Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٦
٨١
سُورَةُ القَائِدَة
وقيل: المرادُ تطهيرُ القلب عن دَنَسَ التمرُّد عن طاعة الله تعالى.
وجُوِّز أن يكونَ المرادُ: ليُطهّركم بالتراب إذا أَعْوَزكم التطهُّر بالماء. والمراد
بالتَّطهُّر رَفْعُ الحدث والمانع الحكمي، وأما ما نُقِلَ عن بعض الشافعية كإمام
الحرمين من أنَّ القول بأنَّ الترابَ مُطهّرٌ قولٌ ركيك، فمراده به مَنْعُ الطهارة الحسية،
فلا يَرِدُ عليه أنه مخالفٌ للحديث الصحيح: ((جُعلتْ ليَّ الأرضُ مسجداً
وطَهوراً))(١).
والإرادةُ صفةُ ذات، وقد شاع تفسيرها، ومفعولُها في الموضعين محذوفٌ
كما أُشير إليه، واللام للعِلَّة، وإلى ذلك ذهب بعضُ المحققين.
وقيل: هي مزيدةٌ والمعنى: ما يريدُ الله أن يجعلَ عليكم من حَرَجٍ حتى
لا يُرخِّصَ لكم في التيمم، ولكن يريد أن يُطهِّركم. وضُعِّف بأنَّ ((أنْ)) لا تُقدَّرُ بعد
المزيدة، وتُعُقِّبَ بأنَّ هذا مخالفٌ لكلام النحاة، فقد قال الرضي: الظاهر أن تُقدَّر
(أن)) بعد اللام الزائدة التي بعد فِعْل الأمر والإرادة، وكذا في ((المغني))(٢) وغيره،
ووقوعُ هذه اللام بعد الأمر والإرادة في القرآن وكلام العرب شائعٌ مقيسٌ، وهو من
مسائل ((الكتاب))(٣) قال فيه: سألته - أي: الخليل - عن معنى: أريدُ لأن يفعل،
فقال: إنما تريد أن تقول: أريد(٤) لهذا كما قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُنَ أَوَّلَ
اَلْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢]. انتهى.
واختلف فيه النحاة؛ فقال السيرافيُّ: فيه وجهان: أحدهما ما اختاره البصريون
أنَّ مفعولَهُ مُقدَّرٌ، أي: أُريد ما أُريد لأن تفعل، فاللام تعليليةٌ غيرُ زائدة. الثاني:
أنها زائدةٌ لتأكيد المفعول.
(١) أخرجه أحمد (١٤٢٦٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن
عبد الله
(٢) لم نقف عليه في المغني، وهو في شرح شذور الذهب ص٣٨٣، والكلام من حاشية
الشهاب ٢٢١/٣.
(٣) ١٦١/٣، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٢١/٣.
(٤) كذا في الأصل و(م)، وفي الكتاب ١٦١/٣، وحاشية الشهاب: إرادتي.

سُورَةُ القَائِدَة
٨٢
الآية : ٧
وقال أبو عليٍّ في ((التعليقة))(١) عن المبرِّد: إنَّ الفِعْلَ دالٌّ على المصدر، فهو
مقدَّرٌ، أي: أردتُ وإرادتي لكذا، فحذف إرادتي، واللام زائدة. وهو تكلُّفٌ بعيدٌ.
والمذاهب ثلاثة: أَقْرَبُها الأول، وأسهلُها الثاني، وهو من بليغ الكلام القديم
کقوله :
أُريدُ لأنسى ذِكْرَها فكأنما تمثَّلُ لي ليلى بكُلِّ سبيلٍ(٢)
البلاغةُ فيه مما يعرفه الذوق السليم، قاله الشهاب(٣).
﴿وَلِيُتِمَّ﴾ بشَرْعه ماهو مَظْهَرةٌ لأبدانكم ﴿نِعْمَتَهُ، عَلَيَّكُمْ﴾ في الدين، أو: لِيُتَمَّ
برُخَصِهِ إنعامَه عليكم بالعزائم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ نعمته بطاعتكم إياه
فيما أَمَرَگُم به ونھاُم عنه.
ومن لطائف الآية الكريمة - كما قال بعض المحققين - أنها مشتملةٌ على سبعة
أمور كلُّها مثنى: طهارتان، أَصْلٌ وبدل، والأصل اثنان: مستوعِبٌ وغيرُ مستوعِبٍ،
وغيرُ المستوعِبِ باعتبار الفعل غَسْلٌ ومَسْحٌ، وباعتبار المحلِّ محدودٌ وغيرُ محدود،
وأنَّ آلتهما مائعٌ وجامدٌ، وموجبهما حَدَثٌ أصغرُ وأكبر، وأنَّ المبيحَ للعدول إلى
البدل مَرَضٌ أو سفر، وأنَّ الموعودَ عليهما التطهيرُ وإتمامُ النعمة. وزاد البعض
مثنيات أُخَر، فإنَّ غيرَ المحدود وجهٌ ورأسٌ، والمحدود يدٌ ورِجْلٌ، والنهايةُ كَعْبٌ
ومِرْفَقٌ، والشُّكْرُ قوليٍّ وفعليٌّ .
﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اُلَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وهي نعمة الإسلام، أو الأعمُّ على إرادة
الجنس، وأُمروا بذلك ليُذكِّرهم المنعِمَ ويرغِّبهم في شُكْره.
﴿وَمِيثَاقَّهُ الَّذِى وَاتَّقَكُم بِهِ﴾ أي: عَهْدَهُ الذي أَخَذَهُ عليكم، وقولُه تعالى: ﴿إِذْ
قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعَنَا﴾ ظرفٌ لـ ((واثقكم به))، أو لمحذوف وَقَعَ حالاً من الضمير
المجرور في (به))، أو من («ميثاقه)»، أي: كائناً وقْتَ قولكم: سمعنا وأطعنا، وفائدةٌ
التقييد به تأكيدُ وجوبٍ مراعاته بتذكير قولهم والتزامهم بالمحافظة عليه، والمراد به
(١) في (م): التعليق، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب.
(٢) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص ١٠٥ .
(٣) في حاشيته ٢٢٢/٣.

