Indexed OCR Text

Pages 1-20

عُ الْمَعَانِ
في
تُفِي القرآن العظيم والسَّفْع المثَانى
تأليف
شِهَابُ الَّذِينْ أَبِمُ الثَّنَاءِ
يَحْمُودِ بْن عَبْدُاللَّهُ الالوسيْ الْبُعْدادِيِّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
يَاهِرْ جَبُوش
سَاهُمْ في تحقيقه
خضر الرّيْدي
فَاكِرُ الحناوي
الَجَدّد السَّاروسُ
مؤسسة الرسالة

-3

◌ُوعُ المَعَانِى
في
تَفِ القرآن العظيم وِسَنْ المَاني
(٦)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
ـة
مؤسسو
للطبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع
بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ النَّسَاءِ
﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَفْرَبُونَ﴾ لا بدَّ فيه من تقدير مضافٍ
إليه، أي: لكلِّ إنسان، أو لكلِّ قوم، أو لكلِّ مال، أو تركة، وفيه على هذا وجوه
ذكرها الشهاب نوَّر الله تعالى مَرقده :
الأول: أنه على التقدير الأول معناه: لكل إنسانٍ مَورُوثٍ جعلنا موالي، أي:
وُرَّاثاً(١) مما ترك، وهنا تم الكلام، فيكون ((مما ترك)) متعلّقاً بـ ((موالي)) أو بفعلٍ
مُقدَّر، و((موالي)) مفعولاً أولاً لـ ((جعل)) بمعنى ((صيّر))، و(لكل)) هو المفعولُ الثاني
له قُدِّم عليه لتأكيدِ الشمول، ودَفْعٍ تَوهُم تَعلَّقِ الجعلِ ببعضٍ دونَ بعضٍ، وفاعل
(ترك)) ضميرُ ((كل))، ويكونُ ((الوالدان)» مرفوعاً على أنه خبرٌ مبتدأ محذوفٍ، كأنه
قيل: ومَنِ الوارثُ(٢)؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون.
والثاني: أنَّ التقدير: لكلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا وُرَّاثاً مما تركه ذلك الإنسان،
ثم بَيَّن ذلك الإنسان بقوله سبحانه: ((الوالدان))، كأنه قيل: ومَنْ هذا الإنسانُ
الموروثُ؟ فقيل: ((الوالدان والأقربون))، وإعرابه كما قبله غيرَ أنَّ الفرق بينهما أنَّ
((الوالدان والأقربون)) في الأول وارثون، وفي الثاني مَورُوثون. وعليهما فالكلام
جملتان .
والثالثُ: أنَّ التقدير: ولكلٍّ إنسانٍ وارثٍ مما تركه الوالدن والأقربون جعلنا
موالي، أي: موروثين، فالمولى الموروث، و((الوالدان)) مرفوع بـ ((ترك))، و((ما))
بمعنى (مَنْ))، والجار والمجرور صفة ما أضيف(٣) إليه ((كل))، والكلام جملةٌ واحدة.
(١) في الأصل: وارثاً، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب.
(٢) في حاشية الشهاب: الوراث.
(٣) في (م): أضيفت.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٦
الآية : ٣٣
والرابع: أنه على التقدير الثاني معناه: ولكلِّ قوم جعلناهم موالي نصيبٌ
مما تركه والداهم وأقربوهم، فـ (لكل)) خبرُ نصيبِ المقدَّرِّ مؤخّراً، وجعلناهم صفةٌ
قوم؛ والعائدُ الضميرُ المحذوفُ الذي هو مفعولُ جَعَل، و((موالي)): إما مفعولٌ
ثانٍ، أو حال، و((مما ترك)) صفةُ المبتدأ المحذوف الباقي صفتُه كصفة المضاف إليه
وحذف العائد منها، ونظيرُه قولك: لكلِّ مَن خَلَقَه الله تعالى إنساناً مِن رِزْقِ الله
تعالى، أي: لكلِّ واحدٍ خلقه الله إنساناً نصيبٌ من رزق الله تعالى.
والخامس: أنه على تقدير الثالث معناه: لكلِّ مالٍ أو تركة مما ترك الوالدان
والأقربون جعلنا موالي، أي: وُرَّاناً يَلُونه ويَحُوزُونه، ويكونُ ((لكل)) متعلِّقاً
بـ ((جعل))، و((مما تَرَك)) صفةٌ ((كل)).
واعتُرِض على الأول والثاني بأنَّ فيهما تفكيكَ النظم الكريم، مع أنَّ المولى
يُشبه أنْ يكون في الأصل اسمَ مكانٍ لا صفةً، فكيف تكون ((مِن)) صلةً له؟
وأُجِيبَ عن هذا بأنَّ ذلك لتضمُّنه معنى الفعل، كما أُشيرَ إليه، على أنَّ كونَ
المولى ليس صفةً مخالفٌ لكلام الراغب(١)، فإنه قال: إنه بمعنى الفاعل
والمفعول، أي: المُوَالي والمُوَالَى. لكن وَزْن ((مفعل)) في الصفة أنكره قومٌ، وقال
ابن الحاجب في ((شرح المفصل))(٢): إنه نادر. فإما أن يُجعلَ من النادر، أو مما عبِّر
عن الصفة فيه باسم المكان مجازاً لتمكنها وقرارها في موصوفها. ويمكن أن يجعل
من باب: المجلس السامي (٣).
واعتُرض على الثالث بالبُعد. وعلى الرابع بأنَّ فيه حَذْفَ المبتدأ الموصوفِ
بالجارِّ والمجرور وإقامتَه مُقامه، وهو قليل، وبأنَّ لكلِّ قوم من الموالي جميعَ ما ترك
الوالدان والأقربون لا نصيباً(٤)، وإنما النصيب لكلِّ فردٍ.
وأُجيب عن الأول بأنه ثابتٌ مع قلَّته كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾
[الصافات: ١٦٤] ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١].
(١) في مفرداته (ولي)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٣٢/٣.
(٢) واسمه الإيضاح، وهو شرح المفصل الزمخشري، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣/ ١٣٢ .
(٣) أي: هو من إطلاق اسم المكان - الذي هو المجلس - على مَن به. ينظر ما سلف ٤/ ٤١٣.
(٤) في الأصل و(م): لا نصيب، والمثبت من حاشية الشهاب ٣/ ١٣٢.

