Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ٨٦
١٨١
سُورَةُ السَّةِ
وفي ((تحفتهم)): ويدخلُ في المسنون سلامُ امرأةٍ على امرأةٍ أو نحوٍ مَخْرَمٍ أو
سيِّدٍ أو زوجٍ، وكذا على أجنبيٍّ وهي عجوزٌ لا تُشتهَى، ويَلزمها في هذه الصورةَ ردُّ
سلام الرجلّ، أمّا مشتهاةٌ ليس معها امرأةٌ أخرى فيحرمُ عليها ردُّ سلامٍ أجنبيٍّ،
ومثلُهَ ابتداؤه، ويُكره له ردُّ سلامها، ومثلُه ابتداؤه أيضاً، والفرقُ أنَّ ردَّها وابتداءَها
يُطمعُه فيها أكثر، بخلاف ابتدائِه وردِّه.
والخنثَى مع رجلٍ كامرأة، ومع امرأةٍ كرجلٍ في النظر، فكذا هنا، ولو سلّم
على جمع نسوةٍ وجبَ ردُّ إحداهنَّ؛ إذ لا يُخشى فتنةٌ حينئذٍ، ومِن ثَمَّ حلَّت الخلوةٌ
بامراتین.
والظاهرُ أنَّ الأمرَدَ هنا کالرجل ابتداءً وردًّا.
وفي ((الدرِّ المختار)): لو قال: السلامُ عليك يا زيدُ، لم يَسقط بردِّ غيره، ولو
قال: يا فلان، أو أشار لمعيَّنٍ، سقط(١).
ولو سلَّم جمعٌ مُترتِّبونَ على واحدٍ فردَّ مرةً قاصداً جميعَهم، وكذا لو أطلق على
الأوجه، أجزأه ما لم يحصل فصلٌ ضارٌّ.
ولا بدَّ في الابتداء والردِّ مِن رفع الصوت بقَدْرِ ما يَحصلُ به السماع بالفعل ولو
في ثقيل السمع، نعم إنْ مرَّ عليه سريعاً بحيث لم يبلغه صوتُه فالذي يظهر أنَّه يلزمه
الرفعُ وُسعَه - ولا يجهرُ بالردِّ الجهرَ الكثير، والمرويُّ عن الإمام ◌َه لعلَّه مقيّدٌ
بغير هذه الصورةِ - دونَ العدْوِ خَلفَه. واستُظْهِرَ أنَّه لا بدَّ من سماعِ جميع الصيغةِ
ابتداءً وردًّا، والفرقُ بينه وبين إجابة أذانٍ سُمع بعضُه ظاهرٌ.
ولو سلَّم يهوديٌّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ فلا بأس بالردِّ، ولكنْ لا يزيدُ في
الجواب على قوله: ((وعليك)) كما في ((الخانيَّة))(٢)، وروي ذلك مرفوعاً في
الصحيح (٣).
(١) الدر المختار ٣٩٩/٢.
(٢) الدر المختار ٣٩٨/٢.
(٣) صحيح البخاري (٦٢٥٧)، وصحيح مسلم (٢١٦٤): (٩) من حديث ابن عمر با، وهو
عند أحمد (٤٥٦٣)، ولفظه في هذه الرواية: وعليك، بالواو، وجاء أيضاً بإسقاط الواو
كما سيرد.

سُورَةُ الشّاةِ
١٨٢
الآية : ٨٦
ولا يسلَّم ابتداءً على كافرٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تبدؤوا اليهود
والنصارى بالسلام، فإذا لقيتُم أحدهم في طريقٍ فاضْطَرُّوه إلى أَضْيقِه)) رواه
البخاري(١)، وأَوجب بعضُ الشافعية ردًّ سلام الذُّميِّ بـ ((عليك)) فقط، وهو الذي
يقتضيه كلام ((الروضة))، لكنْ قال البلقينيُّ والأَذْرَعيّ والزَّرْكَشيّ: إنَّه يُسنُّ
ولا يجب.
وعن الحسن: يجوزُ أنْ يُقالَ للكافر: وعليك السلام، ولا يقل: رحمة الله
تعالى، فإنَّها استغفارٌ. وعن الشَّعبي أنَّه قال لنصرانيّ سلَّم عليه ذلك، فقيل له فيه،
فقال: أليس في رحمة الله يعيش.
وأخرجَ ابنُ المنذر(٢) من طريقٍ يونس بنِ عبيد عن الحسن أنه قال في الآية:
إنَّ (حَيُّوا بأحسنَ منها)) للمسلمين، (أو ردُّوها)) لأهل الكتاب. ووَرَدَ مثلُه عن
قتادة.
ورَخَّصَ بعضُ العلماء ابتداءَهم به إذا دعَتْ إليه داعيةٌ، ويُؤْدَّى حينئذٍ بالسلام،
** ◌ّ أنَّه كان يقول للذِّمي - والظاهر عند الحاجة -: السلامُ عليك.
فعن ابن عباس
ويريد كما قال: اللهُ تعالى عليك، أي: هو عدوُّك، ولا مانعَ عندي إنْ لم يقصد
ذلك مِن أنْ يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاءِ حيًّا ليُسْلِمَ أو يُعطيَ الجزيةَ
ذليلاً، وفي ((الأشباه))(٣) النصُّ على ذلك في الدعاء له بطول البقاء.
بقي الخلاف في الإتيان بالواو عند الردِّ له، وعامَّةُ المحدِّثين - كما قال
الخطّابي(٤) - بإثباتها في الخبر غيرَ سفيان بن عيينة، فإنَّه يَرويه بغير واوٍ (٥)،
(١) في الأدب المفرد (١١٠٣) و(١١١١)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٥٦٧)، ومسلم (٢١٦٧)،
وهو من حديث أبي هريرة څ.
(٢) كما في الدر المنثور ١٨٨/٢.
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، ونقله المصنف عنه بواسطة الحصكفي في الدر المختار
٣٩٨/٢ - ٣٩٩.
(٤) في معالم السنن ٤/ ١٥٤.
(٥) رواية سفيان بإسقاط الواو أخرجها أحمد (٤٦٩٨)، والبخاري (٦٩٢٨)، ومسلم
(٢١٦٤): (٨)، ولكن رواها غير سفيان أيضاً، وهو مالك في الموطأ ٢/ ٩٦٠، وجاء في
رواية البخاري: عن سفيان ومالك بن أنس.