الآية : ٨
٨٣
سُورَةُ القَائِدَة
الميثاقُ الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم النبيُّ وَّر في العقبة الثانية سنةً ثلاث
عَشْرَةَ من النبوة على السمع والطاعة في حال اليُسْر والعُسْرِ والمَنْشَط والمَكْرِه
كما أخرجه البخاريُّ ومسلم من حديث عبادة بن الصامت(١).
وقيل: هو الميثاقُ الواقعُ في العقبة الأولى سنة إحدى عشرة، أو بيعة الرضوان
بالحديبية، فإضافة الميثاق إليه تعالى مع صدوره عنه وَل ير لكون المرجع إليه سبحانه
كما نطق به قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
وأخرج ابن جرير وابن حميد عن مجاهد قال: هو الميثاقُ الذي واثَقَ به بني
آدَمَ حين أَخرجهمْ من صُلْب أبيهم عليه السلام(٢). وفيه بُعْدٌ.
﴿وَّقُوْ اَللَّهُ﴾ في نسيان نعمته ونقضٍ ميثاقه، أو في كلِّ ما تأتون وتَذَرون،
فيَدخل فيه ما ذُكر دخولاً أوَّلِيًّا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ أي: مخفيَّاتها الملائِسةِ لها مُلابسَةً تامةً
مصحِّحةً لإطلاق الصاحب عليها، فيُجازيكم عليها، فما ظنُّكم بِجِلِيَّات الأعمال؟
والجملةُ اعتراضٌ وتعليلٌ للأمر، وإظهارُ الاسم الجليل لما مرَّ غيرَ مرَّة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ شروعٌ في بيان الشرائع المتعلّقة بما(٣) يجري بينهم وبين
غيرهم إثر ما يتعلَّق بأنفسهم.
﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَِّ﴾ أي: كثيري القيام له بحقوقه اللازمة، وقيل: أي: ليكنْ من
عادتكم القيامُ بالحق؛ في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى.
﴿شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وقيل: دعاةً لله تعالى مُبيِّنينَ عن دينه بالحُجَج
الحقَّة.
﴿وَلَا يَجْرِمِنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنَّكم ﴿شَتَكَانُ قَوْرٍ﴾ أي: شِدَّةُ بُغْضِكُم لهم ﴿عَلَى
(١) صحيح البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩)، وهو عند أحمد (٢٢٦٧٩).
(٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٢٠، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٢٦٥/٢.
(٣) في الأصل و(م): لما، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٢/٣، والكلام منه.

الآية : ٨
٨٤
سُورَةُ القَائِدَة
أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل، أو: فتَعْدُوا عليهم بارتكاب
ما لا يحل.
﴿أَعْدِلُوا﴾ أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم، واقتصر بعضُهم على
الأعداء بناءً على ما روي أنه لما فُتحت مكةُ كلَّف الله تعالى المسلمينَ بهذه الآية
أن لا يكافئوا كفَّار مكةَ بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل.
﴿هُوَ﴾ راجعٌ إلى العدل الذي تضمَّنه الفعل، وهو إما مطلقُ العَدْل فيندرجُ فيه
العدلُ مع الكفار(١) الذي أشار إليه سببُ النزول، وإما العدلُ مع الكفار.
﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٌ﴾ أي: أَدْخَلُ في مناسبتها؛ لأنَّ التقوى نهايةُ الطاعة، وهو
أَنسَبُ الطاعات بها، فالقُرْبُ بينهما على هذا مناسبةُ الطاعة للطاعة. ويحتمل أن
يكون أقربيَّته للتقوى (٢) باعتبار أنه لُظْفٌ فيها، فهي مناسبةُ إفضاءِ السبب إلى
المسبَّب، وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلَّة، واللامُ مِثْلُها في قولك: هو قريبٌ
لزید؛ للاختصاص، لا مكمّلة، فإنه بـ ((من)) أو ((إلى)).
وتكلَّفَ الراغِبُ في توجيه الآية فقال: فإن قيل: كيف ذكر سبحانه ((أقرب
للتقوى))، و((أَفْعَلُ)) إنما يقال في شيئين اشتركا في أَمْرٍ واحدٍ، لأحدهما مَزِيَّةٌ، وقد
علمنا أنْ لا شيءَ من التقوى ومن فِعْل الخير إلا وهو من العدالة؟
قيل: إنَّ ((أفعل)) وإن كان كما ذكرت، فقد يُستعمل على تقدير بناءِ الكلام على
اعتقاد المخاطَب في الشيءفي نفسه قَطْعاً لكلامه وإظهاراً لِتَبْكِيته، فيقال لمن اعتقد
مثلاً في زيد فضلاً وإن لم يكن فيه فَضْلٌ، ولكن لا يمكنه أن يُنكر أنَّ عَمراً أفضل
منه: اخدم عمراً، فهو أَفْضَلُ من زيد، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ خَيْرُ أَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] وقد عُلم أن لا خيرَ فيما يشركون.
والجملةُ في موضع التعليل للأمر بالعدل، وصرَّح لهم به تأكيداً وتشديداً، وأَمَرَ
سبحانه بالتقوى بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَأَّقُواْ اللّهُ﴾ إثرَ ما بَيَّن أنَّ العَدْلَ أقربُ لها؛
اعتناءً بشأنها وتنبيهاً على أنها ملاكُ الأمر كلِّه.
(١) قوله: مع الكفار. ليس في (م).
(٢) في (م): على التقوى.

الآية : ٩
٨٥
سُورَةُ القَائِدَة
من الأعمال فيجازيكم بذلك، وقد تقدَّم
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
نظيرُ هذه الآية في ((النساء))(١)، ولم يكتفِ بذلك لمزيد الاهتمام بالعَدْل والمبالغة
في إطفاء نائرة(٢) الغيظ.
وقيل: لاختلاف السبب، فإنَّ الأولى نزلت في المشركين، وهذه في اليهود.
وذكر بعضُ المحقّقين وجهاً لتقديم القِسْطِ هناك وتأخيرهِ هنا، وهو أنَّ آية
((النساء)) جيءَ بها في معرِض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه، فبدأ فيها بالقِسْطِ
الذي هو العَدْلُ من غير محاباةٍ نفسٍ ولا والدٍ ولا قرابة، والتي هنا جيءَ بها في
مَعْرِضٍ تَرْكِ العداوة، فبدأ فيها بالقيام لله تعالى؛ لأنه أَرْدَعُ للمؤمنين، ثم ثنّى
بالشهادة بالعَدْلِ، فجيءَ في كلِّ مَعْرِضٍ بما يناسبه.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَةِ﴾ من الواجبات والمندوبات، ومن
جملتها العَدْلُ والتقوى.
· جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لثاني مفعولَي ((وعد»
﴿لَمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (
المحذوف، كأنه قيل: أيَّ شيءٍ وَعَدَهم (٣)؟ فقيل: لهم مغفرة إلخ.
ويحتمل أن يكونَ المفعولُ متروكاً، والمعنى: قَدَّم لهم وَعْداً، وهو ما بُيِّنَ
بالجملة المذكورة.
وجُوِّزَ أن تكونَ مفعول ((وعد) باعتبار كونه بمعنی ((قال))، أو المراد حکایته؛
لأنه يُحكى بما هو في معنى القول عند الكوفيين.
ويحتمل أن يكون القول مُقدَّراً، أي: وَعَدَهُمْ قائلاً ذلك لهم، أي: في حَقِّهم،
فیکونُ إخباراً بشبوته لهم، وهو أبلغ.
وقيل: إنَّ هذا القولَ يقالُ لهم عند الموت تيسيراً لهم وتهويناً لسكرات الموت
علیهم.
(١) وهي الآية (١٣٥).
(٢) النائرة: الهائجة؛ قال في اللسان (نأر): نأرَتْ نائِرةٌ في الناس: هاجت هائجة.
(٣) في (م): وعده.