الآية : ٣٣
٧
سُورَةُ النساءِ
وعن الثاني: بأنَّ ما يَستحقُّه القومُ بعضُ التركة لتقدُّم التجهيز والدَّين والوصية
إنْ كانا. وأما حَمْل ((مِن)) على البيان للمحذوف فبعيدٌ جداً.
وتعقّب الشهاب(١) الجواب عن الأول بأنَّ فيه خَللاً مِن وَجْهَين:
أما أولاً: فلأنَّ ما ذكر لا شاهدَ له فيه؛ لما قرَّرَه النحاة أنَّ الصفة إذا
كانت جُملةً أو ظرفاً تُقام مقام مَوصوفها بشرط كونِ المنعوتِ بعضَ ما قبله مِن
مجرور بـ ((من)) أو ((في))، وإلا لم تَقُم مقامه إلا في شعر، وما ذُكر داخلٌ فيه
دون الآية.
وأما ثانياً: فلأنَّه ليس المرادُ بقيامها مقامَه أنْ تكون مبتدأً حقيقةً، بل المبتدأ
محذوفٌ وهذا بيانُه، كما أُشير إليه في التقرير، فلا وجهَ لاستبعاده، نعم ما ذَكَروه
وإنْ كان مشهوراً غيرُ مُسلَّم، فإنَّ ابن مالك صرَّح بخلافه في ((التوضيح»، وجَوَّز
حَذْف الموصوف في السعة بدون ذلك الشرط. فالحق أنه أغلبيٍّ لا كُلِّيّ.
واعتُرض على الخامس بأنّ فيه الفصلَ بين الصفةِ والموصوف بجملةٍ عاملةٍ في
الموصوف، نحو: بكلِّ رجلٍ مَرَرْتُ تميميٍّ، وفي جوازه نظر.
وردَّ بأنَّه جائز كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الَِّ أَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأنعام: ١٤] فـ ((فاطر)) صفةُ الاسم الجليل وقد فُصِلَ بينهما بـ ((أتخذُ)) العاملِ في
(غير))، فهذا أولى.
والجواب بأنَّ العاملَ لم يَتخلَّل، بل المعمول تقدَّم فجاء التخلُّلُ مِن ذلك فلم
يضعف، إذ حقُّ المعمول التأخّر عن عامله، وحينئذٍ يكونُ الموصوف مقروناً
بصفته = تكلفٌ مُستغنّی عنه.
واختار جمعٌ من المحقّقين هذا الخامس والذي قبله، وجعلوا الجملةَ مبتدأةً
مُقرِّرة لمضمون ما قبلها، واعتَرضوا على الوجه الأول بأنَّ فيه خروجَ الأولاد؛
لأنهم لا يدخلون في الأقربين عرفاً، كما لا يدخل الوالدان فيهم، وإذا أُريدَ المعنَى
اللغويُّ شَمِلَ الوالدين.
(١) في الحاشية ١٣٢/٣.

سُودَةُ النَّسَاءِ
٨
الآية : ٣٣
ورُدَّ بأنَّ هذا مُشترك الورود، على أنه قد أُجيب عنه بأنَّ تَرْك الأولاد لظهور
حالهم من آية المواريث، كما تُرك ذكرُ الأزواج لذلك، أو بأنَّ ذِكْر الوالدين
لشرفهم والاهتمام بشأنهم، فلا محذور من هذه الحيثية. تدبر.
﴿وَاُلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ هم موالي الموالاة؛ أخرج ابنُ جريرَ وغيرُه عن
قتادةَ قال: كانَ الرجل يُعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول: دمي دمُك، وهَدْمي
هدمُك، وتَرِثُني وأَرِتُكَ، وتطلبُ بي وأطلبُ بك، فَجُعِل له السدسُ من جميع المال
في الإسلام، ثم يَقسمُ أهلُ الميراث ميراثَهم، فنُسخَ ذلك بعدُ في سورة الأنفال
بقوله سبحانه: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ يَبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥](١). وروي ذلك من
غير ما طريقٍ عن ابن عباس ﴿ّ، وكذلك عن غيره(٢)،
ومَذهب أبي حنيفة ◌َّته أنه إذا أَسلَم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أنْ يرثَه
ويَعقلَ عنه، صحَّ وعليه عَقْلُه وله إرتُه إنْ لم يكن له وُرَّاتَ أصلاً، وخبرُ النسخ
المذكور لا يقوم حجةً عليه، إذ لا دلالة فيما ادُّعي ناسخاً على عدمٍ إرْثِ الحليفِ،
لا سيما وهو إنما يَرتُه عند عدم العصبات وأولي الأرحام.
والأيمان هنا جمعُ ((يمين)) بمعنى اليد اليمنى، وإضافة العقد إليها لوضعهم
الأيدي في العقود، أو بمعنى القَسَم، وكونُ العقد هنا عقدَ النكاح خلافُ الظاهر،
إذ لم يُعهد فيه إضافتُه إلى اليمين.
وقرأ الكوفيون: ((عَقَّدَت)) بغير ألف، والباقون: ((عاقَدَتْ)) بالألف(٣)، وقرئ
بالتشديد أيضاً (٤). والمفعول في جميع القراءات محذوفٌ، أي: عهودهم،
والحذف تدريجيٍّ ليكون العائدُ المحذوف منصوباً، كما هو الكثيرُ المطَّرد.
وفي الموصول أوجهٌ من الإعراب:
الأول: أنْ يكونَ مبتدأً وجملةُ قوله تعالى: ﴿فَثَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ خبرُه، وزيدت
الفاءُ لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط.
(١) تفسير الطبري ٦٧٦/٦، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٩١٩٧).
(٢) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٤١٠-٤١٥)، وتفسير الطبري ٦ / ٦٧٥ -٦٧٦ .
(٣) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص٢٦.

الآية : ٣٤
٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
والثاني: أنه منصوب على الاشتغال، قيل: ويَنبغي أنْ يكونَ مختاراً، لئلا يقعَ
الطلب خبراً، لكنهم لم يختاروه لأنَّ مثله قلَّما يَقع في غير الاختصاص، وهو غيرُ
مناسبٍ هنا، ورُدَّ بأنَّ: زيداً ضربتُه، إن قدِّر العامل فيه مؤخّراً أفاد الاختصاص،
وإنْ قُدِّر مقدَّماً فلا يُفيده، ولا خفاءَ أنَّ الظاهر تقديره مقدَّماً، فلا يلزم
الاختصاص.
والثالث: أنه معطوف على ((الوالدان))، فإنْ أُريد أنهم موروثون عاد الضمير من
(فآتوهم)) على ((موالي))، وإنْ أريد أنهم وارثون جاز عودُه على ((موالي)) وعلى
(الوالدين)) وما عطف عليهم. قيل: ويضعفه شُهرة الوقف على ((الأقربون)) دون
((أيمانكم).
والرابع: أنه منصوب بالعطف على ((موالي))، وهو تكلُّف.
وفي رواية عن ابن عباس ﴿ا أخرجها البخاري وأبو داود والنسائي وجماعة،
أنه قال في الآية: كان المهاجرون لما قدِموا المدينة يَرِث المهاجرُ الأنصاريَّ دون
ذوي رحِمِه؛ للأخوَّة التي آَخَى النبيُّ وَّه بينهم، فلما نَزَلتْ ﴿وَ لِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِ﴾
نَسَخَت، ثم قال: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصر والرفادة
والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له(١). وروي عن مجاهد مثلُه. وظاهرٌ
ذلك عدمُ جواز العطف، إذ مَن عَطَف أرادَ: فآتوهم نصيبهم من الإرث.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ﴾﴾ أي: لم يَزل سبحانه عالماً
بجميع الأشياء، مُطَّلعاً عليها جَلِيِّها وخَفِيِّها، فيَطّلع على الإيتاء والمنع، ويجازي
كلَّ من المانع والمؤتي حسبَ فعله، ففي الجملة وَعْدٌ ووعيد.
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: شأنهم القيامُ عليهنَّ قيامَ الولاة على الرعية
بالأمر والنهي ونحو ذلك. واختيار الجملة الاسمية مع صيغة المبالغة للإيذان
بعراقتهم ورُسوخهم في الاتِّصاف بما أسند إليهم. وفي الكلام إشارةٌ إلى سبب
استحقاق الرجال الزيادةَ في الميراث، كما أنَّ فيما تقدَّم رمزاً إلى تفاوت مراتب
الاستحقاق.
(١) صحيح البخاري (٢٢٩٢)، وسنن أبي داود (٢٩٢٤)، وسنن النسائي الكبرى (٦٣٨٤).

سُورَةُ النساء
١٠
الآية : ٣٤
وعلَّل سبحانه الحكم بأمرين: وهبيٍّ وكسبيٍّ، فقال عزَّ شأنه: ﴿بِمَا فَضَلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فالباء للسببية وهي متعلِّقة بـ (قوّامون)) كـ((على))، ولا محذورَ
أصلاً، وجُوِّز أنْ تتعلَّق بمحذوفٍ وقع حالاً من ضميره، والباء للسببية أو
للملابَسة، و(ما)) مصدرية، وضمير الجمع لكلا الفريقين تغليباً، أي: قوَّامُون عليهنَّ
بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مُستحقِّين ذلك بسبب التفضيل، أو
مُتلبسين بالتفضيل.
وعَدَل عن الضمير، فلم يَقل سبحانه: بما فضَّلهم الله عليهنَّ؛ للإشعار بغاية
ظُهور الأمر، وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضَّل والمفضَّل(١) عليه بالكُلِّية.
وقيل: للإبهام؛ للإشارة(٢) إلى أنَّ بعض النساء أفضلُ مِن كثيرٍ مِن الرجال.
وليس بشيءٍ.
وكذا لم يصرِّح سبحانه بما به التفضيل رمزاً إلى أنه غنيٌّ عن التفصيل، وقد
وَرَد أنهنَّ ناقصاتُ عقلٍ ودين(٣)، والرجالُ بعكسهنَّ كما لا يخفى، ولذا خُصُّوا
بالرسالة والنبوة على الأشهر، وبالإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر كالأذان
والإقامة والخطبة والجمعة وتكبيرات التشريق عند إمامنا الأعظم، والاستبداد
بالفراق وبالنكاح عند الشافعية، وبالشهادة في أمَّهات القضايا، وزيادةٍ السهم في
الميراث والتعصيب، إلى غير ذلك.
﴿وَيِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ عطفٌ على ما قبله، فالباءُ متعلِّقة بما تعلَّقتْ به
الباء الأولى، و((ما)) مصدرية، أو موصولة وعائدها محذوف، و((مِن)) تبعيضية، أو
ابتدائية مُتعلِّقة بـ ((أنفقوا))، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من العائد المحذوف.
وأُريد بالمنفَق كما قال مجاهد: المهرُ. ويجوز أنْ يرادَ بما أنفقوه ما يعمُّه
والنفقةً عليهنّ.
(١) قوله: والمفضل، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٧٣/٢،
والکلام منه.
(٢) في الأصل: وللإشارة.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٥٣٤٣)، ومسلم (٧٩) عن عبد الله بن عمر ريبًا، والبخاري
(٣٠٤) عن أبي سعيد الخدري ظُه.