الآية : ٨٦
١٨٣
سُورَةُ الشَّةِ
واستُصوب لأنَّ الواو تقتضي الاشتراكَ معه، والدخولَ فيما قال، وهو قد يقولُ:
السامُ عليكم، كما يدلُّ عليه خبرُ [ابن] عمرَ ◌ِ﴾(١).
ووجَّهَ العلَّامةُ الطيبيُّ إثباتَها بأنَّ مدخولها قد يُقطعُ عمَّا عُطِفَ عليه لإفادةِ
العموم بحسَبٍ اقتضاء المقام، فيقدَّر هنا: عليكم اللعنة - أو الغضب - وعليكم
ما قلتم(٢). ولا يخفَى خفاءُ ذلك وإنْ أَيَّدَهُ بما ظنَّه شيئاً.
فالأَوْلى ما في ((الكشف)) مِن أنَّ روايةَ الجمهور هو الصواب، وهما مشتركانِ
في أنَّهما على سبيل الدعاء، ولكنْ يُستجابُ دعاءُ المسلم على الكافر ولا يستجابُ
دعاؤه عليه، فقد جاء في الصحيح عن النبيِّ وَّهِ لمَّا قالت عائشة في رَهْطِ اليهود
القائلين له عليه الصلاة والسلام السامُ عليك: بل عليكم السامُ واللعنةُ، أَنَّه ◌ِلـ
قال: ((لا تكوني فاحشةً)) قالت: أو لم تَسمع ما قالوا؟ قال: ((رددتُ عليهم،
فيستجابُ لي فيهم ولا يُستجابُ لهم فيَّ))(٣).
ويجبُ في الردِّ على الأصمِّ الجمعُ بين اللفظ والإشارة ليَعْلَم، بل العلمُ هو
المدار، ولا يلزمُه الردُ إلا إنْ جمع له المسلِّم عليه بينهما، وتكفي إشارةُ الأخرس
ابتداءً وردًّا .
ويجبُ ردُّ جوابٍ كتابٍ التحية كردِّ السلام، وعند الشافعية يَكفي جوابُه كتابةً،
ويجبُ فيها إنْ لم يردّ لفظاً الفورُ فيما يَظهر، ويحتمل خلافُه.
ولو قال لآخر: أَقرئ فلاناً السلامَ، يجبُ عليه أنْ يُبلِّغه، وعلَّلوه بأنَّ ذلك
أمانةٌ ويجبُ أداؤها، ويُؤخذ منه أنَّ محلّه ما إذا رَضي بتحمُّل تلك الأمانة، أمَّا لو
ردَّها فلا، وكذا إنْ سكت أخذاً من قولهم: لا يُنسب لساكتٍ قولٌ. ويحتملُ
التفصيل بين أنْ تظهرَ منه قرينةٌ تدلُّ على الرضا وعدمه.
وإذا قلنا بالوجوب، فالظاهرُ عند بعضٍ أنَّه لا يلزمُه قصدُ الموصى له، بل إذا
(١) قطعة من الحديث الذي أخرجناه في التعليق السابق، وما بين حاصرتين من مصادر
التخريج.
(٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٣) صحيح مسلم (٢١٦٥)، وهو عند أحمد (٢٥٩٢٤).

سُورَةُ السَّةِ
١٨٤
الآية : ٨٦
اجتمع به وذَكَر بلَّغه، وقال بعضُ المحقّقين: الذي يتّجه أنَّه یلزمُه قَضْدُ محلّه حیث
لا مشقَّةً شديدةً - عُرْفاً - عليه؛ لأنَّ أداء الأمانةِ ما أَمْكَنَ واجبٌ.
وفرَّق بعضُهم بين أنْ يقولَ المرسِل: قل له: فلانٌ يقول: السلامُ عليك، وبين
ما لو قال له: سلِّم لي. والظاهرُ عدُ الفرق وفاقاً لِمَا نُقل عن النوويّ(١). فيجبُ
فيهما الردُّ، ويسنُّ الردُّ على المبلَّغ والبداءةُ فيقول: وعليك وعليه السلام، للخبر
المشهور فيه(٢).
وأَوجبوا ردَّ سلام صبيٍّ أو مجنونٍ مميِّزٍ، وكذا سكران مميِّز لم يَعْصِ بِسُكْرِهِ،
وقولُ ((المجموع)»(٣):َ لا يجب ردُّ سلام مجنونٍ وسكران. يُحمل على غيرِ المميِّز،
وزَعْمُ أنَّ الجنونَ والسكرَ يُنافيانِ التمييزَ غفلةٌ عمَّا صرَّحوا به من عدم التنافي.
ولا يجبُ ردُّ سلامٍ فاسقٍ أو مُبتدعِ زجراً له أو لغيره، وإنْ شُرع سلامُه.
وكذا لا يجبُ ردُّ سلام السائل؛ لأنه ليس للتحية بل لأجل أنْ يُعطَى. ولا ردُّ
سلام المتحلِّلِ من الصلاةَ إذا نوى الحاضرَ عندَه على الأَوْجَهِ؛ لأنَّ المهمَّ له
التحَلُّلُ، وقصدُ الحاضرِ به لتعودَ عليه بركتُه، وذلك حاصلٌ وإنْ لم يردَّ،
وإنَّما حنَثَ به الحالفُ على تركِ الكلام والسلام؛ لأنَّ المدار فيهما على صِدْقٍ
الاسم لا غير، وقد نصَّ على ذلك علماءُ الشافعية، ولم أَرَ لأصحابنا سوى
التصريح بالحنث فيمَن حلَفَ لا يكلِّمُ زيداً، فسلّم على جماعة هو فيهم، وأمَّا
التصريحُ بهذه المسألة فلم أَرَهُ.
وصَرَّح في ((الضياء))(٤) بعدم وجوبٍ الردِّ لو قال المسلّم: السلام عليكم، بجزم
(١) ينظر المجموع ٤ / ٤٦١.
(٢) أخرجه أحمد (١٣١٠٤)، وأبو داود (٥٢٣١) من طريق غالب القطان عن رجل قال:
حدثني أبي عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله﴿ فقال: انته فأقرئه السلام. فأتيته
فقلت: إن أبي يقرئك السلام. فقال: ((عليك وعلى أبيك السلام)). قال النووي في
المجموع ٤/ ٤٦٢: إسناده ضعيف لكن أحاديث الفضائل يعمل فيها بالضعيف.
(٣) ٤ /٤٦٨.
(٤) ضياء المعنوية على المقدمة الغزنوية لأبي البقاء محمد بن أحمد بن الضياء الحنفي، ونقله
المصنف عنه بواسطة الحصكفي في الدر المختار ١١٠/١.

الآية : ٨٦
١٨٥
سُورَةُ السَكَاةِ
الميم، وكأنَّه ـ على ما في ((تحفتنا)) - لمخالفة السنَّة، وعليه: لو رَفَع الميمَ بلا تنوينٍ
ولا تعريفٍ كان كجزم الميم في عدم وجوب الردِّ لمخالفته السنَّةَ أيضاً.
وجزم غيرُ واحدٍ من الشافعية أنَّ صيغةَ السلام ابتداءً وجواباً: عليك السلام
وعَكْسُه، وأنَّه يجوز تنكيرُ لفظِه وإنْ حُذفَ التنوين، وأنه يُجزئ: سلاماً عليكم،
وكذا: سلامُ الله تعالى، بل: وسلامي عليك، وعَكْسُه، واستُظْهِرَ إجزاءُ: سلَّمتُ
عليك، و: أنا مُسلِّمٌ عليك، ونحو ذلك، أخذاً ممَّا ذكروه أنَّه يُجزئ في التشهُّد:
صلى الله تعالى على محمد، و: الصلاة على محمد ێے، ونحوهما، ولا بأس
فيما قالوه عندي، ولعلَّ تنكيرَ (١) ((تحية)) في الآية لتشمل كلَّ هذه(٢) الصيغ.
وقال بعضُ الجماعة: السلامُ معرفةً تحيةُ الأحياء، ونكرةً تحيةُ الموتَى، ورَوَوا
في ذلك خبراً (٣). والشيعةُ يُنكّرون مطلقاً ويُنكّرون، وقد جاء عن ابن عباس وابن
عمرَ وأبي هريرة وأنس أنَّ ((السلام) في السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، وهذا
يقتضي أولوية التعريف أيضاً. فافهم.
والأفضل في الردِّ واوٌ قبله، ويُجزئ بدونه على الصحيح، ويضرُّ في الابتداء،
كالاقتصار في أحدهما على أحد جُزئي الجملة وإنْ نوى إضمارَ الآخر، وفي
((الكشف» ما يؤيِّده، والخبر الذي فيه الاكتفاءُ بـ ((وعليك)) في الجواب(٤) لا يُراد منه
الاكتفاءُ على هذه اللفظة، بل المرادُ منه أنَّهِ وَ﴿ أجابَ بمثل ما سلِّم به عليه ولم
يَزِدْ، كما يُشْعر به آخِرُه.
وذكر الطّحاوي(٥) أنَّ المستحبَّ الردُّ على طهارةٍ أو تيمُّمٍ، فقد أخرج الشيخان
(١) في (م): تفسير، وهو تصحيف.
(٢) قوله: هذه، ليس في الأصل.
(٣) نقل هذا القول ابن مفلح في الأحكام الشرعية ٣٩٩/١ عن ابن عقيل قال: سلام الأحياء
منكَّر، وسلام الأموات معرَّف، كذلك روي عن عائشة ﴿نا. اهـ. ولعله يشير إلى حديث
عائشة عند أحمد (٢٤٤٢٥) قالت: فقَّدْتُه من الليل فإذا هو بالبقيع فقال: ((سلام عليكم دار
قوم مؤمنين ... ))، وينظر الفروع لابن مفلح ٤١٣/٣.
(٤) أخرجه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤)، من حديث عبد الله بن عمر ﴿يا، وسلف
تخريجه ص١٨١ من هذا الجزء.
(٥) في شرح معاني الآثار ٨٦/١.

