Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ١١٤ ٢٨١ سُؤَدَّةُ السَّةِ ولا حاجةً إلى ما تكلَّف في دفعه بأنَّ المراد: لا خیرَ في کثیرٍ مِن نجوی واحدٍ منهم إلا نجوَى مَن أمرَ إلخ، فإنَّه في كثيرٍ مِن نجواه خيرٌ = فإنَّه على ما فيه لا يتأتّى مثلُه على احتمال الجمع. وجوَّز رحمه الله تعالى - بل زَعَم أنَّه الأَولَى - أنْ يجعل (إلا مَن أمر)) متعلقاً بما أُضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل، ولا يَخفَى أَنَّه إنْ سُلِّم أنَّ له معنَى خلافُ الظاهر. وجوَّز غيرُ واحدٍ أنْ يكون الاستثناء مُنقطعاً على معنى: لكنْ مَن أمر بصدقةٍ وإنْ قَلَّت ففي نجواهُ الخیرُ. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كلُّ ما عَرَفه الشرعُ واستحسنه، فيَشملُ جميع أصناف البرِّ، كقرضٍ وإغاثة ملهوفٍ وإرشادٍ ضالٌّ إلى غير ذلك، ويُراد به هنا: ما عدا الصدقةَ، وما عدا ما أُشير إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِِّ﴾. وتخصيصُه بالقرض وإغاثةِ الملهوف وصدقةِ التطوع، وتخصيصُ الصدقة فيما تقدَّم بالصدقة الواجبة = ممَّا لا داعيَ إليه، وليس له سندٌ يُعوَّل عليه. وخَصَّ الصدقةَ والإصلاحَ بين الناس بالذِّكر مِن بين ما شملَه هذا العامُّ؛ إيذاناً بالاعتناء بهما، لمَا في الأول مِن بذل المال الذي هو شقيقُ الروح، وما في الثاني مِن إزالة فسادٍ ذات البَيْنِ، وهي الحالقةُ الدِّين كما في الخبر(١). وقدَّم الصدقةَ على الإصلاح لِمَا أنَّ الأمر بها أشقُّ؛ لمَا فيه من تكليف بذلٍ المحبوب، والنفسُ تنفرُ عمَّن يُكلِّفها ذلك، ولا كذلك الأمرُ بالإصلاح. وذكر الإمام الرازي أنَّ السرَّ في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر أنَّ عمَلَ الخير المتعدِّي إلى الناس إمَّا لإيصال المنفعةِ، أو لدفع المضرَّة، والمنفعةُ إمَّا جسمانيةٌ كإعطاء المال، وإليه إشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، وإمَّا روحانيةٌ وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، وأمَّا رفعُ الضرر فقد أُشير إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِ﴾(٢). لا يَخفَى ما فيه. (١) أخرجه أحمد (١٤٣٤)، والترمذي (٢٥١٠) من حديث الزبير ظلاله. وأخرجه الترمذي (٢٥٠٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) تفسير الرازي ٤١/١١. سُورَةُ المِسْكَاةِ ٢٨٢ الآية : ١١٤ والمرادُ من الإصلاح بين الناس: التأليفُ بينهم بالمودَّة إذا تفاسدوا، مِن غير أنْ يُجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف، نعم أُبيحَ الكذب لذلك، فقد أخرجَ الشيخان وأبو دواد عن أمُّ كُلثوم بنت عقبة أنَّها سمعت رسول الله وَ له يقول: ((ليس الكذَّابُ بالذي يُصلحُ بين الناس فيَنمِي خيراً أو يقول خيراً، وقالت: لم أَسمعْهُ يُرخِّصُ في شيءٍ ممَّا يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديثِ الرجل امرأته، وحديثِ المرأة زوجَها(١). وعدَّ غيرُ واحدٍ الإصلاحَ مِن الصدقة، وأيّد بما أخرجه البيهقيُّ عن أبي أيوب أنَّ النبيَّ وَّه قال له: ((يا أبا أيوب ألا أدلَّك على صدقةٍ يَرضَى الله تعالى ورسولهُ موضعها؟)) قال: بلى. قال: ((تُصْلِح بينَ الناسِ إذا تَفَاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بينَهم إذا تَبَاعَدُوا))(٢) . وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: ((أفضلُ الصدقة إصلاح ذات البين))(٣). وهذا الخبرُ ظاهرٌ في أنَّ الإصلاح أفضلُ من الصدقة بالمال. ومِثْلُه ما أخرجه أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ وصحَّحه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَل: ((ألا أُخبركم بأفضل من درجةِ الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: بلى! قال: ((إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ))(٤). ولا يَخفَى أنَّ هذا ونحوَه مُخرَّجٌ مخرجَ الترغيب، وليس المراد ظاهرَه، إذ لا شكَّ أنَّ الصيام المفروضَ والصلاة المفروضة والصدقة المفروضة(٥) كذلك أفضلُ من الإصلاح، اللهمَّ إلا أنْ يكون إصلاحٌ يترتَّبُ على عدمه شرٌّ عظيم وفسادٌ بین الناس کبیر. (١) صحيح البخاري (٢٦٩٢)، وصحيح مسلم (٢٦٠٥)، وسنن أبي داود (٤٩٢٠) و(٤٩٢١)، وهو عند أحمد (٢٧٢٧٢). وليس عند البخاري: وقالت: لم أسمعه يرخص ... ، والصواب أن هذا مدرج من كلام الزهري كما جاء في رواية مسلم. (٢) شعب الإيمان (١١٠٩٤)، وأخرجه أيضاً الطيالسي (٥٩٨). (٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢٩٥/٢، والبزار (٢٠٥٩ - كشف)، والبيهقي في الشعب (١١٠٩٢). (٤) مسند أحمد (٢٧٥٠٨)، وسنن أبي داود (٤٩١٩)، وسنن الترمذي (٢٥٠٩). (٥) قوله: المفروضة، ليس في (م). الآية : ١١٤ ٢٨٣ سُورَةُ السَّةِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: المذكور مِن الصدقة وأَخَويها، والكلامُ تذييلٌ للاستثناء، وكان الظاهر: ومَن يأمر بذلك؛ ليكون مطابقاً للمذيَّل، إلا أنَّه رَّب الوعدَ على الفعل إثرَ بيان خَيرِيَّة الآمر، لِمَا أنَّ المقصودَ الترغيبُ في الفعل، وبيانُ خيريَةِ الأمرِ به للدلالة على خيريته بالطريق الأَولَى. وجُوِّز أنْ يكون عبّر عن الأمر بالفعل، إذ هو يُكنَى به عن جميع الأشياء، كما إذا قيل: حلفتُ على زيدٍ وأكرمتُه وكذا وكذا، فتقول: نِعْمَ ما فعلتّ، ولعلَّ نكتَةَ العدول عن يأمر إلى ((يفعل)) حينئذٍ الإشارةُ إلى أنَّ التسبُّبَ لفعل الغير الصدقةً والإصلاحَ والمعروفَ بأيِّ وجهٍ كان كافٍ في تَرتُّب الثواب، ولا يَتوقَّفُ ذلك على اللفظ . ويَجوزُ جَعْلُ ((ذلك)) إشارةً إلى الأمر، فيكونُ معنَى ((مَن أَمرَ)) و: مَن يَفعل الأمرَ، واحداً. وقيل: لا حاجةً إلى جَعْلِه تذييلاً ليحتاج إلى التأويل تحصيلاً للمطابقة، بل