Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ٩٣
٢٢١
سُورَةُ المِسْكَاةِ
شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] يَدلُّ على أنَّه تعالى يُوصل الجزاء إلى المستحقِّين البتة، وفي
الآية ما يشير إليه.
ولا يخفى ما فيه؛ لأنَّ الآياتِ التي فيها أنَّه تعالى يُوصل الجزاءَ إلى
المستحقّين(١) كلُّها في حُكم آياتِ الوعيد، والعفوُ فيه جائزٌ، فلا معنى للقول
بالبتّ.
ومِن هنا قيل: إنَّ الآية لا تصلُحُ دليلاً للمعتزلة مع قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد أخرج البيهقيُّ عن قريش بن أنس قال: كنتُ
عند عمرو بن عبيد في بيته، فأنشأ يقول: يُؤْتَى بي يوم القيامة فأقامُ بين يدي الله
تعالى، فيقول لي: لِمَ قلتَ إنَّ القائل في النار؟ فأقولُ أنتَ قلتَه، ثم تلا هذه
الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ إلخ، فقلتُ له - وما في البيت أصغرُ مني -: أَرأَيتَ
إنْ قال لكَ فإنّي قد قلتُ: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُثْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ﴾ فمِن أَينَ علمتَ أنّ لا أشاءُ أنْ أَغفرَ لهذا؟ قال: فما استطاع أنْ يردَّ عليَّ
شيئاً (٢).
ويُؤيِّدُ هذا ما أخرجه ابنُ المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال: جالستُ الناس
قبلَ الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتُهم يقولون: لمَّا نزلَتْ ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنَا﴾ الآية قال المهاجرون والأنصار: وجبَت لِمَن فعل هذا النارُ، حتى نزلت
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلخ فقال المهاجرون والأنصار: يَصنعُ الله تعالى
ما شاء(٣).
وبآيةِ المغفرة رَدَّ ابنُ سيرين على مَن تمسّك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه
مِن عنده(٤).
وكونُ آيةِ الخلود بعد تلك الآية نزولاً بستة أشهر، أو بأربعة أشهر کما رُوي
(١) في (م): مستحقه.
(٢) البعث والنشور للبيهقي (٤٩)، وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٢٨١/٣.
(٣) الدر المنثور ٢/ ١٩٧.
(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٤٦)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ١٩٧ لعبد بن حميد
وابن المنذر.

سُورَةُ السَّةِ
٢٢٢
الآية : ٩٣
عن زيد بن ثابت(١). لا يُفيد شيئاً، ودعوى النسخ في مثل ذلك ممَّا لا يكادُ يصحُّ،
کما لا يخفى.
وأجابَ بعض الناس بأنَّ حُكم الآية إنَّما هو للقاتل المستحِلِّ، وكفرُهُ ممَّا
لا شكَّ فيه، فليس ذلك مَحلَّ للنزاع، ويَدُّ عليه أنَّها نزلَت في الكِناني حَسْبَما مرَّت
حكايتُه، وقد رُوي عن عكرمةً وابنِ جُريج وجماعةٍ أنَّهم فسَّروا (مُتعمِّداً))
بـ : مستحِلاً.
واعتُرض بأنَّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبأنَّ تفسير المتعمّد
بالمستحِلِّ ممَّا لا يكادُ يُقبل، إذ ليس هو معناه لغةً ولا شرعاً، فإن التزم المجاز
فلا دليل عليه، وسببُ النزول لا يَصلحُ أنْ يكون دليلاً؛ لما علمتَ الآن، على أنَّه
يَفوتُ التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية
السابقة، وهو الخطأ الصرف.
وقيل: إنَّ الاستحلال يُفهم من تعليق القتل بالمؤمن؛ لأنَّه مُشتقٌّ، وتعليقُ
الحكم بالمشتقِّ يُفيدُ عِلِيَّة مبدأ الاشتقاق، فكأنَّه قيل: ومَن يقتلُ مؤمناً لأجل
إيمانه، ولا شكَّ أنَّ مَن يقتله لذلك لا يكونُ إلا مستحلاً، فلا يكونُ إلا كافراً،
فيخرجُ هذا القاتلُ عن محلِّ النزاع، وإنْ لم يُعتبر سببُ نزول.
واعتُرض بأنَّ المؤمن وإنْ كان مشتقًّا في الأصل إلا أنَّه عُومل معاملَة الجوامد،
ألا ترَى أنَّ قولك: كلَّمتُ مؤمناً، مثلاً، لا يُفهم منه أنك كلمتَه لأجل إيمانه، ولو
أفادَ تعليقُ الحكم بالمؤمن العلِّيّةَ لكان ضربُ المؤمن وتركُ السلام عليه والقيام له
كقتله كفراً، ولا قائلَ به، واعتبارُ الاشتقاق تارةً وعدمُ اعتباره أُخرَى خارجٌ عن حيّز
الاعتبار، فلیفهم.
ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخرويَّ، ولم يذكر حُكمه الدنيويّ
اكتفاءً بما تقدَّم في آية ((البقرة))(٢).
(١) أخرج الرواية الأولى أبو داود (٤٢٧٢)، والنسائي ٧/ ٨٧، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ
(٤٨٩)، والطبري ٣٤٩/٧. وأخرج الثانية سمويه في فوائده كما في الدر المنثور ١٩٦/٢ .
وفي رواية عن زيد أيضاً ذكرها النسائي في المجتبى ٨٧/٧: بثمانية أشهر.
(٢) وهي قوله تعالى: ﴿بَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].

الآية : ٩٤
٢٢٣
سُورَةُ الشَّةِ
﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ شروعٌ في التحذير عمَّا يوجبُ الندمَ مِن قتلٍ مَن لا يَنبغي
قتلُه. ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: سافرتُم للغزو، على ما يدلُّ عليه السباقُ
والسياق ﴿فَبِيِّنُوا﴾ أي: فاطلبوا بيانَ الأمر في كلِّ ما تأتونَ وتذرون، ولا تَعملوا
فيه مِن غير تدبُّ ورَويّة.
وقرأ حمزة وعليٍّ وخلف: ((فَتَثَبّثُوا))(١)، أي: فاطلبوا ثباتَ الأمر ولا تَعْجَلوا
فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغةُ التفعيل بمعنى الاستفعال(٢).
ودخلَت الفاءُ لِمَا في ((إذا)) مِن معنى الشرط، كأنه قيل: إنْ غَزَوتُم فتبيَّنوا ﴿وَلَا
نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: حيَّاكم بتحيةِ الإسلام، ومقابِلُها تحيةُ
الجاهلية كـ : أَنعمْ صباحاً، وحيَّاك الله تعالى.
وقرأ حمزةُ وخلف وأهلُ الشام: ((السَّلَم)) بغير ألف(٣)، وفي بعض الروايات
عن عاصم أنَّه قرأ: ((السِّلَم)) بكسر السين وفتح اللام(٤)، ومعناه في القراءتَين:
الاستسلامُ والانقياد، وبه فسَّر بعضُهم ((السلامَ)) أيضاً في القراءة المشهورة.
واللام على ما قال السَّمين(٥): للتبليغ. والماضي بمعنى المضارع، و((مَن))
موصولةٌ أو موصوفةٌ، والمرادُ النهيُّ عمَّا هو نتيجةٌ لترك المأمور به، وتعيينُ مادةٍ
مهمَّةٍ من المواد التي يجبُ فيها التبيُّن والتثبيتُ. وتقييدُ ذلك بالسفر؛ لأنَّ عدمَ
التبيُّنِ كان فيه، لا لأنَّه لا يجبُ إلا فيه، والمعنى: لا تقولوا لِمَن أظهرَ لكم ما يدلُّ
على إسلامه: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، وإنَّما فعلتَ ذلك خوفَ القتل، بل اقْبَلوا منه
ما أظهرَ، وعامِلوه بموجبه.
ورُوي عن عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر ﴿يا وأبي جعفر
(١) التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥١/٢، وعلي: هو الكسائي علي بن حمزة.
(٢) في الأصل: الاستقبال، والمثبت من (م)، والكشاف ٥٥٤/١، وحاشية الشهاب ١٦٨/٣.
(٣) التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥١/٢، وقرأ بها أيضاً نافع وابن عامر وأبو جعفر.
(٤) كذا ذكر، والذي في القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٢٨/٣-٣٢٩، والدر المصون
٧٤/٤ عن عاصم: ((السِّلْم)) بكسر السين وإسكان اللام. وقال أبو حيان: وقرأ
الجحدري بفتح السين وسكون اللام.
(٥) في الدر المصون ٤/ ٧٤.