الآية : ٣٤
١١
سُورَةُ السَّاءِ
والآية - كما روي عن مقاتل - نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو - وكان من
النقباء - وفي امرأته حبيبةً بنتٍ زيد بن أبي زُهير، وذلك أنها نَشَزت عليه فلطمها،
فانطلق أبوها معها إلى النبيِّ وَّه فقال: أَفرشْتُهُ كريمتي فلطمها! فقال النبيُّ ◌َلّى:
(لتقتصَّ مِن زوجها)) فانصرفَتْ مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال النبي ◌َّ: ((ارْجِعُوا، هذا
جبريلُ عليه السلام أتاني)) وأنزل الله هذه الآية، فتلاها وَّل ثم قال: ((أَرذنا أمراً
وأراد الله تعالى أمراً، والذي أراده الله تعالى خير))(١).
وقال الكلبيُّ: نزلَتْ في سعد بن الربيع وامرأتِه خولةً(٢) بنتٍ محمد بن
مسلمة(٣)، وذكر القصة.
وقال بعضهم: نزلَتْ في جميلةً بنتِ عبد الله بن أبيّ وزوجِها ثابتٍ بن قيس بنِ
شماس، وذكر قريباً منه(٤).
واستُدلَّ بالآية على أنَّ للزوج تأديبَ زوجته ومَنْعَها من الخروج، وأنَّ عليها
طاعتَه إلا في مَعصيةِ الله تعالى، وفي الخبر: ((لو أمرتُ أحداً أنْ يسجدَ لأحدٍ
لأمرتُ المرأة أن تسجد لبعلها)»(٥).
واستدلَّ بها أيضاً مَن أجازَ فسخَ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة، وهو
مذهب مالك والشافعي؛ لأنَّه إذا خرج عن كونه قَوَّاماً عليها فقد خرج عن الغرض
المقصودِ بالنكاح، وعندنا لا فَسْخَ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ فَنَظِرَةُ إِلَى
٠٠٠٠
[البقرة: ٢٨٠].
ميسرةٍ
(١) أسباب النزول للواحدي ص١٤٤. وأخرجه الطبري ٦٨٨/٦ عن الحسن مختصراً دون ذكر
الأسماء.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير الثعلبي كما في الإصابة ٥٩/٣: عميرة، وكذا في
تفسير القرطبي ٢٧٩/٦، ووقع في تفسير البغوي ٢٢٤/١: حبيبة.
(٣) في (م): سلمة، والمثبت من الأصل وهو الموافق لما في المصادر.
(٤) ذكره الثعلبي في تفسيره ٣٠٢/٣ عن أبي روق.
(٥) أخرجه الترمذي (١١٥٩)، وابن حبان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة ظه، وقال الترمذي:
حسن غريب. وأخرجه أحمد (٢٤٤٧١) من حديث عائشة ، و(١٩٤٠٣) من حديث
عبد الله بن أبي أوفى.

سُورَةُ الشَّكَاةِ
١٢
الآية : ٣٤
واستَدلَّ بها أيضاً مَن جعل للزوج الحَجْرَ على زوجته في نفسها ومالها،
فلا تَتَصرَّف فيه إلا بإذنه؛ لأنه سبحانه جَعَل الرجل قوَّاماً بصيغةِ المبالغة، وهو
الناظر على الشيء الحافظُ له.
﴿فَلْضَلِحَتُ﴾ أي: منهنَّ ﴿قَنِتَتُّ﴾ شُروعٌ في تفصيل أحوالهن، وكيفيةِ القيام
عليهنَّ بحَسَب اختلاف أحوالهن، والمراد: فالصالحات منهنَّ مُطيعاتٌ لله تعالى
ولأزواجهن.
﴿حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: يحفظْنَ أنفسَهنَّ وفروجَهن في حال غيبةِ أزواجهنَّ؛
قاله الثوريُّ وقتادة(١). أو: يحفظْنَ في غَيبةِ الأزواج ما يجبُ حفظُه في النفس
والمال، فاللام بمعنى ((في))، و(الغيب)) بمعنى ((الغيبة))، و((أل)) عوضٌ عن المضاف
إليه على رأي.
ويجوزُ أنْ يكونَ المراد: حافظات لواجب الغيب، أي: لما يجبُ عليهنَّ حفظُه
حال الغيبة، فاللام على ظاهرها.
وقيل: المراد: حافظات لأسرار أزواجهنَّ، أي: ما يقعُ بينهم وبينهنَّ في
الخلوَةِ، ومنه المنافسة والمنافرةُ واللطمةُ المذكورة في الخبر. وحينئذٍ لا حاجةً إلى
ما قيل في اللام، ولا إلى تفسير ((الغيب)» بالغيبة، إلا أنَّ ما أخرجه ابن جرير
والبيهقيُّ وغيرُهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((خيرُ النساءِ التي
إذا نظرتَ إليها سرَّتْكَ، وإذا أَمرْتَها أطاعَتْك، وإذا غِبْتَ عنها حَفظَتْكَ في مالِكَ
ونفسِها)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ﴾ إلى ﴿لِّلْغَيْبٍ﴾(٢) = يُبعدُ هذا
القولَ، ومِن الناس مَن زعم أنه أنسبُ بسبب النزول.
﴿بِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ أي: بما حفِظهنَّ الله تعالى في مهورهنَّ، وإلزامِ أزواجهنَّ
النفقةَ عليهنَّ؛ قاله الزجَّاج. وقيل: بحفظ الله تعالى لهنَّ وعصمتِهِ إياهنَّ، وَلَولا أنَّ الله
تعالى حَفِظهنَّ وعَصَمهنَّ لما حُفظْنَ. فـ ((ما)) إما موصولة، أو مصدرية.
(١) أخرج قولهما الطبري ٦٩٢/٦-٦٩٣. ووقع في (م): قال، بدل: قاله.
(٢) تفسير الطبري ٦٩٣/٦، وسنن البيهقي ٧/ ٨٢، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٨٩١٢)،
والطيالسي (٢٣٢٥)، والبغوي في التفسير ٤٢٣/١. وله شاهد من حديث ابن عباس
أخرجه أبو داود (١٦٦٤)، والحاكم ٤٠٩/١ وصححه، والبيهقي ٨٣/٤.