سُورَةُ لَائِدَة
٨٦
الآية : ١٠، ١١
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا بِئَايَتِنَآ﴾ القرآنية التي من جملتها ما تليت من النصوصِ
الناطقة بالأَمر بالعَدْل والتقوى، وحَمَلَ بعضُهم الآياتِ على المعجزات التي أَيَّدَ الله
تعالى بها نبيَّه وَل ـ
﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر ﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي: مُلابسو النارِ
الشديدةِ التأجُّج ملابسةً مؤبَّدة، والموصولُ مبتدأٌ أول، واسم الإشارة مبتدأ ثانٍ،
وما بعده خبرُهُ، والجملةُ خبرُ الأول.
ولم يُؤتَ بالجملة في سياق الوعيد كما أُتي بالجملة قبلها في سياق الوعد؛ قَطْعاً
لرجائهم، وفي ذِكْر حال الكَفَرة بعدَ حال المؤمنين - كما هو السُّنةُ السَّنيةُ القرآنية - وفاءٌ
بحقِّ الدعوة، وتطييبٌ(١) لقلوب المؤمنين بجَعْل أصحاب النار أعدائهم دونهم.
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تذكيرٌ لنعمة الإنجاء من
الشَّرِّ إثرَ تذكير نِعْمةِ إيصالِ الخير الذي هو نعمةُ الإسلام وما يتبعُها من الميثاق، أو
تذكيرُ نعمةٍ خاصَّةٍ بعد تذكير النعمة العامة اعتناءً بشأنها .
و((عليكم)) متعلِّقٌ بـ ((نعمة الله))، أو بمحذوف وَقَعَ حالاً منها، وقولُه تعالى: ﴿إِذْ
هَمَّ قَوْمُ﴾ على الأول ظَرْفٌ لنفس النعمة، وعلى الثاني لِمَا تعلَّق به الَّرْفُ،
ولا يجوز أن يكون ظَرْفاً لـ ((اذكروا)) لتنافي زمنيهما، فإنَّ ((إذا للمُضيِّ، و((اذكروا))
للمستقبل. أي: اذكروا إنعامه تعالى عليكم، أو: اذكروا نعمته تعالى كائنةً عليكم
وقتَ قَصْدٍ قوم ﴿أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: بأن يَبِطِشُوا بكم بالقَتْل
والإهلاك، يقال: بَسَطَ إليه يَدَهُ، إذا بَطَشَ به، وبَسَطَ إليه لسانه إذا شَتَمَهُ، والبَسْطُ
في الأصل مُطْلَقُ المَدِّ، وإذا استعمل في اليد واللسان كان كنايةً عمَّا ذُكر.
وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضَرَرٍ
البَسْط وغائلته إليهم؛ حملاً لهم من أول الأمر على الاعتداد بنعمة دَفْعه.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكٌُ﴾ عَظْفٌ على (هَمَّ) وهو النعمةُ التي أُريد تذكيرها،
وذِكْرُ الهَمِّ للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها، والفاءُ للتعقيب المفيدِ لتمام
النِّعمة وكمالها، وإظهارُ الأيدي لزيادة التقرير، وتقديمُ المفعول الصريح على
(١) في (م): وفاءً ... وتطيباً.

الآية : ١١
٨٧
سُورَةٌ للَائِدَة
الأصل، أي: مَنَعَ أيديهم أن تُمَدَّ إليكم عَقِيبَ هَمِّهم بذلك، وعَصَمَكُمْ منهم،
وليس المراد أنه سبحانه كَفَّها عنكم بعد أن مَدُّوها إليكم، وفي ذلك ما لا يخفى من
إكمال النعمة ومزيد اللُّطف.
والآيةُ إشارةٌ إلى ما أخرجه مسلمٌ وغيره من حديث جابرٍ أنَّ المشركينَ رأوا أنَّ
رسول الله وَ﴿ وأصحابه ﴿ه بعُسْفان قاموا إلى الظهر معاً، فلما صلَّوا، ندموا
إلا كانوا أكبُّوا عليهم، وهمُّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر، فردَّ الله
تعالى كيدَهم بأن أنزل صلاةَ الخوف(١).
وقيل: إشارةٌ إلى ما أخرجه أبو نعيم في ((الدلائل)) من طريق عطاء والضحاك
عن ابن عباس ﴿ها، أنَّ عمرو بن أمية الضَّمْري حين(٢) انصرف من بئر معونة لقي
رجلين كلابيّين معهما أمانٌ من رسول الله بِّهِ، فقتلهما ولم يعلم أنَّ معهما أماناً،
فَوَدَاهما رسول الله وَّ، ومضى إلى بني النضير ومعه أبو بكر ظُه وعمر وعلي،
فتلقَّوه فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم لماذا جئت؟ قال: ((رجلٌ من أصحابي قتل
رجلين من كِلاب معهما أمانٌ منِّي، طلبَ منِّي ديتهما، فأُريد أن تُعينوني)) قالوا:
نعم، اقعدْ حتى نجمعَ لك، فقعدَ تحت الحصن وأبو بكر وعمرُ وعليٍّ، وقد تآمر بنو
النضير أن يطرحوا عليه عليه الصلاة والسلام حَجَراً، فجاء جبريلُ عليه السلام
فأخبره، فقام ومَنْ معه(٣) .
وقيل: إشارةٌ إلى ما أخرجه غيرُ واحدٍ من حديث جابرٍ أنَّ النبيَّ وَُّ نزلَ
مَنزِلاً، فتفرَّقَ الناسُ في العِضاه يستظلُّون تحتها، فعلَّق النبيُّ وَِّ سلاحَهُ بشجرةٍ،
فجاء أعرابيٌّ إلى سيفه فأخذه فَسَلَّهُ، ثم أقبل على النبيِّ وَّهِ فقال: مَنْ يمنعكَ منِّي؟
قال: ((اللهُ تعالى)) قالها الأعرابي مرتين أو ثلاثاً والنبيُّ وَ له في كلِّ ذلك يقول: ((اللهُ
تعالى))، فشَامَ الأعرابيُّ السيفَ، فدعا النبيُّ وَّر أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي،
وهو جالسٌ إلى جنبه لم يعاقبه(٤).
(١) صحيح مسلم (٨٤٠): (٣٠٨).
(٢) في (م): حیث.
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم (٤٢٥)، ولفظ المصنف مختصر.
(٤) أخرجه أحمد (١٤٣٣٥)، والبخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣) في كتاب الفضائل. العضاء:
كل شجر عظيم له شوك. وشام سيفه: أغمده. النهاية (عضه) و(شيم).