سُورَةُ السَِّ
٢٢٤
الآية : ٩٤
القارئ أنهم قرؤوا: ((مؤْمَناً)) بفتح الميم الثانية(١)، أي: مبذولاً لك الأمان.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ أي: تطلبون مالَه الذي هو حطامٌ سریعُ
الزوال وشَيكُ الانتقال، والجملةُ في موضع الحال من فاعلٍ ((تقولوا)) مُشْعِراً بما هو
الحامل لهم على العجلة، والنهيُ راجعٌ إلى القيد والمقيّد.
وقوله تعالى: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِهُ كَثِيرٌ﴾ تعليلٌ للنهي عن القيد بما فيه مِن
الوعد الضمنيِّ، كأنَّه قيل: لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل، فإنَّ عنده سبحانه
وفي مقدوره ((مغانمٌ كثيرةٌ) يُغْنِمُگموها فيُغنیكم عن ذلك.
وقوله سبحانه: ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تعليلٌ للنهي
عن المقيَّد باعتبار أنَّ المراد منه ردُّ إيمان المُلقي، لظنِّهم أنَّ الإيمان العاصمَ
ما ظهرتْ على صاحبه دلائلُ تَواُؤْ الباطِن والظاهر، ولم تظهر فيه.
واسمُ الإشارة إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتِّصافه بما في حيّز الصلة. والفاء
في ((فمنَّ) للعطف على ((كنتم) وقُدِّم خبرُها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة، كأنَّه
قيل: لا تَردُّوا إيمان مَن حيَّاكم بتحية الإسلام، وتقولوا: إنَّه ليس بإيمانٍ عاصم،
ولا يُعَدُّ المنَّصفُ به مؤمناً معصوماً؛ لظنّكم اشتراط التواطُؤْ في العصمة ومجرَّدُ
التحية لا يدلُّ عليه، فإنَّكم كنتُم أنتم في مبادئ إسلامكم مثلَ هذا المُلْقِي في
عدم ظهور شيءٍ للناس منكم غيرِ ما ظهر منه لكم من التحيَّة ونحوِها، ولم يظهر
منكم ما تظنونه شرطاً ممَّا يدلُّ على التواطؤ، ومجرَّد أنَّ الدخول في الإسلام لم
يَكن تحتَ ظلال السيوف لا يدلُّ على ذلك، فمَنَّ الله تعالى عليكم بأنْ قَبِل
ذلك منكم، ولم يَأْمُر بالفحص عن تواطُؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعَصَمَ بذلك
دماءكم وأموالكم، فإذا كان الأمر كذلك ﴿فَتَبَيِّنُوا﴾ هذا الأمر ولا تَعْجَلوا،
وتدبَّروا ليظهرَ لكم أنَّ ظاهر الحال كافٍ في الإيمان العاصم، حيث كفَى فيكم
مِن قبلُ.
(١) هي من رواية ابن وردان عن أبي جعفر كما في تحبير التيسير ص ١٠٥، وأيضاً من رواية ابن
جماز كما في النشر ٢٥١/٢. وهي عن علي في البحر ٣٢٩/٣، وعن الباقر في القراءات
الشاذة ص٢٨ .

الآية : ٩٤
٢٢٥
السلة
وأخِّر هذا التعليل - على ما قيل - لِمَا فيه من نوعٍ تفصيلٍ ربما يُخلُّ تقديمُه
بتجاوب أطراف النظم الكريم، مع ما فيه مِن مراعاة المقارنة بين التعليل السابق
وبین ما علل به.
أو لأنَّ في تقديم الأول إشارةً ما إلى مَيل القوم نحو ذلك العَرَض، وأنَّ
سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيلٌ لمسرَّتهم، وفيه نوعُ حطّ عليهم، رفعَ الله
تعالى قَدْرَهم ورضي المولى عزَّ شأنه عنهم.
أو لأنَّ أَوضحُ في التعليل مِن التعليل الأخير وأسبقُ للذهن منه.
ولعلَّه لم يُعطف أحدَ التعليلَين على الآخر؛ لئلا يُتوهَّم أنَّهما تعليلا شيءٍ
واحدٍ، أو أنَّ(١) مجموعَهما علةٌ.
وقيل: موافقةً لِمَا علِّل بهما من القيد والمقيّد، حيث لم يتمايزا بالعطف.
وقيل: إنَّما لم يَعطف؛ لأنَّ الأول تعليلٌ للنهي الثاني بالوعد بأمرٍ أُخرويٍّ؛ لأنَّ
المعنى: لا تبتغُوا عَرَضَ الحياة الدنيا؛ لأنَّ عنده سبحانه ثواباً كثيراً في الآخرة
أعدَّه لِمَن لم يَبتغِ ذلك، وعبَّر عن الثواب بـ ((المغانم)) مناسبةً للمقام. والتعليلُ
الثاني للنھي الأول ليس كذلك.
وذكر الزمخشريُّ في الآية ما ردَّه شيخُ الإسلامِ بما يلوحُ عليه مخايلٌ
التحقيق(٢).
وقال بعضُ الناس فيها: إنَّ المعنى: كما كانَ هذا الذي قتلتُموه مُستخفياً
بدينه في قومه خوفاً على نفسه منهم، كنتُم أنتم مُستخفِين بدينكم حذراً مِن قومكم
على أنفسكم، فمَنَّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتُم
الإسلام بعدما كنتُم تكتمونه من أهل الشرك، ((فَتَبَيِّنُوا)) نعمة الله عليكم، أو تَبيَّنوا
أمرَ مَن تقتلونه، ولا يَخفَى أنَّ هذا - وإنْ كان بعضُه مرويًّا عن ابن جبير - غیرُ
وافٍ بالمقصود، على أنَّ القولَ بأنَّ المخاطَبين كانوا مُستخفين بدينهم حذراً من
(١) في الأصل: وأن، بدل: أو أن.
(٢) ينظر الكشاف ٥٥٥/١، وتفسير أبي السعود ٢١٩/٢.