الآية : ٣٤
١٣
سُورَةُ السَكَاةِ
وقرأ أبو جعفر: ((بما حَفِظ الله)) بالنصب(١)، ولا بدَّ من تقدير مضافٍ على هذه
القراءة، كدِين الله وحقّه؛ لأنَّ ذاته تعالى لا يحفظُها أحدٌ، و((ما)) موصولةٌ أو موصوفة.
ومَنَع غيرُ واحد المصدرية لخلوِ ((حفظ) حينئذٍ عن الفاعل ؛ لأنه کان یجب أن يقال:
بما حَفِظْنَ الله. وأُجيب عنه: بأنه يجوز أن يكون فاعله ضميراً مفرداً عائداً على جمع
الإناث لأنه في معنى الجنس، كأنه قيل: فَمَن حفظ الله (٢)، وجعله ابنُ جنِّي كقوله:
فإنَّ الحوادثَ أَوْدَى بها(٣)
ولا يخفى ما فيه من التكلُّف وشُذوذٍ تَرْكِ التأنيث، ومثلُه لا يَليقُ بالنظم الكريم
كما لا يخفى.
ثم إنَّ صيغة جمع السلامة هنا للكثرة: أمَّا المعرَّف فظاهر، وأما المنكَّر فلأنه
حمل عليه فلا بد من مطابقته له في الكثرة وإلا لم يَصْدُق على جميع أفراده، وقد
نصَّ على ذلك في ((الدر المَصُون))(٤).
وقرأ ابن مسعود: ((فالصَّوَالحُ قَوَانِتُ حَوَافِظُ للغيب بما حَفِظِ اللهُ فَأَصْلِحوا
إليهنَّ))(٥)، وأخرج ابن جرير عنه زيادة ((فأصلحوا إليهن)) فقط(٦).
﴿وَِّ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: ترفُّعَهُنَّ عن مطاوعتكم وعِصْيانَهُنَّ لكم، من النَّشر
- بسكون الشين وفتحها - وهو المكان المرتفع، ويكونُ بمعنى الارتفاع.
(١) النشر ٢٤٩/٢.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: فَمَن صلح. ينظر ما ذكرناه في مقدمتنا لهذا الكتاب ٥٤/١.
(٣) البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في ديوانه ص٢١، والكتاب ٤٦/٢. ورواية الديوان:
ألوى بها، وصدره في الكتاب: فإما تَريْ لَمَّتي بدلت، وفي الديوان: فإن تعهديني ولي لمةٌ.
وهذا الوجه ذكره عن ابن جني السمين في الدر ٦٧١/٣، والشهاب في الحاشية ١٣٣/٣،
وعنه نقل المصنف، وقد أورد ابن جني في المحتسب ١٨٨/١ هذه القراءة ولم يذكر هذا
الوجه الذي نسب إليه .
(٤) ٦٧٢/٣.
(٥) الكشاف ٥٢٤/١، والبحر ٢٤٠/٣ قال أبو حيان: وينبغي حملُها على التفسير؛ لأنها
مخالفة لسواد المصحف، وفيها زيادة، وقد صح عنه - يعني عن ابن مسعود - بالنقل الذي
لا شك فيه أنه قرأ وأقرأ على رسم السواد.
(٦) تفسير الطبري ٦ /٦٩٥.

سُورَةُ الْسَكَّةِ
١٤
الآية : ٣٤
﴿فَعِظُوهُنَ﴾ أي: فانصحوهن، وقولوا لهن: اتَّقينَ الله وارجِعْنَ عمَّا أنتنَّ
عليه. وظاهرُ الآية تَرُّبُ هذا على خوف النشوز وإنْ لم يقع، وإلا لقيل: نَشَزْنَ،
ولعله غير مراد، ولذا فسَّر في ((التيسير)) ((تخافون)» بتعلمون، وبه قال الفرَّاء كما نقله
عنه الطبرسي(١)، وجاء الخوف بهذا كما في ((القاموس))(٢).
وقيل: المراد: تخافون دوامَ نُشوزِهن، أو أقصى مراتبه، كالفرار منهم في
المراقد.
واختار في ((البحر)) أنَّ في الكلام مقدَّراً، وأصلُه: واللاتي تخافون نُشوزَهن
ونَشزْنَ فعظوهنَّ(٣)، وهو خطابٌ للأزواج وإرشادٌ لهم إلى طريق القيام عليهن.
﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ أي: مواضع الاضطجاع، والمراد: اتركوهنَّ
مُنْفردات في مضاجعهنّ، فلا تُدخلوهن تحتَ اللُّحف ولا تُباشروهن، فيكونُ الكلام
كنايةً عن ترك چِماعِهنَّ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير.
وقيل: المرادُ: اهجروهُنَّ في الفراش بأنْ تُولُّوهُنَّ ◌ُظُهورَكم فيه، ولا تَلتفتوا
إليهنَّ، وروي ذلك عن أبي جعفر عظبه، ولعلَّه كنايةٌ أيضاً عن تَرْك الجماع.
وقيل: المضاجع: المَبَايِت، أي: اهجروا حُجَرَهنَّ، ومحلَّ مَبِيتهن.
وقيل: ((في)) للسبية، أي: اهجروهنَّ بسبب المضاجع، أي: بسبب تَخلُّفِهن عن
المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس ثًّا فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة مِن طريق
أبي الضُّحى(٤). فالهجران على هذا في(٥) المنطق؛ قال عكرمة: بأن يُغلظَ لها
القول(٦).
(١) في مجمع البيان ٩٥/٥، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٦٥/١.
(٢) مادة (خوف).
(٣) البحر ٢٤٢/٣.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤٠١/٤، ولفظه: ((واهجروهن في المضاجع)) قال: إذا أضاعته في
المضجع فليس له أن يضربها .
(٥) قوله: في، ساقط من (م).
(٦) أخرجه الطبري ٦/ ٧٠٤ بلفظ: إنما الهجران بالمنطق، أن يغلظ لها، وليس بالجماع.

