Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٣٣
١٦١
سُورَةُ القَائِدَة
وجُعِلَ ذكرُ الرسول على هذا تمهيداً على تمهيد. وفيه ما لا يخفى.
والحرب في الأصل: السلب والأخذ، يقال: حَرَبَه، إذا سلبه، والمراد به
هاهنا: قطعُ الطريق. وقيل: الهجومُ جَهْرةً باللصوصية وإنْ كان في مصرٍ.
﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ عطفٌ على ((يحاربون))، وبه يتعلَّق قولُه تعالى: ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ وقيل:
بقوله سبحانه: ﴿فَسَادًا﴾ وهو إمَّا حالٌ من فاعلِ ((يسعون)) بتأويله بـ : مفسدين - أو:
ذَوِي فسادٍ - أو لا تأويلَ قصداً للمبالغة كما قيل. وإما مفعولٌ له، أي: لأَجْلِ
الفساد. وإما مصدرٌ مؤكِّدٌ لـ ((يسعون))؛ لأنه في معنى: يُفْسِدون.
و((فساداً) إما مصدرٌ حُذفَ منه الزوائد، أو اسمُ مصدرٍ .
وقوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاؤُأ) مبتدأ خبرُه المُنْسَبِكُ من قوله تعالى: ﴿أَنْ
يُقَتَّلُوا﴾ أي: حدًّا من غيرِ صَلْبٍ إنْ أفردوا القتل، ولا فَرْقَ بين أنْ يكون بآَةٍ
جارحةٍ أوْ لا .
والإتيانُ بصيغة التفعيل لِمَا فيه من الزيادة على القصاص من أنَّه لكونه حقَّ
الشرع لا يسقط بعفو الولي، وكذا التصليبُ في قوله سبحانه: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ لما فيه
من القتل، أي: يصلّبوا مع القتل إنْ جمعوا بين القتل والأخذ.
وقيل: صيغةُ التفعيل في الفعلين للتكثير.
والصَّلبُ قبل القتل، بأنْ يُصْلَبوا أحياءً وتُبْعَجَ بطونهم برمحٍ حتى يموتوا. وأصحُ
قولي الشافعيِّ عليه الرحمة أنَّ الصَّلْبَ ثلاثاً بعد القتل. وقيل(١): إنه يوم واحد.
وقيل: حتی یسیل صدیده.
والأَوْلى أن يكون على الطريق في ممرِّ الناس؛ ليكون ذلك زجراً للغير عن
الإقدام على مثل هذه المعصية.
وفي ظاهر الرواية أنَّ الامام مخيَّرُ إن شاء اكتفى بذلك، وإن شاء قَطَعَ أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وقتلَهم وصلبهم.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ أي: تُقطعَ مختلفةً بأنْ تُقْطَعَ أيديهم
(١) في (م): قيل، والمثبت من الأصل وهو الصواب.

سُوَبَُّ القَائِدَة
١٦٢
الآية : ٣٣
اليمنى وأرجلُهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذميٍّ، إذ له ما لَنا
وعليه ما علينا، وكان في المقدار بحيث لو قُسِّم عليهم أصّاب كلَّ منهم عشرةُ
دراهم أو ما يساويها قيمةً، وهذا في أول مرةٍ، فإن عادوا قُطع منهم الباقي. وقَطْعُ
الأيدي لأَخْذِ المال، وقَطْعُ الأرجلِ لإخافة الطريق وتفويتٍ أمنه.
﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ إن لم يفعلوا غيرَ الإخافةِ والسعي للفساد. والمرادُ
بالنفي عندنا هو الحبسُ والسَّجْنُ، والعربُ تستعملُ النفيَ بذَلك المعنى؛ لأنَّ
الشخص به يفارقُ بيتَه وأهله، وقد قال بعضُ المسجونين:
فلَسْنا من الأمواتِ فيها ولا الأَحْيا
خَرَجْنا من الدنيا ونحنُ مِنَ اهلها
عَجِبْنا وقُلنا جاء هذا مِن الدُّنيا(١)
إذا جاءنا السجّان يوماً لحاجةٍ
ويعزَّرون أيضاً لمباشرتهم إخافةَ الطريق وإزالةَ أمنه.
وعند الشافعيِّ عليه الرحمة المرادُ به: النفيُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ولا يزال يُطْلَبُ
وهو هاربٌ فَرَقاً إلى أن يتوب ويرجع، وبه قال ابن عباس والحسن والسديُّ وابنُ
جبير وغيرهم، وإليه ذهب الإمامية.
وعن عمر بن عبد العزيز وابن جبير في روايةٍ أخرى أنه ينفَى عن بلده فقط،
وقيل: إلى بلدٍ أبعد. وكانوا ينفونهم إلى ((دهلك)) وهو بلدٌ في أقصى تهامة،
و((ناصع)) وهو بلد من بلاد الحبشة.
واستُدلَّ للأول بأنَّ المراد بنفي قاطع الطريق زَجْرُه ودفعُ شرِّه، فإذا نُفي إلى بلدٍ
آخَرَ لم يُؤْمَنْ ذلك منه، وإخراجُه من الدنيا غيرُ ممكن، ومن دارِ الإسلامِ غيرُ جائزٍ،
فإنْ حُبٍسَ في بلدٍ آخر فلا فائدةَ فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود وهو أشدُّ عليه.
هذا ولما كانت المحاربةُ والفسادُ على مراتبَ متفاوتةٍ ووجوهٍ شتَّى شُرعتْ لكلِّ
مرتبةٍ من تلك المراتب عقوبةٌ معينةٌ بطريقٍ كما أشرنا إليه، و((أو)) للتقسيم واللَّفّ
والنَّشْرِ المقدَّر على الصحيح.
وقيل: إنها تخييرية، والإمامُ مخيّرٌ بين هذه العقوبات في كلِّ قاطعٍ طرقٍ.
(١) البيتان لصالح بن عبد القدوس لما حُبس على تهمة الزندقة وطال حبسه، وهما في عيون
الأخبار لابن قتيبة ٨١/١-٨٢، وتفسير أبي الليث ٤٣٢/١، والبحر ٤٧١/٣.

الآية : ٣٣
١٦٣
سُورَةُ العَائِدَة
والأول علم بالوحي، وإلا فليس في اللَّفظ ما يدلُّ عليه دون التخيير، ولأنَّ في
الآية أجزيةٌ مختلفةٌ غِلَظاً وخفَّةً، فيجب أن تقع في مقابلة جنایاتٍ مختلفةٍ ليكون
جزاءُ كلِّ سيئةٍ سيئةً مثلَها، ولأنه ليس للتخيير في الأغلظ والأهون في جنايةٍ واحدةٍ
كبيرُ معنّى، والظاهرُ أنه أُوحي إليه وَِّ هذا التنويعُ والتفصيل، ويشهد له ما أخرجه
(١) .
الخرائطيُّ في ((مكارم الأخلاق)) عن ابن عباس
وزعم بعضهم أنَّ التخيير أقربُ، وكونُه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى
الأشخاص والأزمنة؛ فإنَّ العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق، وربما يتفاوتُ
الناس في الانزجار، فؤُكِلَ ذلك إلى رأي الإمام. وفيه تأمُّلُ فتأمَّلْ.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما فصّل من الأحكام والأجزية، وهو مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ
خِزْىٌ﴾ جملةٌ من خبرٍ مقدَّمٍ ومبتدأ، في محلِ رفعٍ خبرٍ للمبتدأ. وقوله سبحانه: ﴿فِى
الذُّنْيَا﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لـ ((خزي))، أو متعلِّقٌ به على الظرفية.
وقيل: «خزيٌ)) خبرٌ لـ ((ذلك))، و ((لهم)) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من «خزي))؛
لأنه في الأصل صفةٌ له فلمَّا قدِّم انتصب حالاً، و((في الدنيا)) إما صفةٌ لـ ((خزي)) أو
متعلق به كما مرَّ آنفاً .
والخزيُ: الذلُّ والفضيحة.
لا يقادَرُ قَدْرُه وذلك لغايةِ عظم جنايتهم.
٣٣
﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ
واقتصر في الدنيا على الخزي مع أنَّ لهم فيها عذاباً أيضاً، وفي الآخرة على
العذاب مع أنَّ لهم فيها خزياً أيضاً؛ لأنَّ الخزي في الدنيا أعظمُ من عذابها،
والعذاب في الآخرة أشدُّ من خِزْيها .
والآيةُ أقوى دليلٍ لمن يقول إنَّ الحدود لا تُسْقِطُ العقوبةَ في الآخرة، والقائلون
بالإسقاط يستدلون بقوله ودة في الحديث الصحيح: ((مَن ارتگبَ شیئاً فعُوقِبَ به كان
(١) مكارم الأخلاق ص٩٢، وذكر فيه قصة العرنيين، وستأتي قريباً من حديث أنس ﴿ه، وجاء
في آخره: فأمره جبريل أن مَن أخذ المال وقَتَل أن يُصلب، ومَن قَتَل ولم يأخذ المال يُقتل،
ومَن أخذ المال ولم يَقْتُل تُقطع يده ورجله من خلاف. وهو من طريق الضحاك عن ابن
عباس، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.