سُورَةُ القَائِدَة
٨٨
الآية : ١٢
ولا يخفى أنَّ سببَ النزول يجوز تعدُّده، وأنَّ القومَ قد يُطلَقُ على الواحد
كالناس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وأنَّ ضرر الرئيس
ونَفْعَهُ يعودان إلى المرؤوس.
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ عَظْفٌ على ((اذكروا))، أي: اتقوه في رعاية حقوق نعمته،
ولا تُخِلُّوا بشكرها، أو (١) في الأَعمِّ من ذلك، ويدخلُ هو دخولاً أوَّلِيًّا.
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾، خاصةً، دون غيره استقلالاً أو اشتراكاً ﴿فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فإنه سبحانه كافٍ في دَرْءِ المفاسد وجَلْبِ المصالح. والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله،
وإيثارُ صيغة أَمْرٍ الغائب وإسنادُها للمؤمنين لإيجاب التوكّل على المخاطَبين بطريقٍ
برهانيٍّ، ولإظهار ما يدعو إلى الامتثال ويَزَعُ عن الإخلال، مع رعاية الفاصلة،
وإظهارُ الاسم(٢) الجليل لتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة التذييلية، وقد مرَّت
نظائرُه.
وهذه الآيةُ - كما نُقل عن الإمام الشافعيِّ رَظُبه - تُقرأ سبعاً صباحاً وسبعاً مساءً
لدفع الطاعون.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّوِيلَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مشتملٌ علی بیان بعض
ما صَدَرَ من بني إسرائيل، مَسوقٌ لتقرير المؤمنين على ذِكْر نعمة الله تعالى ومراعاةٍ
حقِّ الميثاق، وتحذيرِهم من نقضه، أو لتقرير ما ذُكر من الهَمِّ بالبطش وتحقيقِه بناءً
على أنه كان صادراً من أسلافهم ببيان أنَّ الغَدْرَ والخيانةَ فيهم شِنْشِنةٌ أخزمية(٣).
وإظهارُ الاسم الجليل هنا لتربية المهابة، وتفخيم الميثاق، وتهويلِ الخَطْب في
نَقْضه، مع ما فيه من رعاية حقِّ الاستئناف المستدعي للانقطاع عمَّا قبله.
(١) في (م): أي، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣/٣.
(٢) في الأصل و(م): الأمر، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤/٣، والكلام منه.
(٣) الشنشنة: الطبيعة والعادة. والأخزمية نسبة إلى أخزم الطائي، قيل: إنه كان عامًّا فمات
وترك بنين، فوثبوا يوماً على جدهم فأدمَوه فقال:
إن بنيَّ ضرَّجوني بالدم شنشئةٌ أعرفُها من أخزم
مجمع الأمثال ١/ ٣٦١.

الآية : ١٢
٨٩
سُورَةُ لقَائِدَة
والالتفاتُ في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ للجَرْي على سَنَن
الكبرياء، وتقديمُ المفعول الغير الصَّريح على الصريح، لِمَا مَرَّ غيرَ مَرَّةٍ من الاهتمام
والتشويق.
والنقيب: قيل(١): فعيلٌ بمعنى فاعل، مشتقًّا من النَّقْب بمعنى التفتيش، ومنه
﴿فَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ﴾ [ق: ٣٦] وسُمِّي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم. وقيل:
بمعنى مفعول؛ كأنَّ القومَ اختاروه على عِلْم منهم، وتفتيشٍ على أحوالهم(٢).
قال الزجَّاج: وأَضْلُهُ من التَّقْبِ، وهو الثَّقْبُ الواسع والطريقُ في الجبل،
ويقال: فلانٌ حَسَنُ النقيبة، أي: جميل الخليقة، ونِقَابٌ: للعالم بالأشياء الذكيّ
القلب، الكثير البَحْثِ عن الأمور، وهذا البابُ كلُّه معناهُ التأثيرُ في الشيء الذي له
عُمْق، ومن ذلك: نقبتُ الحائط، أي: بلغتُ في النقب آخره (٣).
روي أنَّ بني إسرائيل لمَّا فرغوا من أَمْرٍ فرعونَ أَمَرَهُم اللهُ تعالى بالمسير إلى
أريحاء أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال سبحانه لهم: إني
كتبتُها لكم داراً وقراراً، فاخرجوا إليها وجاهدوا مَنْ فيها فإني ناصرُكم، وأَمَرَ جلَّ
شأنه موسى عليه السلام أن يأخذَ من كلِّ سِبْطِ كفيلاً عليهم بالوفاء بما (٤) أمروا
به، فأخذ عليهم الميثاق، واختار منهم النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض
كنعان بَعَثَ النُّقباء يتجسَّسون الأخبار، ونهاهم أن يُحدِّثوا قومهم، فرأوا أجراماً
عِظاماً وبأساً شديداً فهابوا، فرجعوا وحدَّثوا قومهم إلا كالَب بن يوقنًّا من سِبط
يهوذا، ويوشع بن نون من سِبط إفرائيم بن يوسف عليه السلام، وعند ذلك قال بنو
إسرائيل لموسى عليه السلام: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾
[المائدة: ٢٤].
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهدٍ أنَّ النقباء لمَّا دخلوا على الجبَّارين
وجدوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عُنقود عِنَبهم إلا خمسُ أنفسٍ
(١) قوله: قيل، ليس في (م).
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي الدر المصون ٢٢٠/٤: أحواله، وهو الأنسب بالسياق.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٥٨/٢-١٥٩.
(٤) في (م): فيما.

سُورَةُ القَائِدَة
٩٠
الآية : ١٢
بينهم في خشبة، ويدخلُ في شَطْر الرمَّانة إذا نُزع حَبُّها خمسُ أنفس أو أربع(١).
وذكر البغويُّ(٢) أنه لقيهم رجلٌ من أولئك يقال له: عُوج بن عنق، وكان طولُه
ثلاثةَ آلافٍ وثلاثَ مئةٍ وثلاثةً وثلاثين ذراعاً وثُلُثَ ذراع، وكان يحتجز بالسحاب(٣)
ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعُه إليها ثم
يأكله، ويُروى أنَّ الماء طَبَّق ما على الأرض من جبلٍ وما جاوزَ رُكْبَتي عُوج،
وعاش ثلاثةَ آلاف سنةٍ حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، وذلك أنه
جاء وَقَوَّر صخرةً من الجبل على قَدْر عسكر موسى عليه السلام، وكان فَرْسَخاً في
فَرْسخ، وحَمَلَها ليطبقها عليهم، فبعث الله تعالى الهدهدَ فَقَوَّرَ الصخرةَ بمنقاره،
فوقعت في عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروعٌ فقتله. وكانت أمه
عُنق إحدى بنات آدم عليه السلام، وكان مجلسُها جريباً(٤) من الأرض.
فلمَّا لَقُوا عُوجاً وعلى رأسه حُزْمةُ حَطَبٍ أخذهم جميعاً وجعلهم في حُزْمته،
وانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا!
وَطَرَحَهُمْ بين يديها وقال: ألا أَطحنُهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا ، بل خلِّ عنهم
حتى يُخبروا قومَهم بما رأوا، ففعل. انتهى.
وأقول: قد شاع أمرُ عُوج عند العامة، ونقلوا فيه حكاياتٍ شنيعةً، وفي فتاوى
العلامة ابن حجر: قال الحافظ العماد بن كثير: قصةٌ عُوج وجميعُ ما يحكون عنه
هَذَيانٌ لا أصل له، وهو من مختَلَقات أهل الكتاب، ولم يكن قَطُّ على عهدٍ نوح
عليه السلام، ولم يسلم من الكفار أحدٌ.
وقال ابن القيِّم: من الأمور التي يُعرف بها كونُ الحديث موضوعاً، أَن يكون
مما تقوم الشواهدُ الصحيحةُ على بطلانه، كحديث ◌ُوج الطويل، وليس العَجَبُ من
جُرأة مَنْ وَضَعَ هذا الحديث وكَذَبَ على الله تعالى، إنّما العَجَبُ ممن يُدخل هذا
الحديثَ في كتب العلم من التفسير وغيرِهِ ولا يُبيِّنُ أمره!
(١) تفسير الطبري ٢٣٧/٨-٢٣٨.
(٢) في تفسيره ٢/ ٢٠، ونحوه في تفسير القرطبي ٣٩٨/٨.
(٣) في تفسير القرطبي: وكان يحتجن السحاب، أي: يجذبه بمحجنه.
(٤) الجريب في المساحة هو مبزر الجريب المكيالي، ويعادل ١٤٤٤ متراً مربعاً، وقيل: ٢٣٠٤
أمتار مربعة. ينظر معجم متن اللغة (جرب).