سُورَةُ السَكَاةِ
٢٢٦
الآية : ٩٤
قومهم في حيِّز المنع، اللهمَّ إلا أنْ يقال: إنَّ كونَ البعض كان مُستخفياً كافٍ في
الخطاب.
وقيل: إنَّ قوله سبحانه: ﴿فَمَنَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُنقطعٌ عمَّا قبله، وذلك أنَّه
تعالى لمَّا نهَى القومَ عن قتل مَن ذكر، أَخبرَهم بعدُ بأنَّه مَنَّ عليهم بأنْ قَبِل توبتَهم
عن ذلك الفعل المنكّرٍ، ثم أعاد الأمرَ بالتبيُّن مبالغةً في التحذير، أو أمرَ بثبيين
نعمته سبحانه شكراً لِمَا مَنَّ علیهم به، وهو كما ترى.
واختلف في سبب الآية، فأخرج أحمدُ والترمذيُّ وحسَّنه وابنُ حميد وصحَّحه
عن ابن عباس ◌ًّا قال: مرَّ رجلٌ مِن بني سُليم بنفرٍ من أصحاب رسولِ الله ◌ِّ
وهو يَسوقُ غنماً له، فسلّم عليهم فقالوا: ما سلَّم علينا إلا ليتعوَّذ منَّا، فعمدوا له
فقتلوه، وأتَوا بغنمه النبيَّ ◌ََّ، فنزلت(١).
وأخرج ابنُ جرير عن السُّدِّي قال: بعثَ رسولُ اللهِ وَّهِ سريةً عليها أسامةُ بن
زيد إلى بني ضَمْرَة، فَلِقُوا رجلاً منهم يُدعى مِرْداس بن نَهِيكٍ معه غُنيمةٌ له
وجملٌ أحمر، فأوى إلى كهفِ جبلٍ، واتَّبعه أسامة، فلمَّا بلَغَ مرداس الكهف
وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم، فقال: السلام عليكم أشهدُ أنْ لا إله إلا الله
وأنَّ محمداً رسولُ الله. فشدَّ عليه أسامةُ فقتله من أجل جمله وغُنيمته، وكان
النبيُّ وَّهِ إذا بعثَ أسامة أحبَّ أنْ يُثنَى عليه خيراً، ويَسألُ عنه أصحابه، فلمَّا
رجعوا لم يَسألهم عنه، فجعلَ القومُ يُحدِّثون النبيَّ ◌َ ﴿ ويقولون: يا رسول الله
لو رأيتَ أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله
فشدَّ عليه فقتله، وهو مُعْرِضٌ عنهم، فلمَّا أَكثروا عليه رفَعَ رأسه إلى أسامة
فقال: ((كيف أنت ولا إله إلا الله؟)) فقال: يا رسول الله، إنَّما قالها مُتعوِّذاً
يَتعوَّذُ بها. فقال عليه الصلاة والسلام: ((هلَّا شقَفْتَ عن قلبه فنظرتَ إليه؟!)) ثم
نزلَتْ الآية (٢).
(١) مسند أحمد (٢٠٢٣)، وسنن الترمذي (٣٠٣٠)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٩٩/٢.
وأصل القصة في صحيح البخاري (٤٥٩١)، وصحيح مسلم (٣٠٢٥).
(٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٥٧-٣٥٨، وأصل الخبر عند مسلم (٩٦).

الآية : ٩٤
٢٢٧
سُورَةُ المِسْكَاةِ
وأَخرجَ عن ابن زيدٍ أنَّها نزلَت في رجل قتله أبو الدرداء، وذکر من قِصَّته مثل
ما ذكر من قصة أسامة(١).
والاقتصار على ذكر تحيةِ الإسلام - على هذا - مع أنَّها كانت مقرونةً بكلمة
الشهادة للمبالغة في النهي والزجر، والتنبيهِ على كمال ظهور خَطَّئِهم ببيانٍ أنَّ التحيةَ
كانت كافيةً في المُكافَّةِ والانزجار عن التعرُّض لصاحبها، فكيف وهي مقرونةٌ بتلك
الكلمة الطيبة .
واستُدلَّ بالآية وسياقِها على صِحَّةٍ إيمان المُكْرَهِ، وأنَّ المجتهدَ قد يُخطِئُ، وأنَّ
خطأه مغتفرٌ.
وجهُ الدلالة على الأَول: أنَّه مع ظنِّ القاتِلينَ أنَّ إسلامَ مَن ذكر لخوفِ القتل،
وهو إكراهٌ معنّى، أُنْكِر عليهم قتلهُ، فلولا صحةُ إسلامه لم يُنكر.
ووجهُ الدلالة على الثاني: أنَّه أمرَ فيها بالتَّبَيُّن المُشعرِ بأنَّ العجلةَ خطأ .
ووجه الدلالة على الثالث: مأخوذٌ من السياق وعدم الوعيدِ على ترك التبيين.
وذهب بعضُهم إلى أنَّه لا عُذر في تَرْك التثبُّتِ في مثل هذه الأمور، وأنَّ
المخطِئ آثمٌ، واحتجَّ على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقيُّ عن الحسن: أنَّ
ناساً من أصحاب رسول الله وَّ﴿ ذهبوا يَتَطَرَّقون، فَلَقُوا ناساً من العدو فحملوا
عليهم فهزموهم، فشدَّ رجلٌ منهم فَتَبِعَه رجلٌ يُريدُ مَتاعَه، فلمّا غشيَه بالسنان قال:
إنِّي مسلمٌ إِنِّي مسلمٌ، فَأَوجَرَه السنانَ (٢) فقتله وأخذ مُتَيِّعه(٣)، فرُفع ذلك إلى
رسول الله وَلجر، فقال عليه الصلاة والسلام للقاتل: ((أقتلتَه بعدما قال: إنِّي مسلم؟))
قال: يا رسول الله، إنَّما قالها مُتعوِّذاً. قال: ((أَفَلا شققتَ عن قلبه؟!)) قال: لِمَ
يا رسول الله؟ قال: ((لتعلمَ أصادقٌ هو أو كاذب)) قال: وكنتُ عالمَ ذلك
يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّما كان يُبينُ عنه لسانُه، إنِّما كان يُعبِّر
عنه لسانُه)) قال: فما لبث القاتلُ أنْ ماتَ، فحَفرَ له أصحابه، فأصبح وقد وضعتْه
(١) تفسير الطبري ٧/ ٣٦٠.
(٢) أي: طعنه به. القاموس (وجر).
(٣) تصغير متاع. الإملاء المختصر في شرح غريب السير للخشني ١٧٣/٣.