سُورَةُ القَائِدَة
١٦٤
الآية : ٣٤
كفارةً له))(١) فإنه يقتضي سقوطَ الإثم عنه وأنْ لا يُعاقَبَ في الآخرة، وهو مشكلٌ مع
هذه الآية.
وأجاب النوويُّ بأنَّ الحدَّ يكفّر به عنه حقُّ الله تعالى، وأمَّا حقوقُ العباد فلا،
وهاهنا حقَّان لله تعالى والعباد، ونُظِر فيه(٢).
﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ استثناءٌ مخصوصٌ بما هو من
حقوق الله تعالى كما يُنْبِئُ عنه قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمُوْ أَنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
وأمَّا ما هو من حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة
وجوبُه على الإمام من حيث كونُه حدًّا، ولا يسقط جوازُه بالنظر إلى الأولياء من
حيث كونُه قصاصاً، فإنهم إنْ شاؤوا عَفَوْا، وإنْ أحبُّوا استَوْفَوا .
وقال ناصر الدين البيضاويُّ: إنَّ القتل قصاصاً يَسْقُطُ بالتوبة وجوبُه
لا جوازُهُ(٣). وشنَّع عليه لضيق عبارته(٤) العلّامةُ ابنُ حجر في كتابه ((التحفة»،
وأفرد له تنبيهاً فقال بعد نَقْلِه: وهو عجيبٌ، وأعجبُ منه سكوتُ شيخِنا عليه في
((حاشيته) مع ظهور فساده؛ لأنَّ التوبةَ لا دَخْلَ لها في القصاص أصلاً؛ إذ لا يُتَصَوَّر
له بقيدِ كونه قصاصاً حالتا وجوبٍ وجوازٍ؛ لأنَّا إنْ نظرنا إلى الولي فطلبُه جائزٌ له
لا واجبٌ مطلقاً، أو للإمام فإنْ طلبه منه الوليُّ وَجَبَ، وإلَّا لم يجب من حيث كونُه
قصاصاً، وإن جاز أو وجب من حيث كونُه حدًّا، فتأمَّلْه. انتهى.
وتعقّبه ابنُ قاسم(٥) فقال: ادِّعاؤه الفسادَ ظاهرُ الفساد؛ فإنه لم يدَّع ما ذكر
وإنما ادَّعى أنَّ لها دخلاً في صفة القتل قصاصاً وهي وجوبُه.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٦٧٨)، والبخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن
الصامت ره به.
(٢) يشير إلى الشهاب في الحاشية ٢٣٩/٣، فقد ذكر قول النووي هذا ثم تعقبه بقوله: وفيه نظر.
(٣) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٣٩/٣.
(٤) في (م) عبارة، وهو تصحيف.
(٥) أحمد بن قاسم العبَّادي القاهري الشافعي، شهاب الدين، من مصنفاته: حاشية على شرح
المنهاج، وحاشية شرح جمع الجوامع، المسماة: الآيات البيّنات، توفي سنة (٩٩٤هـ).
شذرات الذهب ٦٣٦/١٠، والكواكب السائرة ١٢٤/٣. ونقل المصنف كلامه عن حاشية
الشهاب ٢٣٩/٣.

الآية : ٣٤
١٦٥
سُورَةُ العَائِدَة
وقوله: إذ لا يتصوَّر .. إلخ. قلنا: لم يدَّع أنَّ له حالتي وجوبٍ وجوازٍ بهذا
القيد، بل ادَّعى أنَّ له حالتين في نفسه وهو صحيح، على أنه يمكن أن يكون له
حالتان بذلك القيد لكن باعتبارين: اعتبار الولي، واعتبار الإمام إذا طلب منه.
وقوله: لأنَّا إذا نظرنا .. إلخ. كلامٌ ساقط، ولا شكَّ أنَّ النظر إليهما يقتضي
ثبوتَ الحالتين قصاصاً .
وقوله: فتأمَّلْه. تأمَّلْنا فوجدنا كلامه ناشئاً من قلَّةِ التأمل. انتهى.
وجَعَل مولانا شيخُ الكلِّ في الكلِّ صبغةُ الله تعالى الحيدريُّ منشأً تشنيع العلّامة
ما يتبادرُ من العبارة من كونها بياناً لتفويض القصاص إلى الأولياء، أمَّا لو جُعلت
بياناً لسقوط الحدِّ في قتل قاطع الطريق بالتوبة قبل القدرة دون القتل قصاصاً،
فلا يَرِدُ التشنيعُ، فتدبّر.
وتقييدُ التوبةِ بالتقدُّم على القدرة يدلُّ على أنها بعد القدرة لا تُسقط الحدَّ وإنْ
أسقطت العذاب.
وذهب أناسٌ إلى أنَّ الآية في المرتدِّين لا غير؛ لأنَّ محاربة الله تعالى ورَسولِه
إنما تُستعمل في الكفار، وقد أخرج الشَّيخان وغيرُهما عن أنس أنَّ نفراً من عُكْل
قَدِموا على رسول الله وَّه، فأسلموا واجتَووا المدينة، فأمرهم النبيُّ وَّر أن يأتوا إِيلَ
الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، فقتلوا راعيتها واستاقوها، فبعث النبي وَلا في
طلبهم قافةً، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَلَ أعينَهم ولم يَحْسِمْهُم، وتركهم
حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية(١)، فَهِيماً}}
وأنت تعلم أنَّ القول بالتخصيص قولٌ ساقطٌ مخالفٌ لإجماع مَن يُعْتَدُّ به من
السَّلْفَ والخَلَف، ويدلُّ على أنَّ المراد قطاعُ الطريق من أهل الملَّة قولُه تعالى:
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ) إلخ، ومعلومٌ أنَّ المرتدِّين لا يختلف حكمُهم في زوال العقوبة
(١) صحيح البخاري (٦٨٠٢)، وصحيح مسلم (١٦٧١)، وهو عند أحمد (١٢٦٦٨)
و(١٣٠٤٥)، وأبو داود (٤٣٦٦)، وليس في الصحيحين ذكر نزول الآية. قوله: اجتووا،
أي: أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول. وقوله: قافة، هو جمع قائف
وهو الذي يتتبع الآثار. وقوله: لم يحسمهم، أي: لم يَكْوِهم. ينظر النهاية (جوى) و(قوف)
و(حسم)، وشرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ١٦٥ .
عذبة (9)