الآية : ١٢
٩١
سُورَّةُ القَائِدَة
ثم قال: ولا ريب في أنَّ هذا وأمثالَهُ من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا
الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم(١). انتهى.
وأورد ابن المنذر عن ابن عمرو (٢) من قصته شيئاً عجيباً، وتعقّبه بعضُ
المصنفين بأنَّ هذا مما يستحي الشخصُ من نسبته إلى ابن عمرو ﴿ًُّا. ومشى
صاحب ((القاموس)) على أنَّ أخباره موضوعة(٣).
وأخرج الطبرانيُّ وأبو الشيخ ابن حَبَّان(٤) في كتاب ((العظمة)) فيه آثاراً (٥)، قال
الحقَّاظ في أطولها المشتملِ على غرائبَ من أحواله: إنه باطلٌ كَذِب.
وقال الحافظ السيوطيُّ: والأقربُ في خبرِ عُوجِ أنه من بقية عاد، وأنه كان له
طولٌ في الجملة مئةُ ذراع، أو شبْهُ ذلك، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قَتَلَهُ
بعصاه، وهذا هو القَدْرُ الذي يحتمل قبوله(٦). انتهى.
ونِعْمَ ما قال، فإنَّ بقاءه في الطوفان مع كُفْرِه الظاهر - إذ لم يُنقلْ إيمانُه، ودعوةٌ
نوحٍ عليه السلام التي عمَّتِ الأرض - مما لا يكاد يقبله المنصِفُ.
وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]
مما لا يُسوِّغه العارف.
وشَيُّهُ الحوتَ بعين الشمس مما لايكاد يُعقَلُ، على ما ذكره الحكماء،
فقد ذكر الخلخالي(٧) أنهم ذهبوا إلى أنَّ الشمسَ ليست حارَّةً، وإلا لكان
(١) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ١٨٨، وكلام ابن كثير بنحوه في البداية والنهاية
٢٦٦/١-٢٦٧، وكلام ابن القيم في المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص٧٤-٧٦.
(٢) في الأصل و(م): عمر، في الموضعين، والمثبت من الحاوي للسيوطي ٥٧٦/٢، والكلام منه.
(٣) ينظر القاموس المحيط (عوج)، وفيه: وعُوج بن عُوقٍ بضمهما: رجل ولد في منزل آدم،
فعاش إلى زمن موسى، وذكر من عظم خلقه شناعة. اهـ. قال صاحب التاج: ابن عوق،
هذا هو الصواب، لا كما اشتهر من أنه ابن عنق.
(٤) في (م): وابن حبان. وهو خطأ. وأبو الشيخ هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَبَّان.
(٥) المعجم الكبير للطبراني (٨٩٠٣)، والعظمة لأبي الشيخ ص ٤٣٥-٤٣٦.
(٦) الأوج في خبر عوج ضمن الحاوي للفتاوي للسيوطي ٢/ ٥٧٨ .
(٧) هو: شمس الدين محمد بن مظفر الدين الخلخالي، ويعرف أيضاً بالخطيبي، الشافعي، كان
إماماً في العلوم العقلية والنقلية، من تصانيفه: شرح المصابيح، وشرح مختصر ابن

سُورَةُ القَائِدَة
٩٢
الآية : ١٢
قُلَلُ (١) الجبال أحرُّ من الوِهاد(٢)؛ لِقُرب القُلَلِ من(٣) الشمس وبُعْد الوهاد عنها،
بل الحرارةُ تَحدثُ من وصول شُعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسهِ عنه ولذلك
يُرى الوهادُ أحرَّ؛ لتراكم الأَشِعَّة المنعكسةِ فيها، فما وصل إليه الشُّعاع من وجه
الأرض يصيرُ حارًّا وإلا فلا. وذكر نحوَ ذلك شارحُ ((حكمة العين))(٤) .
ولا يَرِدُ على هذا أنَّ بعضَ الناسِ رَوَى أنَّ كذا ملائكةً ترمي الشمس بالثلج إذا
طلعت، ولولا ذلك لأَحرقتْ أهلَ الأرض. لأنَّ ذلك ممَّا لم يَثْبُتْ عند الحفّاظ،
وهو إلى الوضع أقربُ منه إلى الصحة.
ثم كأنَّ القائلَ بوجود عُوج هذا من الناس لا يقول بالطّبقة الزمهريرية(٥) التي
هي الطبقةُ الثالثةُ من طبقات العناصر السَّبْع، ولا بما فوقَها، وإلا فكيفَ يكون
الاحتجازُ بالسَّحاب، وهو كالرعد والبرق والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة
الباردة التي لا يصل إليها أثرُ شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض؟
وقد ذكروا أيضاً أنَّ فوقَها طبقتين: الأولى ما يمتزج مع النار، وهي التي
يتلاشى فيها الأدخنةُ المرتفعةُ عن السفل، ويتكوَّنُ فيها الكواكبُ ذوات الأذناب
والنيازك، والثانيةُ ما يقربُ من الخلوص؛ إذ لا يصلُ إليه حرارةُ ما فوقه، ولا برودةٌ
ما تحته من الأرض والماء، وهي التي يحدثُ فيها الشُّهب.
فإذا احتجز هذا الرجلُ بالسحاب وَصَلَ رأسُهُ - على زَعْمِهم - إلى إحدى تينك
الطبقتين، فيكف يكونُ حالُه مع ذلك البرد والحر؟ ولا أظنُّ بشراً - كيف كان -
= الحاجب، وشرح المفتاح، وشرح التلخيص، وصنف أيضاً في المنطق، توفي سنة
(٧٤٥هـ). الدرر الكامنة ١٢/٦، وشذرات الذهب ٢٥٠/٨.
(١) القلل: جمع قُلَّة وهي أعلى الجبل. القاموس المحيط (قلل).
(٢) الوهاد: جمع وَهْدة وهي الأرض المنخفضة. القاموس المحيط (وهد).
(٣) في (م): إلى.
(٤) حكمة العين للعلامة نجم الدين أبي الحسن علي بن محمد الشهير بدبيران الكاتبي القزويني
المتوفى سنة (٦٧٥هـ)، وهو متن مختصر، وقد شرحه شمس الدين محمد بن مبارك شاه
الشهير بميرك البخاري، ومن شروحه أيضاً شرح جمال الدين حسن بن يوسف الحلي،
وشرح محمد بن موسى التالشي. كشف الظنون ٦٨٥/١ .
(٥) في (م): الزمهرية.