لمَّا ذكر الآمر استَظْرَدَ(١) ذِكْرَ مُمتثلِ أمرِه، كأنه قيل: ومَن يمتثل ﴿أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَللَّهُ﴾ أي: لأجل طلب رضاء الله تعالى ﴿فَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بنون العظمة على الالتفات، وقرأ أبو عمرو وحمزة وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء(٢) ﴿أَجْرًا عَظِيمًا ١٤ لا يحيط به نِطاقُ الوصف. قيل: وإنما قَيَّد الفعل بالابتغاء المذكور؛ لأنَّ الأعمال بالنيات، وأنَّ مَن فعل خيراً لغير ذلك لم يَستحقّ به غيرَ الحرمان، ولا يَخفَى أنَّ هذا ظاهرٌ في أنَّ الرياء مُحبِظٌ لثواب الأعمال بالكلِّية، وهو ما صرَّح به ابنُ عبد السلام والنووي، وقال الغزالي: إذا غَلَب الإخلاص فهو مُثابٌ وإلا فلا . وقيل: هو مثابٌ غَلَبَ الإخلاص أم لا، لكنْ على قَدْرِ الإخلاص. وفي دلالة الآية على أنَّ غيرَ المُخلِص لا يَستحقُّ غيرَ الحرمان نظرٌ؛ لأنَّه (١) في (م): استطراد، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٧٧/٣، والكلام منه. (٢) التيسير ص٩٧، والنشر ٢/ ٢٥١ عن أبي عمرو وحمزة وخلف، والمشهور عن الكسائي القراءة بالنون، وذكر قراءة قتيبة عنه وكذلك قراءة سهل الطبرسي في مجمع البيان ٥/ ٢٢٧. سُورَةُ النَّسَاةِ ٢٨٤ الآية : ١١٥ سبحانه أثبتَ فيها للمُخلِص أجراً عظيماً، وهو لا ينافي أنْ يكون لغيره ما دونه. وكونُ العظمة بالنسبة إلى أُمور الدنيا خلافُ الظاهر. ﴿وَمَّنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه، مِن الشِّق، فإنَّ كلّ من المتخالِفَين في شِقِّ غيرِ شقِّ الآخر، ولظهور الانفكاك بين الرسول ومُخالفِه فكَّ الإدغام هنا وفي قوله سبحانه في الأنفال: ﴿وَمَنْ يُشَافِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] رعايةً لجانب المعطوف، ولم يَقُكَّ في قوله تعالى في ((الحشر)): ﴿وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ﴾ [الآية: ٤]. وقال الخطيب(١) في حكمة الفكِّ والإدغام: إنَّ((أل)) في الاسم الكريم لازمةٌ بخلافها في الرسول، واللزومُ يَقتضي الثقل فخفَّف بالإدغام فيما صحبتْه الجلالة، بخلاف ما صحبَه لفظ الرسول، وفي آية ((الأنفال)) صار المعطوفُ والمعطوف عليه كالشيء الواحدِ. وما ذكرناه أَولَی. والتعرُّض لعنوان الرسالة؛ لإظهار كمال شناعة ما اجترؤوا إليه من المُشاقَّة والمخالفة، وتعليلِ الحكم الآتي بذلك. والآية نزلَت كما قدَّمناه في سارق الدرع أو مُؤْدَعِها، وقيل: في قومٍ طُعمة لمَّا ارتدُّوا بعد أنْ أسلموا. وأيًّاما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيندرج فيه ذلك وغيرُه من المُشاقِّين. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ اٌلْهُدَى﴾ أي: ظَهَرَ له الحقُّ فيما حَكَمَ به النبيُّ وَِّ، أو فيما يَدَّعيه عليه الصلاة والسلام، بالوقوف على المعجزات الدالَّةِ على نبوته. ﴿وَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: غيرَ ما هم مستمرُّون عليه من عقدٍ وعمل، فيعمُّ الأصولَ والفروعَ والكلَّ والبعض. ﴿نُوَلِِّ، مَا تَوَلَّ﴾ أي: نجعله والياً لِمَا تولَّه من الضلال، ويَؤُول إلى أنَّا نُضِلُّه. وقيل: معناه: نُخَلِّ بينه وبين ما اختاره لنفسه. وقيل: نَكِلْه في الآخرة إلى ما اتَّكل عليه وانتصر به في الدنيا مِن الأوثان. (١) لعله محمد بن عبد الرحمن بن عمر، جلال الدين القزويني، ولي خطابة دمشق، ومن كتبه: ((التلخيص)) و((الإيضاح))، وكلاهما في المعاني والبيان. طبقات الشافعية ٩/ ١٥٨. الآية : ١١٥ ٢٨٥ سُورَةُ الشَّلة ﴿وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمْ﴾ أي: نُدخله إيَّاها. وقد تقدَّم. وقرئ بفتح النون(١) من صَلَاه، ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴾ أي: جهنمُ أو التوليةُ. واستدلَّ الإمام الشافعيُّ رَهُ على حُجِّية الإجماع بهذه الآية، فعن المُزَنِيِّ أنَّه قال: كنتُ عند الشافعيِّ يوماً، فجاءه شيخٌ عليه لباسُ صوفٍ وبيده عصاً، فلمَّا رآه ذا مهابةٍ استوى جالساً - وكان مستنداً لأسطوانةٍ - وسوَّى ثيابه، فقال له: ما الحُجةُ في دين الله تعالى؟ قال: كتابُه. قال: وماذا؟ قال: سنَّةُ نبيِّهِ وَِّ. قال: وماذا؟ قال: اتفاقُ الأمة. قال: مِن أين هذا الأخير، أَهُوَ في كتاب الله تعالى؟ فتدبّر ساعةً ساكتاً، فقال له الشيخ: أَجَّلتُك ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ، فإن جئتَ بآية وإلا فاعْتَزِل الناس. فمَكَثَ ثلاثةَ أيَّامٍ لا يخرج، وخَرجَ في اليوم الثالث بين الظهر والعصر وقد تغيَّر لونه، فجاءه الشيخُ وسلَّم عليه وجلس، وقال: حاجتي. فقال: نعم، أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ﴾ إلخ، لَمْ يُصْلِه جهنَّمَ على خلافِ المؤمنينَ إلَّا واتِّباعُهم فرضٌ. قال: صدقتَ. وقام وذهب. ورُوي عنه أنَّه قال: قرأتُ القرآن في كلِّ يومٍ، وفي كلِّ ليلةٍ ثلاثَ مرات حتى ظفرتُ بها. وقد نقل(٢) الإمام عنه أنَّه سئل عن آيَةٍ من كتاب الله تعالى تدلُّ على أنَّ الإجماع حجَّةٌ، فقرأ القرآن ثلاث مئةٍ مرَّةٍ حتى وجدَ هذه الآية. واعتَرض ذلك الراغب بأنَّ سبيل المؤمنينَ الإيمان، كما إذا قيل: اسلُك سبيلَ الصائمين والمصلِّين، أي: في الصوم والصلاة، فلا دلالةَ في الآية على حُجِّيةِ الإجماع، ووجوبِ اتِّباع المؤمنين في غير الإيمان. وردَّه في ((الكشف)) بأنَّه تخصيصٌ بما يأباه الشرط الأولُ، ثمّ إنَّه إذا كان مألوفُ الصائمين الاعتكافَ مثلاً تناول الأمرُ باتِّباعهم ذلك أيضاً، فكذلك يتناول ما هو مُقتضَى الإيمان فيما نحن فيه، فسبيلُ المؤمنين هنا عامٌّ على ما أشرنا إليه. واعتُرض بأنَّ المعطوف عليه مُقِيَّدٌ بتبيّن الهدى، فيلزمُ في المعطوف ذلك، فإذاً (١) الكشاف ٥٦٤/١، والبحر ٣٥١/٣. (٢) في (م): ونقل. سُورَةُ السََّاةِ ٢٨٦ الآية : ١١٥ لم يكن في الإجماع فائدةٌ؛ لأنَّ الهدى عامٌّ لجميع الهداية، ومنها دليلُ الإجماع، وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة. وأُجيب بمنع لزوم القيد في المعطوف، وعلى تقدير التسليم فالمرادُ بالهداية الدليلُ على التوحيد والنبوة، فتُفيد الآية أنَّ مُخالفة المؤمنينَ بعدَ دليل التوحيد والنبوة حرامٌ، فيكونُ الإجماع مفيداً (١) في الفروع بعد تَبُّن الأصول. وأوضح القاضي(٢) وجه الاستدلال بها على حجية الإجماع وحرمةٍ مخالفته: بأنَّه تعالى رتَّب فيها الوعيد الشديد على المُشاقَّة واتّباعِ غيرِ سبيل المؤمنين، وذلك إمَّا لحُرمةِ كلِّ واحدٍ منهما أو أحدِهما، أو الجمع بينهما، والثاني باطلٌ، إذ يَقبح أنْ يقال: مَن شَرب الخمرَ وأكلَ الخبزَ استوجب الحدَّ، وكذا الثالث؛ لأنَّ المشاقَّة مُحرَّمَةٌ ضُمَّ إليها غيرها أو لم يُضَمَّ، وإذا كان اتِّاع غيرِ سبيلهم محرَّماً كان اتِّباع سبيلهم واجباً؛ لأنَّ تركَ اتِّباع سبيلهم ممَّن عَرَفَ سبيلَهم اتباعُ غيرِ سبيلهم. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ تركَ اتِّباع سبيل المؤمنين يَصدُقُ عليه أنَّه اتِّبَاعٌ لغير سبيل المؤمنين؛ لأنَّه لا يمتنع أنْ لا يَتَّبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين. أجيب: بأنَّ المتابعة عبارةٌ عن الإتيان بمثل فعل الغير، فإذا كان مِن شأن غير المؤمنين أنْ لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين، فكلُّ مَن لم يتّبع مِن المؤمنين سبيلَ المؤمنين فقد أَتَّى بفعلٍ غيرِ المؤمنين واقْتَفَى أَثَرَهم، فوجب أنْ يكون مُتَبعاً لهم، وبعبارةٍ أخرى أنَّ ترك اتِّباع سبيل المؤمنين اتباعٌ لغير سبيل المؤمنين؛ لأنَّ المكلَّف لا يَخلو من اتّباع سبيلِ البتة. واعتُرض أيضاً: بأنَّ هذا الدليلَ غيرُ قاطع؛ لأنَّ ((غير سبيل المؤمنين)) يَحتمل وجوهاً مِن التخصيص، لجواز أنْ يُراد سبيلُهمَ في متابعة الرسول، أو في مناصرته، أو في الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، أو فيما صاروا به مؤمنين، وإذا قامَ الاحتمال كان غايتُه الظهور، والتمسُّك بالظاهر إنَّما يثبت بالإجماع، ولولاه لَوجبَ العملُ بالدلائل المانعة مِن اتِّباع الظّنّ، فيكون إثباتاً للإجماع بما لا يثبت حُجِّته إلا به (١) في الأصل: مقيداً. (٢) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٧٨/٣. الآية : ١١٦ ٢٨٧ سُورَةُ السَّةِ فيصير دوراً، واستصعب التفصِّئُ(١) عنه، وقد ذكره ابنُ الحاجب في ((المختصر)). وقريب منه قول الأصفهاني: اتِّباعُ(٢) سبيلهم لمَّا احْتَمَلَ ما ذُكر وغيرَه صار عامًّا، ودلالتُهُ على فردٍ من أفراده غيرُ قطعية؛ لاحتمال تخصيصِه بما يُخرجه مع ما فيه من الدور، وأجاب عن الدور بأنَّه إنَّما يَلزم لو لم يَقُم عليه دليلٌ آخر، وعليه دليلٌ آخر، وهو أنَّه مظنونٌ يَلزم العمل به؛ لأنَّا إنْ لم نَعمل به وحدَه، فإمَّا أنْ نعملٌ به وبمقُابِله، أو لا نعمل بهما، أو نعمل بمقابله، وعلى الأول يَلزمُ الجمع بين النقيضَين، وعلى الثاني ارتفاعُهما، وعلى الثالث العملُ بالمرجوح مع وجود الراجح، والكلُّ باطلٌ فيلزم العملُ به قطعاً . واعترض أيضاً بمنع حُرمة اتِّباع غير سبيل المؤمنين مطلقاً، بل بشرط المُشاقّة. وأجاب عنه القوم بما لا يَخلو عن ضعفٍ، وبأنَّ الاستدلال يَتوقَّف على تخصيص المؤمنينَ بأهل الحَلِّ والعقد في كلِّ عصرٍ، والقرينةُ عليه غير(٣) ظاهرةٍ، وبأمورٍ أخرى ذكرها الآمديُّ(٤) والتِّلِمْسَانيُّ وغيرهما، وأجابوا عمَّا أجابوا عنه منها. وبالجملة لا يكاد يَسلمُ هذا الاستدلالُ مِن قيلٍ وقال، وليست حجِّيَّة الإجماع موقوفةً على ذلك كما لا يخفىَ. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ قد مرَّ تفسيرُه فيما سبق، وكُرِّر للتأكيد، وخُصَّ هذا الموضع به ليكون كالتكميل لقصَّة مَن سبق بذكر الوعدِ بعدَ ذكر الوعيد في ضمن الآيات السابقة، فلا يضرُّ بُعْدُ العهد. أو لأنَّ للآية سبباً آخر في النزول، فقد أخرج الثعلبيُّ عن ابن عباس ﴿ًا أنَّ شيخاً مِن العرب جاء إلى رسول اللهِ وَّل﴿ فقال: إنِّ شيخٌ مُنهمِكٌ في الذنوب، إلا أنّي لم أُشرك بالله تعالى منذ عرفتُه، وآمنتُ به ولم أنَّخِذ من دونه وليًّا، ولم أُوْقِع المعاصيّ جراءةً، وما توهَّمتُ طرفةَ عينٍ أَنِّي أُعجِزُ الله تعالى هرباً، وإنِّي لنادمٌ (١) أي: الانفصال، ويقال: تفصَّيت من الأمر: إذا خرجت منه وتخلَّصت. ينظر النهاية (فصي)، وشرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٧٧. (٢) في (م): في اتباع، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٧٨/٣، والكلام منه. (٣) قوله: غير، ساقط من الأصل. (٤) ينظر الإحكام للآمدي ٢٥٨/١. سُورَةُ الشَّلة ٢٨٨ الآية : ١١٧ تائبٌ، فما تَرَى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت(١). ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ شيئاً مِن الشرك، أو أحداً مِن الخَلْقِ، وفي معنَى الشرك به تعالى نفيُ الصانع، ولا يَبْعُدُ أنْ يكونَ من أفراده. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلْأَ بَعِيدًا (٣)﴾ عن الحقِّ، أو عن الوقوع ممَّن له أدنَى عقل، وإنَّما جعل الجزاء - على ما قيل - هنا ((فقد ضل)) إلخ، وفيما تقدَّم ﴿فَقَدِ افْتَرَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] لِمَا أنَّ تلك كانت في أهل الكتاب، وهم مُطّلعون مِن كتبهم على ما لا يشكُّون في صحَّته مِن أمر الرسول بَّه، ووجوبِ اتِّباع شريعته وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالى، ومع ذلك أَشركُوا وكفرُوا فصار ذلك افتراءً واختلاقاً(٢) وجراءةً عظيمةً على الله تعالى، وهذه الآية كانت في أناسٍ لم يعلموا كتاباً ولا عرَفُوا من قبلُ وحياً، ولم يأتهم سوى رسولِ اللهِوَ﴿ بالهدى ودين الحقِّ، فأشركوا بالله عزَّ وجلَّ وكفروا وضلَّوا مع وضوح الحجّة وسطوع البرهان، فكان ضلالُهم بعيداً، ولذلك جاء بعد تلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقوله سبحانه: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَّ﴾ [النساء: ٥٠]، وجاء بعد هذه قولُه تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا﴾ أي: ما يعبدون، أو ما يُنادُون لحوائجهم مِن دون الله تعالى إلا أصناماً. والجملةُ مُبيَِّةٌ لوجه ما قبلَها، ولذا لم تُعطّف عليه. وعبَّر عن الأصنام بالإناث لِمَا رُوي عن الحسن: أنَّه كان لكلِّ حيٍّ من أحياء العرب صنمٌ يَعبدونه ويُسمُّونه أُنثَى بني فلان؛ لأنَّهم يَجعلون عليه الحليَّ وأنواعَ الزينة كما يفعلون بالنسوان. أو لِمَا أنَّ أسماءها مؤنثةٌ - كما قيل - وهم يُسمُّون ما اسمُه مؤنثٌ: أُنثَى، كما في قوله: وما ذَكَرٌ فإنْ يَكْبُر فأُنثَى شديدُ الأَزْم(٣) ليس له ضُرُوسُ(٤) (١) الكشاف ٥٦٤/١، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٠- ٤٨١، وهو من طريق الضحاك عن ابن عباس. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٤٩: وهو منقطع. (٢) في (م): واختلافاً. (٣) في الأصل و(م): اللزم، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٤) المعاني الكبير لابن قتيبة ٦٣٢/٢، والتنبيه على أوهام أبي علي في أماليه للبكري ص ٣٠، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٧٩/٣، واللسان (ضرس). = الآية : ١١٧ ٢٨٩ سُورَةُ الْشَكَاةِ فإنَّه عَنَى القُرَادَ، وهو ما دام صغيراً يُسمَّى قُراداً، فإذا كَبُرَ سُمِّي حَلَمَةً كثمرة. واعتُرض بأنَّ مِن الأصنام ما اسمه مُذَكَّرٌ كهُبلٍ ووَدِّ وسُوَاعٍ وذي الخَلَصَّةِ، وكونُ ذلك باعتبارِ الغالبِ غيرُ مُسلَّم. وقيل: لأنها (١) جَمَاداتٌ، وهي كثيراً ما تُؤْنَّث لمضاهاتها الإناثَ لانفعالها، ففي التعبير عنها بهذا الاسم تنبيهٌ على تناهي جَهْلهم وفَرْطِ حماقتهم، حيث يَدْعون ما يَنفعل ويَدَعون الفعَّالَ لِمَا یرید. وقيل: المرادُ بالإناث الأموات، فقد أخرج ابن جرير وغيرُه عن الحسن: أنَّ الأنثَى كلُّ ميتٍ ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة والحجر اليابس(٢). ففي التعبير بذلك دونَ ((أصناماً)) التنبيهُ السابق أيضاً، إلا أنَّ الظاهر أنَّ وصفَ الأصنام بكونهم أمواتاً مجازٌ. وقيل: سمَّاها الله تعالى إناثاً لضعفها وقِلَّة خيرها وعدمٍ نَصْرِها. وقيل: لاتِّضاع منزلتها وانحطاطِ قَدْرِها، بناءً على أنَّ العرب تُطلق الأُنْثَى على كلِّ ما اتَّضَعَتْ منزلتُه مِن أيِّ جنسٍ كان. وقيل: كان في كلِّ صنم شيطانةٌ تَتَراءَى للسَّدنة وتُكلِّمهم أحياناً، فلذلك أَخبرَ سبحانه أنَّهم ما يعبدون من دونه إلا إناثاً. ورُوي ذلك عن أبيّ بن كعب (٣). وقيل: المرادُ الملائكة؛ لقولهم: الملائكةُ بناتُ الله، عزَّ اسمُه. ورُوي ذلك عن الضحاك. وهو جمع أُنثَى كرِباب ورُبَّى(٤) في لغة مَن كسر الراء. وقرئ: ((إلا أُنْثَى)) على والأزم: العض، وضروس: جمع ضِرْس. وجاء في بعض المصادر: ليس بذي ضروس، = وهو الصواب كما قال ابن بري. (١) في (م): أنها. (٢) تفسير الطبري ٧/ ١١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١٠٦٧ . (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٣١) بلفظ: مع كلِّ صنم جنِية. (٤) الربَّى: الشاة التي وضعت حديثاً. اللسان (ربب). سُورَةُ الْسَكَاة ٢٩٠ الآية : ١١٨ التوحيد (١)، و: ((إلا أُنُثاً)) بضمَّتَين(٢) كرُسُل، وهو إمَّا صفةٌ مفردةٌ مثل: امرأةٌ جُنُب، وإمَّا جمع أَنيثٍ كقَليبٍ وقُلُب، وقد جاء: حديدٌ أنيثٌ. وإمَّا جمع إناث کثمارٍ ونُمُر. وقرئ: (وُثنا)) و(أُثناً)) بالتخفيف والتثقيل وتقديم الثاء على النون(٣) جمع وثن، كقولك: أَسَد وأُسْد وأُسُد ووُسد، وقُلبت الواو ألفاً كَأُجُوه في وُجُوه. وأخرجَ ابن جرير أنَّه كان في مصحف عائشة ◌َّا: ((إلا أوثاناً))(٤). ﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ أي: وما يعبدون بعبادةِ تلك الإناث(٥) ﴿إِلَّا شَيْطَنَا قَرِيدًا إذ هو الذي أمرَهم بعبادتها وأغراهم، فكانت طاعتُهم له عبادةً، فالكلام محمولٌ على المجاز فلا يُنافي الحصرَ السابق. وقيل: المرادُ مِن (يدعون)): يُطيعون، فلا منافاة أيضاً. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن سفيان أنَّه قال: ليس مِن صنمٍ إلا فيه شيطان(٦). والظاهر أنَّ المراد من الشيطان هنا إبليس، وهو المرويُّ عن مقاتل وغيره. والمَرِيدُ والماردُ والمتمرِّد: العاتي الخارجُ عن الطاعة، وأصلُ مادة ((مَ رَ دَ)) للمُلامَسَةِ والتجرُّد، ومنه: ﴿صَرْعٌ ثُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] وشجرةٌ مرداءُ للتي تَنَاثر ورقُها، ووصف الشيطان بذلك إما لتجرُّده للشرِّ، أو لتشبيهه بالأملس الذي لا يَعْلَقُ به شيء. وقيل: لظهور شرِّه كظهور ذقنِ الأمرد وظهورٍ عِيدان الشجرة المَرْداءِ. ﴿لَّمَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طَرَدَه وأبعدَه عن رحمته، وقيل: المراد باللعنة فِعْلُ (١) الإملاء ٣٢٣/٢، والبحر ٣٥٢/٣. (٢) المحتسب ١٩٨/١، والبحر ٣٥٢/٣. (٣) ورويت كل واحدة منهما بضم الثاء وسكونها، فيحصل بذلك أربع قراءات: ((وُثُنا)) و((وُثْنَاً)) و((أُثُناً)) و((أُثْناً)). القراءات الشاذة ص٢٨، والمحتسب ١٩٨/١. (٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٨٩، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٠. والقراءة في القراءات الشاذة ص٢٩. (٥) في (م): الأوثان. (٦) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٦٨/٣. الآية : ١١٨ ٢٩١ سُورَةُ الشَكَاةِ ما يستحقُّها به من الاستكبار عن السجود، كقولهم: أَبَيْتَ اللعن، أي: ما فعلتَ ما تستحقُّه به. والجملةُ في موضع نصبٍ صفةٍ ثانيةٍ لـ ((شيطان))، وجوَّز أبو البقاء أنْ تكون مستأنفةً على الدعاء(١). فلا موضع لها من الإعراب. ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٨)﴾ عطفٌ على الجملة المتقدِّمة، والمراد: شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله تعالى وهذا القولِ الشنيع الصادر منه عند اللعن. وجُوِّز أن تكون في موضع الحال بتقدير ((قد)»، أي: وقد قال، وأن تكون مستأنفةً مستطردةً كما أنَّ ما قبلها اعتراضيةٌ في رأيٍ. والجار والمجرور إمَّا متعلِّقٌ بالفعل، وإمَّا حالٌ ممَّا بعده، واختاره البعضَ. والاتخاذُ: أَخْذُ الشيءِ على وَجهِ الاختصاص. وأصل معنَى الفرضِ: القَطْعُ، وأُطلق هنا على المقدار المعيّن لاقتطاعه عمَّا سواه، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، وابنُ المنذر عن الرَّبيع: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون(٢). والظاهر أنَّ هذا القولَ وَقَعِ نُطقاً من اللَّعين، وكأنَّه عليه اللعنةُ لمَّا نالَ من آدم عليه السلام ما نال طَمِعَ في ولده، وقال ذلك ظنًّا، وأُيِّد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. وقيل: إنَّه فَهِم طاعة الكثير له ممَّا فَهِمَتْ منه الملائكةُ حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وادَّعى بعضهم أنَّ هذا القولَ حاليٍّ كما في قوله: امتلأ الحَوضُ وقالَ قِظْنِي مَهْلاً رُويْداً قَدْ مَلَأتَ بَظْنِي(٣) وفي هذه الجمل ما يُنادي على جهل المشركين وغايةٍ انحطاط درجتهم عن (١) الإملاء ٣٢٤/٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٦٩/٣. (٣) البيت في تهذيب اللغة ٢٩٤/٨، وتفسير الطبري ٤٦٩/٢، والخصائص لابن جني ٢٣/١، والإنصاف لابن الأنباري ١/ ١٣٠، وأمالي ابن الشجري ٥١/٢، وفيه: المعنى أن الحوض لما امتلأ عبر عنه بأنه قال: قطني، أي: حَسْبي. سُورَةُ النَّسَاءِ ٢٩٢ الآية : ١١٩ الانخراط في سلك العقلاء على أتمٍّ وجهٍ وأكمله، وفيها توبيخٌ لهم كما لا يَخفَى. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحقِّ ﴿وَلَأُمِنَِّنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الباطلة، وأقول لهم: ليس وراءكم بعثٌ ولانشْرٌ، ولا جنَّةٌ ولا نارٌ، ولا ثوابٌ ولا عقابٌ، فافعلوا ما شئتم. وقيل: أُمِنِّيهم بطول البقاء في الدنيا فُسَوِّفُون العمل. وقيل: أُمِنِّيهم بالأهواء الباطلة الداعيةِ إلى المعصية، وأُزِيِّنُ لهم شهواتٍ الدنيا وزهراتِها، وأَدعو كلَّ منهم إلى ما يَميل طبعه إليه، فأَصدُّه بذلك عن الطاعة. ورُوي الأولُ عن الكلبيِّ. ﴿وَلَ مُنَّهُمْ﴾ بالتبتيك كما قال أبو حيان(١)، أو بالضلال كما قال غيرُه ﴿فَلَيَنْكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ﴾ أي: فَلَيُقَطَّعُنَّها مِن أصلها، كما روي عن أبي عبد الله ظه. أو: لَيَشُقُّنَّها كما قال الزجَّاجِ(٢)، بموجب أمري مِن غير تَلعثُم في ذلك ولا تأخير، كما يُؤْذِنُ بذلك الفاء، وهنا إشارةٌ إلى ما كانت الجاهلية تَفعلُه مِن شقِّ أو قطع أُذُن الناقة إذا وَلَدت خمسةَ أَبطُنِ وجاء الخامسُ ذكراً، وتحريم رُكوبها والحَمْلِ عليها وسائرٍ وجوه الانتفاع بها . ﴿وَلَ مَُهُمْ فَلَيُغَيْنَ﴾ مُمتثلينَ به بلا رَيْثٍ ﴿خَلْقَ اَللَّهِ﴾ عن نَهْجِه صورةً أو صفةً، ويَندرج فيه ما فُعل مِن فَقْءٍ عينٍ فَخْلِ الإبل إذا طال مكثُه حتى بلَغَ نتاجٌ نتاجِه، ويُقال له: الحامي، وخِصاءِ العبيد، والوَشْم، والوشر (٣)، واللواطة، والسِّحاق، ونحو ذلك، وعبادةِ الشمس والقمر والنار والحجارة مثلاً، وتغييرٍ فِظْرةِ الله تعالى التي هي الإسلام، واستعمالِ الجوارحِ والقُوى فيما لا يعودُ على النفس كمالاً ولا يوجبُ لها مِن الله سبحانه زُلْفَى. ووَرَدَ عن السلف الاقتصارُ على بعضٍ المذكورات، وعمومُ اللفظ يَمْنَعُ الخِصاء مطلقاً، ورُوي النهيُ عنه عن جَمْعٍ من الصحابة ◌َّه، وأخرج البيهقيُّ عن ابنِ عمرَ (١) في البحر ٣٥٣/٣. (٢) في معاني القرآن ١٠٩/٢. (٣) الوشر: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها. القاموس (وشر). الآية : ١١٩ ٢٩٣ سُورَةُ النِّسَاءِ قال: نَهَى رسول الله وَّر عن خِصاء الخيل والبهائم(١)، واذَّعَى عكرمة أنَّ الآيةَ نزلَت في ذلك(٢). وأجاز بعضُهم ذلك في الحيوان، وأخرجَ ابنُ المنذر(٣) عن عروةَ أنَّه خَصَى بغلاً له، وعن طاوسَ أنَّه خَصَى جملاً له، وعن محمد بن سيرين أنَّه سُئل عن خِصاء الفحول فقال: لا بأسَ به، وعن الحسن مثله، وعن عطاء أنَّه سُئل عن خصاء الفحل فلم يَرَ به عند عِضاضه وسوءِ خُلُقِهِ بأساً . وقال النوويُّ: لا يجوزُ خصاءُ حيوانٍ لا يُؤْكَلُ في صغره ولا في كبره، ويجوزُ إخصاءُ المأكول في صغره؛ لأنَّ فيه غَرَضاً وهو طِيْبُ لحمه، ولا يجوز في كبره(٤). والخصاءُ في بني آدمَ محظورٌ عند عامَّة السلفِ والخلفِ، وعند أبي حنيفة يُكرَه شراءُ الخِصيان واستخدامُهم وإمساكهم؛ لأنَّ الرغبةَ فيهم تدعو إلى إخصائهم. وخُصَّ مِن تَغييرِ خَلْق الله تعالى الخِتانُ، والوشْمُ لحاجةٍ، وخَضْبُ اللحية، وقصُّ ما زادَ منها على السنَّة، ونحوُ ذلك. وعن قتادةَ أنَّه قرأ الآيةَ ثم قال: ما بالُ أقوامٍ جَهَلةٍ يُغيِّرون صبغةَ الله تعالى ولونَه سبحانه. ولا يكاد يسلمُ له - إنْ أراد ما يَعُمُّ - الخضابُ المسنونُ كالخِضاب بالحنَّاءِ، بل وبالكَتَم أيضاً لإرهاب العدوِّ، وقد صحَّ عن جمع من الصحابةِ ﴿ه أنهم فعلُوا ذلك، منهم أبو بكر الصدِّيقُ رَّه(٥)، وحديثُ النهي مّحمولٌ على غير ذلك(٦). (١) سنن البيهقي الكبرى ٢٤/١٠، وهو عند أحمد (٤٧٦٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٥/٥: فيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف. وأخرجه