سُورَةُ السَحَّةِ
٢٢٨
الآية : ٩٤
الأرضُ، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال
الحسن: فلا أدري كم قال أصحابُ رسول الله وَّهِ: دفنَّاه، مرتين أو ثلاثاً، كلُّ
ذلك لا تَقْبِلُه الأرض، فلمَّا رأينا الأرض لا تَقبله، أخذنا برجله فألقيناه في بعض
تلك الشعاب فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية(١).
وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إنَّ الأرض أَبَتْ أنْ تَقبَله
فألقُوه في غارٍ من الغيران))(٢). ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهرٌ.
وأُجِيبَ بأنَّ هذا القاتل لعلَّه لم يَفعل ذلك لكون المقتول غيرَ مقبولِ الإسلام
عنده، بل لأمرٍ آخرَ، واعتَذَر بما اعتَذَر كاذباً بين يدي رسول الله وَه ويُؤيِّد ذلك
ما أخرجه أحمد وابن المنذر والطَّبَرَانيُّ وجماعةٌ عن عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميِّ
قال: بعثنا رسولُ اللهِ وَّه إلى إِضَم فخرجتُ في نفرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة
الحارثُ بن رِبْعيٍّ ومُحَلِّم بنُ جَثَّامَة بنِ قيسٍ الليثيُّ، فخرجنا حتى إذا كنَّا ببطن
إِضَم، مرَّ بنا عامر بنُ الأَضَبَطِ الأشجعيُّ على قَعودٍ [له]، معه مُتَبِّعٌ له وَوَظْبٌ مِن
لَبنٍ، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمَلَ عليه محَلِّم بنُ
جَثَّامَة لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ [بعيره و] مُتَيِّعَهُ، فلمَّا قدمنا [على]
رسول اللهِوَ﴿ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلخ(٣).
والظاهرُ أنّ الرجل المبهم في خبر الحسن، هو هذا الرجلُ المصرَّحُ به في هذا
الخبر، وهو يدلُّ على أنَّ القتل كان لشيءٍ كان في القلب من ضغائنَ قديمةٍ،
وإنَّما قلنا: إنَّ هذا هو الظاهرُ؛ لِمَا في خبر ابن عمرَ: أنَّ مُحَلِّماً بنَ جَثَّامَة لمَّا
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٣٩/٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٣١٠/٤، وأخرجه أيضاً ابن إسحاق
كما في سيرة ابن هشام ٦٢٨/٢.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٦٨/١.
(٣) مسند أحمد (٢٣٨٨١)، والطبراني كما في مجمع الزوائد ٨/٧، وعزاه لابن المنذر
السيوطي في الدر المنثور ١٩٩/٢ وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً ابن إسحاق كما في
سيرة ابن هشام ٦٢٦/٢، والطبري ٣٥٤/٧، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر.
قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات. إضم: موضع شمال المدينة يقع خلف
جبل أحد. الأماكن للحازمي ٧٧/١. والقَعود: البعير المتخذ للركوب. الإملاء لأبي ذر
الخشني ١٧٣/٣. والوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجَذَع فما فوقه. القاموس (وطب).

الآية : ٩٥
٢٢٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
رجع، جاءَ النبيَّ نَّهِ فِي بُردَين فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام ليستغفر له،
فقال: ((لا غَفَرَ اللهُ تعالى لَكَ)) فقام وهو يَتَلقَّى دموعه ببردَیه، فما مضت ساعةٌ حتى
مات ودفنوه فلفظتْه الأرض، فجاؤوا النبيَّ نَّهِ فذكروا ذلك له، فقال: ((إنَّ الأرض
تَقْبلُ من هو شرٌّ من صاحبكم، ولكنَّ الله تعالى أراد أنْ يَعِظَكم))، ثم طرحوه بين
صدَفي جبل وألقَوا عليه الحجارة (١). فإنَّ الذي يميل القلب إليه اتِّحادُ القصة.
واعتُرض على القول بعدم الوعيد بأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾﴾ يُستفاد منه الوعيد، أي: إنَّه سبحانه لم يَزل ولا يَزالُ بكلِ
ما تعملونه مِن الأعمال الظاهرة والخفيَّة وبكيفياتها - ويدخل في ذلك التثبيت وتركُه
دخولاً أوَّلِيًّا - مُطَّلِعٌ أتمَّ اطلاعٍ، فيجازيكم بحَسَب ذلك إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً
فشرٌّ، والجملةُ تعليلٌ بطريق الاستئناف.
وقرئ بفتح: ((أنَّ) على أنَّه معمولٌ لـ ((تبينوا))(٢)، أو على حذف لام التعليل.
﴿لَا يَسْتَوِى الْقَّعِدُونَ﴾ شروعٌ في الحثِّ على الجهاد ليَأنفُوا عن تركه، ولِيَرغبوا
عمَّا يُوجِبُ خَلَلاً فيه، والمرادُ بالقاعدين الذين أُذِنَ لهم في القعود عن الجهاد
اكتفاءً بغيرهم، ورَوَى البخاريُّ عن ابن عباسٍ رَّ: هم القاعدون عن بدر(٣). وهو
الظاهرُ الموافق للتاريخ على ما قيل.
وقال أبو حمزة(٤): إنَّهم المتخلِّفون عن تبوك، ورَوَى أنَّ الآية نزلت في
كعب بن مالك من بني سلمة، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف،
وهلال(٥) بن أمية من بني واقف، حين تخلَّفوا عن رسول الله وَّر في تلك الغزوة.
﴿مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ من القاعدين، وجُوِّز أنْ يكونَ من الضمير المستتر فيه،
وفائدةُ ذلك الإيذان من أول الأمرِ بأنَّ القعود عن الجهاد لا يَقعدُ بهم عن الإيمان،
والإشعار بعلَّةِ استحقاقهم لِمَا سيأتي من الحسنَى. أي: لا يَعتدلُ المتخلِّفون عن
(١) أخرجه الطبري ٧/ ٣٥٣.
(٢) الإملاء ٢/ ٣٠٨، والبحر ٣٣٠/٣.
(٣) صحيح البخاري (٤٥٩٥).
(٤) هو أبو حمزة الثمالي في تفسيره كما في مجمع البيان ٢٠٣/٥ وعنه نقل المصنف.
(٥) قبلها في الأصل و(م): والربيع، والمثبت من مجمع البيان.

سُورَةُ النِّسَكَاةِ
٢٣٠
الآية : ٩٥
الجهاد حالَ كونهم كائنين من المؤمنين ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ بالرفع على أنَّه صفة
لـ «القاعدون))، وهو وإنْ (١) كان معرفةً، و((غير)) لا تتعرَّف في مثل هذا الموضع،
لكنَّه غيرُ مقصودٍ منه ((قاعدون)) بعينهم بل الجنس، فأَشبَهَ الجنسَ فصحَّ وصفُه بها.
وزعمَ عصام الدين أنَّ ((غير)) هنا معرفة، و((غير أولي الضَّرر)) بمعنى: مَن
لا ضرر له.
ونُقل عن الرضي - وبه ضُعِّف ما تقدَّم - أنَّ المعرَّف باللام المبهَمَ وإنْ كان في
حُكم النكرة لكنَّه لا يُوصف بما تُوصف به النكرة، بل يَتعيَّنُ أنْ تكون صفتُه جملةً
فعليةً فعلُها مضارع، كما في قوله:
ولَقدْ أَمرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّني
فأَصدُّ ثُمَّ أقولُ ما يَعنيني(٢)
واستَحسن بعضهم جعلَه بدلاً من «القاعدون)) لأنَّ ((أل)) فيه موصولة،
والمعروف إرادةُ الجنس في المعرَّف بالألف واللام وبينهما فرق.
وجَوَّز الزجَّاجُ الرفعَ على الاستثناءِ(٣)، وتبعه الواحديُّ فيه(٤).
وقرأ نافع وابن عامر والكِسائيُّ بالنصب(٥) على أنَّه حال، وهو نكرةٌ لا معرفة،
أو على الاستثناء ظهرَ إعرابُ ما بعده عليه.
وقُرئ بالجرِّ(٦) على أنَّه صفةٌ لـ ((المؤمنين))، أو بدلٌ منه، وكون النكرة لا تُبدل
مِن المعرفة إلا موصوفة أكثريٌّ لا كلِّيٌّ.
و((الضرر)) المرضُ والعِلَلُ التي لا سبيل معها إلى الجهاد، وفي معناها - أو هو
(١) في (م): إن.
(٢) البيت لرجلٍ من بني سلول كما في الكتاب ٢٤/٣، والخزانة ٣٥٧/١، ونسبه الأصمعي في
الأصمعيات ص١٢٦ لشَمِر بن عمرو الحنفي. ووقع في هذه المصادر: فمضيت ثُمَّة قلتْ
لا يعنيني.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٩٢.
(٤) الذي في الوسيط للواحدي ١٠٣/٢: الرفع على أنه صفة للقاعدين، والنصب على الاستثناء
من القاعدين.
(٥) التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥١/٢، وهي قراءة جعفر وخلف من العشرة.
(٦) الكشاف ٥٥٥/١، والبحر ٣٣٠/٣.