سُورَةُ القَائِدَة
١٦٦
الآية : ٣٤
عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تُسْقِطُها عنهم قبل القدرة، وقد فرَّق الله تعالى بين
توبتهم قبل القدرة وبعدها .
وأيضاً أنَّ الإسلام لا يُسْقِطُ الحدَّ عمَّن وَجَبَ عليه. وأيضاً ليست عقوبةُ
المرتدِین كذلك.
ودعوى أنَّ المحاربة إنما تُستعمل في الكفار يردُّها أنه ورد في الأحاديث
إطلاقُها على أهل المعاصي أيضاً .
وسببُ النزول لا يصلُح مخصّصاً، فإنَّ العبرة - كما تقرَّر - بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب، وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وغيرهما عن الشعبيِّ
قال: كان حارثة بن بدر التيميُّ من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، فكلّم
رجالاً من قريش أن يستأمنوا له عليًّا فَأَبَوْا، فأتى سعيد بنَ قيس الهمدانيَّ، فأتى
عليًّا فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاءُ الذين يحاربون الله تعالى ورسولَه وَلهل
ويَسْعَوْن في الأرض الفسادَ؟ قال: أن يقتَّلوا، أو يصلَّبوا، أو تقطّع أيديهم وأرجلُهم
من خلافٍ، أو يُنْفَوا من الأرض. ثم قال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ
عَلَيْهِمٌ) فقال سعيد: وإنْ كان حارثةَ بنَ بدر؟ قال: وإن كان حارثة بنَ بدر. فقال:
هذا حارثة بنُ بدر قد جاء تائباً، فهو آمن؟ قال: نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقَبِل
ذلك منه وكتب له أماناً (١). ورُوي عن أبي موسى الأشعري ما هو بمعناه.
ثم إنَّ السَّمْلَ الذي فعله رسول الله وَ لي لم يفعله في غير أولئك، وأخرج مسلم
والبيهقيُّ عن أنس أنه قال: إنَّما سَمَلَ رسولُ اللهِ وَّرَ أَعْيُنَ أولئك لأنهم سملوا
أعينَ الرِّعاء(٢).
وأخرج ابن جرير(٣) عن الوليد بن مسلم قال: ذاكَرْتُ الليث بن سعد ما كان
مِن سَمْلِ رسولِ اللهِ وَّرَ أعينَهم وتَرْكِه حَسْمَهم حتى ماتوا، فقال: سمعتُ محمد بن
عجلان يقول: أُنزلتْ هذه الآيةُ على رسول اللهِ وَّهِ معاتِبةً في ذلك، وعلَّمَه وَّهِ
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٨١، وتفسير الطبري ٣٩٤/٨، وعزاه لابن أبي حاتم ابن كثير
عند تفسير هذه الآية.
(٢) صحيح مسلم (١٦٧١): (١٤)، وسنن البيهقي ٩/ ٧٠.
(٣) في تفسيره ٣٦٨/٨-٣٦٩.

التفسير الإشاري (١٤ - ٣٤)
١٦٧
سُؤَدَّقُ لْعَائِدَة
عقوبةَ مِثْلِهِم من القتل والصَّلْبِ والقَطْع والنفي، ولم يَسْمُلْ بعدهم غيرَهم. قال:
وكان هذا القول ذكره لأبي عمرو(١) فأنكر أن تكون نزلت مُعاتِبةً، وقال: بل كانت
تلك عقوبةً أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية عقوبة غيرهم ممن حاربَ
بعدهم، فرفع عنهم السَّمل.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا
مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَقًِّا مِمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ أي: ألزمناهم
ذلك لتَخَالُفِ دواعي قواهم باحتجابهم عن نور التوحيد، وبُعْدِهم عن العالم
القدسيِّ ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: إلى وقت قيامهم بظهور نور الروح، أو القيامةِ
الكبرى بظهور نور التوحيد ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وذلك
عند الموت وظهورٍ الخسران، بظهور الهيئات القبيحة المؤذية الراسخة فيهم.
﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ﴾ بحَسَبِ الدواعي
والمقتضيات ﴿كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ﴾ عن الناس في أنفسكم ﴿مِنَ
اُلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ إذا لم تَدْعُ إليه داعيةٌ.
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ أبرزَتْه العنايةُ الإلهية من مكامن العماء
﴿وَكِتَبُّ﴾ خطَّه قلمُ الباري في صحائف الإمكان جامعاً لكلِّ كمال.
وهما إشارةٌ إلى النبيِّ ◌َّځ، ولذلك وحَّد الضمير في قوله سبحانه: ﴿يَهْدِی په
اللَّهُ﴾ أي: بواسطته ﴿مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: مَن أراد ذلك ﴿سُبُلَ السَّلَّمِ﴾
وهي الطرقُ الموصِلةُ إليه عزَّ وجل، وقد قال بعض العارفين: الطرقُ إلى الله تعالى
مسدودةٌ إلا على مَنِ اتَّبَع النبيَّ وَِّ ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الُلُمَتِ﴾ وهي ظلماتُ الشكِّ
والاعتراضاتِ النفسانية والخَطَراتِ الشيطانية ﴿إِلَىَ النُّورِ﴾ وهو نورُ الرضا
والتسليم ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو طريقُ الترقِّي في المقامات العَليَّةِ.
وقد يقال: الجملةُ الأولى إشارةٌ إلى توحيد الأفعال، والثانيةُ إلى توحيدِ
(١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من تفسير الطبري وتفسير ابن كثير عند هذه الآية،
وأبو عمرو هو الأوزاعي كما ذكر ابن كثير.

سُورَةُ القَائِدَة
١٦٨
التفسير الإشاري (١٤ - ٣٤)
الصفات، والثالثةُ إلى توحيد الذات.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمْ﴾ فحصروا الألوهية
فيه، وقَيَّدوا الإله بتعيُّنه، وهو الوجودُ المطلقُ حتى عن قيد الإطلاق.
﴿قُلٌ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَزْيَمَ
وَأَنَهُ، وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فإنَّ كلَّ ذلك من التعيُّنات والشؤون، والله من
ورائهم محيط.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: عالم الأرواح، وعالم الأجساد،
وعالم الصور ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ويُظْهِرُ ما أراد من الشؤون.
ـ : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْأَ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ فادَّعَوا بنوَّة الأسرار، والقُرْبَ
من حضرة نورِ الأنوار، وقد قال ذلك قومٌ من المتقدِّمين كما مرَّت الإشارة إليه،
وقال ما يَقْرُبُ من ذلك بعضُ المتأخِّرين، فقال الواسطيُّ: ابن الأزل والأبد(١).
لكنَّ هؤلاء القومَ لم يعرفوا الحقائقَ، ولم يذوقوا طَعْمَ الدقائقِ، فردَّ الله تعالى
دعواهم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ والأبناءُ والأحبابُ لا يذنبون
فيعذّبون، أوْ لا يُمتحنون إذ قد خرجوا من محلِّ الامتحان من حيث الأشباح ﴿بَلّ
أَنْتُمِ بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ﴾ كسائر عباد الله تعالى، لا امتيازَ لكم عليهم بشيء كما تزعمون
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ منهم فضلاً ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآَةٌ﴾ منهم عدلاً.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم
٤٠٥٠
مُلُوكًا﴾ بالولاية ومعرفة الصفات، أو بسَلْطنةِ الوَجْدِ وقوةِ الحال وعزةٍ عِلْم المعرفة،
أو مالكينَ أنفسَكم بمنعها عن غير طاعتي، والملوكُ عندنا: الأحرَارُ من رقِّ
الكونين وما فيه.
﴿وَءَاتَّنكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَسَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانِكم، ومنه اجتلاءُ نورٍ
التجلِّي من وجه موسى عليه السلام.
﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ وهي حضرةُ القلبِ ﴿اَلَّتِى كَنَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ في
(١) وتمامه: لأن تكون ابن الأزل والأبد خير لك من أن تكون من أبناء الماء والطين والأفعال
والإحصاء والعدد. حقائق التفسير للسلمي ١٠٤/١.