سُورَةُ المَشْكَاةِ
١٨٦
الآية : ٨٦
وغيرُهما عن أبي الجهم قال: أَقبلَ رسولُ اللهِ وَّهِ من الغائط فلقيَه رجلٌ فسلّم عليه،
فلم يردّ عليه وَّه حتى أَقبلَ على الحائط فوضَعَ يدَه عليه ثم مسحَ وجهَهُ ويديه، ثم ردًّ
على الرجل السلام(١). والظاهرُ عدم الفرق بين الردِّ والابتداء في ذلك.
ويُسنُّ السلامُ عيناً للواحد وكفايةً للجماعة - كما أشرنا إليه - ابتداءً عند إقباله
وانصرافه؛ للخبر الصحيح الحسن: ((إن أولَى الناس بالله تعالى مَن بدأهم بالسلام»(٢)،
وفارق الردُّ بأنَّ الإيحاش والإخافة في ترك الردِّ أعظمُ منهما في ترك الابتداء.
وأفتى غيرُ واحدٍ بأنَّ الابتداءَ أفضلُ، كإبراء المُعْسِرِ أفضلُ من إنظاره.
ويُؤخذ من قولهم: ابتداءً، أنَّه لو أتَى به بعد تكلُّم لم يعتدَّ به، نعم يحتمل في
تكلُّم سهواً أو جهلاً، وعُذرَ به أنَّه لا يفوتُ الابتداء فَيجبُ جوابه. ومثل ذلك بل
أَولىّ لمشروعيته الكلامُ للاستئذان، فقد صرَّحوا بأنه إذا أَتَی دارَ إنسانٍ يجبُ أنْ
يستأذنَ قبل السلام.
ويُسنُّ إظهار البِشْر عنده، فقد أخرج البيهقيُّ عن الحسن قال: قال
رسول الله وَله: ((إنَّ مِن الصدقةِ أنْ تُسلِّم على الناس وأنت منطلقُ الوجه))(٣).
وعن عمرَ: إذا التقَى المؤمنان فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على الآخر وتصافحا كان
أحبُّهما إلى الله تعالى أحسنَهما بشراً لصاحبه.
ويُسنُّ ((عليكم)) في الواحد - وإنْ جاء في بعض الآثار بالإفراد - نظراً لمن معه
من الملائكة، ويقصدُهم ليردُّوا عليه فينالَ بركة دعائهم.
ولو دخل بيتاً ولم يَر أحداً يقول: السلامُ علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين،
فإن السّكّنَةَ تردُّ عليه، وفي ((الآكام)»(٤): إنَّ في كلِّ بيتٍ سَكّنةٌ من الجنّ.
(١) صحيح البخاري (٣٣٧)، وعلقه مسلم في صحيحه (٣٦٩)، وهو عند أحمد (١٧٥٤١).
وجاء عند أحمد والبخاري: أبي جهيم، وهو الصواب كما ذكر الحافظ في الفتح ٤٤٢/١.
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٩٧)، والترمذي (٢٦٩٤) من حديث أبي أمامة. قال الترمذي: حديث
حسن .
(٣) شعب الإيمان (٨٠٥٣).
(٤) آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجانِّ للقاضي بدر الدين الشبلي الحنفي ص٢٤ .

الآية : ٨٦
١٨٧
سُورَةُ الشَحَاةِ
ويُسنُّ عند التلاقي سلامُ صغيرٍ على كبير، وماشٍ على واقفٍ أو مضطجع،
وراكبٍ عليهم، وراكبٍ فرسٍ على راكبٍ حمارٍ، وقليلينَ على كثيرين؛ لأنَّ نحو
الماشي يَخافُ من نحو الراكب، ولزيادةٍ نحوٍ مرتبةٍ الكبير على نحو الصغير. وخرجَ
بالتلاقي الجالسُ والواقفُ والمضطجعُ، فكلُّ مَن ورد على أحدهم يُسلِّم عليه مطلقاً .
ولو سلَّم كلٌّ على الآخر فإنْ تَرتَّبا، كان الثاني جواباً، أي: ما لم يَقْصِدْ به
الابتداءَ وحده كما قيل، وإلا لزم كلَّ الردُّ.
وكره أصحابنا السلامَ في مواضعَ، وفي ((النهر)) عن صدرالدين الغزِّي:
ومِن بَعدٍ ما أُبدي يُسَنُّ ويُشرَعُ
سَلامُكَ مِكرُوهٌ على مَنْ سَتَسْمَعُ
خطيبٍ ومَن يصغي إليهمٍ ويسمعُ
مُصَلٍّ وتَالٍ ذاكرٍ ومحدِّثٍ
ومَنْ بَحثوا في الفقهِ دعهُم ليُنفَعُوا
مُكرِّرٍ فقوٍ، جالسٍ لقضائِهِ
كذا الاجنَبياتُ الفتيَّاتُ أَمنعُ
مؤذِّنٍ ايضاً مع مقيمٍ مُدرِّسٍ
ومَن هو مَعْ أَهْلٍ لَهُ يَتمَثَّعُ
ولُغَابٍ شطرنجٍ وشِبْهٍ بِخُلْقِهم
ومَنْ هو في حَالِ التغوُّطِ أشنَعُ
وَدَعْ كافراً أيضاً ومكشُوفَ عوْرةٍ
وَدِعْ آكلاً إلا إذا كُنْتَ جائِعاً
كذلك أستاذٌ مغنٍّ مطيِّرٌ
وتَعلمُ منهُ أنه ليسَ يَمنعُ
فهذا خِتامٌ والزيادَةُ تنفَعُ(١)
فلو سلَّم على هؤلاء لا يستحقُّ الردَّ عند بعضهم، وأَوجبَ بعضٌ الردَّ في
بعضها، وذكر الشافعيةُ أنَّ مستمعَ الخطيب يجبُ عليه الردُّ، وعندنا يحرم الردُ
كسائر الكلام بلا فرقٍ بين قريبٍ وبعيدٍ على الأصحِّ، وكرهوه لقاضي الحاجةِ ونحوه
کالمُجامع.
(١) حاشية ابن عابدين ٦١٦/١ وفيه: قوله: أُبدي، أي: أُظْهِرُ، والمعنى: وغير الذي أذكره هنا
يُسنُّ. قوله: مكرِّر فقه، أي: ليحفظه ويفهمه. قوله: جالس لقضائه، هو القاضي فلا يسلّم
عليه الخصوم؛ لأنهم ما تقدَّموا إليه زائرين. قوله: ومَن بحثوا في الفقه، يعم كل علم
شرعيٍّ. قوله: أيضاً، بوصل الهمزة للضرورة. قوله: وشبه، بكسر الشين، أي: مشابهٍ
الخُلقهم بالضم، كلاعب القمار وشارب الخمر والمغتاب. قوله: كذلك أستاذ، أي: في
حال اشتغاله بالتعليم، والمطيِّر: هو مطيِّر الحمام. والبيت الأخير من زيادة صاحب ((النهر)).