الآية : ٩٥
٢٣١
سُورَةُ السَحَّةِ
داخلٌ فيها - العجزُ عن الأُهبة، وقد نزلَت الآيةُ وليس فيها ((غير أولي الضرر)) ثم
نزل بعدُ، فقد رَوَى مالكٌ عن الزهريُّ عن خارجةً بن زيدٍ قال: قال زيدُ بن ثابت
كنتُ أكتبُ بين يدي رسول اللهِ وَّهِ فِي كَتفٍ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُجَهِدُونَ﴾ وابنُ أمِّ مكتوم عند النبي ◌َّه فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله تعالى في
فضل الجهاد ما أنزل، وأنا رجلٌ ضريرٌ، فهل لي من رخصة؟ فقال النبيُّ وَّ:
(لا أدري))، قال زيد: وقلمي رطبٌّ ما جفَّ حتى غشي النبيَّ ◌ِِّ الوحيُّ ووقع
فخذُه على فخذي، حتى كادت تُدَقُّ مِن ثقل الوحي، ثم جُلِّي عنه، فقال لي:
(اكتب يا زيد: ﴿غيّرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾))(١).
﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في منهاج دينه ﴿يَأَنْوَلِهِمْ﴾ إنفاقاً فيما يُوهن كيدَ الاعداء
﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ حملاً لها على الكفاح عند اللقاء، وكِلا الجارَّين مُتعلّقٌ بـ ((المجاهدون))،
وأُوْرِدُوا بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، وفيَّده
بما فيَّده مدحاً لهم وإشعاراً بعلَّة استحقاقهم لعلوِّ المرتبةِ، مع ما فيه من حُسن موقع
السبيل في مقابلة القعود كما قيل.
وقيل: إنَّما أُوردوا بعنوان الجهاد إشعاراً بأنَّ القعود كان عنه، ولكنْ تَرَكَ
التصريحَ به هناك رعايةً لهم في الجملة.
وقدِّم ((القاعدون)) على ((المجاهدين)) ولم يُؤخَّر عنهم ليتَّصل التصريحُ بتفضيلهم
بهم.
وقيل: للإيذان مِن أَوَّل الأمر بأنَّ القصورَ الذي يُنبئ عنه عدمُ الاستواء من جهة
القاعدين، لا من جهة مقابِليهم، فإنَّ مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتَين
زيادةً ونقصاناً، وإنْ جازَ اعتبارُه بحسب زيادة الزائد، لكنَّ المتبادِرَ اعتباره بحسب
قصورِ القاصر، وعليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلُمَتُ
وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَنُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩] فلعلَّ تقديم الفاضلِ فيه؛ لأنَّ صلتَه ملكةٌ لصلة المفضول.
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٢١٦٦٤)، والبخاري (٢٨٣٢)، ومسلم (١٨٩٨)، وأبو داود (٢٥٠٧).
ولفظ المصنف أخرجه ابن فهر في كتاب فضائل مالك كما في الدر المنثور ٢٠٣/٢،
وابن عساكر ٣١١/٣٦.

سُورَةُ السَّة
٢٣٢
الآية : ٩٥
وأنت تَعلمُ أنَّه لا تزاحُمَ في النكات، وأنَّه قد يكونُ في شيءٍ واحدٍ جهةُ تقديم
وجهةُ تأخيرٍ، فتُعتبر هذه تارةً وتلك أخرى.
وإنَّما قَدَّم سبحانه وتعالى هنا ذكر الأموال على الأنفس، وعَكّس في قوله عزَّ
شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْغَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم﴾ [التوبة: ١١١]؛ لأنَّ النفس
أشرفُ من المال، فقدَّم المشتري النفسَ تنبيهاً على أنَّ الرغبة فيها أشدُّ، وأخّر
البائعُ(١) تنبيهاً على أنَّ المماسكة فيها أشدُّ، فلا يَرضَى ببذلها إلا في فائدة.
وعلى ذلك النمط جاء أيضاً قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَّهِدِينَ﴾ في سبيله
﴿بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ﴾ من المؤمنين غيرٍ أُولي الضرر ﴿دَرَجَةٌ﴾ لا يقادَرُ قدرُها
ولا يُبلَغِ كُنْهُها، وهذا تصريحٌ بما أَفْهَمَه نفيُ المساواة؛ فإنَّه يَستلزم التفضيل، إلا (٢)
أنَّه لم يكتفِ بما فُهم؛ اعتناءً به، وليتمكَّن أشدَّ تمكُّنٍ.
ولكون الجملة مُبيِّنَةً ومُوضّحةً لِمَا تقدَّم لم تُعطف عليه، وجُوِّز أنْ تكون جوابَ
سؤالٍ يَنساقُ إليه المقال، كأنَّه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: ((فضَّل الله)) إلخ.
واللامُ كما أشرنا إليه في الجمعَين للعهد، ولا يأباه كونُ مدخولِها وصفاً
- كما قيل ۔ إذ كثيراً ما تَرِدُ ((أل)) فيه للتعريف كما صرَّح به النحاة.
((ودرجة)) منصوبٌ على المصدر لتضمُّنها التفضيل؛ لأنَّها المنزلةُ والمرتبة، وهي
تكون في الترقِّي والفضل، فوقعت موقع المصدر، كأنَّه قيل: فضَّلَهم تفضيلةً،
وذلك مثلُ قولهم: ضربتُه سوطاً، أي: ضربةً.
وقيل: على الحال، أي: ذوي درجة. وقيل: على التمييز. وقيل: على تقدير
حذفِ الجارِّ، أي: بدرجةٍ. وقيل: هو واقعٌ موقعَ الظرف، أي: في درجةٍ ومنزلةٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ﴾ مفعول أول لِمَا يَعقبه، قُدِّم عليه لإفادة القصر تأكيداً
للوعد، وتنوينُه عوضٌ عن المضاف إليه، أي: كلُّ واحدٍ من الفريقَين: المجاهدِين
والقاعدين ﴿وَعَدَ اَللَّهُ﴾ المثوبة ﴿اَلْمُسْنَىَّ﴾ وهي الجنة كما قال قتادة وغيره،
لا أحدُهما فقط.
(١) أي: وأخرها البائعُ.
(٢) في (م): إلى.