التفسير الإشاري (١٤ - ٣٤)
١٦٩
سُورَةُ القَائِدَة
القضاء السابق حسبَ الاستعداد ﴿وَلَا نَّئَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ في الميل إلى مدينة البدن،
والإقبال عليه بتحصيل لذَّاته ﴿فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ لتفويتكم أنوار القلب وطيباته.ـالم
﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ وهي صفاتُ النفس ﴿وَإِنَّا لَنْ تَّدْخُلَهَا حَقَّ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بأنْ يصرفَهم الله تعالى بلا رياضةٍ منَّا ولا مجاهدةٍ، أو يضعفوا عن
الاستيلاء بالطبع ﴿فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ حينئذ.
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اُلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ سوءَ عاقبةٍ ملازمةِ الجسم ﴿أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمَا﴾
بالهداية إلى الصراط السَّويِّ، وهما العقلُ النظريُ والعقل العمليُّ ﴿أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ
الْبَابَ﴾ أي: بابَ قريةِ القلب وهو التوثُّلُ بتجلِّي الأفعال، كما أن باب قرية
الروح هو الرضا ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونٌ﴾ بخروجكم عن أفعالكم وحَوْلِكم ...!
ويدلُّ على أنَّ الباب هو التوكُّلُ قولُه تعالى: ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم
مُؤْ مِنِينَ﴾ بالحقيقةِ، وهو الإيمانُ عن حضورٍ، وأقلُّ درجاتِهِ تجلِّي (١) الأفعالِ.
﴿قَالُواْ يَمُوسَّ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَدَاً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا ﴾
أولئك الجبارين عنَّا، وأَزِيلاهُم لتَخْلُوَ لنا الأرضُ ﴿إِنَّا هَهُنَا فَهِدُونَ﴾ أي:
ملازمون مكانَنا في مقام النفس، معتكفون على الهوى واللذَّات.
والعمال
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضِّ﴾ أي: أرضِ الطبيعة،
وذلك مدةُ بقائهم في مقام النفس، وكان ينزل عليهم من سماء الروح نورُ عقل (٢)
المعاش فينتفعون بضوئه.
﴿وَتَّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ﴾ القلب، اللَّذيْنِ هما هابيلُ العقل؛ وقابيلُ الوهم ﴿إِ
قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ وذلك كما قال بعضُ العارفين: إنَّ توأمة العقل: البوذا العاقلةُ العمليةُ
المدبِّرةُ لأمر المعاش والمعاد بالآراء الصائبة(٣)، المقتضيةِ للأعمال الصالحة
والأخلاقِ الفاضلة، المستنبطة لأنواع الصناعات والسياسات. وتوأمة الوهم:
إقليميا القوة المتخيلة، المتصرِّفة في المحسوسات والمعاني الجزئية لتحصيل الآراء
الشيطانية.
(١) في الأصل: تجليات.
(٢) في (م): عقد، والمثبت من الأصل وتفسير ابن عربي ١٩٧/١، والكلام فيه بنحوهن (١)
(٣) في (م): الصالحة.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
١٧٠
التفسير الإشاري (١٤ - ٣٤)
فأُمِرَ آدمُ القلب بتزويج (١) الوهم توأمةً العقل؛ لتدبِّره بالرياضات الإذعانية
والسياساتِ الروحانية، وتصاحبه بالقياسات العقلية البرهانية فتسخّره للعقل، وتزويجٍ
العقلِ توأمةَ الوهم؛ ليجعلها صالحةً، ويمنعها عن شهوات التخيُّلات الفاسدة،
وأحاديثِ النفس الكاذبة، ويستعملها(٢) فيما ينفع، فيستريح أبوها وينتفع.
فحسد قابيلُ الوهمِ هابيلَ العقلِ؛ لكون توأمته أجملَ عنده وأحبَّ إلیه؛
لمناسبتها إياه، فأُمرا عند ذلك بالقربان، فقرَّبا قرباناً ﴿فَثُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ وهو
هابيلُ العقل، بأنْ نزلت نارٌ من السماء فأكلته، والمرادُ بها العقلُ الفعَّالُ النازلُ من
سماءٍ عالَم الأرواح، وأَكْلُهُ إفاضتُه النتيجةَ على الصورة القياسية التي هي قربانُ
العقل وعَملُه الذي يتقرَّب به إلى الله تعالى ﴿وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ﴾ وهو قابيلُ
الوهم؛ إذ يمتنع قبولُ الصورة الوهمية لأنها لا تطابق ما في نفس الأمر.
﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ﴾ لمزيد حسده بزيادة قُرْبِ العقل من الله تعالى وبُعْدِه عن رتبة
الوهم في مُدْرَكاتِهِ وتصرُّفاته، وقتلُه إياه إشارةٌ إلى مَنْعِه عن فعله، وقَطْعِ مَدَدِ الروح
ونورِ الهداية الإلهية - الذي به الحياةُ - عنه، بإيراد التشكيكات الوهمية
والمعارَضاتِ في تحصيل المطالب النظرية.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ الذين يتخذون الله تعالى وقايةً، أو يَحْذَرون
الهيئاتِ المظلمةَ البدنية، والأهواءَ المُرْدِية، والتسويلاتِ المهلكةَ.
﴿لَيْنَ بَطَتَ إِلَ يَدَكَ لِنَقْتُلِىِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ﴾ أي: إنِّي لا أُبْطِلُ
أعمالك التي هي سديدةٌ في مواضعها.
﴿إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: لأنّي أعرف الله سبحانه فأعلم أنه خَلَقَك
لشأنٍ، وأَوْجَدَك لحكمةٍ، ومن جملة ذلك أنَّ أسباب المعاش لا تَحْصُلُ إلا بالوهم،
ولولا الأملُ بَطَلَ العمل.
﴿إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَاَ بِئْمِى وَإِنَّكَ﴾ أي: بإثم قتلي وإثم عملك من الآراء الباطلة
﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ وهي نارُ الحجاب والحرمان ﴿وَذَلِكَ جَزَُّؤْأُ الظَّالِمِينَ﴾
(١) في (م): بتزوج.
(٢) في (م): ويستعمل.