الآية : ١٢
٩٣
سُورَةُ القَائِدَةِ
يَقْوَى على ذلك، على أنَّ أَصْلَ الاحتجاز مما لا يمكن، بناءً على كلام الحكماء؛
إذ قد علمتَ أنَّ منشأ السُّحب الطبقةُ الزمهريرية.
وفي كتاب ((نزهة القلوب))(١) نقلاً عن الحكيم أبي نصر: أنَّ غايةَ ارتفاعها اثني
عَشَرَ فرسخاً وستّ مئة ذراع، وعن المتقدِّمين أنها ثمانية عشر فرسخاً، والفرسُ
ثلاثةُ أميال، والمِيلُ ثلاثة آلاف وخمسُ مئة ذراع. انتهى.
واختلفوا أيضاً في غاية انحطاطها، ولم يذكر أحدٌ منهم أنها تنحظُ إلى ما يُتصوَّر
معه احتجازُ الرجل الذي ذكروا من طوله ما ذكروا بالسحاب، اللهم إلا أن يُراد به
سحابٌ لم يبلغ هذا الارتفاع، ومع هذا كلِّه قد خطؤوا في قولهم: ابن عُنق،
وإنما هو ابن عُوق، كُنُوح كما نصَّ على ذلك في ((القاموس))(٢)، وهو أيضاً اسمُ
والده لا والدته، كما ذكر هناك أيضاً، فليُحفظ.
وأخرج ابن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه قال في الآية: أَخَذَ اللهُ تعالى
ميثاقَ بني إسرائيل أن يُخْلِصُوا له ولا يَعبدوا غيره، وبعث منهم اثني عَشَرَ كفيلاً
كُفِّلوا عليهم بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم
عنه(٣). واختاره الجبَّائي.
والنقباء حينئذٍ يجوزُ أن يكونوا رُسلاً، وأن يكونوا قادةً كما قال البلخيُّ،
واختار أبو مسلم أنهم بُعثوا أنبياءً ليقيموا الدِّين، ويُعلِّموا الأسباطَ التوراةَ،
ويأمروهم بما فَرَضَهُ الله تعالى عليهم. وأخرج الطيبيُّ عن ابن عباسٍ ◌ًَّا: أنهم
کانوا وزَراء، وصاروا أنبياء بعد ذلك.
﴿وَقَالَ اُللَّهُ﴾ أي: للنقباء، عند الربيع، ورجَّحه السمين للقُرْب(٤)، وعند أكثر
المفسرين لبني إسرائيل، ورجَّحه أبو حيان(٥)؛ إذ هم المحتاجون إلى ما ذُكر من
(١) في شرح الأراضي والممالك والأفلاك والكواكب لحمد الله بن أبي بكر بن حمد القزويني
المتوفَّى في حدود سنة (٧٧٥هـ). كشف الظنون ١٩٤٥/٢.
(٢) مادة (عوج)، وينظر ما سلف ص ٩١ من هذا الجزء.
(٣) تفسير الطبري ٢٣٥/٨.
(٤) لم نقف عليه في الدر المصون.
(٥) في البحر المحيط ٤٤٤/٣.

سُوَّةُ القَائِدَة
٩٤
الآية : ١٢
الترغيب والترهيب، كما يُنْبئ عنه الالتفاتُ، مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد
ما يتضمَّنه الكلامُ من الوعد.
﴿﴿إِنِّ مَعَكُمْ﴾ أسمعُ كلامكم وأرى أعمالكم، وأعلم ضمائركم فأجازيكم
بذلك. وقيل: معكم بالنصرة. وقيل: بالعلم. والتعميمُ أولى.
﴿لَيِنْ أَقَمْتُمُ الْضَلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلٍ﴾ أي: بجميعهم، واللامُ
موّئةٌ للقَسَم المحذوف، وتأخيرُ الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع
كونهما من الفروع المترتّبة عليه؛ لما أنهم - كما قال غير واحد - كانوا معترفين
بوجوبهما حَسْبَما يُراد منهم، مع ارتكابهم تكذيبَ بعض الرسل عليهم الصلاة
والسلام، ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ .
وقال بعضهم: إنَّ جملة ((وآمنتم برسلي)) إلى آخره، كنايةٌ إيمائيةٌ عن
المجاهدة، ونصرةٍ دين الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، والإنفاقِ في
سبيله، كأنه قيل: لئن أَقمتم الصلاةَ وآتيتم الزكاةَ وجاهدتُم في سبيلي(١)، يدلُّ
عليه قوله تعالى: ﴿وَلَ نَرْئَّدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فإنَّ
المعنى: لا ترتدُّوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أَمْرَ ربِّكم وعصيانكم
نبيّكم عليه الصلاة والسلام، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأوَّلَيْنِ
وأُبرزتْ في مَعْرِض الكناية؛ لأنَّ القومَ كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون
لموسى عليه السلام: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون. انتهى،
ولا يخلو عن نظر.
وقيل: إنما قَدَّم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنها الظاهرُ من أحوالهم الدالّة
على إيمانهم.
والتعزير أصلُ معناه: المنْعُ والذَّبُّ، وقيل: التقويةُ، من العَزْر، وهو والأَزْرُ
من وادٍ واحد، ولا يخفى أنَّ في التقوية مَنْعاً لمن قَوَّيته عن غيره، فهما متقاربان،
ثم تُجُوِّزَ فيه عن النصرة لما فيها من ذلك، وعن التأديب وهو في الشرع ما كان
(١) في (م): في سبيل الله. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٢٤/٣، والكلام منه.

الآية : ١٢
٩٥
سُورَةُ القَائِدَة
دون الحدِّ؛ لأنه رادعٌ ومانعٌ عن ارتكاب القبيح، ولذا سُمِّي في الحديث نُصْرة،
فقد صح عنه ◌ِّهِ: ((انْصُرْ أخاكَ ظالماً أو مظلوماً)) فقال رجلٌ: يا رسول الله، أَنْصُرُهُ
إذا كان مظلوماً، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنَصْرُهُ؟ فقال رسول الله وَلِّ: ((تَحجزُه
- أو تمنعُهُ - عن الظلم، فإنَّ ذلك نَصْرُهُ(١)).
وقال الراغب: التعزيرُ: النُّصْرةُ مع التعظيم(٢). وبالنُّصرة فقط فَسَّره الحسن
ومجاهد، وبالتعظيم فقط فسَّره ابن زيد وأبو عبيدة(٣).
وقرئ: ((عَزَرْتُموهم)) بالتخفيف(٤).
﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ أي: بالإنفاق في سبيل الخير، وقيل: بالصِّدق بالصَّدَقات
المندوبة، وأيًّا ما كان فهو استعارةٌ؛ لأنه سبحانه لمّا وعد بجزائه والثواب علیه،
شبّه بالقرض الذي يُقْضَى بمثله، وفي كلام العرب قديماً: الصالحات قروض.
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو ماكان عن طِيْبٍ نفسٍ على ما قال الأخفش. وقيل:
مالا يتبعه منّ ولا أذى. وقيل: ما كان من حلال.
وذكر غيرُ واحدٍ أنَّ ((قَرْضاً)) يحتملُ المصدر والمفعولَ به.
﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَمِّئَاتِكُمْ﴾ دالٌّ على جواب الشرط المحذوف، وسادٌّ مسدّه
معنًى، وليس هو الجواب له - خلافاً لأبي البقاء(٥) - بل هو جوابٌ للقَسَم، فقد
تقرَّر أنه إذا اجتمعَ شَرْطُ وقَسَمٌ، أُجيبَ السابقُ منهما، إلَّا أن يتقدَّمه ذو خبر.
وجُوِّز أن يكون هذا جواباً لما تضمَّنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ) من القَسَم، وقيل: إنَّ جوابه: ((لئن أقمتم)) فلا تكونُ اللام موظّئةً، أو
تكون ذات وجهين، وهو غريبٌ. وجملةُ القَسَم المشروط وجوابِهِ مفسِّرةٌ لذلك
الميثاق المتقدِّم.
(١) أخرجه أحمد (١٣٠٧٩)، والبخاري (٦٩٥٢) من حديث أنس
(٢) مفردات الراغب (عزر).
(٣) في مجاز القرآن ١/ ١٥٧ .
(٤) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١.
(٥) الإملاء ٤٠٠/٢ .