الآية : ٣٤
١٥
سُورَة النَّسَكَاةِ
وزَعَم بعضهم أنَّ المعنى: أكرهوهنَّ على الجماع واربطوهنَّ، مِنْ هَجَرَ البعير:
إذا شدَّه بالهِجَار. وتعقّبه الزمخشري(١) بأنه من تفسير الثقلاء.
وقال ابن المنير(٢): لعلَّ هذا المفسِّر يتأيَّد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ فإنه
يدلُّ على تقدُّم إكراهٍ في أمرٍ ما، وقرينة ((المضاجع)) تُرشد إلى أنه الجماع، فإطلاقُ
الزمخشريِّ لما أطلقه في حقِّ هذا المفسرِ من الإفراط. انتهى. وأظنُّ أنَّ هذا لو
عُرض على الزمخشري لنَظَم قائله في سِلْك ذلك المفسّر، ولعدَّ تَرْكَه من التفريط.
وقرئ: ((في المُضْطَجَعِ)) و ((المَضْجَع))(٣).
﴿وَأَضْرِبُوهُنٍّ﴾ يعني ضرباً غيرَ مبرِّح، كما أخرجه ابنُ جرير عن حجاج عن
رسول الله وَّةَ(٤). وفُشِّر غيرُ المبرِّح بأنْ لا يَقطع لحماً، ولا يَكسر عظماً. وعن
ابن عباس أنه الضَّرْبُ بالسواك ونحوِه.
والذي يدلُّ عليه السياق والقرينة العقلية أنَّ هذه الأمور الثلاثة مترتّبة، فإذا
خِيف نُشوزُ المرأةِ تُنصَح، ثم تُهجَر، ثم تُضرب، إذ لو عكس استغنى بالأشدِّ عن
الأضعفِ، وإلا فالواو لا تدلُّ على الترتيب، وكذا الفاء في ((فعظوهن)) لا دلالة لها
على أكثر من تَرتيبِ المجموع، فالقولُ بأنها أظهرُ الأدلة على الترتيب ليس بظاهر.
وفي ((الكشف)): الترتيبُ مستفادٌ من دُخولِ الواو على أجزئةٍ مختلفة في الشدة
والضعف، مُترتّةٍ على أمرٍ مُدرَّج، فإنما النص هو الدال على الترتيب.
هذا وقد نصَّ بعضُ أصحابنا أنَّ للزوج أنْ يضربَ المرأة على أربع خصال،
وما هو في معنى الأربع: تَرْكُ الزينةِ والزوجُ يُريدها، وتَركُ الإجابة إذا دعاها إلى
فراشه، وتركُ الصلاة - في روايةٍ - والغسل، والخروجُ من البيت إلا لعذر
شرعي.
(١) في الكشاف ١/ ٥٢٤-٥٢٥.
(٢) في الانتصاف بهامش الكشاف ٥٢٤/١ .
(٣) القراءات الشاذة ص٢٦، والكشاف ١/ ٥٢٤.
(٤) تفسير الطبري ٧١٢/٦، وله شاهد من حديث جابر عند مسلم (١٢١٨)، وآخر من حديث
عمرو بن الأحوص عند الترمذي (١١٦٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

سُورَةُ الشَكَاةِ
١٦
الآية : ٣٤
وقيل: له أنْ يَضربها متى أغضبته، فعنْ أسماء بنت أبي بكر ◌ًَّا: كنتُ رابعةً
أربع نسوةٍ عند الزبير، فإذا غَضِبَ على واحدة منَّا ضَرَبها بعود المشجب حتى
یکسره عليها .
ولا يخفى أنَّ تحمُّلَ أذى النساءِ والصبرَ عليهنَّ أفضلُ من ضربهنَّ إلا لداعِ
قويٌّ، فقد أخرج ابن سعد والبيهقيُّ عن أم كلثوم بنت الصديق ظنًّا قالت: كان
الرجال نهوا عن ضربٍ النساء، ثم شكّوهنَّ إلى رسول الله وِّر، فخلّى بينهم وبين
ضَرْبهنَّ، ثم قال: ((ولنْ يضرِبَ خيارُكم))(١).
وذكر الشعراني قُدِّس سرُّه: أنَّ الرجل إذا ضربَ زوجته ينبغي أنْ لا يسرع في
جماعها بعد الضرب. وكأنه أَخَذ ذلك مما أخرجَهُ الشيخان وجماعةٌ عن عبد الله بنِ
زمعة قال: قال رسول الله وَله: ((أَيَضْرِبُ أحدُكم امْرَأْتَه كما يضربُ العبد ثم
يُجامِعُها في آخر اليوم؟!))(٢).
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة ﴿ّا بلفظ: ((أمَا يَستحي أحدُكم أنْ يضربَ
امرأته كما يضربُ العبد، يَضرِبُها أولَ النهارِ ثمَّ يُجامعُها آخره)»(٣) وللخبر مَحملٌ
آخَرُ لا يَخْفَی.
﴿فَإِنْ أَعْنَكُمْ﴾ أي: وافقْنَكم وانقدْنَ لِمَا أَوجبَ الله تعالى عليهن مِن طاعتكم
بذلك، كما هو الظاهر. ﴿فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً
إلى التعدِّي عليهنَّ، أو: لا تَظلِموهنَّ بطريقٍ من الطرق، بالتوبيخ اللسانيّ والأذى
الفعليّ وغيره، واجعلوا ما كان منهنَّ كأن لم يكن، فالبغي إما بمعنى الطلب
و((سبيلاً)) مفعولُه والجارُّ متعلّق به أو صفةُ النكرة قُدِّم عليها، وإما بمعنى الظلم
و(سبيلاً)) منصوبٌ بنزع الخافض.
(١) طبقات ابن سعد ٨/ ٢٠١، وسنن البيهقي ٣٠٤/٣، وهو مرسل، وأم كلثوم توفي أبوها وهي
حمل كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب. وله شاهد من حديث إياس بن أبي ذياب،
أخرجه ابن سعد ٢٠٥/٨، وأبو داود (٢١٤٦)، وابن ماجه (١٩٨٥)، وابن حبان (٤١٨٩).
وآخر من حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه (١٩٧٧)، وابن حبان (٤١٨٦).
(٢) صحيح البخاري (٤٩٤٢)، وصحيح مسلم (٢٨٥٥)، وهو عند أحمد (١٦٢٢١).
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٧٩٤٤).