سُورَةُ النساءِ
١٨٨
الآية : ٨٦
وستُّوه للآكل، كسَنِّ السلام عليه بعد البَلْعِ وقبل وضع اللقمة بالفم، ويَلزمه
الردُّ حينئذٍ، ولِمَن بالحمَّام ونَحْوِهما باللفظ.
ورجَّحوا أنه يُسلَّمُ على مَن بمسلخِهِ، ولا يَمنع كونُه مأوى الشياطين، فالسوقُ
كذلك، والسلام على مَن فيه مشروعٌ وإنِ اشتغل بمساومةٍ ومعاملةٍ، ومصلٍّ ومؤذِّنٍ
بالإشارة، وإلا فبعد الفراغ إنْ قَرُبَ الفصل.
وحرَّموا الردّ على مَن سلَّم عليه نحوُ مرتدٍّ وحربيٍّ.
وندَبَه بعضُهم على القارئ وإنِ اشتغل بالتدبُّر، وأُوجبَ الردُّ عليه، ومحلُّه في
متدبٍّ لم يستغرق التدُّبرُ قلبَه، وإلا لم يُسَنَّ ابتداءٌ ولا جوابٌ، كالداعي المستغرق؛
لأَنَّه الآنَ بمنزلةٍ غير المميِّز، بل يَنبغي فيمَن استغرقَه الهمُّ كذلك أنْ يكونَ حُكمه
ذلك.
وصرَّحوا أيضاً بعدم السلام على فاسقٍ، بل يُسَنُّ تَرْكُه على مجاهرٍ بفسقه،
ومُرتكِبٍ ذنبٍ عظيمٍ لم يَتُب عنه، ومبتدِعٍ إلا لعذرٍ أو خوفِ مفسدةٍ، وعلى مُلَبِّ،
وساجدٍ، وناعسٍ، ومُتخاصمین بین یدي قاضٍ.
وأَفتى بعضُهم بكراهةٍ حَنْي الظهرِ، وقال كثيرون: حرامٌ؛ للحديث الحسن:
أَنَّهِلهِ نَهى عنه، وعن التزامِ الغير، وتقبيلِهِ، وأَمَرَ بمصافحتِهِ ما لم يكُن ذميًّا(١)،
وإلا فيُكره للمُسْلِمِ مصافحتُه بل يُكفَّرُ إنْ قصدَ التبجيلَ كما يُكفَّرُ بالسلام عليه
كذلك(٢)
وأفتى البعضُ أيضاً بكراهةِ الانحناء بالرأس، وتقبيل نحوِ الرأس أو يدٍ أو رجلٍ
(١) أخرجه أحمد (١٣٠٤٤)، والترمذي (٢٧٢٨) من حديث أنس حظه، دون قوله: ما لم يكن
ذميًّا. وحسنه الترمذي، وفي إسناده حنظلة بن عبد الله السدوسي، وهو ضعيف، وقد استنكر
أحمد له هذا الحديث كما في الجرح والتعديل ٢٤١/٣، وقد ثبتت مشروعية المصافحة عن
أنس في غير هذا الحديث، فقد أخرج البخاري (٦٢٦٣) من طريق قتادة قال: قلت لأنس:
أكانت المصافحة في أصحاب النبي وَ ليه؟ قال: نعم.
(٢) يعني: تبجيلاً، ففي الدر المختار ٣٩٨/٢: ولو سلم على الذمي تبجيلاً يكفر؛ لأن تبجيل
الكافر كفر.

الآية : ٨٦
١٨٩
سُورَةُ الْنِسَكَاةِ
لاسيَّما لنحو غنيٍّ لحديث: ((مَن تَواضَعَ لغنيٌّ ذهب ثلثا دينه))(١) ونُدب ذلك لنحو
ـا.
صلاحٍ أو علمٍ أو شرفٍ؛ لأنَّ أبا عبيدة قبَّلَ يدَ عمر .
ولا يعدُّ نحو: صبَّحك الله تعالى بالخير، أو قوَّاك الله تعالى، تحيةً ولا يستحقُّ
مبتدئٌّ به جواباً، والدعاءُ له بنظيره حسنٌ إلا أنْ يقصدَ بإهماله له تأديبَه لتركه سنَّةً
السلام، ونحوُ مرحباً مثلُ ذلك في ذلك.
وذكر أنَّه لو قال المسلِّم: السلامُ عليك ورحمةُ الله تعالى وبركاتُه، فقال
الرادُّ: ((وعليك(٢) السلام)) فقط أجزاً، لكنَّه خلافُ الأَولى، وظاهرُ الآية خلافُه،
إذ الأمرُ فيها دائرٌ بين الجواب بالأحسن والجوابٍ بالمثل، وليس ما ذُكر شيئاً
منهما .
وحَمْلُ التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحفِّقين وأئمةِ
الدين، وقيل: المرادُ بها الهدية والعطية، وأوجب القائلُ العِوَضَ أو الردّ على
المتَّهِب، وهو قولٌ قديمٌ للشافعي، ونسب أيضاً لإمامنا الأعظم ◌َبه، وعلَّل ذلك
بعضُهم بأنَّ السلام قد وقع فلا يُردُّ بعينه، فلذا حُمل على الهديةَ، وقد جاء إطلاقُها
عليها، وأُجيبَ بأنَّه مجازٌ كقول المتنبي:
قِفِي تَغْرمِ الأُولَى مِنَ اللَّحْظِ مُقْلَتي
بثانيةٍ والمُتلِفُ الشَّيءَ غارِمُهْ(٣)
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عيينة أنَّه قال في الآية: أَتَرَون هذا في السلام
وحده؟ هذا في كلِّ شيءٍ، مَن أحسنَ إليك فأَحسِنْ إليه وكافِهِ، فإنْ لم تجد فادعُ له
وأثنِ عليه عند إخوانه(٤). ولعلَّ مرادَه رحمه الله تعالى قياسُ غيرِ السلام من أنواع
(١) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (١٠٠٤٤) من حديث أنس وقال: وليس بالقوي،
و(١٠٠٤٥) من حديث ابن مسعود، وضعفه. وفيهما: تضعضع، بدل: تواضع. وأخرجه
ابن الجوزي في الموضوعات (١٤٩٦) من حديث أبي ذر ◌ُه. قال ابن الصلاح في فتاويه
ص١٨: هذه الأحاديث وإن لم تثبت من حيث الرواية فما تقتضيه من ذمّ إكرام الغني لغناه
وإهانة الفقير لفقره ثابت صحيح، لكنها لا تتناول من أكرم الغني مطلقاً، بل من أكرم الغني
لأجل غناه.
(٢) في (م): عليك.
(٣) ديوان المتنبي ٤٧/٤ برواية: مهجتي، بدل: مقلتي.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٢١/٣ .

سُورَةُ السَحَّةِ
١٩٠
التفسير الإشاري (٧٦-٨٦)
الإحسان عليه؛ لا أنَّ(١) المراد من التحية ما يعمُّ السلامَ وغيرَه لخفاء ذلك، ولعلَّ
مَن أراد الأعمَّ فسَّرها بما يُسدَى إلى الشخص ممَّا تَطيب به حياته.
﴾ فيحاسبكم على كلِّ شيءٍ مِن أعمالكم؛
٨
﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِبًا
ويَدخلُ في ذلك ما أُمروا به من التحية دخولاً أوليًّا.
هذا، ومن باب الإشارة في هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ﴾ أنفسَهم ﴿فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيُهلكونها بسيوف المجاهَدةِ ليَصِلوا إليه تعالى شأنه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
يُقَائِلُونَ﴾ عقولَهم وينازعونها ﴿فِي سَبِيلٍ﴾ طاغوت أنفسهم ليحصِّلوا اللذَّاتِ، وَيَغْتَمُوا
في هذه الدار الفانية أمتعةَ الشهواتِ ﴿فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَّنِ﴾ وهي القوى النفسانيةُ،
أو النفسُ وقُواها ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ فوليُّه ضعيفٌ عاذَ بِقَرْمَلَةٍ(٢).
﴿أَلَمْ تَّ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ﴾ أي: قال لهم المرشدون(٣): ﴿كُواْ أَيْدِيَّكُمْ﴾ عن
محاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ﴾ والمراد بها إتعابُ
البدن بأداء العبادةِ البدنية ﴿وَمَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ والمرادُ بها إتعابُ القلب بأداء العبادة
المالية، فإذا تَمَّ لكم ذلك فتوجَّهُوا إلى محاربة النفس، فإنَّ محاربتها قبل ذلك بغير
سلاح، فإنَّ هذه العباداتِ الرسميةَ سلاحُ السالكين، فلا يَتمُّ لأحدٍ تهذيبُ الباطن
قبل إصلاح الظاهر.
﴿فَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ حين أداءِ ما أُمروا بأدائه ﴿إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ﴾ لضعف
استعدادهم ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ فلا يستطيعون هَجْرَهم،
ولا ارتكابَ ما فيه ذلُّ نفوسهم خشيةً اعتراضِهم عليهم، أو إعراضِهم عنهم.
﴿وَقَالُوا﴾ بلسان الحال: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ﴾ الآن ﴿لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلٍ
فَرِّبٍ﴾ وهو الموت الاضطراري، فالمنيَّة ولا الدنيَّة، وهذا حالُ كثيرٍ من الناسكين
(١) في (م): لأن.
(٢) وفي المثل: ذليل عاذ بقرملة، والقَرْمَلَة: شجيرة ضعيفة لا ورق لها، قال جرير:
كان الفرزدقُ حين عاذ بخاله مثل الذليل يعوذ وسط القَرْمَلِ
(٣) في (م): المرصدون.

