِ من العوارض والأحوال التي هي من قبيل
المعاني. والإظهارُ في مقام الإِضمار لما مرَّ غيرَ مرّة.
﴿أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَارٍ﴾ وعيدٌ لمن انتهك محارمَه أو أصرَّ على ذلك.
والعقاب - كما قيل - هو الضررُ الذي يقارنه استخفافٌ وإهانة. وسمِّي عقاباً لأنه
يُستحقُّ عَقِيب الذنب.
(١) الدر المنثور ٣٣٤/٢.
(٢) نصّل السهم: نزع نصله. الصحاح (نصل).

سُورَةُ القَائِدَة
٤٣٤
الآية : ٩٩، ١٠٠
﴾ وعدٌ لمن حافظ على مراعاة حُرماتِه تعالى وأقلع
٩٨
﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
عن الانتهاك. ووجهُ تقدیم الوعيد ظاهر.
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ ولم يألُ جهداً في تبليغكم ما أُمرتم به، فأيُّ عذرٍ
لكم بعد؟! وهذا تشديدٌ في إيجاب القيام بما أمر به سبحانه. والبلاغ اسم أُقيم مُقَامَ
المصدر، كما أُشير إليه.
فیعاملکم بما تستحقُّونه في ذلك.
﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٩٩
﴿قُل﴾ يا محمدُ ﴿لَا يَسْتَوِى الْخَيْثُ وَاَلَّيِّبُ﴾ أي: الرديء والجيِّد من كلِّ
شيء، فهو حكم عامٌّ في نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين، والتحذيرِ عن
رديئها، وإن كان سببُ النزول أنَّ المسلمين أرادوا أن يوقِعوا بحُجّاج اليمامة، وكان
معهم تجارةٌ عظيمة، فنُهوا عن ذلك على ما مرَّ ذكره(١) .
وقيل: نزلت في رجل سأل رسولَ الله وَ له فقال: يا رسول الله، إنَّ الخمر
كانت تجارتي، وإني جمعت من بيعها مالاً، فهل ينفعني ذلك إن عملتُ فيه
بطاعة الله تعالى؟ فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنْ أَنفقتَه في حجِّ أو جهاد، لم يعدل جناحَ
بعوضة، إنَّ الله تعالى لا يقبل إلَّ الطيِّب))(٢).
وعن الحسن - واختاره الجُبّائي -: ((الخبيثُ)) الحرام، و((الطيِّب)) الحلال.
وأخرج ابن جرير(٣) وغيرُه عن السُّدِّيِّ قال: ((الخبيث)) هم المشركون،
و((الطيِّب)) هم المؤمنون.
وتقديم الخبيث في الذِّكر؛ للإشعار من أوَّل الأمر بأنَّ القصور الذي ينبئ عنه
عدمُ الاستواء، فيه لا في مقابله. وقد تقدَّمت الإشارة إلى تحقيقه (٤).
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أي: وإن سرَّك أيها النَّاظر بعين الاعتبار ﴿كَثْرَةُ اَلْخَبِيثِ﴾.
(١) ص ٢١ من هذا الجزء.
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٣٢/٢ من حديث جابر بن عبد الله ، وأبو السعود في
تفسيره ٨٣/٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) في تفسيره ٩/ ١٢ - ١٣.
(٤) ١٥٩/٥ - ١٦٠.

الآية : ١٠١
٤٣٥
سُورَةُ القَائِدَة
وقيل: الخطاب للنبيِّ وَّهِ، والمرادُ أُمَّته.
والواو العطف الشرطيّة على مِثلها المقدَّر. وقيل: للحال، أي: لو لم يعجبك
ولو أعجبكَ، وكلتاهما في موضع الحال من فاعل ((لا يستوي))، أي: لا يستويان
كائنَين على كلِّ حالٍ مفروض. وقد حُذفت الأُولى في مثل هذا التركيبِ لدَلالة
الثانية عليها دلالةً واضحة، فإنَّ الشيء إذا تحقَّق مع المعارض، فلأن يتحقَّق بدونه
أَولی. وجوابُ («لو)» محذوفٌ في الجملتين؛ لدلالة ما قبلَها عليه.
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ في تحرِّي الخبيث وإن كَثُر، وآثِروا عليه الطيِّبَ وإن
قلَّ، فإنَّ مدار الاعتبار هو الخيريَّة والرَّداءة، لا الكثرة والقِلَّة، وفي الأكثر أحسنُ
كلِّ شيء أقلُّه. ولله درُّ مَن قال:
والناس ألفٌ منهمُ كواحد
وواحدٌ كالأَلف إِنْ أمرٌ عنَا(١)
وفي الآية - كما قيل - إشارةٌ إلى غلبة أهل الإسلام وإن قلُّوا.
راجين أن تنالوا الفلاحَ والفوزَ بالثواب العظيم والنعيمِ
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
المقيم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ ظاهر اللفظ - كما قال ابنُ يعيش -
يقضي بكونها جمعَ شيءٍ؛ لأنّ فَعْلاً إذا كان معتلَّ العين يجمع في القلّة على
أفعال، نحو: بيت وأَبيات، وشيخ وأَشياخ، إلَّا أنَّهم رأوها غيرَ مصروفة في حال
التنكيرِ كما هنا، فتشعَّبت آراءُ الجماعة فيها :
فذهب سيبويه والخليلُ إلى أنَّ الهمزة للتأنيث، وأنَّ الكلمة اسمٌ مفرَد يراد به
الجمع، نحو: الحَلْفاء، والطّرفاء. فأشياء في الأصل: شيئاء، بهمزتين بينهما ألفٌ،
فقدّمت الهمزة الأولى التي هي لامُ الكلمة على الفاء؛ لاستثقال همزتين بينهما ألفٌ
قبلَهما حرفُ علَّة، وهو الياء، والهمزة الثانية زائدةٌ للتأنيث؛ ولذلك لا تنصرف،
ووزنها: لَفعاء. وقُصارى ما في هذا المذهبِ القلبُ، وهو كثير في كلامهم،
ارتكبوه مع عدم الثقل، كما في أَينُق، وقِسِيّ، ونحوِهما، فارتكابه مع الثقل أولى،
فلا يضرُّ الاعتراض بأنه خلاف الأصل.
(١) الرجز من مقصورة ابن دريد، انظر شرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص٣٥٤.

سُورَةُ القَائِدَة
٤٣٦
الآية : ١٠١
وذهب الفرَّاء(١) إلى أنّها جمع شَيِّء بياء مشدّدة وهمزة، بوزن: هيِّن وليِّن،
إلا أنَّهم خفَّفوه فقالوا: شيءٍ كمَيْت في مَيِّت، وبعد التخفيف جمعوه على
أَشْبِئاء(٢)، بهمزتين بينهما ألف بعد ياء، بزنة: أَفْعِلاء، فاجتمعت همزتان:
إحداهما لام الكلمة، والأُخرى للتأنيث، فخفَّفوا ذلك بقلب الهمزة الأُولى ياءً، ثم
حذفوا الياء الأولى التي هي عينُ الكلمة، فصار وزنه أفلاء(٣)، وقيل في تصريف
هذا المذهب: إنَّهم حذفوا الهمزةَ التي هي لام الكلمة؛ لأنَّ الثقل حصل بها،
فوزنها: أَفعاء، ومنع الصرف لهمزة التأنيث. واستُحسن هذا المذهبُ لو كان على
أنَّ أصل شيءٍ بالتخفيف شئٍّءٌ بالتشديد دليلٌ.
وذهب الأخفشُ إلى أنها جمع شَيء، بوزن فَلْس، وأصلها أشيئاء، بهمزتين
بينهما ألفٌ بعد ياء، ثم عمل فيه ما مرَّ.
وردَّه الزّجَّاج(٤) بأن فَعلاً لا يُجمع على أفعلاء.
وناظر أبو عثمان المازنيُّ الأخفشَ في هذه المسألة - كما قال أبو عليٍّ في
(التكملة)) - فقال: كيف تصغِّر أشياء؟ قال: أقول: أُشَيَّاء، فقال المازني: هلَّا
رددتَها إلى الواحد فقلتَ: شُيَبيئات؛ لأن أفعلاء لا تصغَّر. فلم يأتِ بمقنع. انتهى.