الآية : ٣٥
١٧
سُورَةُ المَسَاةِ
وعن سفيان بن عيينة أنَّ المراد: فلا تُكلِّفوهنَّ المحبة، وحاصل المعنى: إذا
استقام لكم ظاهرُهن فلا تَعتَلُّوا عليهنَّ بما في باطنهنَّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرً (®َ﴾ فاحذروه، فإنَّ قُدرتَه سبحانه عليكم أعظمُ
من قدرتكم على مَن تحت أيديكم منهنَّ، أو أنه تعالى على عُلُوِّ شأنه وكمال ذاته
يتجاوزُ عن سيئاتكم، ويتوبُ عليكم إذا تُبتم، فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم،
واعفوا عنهنَّ إذا تُبنَ، أو أنه تعالى قادرٌ على الانتقام منكم غيرُ راضٍ بظلمٍ أحد،
أو أنه سبحانه مع عُلُوِّه المطلَقِ وكبريائه لم يكلِّفْكم إلا ما تُطيقون، فَكذلك
لا تُكلِّفوهن إلا ما يُطِفْنَ.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطابُ - كما قال ابنُ جبير والضحاك وغيرهما - للحكّام. وهو
واردٌ على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه؛ للإيذان أنَّ ذلك مما ليس يَنبغي
أنْ يُفرضَ تحقُّقه، أعني عدم الإطاعة. وقيل: لأهل الزوجين، أو للزوجين
أنفسِهما، وروي ذلك عن السدِّي. والمرادُ: فإن عَلمتُم، كما قال ابن عباس. أو:
فإن ظننتُم، كما قيل.
﴿ِقَاقَ بَيْنِمَا﴾ أي: الزوجَين، وهما وإنْ لم يَجرِ ذكرُهما صريحاً فقد جَرَى
ضمناً، لدلالة التُّشُوز - الذي هو عصيان المرأة زوجَها - والرجالِ والنساءِ عليهما.
والشِّقاق: الخلاف والعداوة، واشتقاقه من الشِّقِّ وهو الجانبُ؛ لأنَّ كُلًّا من
المتخالفَين في شِقِّ غيرِ شِقِّ الآخر.
و ((بين)) من الظروف المكانية التي يَقِلُّ تَصرُّفها، وإضافةُ الشِّقاق إليها:
إما لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله :
يا سارقَ الليلةَ أهل الدار(١)
أو الفاعل كقولهم: صام نهارُه. والأصل: شِقاقاً بينَهما، أي: أنْ يُخالِفَ
أحدُهما الآخر، فللملابسةِ بَيْنَ الظرفِ والمظروف نُزِّل منزلة الفاعل أو المفعول
وشُبِّه بأحدِهما، ثم عُومل معاملته في الإضافة إليه.
(١) الكتاب ١٧٥/١، والخزانة ١٠٨/٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٥٧٧ .

سُورَةُ النِّسَاءِ
١٨
الآية : ٣٥
وقيل: الإضافة بمعنى ((في)).
وقيل: إنَّ (بين)) هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين، أعني: المعاشرة،
وهو ليس بظرف، وإلى ذلك يشير كلام أبي البقاء(١)، ولم يَرتَضِ ذلك المحقِّقون.
﴿فَأَبْعَثُوا﴾ أي: وَجُّهوا وأرسِلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين.
﴿حَكَمَا﴾ أي: رجلاً عدلاً عارفاً حَسَنَ السياسةِ والنظرِ في حصول المصلحة.
﴿مِّنْ أَهْلِهِ،﴾ أي: الزوج، و((من)) إما متعلّق بـ ((ابعثوا))، فهو لابتداء الغاية،
وإما بمحذوفٍ وقع صفةً للنكرة، فهي للتبعيض.
﴿وَحَكَمًا﴾ آخرَ على صفة الأول ﴿مِنْ أَهْلِهَاً﴾ أي: الزوجة.
وخُصَّ الأهل؛ لأنهم أَطلَبُ للصلاحِ، وأَعرفُ بباطن الحال، وتَسكُنُ إليهم
النفس، فيطَّلعون على ما في ضمير كلِّ مِن حبٍّ وبغضٍ، وإرادةٍ صحبةٍ أو فُرقةٍ،
وهذا على وجه الاستحباب، وإنْ نُصِّبا من الأجانب جاز.
واختلف في أنهما هل يَليان الجمع والتفريق إن رَأَيًا ذلك؟ فقيل: لهما،
وهوالمرويُّ عن عليٍّ کرم الله تعالی وجهه، وابن عباس پا، وإحدى الروايتين عن
ابن جبير، وبه قال الشعبيُّ، فقد أخرجَ الشافعيُّ في ((الأم)، والبيهقيُّ في ((السنن))
وغيرهما عن عَبيدة السَّلْماني قال: جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله وجهه، ومع
كلِّ واحدٍ منهما فئامٌ من الناس، فأمرهم عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أن يبعثوا رجلاً
حكماً مِن أهله، ورجلاً حكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تَدريان ما عليكما؟
عليكما إنْ رأيتُما أنْ تجمعا أنْ تجمعا، وإنْ رأيتُما أنْ تُفرِّقا أنْ تفرِّقا. قالت
المرأة: رضيتُ بكتاب الله تعالى، بما عليَّ فيه ولي. وقال الرجل: أما الفُرقة فلا.
فقال علي كرم الله تعالى وجهه: كذبتَ والله حتى تُقِرَّ بمثل الذي أقرَّتْ به(٢).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس فيها أنه قال في هذه الآية: ((وإن خفتم)) إلخ هذا
في الرجل والمرأة إذا تَفاسَدَ الذي بينهما، أَمَرَ الله تعالى أنْ يَبعثوا رجلاً صالحاً من
(١) في الإملاء ٢٤٧/٢ .
(٢) الأم ١٧٧/٥، وسنن البيهقي ٧/ ٣٠٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٧١٨/٦.