التفسير الإشاري (١٤ - ٣٤)
١٧١
سُورَةٌ للفائِدَة
الواضِعِينَ للأشياء في غير مَوْضِعِها، كوَضْعٍ (١) الأحكام الحسِّية موضعَ المعقولات.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَبْلَ أَخِيهِ فَقَلَهُ﴾ بمنعه عن أفعاله الخاصة، وحَجْبِه عن نور
الهداية ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ لتضرُّره باستيلائه على العقل، فإنَّ الوهم إذا انقطع
عن مُعاضدة العقل حَمَل النفس على أمورٍ تتضرَّرُ منها .
﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا﴾ وهو غرابُ الحِرْصِ ﴿يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرض النفس
﴿لِيُرِيَّهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةً أَخِيَةٍ﴾ وهو العقلُ المنقطع عن حياة الروح، المشوبُ
بالوهم والهوى، المحجوبُ عن عالمه في ظلمات أرض النفس.
﴿قَالَ يَوَيْلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىِ﴾ بإخفائها في ظلمة
النفس فأنتفع بها ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ عند ظهور الخسران، وحصولِ الحرمان.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى
الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأنَّ الواحد مشتملٌ على ما يشتمل عليه جميعُ
أفرادِ النوع، وقيامُ النوع بالواحد كقيامه بالجميع في الخارج، ولا اعتبارَ بالعدد،
فإن حقيقة النوع لا تزيد بزيادة الأفراد ولا تَنْقُصُ بنقصها، ويقال في جانب الأحياء
مثلُ ذلك.
﴿إِنَّمَا جَزَّاوَأُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: أولياءَهما ﴿وَ يَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا﴾ بتثبيط السالكين ﴿أَن يُقَتَّلُوا﴾ بسيف الخذلان ﴿أَوْ يُصَلَُّوا﴾ بحبل
الهجران على جِذْع الحرمان ﴿أَوْ تُقَطَعَ أَيْدِيهِمْ﴾ عن أذيال الوصال ﴿وَأَرْجُلُهُم
مِّنْ خِلَفٍ﴾ عن الاختلاف والتردُّد إلى السالكين ﴿أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي:
أرضِ القربة والائتلاف، فلا يلتفتُ إليهم السالكُ ولا يتوجَّه لهم.
﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ﴾ وهوانٌ ﴿فِى الذُّنْيَّا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعِظَم
جنايتهم، وقد جاء: ((إنَّ الله تعالى يغضبُ لأوليائه كما يغضبُ الليث الحَرِب)»(٢)
(١) في (م): كما وضع، وفي تفسير ابن عربي: كوضعك.
(٢) قطعة من حديث ذكره الحكيم الترمذي في الأصل الثاني والستين والمئة من نوادر
الأصول، والديلمي في الفردوس ١٦٧/٣ عن أنس ﴿به. وأخرجه من حديث أنس دون
هذه القطعة ابن أبي الدنيا في الأولياء (١)، وأبو نعيم في الحلية ٣١٨/٨، وابن الجوزي
في العلل (٢٧).

سورة المائدة
١٧٢
الآية : ٣٥
و: (مَنْ آذى وليًّا فقد آذَنْتُه بالمحاربة))(١).
نسألُ الله تعالى العفو والعافيةَ في الدِّين والدنيا والآخرة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ﴾ لمَّا ذكر سبحانه جزاءَ المحارب وعِظَمَ جنايته،
وأشار في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب، أَمَر المؤمنين بتقواه عز وجل في
كلِّ ما يأتون ويذرون، بتَرْكِ ما يجب اتِّقاؤه من المعاصي التي مِن جملتها المحاربةُ
والفساد، وبفعل الطاعات(٢) التي مِن عِدَادها التوبةُ والاستغفارُ ودفعُ الفساد.
﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: اطلبوا لأنفسكم إلى ثوابه والزُّلفى منه ﴿اَلْوَسِيلَةَ﴾ هي
فعيلةٌ بمعنى ما يُتَوَسَّلُ به ويتقرَّبُ إلى الله عز وجل مِن فعل الطاعات وترك
المعاصي، من وَسَّلَ إلى كذا، أي: تقرَّب إليه بشيء. والظرفُ متعلِّقٌ بها، وقدِّم
عليها للاهتمام، وهي صفةٌ لا مصدرٌ حتى يمتنعَ تقدُّم معموله عليه. وقيل: متعلِّقٌ
بالفعل قبله. وقيل: بمحذوفٍ وقع حالاً منها، أي كائنةً إليه.
ولعل المراد بها الاتقاءُ المأمورُ به - كما يشير إليه كلام قتادة - فإنه مِلاكُ الأمر
كلِّهِ، والذريعةُ لكلِّ خير، والمنجاةُ من كلِّ ضَيْرٍ. والجملةُ حينئذٍ جاريةٌ ممَّا قَبْلَها.
مجرى البيانِ والتأكید.
وقيل: الجملةُ الأولى أمرٌ بترك المعاصي، والثانيةُ أمرٌ بفعل الطاعات.
وأخرج ابن الانباريِّ وغيرُه عن ابن عباس ﴿هَا أنَّ الوسيلةَ: الحاجةُ، وأنشد له
قولَ عنترة:
إنَّ الرجال لهم إليكِ وسيلةٌ إِنْ يأخذوك تكخَّلي وتَخَضَّبي(٣)
وكأنَّ المعنى حينئذ: اطلبوا متوجِّهين إليه حاجكم؛ فإنَّ بيده عزَّ شأنه مقاليدَ
السماوات والأرض، ولا تطلبوها متوجّهين إلى غيره فتكونوا كضعيفٍ عاذ بقَرْملةٍ.
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﴿به، وفيه: ((مَن عادى لي وليًّا
فقد آذنته بالحرب».
(٢) في (م): الطاعة.
(٣) إيضاح الوقف والابتداء لابن الانباري ١/ ٨١، والبيت في ديوان عنترة ص٣٣.

الآية : ٣٥
١٧٣
سُورَةُ القَائِدَة
وفسَّر بعضهم ((الوسيلة)) بمنزلةٍ في الجنة، وكونُها بهذا المعنى غيرُ ظاهرٍ؛
لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بناءً على ما رواه مسلم وغيره: ((إنها
منزلةٌ في الجنَّة جَعَلَها الله تعالى لعبدٍ من عباده، وأرجو أنْ أكونَ أنا، فاسألوا لي
الوسيلة))(١). وكونُ الطلب هنا للنبيِّ وَِّ مما لا يكاد يذهب إليه ذهنٌ سليم، وعليه
يمتنع تعلُّق الظرفِ بها كما لا يخفى.
واستدلَّ بعضُ الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجَعْلِهم
وسيلةً بين الله تعالى وبين العباد، والقَسَم على الله تعالى بهم بأن يقال: اللهمَّ إنَّا
نُقْسِمُ عليكَ بفلانٍ أنْ تُعْطِيَنا كذا. ومنهمَ مَن يقول للغائب أو الميت من عباد الله.
تعالى الصالحين: يا فلان، ادعُ اللهَ تعالى ليرزقني كذا وكذا. ويزعمون أنَّ ذلك من
باب ابتغاءِ الوسيلة، ويَرْؤُون عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: إذا أَعْيَتْكم الأمورُ فعليكم بأهل
القبور. أو: فاستغيثوا بأهل القبور(٢). وكلُّ ذلك بعيدٌ عن الحقِّ بمراحل.
وتحقيقُ الكلام في هذا المقام: أنَّ الاستغاثة بمخلوقٍ وجَعْلَه وسيلةً بمعنى
طَلَبِ الدعاء منه لا شكّ في جوازه إنْ كان المطلوبُ منه حيًّا ولا يتوقَّف على
أفضليَّته من الطالب، بل قد يَطْلبُ الفاضلُ من المفضول، فقد صحَّ أنهَِِّ قال
لعمر وه لمَّا استأذنه في العمرة: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك))(٣). وأَمَره أيضاً أن
يطلب من أويسٍ القُرنيِّ رحمةُ الله تعالى عليه أنْ يستغفر له (٤)، وأَمَر أمَّته وَلّـ بطلب
الوسيلة له كما مرَّ آنفاً، وبأنْ يصلُّوا عليه.
وأما إذا كان المطلوبُ منه ميتاً أو غائباً فلا يَسْتَرِيبُ عالمٌ أنه غيرُ جائزٍ، وأنه
من البدع التي لم يفعلها أحدٌ من السلف، نعم السلامُ على أهل القبور مشروعٌ،
ومخاطبتُهم جائزة، فقد صحَّ أنه بَّه كان يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا:
(السَّلامُ عليكم أهل الديارِ مِنَ المؤمنين، وإِنَّا إنْ شاءَ اللهُ تعالى بكم لا حِقُون،
(١) صحيح مسلم (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿، وهو عند أحمد (٦٥٦٨)،
وفيهما بدل قوله ((فاسألوا لي الوسيلة)): ((فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة)).
(٢) ذكره ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة في التوسُّل والوسيلة ص ١٥٧ وقال: هذا الحديث كذب
مفترى على النبي ◌َّ ر. وسيأتي الكلام عليه ص١٧٩ من هذا الجزء.
(٣) أخرجه أحمد (١٩٥)، وأبو داود (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢) وقال: حديث حسن صحيح.
به .
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٤٢) من حديث عمر ضـ