التفسير الإشاري (٧٦-٨٦)
١٩١
سُورَةُ الشَكَاة.
يرغبون عن السلوك وتحمُّلِ مشاقٌّه ممَّا فيه إذلالُ نفوسهم وامتهانُها خوفاً من الملامة
واعتراض الناس عليهم، فيبقَون في حجاب أعمالهم ويَحسبون أنَّهم يُحسنون
صنعاً، ولبئس ما كانوا يصنعون.
﴿قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فلا ينبغي أنْ يُلاحظوا النَّاس في تَركه وعدم الالتفات إليه
﴿وَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ فينبغي أنْ يتحمَّلوا الملامةَ في تحصيلها ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ
فَئِيلًا﴾ ممَّا كتب لكم، فينبغي عدمُ خشيةٍ سوى الله تعالى.
﴿اَنْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُمُ الْمَوْتُ﴾ وتفارقون ۔ ولا بدَّ ـمَن تَخشون فراقه إن سلكتُم،
ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري، قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو الموت
الاضطراري ﴿وَلَوْ كُمْ فِىِ بُرُج ◌ُشَيِّدَةٍ﴾ أي: أجساد قوية:
فمَنْ يكُ ذا عَظمٍ صليبٍ رجا بهِ لِيَكسرَ عُودَ الدَّهرِ فالدهرُ كاسِرُهُ(١)
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ أي: المحجوبين ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: شيءٌ يلائم طباعهم ﴿يَقُولُوا
هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ فيضيفونها إلى الله تعالى من فرح النفس ولذَّةِ الشهوة، لا بِنَعْتِ(٢)
المعرفة والمحبة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: شيءٌ تنفرُ عنه طباعُهم، وإنْ كان على
خلاف ذلك في نفس الأمرِ ﴿يَقُولُوا﴾ لضيق أنفسهم ﴿هَذِهِ، مِنْ عِندِلٌَ﴾ فيضيفونها إلى
غيره تعالى، ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقيٍّ في قلوبهم.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ وهذا دعاءٌ لهم إلى توحيد الأفعال ونفي التأثير عن
الأغيار، والإقرارِ بكونه سبحانه خالقَ الخير والشرِّ.
﴿فَلِ هَؤُلَاءِ اٌلْقَوْمِ﴾ المحجوبين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِينًا﴾ لاحتجابهم بصفاتِ
النفوس، وارتياح آذانٍ قلوبهم التي هي أوعيةُ السماعِ والوعي.
ثمَّ زاد سبحانه في البيان بقوله عزَّ وجل: ﴿قَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسْتَمْ﴾ صغُرت
أو عظُمتِ ﴿فِنَ اللهِ﴾ تعالى أَفاضَها حسبَ الاستعدادِ الأصليِّ، ﴿وَمَّا أَصَابَكَ مِن
سَيِّئَةٍ﴾ حَقُرت أو جلَّت ﴿فَينِ نَّفْسِكٌ﴾ أي: مِن قِبَلِها بسبَبِ الاستعداد الحادث
بسبب ظهورٍ النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب، المكدِّرة لجوهره، حتى
(١) البيت لنصيب بن رباح، وهو في ديوانه ص٩٢.
(٢) في (م): لا تبعت، وهو تصحيف.
،

سُورَة المشكلة
١٩٢
التفسير الإشاري (٧٦-٨٦)
احتاجَ إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب، لا مِن قِبَلِ الرسول وَلفي أو
غيره.
﴿وَأَزْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ فأنتِ الرحمةُ لهم، فلا يكون مِن عندك شرٌّ عليهم
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ لأَنَّهِ وَّهِ مرآةُ الحقِّ يَتجلَّى منه للخلقِ. وقال
بعضُ العارفين: إنَّ باطن الآية إشارةٌ إلى عين الجمع.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرَّْانَ﴾ ليرشدَهم إلى أنَّك رسولُ الله تعالى، وأنَّ إطاعتَكَ إطاعتُه
سبحانه، حيث إنَّه مُشتمِلٌ على الفرق والجمع.
وقيل: ألا يتدبَّرونه فيتَّعظونَ بكريم مواعظِهِ ويتَّبعون محاسِنَ أوامره، أو:
أفلا يتدبَّرونه ليعلموا أنَّ الله جلَّ شأنه تَجلَّ لهم فيه.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ أي: لوجدوا الكثيرَ منه
مُختلفاً بلاغةً وعدمَها، فيكونُ مثلَ كلامِ المخلوقين، فيكونُ لهم مساٌ إلى تكذيبه
وعدمٍ قبولِ شهادته، أو القولِ بأنَّه لا يَصَلَحُ أنْ يكونَ مجلى لله تعالى.
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِمْ﴾ إخبارٌ عمَّن في مبادي
السلوك، أي: إذا ورَدَ عليهم شيءٌ من آثار الجمال أو الجلال أَفْشَوْه وأشاعوه.
﴿وَلَوْ رَدُوهُ﴾ أي: عَرَضوه ﴿إِلَى الرّسُولِ﴾ إلى ما عُلم من أحواله، وما كان عليه
﴿وَإِلَىَ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم المرشدون الكاملون الذين نالوا مقام الوراثة المحمَّدية
﴿لَعَلِّمَهُ﴾ أي: لَعلِمَ مآله وأنَّه مما يُذاع أو أنَّه لا يذاع ﴿الَّذِينَ يَسْتَّخِطُونَهُ﴾ ويَتلقَّونه
﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من جهتهم وواسطةٍ فيُوضاتهم، والمرادُ بالموصول الرَّادُّون أنفسُهم.
وحاصل ذلك أنَّه لا ينبغي للمُريد إذا عرَضَ له في أثناء سيرِه وسلوكه شيءٌ من
آثار الجمال أو الجلال أنْ يُفشيَه لأحدٍ قبل أنْ يَعرضه على شیخِه، فیوقفه على
حقيقة الحال، فإنَّ في إنشائه قبل ذلك ضرراً كثيراً.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الناس بالواسطة العظمَى رسولِ اللهِ وَلجدول
﴿وَرَحَتُهُ﴾ بالمرشدين الوارثين ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ والنفسُ أعظمُ جنوده - إنْ لم