وأراد أنَّ أفعلاء من أمثلة الكثرة، وجموعُ الكثرة لا تصغَّر على ألفاظها، وتصغَّر
بآحادها، ثم يجمع الواحدُ بالألف والتاء، كقولك في تصغير درهم: دُرَيهمات.
والجواب - كما قال أبو علي - عن ذلك: بأنَّ أفعلاء هنا جاز تصغيرُها على
لفظها؛ لأنَّها قد صارت بدلاً من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافةَ العدد إليها
كما أُضيف إلى أفعال، ويدلُّ على كونها بدلاً أيضاً تذكيرُهم العددَ المضافَ إليها
في قولهم: ثلاثة أشياء، فكما صارت بمنزلة أفعال في هذا الموضع بِالدَّلالة
المذكورة، كذلك يجوز تصغيرُها من حيث جاز تصغيرُ أفعال، ولم يمتنع تصغيرُها
على اللفظ من حيث امتنع تصغير هذا الوزن في غير هذا الموضع؛ لارتفاع المعنى
(١) في معاني القرآن ٣٢١/١.
(٢) في (م): أشياء. وهو خطأ .
(٣) في (م): أفعلاء. وهو خطأ.
(٤) في معاني القرآن ٢١٢/٢.

الآية : ١٠١
٤٣٧
سُورَةُ للَائِدَة
المانع من ذلك عن أشياء، وهو أنَّها صارت بمنزلة أفعال، وإن كان كذلك لم
يجتمع في الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثيرِ في شيء واحد. انتهى.
ومراده - كما قال ابن الشَّجري(١) - بأن أفعلاء(٢) في هذا الموضع صارت بدلاً
من أفعال: أنه كان القياس في جمع شيء أشياء مصروفاً، كقولك في جمع فَيء
أَفياء، على أن تكون همزة الجمع هي همزةَ الواحد، ولكنهم أَقاموا أشياء التي
همزتُها للتأنيث مُقام أشياء التي وزنُها أفعال، واستدلالُه في تجويز تصغير أشياء
على لفظها بأنَّها صارت بدلاً من أفعال بدلالة أنَّهم أضافوا العدد إليها وألحقوه
الهاءَ فقالوا: ثلاثة أشياء، ممَّا لا يقوم به دلالة؛ لأنَّ أمثلة القلّة وأمثلةَ الكثرة
يشتركنَ في ذلك، ألا ترى أنَّهم يضيفون العددَ إلى أبنية الكثرة إذا عدم بناءُ القلّة،
فيقولون: ثلاثة شُسوع، وخمسة دراهم. وأما إلحاق الهاء في قولنا: ثلاثة أشياء
وإن كان أشياء مؤنَّئاً؛ لأن الواحد مذكّر، ألا ترى أنك تقول: ثلاثة أنبياء، وخمسة
أصدقاء، وسبعة شعراء، فتُلحق الهاءَ وإن كان لفظ الجمع مؤنَّئاً؛ وذلك لأنَّ الواحد
نبيٌّ، وصديق، وشاعر، كما أنَّ واحد أشياء شيء، فأيُّ دلالة في قوله: ويدلُّ على
كونها بدلاً تذكيرُهم العددَ المضاف إليها ... إلخ؟
ثم قال: والذي يجوز أن يُستدلَّ به لمذهب الأخفش أن يقال: إنَّما جاز تصغير
أَفعلاء على لفظه وإن كان من أبنية الكثرة؛ لأنَّ وزنه نقص بحذف لامه، فصار
أفعاء، فشبَّهوه بأفعال، فصغَّروه.
وذهب الكسائيُّ إلى أنَّها جمع شيء، كضيف وأضياف.
وأُورد عليه منعُ الصرف من غير علَّة، ويلزمه صرف أبناء وأسماء(٣).
وقد استشعر الكسائيُّ هذا الإيراد، وأشار إلى دفعه بأنَّه على أفعال، ولكن
كثرت في الكلام فأَشبهت فعلاء، فلم يُصرف كما لم يصرف حمراء، وقد
(١) في أماليه ٢/ ٢٠٧ .
(٢) في الأصل و(م): فعلاء.