سُورَةُ القَائِدَة
١٧٤
الآية : ٣٥
يرحمُ اللهُ تعالى المُسْتَقْدِمينَ منَّا ومنكم والمستأخرين، نسألُ اللهَ تعالى لنا ولكم
العافيةَ، اللّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهُم ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم واغْفِرْ لنا ولهم))(١).
ولم يَرِدْ عن أحدٍ من الصحابةِ ﴿ه - وهم أحرصُ الخَلْقِ على كلِّ خيرٍ - أنَّه
طلب من ميتٍ شيئاً، بل قد صحَّ عن ابن عمر ﴿ أنه كان يقول إذا دخل الحجرة
النبوية زائراً: السلامُ عليكَ يا رسولَ الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلام عليك
يا أبت(٢). ثم ينصرفُ ولا يزيد على ذلك، ولا يطلبُ من سيد العالمين ◌َليل أو من
ضجيعيه المكرَّمين ﴿مَا شيئاً، وهم أكرمُ من ضمَّتْه البسيطةُ، وأرفعُ قَدْراً مِن سائر
مَن أحاطت به الأفلاك المحيطة.
نَعَمْ الدعاءُ في هاتيك الحضرة المكرَّمة والروضةِ المعظّمةِ أمرٌ مشروعٌ، فقد
كانت الصحابة تدعو الله تعالى هناك مستقبلين القبلة، ولم يَرِدْ عنهم استقبالُ القبر
الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش.
واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه
لا يَسْتقبِلُ، بل يستدبِرُ ويستقبلُ القبلة. وقال بعضهم: يَسْتَقْبِلُ وقتَ السلام،
ويستقبلُ القبلةَ ويستدبرُ وقتَ الدعاء.
والصحيحُ المعوَّلُ عليه أنه يَستقبل وقتَ السلام، وعند الدعاء تُستقبلُ القبلة،
ويُجعل القبرُ المكرَّم عن اليمين أو اليسار.
فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة، وعلَّةِ الإيجاد على الحقيقة وَّه
فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته عليه الصلاة والسلام ليُزاد فيها ما يزاد، أو
يُطْلَبَ من المَزُورِ بها ما ليس من وظيفة العباد؟!
وأما القَسَمُ على الله تعالى بأحدٍ من خَلْقِه، مثل أن يقال: اللهم إنِّي أُقْسِمُ
عليك - أو أسألك - بفلان إلَّا ما قضيتَ لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جوازٌ
(١) أخرجه بنحوه مسلم (٩٧٤)، وأحمد (٢٤٤٢٥) من حديث عائشة ﴿تا، وأخرجه مسلم
(٩٧٥) من حديث بريدة ره مختصراً، ونقل المصنف لفظه عن قاعدة جليلة في التوسل
والوسيلة ص١٥٣ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٢٤).

الآية : ٣٥
١٧٥
سُورَةُ القَائِدَة
ذلك في النبيِّ وَّرَ لأنه سيدُ ولد آدم، ولا يجوز أن يُقْسَم على الله تعالى بغيره من
الأنبياء والملائكة والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وقد نقل ذلك عنه المُنَاوِيُّ في
شرحه الكبير للجامع الصغير(١)، ودليلُه في ذلك ما رواه الترمذيُّ - وقال: حديث
حسنٌ صحيح - عن عثمان بن حنيف ظله: أنَّ رجلاً ضريرَ البصر أتى النبيَّ وَّلـ
فقال: ادعُ الله تعالى أنْ يعافيني، فقال: ((إنْ شِئْتَ دعوتُ وإنْ شئتَ صَبَرْتَ فهو
خيرٌ لك)) قال: فادعُه. فأمره أن يتوضَّأ فيحسِنَ الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء:
((اللهم إني أسألك وأتوجَّه بنبيِّك ◌َّهِ نبيِّ الرحمةِ، يا رسولَ الله إنِّي توجّهْتُ بكَ إلى
ربيٍّ في حاجتي هذه لِيُقْضَى لي، اللهمَّ فشفِّعْه فيَّ))(٢)، ونُقل عن أحمد مثلُ ذلك.
ومِن الناس مَن مَنَعَ التوسُّلَ بالذات والقَسَمَ على الله تعالى بأحدٍ مِن خَلْقِه
مطلقاً، وهو الذي يرشح به كلامُ المجد ابن تيمية، ونَقَّله عن الإمام أبي حنيفة
وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام(٣)، وأجاب عن الحديث بأنه على حذفٍ
مضافٍ، أي: بدعاء - أو شفاعة - نبيِّك ◌َّيَ(٤)، ففيه جَعْلُ الدعاءِ وسيلةً وهو جائز،
بل مندوب، والدليلُ على هذا التقدير قولُه في آخر الحديث: ((اللهم فشفِّعْه فيَّ) بل
في أوله أيضاً ما يدلُّ على ذلك.
وقد شنَّع التاجُ السُّبكيُّ - كما هو عادتُه - على المجد(٥)، فقال: ويَحْسُنُ
التوسُّلُ والاستعانة(٦) بالنبيِّ وَّهَ إلى ربِّه ولم يُنْكِرْ ذلك أحدٌ من السَّلَف والخَلَفِ
حتى جاء ابنُ تيمية فأنكر ذلك، وعَدَلَ عن الصراط المستقيم، وابتدَعَ ما لم يَقُلْه
عالمٌ، وصار بين الأنام مُثْلَةً. انتهى.
(١) واسمه: فيض القدير، والكلام فيه ١٣٤/٢ - ١٣٥. وكلام العز في فتاواه ص ١٩٧، وينظر
التعليق الذي بعده.
(٢) سنن الترمذي (٣٥٧٨)، وهو عند أحمد (١٧٢٤٠). ولفظ الحديث الذي ساقه العز: ((اللهم إني
أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة)، ثم قال: وهذا الحديث: إن صح فينبغي أن يكون مقصوراً
على رسول الله وَال# لأنه سيد ولد آدم ... إلخ. ولم نقف على لفظ الحديث الذي ساقه العز.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٥٠، لتقي الدين أحمد بن تيمية، وهو حفيد المجد بن تيمية.
(٤) قاعدة جليلة ص٤٩ و٩٥ و١٠٨ .
(٥) الصواب أنه ابن تيمية الحفيد كما ذكرنا.
(٦) في الأصل و(م): الاستغاثة، والمثبت من فيض القدير ١٣٥/٢، والكلام منه.