الآية : ٨٧
١٩٣
سُورَةُ السَكَاةِ
تَكُنْهُ - ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ وهم السالكون بواسطة نورٍ إلهيٍّ أَفيضَ عليهم فاستغنوا به،
كبعض أهلِ الفترةِ، قيل: وهم على قَدَم الخليل عليه الصلاة والسلام.
﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكْ﴾ أي: قاتل مَن يُخالفك وحدك ﴿وَحَِّّضٍ
المؤِّينَ﴾ على أنْ يقاتلوا مَن يُحولُ بينهم وبين ربِّهم ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ أي: ستروا أوصافَ الربوبيةِ ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ﴾ منهم ﴿بَأْسًا﴾ أي: نكايةً
﴿وَأَشَدُّ﴾ منهم ﴿تَنكِيلًا﴾ أي: تعذيباً.
﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: مَن يوافقْ نفسَه على الطاعات ﴿يَكُن لَّهُ نَّصِيبُ
مِنْهًا﴾ أي: حظّ وافرٌ من ثوابها ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةً﴾ أي: مَن يوافقْ نفسَه على
معصية ﴿يَكُن لَّهُ, كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: مثلٌ مُسارٍ من عقابها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
تُقِينًا﴾ فَيُؤْصِلُ الثواب والعقاب إلى مستحقِّيهما.
﴿وَإِذَا حُِِّّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُؤُّوهَاً﴾ تعليمٌ لنوعٍ من مكارم الأخلاق
ومحاسن الأعمال.
وقيل: إنَّ(١) المعنى: إذا مَنَّ الله تعالى عليكم بعطيةٍ فابذلوا الأحسنَ مِن
عطاياه، أو تصدَّقوا بما أعطاكم وردُّوه إلى الله تعالى على يد المستحقِّين، والله
تعالی خیرُ الموفّقین.
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ مبتدأً وخبرٌ، وقوله سبحانه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَلْمَةِ﴾
جوابُ قسم محذوف، أي: والله ليجمعنَّكم، والجملةُ إمَّا مستأنفةٌ لا محلَّ لها من
الإعراب، أو خبرٌ ثانٍ، أو هي الخبر، و((لا إله إلا هو)) اعتراضٌ.
واحتمال أنْ تكونَ خبراً بعد خبرٍ لـ ((كان)) وجملةُ ((الله لا إله إلا هو)) معترضةٌ
مؤكِّدةٌ لتهديدٍ قُصِدَ بما قبلها وما بعدها، بعيدٌ.
ثم الخبر وإنْ كان هو القسمُ وجوابُه، لكنَّه في الحقيقة الجواب، فلا يَرِدُ وقوعُ
الإنشاء خبراً، ولا أنَّ جوابَ القسم مِن الجمل التي لا محلَّ لها من الإعراب،
(١) قوله: إن، ليس في (م).

سُورَةُ الشَكَاةِ
١٩٤
الآية : ٨٧
فكيف يكونُ خبراً، مع أنَّه لا امتناع من اعتبار المحلِّ وعدمه باعتبارين.
والجمع: بمعنى الحشر، ولهذا عُدِّيَ بـ ((إلى)، كما عُدِّي ((الحشر)) بها في قوله
تعالى: ﴿لَإِلَى اللَِّ مُحْشَّرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]. وقد يقال: إنَّما عُدِّيَ بها لتضمينه
معنَى الإفضاء المتعدِّي بها، أي: ليحشرَنَّكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو
مُفْضینَ إليه.
وقيل: ((إلى)) بمعنى ((في)) كما أثبته أهل العربية، أي: ليجمعنَّكم في ذلك
اليوم.
﴿لَا رَيْبَ فِيهُ﴾ أي: في يوم القيامة، أو في الجمع، فالجملة إمَّا حالٌ من
((اليوم))، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: جمعاً لا ريب فيه. والقيامة بمعنى القيام،
ودخلت التاء فيه للمبالغة كعلَّامة ونسَّابة، وسُمِّي ذلك اليوم بذلك لقيام الناسٍ فيه
للحساب مع شدَّة ما يقعُ فيه من الهول.
ومناسبة الآية لِمَا قبلها ظاهرةٌ، وهي أنَّه تعالى لمَّا ذكر أنَّ الله تعالى كان على
كلِّ شيءٍ حسيباً، تلاه بالإعلام بوحدانيته سبحانه والحشرِ والبعثِ من القبور
للحساب بین یدیه.
وقال الطبرسيُّ: وجهُ النظم أنَّه سبحانه لمَّا أمر ونهى فيما قبلُ بَيَّن بعدُ أنَّه
لا يَستحقُّ العبادةَ سواه، ليعملوا على حَسَب ما أَوجبَه عليهم، وأشار إلى أنَّ لهذا
العمل جزاءً ببيان وقته - وهو يومُ القيامة - ليجدُّوا فيه وَيرغبوا ويَرهبوا(١).
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٢َ﴾ الاستفهامُ إنكاريٌّ، والتفضيلُ باعتبار الكميَّة في
الأخبار الصادقة لا الكيفيَّة، إذ لا يُتصوَّرُ فيها تفاوتٌ، لِمَا أنَّ الصدقَ: المطابقةُ
للواقع، وهي لا تزيد، فلا يُقال لحديثٍ معيَّنٍ: إنه أصدقُ مِن آخرَ إلا بتأويلٍ وتجوُّزٍ،
والمعنى: لا أحدَ أكثرُ صدقاً منه تعالى في وعده وسائرٍ أخباره. ويُفيدُ نفيَ المساواة
أيضاً كما في قولهم: ليس في البلد أعلمُ مِن زيدٍ، وإنَّما كان كذلك لاستحالةِ نسبة
الكذب إليه سبحانه بوجهٍ من الوجوه، ولا يُعرف خلافٌ بين المعترفين بأنَّ الله تعالى
متكلُّمٌ بكلامٍ في تلك الاستحالة، وإن اختَلَف مأخذُهم في الاستدلال.
(١) مجمع البيان ١٨٢/٥.

الآية : ٨٧
١٩٥
سُورَةُ الشَكَاةِ
وقد استدل المعتزلةُ على استحالة الكذب في كلام الربِّ تعالى بأنَّ الكلام من
فعله تعالى، والكذبُ قبيحٌ لذاته والله تعالى لا يفعل القبيح. وهو مبنيٌّ على قولهم
بالحسن والقبح الذاتيَّين، وإيجابِهِم رعايةَ الصلاحِ والأصلح.
وأمَّا الأشاعرةُ فلهم - كما قال الآمديُّ - في بيان استحالة الكذب في كلامه
تعالى القديم النفسانيِّ مَسلكان: عقليٍّ وسمعيٍّ:
أمَّا المسلك الأول: فهو أنَّ الصدق والكذبَ في الخبر مِن الكلام النفسانيِّ
القديم ليس لذاته ونفسه، بل بالنظر إلى ما يتعلَّقُ به من المخبر عنه، فإنْ كان قد
تعلَّقَ به على ما هو عليه كان الخبرُ صِدقاً، وإنْ كان على خلافه كان كَذِباً، وعند
ذلك فلو تعلَّق من الربِّ سبحانه كلامُه القائمُ على خلافِ ما هو عليه لم يَخْلُ: إمَّا
أنْ يكونَ ذلك مع العلم به، أوْ لا، لا جائز أنْ يكون الثاني، وإلا لزم الجهلُ
الممتنعُ عليه سبحانه من أوجُهٍ عديدةٍ، وإنْ كان الأولُ، فمَن كان عالماً بالشيء
يَستحيلُ أنْ لا يقومَ به الإخبار عنه على ما هو به، وهو معلومٌ بالضرورة، وعند
ذلك فلو قام بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حالَ كونه عالماً به مُخبراً
عنه على ما هو عليه، لقام بالنفسِ الخبرُ الصادقُ والكاذبُ بالنظر إلى شيءٍ واحدٍ
من جهةٍ واحدةٍ، وبطلانُه معلومٌ بالضرورة.
واعتُرضَ بأنَّا نعلم ضرورةً من أنفسنا أنَّا حالَ ما نكونُ عالمينَ بالشيءٍ يُمكننا
أنْ نُخبرَ بالخبر الكاذب، ونعلم كونَنَا كاذبين، ولولا أنَّا عالمونَ بالشيءِ المخبَر
عنه، لَمَا تُصوِّر علمُنا بكوننا كاذبين.
وأُجيب بأنَّ الخبَرَ الذي نعلمُ من أنفسنا كونَنا كاذبينَ فيه إنَّما هو الخبرُ
اللساني، وأمَّا النفسانيُّ فلا نُسلِّم صحة علمنا بكذبه حالَ الحكم به.
وأما المسلك الثاني: فهو أنَّه قد ثبتَ صدقُ الرسولِ وَه بدلالة المعجزةِ
القاطعة فيما هو رسولٌ فيه على ما بُيِّن في محلِّه، وقد نُقل عنه بالخبر المتواتر أنَّ
كلام الله تعالى صدقٌ، وأنَّ الكذب عليه سبحانه محالٌ.
ونظر فيه الآمديُّ بأنَّ لقائلٍ أنْ يقول: صحةُ السمع متوقٌّفةٌ على صدقٍ
الرسولِ وَّ﴿، وصدقُه متوقِّفٌ على استحالة الكذب على الله تعالى من حيث إنَّ