الآية : ٣٥
١٩
سُورَةُ السَّاة
أهل الرجل، ورجلاً مثلَه مِن أهل المرأة، فينظرانِ أيّهما المسيءُ، فإنْ كان الرجلُ هو
المسيء حَجَبُوا عنه امرأته، وقَسروه على النفقة، وإنْ كانت المرأةُ هي المسيئة
قَسروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع أمرُهما على أنْ يفرِّقا أو يجمعا
فأمرهما جائز، فإنْ رأيا أنْ يَجمعا فَرَضِيَ أحدُ الزوجين وکره ذلك الآخر، ثمَّ مات
أحدُهما، فإنَّ الذي رضي يَرث الذي كره، ولا يَرَثُ الكاره الراضي(١).
وقيل: ليس لهما ذلك، وروي ذلك عن الحسن؛ فقد أخرج عبد الرزاق وغيره
عنه أنه قال: إنما يُبعث الحكمان ليُصْلِحا ويَشهدا على الظالم بِظُلْمِهِ، وأمَّا الفُرْقةُ
فليستْ بأيديهما(٢). وإلى ذلك ذهب الزَّجَّاج(٣)، ونُسب إلى الإمام الأعظم.
وأُجيب عن فعل علي كرم الله وجهه بأنه إمام، وللإمام أنْ يفعل ما رأى فيه
المصلحةَ، فلعلَّه رأى المصلحة فيما ذكر، فوَّل الحكمين على ما رأى، على أنَّ
في كلامه ما يدلُّ على أنَّ تنفيذَ الأمر موقوفٌ على الرضا، حيث قال للرجل:
كذبتَ حتى تُقرَّ بمثل الذي أَقرَّتْ به.
وأنت تعلم أنَّ هذا على ما فيه لا يصلح جواباً عما رُوي عن ابن عباس، ولعل
المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حُجَّةً على الآخر.
وذهب الإمامية إلى ما ذَهَبَ إليه الحسن، وكأنَّ الخبر عن عليٍّ كرم الله وجهه
لم يَثبت عندهم. وعن الشافعي روايتان في المسألة، وعن مالك أنَّ لهما أنْ يتخالعا
إنْ وجدا الصلاح فيه، ونُقل عن بعض علمائنا أنَّ الإساءة إنْ كانت من الزوج فرَّقا
بينهما، وإنْ كانت منها فرَّقا على بعض ما أَصْدَقَها.
والظاهرُ أنَّ مَن ذهب إلى القول بنفاذ حكمهما جعلهما وكيلين حُكِّما على ذلك.
وقال ابن العربي في ((الأحكام)): إنهما قاضيان لا وكيلان، فإنَّ الحَكّم اسمٌ في
الشرع له (٤).
(١) تفسير الطبري ٦/ ٧٢٣.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٥٩/١ .
(٣) في معاني القرآن ٤٩/٢.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٢٤ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية
١٣٤/٣.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٢٠
الآية : ٣٦
﴿إِن يُرِيدَآ﴾ أي: الحكمان ﴿إِصْلَحًا﴾ أي: بين الزوجين وتأليفاً ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ
بَيْنَهُمَأْ﴾ فَتَتَّفْقُ كلمتُهما ويحصلُ مقصودُهما، فالضمير أيضاً للحَكَمين، وإلى ذلك
ذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن جبير والسُّدي.
وجُوِّز أنْ يكون الضميران للزوجين، أي: إنْ أرادا إصلاحَ ما بينَهما مِن
الشِّقاق، أوقعَ الله تعالى بينهما الأُلفةَ والوِفاقَ.
وأنْ يكون الأول للحَكّمين، والثاني للزوجين، أي: إنْ قصدا إصلاحَ ذاتٍ
البين، وكانت نيَّتُهما صحيحةً وقلوبُهما ناصحةً لوجه الله تعالى، أوقعَ الله سبحانه
بين الزوجين الألفة والمحبة، وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة.
وأنْ يكون الأول للزوجين، والثاني للحَكّمين. أي: إنْ يُرد الزوجان إصلاحاً
واتفاقاً يُوفِّق الله تعالى شأنُهُ بينَ الحَكمين، حتى يَعملا بالصلاح ويَتَحرَّياه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
﴾ بالظواهر والبواطن، فيعلم إرادةً العباد
٣٥
ومصالحهم وسائرَ أحوالهم.
وقد استدلَّ الحبر ابنُ عباس ظيًا بهذه الآية على الخوارج في إنكارهم التحكيم
في قصة عليٍّ كرم الله وجهه، وهو أحدُ أمورٍ ثلاثة عَلقتْ في أذهانهم، فَأَبطَلَها
كلَّها تَدُه، فرجع إلى موالاة الأمير كرم الله وجهه منهم عشرون ألفاً.
وفيها - كما قال ابن الفرس - ردٌّ على مَن أنكر من المالكية بَعْثَ الحكمين في
الزوجين، وقال: تخرجُ المرأة إلى دارِ أمينٍ، أو يَسكنُ معها أمين.
﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ كلامٌ مُبتدأُ مسوقٌ للإرشادِ إلى خلالٍ
مُشْتَمِلٍ على معالي الأمورِ إثرَ إرشاد كلٍّ من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وإزالةٍ
الخصومةِ والخشونة(١) إذا وَقَعت في البين. وفيه تأكيدٌ لرعاية حقِّ الزوجية، وتَعليم
المعاملة مع أصنافٍ مِن(٢) الناس، وقُدِّم الأمر بما يَتعلَّق بحقوق الله تعالى لأنها
المدار الأعظم، وفي ذلك إيماءٌ أيضاً إلى ارتفاع شأن ما نُظِمَ في ذلك السِّلك.
والعبادةُ أقصى غاية الخضوع.
(١) قوله: والخشونة، ليس في الأصل.
(٢) قوله: من، ليس في الأصل.