سُورَّقُ للقائِدَة
١٧٦
الآية : ٣٥
وأنت تَعْلَمُ أنَّ الأدعية المأثورةَ عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة
ليس فيها التوسُّلُ بالذات المكرَّمةِ وَ ﴿، ولو فَرَضْنا وجودَ ما ظاهِرُه ذلك فمؤوَّلٌ
بتقديرِ مضافٍ كما سمعتَ، أو نحو ذلك كما تَسْمَعُ إن شاء الله تعالى، ومَن ادَّعى
النصّ فعليه البيانُ، وما رواه أبو داود في ((سننه)) وغيرُهُ مِن أنَّ رجلاً قال
لرسول الله وَله: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بك إلى الله تعالى، ونَسْتَشْفِعُ بالله تعالى عليك. فسبَّح
رسول الله ﴿﴿ حتى رُنيَ ذلك في وجوه أصحابه، فقال: ((وَيْحكَ أتدري ما اللهُ
تعالى؟ إنَّ الله تعالى لا يُشَفَّع به على أحدٍ من خَلْقِه، شأنُ اللهِ تعالى أعظمُ من
ذلك))(١) لا يصلح دليلاً على ما نحن فيه، حيث أنكر عليه قوله: إنَّا نستشفع بالله
تعالى عليك، ولم يُنْكِرْ عليه الصلاة والسلام قولَه: نستشفعُ بك إلى الله تعالى؛ لأنَّ
معنى الاستشفاع به وَ﴿ طلبُ الدعاءِ منه، وليس معناه الإقسامَ به على الله تعالى،
ولو كان الإقسامُ معنّى للاستشفاع فلِمَ أنكر النبيُّ وَّ ر مضمون الجملة الثانية دون
الأولى؟
وعلى هذا لا يصلحُ الخبر ولا ما قبله دليلاً لمن ادَّعى جوازَ الإقسام بذاته وَّـ
حيًّا وميتاً، وكذا بذاتِ غيره من الأرواح المقدَّسة مطلقاً قياساً عليه - عليه الصلاة
والسلام - بجامع الكرامة، وإنْ تَفاوَتَتْ(٢) قوةً وضعفاً، وذلك لأنَّ ما في الخبر
الثاني استشفاعٌ لا إقسامٌ، وما في الخبر الأول ليس نصًّا في محلِّ النزاع، وعلى
تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسامُ بالحيِّ والتوسُّلُ به، وتَسَاوِي حالتي حياتِه
ووفاته وَ﴿ في هذا الشأن يحتاج إلى نصٍّ، ولعل النصَّ على خلافه، ففي صحيح
البخاريِّ عن أنس: أنَّ عمر بن الخطاب ◌َظُه كان إذا قَحَطوا استسقى
بالعباس ◌َُّه، فقال: اللهمَّ إِنَّا كنّا نتوسَّلُ إليكَ بنبيِّكِ وَلّهِ فَتَسْقينا، وإِنَّا نتوسَّلُ إليك
بعمِّ نبيِّنا فاسْقِنا، فيُسْقَوْن(٣). فإنَّه لو كان التوسُّلُ به عليه الصلاة والسلام بعد
انتقاله من هذه الدار لَمَا عَدَلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهمَّ إنَّا نتوسَّلُ
إليك بنبِّينا فاسْقِنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسُّل بسيد الناس إلى التوسُّل بعمّه
(١) سنن أبي داود (٤٧٢٦) من حديث جبير بن مطعم ظه.
(٢) في (م) تفاوت.
(٣) صحيح البخاري (١٠١٠).

الآية : ٣٥
١٧٧
سُورَةُ القائِدَة
العباس وهم يجدون أدنَى مَسَاغِ لذلك، فعُدولُهم هذا مع أنهم السابقون الأوَّلون،
وهم أعلمُ منَّا بالله تعالى ورسوله وَله، وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة
والسلام، وما يُشْرَعُ من الدعاء وما لا يُشْرَعُ، وهم في وقتٍ ضرورةٍ ومَخْمَصَةٍ
يطلبون تفريجَ الكربات وتيسيرَ العسير، وإنزالَ الغيث بكلِّ طريق = دليلٌ واضحٌ على
أنَّ المشروع ما سلكوه دون غيره.
وما ذُكر من قياس غيره من الأرواح المقدَّسة عليه وَّه مع التفاؤُتِ في الكرامة
- الذي لا ينكرُه إلا منافقٌ - مما لا يكاد يَسْلَمُ، على أنك قد علمتَ أنَّ الإقسام به
عليه الصلاة والسلام على ربِّه - عزَّ شأنُه - حيًّا وميتاً مما لم يَقُم النصُّ عليه.
لا يقال: إنَّ في خبر البخاريِّ دلالةٌ على صحة الإقسام به وَ ◌ّه حيًّا وكذا بغيره
كذلك، أمَّا الأول فلقول عمر رَظُه فيه: كنّا نتوسَّلُ بنبيك وَّه، وأمَّا الثاني فلقوله:
إنَّا نتوسَّلُ بعمِّ نبيِّك = لِمَا قيل: إنَّ هذا التوسُّلَ ليس من باب الإقسام بل هو من
جنس الاستشفاع، وهو أنْ يُطْلَبَ من الشخص الدعاءُ والشفاعة، ويُطْلَبَ من الله
تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ العباس كان يدعو وهم يؤمِّنون
لدعائه حتی سُقوا.
وقد ذكر المجد أنَّ لفظ التوسُّل بالشخص والتوجّهِ إليه وبه فيه إجمالٌ واشتراكٌ
بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون
التوسُّلُ والتوجُّهُ في الحقيقة بدعائه وشفاعته، وذلك مما لا محذورَ فيه، وأما في
لغة كثيرٍ من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه، وهذا هو محلّ
النزاع(١)، وقد علمتَ الكلام فيه.
وجَعَل من الإقسام الغير المشروع قولُ القائل: اللهم أسألك بجاه فلان(٢)، فإِنَّه
لم يَرِدْ عن أحدٍ من السَّلَفِ أنه دعا كذلك.
وقال: إنَّما يُقْسَمُ به تعالى وبأسمائه وصفاته، فيقال: ((أسألكَ بأنَّ لك الحمدَ
لا إله إلا أنت، يا اللهُ المنَّانُ بديعُ السماوات والأرض، يا ذا الجلالِ والإكرام،
(١) قاعدة جليلة ص٤٨ و٤٩ و٦٣ و٨٢ و١٥٧. وهو لحفيد المجد كما أسلفنا.
(٢) قاعدة جليلة ص٥٦ و١٣٢.