الآية : ٩٥
٢٣٣
سُورَةُ السَّةِ
وقرأ الحسن: ((وكلٌّ) بالرفع على الابتداء(١)، فالمفعولُ الأول - وهو العائدُ في
جملة الخبرِ - محذوفٌ، أي: وعده، وكأنَّ التزامَ النصبِ في المتواترة لأنَّ قبله
جملةً فعلية، وبذلك خالَفَ ما في ((الحديد))(٢).
و((الحسنى)) على القراءتين هو المفعول الثاني، والجملةُ اعتراضٌ جيء به
تدارُكاً لِمَا عسى أنْ (٣) يُوهمه تفضيلُ أحدُ الفريقَين على الآخر مِن حِرمان
المفضول.
وقوله سبحانه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَّهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ﴾ عطف على ما قبله، وأَغْنَت
(أل)) عن ذكر ما تُرك ــ على سبيل التدريج - من القيود، وإنَّما لم يُعتبر التدريج في
ترك ما ذكر مع القاعدين أولاً بأنْ يَترك (من المؤمنين)) فقط ويَذكر ((غير أولي
الضرر)) في الآية الأُولَى، ويَتركهما معاً في الآية الثانية، بل تَرَكَهما دفعةً واحدةً عند
أول قصد التدريج، قيل: لأنَّ قيد ((غير أولي الضرر)) كان بعدَ السؤال كما يُشير إليه
سببُ النزول. وفي بعض أخباره أنَّ ابنَ أمّ مكتوم لمّا نزلت الآية جعل يقول: أي
ربِّ أين عُذري، أي ربِّ أينَ عُذري(٤)؟ فنزل ذلك فانسدَّت باب الحاجة إليه، وقنع
السائلُ بذكره مرةً، فأُسقطَ مع ما معه الساقطُ لذلك القصدِ دفعةً، ولا كذلك ما ذكر
مع المجاهدين، فإنَّ الإتيان به كان عن محضٍ الفضل والامتنان من غير سابقةٍ
سؤالٍ، فلمَّا فُتحت باب الإسقاط اعتُبر فيه التدريجُ فَرْقاً بين المقامَين.
وقوله تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾ مصدرٌ مؤكِّد لـ ((فضَّل))، وهو وإنْ كان بمعنى:
أعطى الفضل، وهو أعمُّ من الأجر، لأنَّه ما يكون في مقابلة أمرٍ، لكنْ أُريدَ به هنا
الأخصُّ لأنَّه في مقابلة الجهاد. ويجوز أنْ يَبقَى على معناه و((أجراً)) مفعول به،
ولتضمُّنه معنى الإعطاءِ نَصَبَ المفعولَ، أي: أعطاهم زيادةً على القاعدين أجراً
عظيماً .
(١) حاشية الشهاب ١٦٩/٣، وهي في الإملاء ٢/ ٣١٠، والبحر ٣٣٣/٣ دون نسبة.
(٢) وهي الآية العاشرة منها، وقد قرأ فيها ابن عامر بالرفع والباقون بالنصب كما سيرد عند
تفسيرها .
(٣) قوله: أن، ليس في (م).
(٤) الدر المنثور ٢٠٤/٢ عن ابن المنذر وابن سعد، وهو في طبقات ابن سعد ٢١٠/٤ من رواية
عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفيه: أي رب أنزل عذري، أي ربِّ أنزل عذري.

سُورَةُ النساءِ
٢٣٤
الآية : ٩٦
وقيل: هو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: فضَّلهم بأجرٍ .
وجَعْلُه صفةً لقوله تعالى: ﴿رَرَجَةٍ﴾ قُدِّم عليها فانتصب على الحال، ولكونه
مصدراً في الأصل يَستوي فيه الواحدُ وغيرُه جاز نعتُ الجمع به = بعيدٌ.
وجُوِّز في ((درجات)) أنْ يكون بدلاً من ((أجراً)) بدلَ الكلِّ، مبيِّناً لكمِّية
التفضيل، وأنْ يكون حالاً، أي: ذوي درجاتٍ، وأنْ يكون واقعاً موقعَ الظرف،
أي: في درجاتٍ.
وقوله سبحانه: ﴿مِنْهُ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((درجات)) دالَّةً على
فخامتها وعلوِّ شأنها .
أخرج عبدُ بن حُميد عن ابن مُحيريز(١) أنه قال: هي سبعون درجةً، ما بين
الدرجتَين عَدْوُ الفرسِ الجوادِ المُضَمَّرِ سبعين سنة.
وأخرج مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ عن أبي سعيد أنَّ رسول الله ◌ِوَ ◌ّه قال: ((مَن
رَضي بالله تعالى ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ عليه الصلاة والسلام رسولاً وجبت له
الجنة))، فعَجِبَ لها أبو سعيد فقال: أَعِدْها عليَّ يا رسول الله! فأعادها عليه، ثم
قال ◌َّهِ: ((وأُخرَى يرفع الله تعالى بها العبدَ مئةً درجة في الجنة ما بين كلِّ درجتَين
كما بين السماء والأرض)) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله
(٢)
تعالى))(٢).
وعن السُّدِّي: أنَّها سبعُ مئة.
وجُوِّز أنْ يكونَ انتصابُ ((درجات)) على المصدرية كما في قولك: ضربتُه
أسواطاً، أي: ضرباتٍ، كأنه قيل: فضَّلهم تفضيلات، وجمعُ القِلَّة هنا قائمٌ مقامَ
جمعٍ الكثرة، وقيل: إنَّه على بابه.
(١) في الأصل و(م): محيرز، والمثبت هو الصواب، وهو عبد الله بن محيريز، روى عن
عبادة بن الصامت، وتوفي سنة (٩٩هـ)، وهو من رجال التهذيب. والخبر عزاه لعبد بن
حميد السيوطي في الدر ٢/ ٢٠٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٣٧٨.
(٢) صحيح مسلم (١٨٨٤)، واللفظ له، وسنن أبي داود (١٥٢٩) مختصراً، وسنن النسائي
١٩/٦- ٢٠.