سُورَةُ القَائِدَةِ
٩٦
الآية : ١٣
﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ﴾ُ عَطْفٌ على ما قبله داخلٌ معه في
حُكْمِه، متأخّرٌ عنه في الحصول ضرورةَ تقدُّم التخلية على التحلية.
﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: برسلي، أو بشيءٍ مما عدِّد في حَيِّز الشرط، والفاءُ
لترتيب بيان حُكْم مَنْ كَفَر على بيان حُكْم مَنْ آمن تقويةً للترغيب بالترهيب.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الشَّرْطِ المؤَّدِ المعلَّقِ به الوعدُ العظيم، أعني: («لأكفِّرنَّ».
وقيل: بعد الشرط المؤكَّدِ المعلَّقِ بالوعد العظيم، أعني: ((إنِّي معكم))، بناءً
على حَمْل المعيّة على المعيَّة بالنَّصرة والإعانة، أو التوفيق للخير، فإنَّ الشَّرْطَ مُعلَّقٌ
به من حيثُ المعنى، نحو: أنا معتنٍ بشأنك، إن خدمتني رفعتُ مَحلَّك.
وقيل: المراد: بعد ما شَرَطْتُ هذا الشَّرْطَ ووعدتُ هذا الوعد، وأنعمتُ هذا
الإنعام.
وقوله تعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً من فاعل ((كَفَر))، ولعلَّ
تغييرَ السَّبْكِ، حيث لم يقل: وإنْ كفرتم، عَظْفاً على الشرطية السابقة كما قال شيخ
الإسلام - لإخراج كُفْر الكُلِّ عن حَيِّز الاحتمال، وإسقاطٍ مَنْ كَفَر عن رُتبة
الخطاب. ثم ليس المرادُ بالكُفْر إحداثُهُ بعد الإيمان، بل ما يعمُّ الاستمرار عليه
أيضاً، كأنه قيل: فمن اتَّصف بالكُفْر بعد ذلك، إلا أنه قَصَدَ بإيرادِ ما يدلُّ على
الحدوث بيانَ تَرَقِّيهم في مراتب الكُفْرِ، فإنَّ الاتِّصاف بشيءٍ بعد ورود ما يُوجِبُ
الإقلاع عنه، وإن كان استمراراً عليه، لكنْ بحسَبَ العنوان فِعْلٌ جديدٌ وصُنْعٌ
حادث(١).
أي: وَسطَ الطريق وحاقَّهُ(٢)، ضلالاً لا شُبْهة
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
فيه ولا عُذْر معه، بخلاف مَنْ كَفَر قبل ذلك؛ إذ ربما يمكن أن يكون له شُبهةٌ،
ويُتُوهَّم عُذْر.
﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾ أي: بسبب نَقْضِهم ميثاقَهم المؤكَّد، لا بشيءٍ آخرَ
(١) تفسير أبي السعود ١٥/٣.
(٢) حاقُّ كل شيء: وسطه. معجم متن اللغة (حقق).

الآية : ١٣
٩٧
سُورَةُ القَائِدَة
استقلالاً أو انضماماً (١)، فالباء سببيةٌ، و((ما)) مزيدةٌ لتوكيد الكلام وتمكينه في
النفس، أو بمعنى ((شيء)) كما قال أبو البقاء(٢).
والجارُّ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿لَعَنَّهُمْ﴾ أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا
عقوبةً لهم، قاله عطاء وجماعةٌ.
وعن الحسن ومقاتل أنَّ المعنى: مسخناهم قِرَدةً وخنازير.
وعن ابن عباس : عذَّبناهم بضَرْب الجزية عليهم.
ولا يخفى أنَّ ما قاله عطاءٌ أقربُ إلى المعنى الحقيقي؛ لأنَّ حقيقةَ اللَّعْنِ في
اللغة: الطَّرْدُ والإبعادُ، فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجازٌ باستعماله في لازم
معناه، وهو الحقارةُ بما ذُكر، لكنه لا قرينةَ في الكلام عليه.
وتخصيصُ البيان بما ذُكر مع أنَّ حقَّه أن يُبيَّن بعد بيان تحقّق اللَّغْن والنقض،
بأن يقال مثلاً: فنقضوا ميثاقَهم فلعنَّاهم، ضرورةَ تقدُّم هلية الشيء البسيطة على
هليته(٣) المركّبة - كما قال شيخ الإسلام - للإيذان بأنَّ تحقَّقهما أَمْرٌ جليٍّ غنيٌّ عن
البيان، وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمُسَبَّبية(٤).
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَّةٌ﴾ يابسةً غليظةً تنبو عن قبول الحق ولا تَلينُ، قاله
ابن عباس
وقيل: المراد: سلبناهم التوفيقَ واللُّطْفَ الذي تنشرُ به صدورهم، حتی ران
على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وهذا كما تقول لغيرك: أَفسدتَ سيفَكَ، إذا تَرَكَ
تعاهُدَهُ حتى صدئ، و: جعلتَ أظافيركَ سلاحك، إذا لم يقصّها.
وقال الجبائيُّ: المعنى: بيَّنًا عن حال قلوبهم وما هي عليه من القساوة،
وحَكَّمْنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم موعظة. ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر،
وما دعا إليه إلا الاعتزال.
(١) في الأصل و(م): وانضماماً، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٦/٣، والكلام منه.
(٢) في الإملاء ٢/ ٤٠٠ .
(٣) في تفسير أبي السعود ١٦/٣ (والكلام منه): هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة.
(٤) تفسير أبي السعود ١٦/٣.