سُورَةُ القَائِدَة
١٧٨
الآية : ٣٥
يا حيُّ يا قيوم)) و(«أسالكَ بأنكَ أنت اللهُ الأحدُ الصَّمدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَد ولم
يكن له كُفُواً أحد))، و((أسألك بكلِّ اسم هو لك، سمَّيتَ به نفسكَ)) الحديث، ونحو
ذلك من الأدعية المأثورة(١).
وما يذكره بعضُ العامَّةِ من قوله وَّهِ: إذا كانت لكم إلى الله حاجةٌ فاسألوا الله
بجاهي، فإنَّ جاهي عند الله عظيم. لم يَرْوِه أحدٌ من أهل العلم، ولا هو شيء في
کتب الحدیث(٢).
وما رواه القشيريُّ عن معروفٍ الكرخيِّ قدِّس سرُّه أنه قال لتلامذته: إنْ كانت
لكم إلى الله تعالى حاجةٌ فأَقْسِموا عليه بي فإنِّي الواسطةُ بينكم وبينه - جل جلاله -
الآن. لا يوجد له سندٌ يعوَّلُ عليه عند المحدِّثين.
وأمَّا ما رواه ابن ماجه(٣) عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ ◌َّر في دعاء الخارج
إلى الصَّلاة: ((اللهم إنِّي أسألك بحقِّ السائلين عليك، وبحقِّ ممشاي هذا، فإنِّي لم
أخرج أَشَراً ولا بَطَراً، ولا رياءً ولا سمعةً، ولكنْ خَرَجْتُ اتَّقَاءَ سَخَطِكَ وابتغاءَ
مَرْضاتِكَ، أنْ تُنْقذني من النار وأنْ تُدْخِلني الجنة)). ففي سنده: العوفيُّ، وفيه
ضعف. وعلى تقدير أن يكون من كلام النبيِّ وَ له يقال فيه: إنَّ حق السائلين عليه
تعالى أن يجيبهم، وحقَّ الماشين في طاعته أن يُئيبهم، والحقُّ بمعنى الوعدِ الثابتِ
المتحقّقِ الوقوع فضلاً لا وجوباً، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
وفي الصحيح من حديث معاذٍ: ((حقُّ الله تعالى على عباده أن يَعْبُدُوه ولا يُشْرِكوا
به شيئاً، وحقُّهم عليه إنْ فَعَلوا ذلك أنْ لا يعذِّبهم))(٤) فالسؤالُ حينئذٍ بالإثابة والإجابة
(١) قاعدة جليلة ص٥٣ و١٤٣ و١٤٩، وينظر حديث أنس ﴿ه عند أبي داود (١٤٩٥)،
والنسائي ٥٢/٣، وابن ماجه (٣٨٥٨). وحديث بريدة له عند أبي داود (١٤٩٣)،
والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧). وحديث ابن مسعود ظه عند أحمد (٣٧١٢)،
وابن حبان (٩٧٢).
(٢) قاعدة جليلة ص١٣٢ .
(٣) في سننه (٧٧٨)، والكلام من قاعدة جليلة ص١٤٦ .
(٤) صحيح البخاري (٢٨٥٦)، وصحيح مسلم (٣٠).

الآية : ٣٥
١٧٩
سُوَدَّةُ القَائِدَة
وهما من صفات الله تعالى الفعلية، والسؤالُ بها مما لا نزاعَ فيه، فيكون هذا السؤالُ
كالاستعاذة في قوله وَله: «أعوذُ برضاك من سَخَطِكَ، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ
بك منك))(١) فمتى صحَّت الاستعاذة بمعافاته صحَّ السؤال بإثابته وإجابته(٢). وعلى
نحو ذلك يخرَّج سؤال الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم(٣). على أنَّ التوسُّل بالأعمال
معناه التسبُّبُ بها لحصول المقصود، ولا شك أنَّ الأعمال الصالحة سببٌ لثواب الله
تعالى لنا، ولا كذلك ذواتُ الأشخاص أنفسها (٤).
والناسُ قد أَفْرَطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عزَّ شأنُه بمَن
ليس في العير ولا النفير، وليس عنده من الجاه قَدْرُ قطمير، وأعظمُ من ذلك أنهم
يطلبون من أصحاب القبور نحوَ إشفاءِ المريضٍ وإغناءِ الفقير، وردِّ الضالة، وتيسيرٍ
كلِّ عسير، وتُوحي إليهم شياطينُهم خبرَ: ((إذا أَعْيَتْكم الأمورُ)) إلخ، وهو حديثٌ
مفترَى على رسول الله وَّهِ بإجماع العارفين بحديثه، لم يَرْوِه أحدٌ من العلماء،
ولا يوجد في شيءٍ من كتب الحديث المعتمَدةِ، وقد نَهَى النبيُّ وَِّ عن انِّخاذ القبورِ
مساجدَ، ولَعَنَ على ذلك(٥)، فكيف يتصوَّر منه عليه الصلاة والسلام الأمرُ
بالاستغاثة، والطلبُ من أصحابها؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وعن أبي يزيد البسطاميِّ قدِّس سرُّه أنه قال: استغاثةُ المخلوق بالمخلوق
کاستغاثة المسجونِ بالمسجون.
ومن كلام السَجَّاد رَبُه(٦): أنَّ طَلَبَ المحتاج من المحتاج سَفَهٌ في رأيه،
وضلّةٌ في عقله.
(١) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة
(٢) قاعدة جليلة ص١٤٦ .
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر ◌ًا، وينظر قاعدة جليلة
ص١١٠ و١٢٥ و١٤٤.
(٤) ينظر قاعدة جليلة ص١٤٤ .
(٥) حديث اللعن أخرجه البخاري (٤٤٤١) من حديث عائشة ﴿تا، ومسلم (٥٣١) من حديث
عائشة وابن عباس ، وحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد أخرجه مسلم (٥٣٢) من
حديث جندب حظ. والكلام من قاعدة جليلة ص١٥٧ .
(٦) هو محمد بن طلحة بن عبيد الله، ذكره البخاري في الصحابة. الإصابة ٩/ ١١٧.

سُورَةُ القَائِدَة
١٨٠
الآية : ٣٥
ومن دعاء موسى عليه السلام: ((وبك المستغاث))(١).
وقال ◌َله لابن عباس ﴿هما: ((إذا استَعنْتَ فاستَعِنْ بالله)) الخبر (٢).
وقال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ).
وبعد هذا كلِّه أنا لا أرى بأساً في التوسُّل إلى الله تعالى بجاه النبيِّ وَِّ عند الله
تعالى حيًّا وميتاً، ويُراد من الجاه معنًى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن
يراد به المحبة التامَّةُ المستدعيةُ عدم ردِّه وقبولَ شفاعته، فيكون معنى قولِ القائل:
إلهي أتوسَّلُ بجاه نبيِّكَ وَِّ أن تقضيَ لي حاجتي: إلهي اجْعَلْ محبَّتك له وسيلةً في
قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك: إلهي أتوسَّلُ برحمتك أن تفعل كذا؛ إذ
معناه أيضاً: إلهي اجعل رحمتك وسيلةً في فِعْلٍ كذا. بل لا أرى بأساً أيضاً
بالإقسام على الله تعالى بجاهه وَلقر بهذا المعنى. والكلامُ في الحرمة كالكلام في
الجاه. ولا يجري ذلك في التوسُّل والإقسام بالذات البحث.
نعم لم يُعْهَدِ التوسُّلُ بالجاه والحرمةِ عن أحدٍ من الصحابة ﴿ه، ولعل ذلك
كان تَحاشياً منهم عمَّا يُخْشَى أن يَعْلَقَ منه في أذهان الناس إذ ذاك - وهم قريبو عهدٍ
بالتوسُّل بالأصنام - شيءٌ، ثم اقتدى بهم مَن خلفهم من الأئمة الطاهرين. وقد ترك
رسولُ اللهِ وَ﴿ هَدْمَ الكعبة وتأسيسَها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهدٍ
بكفرٍ كما ثبت ذلك في الصحيح (٣).
وهذا الذي ذكرتُه إنما هو لدفع الحرج عن الناس، والفرارِ من دعوى تضليلهم
- كما يزعمه البعض - في التوسل بجاهِ عريضِ الجاهِ وَلَيهِ، لا للميل إلى أنَّ الدعاء
كذلك أفضلُ من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب، وصَدَحَتْ بها
أَلْسنةُ السُّنةِ، فإنه لا يَستريبُ منصفٌ في أنَّ ما علَّمه الله تعالى ورسوله وَّ، ودَرَجَ
عليه الصحابة الكرام ﴿ه، وتلقّاه مَن بَعْدَهم بالقبول، أفضلُ وأَجْمَعُ وأنفعُ وأَسْلَمُ،
فقد قيل ما قيل إنْ حقًّا وإنْ كذباً.
بقي هاهنا أمران:
(١) قطعة من حديث أخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ ص٣٣٨ - ٣٣٩ من حديث عبد الله بن
مسعود
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) وقال: حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٨٥)، ومسلم (١٣٣٣) عن عائشة .
ـّا.