Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٥٨ ١٠١ سُورَةُ السَكَاةِ وأما ثالثاً: فلأنَّ المفتاح على هذا لا يُعدُّ أمانةً؛ لأنَّ عليًّا كرَّم الله وجهه أَخذَه منه قهراً، وما هذا شأنُه هو الغصبُ لا الأمانةُ. والقولُ بأنَّ تسميةَ ذلك أمانةً، لأنَّ الله تعالى لم يُرِدْ نزعَه منه، أو للإشارة إلى أنَّ الغاصبَ يجبُ أنْ يكونَ كالمؤتَمن في قصد الردِّ، أو إلى أنَّ عليًّا كرم الله وجهه لمَّا قصد بأخذِهِ الخيرَ، وكان أيضاً بأمر النبيِّ وَّه جُعل كالمؤتَمن في أنه لا ذَنْبَ عليه = لا يَخلو عن بُعْدٍ. وأيًّا ما كان فالخطابُ يَعُمُّ كلَّ أحدٍ كما أنَّ الأماناتِ - وهي جمعُ أمانة مصدرٌ سُمِّي به المفعول - تَعمُّ(١) الحقوقَ المتعلّقةَ بذِمَمِهم من حقوقِ الله تعالى وحقوقٍ العباد سواءٌ كانت فعليةً أو قوليةً أو اعتقاديةً، وعمومُ الحكم لا يُنافي خصوصَ السبب، وقد روي ما يدلُّ على العموم عن ابن عباسٍ وأَبيِّ وابنٍ مسعود والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ه أجمعين، وإليه ذهب الأكثرون. وعن زيدٍ بن أسلم - واختاره الجُبائيُّ وغيره - أنَّ هذا خطابٌ لولاةِ الأمرِ أنْ يقوموا برعايةِ الرعيةِ وحَمْلِهم على موجبِ الدِّين والشريعةِ، وعَدُّوا من ذلك توليةً المناصبِ مُستحقِّيها، وجعلوا الخطابَ الآتي لهم أيضاً. وفي تصدير الكلام بـ ((إنَّ) الدالَّةِ على التحقيق، وإظهارِ الاسم الجليل، وإيرادِ الأمر على صورة الإخبار، مِن الفخامة وتأكيدٍ وجوبِ الامتثال والدلالةِ على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا وَرَد من حديث ثوبان قال: قال رسول الله وَّل: ((لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ له))(٢). وأخرجَ البيهقيُّ في ((الشعب)) عن ابنِ عمرو (٣) عن النبي ◌َّرِ قال: ((أربعٌ إذا كنَّ (١) في (م): نعم، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢/ ١٩٢. (٢) أخرجه من حديث ثوبان السهمي في تاریخ جرجان (٨٩)، وله شاهد من حديث أنس عند أحمد (١٢٣٨٣) وتنظر باقي شواهده في حاشية المسند. (٣) في الأصل و(م): عمر، وكذا وقع في رواية الشعب (٥٢٥٧)، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في رواية الشعب (٥٢٥٨)، ومسند أحمد (٦٦٥٢)، ومجمع الزوائد ٤/ ١٤٥، وقال الهيثمي: فيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٠٤) عن ابن عمرو موقوفاً بإسناد رجاله ثقات رجال الصحيح. سُورَةُ المِسْكَاةِ ١٠٢ الآية : ٥٨ فيكَ فلا عليك فيما فاتك مِن الدنيا: حِفظُ أمانةٍ، وصدقُ حديثٍ، وحسنُ خليقةٍ، وعقّةُ طعمة)). وأخرج عن ميمون بنِ مهران: ثلاثٌ تُؤْذَّيْنَ إلى البرِّ والفاجر: الرحمُ توصل برةً كانت أو فاجرةً، والأمانةُ تُؤْدَّى إلى البرِّ والفاجرِ، والعهدُ يوفى به للبرِّ والفاجر(١). وأخرج مسلم عن أبي هريرةَ ◌َُهُ أنَّ رسول الله مَ له قال: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهو منافقٌ، وإنْ صامَ وصلَّى وزَعَمَ أنَّه مسلم: مَن إذا حدَّثَ كذب، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا اؤْثُمنَ خان))(٢). والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ. وقرئ: ((الأمانةَ» بالإفراد(٣)، والمرادُ الجنسُ لا المعهودُ، أي: يأمركم بأداء أيِّ أمانةٍ كانت. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُوْ بِالْعَدْلِ ﴾ أمرٌ بإيصال الحقوق المتعلّقة بذِمَم الغير إلى أصحابها إثرَ الأمرِ بإيصالِ الحقوق المتعلّقة بذِمَمِهم، فالواو للعطف، والظرفُ مُتعلِّقٌ بما بعد ((أنْ))، وهو معطوفٌ على ((أنْ تؤدُّوا)) والجارُّ متعلّقٌ به، أو بمقدَّرٍ وقع حالاً مِن فاعله، أي: ويأمرُكم أنْ تحكموا بالإنصاف والسَّويَّة - أو مُتلِّسينَ بذلك - إذا قضيتُم بين الناس ممَّن يَنفذُ عليه أمرُكم، أو يَرضى بحکمکم. وهذا مبنيٌّ على مذهب مَن يَرى جوازَ تقدُّم الظرف المعمول لِمَا في حيِّز الموصول الحرفيِّ عليه، والفصلَ بينَ حرفِ العطف والمعطوف بالظرف، وفي ((التسهيل)): الفصلُ بين العاطف والمعطوف - إذا لم يكن فعلاً - بالظرف والجارِّ والمجرور جائزٌ وليس ضرورةً، خلافاً لأبي علي (٤). (١) الشعب (٥٢٨٢). (٢) صحيح مسلم (٥٩)، وفيه: ((آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى ... )) وأخرجه بلفظ المصنف أحمد (١٠٩٢٥) من طريق الحسن عن النبي ◌َلقر مرسلاً وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٣٣) مختصراً بلفظ: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث ... )). (٣) القراءات الشاذة ص٢٦. (٤) التسهيل ص١٧٨ . الآية : ٥٨ ١٠٣ سُورَةُ المَسَحَّةِ ولقيام الخلاف في المسألة ذَهبَ أبو حيان إلى أنَّ الظرف متعلِّقٌ بمقدَّرٍ يُفسِّره المذكور، أي: وأَنْ تحكموا إذا حكمتُم بين الناس أنْ تحكموا(١). ليَسْلَم ممَّا تقدَّم، ولا يجوز تعلّقه بما قبله لعدم استقامة المعنى؛ لأنَّ تأدية الأمانة ليسَتْ وقتَ الحكومة. والمرادُ بالحكم ما كان عن ولايةٍ عامَّةٍ أو خاصة، وأَدخلُوا في ذلك ما كان عن تحكيمٍ، وفي بعض الآثار أنَّ صَبيّين ارتفعا إلى الحسن بن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه في خَطِّ كتباه، وحَكَّماه في ذلك ليحكم أيّ الخّين أجود، فبصر به عليٍّ كرم الله تعالى وجهه فقال: يا بُنيَّ، انظر كيفَ تحكم، فإنَّ هذا حُكمٌ، والله تعالى سائلُك يومَ القيامة. ﴿إِنَّ الَهُ فَِا يَعْتُكُمْ بِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لما (٢) قبلها، متضمِّنَةٌ لمزيد اللُّطف بالمخاطَبين، وحسنٍ استدعائهم إلى الامتثال. وإظهارُ الاسم الأعظم لتربيةِ المهابة، وهو اسم ((إنَّ))، وجملة ((نعمًا يعظكم)) خبرُها، و((ما)) إمَّا بمعنى الشيء معرفة تامة و((يعظكم)) صفةٌ موصوفٍ محذوفٍ، وهو المخصوصُ بالمدحِ، أي: نِعْمَ الشيءُ شيءٌ يعظكم به، ويجوز [أن يكون (يعظكم)) صفةً لمنصوب محذوف، أي:] نعم هو - أي: الشيء - شيئاً يَعِظُكم به، والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ، وإمَّا بمعنى الذي وما بعدها صلتُها وهو فاعلُ (نعم))، والمخصوصُ محذوفٌ أيضاً، أي: نعمَ الذي يَعظكم به تأديةُ الأمانةِ والحكم بالعدل. قاله أبو البقاء(٣). ونُظِرَ فيه بأنَّه قد تقرَّر أنَّ فاعلَ ((نعم) إذا كان مُظهراً لَزِمِ أنْ يكونَ مُحلّى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في «المفضّل)). وأُجيب بأنَّ سيبويه جَوَّز قيام ((ما)) إذا كانت معرفةً تامةً مقامَه(٤)، وابن السراج أيضاً جَوَّز قيامَ الموصولة؛ لأنَّها في معنى المعرَّفِ باللام. (١) البحر ٢٧٧/٣. (٢) في (م): مقررة لمضمون ما قبلها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٩٣/٢، والكلام منه . (٣) في الإملاء ٢٧٤/٢-٢٧٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) ينظر الكتاب ٧٣/١. سُورَةُ الشَّكَاةِ ١٠٤ الآية : ٥٩ واعتُرضَ القول بوقوع ((ما)) تمييزاً بأنها مساويةٌ للمُضمَر في الإبهام فلا تُميِّزُه؛ لأنَّ التمييزَ لبيانٍ جنسِ المُمَيِّزِ. وأُجيبَ بمنع كونها مساويةً له؛ لأنَّ المرادَ بها: شيءٌ عظيمٌ، والضميرُ لا يدلُّ على ذلك. ومن الغريب ما قيل: إنَّ ((ما)) كافَّة. فتدبّر. وقد تَقدَّم الكلام فيما في ((نعمًّا)) من القراءات(١). بكلِ ﴿إِنَّ اللّهَ كَنَ سَمِيعً﴾ بجميعِ المسموعاتِ، ومنها أقوالكم ﴿بَصِيرًا شيءٍ، ومِن ذلك أفعالُكم، ففي الجملة وعدٌ ووعيدٌ، وقد روي أنَّ النبيَّ وَّ قال لعليّ كرم الله تعالى وجهه: ((سَوِّ بينَ الخَصْمَينِ فِي لَحْظِكَ وَلَفْظِكَ))(٢). ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بعدما أمرَ سبحانه وُلاةَ الأمورِ بالعمومِ أو الخصوصِ بأداءِ الأمانة والعدلِ في الحكومةِ، أَمرَ الناسَ بإطاعتهم في ضمن إطاعتِهِ عزَّ وجلَّ وإطاعةِ رسوله بَّ، حيث قال عزَّ مِن قائل: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ أي: الْزَموا طاعتَه فيما أمرَكم به ونهاكُم عنه ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُلَ﴾ المبعوثَ لتبليغ أحكامِهِ إليكم في كلِّ ما يأمرُكم به ويَنهاكم عنه أيضاً. وعن الكلبيِّ أنَّ المعنى: أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السُّنَن. والأولُ أَولی. وأعادَ الفعل وإنْ كانت طاعةُ الرسول مُقترنةً بطاعة الله تعالى اعتناءً بشأنه عليه الصلاة والسلام، وقَطعاً لِتِوهُّم أنَّه لا يجبُ امتثال ما ليس في القرآن، وإيذاناً بأنَّ له وَّ﴾ استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومِن ثَمَّ لم يُعِدْ في قوله سبحانه: ﴿وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ إيذاناً بأنَّهم لا استقلالَ لهم فيها استقلالَ الرسول ◌َّهه واختلف في المراد بهم؛ فقيل: أمراء المسلمين في عهد الرسول وَّه وبعده، ويَندرج فيهم الخلفاء والسلاطينُ والقضاةُ وغيرهم. (١) عند تفسير الآية (٢٧١) من سورة البقرة. (٢) لم نقف عليه. الآية : ٥٩ ١٠٥ سُورَةُ السَّةِ وقيل: المرادُ بهم أمراءُ السرايا، وروي ذلك عن أبي هريرة ومَيمون بنٍ مهران. وأخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن السُّدي، وأخرجه ابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ما قال: بعثَ رسولُ اللهِلَّ خالد بن الوليد في سريَّةِ وفيها عمار بن ياسر، فساروا قِبَلَ القوم الذين يُريدون، فلمَّا بلغوا قريباً منهم عرَّسوا، وأَتاهم ذو العُيَيْنتين(١) فأخبرَهم، فأصبحوا قد هربوا غيرَ رجلٍ أَمرَ أهله فجمعوا متاعَهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عَسْكَرَ خالدٍ يسألُ عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إنِّي قد أسلمتُ وشهدتُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وإنَّ قومي لمَّا سمعوا بكم هربوا وإِنِّي بقِيتُ، فهل إسلامي نافعي غداً، وإلّ هربت؟ فقال عمار: بل هو يَنفعك فأقم. فأقامَ، فلمَّا أَصبحوا أَغارَ خالدٌ فلم يجد أحداً غيرَ الرجل، فأخذه وأخَذَ ماله، فبلغَ عماراً الخبرُ فأتى خالداً فقال: خَلِّ عن الرجل فإنَّه قد أسلم وهو في أمانٍ منِّي. قال خالد: وفيمَ أنت تُجيرُ؟ فاستبًّا وارتفعا إلى النبيِّ ◌َّ، فأجاز أمانَ عمَّار ونهاهُ أنْ يُجيرَ الثانية على أميرٍ، فاستبًّا عند النبيِّ وَ﴿، فقال خالد: يا رسولَ الله، أَتترك هذا العبدَ الأجدعَ يَشتمُني؟! فقال رسول الله وَّهِ: ((يا خالد، لا تَسُبَّ عمَّاراً فإنَّه مَن سبَّ عماراً سبَّه اللهُ تعالى، ومَن أبغَضَ عماراً أبغَضَه الله تعالى، ومَن لَعنَ عماراً لعنه الله تعالى))، فغضبَ عمارٌ فقام، فتَبِعه خالدٌ حتى أخَذَ بثوبه فاعتذرَ إليه فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). ووجْهُ التخصيص على هذا أنَّ في عدمٍ إطاعتهم ولا سلطانَ ولا حاضرةَ مفسدةٌ عظيمةٌ. وقيل: المرادُ بهم أهلُ العلم، ورَوى ذلك غيرُ واحدٍ عن ابن عباسٍ وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة. واستدلَّ عليه أبو العالية بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَّخْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فإنَّ العلماءَ هم المُستنبطونَ المستخرجُون للأحكام. (١) في هامش الأصل: أي الجاسوس. ومثله في اللسان (عين). (٢) تفسير الطبري ١٧٨/٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٩٨٨/٣، وتاريخ ابن عساكر ٦٢٥/١٢، وقصة خلاف عمار مع خالد ؤها دون ذكر قصة السرية أخرج نحوها أحمد (١٦٨١٤) من حدیث خالد سُورَةُ المِسْكَاةِ ١٠٦ الآية : ٥٩ وحملَه الكثيرُ - وليس بعيدٍ - على ما يَعُمُّ الجميعَ؛ لتناولِ الاسم لهم؛ لأنَّ للأمراء تدبيرَ أمرٍ الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوزُ وما لا يجوز. واستشكلَ إرادةُ العلماء لقوله تعالى: ﴿فَإِن نَعْثُمْ فِ شَىْءٍ﴾ فإنَّ الخطابَ فيه عام للمؤمنين مطلقاً، والشيءُ خاصٌّ بأمر الدِّين بدليل ما بعده، والمعنى: فإنْ تنازعتُم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمرِ منكم في أمرٍ من أمور الدِّين ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فراجِعوا فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتابه ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أي: إلى سنَّته، ولا شكَّ أنَّ هذا إنَّما يُلائم حملَ أُولي الأمرِ على الأمراء دونَ العلماء؛ لأنَّ للناس والعامةِ منازعةً الأمراء في بعض الأمورِ، وليس لهم منازعةُ العلماء، إذ المرادُ بهم المجتهدون، والناس ممَّن سواهم لا يُنازعونهم في أحكامهم. وجعل بعضُهم الخطابَ فيه لأُولي الأمر على الالتفات ليصحَّ إرادةُ العلماءِ؛ لأنَّ للمجتهدين أنْ يُنازِعَ بعضُهم بعضاً مجادلةً ومحاجَّةٌ، فيكون المرادُ أمرَهم بالتمسك بما يقتضيه الدليلُ. وقيل: على إرادة الأعمِّ يجوزُ أنْ يكونَ الخطابُ للمؤمنين، وتكون المُنازعةُ بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد، وهم الأمراء. ثم إنَّ وجوبَ الطاعة لهم ما داموا على الحقِّ، فلا يجب طاعتُهم فيما خالف الشرع، فقد أخرجَ ابنُ أبي شيبة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله وَ﴾ ((لا طاعةَ لبشر في معصية الله تعالى))(١). وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنَّسائي عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه قال: بعثَ رسولُ اللهِ وَّهِ سَرِيَّةً واستعملَ عليهم رجلاً من الأنصار(٢)، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أنْ يَسمعوا له ويُطيعوا، فأَغضَبُوه في شيءٍ فقال: اجمَعوا لي حطباً، فجمعوا له حطباً، قال: أَوْقِدوا ناراً، فأوقدوا ناراً، قال: ألم يأمرْكم ◌َله أنْ تَسمعوا لي وتُطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها. فنظَرَ بعضُهم إلى بعض (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٥٤٣، وهو عند أحمد (١٠٦٥). (٢) في هامش الأصل: اسمه علقمة. اهـ. وينظر في ذلك حديث أبي سعيد الخدري به عند أحمد (١١٦٣٩)، وابن ماجه (٢٨٦٣)، وينظر كذلك فتح الباري ٥٨/٨-٥٩، والإصابة ٥٣/٧. الآية : ٥٩ ١٠٧ سُورَةُ المَسَحَّةِ وقالوا: إنما فَرَرْنا إلى رسول الله وَّهِ من النار. فسكن غَضبُه وطُفئتِ النارُ، فلمَّا قدموا على رسول الله بَّ ذكروا ذلك له، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لو دَخلُوها ما خَرَجُوا منها، إنَّما الطاعةُ في المعروف)»(١). وهل يَشملُ المباحَ أم لا؟ فيه خلافٌ؛ فقيل: إنَّه لا يَجبُ طاعتُهم فيه؛ لأنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُحرِّمَ ما حلَّله الله تعالى، ولا أن يُحلِّل ما حرَّمه الله تعالى. وقيل: تجب أيضاً كما نصّ عليه الحصكفي(٢) وغيرهُ. وقال بعضُ محقِّقي الشافعيةِ: يجبُ طاعةُ الإمام في أمرِهِ ونهِهِ ما لم يَأمر بمحرَّمٍ. وقال بعضهم: الذي يظهرُ أنَّ ما أمر به ممَّا ليس فيه مصلحةٌ عامةٌ لا يَجبُ امتثالُه إلا ظاهراً فقط، بخلافٍ ما فيه ذلك، فإنَّه يَجبُ باطناً أيضاً، وكذا يُقال في المباح الذي فيه ضررٌ للمأمور به. ثم هل العبرةُ بالمباح والمندوبِ المأمورِ به باعتقادِ الآمر - فإذا أمرَ بمباحٍ عنده سَّةٍ عند المأمور يجبُ امتثالُه ظاهراً فقط - أو المأمورِ فيجبُ باطناً أيضاً، أو بالعكس(٣) فينعكسُ ذلك؟ كلٌّ مُحتملٌ، وظاهرُ إطلاقهم في مسألةِ أمرِ الإمام الناسَ بالصوم للاستسقاء الثاني؛ لأنَّهم لم يُفضِّلوا بين كونِ الصوم المأمور به هناك مندوباً عند الأمر أو لا، وأُيِّد بما قرَّروه في باب الاقتداء مِن أنَّ العبرةَ باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله أصحابُنا في هذه المسألة فليراجع هذا. واستَدل بالآية مَن أنكر القياس، وذلك لأنَّ الله تعالى أَوجَبَ الردَّ إلى الكتاب والسُّنَّةِ دون القياس. (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٥٤٢، ومسند أحمد (١٠١٨)، وصحيح البخاري (٤٣٤٠)، وصحيح مسلم (١٨٤٠)، وسنن أبي داود (٢٦٢٥)، وسنن النسائي ٧/ ١٥٩ . (٢) محمد بن علي بن محمد بن علي، الملقب بعلاء الدين، الحصني الأصل، الدمشقي المعروف بالحصكفي مفتي الحنفية بدمشق، من تصانيفه: شرح تنوير الأبصار المسمى بالدر المختار، وشرح ملتقى الأبحر سماه الدر المنتقى، وكان محدثاً فقيهاً نحويًّا، توفي سنة (١٠٨٨ هـ). خلاصة الأثر ٤/ ٦٣. (٣) في (م): وبالعكس، بدل: أو بالعكس. سُورَةُ النِّسَكَاةِ ١٠٨ الآية : ٥٩ والحقُّ أنَّ الآيةَ دليلٌ على إثبات القياسِ، بل هي مُتضمِّنة لجميع الأدلةِ الشرعية؛ فإنَّ المرادَ بإطاعة الله العملُ بالكتاب، وبإطاعة الرسول العملُ بالسنَّة، وبالردِّ إليهما القياسُ؛ لأنَّ ردَّ المختلَفِ فيه الغيرِ المعلومِ من النصِّ إلى المنصوصِ عليه إنما يكونُ بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك، وقد عُلِمٍ من قوله سبحانه ﴿فَإِن نَزَعْثّمْ﴾ أنَّه عند عدم النزاعِ يُعمل بما اتُّفَقَ عليه وهو الإجماع. ﴿إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَأَلْيَوْمِ الآَخِرِّ﴾ متعلُّقٌ بالأمر الأخير الواردِ في محلِّ النزاع، إذ هو المِحتاجُ إلى التحذير عن المخالفة، وجوابُ الشرط محذوفٌ عند جمهور البصريين ثقةً بدلالة المذكور عليه، والكلامُ على حدٍّ: إنْ كنتَ ابني فَأَطِعْني، فإنَّ الإيمان بالله تعالى يُوجب امتثال أمره، وكذا الإيمانُ باليوم الآخر؛ لِمَا فيه من العقاب على المخالفة. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الردُّ المأمورُ به، العظيمُ الشأن، ولو حُمل - كما قيل - على جميع ما سبَقَ على التفريع لحَسُنَ. وقال الطبرسيُّ: إنَّه إشارةٌ إلى ما تقدَّم مِن الأوامر، أي: طاعةُ الله تعالى وطاعةُ رسوله وَّهِ وأولي الأمر، وردُّ المتنازَعِ فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام ﴿خَيْرٌ﴾ لكم وأصلح ﴿وَأَحْسَنُ﴾ أيَ: أَحمَدُ في ، أي: عاقبة، قاله قتادة والسدِّي وابن زيد(١). نفسِه، ﴿تَأْوِيلا وأفعل التفضيل في الموضعَين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له، ووجهُ تقديم الأولِ على الثاني أنَّ الأغلبَ تعلُّقُ أنظار الناس بما يَنفعُهم. وقيل: المرادُ: ((خير)) لكم في الدنيا ((وأحسن)) عاقبةً في الآخرة، ووجهُ التقديم علیه أظهرُ. وعن الزجَّاج أنَّ المراد: أحسن تأويلاً مِن تأويلكم أنتم إيَّاه من غير رَدِّ إلى أصلٍ مِن كتاب الله تعالى وسنةٍ نبيِّهِ وَلِ﴾(٢). فالتأويلُ إمَّا بمعنى الرجوعِ إلى المآل والعاقبة، وإمَّا بمعنى بيانِ المراد من اللَّفظ الغير الظاهر منه، وكلاهماً حقيقةٌ وإنْ غَلب الثاني في العرف، ولذا يُقابِلُ التفسيرَ. (١) مجمع البيان ١٣٩/٥ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٦٨/٢. الآية : ٦٠ ١٠٩ سُورَةُ السََّاةِ ﴿أَلَمَّ تَرَ﴾ خطابٌ للنبيِّ وَّه وتعجيبٌ له عليه الصلاة والسلام، أي: ألم تَنظر، أو: ألم يَنْتِهِ علمُك ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مِن الزعم، وهو كما في ((القاموس)): مثلثةً: القولُ الحقُّ، والباطلُ، والكذبُ، ضدٍّ، وأكثر ما يقال فيما يُشَكُّ فيه (١). ومِن هنا قيل: إنَّه قولٌ بلا دليلٍ، وقد كثُرَ استعمالُه بمعنى القول الحقِّ، وفي الحديث عن النبيِّ ◌َّ: ((زَعَمَ جبريل)»(٢) وفي حديثٍ ضمام بن ثعلبة ◌َُّهُ: زَعَم رسولك(٣). وقد أَكثرَ سيبويه في الكتاب من قوله: زعَم الخليلُ كذا، في أشياء يرتضيها، وفي ((شرح مسلم)) للنووي: أنَّ زَعَمَ في كلِّ هذا بمعنى القول(٤). والمرادُ به هنا مجرَّدُ الادِّعاء، أي: يدَّعون ﴿أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآن ﴿وَمَا أُنزِلَ﴾ إلى موسى عليه السلام ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وهو التوراة. ووُصِفوا بهذا الادعاء لتأکید التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباحِ. وقرئ: ((أَنزِلَ)) و((أَنزلَ)) بالبناء للفاعل(٥). ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ﴾ بيانٌ لمحلِّ التعجيب على قياس نظائرِه، أخرج الثعلبيُّ وابنُ أبي حاتم مِن طرقٍ عن ابن عباس عظ﴾: أنَّ رجلاً مِن المنافقين يُقال له بشرٌ خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهوديُّ إلى النبيِّ وَّره ودعاه المنافقُ إلى كعبٍ بن الأشرف، ثم إنَّهما احتكما إلى النبيِّ وَّهِ فقضَى لليهوديِّ، فلم يَرضَ المنافقُ وقال: تعال نَتحاكم إلى عمرَ بنِ الخطاب، فقال اليهوديُّ لعمرَ تَظُله: قضَى لنا رسول الله (ٌَّ) فلم يرضَ بقضائه، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال (١) القاموس (زعم). (٢) قطعة من حديث أخرجه عبد بن حميد (١٩٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٨٧٢) عن أبي قتادة (٣) أخرجه مسلم (١٢) من حديث أنس ﴿ه قال: نهينا أن نسأل رسول الله وَلفر عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك .. ، قال النووي في شرح صحيح مسلم ١/ ١٧٠: هذا الرجل الذي جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة . (٤) شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ١٧٠، والكلام السابق منه. (٥) القراءات الشاذة ص٢٦. سُورَةُ المَسَحَّةِ ١١٠ الآية : ٦٠ عمرُ: مكانكما حتى أَخرجَ إليكما، فدخل عمرُ فاشتملَ على سيفه ثم خرجَ فضربَ عنقَ المنافقِ حتى بردَ، ثم قال: هكذا أقضي لِمَن لم يرضَ بقضاء الله تعالى ورسوله وَله. فنزلت(١). وفي بعض الروايات: وقال جبريل عليه السلام: إنَّ عمر فرَّق بين الحقِّ (٢) (٢). والباطل، وسمَّاه النبيُّ وَط قه الفاروق والطاغوتُ على هذا كعبُ بنُ الأشرف، وإطلاقُه عليه حقيقةٌ بناءً على أنَّه بمعنى: كثير الطغيان، أو أنَّه عَلَمٌ لَقَبيِّ(٣) له كالفاروق لعمر ◌َه، ولعلَّه في مقابلة الطاغوتِ. وفي معناه كلُّ مَن يَحكمُ بالباطلِ ويُؤْثِرُ لأَجْلِهِ(٤). ويحتمل أنَّ يكونَ الطاغوت بمعنى الشيطان، وإطلاقُه على الأخسِّ ابن الأشرف إمَّا استعارةٌ أو حقيقةٌ، والتجوُّزُ في إسنادِ التحاكُمِ إليه بالنسبةِ الإيقاعية بينَ الفعلِ ومفعوله بالواسطة. وقيل: إنَّ التحاكُمَ إليه تحاكمٌ إلى الشيطان مِن حيث إنَّه الحاملُ عليه، فتقْلُه عن الشيطان إليه على سبيل المجازِ المُرْسَل. وأخرج الطبرانيُّ بسندٍ صحيح عن ابن عباس أيضاً قال: كان أبو بَرْزَة الأسلميُّ كاهناً يَقضي بين اليهودِ فيما يتنافرون فيه، فتنافَر إليه ناسٌ من المسلمين فأنزلَ الله تعالى فيهم الآية(٥) . (١) تفسير الثعلبي ٣/ ٣٣٧، وأسباب النزول للواحدي ص ١٥٥، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهو عند ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن الأسود قال: اختصم رجلان، وذكره بنحوه. وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٥٩ عن مكحول. (٢) قطعة من الخبر السابق كما في تفسير الثعلبي ٣٣٧/٣، وأسباب النزول للواحدي ص ١٥٥. أما لقب عمر بالفاروق فهو باتفاق، وفي أخبار أُخر. ينظر فتح الباري ٧/ ٤٤. (٣) في (م): لقب. (٤) أي: يختار لأجل الباطل ما يختاره. حاشية الشهاب ١٤٩/٣. (٥) المعجم الكبير (١٢٠٤٥). قال الحافظ في العجاب ٩٠٠/٢: كذا وقع في هذه الرواية: أبو برزة براء ثم زاي منقوطة، ووقع في غيرها: أبو بردة بدال بدل الزاي وضمٌّ أوله، وهو أولى، فما أظن أبا برزة الصحابي المشهور إلا غيرَ هذا الكاهن. وقد ترجم رحمه الله في الإصابة ٣٥/١١ لهذا الكاهن باسم أبي بردة معتمداً على خبر أورده الثعلبي