مالك ٩٤٨/٢، والبيهقي ٢٤/١٠ عن ابن عمر أنه كان يكره إخصاء البهائم. قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف. (٢) تفسير الطبري ٧ / ٤٩٧ . (٣) كما في الدر المنثور ٢٢٤/٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٢٧/٢-٢٢٨. (٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٩/ ١٧٧ نقلاً عن البغوي، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ١٧٩/٣. (٥) أخرجه أحمد (١٣٣٧٢)، ومسلم (٢٣٤١) من حديث أنس مظ لته، وفيه: خضب أبو بكر وعمر بالحنَّاء والكَتّم. والكتم: نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه وحمرته إلى الدهمة. شرح صحيح مسلم للنووي ١٥/ ٩٦. (٦) حديث النهي أخرجه أحمد (١٤٤٠٢)، ومسلم (٢١٠٢) من حديث جابر ظله قال: أتي سُورَةُ النَّسَكَّة ٢٩٤ الآية : ١٢٠ ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ الَّهِ﴾ بإيثار ما يدعو إليه على ما أَمرَ الله تعالى به، ومجاوزتِهِ عن طاعة الله تعالى إلى طاعته، وقَيْدُ ((من دون الله)) لبيان أنَّ اتِّباعه يُنافي متابعة أمر الله تعالى، وليس احترازيًّا كما يُتَوَهَّم. وأمَّا ما قيل مِن أنَّه ما مِن مَخلوقٍ لله تعالى إلا ولَكَ فيه ولايةٌ لو عرفتَها، ولك في وجوده منفعةٌ لو طلبتَها، فلهذا قُيِّدتِ الولايةُ بكونها من دون الله تعالى = فناشِيٌّ مِن الغفلة عن تحقيق معنَى الولاية، فافهم. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينَا (®﴾ أي: ظاهراً، وأيُّ خسرانِ أعظمُ مِن استبدال الجنةِ بالنار؟ وأيُّ صَفقةٍ أَخسرُ مِن فوات رِضا الرحمن برضا الشيطان؟ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ مالا يكاد يُنجزُه، وقيل: النصرَ والسلامةَ، وقيل: الفقرَ والحاجةَ إنْ أنفقوا. وقرأ الأعمش: ((يعدهم)) بسكون الدال(١) وهو تَخفيفٌ لكثرةِ الحركات. ﴿وَيُمَّنِيهِمَّ﴾ الأماني الفارغةَ، وقيل: طولَ البقاء في الدنيا ودوامَ النعيم فيها. وجُوِّز أنْ يكونَ المعنَى في الجملَتين: يفعلُ لهم الوعد ويفعلُ التمنيةَ، على طريقة: فلانٌ يُعطي ويَمنع . وضميرُ الجمع المنصوب في ((يَعِدُهم ويُمنِّيهم)) راجعٌ إلى ((مَن)) باعتبار معناها، كما أنَّ ضميرَ الرفع المفرد في ((يَتَّخذ)) و((خَسِر)) راجعٌ إليها باعتبار لَفْظها. وأخبرَ سبحانه عن وقوع الوعد والتَّمنية مع وقوع غيرِ ذلك ممَّا أقسم عليه اللعينُ أيضاً؛ لأنَّهما مِن الأمور الباطنةِ، وأَقوَى أسباب الضلال وحبائلِ الاحتيال. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرًا (٣)﴾ وهو إيهامُ النفع فيما فيه الضررُ، وهذا الوعدُ - والأمرُ عندي مثلُه - إمَّا بالخواطر (٢) الفاسدة، وإمَّا بلسان أَوليائه، واحتمالُ أنْ يَتَصوَّرَ بصورةٍ إنسانٍ فيفعلَ ما يفعلُ بعيدٌ. = بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله وصله: ((غيِّروا هذا بشيءٍ واجتنبوا السواد)). (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ١٩٩/١. (٢) جاء في الأصل تحت قوله ((الوعد)): مبتدأ، وتحت قوله ((والأمر)): مبتدأ، وتحت قوله (مثله)): خبر، وتحت قوله ((بالخواطر)): خبر. الآية : ١٢١ - ١٢٢ ٢٩٥ سورة النساءِ و((غروراً)) إمَّا مفعولٌ ثانٍ للوعد، أو مفعولٌ لأَجْله، أو نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: وعداً ذا غرورٍ أو غارًّا، أو مصدرٌ على غيرِ لفظِ الصَّدر(١)؛ لأنَّ ((يَعدُهم)) في قوة: يَغْرُّهم بوَعْدِه، كما قال السمين(٢). والجملةُ اعتراضٌ، وعدمُ التعرُّضِ للتَّمْنيةِ لأنَّها من باب الوعد، وفي ((البحر)) أنَّهما متقاربان فاكتُفي بأولهما (٣). ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى مَن انَّخذ الشيطانَ وليًّا باعتبار معناه، وما فيه من معنَى البعد للإيذان بُيُعْدِ منزلتهم في الخسران. ﴾ أي: مَعْدِلاً ﴿مَأْوَنَهُمْ﴾ ومستقرُّهم جميعاً ﴿جَهَنَّمُ وَلَا تَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ومَهْرَباً، وهو اسم مكانٍ أو مصدرٌ ميميٍّ مِن حاصَ يَحيصُ إذا عَدَل ووَلَّى، ويقال: مَحِيصٌ ومَحَاصٌ، وأصلُ معناه كما قيل: الرَّوَغان، ومنه: وقعوا في خَيْصَ بَيْصَ، وخَاصَ بَاصَ، أي: في أمرٍ يَعْسُرُ التخلّص منه. ويقال: حاص يَحُوصُ أيضاً، وحَوْصاً وحِياصاً. و ((عنها)) مُتعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ((محيصاً))، ولم يُجوِّزوا تَعلُّقه بـ ((يجدون)) لأنَّه لا يتعدَّى بـ ((عن))، ولا بـ ((محيصاً))؛ لأنَّه إنْ كان اسمَ مكانٍ فهو لا يعملُ؛ لأنَّه ملحقٌ بالجوامد، وإنْ كان مصدراً فمعمولُ المصدر لا يتقدَّم عليه، ومَن جوَّز تقدُّمه إذا كان ظرفاً أو جارًّا ومجروراً جَوَّزه هنا . ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الَّذَلِحَتِ﴾ مبتدأُ خبره قولُه تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَّرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ وجَوَّز أبو البقاء(٤) أنْ يكونَ الموصولُ في موضع نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعده. ولا يخفَى مَرَجُوحِيَّتُه(٥). وهذا وعدٌ للمؤمنين إثرَ وعيدِ الكافرين، وإنَّما قَرَنهما سبحانه وتعالى زيادةً لمسرَّة أَحَّائه ومساءة أعدائه. (١) في (م): المصدر، والمثبت من الأصل والدر المصون ٩٤/٤، والكلام منه. (٢) في الدر المصون ٤ / ٩٤. (٣) البحر ٣٥٤/٣. (٤) في الإملاء ٣٢٥/٢. (٥) لأن العطف على جملة اسمية، ولأن التقدير خلاف الأصل. حاشية الشهاب ٣/ ١٨٠. سُورَةُ السَّةِ ٢٩٦ الآية : ١٢٢ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً﴾ أي: وعَدَهم وعداً وأَحقَّه حقًّا، فالأولُ مؤكِّدٌ لنفسه، كـ : له عليَّ ألفٌ عرفاً (١)، فإنَّ مضمونَ الجملة السابقة لا تحتمل غيرَه، إذ ليس