سُورَةُ السَّلة
١٩٦
الآية : ٨٧
ظهورَ المعجزة على وفق تحدِّيه بالرسالة نازلٌ منزلة التصديقٍ من الله سبحانه له في
دعواه، فلو جاز الكذبُ عليه جلَّ شأنه لأَمْكَنَ أنْ يكونَ كاذباً في تصديقه له
ولا يكون الرسول صادقاً، وإذا توقَّفَ كلٌّ منهما على صاحبه كان دوراً.
لا يقال: إثباتُ الرسالة لا يتوقَّفُ على استحالة الكذب على الله تعالى ليكونَ
دوراً، فإنَّه لا يتوقَّفُ إثبات الرسالة على الإخبار بكونه رسولاً حتى يدخلَه الصدقُ
والكذب، بل على إظهار المعجزة على وفق تحدِّيه، وهو مُنزلٌ مَنزلةَ الإنشاء، وإثبات
الرسالة وجعله رسولاً في الحال كقول القائل: وَّلتُك في أشغالي، واستَنَبْتُك في
أموري، وذلك لا يستدعي تصديقاً ولا تكذيباً (١)، إذ يقال حينئذٍ: فلو ظهرت
المعجزةُ على يد شخصٍ لم يسبق منه التحدِّي بناءً على جوازه على أصول الجماعة لم
تكن المعجزةُ دالةً على ثبوت رسالته إجماعاً، ولو كان ظهورُ المعجزة على يده مُنزلٌ
منزلة الإنشاء لرسالته لوجَبَ أنْ يكونَ رسولاً متَّبعاً بعد ظهورها، وليس كذلك.
وكونُ الإنشاء مَشروطاً بالتحدِّي بَعيدٌ بالنظر إلى حكم الإنشاءات، وبتقدير أنْ
يكونَ كذلك، غايتُهُ ثبوتُ الرسالة بطريق الإنشاء، ولا يلزم منه أنْ يكون الرسول
صادقاً في كلِّ ما يُخبر به دون دليلٍ عقليٍّ يدلُّ على صدقه فيما يُخبر به، أو
تصديقِ الله تعالى له في ذلك، ولا دليلَ عقليَّ يدلُّ على ذلك، وتصديقُ الله تعالى له
لو توقّف على صدق خبره عادَ ما سبق.
فيَنبغي أنْ يكونَ هذا المسلكُ السمعيُّ في بيان استحالة الكلام اللسانيِّ، وهو
صحيح فيه، والسؤال الوارد ثَمَّ منقطعٌ هنا، فإنَّ صدقَ الكلام اللسانيّ وإنْ توقَّف
على صدق الرسول لكن صدق الرسول غيرُ متوقُّفٍ على صدق الكلامِ اللسانيّ، بل
على الكلام اللساني نفسِه، فامتنع الدور الممتنع.
وفي ((المواقف)): الاستدلالُ على امتناع الكذب عليه تعالى عند أهل السنة
بثلاثة أوجه :
الأول: أنَّه نقصٌ والنقص ممنوعٌ إجماعاً، وأيضاً فيلزمُ أنْ نكونَ نحنُ أكملَ منه
سبحانه في بعض الأوقات، أعني وقتَ صِدْقِنا في كلامنا.
(١) في الأصل: تصديقاً وتكذيباً.

الآية : ٨٨
١٩٧
سُورَةُ النَّةِ
والثاني: أنَّه لو اتَّصف بَالكذب سبحانه لكان كذبه قديماً، إذ لا يقومُ الحادث
بذاته تعالى، فيلزم أنْ يمتنعَ عليه الصدقُ، فإنَّ ما ثبت قِدَمُه استحال عدمُه، واللازم
باطل، فإنَّا نعلمُ بالضرورة أنَّ مَن عَلِمَ شيئاً أَمكّنَ له أنْ يُخبرَ عنه على ما هو عليه.
وهذان الوجهان إنَّما يَدلَّان على أنَّ الكلام النفسيَّ الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاته
تعالى يكون صادقاً .
ثم أتى بالوجه الثالث دليلاً على استحالة الكذب في الكلام اللفظيِّ والنفسيِّ
على طرز ما في المسلك الثاني(١). وقد علمت ماللآمديِّ فيه، فتدبر جميعَ ذلك
ليظهرَ لك الحقُّ.
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، والنفيُ والخطابُ لجميع
المؤمنين، وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم، وقولُه سبحانه: ﴿فِى الْمُفِقِينَ﴾
يَحتمل - كما قال السمينُ(٢) - أنْ يكون متعلِّقاً بما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فِئَتَيْنِ﴾
أي: فما لكم تفترقون في المنافقين. وأنْ يكون حالاً من ((فئتين))، أي: فئتين
مُفترقَتَين (٣) في المنافقين، فلمّا قُدِّم نُصِبَ على الحال. وأنْ يكون متعلِّقاً بما تعلَّق
به الخبر، أي: أيُّ شيءٍ كائنٌ لكم في أمرهم وشأنهم، فخُذِفَ المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه.
وفي انتصاب ((فئتين)) وجهان كما في ((الدر المصون)»(٤):
أحدُهما: أنَّه حال من ضمير ((لكم)) المجرور، والعاملُ فيه الاستقرارُ أو
الظرفُ لنيابته عنه، وهذه الحال لازمةٌ لا يتمُّ الكلام بدونها. وهذا مذهبُ البصريين
في هذا الترکیب وما شابهه.
وثانيهما وهو مذهب الكوفيين: أنَّه خبرُ كان مقدرةً، أي: ما لكم في شأنهم كنتم
فئتين، ورُدَّ بالتزام تنكيره في كلامهم نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩].
(١) المواقف ص٢٩٦ .
(٢) في الدر المصون ٥٩/٤ - ٦٠.
(٣) في (م): مقترنتين، والمثبت من الأصل والدر المصون.
(٤) ٤/ ٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ١٦٤.