أنه أسلم. الآية : ٦٠ ١١١ سُورَةُ السَّلة وأخرج ابنُ جرير(١) عن السُّدي: كان أناسٌ من يهود قُريظةً والنضير قد أسلموا ونافقَ بعضُهم، وكانت بينَهم خصومةٌ في قتيلٍ، فَأَبَى المنافقون منهم إلَّ التحاكم إلى أبي بَرْزَةً(٢)، فانطلقوا إليه فسألوه فقال: أَعِظِمُوا اللَّقمة، فقالوا: لك عشرةُ أوساق. قال: لا بل مئةُ وسقٍ. فأبوا أنْ يُعطوه فوق العشرةِ، فأنزلَ الله تعالى فيهم ما تسمعون. وعلى هذا ففي الآية مِن الإشارة إلى تَفظيع التحاكم نفسِهِ ما لا يَخفى، وهو أيضاً أنسبُ بوصفِ المنافقين بادِّعاء الإيمانِ بالتوراةٍ، ويُمكنُ حَمْلُ خبرِ الطبرانيِّ عليه، بحَمْلِ المسلمين فيه على المنافقين ممَّن أسلم من قريظة والنضير. ﴿وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ في موضعِ الحال من ضمير ((يُرِيدُون))، وفيه تأكيدٌ للتعجيب كالوصف السابق، والضميرُ المجرورُ راجعٌ إلى الطاغوتِ، وهو ظاهرٌ على تقدير أنْ يُراد منه الشيطان، وإلّا فهو عائدٌ إليه باعتبار الوصف لا الذات، أي: أُمروا أَنْ يَكفروا بمَن هو كثيرُ الطغيان، أو شبيهٌ بالشيطان. وقيل: الضمير للتحاكُم المفهوم من ((يتَحَاكَمُوا)). وفيه بعدٌ. وقرأ عباس بن الفضل: (بها))(٣)، وقرئ (بهن)) (٤)، والضميرُ أيضاً للطاغوت؛ لأنَّه يكونُ للواحد والجمع، وإذا أُريد الثاني أُنِّثَ باعتبار معنى الجماعةِ، وقد تقدَّم. عطفٌ على الجملة الحالية داخلةٌ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلًَا بَعِيدًا لَـ في حُكم التعجيبٍ، وفيها على بعض الاحتمالات وَضْعُ المُظهر مَوضِعَ المضمَر، على معنى: يُريدون أنْ يَتحاكموا إلى الشيطان وهو بصَدَدِ إرادةٍ إضلالهم، ولا يُريدون أنْ يتحاكموا إليك وأنت بصَدَد إرادةِ هدايتهم. و((ضلالاً)) إمَّا مصدرٌ مؤكِّد للفعل المذكور بحذفِ الزوائد، على حدٍّ ما قيل في ﴿أَنْبَتَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وإمَّا مؤكِّدٌ لفعلِهِ المدلول عليه بالمذكور، أي: فيَضِلُّون ضلالاً، ووَصَفَه بالبعدِ الذي هو نَعتُ موصوفِه للمبالغة. (١) في تفسيره ١٩٢/٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٣/ ٩٩١، وذكره الحافظ في العجاب ٩٠١/٢، والسيوطي في الدر ١٧٩/٣، وعنه نقل المصنف. (٢) كذا في الأصل و(م) والدر، وفي باقي المصادر: بردة. (٣) الكشاف ٥٣٦/١، والبحر ٢٨٠/٣، ووقع في (م) بدل الفضل: المفضل، وهو تصحيف. (٤) ذكرها الشهاب في الحاشية ١٤٩/٣ . سُورَةُ السَّكَاةِ ١١٢ الآية : ٦١ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لأولئك الزاعمين ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن مِن الأحكام ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ المبعوثِ للحكم بذلك ﴿رَأَيْتَ﴾ أي: أبصرْتَ، أو: علمتَ ﴿اَلْمُنَافِقِينَ﴾ وهم الزاعمون. والإظهارُ في مقامِ الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمِّهم به، والإشعار بعلَّة الحكم، أي: رأيتَهم لنفاقهم أي: إعراضاً أيَّ(١) إعراض، ﴿يَصُدُونَ﴾ أي: يُغْرِضون ﴿عَنكَ صُدُودًا فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلِهِ، وتنوينُه للتفخيم. وقيل: هو اسمٌ للمصدر الذي هو الصدُّ. وعُزيَ إلى الخليل(٢)، والأظهرُ أنه مصدرٌ لـ ((صدَّ» اللازم، والصدُّ مصدرٌ للمتعلِّي. ودعوى أنَّ ((يَصدُّون)) هنا متعدٍّ حُذِفَ مفعولُه، أي: يَصدُّون المتحاكمين، أي: يمنعونهم، ممَّا لا حاجةَ إليه. وهذه الجملةُ تكملةٌ لمادةٍ التعجيب ببيان إعراضهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله وَّهِ إثرَ بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت. وقرأ الحسنُ: ((تعالُوا)) بضمِّ اللام(٣)، على أنَّه حَذَف لام الفعل اعتباطاً، كما قالوا: ما باليتُ به بالةً، وأصلها ((بالية)) كعافية، وكما قال الكِسائي في ((آية): إنَّ أصلها: آبِيّة كفاعِلَة، فصارت اللام كاللام فضُمَّتْ للواو. ومِن ذلك قولُ أهل مكة: تعالي بكسر اللام للمرأة، وهي لغةٌ مسموعةٌ أثبتها ابن جني(٤)، فلا عبرة بمَن لگنَ ۔ کابن هشام - الحمدانيَّ فیھا حیث یقول: تَعَالِيْ أُقاسِمْكِ الهَمومَ تَعالِي(٥) أيا جَارتا ما أَنْصَفَ الدهرُ بینَنَا (١) في الأصل: وأي. (٢) ذكره عنه النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٦٧. وفي كتاب العين ٧/ ٨٠: صدَدْتُه عن كذا أصدُّه صدًّا، أي: عَدَلته عنه، وصدَدْتُ عنه بنفسي صدوداً. (٣) المحتسب ١٩١/١، والبحر ٢٨٠/٣. (٤) في المحتسب ١٩١/١. (٥) بيت أبي فراس في يتيمة الدهر ٩٣/١، وكلام ابن هشام في شذور الذهب ص ٣٠، وشرح قطر الندى ص٦٩. الآية : ٦٢ ١١٣ سُورَةُ الشّاةِ ولا حاجةً إلى القولِ بأنَّ (تعالي)) الأولى مفتوحةُ اللام، والثانية مكسورتُها للقافية، كما لا يخفى. وأصل معنى هذا الفعل طلبُ الإقبال إلى مكانٍ عالٍ، ثم عُمِّم. ﴿فَكَيْفَ﴾ يكونُ حالهم ﴿إِذَا أَصَبَتْهُمْ﴾ نالَتهم ﴿ُصِيبَةٌ﴾ نكبةٌ تُظْهِرُ نفاقَهم ﴿يَمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بسبب ما عملوا من الجناياتِ، كالتحاكُم إلى الطاغوت والإعراض عن حُكْمِكَ. ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ للاعتذار، وهو عطفٌ علی «أصابتهم»، والمرادُ تھویلُ ما دهاهم. وقيل: على ((يصدُّون)) وما بينهما اعتراضٌ. ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حالٌ مِن فاعل ((جاؤوك))، أي: حالفين لك ﴿بِاَلَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي: ما أَرَدْنا بتحاكُمنا إلى غيرك ﴿إِلَّ إِحْسَنًا﴾ إلى الخصومِ ﴿وَتَوْفِيقًا (٣)﴾ بينهم، ولم نُرِدْ بالمرافعة إلى غيرك عدمَ الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيدٌ لهم على ما فعلوا وأنَّهم سَيَندمون حينَ لا يَنفعهم الندمُ، ويعتذرون ولا يُغني عنهم الاعتذارُ. وقيل: جاءَّ أصحابُ القتيل طالبين بدمِهِ، وقالوا: إنْ أردنا بالتحاكُم إلى عمرَ ◌َّه إلا أنْ يُحسِنَ إلى صاحبنا ويُوفِّق بينه وبين خصمه. فـ((إذا)) على هذا لمجرَّدِ الظرفية دون الاستقبال. وقيل: المعنيُّ بالآية عبد الله بن أُبيِّ، والمصيبةُ ما أصابه وأصحابَه مِن الذلّ برجوعهم من غزوة بني المصطلق، وهي غزوةُ مُرَيْسِيع، حينَ نزِلَت سورةُ المنافقين فاضْطُرُّوا إلى الخشوع والاعتذار - على ما سيُذكَرُ في مَحلِّه إن شاء الله تعالى - وقالوا: ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازِعَين في تلك الغزوةِ إلا الخيرَ. أو مصيبةُ الموت لمَّا تضرّعَ إلى رسول الله وَّهِ في الإقالةِ والاستغفارِ، واستوهَبَه ثوبَه ليتَّقيَ به النار(١). (١) أخرجه البخاري (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر ـ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله * فسأله أن يعطيه قميصه يكفن به أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه .... قال: لما توفي عبد الله سُورَةُ النَّسَاةِ ١١٤ الآية : ٦٣ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: المنافقون المذكورون ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اَللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ مِن فُنون الشرور المنافيةِ لِمَا أظهروا لك من بناتٍ غيرِ (١)، وجاؤوا به إليكَ(٢) من أُذُنَي عناق(٣). ـمْ﴾ أي: عن قبول عُذرِهم، ويلزمُ ﴿فاَعرِض﴾ حیث کانت حالُهم كذلك. ذلك الإعراضُ عن طلبهم دمَ القتيل؛ لأنَّه هدرٌ. وقيل: عن عقابهم؛ لمصلحةٍ في استبقائهم، ولا تُظْهِرْ لهم عِلْمَكَ بما في بَوَاطِنِهم الخبيثةِ حتى يَبقَوْا على نيران الوَجَل. ﴿وَعِظُهُمْ﴾ بلسانك وكُفَّهم عن النفاق ﴿وَقُل لَّهُمْ فِيَ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم خالياً، لا يكونُ معهم أحدٌ؛ لأنَّه أَدْعَى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصحُ بين الملأ تقريعٌ، أو: قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها ﴿قَوْلاً بَلِيمًا (®﴾ مُؤثِّراً واصلاً إلى كُنه المراد، مطابقاً لِمَا سِيقَ له من المقصود. فالظرفُ على التقديرَين مُتعلِّقٌ بالأمر. وقيل: متعلَّقٌ بـ ((بليغاً))، وهو ظاهرٌ على مذهب الكوفيين، والبصريون لا يُجيزون ذلك؛ لأنَّ معمول الصفةِ عندهم لا يَتقدَّم على الموصوف؛ لأنَّ المعمول إنما يَتقدَّم حيث يصحُّ تقدُّمُ عامله. وقيل: إنَّه إنَّما يَصحُ إذا كان ظرفاً، وقَوَّاه البعضُ. وقيل: إنه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ يُفسِّرُه المذكورُ. وفيه بعدٌ. والمعنى - على تقدير التعلُّق(٤) -: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثِّراً فيها، يَغْتمُّون به اغتماماً، ويَستشعرون منه الخوفَ استشعاراً، وهو التوعُّدُ بالقتل (١) أي: الأكاذيب، ومثله قول الشاعر: إذا ما جئتَ جاء بناتُ غير وإن ولَّيت أسرعن الذهابا ويقال: نزلت به بنات بئس، وهي الدواهي، وكثرت في البئر بنات المِعَى، وهي البعر، وغلبتني بنات الصدر، وهي الهموم. أساس البلاغة (بنى). (٢) قوله: إليك، ليس في (م). (٣) العَنّاق: الخيبة، ويقال: لقي منه أذني عناق، أي: داهية وأمراً شديداً. (٤) يعني تعلق الجار والمجرور بـ ((بليغاً)). تفسير أبي السعود ١٩٦/٢. الآية : ٦٤ ١١٥ سُؤَدَّةُ القَسَكَاةِ والاستئصال، والإيذانُ بأنَّ ما انطوَتْ عليه قلوبُهم الخبيئةُ من الشرِّ والنفاق بمرأَى من الله تعالى ومَسمَع، غيرُ خافٍ عليه سبحانه، وأنَّ ذلك مُستوجِبٌ لِمَا تَشيبُ منه النواصي، وإنما هذه المُكافَّةُ والتأخيرُ لإظهارهم الإيمانَ وإضمارهم الكفرَ، ولئن أظهروا الشقاقَ وبَرزوا بأشخاصِهِم مِن نَفَقِ النِّفاقِ، لتُسامِرتَّهم السمرُ والبيضُ، وليضيقنَّ عليهم رَحْبُ الفلا بالبلاء العريض. واستُدل بالآية الأولى على أنه قد تصيبُ المصيبة بما يَكتسبُهُ العبدُ من الذنوب، ثم اختلف في ذلك؛ فقال الجُبائي: لا يكون ذلك إلا عقوبةً في التائب. وقال أبو هاشم: يكون ذلك لطفاً. وقال القاضي عبد الجبار: قد يكون لطفاً وقد يكونُ جزاءً، وهو موقوفٌ على الدليل. ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اَللَّهَّ﴾ تمهيدٌ لبيان خطئهم باشتغالهم بسترٍ نارٍ جنايتهم بهشيم اعتذارهم الباطلِ، وعدم إطفائها بماء التوبة، أي: وما أرسلنا رسولاً مِن الرسل لشيءٍ من الأشياءِ إلا ليطَاعَ، بسببٍ إذنه تعالى وأمرِه المرسَلَ إليهم أنْ يُطيعوه؛ لأنَّه مُؤدِّ عنه عزَّ شأنُه، فطاعتُه طاعتُه ومعصيتُه معصيتُه، أو بتيسيرِه وتوفيقِهِ سبحانه في طاعته، ولا يَخفَى ما في العدول عن الضمير إلى الاسم الجليل. واحتجَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ الله تعالى لا يُريدُ إلا الخيرَ، والشرُّ على خلافٍ إرادته . وأجابَ عن ذلك صاحب ((التيسير)) بأنَّ المعنى: إلا ليطيعَه مَن أذنَ له في الطاعة وأرادها منه، وأمَّا مَن لم يأذن له فیریدُ عدمَ طاعته، فلذا لا يطيعه ويكون كافراً، أو بأن المراد إلزامُ الطاعة، أي: وما أرسلنا رسولاً إلا لإلزام طاعته الناسَ ليُئابَ مَن انقاد ويُعاقَبَ مَن سلَكَ طريقَ العنادِ، فلا تَنتهضُ دعواهم الاحتجاجَ بها على مُدَّعاهم. واحتجَّ بها أيضاً مَن أثبتَ الغرضَ في أفعاله تعالى، وهو ظاهرٌ، ولا يُمكنُ تأويلُ ذلك بكونه غايةً لا غرضاً؛ لأنَّ طاعةَ الجميع لا تَتَرتَّبُ على الإرسال، إلا أنْ يُقال: إنَّ الغايةَ كونُه مُطاعاً بالإذن لا للكلِّ؛ إذ مَن لا إذنَ له لا يُطيع، وقد تقدَّمَ الكلامُ في هذه المسألة. سُورَةُ النَّسَاءِ ١١٦ الآية : ٦٥ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ وعرَّضوها للبَوَار بالنفاق والتحاكُم إلى الطاغوت ﴿جَآءُوكَ﴾ على إثرِ ظُلمهم بلا ريثٍ، مُتوسِّلين بك، تائبينَ عن جنايتهم، غيرَ جامعين حَشَفاً وسوء كيلةٍ(١) باعتذارهم الباطل وأيمانهم الفاجرة. ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ﴾ لذنوبهم، ونزعوا عمَّا هم عليه، ونَدمُوا على ما فعلوا ﴿وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ وسألَ اللهَ تعالى أنْ يَقبلَ توبتَهم ويغفرَ ذنوبَهم. وفي التعبيرِ بـ ((استغفر)) إلخ دون ((استغفرتَ)) تفخيمٌ لشأن رسولِ الله وَلُ، حيث عَدَلَ عن خطابه إلى ما هو مِن عظيم صفاته، على طريق: حَكَمَ الأميرُ بكذا، مكان: حكمتُ، وتعظيمٌ لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسندَه إلى لفظٍ مُنبيٍ عن علوِّ مرتبتهِ. ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَبًا زَّحِيمًا ﴾﴾ أي: لعَلِموه قابلاً لتوبتهم، مُتفضِّلاً عليهم بالتجاوز عمَّا سلف من ذنوبهم، ومَن فسَّر الوجدانَ بالمصادفة كان الوصفُ الأولُ حالاً، والثاني بدلاً منه، أو حالاً من الضمير فيه، أو مثلَه، وفي وضْعِ الاسمِ الجامعِ مَوضعَ الضمير إيذانٌ بفخامة القبول والرحمة. ﴿فَلَا وَرَيِّكَ﴾ أي: فَوَرَبِّكَ، و((لا)) مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه، أعني قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنها تزادُ في الإثبات أيضاً، كقوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وهذا ما اختاره الزمخشريُّ ومُتابعوه في ((لا)) التي تُذكَر قبل القسم(٢). وقيل: إنَّها ردٌّ لمقدَّرٍ، أي: لا يكون الأمر كما زعمتُم، واختاره الطبرسي(٣). وقيل: مزيدةٌ لتأكيد النفي في الجواب، ولتأكيد القسم إن لم يكن نفي. وقال ابن المنير (٤): الظاهرُ عندي أنَّها هنا لتوطئةِ النفي المُقسَمِ عليه، (١) الكيلة فِعْلة من الكيل، وهي تدل على الهيئة مثل: الجِلْسة، والحشف: أردأ التمر، يضرب مثلاً لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين. مجمع الأمثال ٢٠٧/١. (٢) الكشاف ٥٣٨/١. (٣) في مجمع البيان ١٤٦/٥. (٤) في الانتصاف ٥٣٨/١ - ٥٣٩ بنحوه. الآية : ٦٥ ١١٧ سُورَةُ السَحَّةِ والزمخشري لم يذكر مانعاً من ذلك سوى مَجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات، وهو لا يأبَى مجيئَها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أنَّها لم تَرِدْ في القرآن إلا مع صريح فِعْل القسم ومع القسم بغير الله تعالى، مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهِذَا اٌلْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿لَآ أُقْسِمُ بِّوْمِ الْقِيَّمَةِ﴾ [القيامة: ١] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] قصداً إلى تأكيد القسم وتعظيم المُقسَم به، إذ لا يُقْسَمُ بالشي إلا إعظاماً له، فكأنَّه بدخولها يقول: إنَّ إعظامي لهذه الأشياءِ بالقسمِ بها كُلَا إعظامٍ، يعني: أنها تستوجبُ من التعظيم فوق ذلك، وهو لا يَحْسُنُ في القسم بالله تعالَى؛ إذ لا توهُّمَ لِيُزَاحَ، ولم تُسْمَعْ زيادتُها مع القسم بالله إلا إذا كان الجواب منفيًّا، فدلَّ ذلك على أنَّها معه زائدةٌ موطِّئةٌ للنفي الواقع في الجواب، ولا تكادُ تجدُها في غير الكتاب العزيز داخلةً على قسم مُثَبَتٍ، وإنما كثُرَ دخولُها على القسم وجوابُه نفيّ كقوله: يِّ لا يَدَّعي القومُ أَنِّي أَفِرّ(١) لا وأَبيكِ ابنةً العامِدِ و قوله : لِتَحْزُنَني فلا بِكِ ما أُبالي(٢) ألا نادتْ أُمامةُ بارْتِحالٍ وقوله: رأى بَرْقاً فأوضَعَ فوقَ بَكْرٍ فلا ◌ِكِ مَا أَسَالَ ولا أَغامَا (٣) إلى ما لا يُحصَى كثرةً، ومِن هذا يُعلَم الفرقُ بين المقامَين، والجوابُ عن قولهم: إنَّه لا فرقَ بينهما، فتأمَّل ذلك فهو حقيقٌ بالتأمل. (١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٥٤، والخزانة ٢٢١/١١، والانتصاف ٥٣٩/١. (٢) البيت لغُوَيَّة بن سُلْمي بن ربيعة، كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٠٠١/٢، والكشاف ١٨٩/٤، واللسان (طلل)، وقال صاحب اللسان: ومنهم مَن يقول: عُوية بعين مهملة، وهو دون نسبة في الخصائص ١٩/٢، وسر صناعة الإعراب ١٠٤/١، والانتصاف ٥٣٩/١، وجاء في جميع هذه المصادر: باحتمال، بدل: بارتحال، والمعنى واحد؛ قال المرزوقي: يقول: أظهرت هذه المرأة من نفسها ارتحالاً عني لتجلب عليَّ حزناً وغمًّا، وقوله: فلا بك ما أبالي، يمينّ فيها تهكم وسخرية. (٣) البيت لعمرو بن يربوع بن حنظلة كما في نوادر أبي زيد ص١٤٦، وهو دون نسبة في الخصائص ١٩/٢، وسر صناعة الإعراب ١٠٤/١، واللسان (أهل)، والانتصاف ٥٣٩/١. وجاء في هامش الأصل و(م) عند كلمة أوضع: أسرع. سُورَةُ النَّسَاءِ ١١٨ الآية : ٦٥ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي يجعلوك حَكّماً أو حاكماً، وقال شيخ الإسلام: يَتَحاكموا إليك وَيَتَرَافعوا، وإنَّما جيءَ بصيغة التحكيم مع أنَّهِ وَه حاكمٌ بأمر الله إيذاناً بأنَّ اللَّائق بهم أنْ يجعلوه عليه الصلاة والسلام حَكّماً فيما بينهم ويَرضَوْا بحُكْمِه وإنْ قُطِع النظر عن كونه حاكماً على الإطلاق(١). ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: فيما اختَلفَ بينهم من الأمورِ واختلَطَ، ومنه الشجرُ لِتَدَاخُلِ أغصانِهِ. وقيل للمنازعةِ: تَشَاجُرٌ؛ لأنَّ المتنازِعِينَ تَخْتلِفُ أقوالُهم وتتعارَضُ دَعَاوِيْهِم ويَختلِطُ بعضُهم ببعض. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يَنساق إليه الكلام، أي: فتَحْكُمَ بينهم ثم لا يَجِدوا ﴿فِيَّ أَنفُسِهِمْ﴾ وقلوبهم ﴿حَرَجًا﴾ أي: شًا، كما قاله مجاهد. أو ضِيْقاً كما قاله الجُبَّائيُّ. أو إثماً كما روي عن الضحاك. واختار بعضُ المحقّقين تفسيرَه بضِيْقِ الصدرِ لشائبةِ الكراهة والإباء، لِمَا أنَّ بعضَ الكَفَرة كانوا يَستیقنون الآيات بلا شكٌّ ولكنْ يَجحدون ظلماً وعُتوًّا، فلا يكونوا مؤمنين. وما رُوي عن الضحاك يُمكن إرجاعُه إلى أيِّ الأمرَين شئتَ. ونفيُ وجدانِ الحرجِ أبلغُ من نفيٍ الحرجِ كما لا يخفى، وهو مفعول به لـ (يجدوا)). والظرفُ قيلَ: حالٌ منه، أَو مُتعلِّقٌ بما عنده. وقولُه تعالى: ﴿مِّمَا قَضَيْتَ﴾ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لـ ((حرجاً))، وجَوَّزَ أبو البقاء(٢) تَعلَّقَه به. و((ما)) يحتمل أن تكونَ موصولةً، ونكرةً موصوفةً، ومصدريةً، أي: مِن الذي قضيته - أي: قضيتَ به - أو: مِن شيءٍ قضيتَ، أو: مِن قضائك. ﴾ أي: يَنقادوا لأمركَ ويُذعنوا له بظاهرهم وباطنهم، ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ كما يُشعر به التأكيدُ. ولعلَّ حُكمَ هذه الآيةِ باقٍ إلى يوم القيامة، وليس مخصوصاً بالذين كانوا في عصر النبيِّ وَِّ، فإنَّ قضاءَ شريعتِهِ عليه الصلاة والسلام قضاؤه، فقد روي عن الصادق به أنه(٣) قال: لو أنَّ قوماً عبدوا الله تعالى، وأقاموا (١) تفسير أبي السعود ٢/ ١٩٧ . (٢) في الإملاء ٢٧٩/٢ . (٣) قوله: أنه، ليس في (م). الآية : ٦٥ ١١٩ سُورَةُ الشَحَّةِ الصلاة، وآتوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجُّوا البيتَ، ثم قالوا لشيءٍ صَنَعه رسولُ اللهِ وَلّ: ألا صَنَع خلافَ ما صَنَع؟ أو وجَدُوا في أنفسهم حرجاً لكانوا مشركين، ثم تلا هذه الآية(١). وسببُ نزولها كما قال الشَّعبيُّ ومجاهد: ما مرَّ مِن قصَّةٍ بِشْرٍ واليهوديِّ اللذَين قضَى بينهما عمرُ بن الخطاب رُه بما قضى. وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه والبيهقيُّ(٢) من طريق الزهريِّ: أنَّ عروةَ ابن الزبير حدَّثه عن الزبير بن العوام: أنَّه خاصمَ رجلاً من الأنصار (٣) إلى رسول الله وَّهفِي شِرَاج(٤) من الحَرَّة كانا يَسقيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّح الماءَ يَمرّ. فَأَبِّى عليه، فقال رسولُ الله وَّهِ: («اسقِ يا زبيرُ ثم أَرْسِلِ الماء إلى جَارك)) فغضبَ الأنصاريُّ وقال: يا رسولَ الله أنْ كان ابنَ عمَّتك. فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِوَّه ثم قال: ((اسْقِ يا زبيرُ، ثمَّ احْبِس الماءَ حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْر (٥)، ثمَّ أرسلِ الماء إلى جارك)) واستوعَى رسولُ اللهِوَلَّهُ للزبير حقّه، وكان رسولُ الله ◌َّهِ قبلَ ذلك أشارَ على الزبير برأي أراد فيه السَّعَةَ له وللأنصاري، فلمَّا أَحْفَظَ(٦) رسولَ اللهِوَّهِ الأنصاريُّ استوعى للزبير حقَّه في صريحٍ (١) مجمع البيان ٥/ ١٤٧ . (٢) صحيح البخاري (٢٣٥٩، ٢٣٦٠) و(٢٧٠٨)، وصحيح مسلم (٢٣٥٧)، وسنن أبي داود (٣٦٣٧)، وسنن الترمذي (١٣٦٣)، والمجتبى ٢٤٥/٨، وسنن ابن ماجه (١٥)، وسنن البيهقي ٦/ ١٥٣. (٣) في هامش الأصل و(م): هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب، وقيل: حاطب بن راشد، وقيل: ثابت بن قيس. اهـ منه. وينظر تفصيل ذلك في تفسير القرطبي ٤٤١/٦، وفتح الباري ٣٥/٥-٣٦، وحاشية الشهاب ١٥٢/٣. (٤) في هامش الأصل و(م): جمع شرجة: مسيل الماء. اهـ منه. وفي النهاية (شرج): الشَّرْجة: مسيل الماء من الحرَّة إلى السهل. (٥) في هامش الأصل و(م): بالدال والذال: المسناة حول الزرع، ويقال لها: المرز. اهـ منه. وفي النهاية: الجَدْر هو هاهنا: المُسَنَّاة، وهو مارُفع حول المزرعة كالجدار، ويروى بالذال والمحفوظ بالدال المهملة. النهاية (جدر) و(جذر). والمَرْز: الحُباس الذي يحبس الماء، فارسي معرَّب. التاج (مرز). (٦) في هامش الأصل و(م): أي أغْضَب. اهـ منه. سُورَةُ الْتَشَّةِ ١٢٠ الآية : ٦٦ الحكم. فقال الزبير: ما أحسِبُ هذه الآية نزلَتْ إلا في ذلك ﴿فَلَ وَرَبِّكَ﴾ إلخ. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَهِمْ﴾ أي: فَرَضْنا وَأَوْجَبْنا ﴿أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي(١): كما أمرنا بني إسرائيل، وتفسيرُ ذلك بالتعرُّض له بالجهاد بعيدٌ ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل أيضاً بالخروج مِن مصرَ، والمرادُ: إنما كتبنا عليهم إطاعةَ الرسولِ والانقيادَ لحكمه والرضا به، ولو كتبنا عليهم القتلَ والخروجَ من الديار كما كتبنا ذلك على غيرهم ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمّ﴾ وهمُ المخلصون مِن المؤمنين كأبي بكرٍ رَُّه، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا نزلَتْ هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله لو أَمرتَني أنْ أقتلَ نفسي لفعلت. فقال: ((صدقت يا أبا بكر)). وكعبدِ الله بن رواحة، فقد أخرج عن شريح بن عبيد أنها لمَّا نزلت أشارَ وَه بيده إليه فقال: ((لو أنَّ الله تعالى كَتَبَ ذلك لكان هذا مِن أولئك القليل)). وكابنٍ أمِّ عبد، فقد أخرجَ عن سفيان أنَّ النبيِّ وَّ قال: لو («لو نزلَتْ كان منهم) . وأخرج عن الحسن قال: لمَّا نزلَتْ هذه الآية قال أُناسٌ من الصحابة: لو فعل ربُّنا لفعلنا. فبلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّهِ فقال: ((لَلإيمانُ أثبتُ في قلوبٍ أهله من الجبال الرواسي» (٢). وروي أنَّ عمر عظُبه قال: واللهِ لو أُمرنا لفعلَنا فالحمدُ لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبيَّ ◌َ﴿ه فقال: ((إنَّ مِن أمتي لَرجالاً الإيمانُ أثبتُ في قلوبهم مِن الجبال الرواسي)»(٣). وفي بعض الآثار: أنَّ الزبيرَ وصاحبَه لمَّا خرجا بعد الحُكْم من رسول الله وَّل مرَّا على المقداد فقال: لِمَنِ القضاء؟ فقال الأنصاريُّ: لابنِ عمَّته، ولَوَّى شِدْقَه، (١) قوله: أي، ليس في الأصل. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩٩٥/٣، وكلها مرسلات كما هو واضح. (٣) ذكره مقاتل بن سليمان كما في العجاب لابن حجر ٢/ ٩١٢، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٠٧ من طريق أبي إسحاق السبيعي: أن رجلاً قال، ولم يسمه.