(٣) كذا في حاشية الشهاب ٢٨٨/٣، ولعل الصواب: ويلزمه منع صرف أبناء وأسماء. قال
الزجاج في معاني القرآن ٢١٢/٢: وقد أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قول
الكسائي خطأ في هذا، وألزموه ألا يصرف أبناء وأسماء.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٤٣٨
الآية : ١٠١
جمعوها على أَشاوَى، كعذراء وعَذارَى، وأَشْياوات، كحمراء وحمراوات،
فعاملوا أشياء وإن كانت على أفعال معاملةَ حمراء وعذراء في جمعَي التكسير
والتصحيح.
ورُدَّ بأن الكثرة تقتضي تخفيفَه وصرفه.
وأيَّده بعضهم بأنَّ العرب قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف الشبهَ اللفظيَّ،
كما قيل في سراويل: إنه مُنع من الصرف لشبهه بمصابيح، وأَجرَوا أَلِفَ الإلحاق
مُجرى ألف التأنيث المقصورة، ولكن مع العَلميّة، فاعتبروا مجرَّدَ الصورة، فليكن
هذا من ذلك القَبيل.
وقيل: إنها جمع شيء، ووزنها أَفْعِلاء جمع فَعيل، كنصيب وأَنصِباء، وصَديق
وأصدقاء، وحذفت الهمزة الأُولى التي هي لامُ الكلمة، وفتحت الياءُ لتسلمَ
الألف، فصارت أشياء بزِنة أَفْعاء.
وجعل مَكِّي(١) تصريفَه كمذهب الأَخفش، إذ أبدل الهمزة ياءً ثم حذفت إحدى
الياءين، وحسَّن حذفَها من الجمع حذفُها من المفرد؛ لكثرة الاستعمال، وعدمُ
الصرف لهمزة التأنيث الممدودة. وهو حسن، إلَّا أنه يَرِد عليه كما ورد على
الأخفش مع إيرادات أُخَر. وقيل غير ذلك.
وللشّهاب عليه الرحمة(٢):
لاماً لها وهي قبل القلب شيئاءُ
أشياءُ لفعاءُ في وزنٍ وقد قلبوا
وقيل أفعالُ لم تصرف بلا سببٍ
أو أشيئاء(٣) وحذف اللام من ثِقَل
وأصل أسماءِ اسماوٌ كمثل كِسا
واحفظ وقل للذي ينسى العُلا سفهاً
منهم وهذا لوجه الردِّ إيماء
وشيٌٍّ أصل شيءٍ وهي آراء
فاصرفه حتماً ولا تَغررك أسماء
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
(١) في مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٤١.
(٢) في حاشيته ٢٨٨/٣.
(٣) في (م): أشياء.

الآية : ١٠١
٤٣٩
سُورَةُ القَائِدَة
وظاهرُ صنيعه كغيره يشير إلى اختيار مذهب الخليل وسيبويه. وقال غيرُ واحد:
إنَّه الأظهر؛ لقولهم في جمعها: أشاوَى، فجمعوها كما جمعوا صحراء على
صحارَى، وأصله - كما قال ابن الشَّجري(١) - أَشايا، بالياء؛ لظهورها في أشياء،
لكنهم أبدلوها واواً على غير قياس، كإبدالها واواً في قولهم: جبيت الخراجَ
جِباوة، وأيضاً يدلُّ على أنها مفرَد قولُهم في تحقيرها: أُشيئاء، كصحيراء، ولو
كانت جمعاً لقالوا: شُبيئات، على ما تقدَّمت الإشارة. وتمامُ البحث في أمالي ابن
الشَّجري.
﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ صفةٌ لـ ((أشياء)» داعيةٌ إلى الانتهاء عن السؤال عنها،
وعطف عليها قوله سبحانه: ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا ◌ِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي:
بالوحي، كما ينبئُّ عنه تقييدُ السؤال بحينٍ نزول القرآن؛ لأنَّ المَساءة في الشرطية
الأُولى معلَّقة بإبداء تلك الأشياءِ لا بالسؤال عنها، فعقَّبها جلَّ شأنه بما هو ناطقٌ
باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجِب للمحذور، فضمير ((عنها)) راجعٌ إلى تلك
الأشياء، وليس على حدّ: عندي درهم ونصفه(٢)، كما وهم.