الوعدُ إلا الإخبارَ عن إيصال المنافع قبل وقوعه. والثاني مؤكدٌ لغيره، كـ : زيدٌ قائمٌ حقًّا، فإنَّ الجملة الخبريَّةَ بالنظر إلى نفسها وقطع النظر عن قائلها تَحتملُ الصدقَ والكذب والحقَّ والباطل. وجُوِّز أنْ يَنتصب ((وعْدَ)) على أنَّه مصدرٌ لـ ((سندخلهم)) - على ما قال أبو البقاء - من غير لفظه؛ لأنَّه في معنى: نَعدُهم إدخالَ جناتٍ، ويكونُ ((حقًّا)) حالاً منه (٢). ®﴾ تذييلٌ للكلام السابق مُؤكِّدٌ له، فالواو ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا اعتراضيَّةٌ، و((القيل)) مصدرُ ((قال)) ومثله ((القال)). وعن ابن السِّكِّيت: أنَّهما اسمانٍ لا مصدران(٣)، ونصبه على التمييز. ولا يخفى ما في الاستفهام، وتخصيصٍ اسم الذات الجليل الجامع، وبناءِ (أفعل))، وإيقاع القول تمييزاً، من المبالغة، والمقصودُ معارضةُ مواعيدِ الشيطان الكاذبة لقُرَنائه التي غَرَّتَهم حتى استحقُّوا الوعيد بوعدِ الله تعالى الصادق لأوليائه الذي أوصلَهم إلى السعادة العظمَى، ولذا بالغ سبحانه فيه وأَّده حثًّا على تحصيله وترغيباً فيه. وزَعَم بعضُهم أنَّ الواو عاطفةٌ والجملةَ معطوفةٌ على محذوفٍ، أي: صَدَقَ الله، ومَن أَصدقُ من الله قيلاً، أي: صَدَقَ ولا أصدق منه. ولا يَخفَى أَنَّه تكلُّفٌ مستغنّى عنه، وكأنَّ الداعي إليه الغفلةُ عن حُكم الواو الداخلة على الجملة التذييلية. وتجويزُ أنْ تكونَ الجملةُ مقولاً لقولٍ محذوفٍ، أي: وقائلين مَن أصدقُ من الله قيلاً، فيكون عطفاً على ((خالدين))، أَدهَى(٤) وأَمَرُّ. وقرأ الكوفيُّ غيرَ عاصمٍ وورشٍ بإشمام الصادِ الزاي(٥). (١) أي: اعترافاً، والتقدير: أعترف اعترافاً، فهو مؤكّد لنفسه لأنه مؤكد للجملة قبله وهي نفسُ المصدر، بمعنى أنها لا تحتمل سواه. شرح الألفية لابن عقيل ١/ ٥٧٠ . (٢) الإملاء ٣٢٥/٢. (٣) إصلاح المنطق ص ١٢ و ١٠١. (٤) جاء تحتها في الأصل: خبر. (٥) التيسير ص٩٧، والنشر ٢/ ٢٥١. الآية : ١٢٣ ٢٩٧ سُورَةُ السَّاةِ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَا أَمَانِيَ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ الخطابُ للمؤمنينَ، والأمانيُّ بالتشديد والتخفيف - وبهما قرئ(١) - جمعُ أُمنية على وزن أفعولة، وهي كما قال الراغب(٢): الصورةُ الحاصلة في النفس مِن تمنِّ الشيء، أي: تقديره في النفس وتصويرِه فيها . ويقال: مثَّى له الماني، أي: قدَّر له المقدِّر، ومنه قيل: مَنيَّة، أي: مقدَّرة. وكثيراً ما يُطلق التمنِّي على تصوُّرِ مالا حقيقةً له، ومن هنا يُعبَّر به عن الكذب؛ لأنَّه تَصوَّرُ ما ذُكرِ وإيرادهُ باللفظ، فكأنَّ التمنِّيَ مَبدأٌ له، فلهذا صحَّ التعبيرُ به عنه، ومنه قولُ عثمانَ رَّهِ: ما تعنَّتُ ولا تمنَّتُ منذ أسلمتُ. والباء في ((بأمانيكم)) مثلُها في: زيدٌ بالباب، وليستْ زائدةً، والزيادةُ محتمَلَةٌ، ونفاها البعض. واسم (ليس)) مُستترٌ فيها، عائدٌ على الوعد بالمعنَى المصدريِّ، أو بمعنى الموعود، فهو استخدام كما قال السعد. وقيل: عائدٌ على الموعود الذي تَضمَّنه عاملُ ((وغْدَ الله))، أو على إدخال الجنَّة، أو العملِ الصالح. وقيل: عائدٌ على الإيمان المفهوم من ((الذين آمنوا)). وقيل: على الأمر المتحاوَرِ فيه بقرينة سبب النزول، أخرج ابن جرير وابنُ أبي حاتم عن السُّديِّ قال: التقَى ناسٌ من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهودُ للمسلمين: نحنُ خيرٌ منکم، دیتُنا قبلَ دینکم، وکتابُنا قبل کتابکم، ونبیُنا قبل نبيِّكم، ونحن على دين إبراهيم، ولَن يَدخلَ الجنَّة إلا مَن كان هوداً. وقالت النصارى مثلَ ذلك. فقال المسلمون: كتابُنا بعدَ كتابكم، ونبيُّنا وَ﴿ بعد نبيِّكم، ودينُنا بعد دينكم، وقد أُمرتم أنْ تَتَّبعونا وتتركوا أَمركم، فنحن خيرٌ مِنكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يَدخل الجنَّة إلا مَن كان على ديننا. فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْسَ پأَمَانِّگُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن آحْسُ﴾ إلخ(٣)، أي: ليس وعدُ الله تعالى، أو ما وَعَدَه سبحانه مِن الثواب، أو إدخالُ الجنة، أو العملُ (١) قرأ بالتخفيف أبو جعفر، وبالتشديد باقي العشرة. النشر ٢/ ٢١٧. (٢) في مفرداته (مني). (٣) تفسير الطبري ٥٠٩/٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٠. سُورَةُ المِسْكَاةِ ٢٩٨ الآية : ١٢٣ الصالح، أو الإيمانُ، أو ما تَحاوَرْتُم فيه، حاصلاً بمُجرَّد أمانيِّكم أيُّها المسلمون ولا أمانيٌّ اليهود والنصارى، وإنَّما يَحصلُ بالسعي والتشمير عن ساق الجدِّ لامتثال الأمر. ويُؤْيِّد عَوْدَ الضمير على الإيمان المفهوم ممَّا قبله أنَّه أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفاً: ليس الإيمانُ بالتمنِّي، ولكنَ ما وَقَر في القلب وصدَّقه العمل، إنَّ قوماً أَلهتهم أمانيُّ المغفرة حتى خَرجُوا من الدنيا ولا حسنةً لهم وقالوا: نُحسِنُ الظنّ بالله تعالى، وكَذَبوا لو أَحسنُوا الظنَّ لَأحْسَنوا العمل(١) . وأخرج البخاريُّ في ((تاريخه)) عن أنس مرفوعاً: ((ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكنْ هو ما وَقَر في القلب، فأمَّا عِلْمُ القلب فالعلمُ النافعُ، وعلمُ اللسان حجَّةٌ على بني آدم))(٢). وروي عن مجاهد وابن زيد أنَّ الخِطابَ لأهل الشرك؛ فإنَّهم قالوا: لا نُبعث ولا نعذَّب كما قال أهل الكتاب: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَ﴾. وايِّد بأنَّه لم يَجرِ للمسلمين ذكرٌ في الأماني وجرَى للمشركين ذكرٌ في ذلك، أي: ليس الأمر بأماني المشركين، وقولهم: لا بعثَ ولا عذابَ، ولا بأماني أهل الكتاب وقولِهم ما قالوا. وقرَّر سبحانه ذلك بقوله عزَّ مِن قائل: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا (١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٢/١١ دون قوله: إن قوماً ألهتهم ... ، وهو بتمامه في الكشاف ١/ ٥٦٥. (٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٣/ ١٨٠، ولم نقف على هذا الحديث عند البخاري في تاريخه، وهو في الفردوس للديلمي (٥٢٣٢) إلى قوله: ولكن ما وقر في القلب. وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٠٤/١٣ من كلام الحسن البصري، وأبو نعيم في الحلية ٢٧٢/٢ - ٢٧٣ عن كلام عبيد بن عمير. وباقي الحديث أخرجه ابن الجوزي في العلل (٨٩) وقال: فيه أبو الصلت وهو كذاب بإجماعهم. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٣٤٦/٤، وابن الجوزي في العلل (٨٨) من حديث جابر . وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب ١٣٥/١، وقال الحافظ العراقي كما في فيض القدير ٣٩١/٤: سنده جيد وإعلال ابن الجوزي له وهم. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٠٧)، وابن أبي شيبة ٢٣٥/٧، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ٦٦١/١ عن الحسن عن النبي و لر مرسلاً، وصحح إسناده المنذري في الترغيب والترهيب ١٣٥/١. الآية : ١٢٣ ٢٩٩ سُورَةُ النِّسَكَاةِ يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلاً أو آجلاً، فقد أخرج الترمذيُّ وغيرُه عن أبي بكر الصديق قال: كنتُ عند النبيِّ نَّ﴿ فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله وَلّ ى: ((يا أبا بكر، ألا أُقرئُكَ آية نَزَلت عليَّ)) فقلتُ: بلى يا رسول الله. فأَقْرَأَنيها، فلا أَعلُم إلا أَنِّي وجدتُ انقصاماً في ظهري حتى تمّأتُ لها، فقال رسول الله وسلّم: ((ما لكَ يا أبا بكر؟)) قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأَيُّنا لم يَعمل السوءَ، وإنَّا لمَجزيُّون بكلِّ سوءٍ عملناه؟ فقال رسول الله وَّه: ((أمَّا أنت وأصحابُك يا أبا بكر المؤمنون، فتُجزَون بذلك في الدنيا حتى تَلقَوُا الله تعالى ليس عليكم ذنوبٌ، وأمَّا الآخرُون فيُجمع لهم ذلك حتى يُجزَون يوم القيامة))(١). وأخرجَ مسلم وغيرُه عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ شَقَّ ذلك على المسلمين وبَلَغت منهم ما شاء الله تعالى، فشكوا ذلك إلى رسول الله وص له فقال: ((سَدِّدوا وقارِبُوا فإنَّ في كلِّ ما أصاب المسلمَ كفارةٌ حتى الشوكة يُشاكُها والنكبة ◌ُنگبها)»(٢). والأحاديثُ بهذا المعنى أكثرُ مِن أنْ تُحصَى، ولهذا أجمعَ عامَّةُ العلماء على أنَّ الأمراضَ والأسقامَ ومصائب الدنيا وهمومَها وإنْ قلَّت مُشْقَّتُها يُكفِّرُ الله تعالى بها الخطيئاتِ، والأكثرون على أنَّها أيضاً يُرفعُ بها الدرجاتُ وتُكتبُ الحسنات، وهو الصحيح المعوَّلُ عليه، فقد صحَّ في غير ما طريقٍ: ((ما مِن مسلم يُشاكُ شوكةً فما فوقَها إلا كُتِبَتْ له بها درجةٌ ومُحيثْ عنه بها خطيئةٌ))(٣). وحكى القاضي عن بعضهم أنَّها تُكفِّرُ الخطايا فقط ولا تَرْفَعُ درجةً، [ولا تكتب حسنة]، ورَوَى عن ابن مسعودٍ: الوجعُ لا يكتب به أجرٌ لكنْ يُكفَّر به الخطايا، واعْتَمَدَ على الأحاديثِ التي فيها التكفيرُ فقط، ولم تَبلغه الأحاديثُ الصحيحة المصرِّحة برفع الدرجاتِ وكَتْبِ الحسنات (٤). (١) سنن الترمذي (٣٠٣٩)، وفيه: حتى يجزوا به يوم القيامة. قال الترمذي: هذا حديث غريب وفي إسناده مقال. (٢) صحيح مسلم (٢٥٧٤). (٣) أخرجه أحمد (٢٤١٥٦)، ومسلم (٢٥٧٢) من حديث عائشة مة (٤) إكمال المعلم للقاضي عياض ٤٢/٨، ونقله المصنف عنه بواسطة النووي في شرح صحيح مسلم ١٢٨/١٦ -١٢٩، وما سلف بين حاصرتين منه. سُورَةُ المِسْكَاةِ ٣٠٠ الآية : ١٢٤ بَقي الكلامُ في أنَّها: هل تُكفِّر الكبائرَ أم لا؟ وظاهرُ الأحاديث ومنها خبرُ أبي بكر ◌َُّهُ أنَّها تكفِّرُها، وقد جاء في خبرٍ حسنٍ عن عائشة: ((إنَّ العبد ليخرجُ بذلك مِن ذنوبه كما يَخرجُ التِّرُ الأحمرُ مِن الكِير)»(١). وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا والبيهقيُّ عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيب قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يَزال الصداعُ والمَليلَة بالمرء المسلم حتى يَدعه مثل الفضَّة البيضاء))(٢) إلى غير ذلك. ولا يَخفَى أنَّ إبقاء ذلك على ظاهره ممَّا يأباه كلامُهم. وَخَصَّ بعضُهم الجزاء بالآجل، و((مَن)) بالمشركين وأهلِ الكتاب، ورُوي ذلك عن الحسن والضحاك وابن زيد؛ قالوا: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهَلْ تُجَرِىّ إلَّا اُلْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]. وقيل: المرادُ مِن ((السوء)» هنا الشركُ، وأخرجَه ابنُ جرير عن ابن عباسٍ وابنٍ جُبير(٣). وكلا القولَين خلافُ الظاهر. وفي الآية ردٌّ على المُرْجِئةِ القائلين: لا تضرُّ مع الإيمان معصيةٌ كما لا تنفعُ مع الكفر طاعةٌ . ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الَّهِ﴾ أي: مُجاوزاً لولاية الله تعالى ونُصْرتِهِ ﴿وَلِيًّا﴾ يَلي أمرَه ويُحامي عنه ويَدفع ما يَنزلُ به من عقوبات(٤) الله تعالى ﴿وَلَا نَصِيرًا ١٢٣ يَنصرُه ويُنجيه مِن عذاب الله تعالی إذا حلَّ به. ولا مستند في الآية لِمَن مَنَع العفوَ عن العاصي؛ إذ العموم فيها مُخصَّصٌ بالتائب إجماعاً، وبعد فتح باب التخصيص لا مانعَ من أنْ نُخصِّصه أيضاً بمَن يتفضَّل الله تعالى بالعفو عنه على ما دلَّت عليه الأدلَّةُ الأُخَر. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ﴾ الأعمال ﴿الصَِّحَتِ﴾ أي: بعضها أو شيئاً منها؛ لأنَّ أحداً (١) أخرجه مرفوعاً أحمد (٢٥٨٣٥)، والترمذي (٢٩٩١) وقال: حديث حسن غريب. (٢) شعب الإيمان (٩٩٠٠)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر٢٢٩/٢، وعنه نقل المصنف، وأخرجه بنحوه أحمد (٢١٧٢٨). (٣) تفسير الطبري ٧/ ٥١٨-٥١٩. (٤) في (م): عقوبة.