الآية : ٩٦
٢٣٥
سُورَةُ الشَّةِ
والمرادُ بالدرجات ما ذُكر في آية ((براءة)) ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ
اُلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَنْ زَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْعَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ
خَلَمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَُّونَ مَوِْئًا يَغِبُ الْكُفَّارَ وَلَا
يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيمٌ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ -١٢١] ونُسِبَ إلى عبد الله بن زيد.
وقوله عزَّ شأنه: ﴿وَمَغْفِرَةَ﴾ عطف على ((درجات)) الواقع بدلاً مِن ((أجراً)) بدلَ
الكلِّ، إلا أنَّ هذا بدلُ البعض منه؛ لأنَّ بعضَ الأجر ليس مِن باب المغفرةِ، أي:
ومغفرةً عظيمةً لِمَا يَفرُط منهم من الذنوب التي لا يُكفِّرُها سائرُ الحسنات التي يأتي
بها القاعدون، فحينئذٍ تُعدُّ مِن خصائصهم.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ﴾ عطف عليه أيضاً، وهو بدلُ الكلِّ من ((أجراً)).
وُجُوِّز أنْ يكون انتصابُهما بفعلٍ مقدَّر، أي: غَفَرَ لهم مغفرةً ورَحِمَهم رحمةً.
هذا ولعلَّ تكريرَ التفضيل بطريق العطف المُنبِئ عن المغايرة، وتَقييدَه تارةً
بدرجة وأُخرَى بدرجات مع اتِّحاد المُفضَّل والمُفضَّل عليه حَسْبَما يَستدعيه الظاهرُ،
إمَّا لتنزيل الاختلاف العُنوانيِّ بين التفضيلَين وبين الدرجة والدرجات منزلةً
الاختلاف الذاتيّ، تمهيداً لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير؛ روماً لمزيد التحقيقٍ
والتقرير المؤذِنِ بأنَّ فضل المجاهدين بمحلٌّ لَا تستطيع طيرُ الأفكار الخضرُ أنْ
تصل إليه، ولمَّا كان هذا ممَّا يكاد (١) يُتوَهَّمُ منه حِرمان القاعدينَ اعتنَى سبحانه
بدفع ذلك بقوله عزَّ قائلاً: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾. ثم أَراد جلَّ شأنه تفسيرَ ما أفاده
التنكيرُ بطريق الإبهام بحيث يقطعُ احتمال كونه للوحدة، فقال ما قال وسدّ باب
الاحتمال، ولا يَخفَى ما في الإبهام والتفسير من اللطف.
وأمَّا ما قيل مِن إفراد الدرجة أولاً لأنَّ المرادَ هناك تفضيلُ كلِّ مجاهدٍ،
والجمعِ ثانياً لأنَّ المرادَ فيه تفضيلُ الجمع ففي الدرجات مُقابلةُ الجمع بالجمع،
فلكلِّ مَجاهدٍ درجةٌ، ومآلُ العبارتَين واحدٌ والاختلاف تفتُّنٌ = فمِن الكلام الملفوظ
لا مِن اللوح المحفوظ.
(١) في (م): يكاد أن.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٢٣٦
الآية : ٩٦
وإمَّا للاختلاف بالذات بين التفضيلَين وبين الدرجة والدرجات - وفي هذا رَغَّب
الراغبُ، واستَظْيَبَه الطَّيبيُّ - على أنَّ المراد بالتفضيل الأول ما خَوَّلهم الله تعالى
عاجلاً في الدنيا مِن الغنيمة والظّفَرِ والذكرِ الجميل الحقيقِ(١) بكونه درجةً واحدةً،
وبالتفضيل الثاني ما ادَّخره سبحانه لهم من الدرجات العالية والمنازل الرفيعة
المتعالية عن الحصر، كما يُنبئُ عنه تقديمُ الأول وتأخيرُ الثاني وتوسيطُ الوعد
بالجنة بينهما، كأنَّه قيل: فضَّلهم عليهم في الدنيا درجةً واحدة، وفي الأُخرَى
درجاتٍ لا تُحصى، وقد وسَّط بينهما في الذكر ما هو متوسِّط بينهما في الوجود،
أعني: الوعد بالجنة، توضيحاً لحالهما، ومسارعةٌ إلى تسلية المفضول، كذا قرَّره
الفاضل مولانا شيخ الإسلام (٢).
وقيل: المرادُ من التفضيل الأول رضوانُ الله تعالى ونعيمُه الرُّوحاني، ومن
التفضيل الثاني نعيم الجنة المحسوس، وفيه أنَّ عطف المغفرة والرحمة يُبعد هذا
التخصيص .
وقيل: المرادُ من المجاهدين الأَوَّلِين مَن جاهد الكفار، ومِن المجاهدين
الآخِرِين مَن جاهد نفسه، وزيدً لهم في الأجر لمزيد فضلهم، كما يدلُّ عليه قوله
عليه الصلاة والسلام: ((رَجعنا مِن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))(٣)، وفيه أنَّ
السياق وسببَ النزول يأبيان ذلك، والحديثُ الذي ذكره لا أصلَ له، كما قال
المحدِّثون.
وقيل: المرادُ مِن ((القاعدين)) في الأول الأَضِرَّاءُ، وفي الثاني غيرُهم كما قال
ابنُ جُرَيْجٍ، وأخرجه عنه ابنُ جَرِيرٍ (٤)، وفيه مِن تفكيك النَّظم ما لا يخفى.
بقي أنَّ الآية لا تدلُّ نصًّا على حُكم أُولى الضرر بناءً على التفسير المقبول
(١) في (م): الحقيقي، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٢/٢، والكلام منه.
(٢) في تفسيره ٢/ ٢٢٢.
(٣) قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١١٤: هذا ذكره الثعلبي بغير سند، وأخرجه
البيهقي في الزهد [برقم (٣٧٣)] من حديث جابر حظه وقال: فيه ضعف، قلت: هو من
رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم، والثلاثة ضعفاء، وأورده
النسائي في الكنى من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام ١٠هـ.
(٤) تفسير الطبري ٧/ ٣٧٥-٣٧٦.

الآية : ٩٦
٢٣٧
سُورَةُ السَكَاةِ
عندنا، نعم في بعض الأحاديث ما يُؤذن بمساواتهم للمجاهدين، فقد صحَّ مِن
حديث أنس ◌َّهُ أنَّ رسولَ الله وَ ﴿ لَمَّا رجع مِن غزوة تبوك فدَنَا مِن المدينة قال:
(إنَّ في المدينة لأقواماً ما سِرتُم مِن سَيرٍ، ولا قَطعتُم مِن وادٍ إلا كانوا معكم فيه»
قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: ((نعم، وهم بالمدينة حَبَسَهُم العذرُ))(١)،
وعليه دلالةٌ مفهوم الصفةِ والاستثناء في ((غير أولي الضرر)).
وعن الزجَّاج(٢) أنَّه قال: إلا أُولو الضرر فإنَّهم يُساوون المجاهدين.
وعن بعضهم أنَّ هذه المساواة مشروطةٌ بشريطةٍ أُخرى غيرِ الضرر قد ذُكرت في
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١].
والذي يَشهد له النقل والعقل، أنَّ الأضِرَّاء أفضلُ من غيرهم درجةً كما أنَّهم
دون المجاهدين في الدرجة الدنيوية، وأمَّا أنَّهم مساوون لهم في الدرجة الأخروية
فلا قَطْعَ به، والآيةُ على ما قاله ابن جُريج، تدلُّ على أنَّهم دونهم في ذلك أيضاً،
وقد أخرج ابن المنذر مِن طريق ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ ابنَ أُمّ مكتوم
كان بعد نزول الآية يغزو، ويقول: ادفعوا إليَّ اللواء وأقيموني بين الصفَّين فإنّي لن
أ := (٣)
وأخرج ابنُ منصور عن أنس بن مالك أنَّه قال: لقد رأيتُ ابنَ أمُّ مكتوم بعد
ذلك في بعض مشاهد المسلمين ومعه اللواء(٤).
ويُعلم من نفي المساواة في صدر الآيةِ المُستلزِمِ للتفضيل المصرَّحِ به بعدُ بينَ
المجاهد بالمال والنفس والقاعدِ نفيُها بين المجاهدِ بأحدهما والقاعد.
واحتمالُ أنْ يُرادَ من الآية نفيُّ المساواة بينَ القاعد عن الجهاد بالمال
(١) أخرجه أحمد (١٢٠٠٩)، والبخاري (٢٨٣٩) من حديث أنس . وأخرجه أحمد
(١٤٢٠٨)، ومسلم (١٩١١) من حديث جابر حياته.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٩٣.
(٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٠٤/٢، وأخرجه أيضاً ابن سعد ٢١٠/٢.
(٤) سنن سعيد بن منصور (٦٨٣)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.