سُورَةُ القَائِدَة
٩٨
الآية : ١٣
وقرأ حمزة والكسائي: ((قَسِيَّة))(١) وهي إما مبالغةُ ((قاسية)) لكونه على وزن
فَعِيل، أو بمعنى ((رَدِيَّة)) من قولهم: درهمٌ قَسِيٍّ، إذا كان مغشوشاً، وهو أيضاً من
القَسْوة، فإنَّ المغشوشَ فيه يُبْسٌ وصلابةٌ. وقيل: إنَّ (قَسِيّ)) غيرُ عربيٍّ بل مُعرَّب.
وقرئ: ((قِسِيَّة)) بكسر القاف للإتباع(٢).
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ استئنافٌ لبيان مرتبة قساوة قلوبهم، فإنه لا مرتبةً
أعظمُ مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام ربِّ العالمين والافتراءِ عليه عزَّ وجلَّ،
والتعبيرُ بالمضارع للحكاية واستحضارِ الصورة، وللدلالة(٣) على التجدُّد والاستمرار.
وجُوِّزَ أن يكون حالاً من مفعول ((لعنَّاهم))، أو من المضاف إليه في ((قلوبهم))،
وضُعِّفَ بما ضُعِّف.
وجَعْلُه حالاً من القلوب، أو من ضميره في ((قاسية)) كما قيل، لا يصحُّ؛ لعدم العائد
منه إلى ذي الحال. وجَعْلُ القلوب بمعنى أصحابها، مما لا يلتفت إليه أصحابها .
﴿وَنَسُواْ حَظًّا﴾ أي: وتركوا نصيباً وافياً، واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير.
﴿مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ من التوراة، أو مما أُمروا به فيها من اتِّباع محمدٍ وَله.
وقيل: حرَّفوا التوراةَ فسقطتْ بشؤم ذلك أشياءُ منها عن حِفْظِهم. وأخرج ابن
المبارك وأحمد في (الزهد)) عن ابن مسعود قال: إنِّي لأحسبُ الرجلَ ينسى العِلْمَ
كان يَعلمُهُ بالخطيئةِ يَعمَلها(٤) .
وفي معنى ذلك قولُ الشافعيّ څُ:
فأرشدني إلى تَرْكِ المعاصي
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حِفْظي
ونورُ الله لا يُهدى لعاصي(٥)
وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ
(١) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٣١، والكشاف ١/ ٦٠٠، والبحر ٤٤٥/٣.
(٣) في الأصل: أو للدلالة.
(٤) الزهد لابن المبارك (٨٣)، وأخرجه - أيضاً - الطبراني في الكبير (٨٩٣٠)، وهو من طريق
القاسم (ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود) عن ابن مسعود. قال الهيثمي في المجمع
١٩٩/١: رجاله موثقون إلا أن القاسم لم يسمع من جده.
(٥) ديوان الشافعي ص٦١.

الآية : ١٣
٩٩
سُوَدَّةُ القَائِدَة
﴿وَلَا نَزَالُ تَطَلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: خيانةٍ كما قرئ به (١)، على أنها مصدرٌ
على وزن ((فاعلة))، كالكاذبة واللاغية.
أو: فعلةٍ خائنة، أي: ذاتٍ خیانة، وإلی ذلك يُشیر کلامُ ابن عباس
أو: فِرْقةٍ خائنة. أو نفسٍ خائنة. أو: شخصٍ خائنةٍ، على أنه وَصْفٌ والتاءُ
للمبالغة، لكنها في ((فاعل)) قليلةٌ.
و ((منهم)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لها، خلا أنَّ (مِن)) على الوجهين الأولين
ابتدائية، أي: على خيانة - أو فِعْلةٍ ذاتِ خيانةٍ - كائنةٍ منهم صادرةٍ عنهم، وعلى
الأوجُه الأُخَر تبعيضیةٌ.
والمعنى: إنَّ الغَدْرَ والخيانةَ عادةٌ مستمرَّةٌ لهم ولأسلافهم، كما يُعلم من
وصفهم بالتحريف وما معه، بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها، فلا تزالُ ترى
ذلك منهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ استثناءٌ من الضمير المجرور في ((منهم)) والمرادُ بالقليل
عبد الله بن سلام وأضرابهُ الذين نصحوا لله تعالى ورسوله وَله.
وجَعَلَهُ بعضُهم استثناءً من ((خائنة)) على الوجه الثاني، فالمراد بالقليل الفِعلُ
القليل، و((من)) ابتدائيةٌ كما مرَّ، أي: إلا فعلاً قليلاً كائناً منهم.
وقيل: الاستثناءُ من قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ).
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ أي: إذا تابوا أو بذلوا الجزية، كما روي عن الحسن
وجعفر بن مبشِّر(٢)، واختاره الطبري(٣)، فضمير ((عنهم)) راجعٌ إلى ما رجع إليه نظائره.
وعن أبي مسلم أنه عائدٌ على القليل المستثنى، أي: فاعفُ عنهم ما داموا على
عَهْدك ولم يخونوك، وعلى القولين فالآية مُحْكَمةٌ.
وقيل: الضميرُ عائد على ما اختاره الطبريُّ، وهي مُظْلَقةٌ إلا أنها نُسخت بقوله
(١) القراءات الشاذة ص٣١.
(٢) هو جعفر بن مبشِّر الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة البغداديين، له كتب مصنفة في علم
الكلام، توفي سنة (٢٣٤). تاريخ بغداد ٧/ ١٦٢، والسير ٥٤٩/١٠ .
(٣) في تفسيره ٢٥٥/٨ .

سُورَةُ القَائِدَة
١٠٠
التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، وروي ذلك عن قتادة.
وعن الجبائي: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَفََ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَائِبِذْ
إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءْ﴾ [الأنفال: ٥٨].
تعليلٌ للأمر، وحَتٌّ على الامتثال، وتنبيهٌ على
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (
أنَّ العفوَ على الإطلاق من باب الإحسان.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أَمْرٌ بالتطهير لمن أراد الوقوفَ بين يدي الملك الكبير(١) جلَّ شأنُه
وعَظُمَ سلطانه، وبدأ بالوجه لأنه سبحانه وتعالى نَقَشَهُ بنَقْشٍ خاتم صفاته.
وفي ((الفتوحات))(٢): لاخلافَ في أنَّ غَسْلَ الوجه فَرْضٌ وحُكْمِه في الباطن
المراقبةُ والحياءُ من الله تعالى مطلقاً، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أنَّ تحديد(٣)
غَسْل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع: منها البياضُ الذي بين العِذار والأُذن،
والثاني: ما سَدَل من اللحية، والثالث: تخليلُ اللحية، فأما البياضُ المذكورُ فِمِنْ
قائلٍ: إنه من الوجه، ومن قائلٍ: إنه ليس من الوجه، وأما ما انسدل من اللحية
فمِنْ قائلٍ بوجوب إمرار الماء عليه، ومن قائل بأنه لا يجبُ، وكذلك تخليلُ
اللحية، فمِنْ قائلٍ بوجوبه، ومن قائلٍ بأنه لا يجب.
وحُكُم ذلك في الباطن؛ أما غَسْلُ الوجه مطلقاً من غير نظرٍ إلى تحديد الأمر
في ذلك، فإنَّ فيه ما هو فرض، وفيه ما هو ليس بفرض، فأما الفرض، فالحياءُ
من الله تعالى أن يراكَ حيثُ نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وأما السُّنة منه، فالحياءُ
من الله تعالى أن تنظرَ إلى عورتك أو عورة امرأتك، وإن كان ذلك قد أُبيح لك،
ولكنَّ استعمال الحياء فيها أفضلُ وأولى، فما يتعيَّن منه فهو فرضٌ عليك،
وما لا يتعيَّن ففعَلْتَه فهو سنّةٌ واستحباب.
(١) في الأصل: القدير.
(٢) ٣٣٨/١.
(٣) في الفتوحات: في تحديد.