والمراد بها: ما لا خيرَ لهم فيه من نحو التكاليف الصعبة التي لا يُطيقونها،
والأسرارِ الخفيّة التي قد يفتضحون بها، فكما أنَّ السؤال عن الأمور الواقعة مستتبعٌ
لإبدائها، كذلك السؤالُ عن تلك التكاليفِ مستتبعٌ لإيجابها عليهم بطريق التَّشديد؛
لإساءتهم الأدبَ وتركهم ما هو الأَولى بهم من الاستسلام لأمر الله تعالى من غير
بحثٍ فيه ولا تعرُّضٍ لكيفيته وكمِّيته، ففي (صحيح مسلم))(٣) عن أبي هريرة ◌َُّه
قال: خطبَنا رسولُ الله ◌َّه فقال: ((أيها الناس، قد فرض الله تعالى عليكم الحجّ
فحُجُّوا)) فقال رجلٌ - وهو كما قال ابن الهمام(٤): الأقرع بن حابس، وصرَّح به
أحمدُ والدار قطنيُّ والحاكم في حديث صحيح روَوه على شرط الشيخين(٥) -: أكلَّ
(١) في أماليه ٢٠٩/٢.
(٢) أي: ونصف درهم آخر، كما سلف ٤٦٦/٣.
(٣) برقم (١٣٣٧).
(٤) في فتح القدير ٢/ ١٢٣ .
(٥) مسند أحمد (٢٣٠٤) وسنن الدارقطني (٢٦٩٧) ومستدرك الحاكم ١/ ٤٧٠ وهو من حديث
ابن عباس .

سُورَةُ لقَائِدَة
٤٤٠
الآية : ١٠١
عام يا رسولَ الله. فسكت عليه الصلاة والسلام حتى قالها ثلاثاً، فقال ◌َلتين: ((لو
قلتُ: نعم، لَوَجبت، ولما استطعتم)) ثم قال ◌َّيِ: ((ذروني ما تركتكم، فإنَّما هلك
مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه
ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعُوه)). وذُكر - كما قال ابن حِبّان(١) - أنَّ الآية
نزلت لذلك.
وأخرج مسلم (٢) وغيرُه: أنهم سألوا رسولَ الله وَّر حتى أحفَوه في المسألة،
فصعِد ذات يوم المنبرَ فقال: ((لا تسألوني عن شيء إلَّا بيَّنته لكم)) فلمَّا سمعوا
ذلك، أرَمُّوا(٣) ورهبوا أن يكونَ بين يدي أمرٍ قد حضر. قال أنس ◌َه: فجعلت
أنظر يميناً وشِمالاً، فإذا كلُّ رجل لافتٌّ رأسَه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا
لاحَى يُدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسولَ الله، من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة)) ثم
أنشأ عمرُ ﴿ه فقال: رضينا بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﴿ نبيًّا،
نعوذ بالله تعالى من الفتن. ثم قال رسول الله وَله: ((ما رأيت في الخير والشرِّ كاليوم
قِظُ، إنّه صوَّرت لي الجنةُ والنار حتى رأيتهما دونَ الحائط)).
وذكر ابن شهاب أنَّ أمَّ ابن حذافة - واسمُه عبد الله - قالت له لَمّا رجع إليها:
ما سمعتُ قظُ أعقَّ منك، أَمِنتَ أن تكونَ أمُّك قارفت بعضَ ما يقارف أهلُ
الجاهلية فتفضحها على أَعيُن الناس؟ فقال ابن حذافة: لو أَلحقَني بعبد أسوَدَ
للحقته(٤).
وأخرج غيرُ واحد عن قتادة أنَّ هذه الآيةَ نزلت يومئذ. ووجهُ اتِّصالها بما قبلها
على الرّواية الأولى ظاهر جدًّا؛ لما أنَّ الكلام فيما يتعلَّق بالحج.
وذكر الطبرسيُّ(٥) في ذلك ثلاثةَ أوجه: الأول: أنَّها متصلة بقوله تعالى:
(١) في صحيحه (٣٧٠٤).
(٢) في صحيحه (٢٣٥٩): (١٣٧) من حديث أنس ﴿، وهو عند البخاري (٥٤٠)، وأحمد
(١٢٦٥٩).
(٣) أي: سكتوا وخافوا. النهاية (رمم).
(٤) صحيح مسلم (٢٣٥٩): (١٣٦).
(٥) في مجمع البيان ٧/ ٢١٠ .