سُورَةُ الشَّلاةِ
١٩٨
الآية : ٨٨
وأمَّا ما قيل على الأول مِن أنَّ كون ذي الحال بعضاً من عامله غريبٌ لا يكاد
يَصُ عند الأكثرين، فلا يكونُ معمولاً له، ولا يَجوزُ اختلاف العاملِ في الحال
وصاحبها = فمِن فلسفة النحو كما قال الشهاب(١).
والمرادُ: إنكار أنْ يكون للمخاطَّبين شيءٌ مصحِّح لاختلافهم في أمر
المنافقين، وبيانُ وجوبٍ قَطْعِ القوم بكفرهم وإجرائهم مجرَى المجاهرينَ في جميع
الأحكام، وذَكَرَهم بعنوان النفاقِ باعتبارٍ وَصْفِهم السابق.
أخرج عبد بن حميد(٢) عن مجاهد قال: هم قومٌ خرجوا مِن مكة حتى جاؤوا
المدينةَ يَزعمُون أنَّهم مهاجرون، ثم ارتدُّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيَّ وَّه إلى مكة
ليأتوا ببضائعَ لهم يتَّجرون فيها، فاختَلفَ فيهم المسلمون؛ فقائلٌ يقول: هم
منافقون، وقائلٌ يقول: هم مؤمنون، فبيَّنَ الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأَمرَ
بقتلهم.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: هم ناسٌ تخلَّفوا عن رسول اللهِوَ الاله
وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يُهاجروا، فاختلف فيهم أصحابُ رسول الله وَّهِ،
فتولَّهم ناسٌ وتبرَّأَ من ولايتهم آخرون وقالوا: تخلَّفوا عن رسول اللهِوَّه ولم
يهاجروا، فسمَّاهم الله تعالى منافقين وبرَّأَ المؤمنين مِن ولايتهم، وأَمرَهم أنْ
لا يتولّوهم حتى يُهاجروا(٣) .
وأخرج الشيخان والترمذيُّ والنَّسائيُّ وأحمدُ وغيرُهم، عن زيد بن ثابت: أنَّ
رسول الله ◌َّ خرجَ إلى أحدٍ فرجع ناسٌ خرجوا معه، فكان أصحابُ رسول الله وَله
فيهم فئتين، فرقة تقول: نقتلُهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُرْ فِى
اٌلْتَُفِقِينَ﴾ الآية كلَّها(٤).
(١) في الحاشية ١٦٤/٣ - ١٦٥.
(٢) كما في الدر المنثور ٢/ ١٩٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٢٨٢.
(٣) تفسير الطبري ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٤) صحيح البخاري (٤٥٨٩)، وصحيح مسلم (٢٧٧٦)، وسنن الترمذي (٣٠٢٨)، وسنن
النسائي الكبرى (١١١٣)، ومسند أحمد (٢١٦٣٦).

الآية : ٨٨
١٩٩
سُورَةُ الْمَسَكَاةِ
ويُشْكِلُ على هذا ما سيأتي قريباً إنْ شاء الله تعالى مِن جَعْلِ هجرتهم غايةً للنهي
عن تَوْلِيَّتِهم، إلا أنْ يُصرفَ عن الظاهر كما ستعلمه.
وقيل: هم العُرَنُّون الذين أَغارُوا على السَّرْحِ وأَخذوا يساراً راعيّ رسولِ الله ◌ِّه
ومَثَّلوا به، فقطّعوا يَديَه ورجلَيه وغَرَزوا الشوك في لسانه وعينَيَه حتى مات(١).
ويَردُّه - كما قال شيخ الإسلام - ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات الناطقة
بكيفيَّةِ المعاملة معهم في السلم والحرب، وهؤلاء قد أُخذوا وفُعل بهم ما فُعل من
المُثَلَة والقَتل، ولم يُنقل في أمرهم اختلافُ المسلمين(٢). وقيل غيرُ ذلك.
﴿وَاللّهُ أَرَكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ حالٌ من المنافقين مفيدٌ لتأكيد الإنكار السابق،
وقيل: من ضمير المخاطبين، والرابط الواو. وقيل: مُستأنفٌ.
والباء للسببيَّة، و((ما)) إمَّا مصدريةٌ وإمَّا موصولة، وأَرْكَسَ ورَكَسَ بمعنَى،
واختلف في معنى الرَّكْس لغةً، فقيل: الردُّ، كما قيل في قول أُميَّة بنِ أبي الصَّلت:
كانوا عُصاةً وقالوا الإفكَ والزُّورَا(٣)
فأُركسُوا في جّحيم النارِ إنَّهُمُ
وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس ﴿ها، والمعنى حينئذٍ: والله تعالى ردَّهم
إلى الكفر بعد الإيمانِ بسبب ما كُسبوه مِن الارتداد واللَّحوق بالمشركين أو نحو
ذلك، أو بسبب گسْبھم.
وقيل: هو قريبٌ من النَّكس، وحاصله أنَّه تعالى رماهم مُنَّسين، فهو أبلغُ مِن
التنكيس؛ لأنَّ مَن يُرمَى مُنكَّساً في هُوَّةٍ قلَّما يخلص منها، والمعنى: أنَّه سبحانه
بكَسْبِهِم الكفرَ - أو ما كسبوه منه - قلَبَ حالهم ورماهم في حُفَر النيران.
وأخرج ابن جرير عن السدِّي أَنَّه فسَّر (أركسهم)) بأضلَّهم(٤). وقد جاء الإركاسُ
بمعنى الإضلال، ومنه:
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٢٢٣)، وأصل القصة في صحيح البخاري (٢٣٣)، وصحيح
مسلم (١٦٧١) من حديث أنس دون ذكر اسم الراعي وذكر تمثيلهم به.
(٢) قطعة من حديث أنس المذكور في التعليق السابق، والكلام من تفسير أبي السعود ٢١٢/٢.
(٣) ديوان أمية ص٦٨ برواية: حميم، بدل: جحيم.
(٤) تفسير الطبري ٢٨٩/٧ .

سُورَةُ المَسَخَاةِ
٢٠٠
الآية : ٨٨
وصيَّرْتَني مثلاً للعِدَى(١)
وأَركّسْتَني عن طریقِ الھُدی
وأخرج الطستي(٢) عن ابن عباس ﴿ا أنَّه قال: المعنى: حبسهم في جهنّم.
والبخاري عنه: أنَّ المعنى بدَّدَهم(٣)، أي: فرَّقَهم وفرَّقَ شملهم. وابنُ المنذر عن
قتادة: أهلكهم(٤). ولعلَّها معانٍ تَرجعُ إلى أصلٍ واحد.
ورُوي عن عبد الله وأُبيِّ أنَّهما قرأا: ((رَكَسَهم)) بغير ألف(٥)، وقد قرئ:
(رَّسهم)) مشدّداً(٦).
﴿أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ﴾ توبيخٌ للفئةِ القائلة بإيمان أولئك المنافقينَ
على زعمهم ذلك، وإشعارٌ بأنه (٧) يُؤدِّيّ إلى محاولة المُحال، الذي هو هدايةُ مَن
أضلَّه الله تعالى، وذلك لأنَّ الحكم بإيمانهم وادِّعاءَ اهتدائهم - مع أنَّهم بمعزلٍ
من ذلك - سعيّ في هدايتهم وإرادةٌ لها، فالمراد بالموصول المنافقون، إلا أنَّه
وُضعَ موضع ضميرِهم لتشديد الإنكار، وتأكيدِ استحالةِ الهداية بما ذكر في حيِّز
الصلة .
وحَمْلُه على العموم والمذكورون داخلون فيه دُخولاً أوليًّا - كما زَعمه
أبو حيان(٨) - ليس بشيءٍ.
وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دونَ مُتعلِّقها؛ للمبالغة في إنكاره ببيان أنَّ إرادته ممَّا
لا يُمكن، فضلاً عن إمكان نفسه.
(١) البحر ٣١١/٣، والدر المصون ٦١/٤، وحاشية الشهاب ١٦٥/٣.
(٢) كما في الدر المنثور ٢/ ١٩٠ .
(٣) علقه البخاري قبل الحديث (٤٥٨٩).
(٤) الدر المنثور ٢/ ١٩٠.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٨١/١، وتفسير الطبري ٢٨١/٧، وتفسير القرطبي ٥٠٥/٦، والبحر
٣١٣/٣، ووقع في الأصل و(م): ركسوا، وهي سبق قلم من المصنف رحمه الله،
وموضعها في الآية (٩١) من هذه السورة، وقد قرأ ابن مسعود ﴿ه: ((رُكسوا)) بتخفيف
الكاف وتشديدها. البحر ٣١٩/٣.
(٦) البحر ٣١٣/٣.
(٧) في الأصل و(م): بأن، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢١٢/٢، والكلام منه.
(٨) في البحر ٣١٣/٣.