سُؤَةُ السَكَّاء
٢٣٨
الآية : ٩٧
والمجاهد به، وبينَ القاعد عن الجهاد بالنفس والمجاهد بها، بأنْ يكونَ المرادُ
بالمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم: المجاهدين فيه بأموالهم والمجاهدين
فيه بأنفسهم، وبالقاعدين أيضاً قِسمَي القاعد، ويكونُ المراد نفيَ المساواة بين كلِّ
قسمٍ من القاعد ومُقابِلِه = بعيدٌ جداً .
واحتجَّ بها - كما قال ابنُ الفرس - مَن فضَّل الغِنَى على الفقر؛ بناءً على أنَّه
سبحانه فضَّل المجاهد بماله على المجاهد بغير ماله، ولا شكَّ أنَّ الدرجةَ الزائدة
مِن الفضل للمجاهد بماله إنَّما هي من جهة المال.
واستدلُّوا بها أيضاً على تفضيل المجاهدِ بمال نفسِه على المجاهد بمالٍ يُعطاه
من الدیوان ونحوه.
﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٨٦) تذييلٌ مُقرِّرٌ لِمَا وعَدَ سبحانه مِن قبلُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَنَّهُمُ الْمَكَبِكَةُ﴾ بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة إِثْرَ بيان القاعدين عن
الجهاد، أو بيانٌ لحال القاعدين عن نصرة رسول الله مَّد والجهاد معه من
المنافقين، عَقيبَ بيان حال القاعدين من المؤمنين.
و ((توفاهم)) يحتملُ أن يكونَ ماضياً، وتُركت علامةُ التأنيث للفصل؛ ولأنَّ
الفاعل غيرُ مؤنثٍ حقيقيٍّ، ويحتملُ أنْ يكونَ مضارعاً، وأصلُه: تَتَوفاهم، فحُذفَت
إحدى التاءّين تخفيفاً، وهو لحكاية الحال الماضية.
ويُؤيِّد الأولَ قراءةُ مَن قرأ: ((توقَّتْهم))(١). والثاني قراءةُ إبراهيم: ((تُوقَّاهم»
بضمِّ التاء (٢)، على أنَّه مضارعُ وُفِّيتْ، بمعنى: أنَّ الله تعالى يُوفيّ الملائكةَ
أنفسَهم فيَتَوَقَّونها، أي: يُمكِّنُهم مِن استيفائها فيستوفُونها، وإلى ذلك أشار ابن
جنِّي(٣).
والمرادُ مِن التوفِّي قبضُ الروح، وهو الظاهرُ الذي ذهب إليه ابن عباس
وعن الحسن: أنَّ المراد به الحشرُ إلى النار.
(١) الكشاف ٥٥٦/١، والبحر ٣٣٤/٣.
(٢) المحتسب ١٩٤/١، والبحر ٣٣٤/٣.
(٣) في المحتسب ١٩٤/١، وينظر البحر ٣٣٤/٣.

الآية : ٩٧
٢٣٩
سُورَةُ النِّسَاءِ
والمرادُ من الملائكة ملكُ الموت وأعوانُه، وهم - كما في ((البحر)) - ستة:
ثلاثةٌ لأرواح المؤمنين، وثلاثةٌ لأرواح الكافرين(١).
وعن الجمهور: أنَّ المراد بهم ملكُ الموت فقط، وهو من إطلاق الجمع مراداً
به الواحدُ تفخيماً له وتعظيماً لشأنه، ولا يَخفَى أنَّ إطلاق الجمع على الواحد
لا يخلو عن بُعْدٍ .
والتحقيقُ أنَّه لا مانعَ من نسبة التوفِّي إلى الله تعالى، وإلى ملك الموت، وإلى
أَعوانِهِ، والوجهُ في ذلك أنَّ الله تعالى هو الآمرُ، بل هو الفاعل الحقيقيُّ،
والأعوانُ هم المُزاوِلُون لإخراج الروح من نحو العروق والشرايين والعصب،
والقاطعون لتعلُّقها بذلك، والملك هو القابضُ المباشر لأخذها بعد تهيئتها، وفي
القرآن ﴿اللّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] و﴿يَنَوَقَّكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُِّلَ بِكُمْ﴾
[السجدة: ١١] و﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾ [الأنعام: ٦١] ومثله: ﴿تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ .
﴿ظَالِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ بتركِ الهجرة، واختيارٍ مجاورة الكفار الموجبةِ للإخلال بأمور
الدين، أو بنفاقهم وتقاعُدِهم عن نُصْرة رسول الله وٍَّ، وإعانتهم الكفرةَ.
فقد أخرج الطبرانيُّ عن ابن عباسٍ: أنَّه كان قومٌ بمكةً قد أسلموا، فلمَّا هاجر
رسولُ اللهِوَ﴿ كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٢).
وأخرج ابنُ جرير عن الضحاك: أن هؤلاء أُناسٌ من المنافقين تخلَّفوا عن
رسول الله ◌َّه بمكةَ فلم يَخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى
بدر فأُصيبوا فيمَن أُصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية(٣).
ورَوَى عن عكرمةً: أنَّ الآيةَ نزلت في قَيس بنِ الفاكِهِ بن المغيرة، والحارث بن
زمْعَة بنِ الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنَبِّه بن الحجَّاج،
وعليٍّ بن أمية بن خلف، كانوا قد أَسلموا واجتمعوا ببدرٍ مع المشركين من قريش
(١) البحر ٣٣٤/٣.
(٢) المعجم الكبير (١٢٢٦٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٧: فيه قيس بن الربيع وثقه
شعبة وغيره وضعفه جماعة.
(٣) تفسير الطبري ٣٨٦/٧-٣٨٧.

سُورَةُ السَّةِ
٢٤٠
الآية : ٩٧
فقتلوا هناك كفاراً (١). ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر بعض له(٢).
و ((ظالمي)) منصوبٌ على الحالية من ضمير المفعول في ((تَوَفَّاهم)»، وإضافتُه
لفظيةٌ فلا تفيدُه تعريفاً، والأصل: ظالمينَ أنفسَهم.
﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ عليهم السلام للمُتَوقَّين توبيخاً لهم بتقصيرهم في إظهار
إسلامهم وإقامة أحكامه وشعائره، أو قالوا تقريعاً لهم وتوبيخاً بما كانوا فيه من
مساعدة الكَفَرةِ وتكثيرٍ سوادهم، وانتظامهم في عسكرهم، وتَقَاعُدِهم عن نصرةِ
رسول الله وَّ: ﴿فِيمَ كُمْ﴾ أي: في أيِّ شَيءٍ كنتُم من أمور دينكم، وحُذِفَتْ ألفُ
(ما)) الاستفهاميةِ المجرورةِ وفاءً بالقاعدة، وتُكتب متّصلةً تنزيلاً لها مع ما قبلها
منزلةَ الكلمة الواحدة. ولهذا تُكتب ((إلى)) و((على)) و((حتى)) في إلَّامَ وعَلَامَ وحَتَّمَ
بالألف ما لم يُوقف على ((م)) بالهاء.
ولكنَّ(٣) السؤال - كما علمت - طابقه الجواب بقوله تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الْأَرْضَّ﴾ وإلا فالظاهرُ في الجواب: كنَّا في كذا، أو: لم نكن في شيءٍ.
والجملةُ استئنافٌ مَبنيٍّ على سؤالٍ نشأ مِن حكاية سؤالِ الملائكة، كأنَّه قيل:
فماذا قال أولئك المتوقّون في الجواب؟ فقيل: قالوا في جوابهم: كنَّا مُستضعَفين
في أرض مكةً بين ظهراني المشركين الأقرباء. والمرادُ أنَّهم اعتذروا عن تقصيرهم
في إظهار الإسلام، وإدخالهم الخللَ فيه، بالاستضعاف والعجزِ عن القيام بمواجب
الدينِ بين أهلٍ مكةَ، فلذا قَعدوا ونامُوا.
أو تعلَّلوا عن الخروجِ معهم، والانتظامِ في ذلك الجَمْع المكسَّر بأنَّهم كانوا
مَقهورينَ تحت أيديهم، وأَنَّهم فعلوا ذلك كارٍهين.
وعلى التقديرَين لم تَقبل الملائكةُ ذلك منهم كما يُشير إليه قوله سبحانه:
﴿قَالَّوَا﴾ أي: الملائكة ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِهَا﴾ أي: إنَّ عُذركم عن
ذلك التقصير بحلولكم بين أهلِ تلكَ الأرضِ أبردُ من الزَّمْهَرير، إذ يُمكنكم حَلُّ
(١) تفسير الطبري ٣٨٣/٧-٣٨٤.
(٢) مجمع البيان ٢٠٦/٥.
(٣) في الأصل: ولكون.