Indexed OCR Text
Pages 461-480
التفسير الإشاري (٢٢-٢٥) ٤٦١ سُورَةُ النَّسَاءِ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: مُبالِغٌ في المغفرة، فيَغفرُ لمن لم يَصبر عن نكاحهن، وإنما عبَّر بذلك تنفیراً عنه حتى كأنه ذنب. ﴾ أي: مبالغ في الرحمة، فلذلك رخّص لكم ما رأَخَّص. ﴿رَّحِيمٌ هذا، ومن باب الإشارةِ الإجمالية في بعض الآيات السابقة: أنه سبحانه أَشار بقوله عزَّ مِن قائل: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ إلى النهي عن التصرُّف في السفليات، التي هي الأمهات التي قد تصرَّف فيها الآباء العلوية ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ﴾ مِن التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة الكمالات، فإن الرُّكون إلى العالم السفلي يوجب مَقْتَ الحقِّ سبحانه. وأشار سبحانه بتحريم المحصَنات مِن النساء، أي: الأمور التي تميل إليها النفوس، إلى تحريم طلبٍ السالكِ مَقاماً نالَه غيرُه، وليس له قابليةٌ لنيله، ومن هنا قُوبل الكليم بالصَّعق لمَّا سأل الرؤية، وقال شاعر الحقيقة المحمدية: ولستُ بطُورٍ كي يُحرِّكني الصَّدْعُ ولستُ مُريداً أرجعنَّ بلن ترى وقال سيدي ابنُ الفارض على لسانها : وإذا سألتكَ أنْ أراك حقيقةً فاسمحْ ولا تَجعلْ جوابيَ لن ترى(١) ولقد أحسن بعضُ المحجوبين حيثُ يقول: إذا لم تَسْتَطِعْ شيئاً فدعْهُ وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ(٢) وقال النيسابوري(٣): المحصنات من النساء: الدنيا حَرَّمها الله تعالى على خُلَّص عباده، وأباح لهم بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ تناولَ الأمورِ الضرورية مِن المأكل والمشرب، ﴿مُخْصِنِينَ﴾ أي حرائر من الدنيا وما فيها، ﴿غَيّرَ مُسَفِحِينٌ﴾ (١) ديوان ابن الفارض ص١٦٩ . (٢) البيت لعمرو بن معدي كرب، كما في الشعر والشعراء ٣٧٤/١، والحماسة البصرية ٣٣/١، ومعجم الشعراء ص١٦، والخزانة ١٨٥/٨. (٣) في غرائب القرآن ٥/ ٢٦ بنحوه. سُورَةُ الْنِسَحَّةِ ٤٦٢ الآية : ٢٦ في الطلبِ مياهَ الوجوه، ثم أمرهم إذا استمتعوا بشيء من ذلك بأنْ يؤدُّوا حقوقَه مِن الشكر والطاعة والذكر مثلاً. وعلى هذا النمط ما في سائر الآيات، ولم يظهرْ لي في البنات والأخوات والعمات والخالات وبناتِ الأخ وبناتِ الأخت والمرضعاتِ والأخواتِ من الرضاع والربائبِ والجمعِ بين الأختينِ ما يَنشرحُ له الخاطر وتبتهج به الضمائر، ولا شبهة لي في أنَّ لله تعالى عباداً يعرفونه على التحقيق، ولكنَّهم في الزوايا. وكم في الزوايا مِن خبايا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما سبق من الأحكام، ومثل هذا التركيبٍ وقع في كلام العرب قديماً وخرَّجه النحاة - كما قال الشهاب(١) - على مذاهب؛ فقيل: مفعول ((يريد)) محذوف، أي: تحليلَ ما أَحلَّ وتحريم ما حرَّم ونحوه، واللام للتعليل أو العاقبة، أي: ذلك لأجل التبيين، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهورِ البصريين، فتعلَّق الإرادة غيرُ التبيين، وإنما فعلوه لئلا يَتعدَّى الفعل إلى مفعوله المتأخِّر عنه باللام، وهو ممتنع أو ضعيفٌ. وقيل: إنه إذا قصد التأكيد جازَ من غير ضَعْفٍ، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم للإرادة ولكن باعتبار التعلُّق، وإلا فإرادة الله تعالى قديمة. وسمَّى صاحبُ ((اللباب)) هذه اللام لام التكملة، وجَعَلها مقابلةٌ لِلَام التعدية. وذهب بعض البصريين إلى أنَّ الفعل مؤوَّلٌ بالمصدر من غير سابكٍ، كما قيل به في: تسمعُ بالمعيدي خيرٌ من أن تراه(٢)، على أنه مبتدأ والجارُّ والمجرور خبره، أي: إرادتي كائنةٌ للتبيين، وفيه تكلُّف. وذهب الكوفيون إلى أنَّ اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار ((أن))، وهي (١) في الحاشية ٣/ ١٤٧ . (٢) جمهرة الأمثال ٢٦٦/١، والمستقصى ٣٧٠/١، ومجمع الأمثال ١٢٩/١. قال السمين في الدر المصون ٦٥٩/٣: قالوا: تقديره: أن تسمع، فلما حذف ((أن)) رفع الفعل، وهو في تأويل المصدر لأجل الحرف المقدر. الآية : ٢٦ ٤٦٣ سُورَةُ السَّةِ وما بعدها مفعولٌ للفعل المقدَّم، لأن اللام قد تُقام مقام ((أنْ)) في فعل الإرادة والأمر. والبصريون يمنعون ذلك ويقولون: إنَّ وظيفةَ اللام الجرُّ والنصب بأنْ مضمرة بعدها . ومفعولُ ((يبين)) على بعض الأوجُهِ محذوفٌ، أي: ليبين لكم ما هو خفيٌّ عنكم من مصالحكم وأفاضلٍ أعمالكم، أو: ما تعبَّدكم به، أو نحو ذلك. وجوِّز أن يكون قولهُ تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ وقولُه تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ تَنَازَعًا في قوله سبحانه: ﴿سُنَّنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: مناهج مَن تقدَّمكم مِن الأنبياء والصالحين؛ لتقتفوا أثرهم وتتبعوا سيرهم، وليس المراد أنَّ الحكم كان كذلك في الأمم السالفة كما قيل به، بل المراد كون ما ذُكر مِن نوع طرائقِ المتقدِّمين الراشدين وجنسها في بيان المصالح. ﴿وَيَتُبَ عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ما قبله، وحيثُ كانت التوبةُ تركَ الذنب مع الندم والعزم على عدم العود، وهو مما يستحيلُ إسناده إلى الله تعالى، ارتكبوا تأويل ذلك في هذا المقام بأحد أمور: فقيل: إنَّ التوبة هنا بمعنى المغفرة مجازاً لتسيُّبها عنها. أو بمعنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي على سبيل الاستعارة التبعية؛ لأن التوبة تَمنع عنها، كما أن إرشاده تعالى كذلك، أو مجازٌ عن حَثِّه تعالى عليها؛ لأنه سبب لها عكس الأول، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يكفِّرها على التشبيه أيضاً، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين البيضاوي(١). وقَرَّر العلّامة الطيبيُّ أنَّ هذا مِن وضع المسبَّب موضعَ السبب، وذلك لعطف (ويتوب)) على ((ويهديكم)) إلخ على سبيل البيان، كأنه قيل: ليبيِّنَ لكم ويهديكم ويُرشدَكم إلى الطاعات، فوضع موضعه ((ويتوب عليكم))(٢). وما يَرِدُ على بعض الوجوه من لزوم تخلّف المرادِ عن الإرادة، وهي علةٌ تامَّة، يَدفعه كونُ الخطاب ليس عامًّا لجميع المكلَّفين، بل لطائفةٍ معيَّنة حَصَلت لهم هذه التوبة . (١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٢٨/٣. (٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُورَةُ السَّةِ ٤٦٤ الآية : ٢٧ ﴿وَاللَّهُ عَلِيهُ﴾ مُبالٌِ في العلم بالأشياء، فيعلم ما شَرع لكم من الأحكام، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، وما ينفعُ عبادَه المؤمنين وما يَضرُّهم. مُراعٍ في جميع أفعاله الحكمةَ والمصلحة، فيبيِّنُ لمن يشاء، ويهدي مَن يشاءُ ويتوب على مَن يشاء، ولا يُسأل عما يَفعلُ وهم يُسألون. ﴿وَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جعله بعضُهم تكراراً لما تقدَّم؛ للتأكيد والمبالغة، وهو ظاهرٌ إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئاً واحداً، وأما إذا فسّر (يتوب)) أولاً: بقبول التوبة والإرشاد مثلاً، وثانياً: بأنْ يَفعلوا ما يستوجبون به القبول، فلا يكونُ تكراراً، وأيضاً إنما يتمشّى ذلك على كون ((ليبين لكم)) مفعولاً، وإلا فلا تكرارَ أيضاً؛ لأن (١) تعلُّق الإرادةِ بالتوبة في الأَول على جهة العلِّية، وفي الثاني على جهة المفعولية، وبذلك يَحصل الاختلاف لا محالة. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ﴾ يعني الفسقةَ؛ لأنهم يَدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاشٍ عنها، فكأنهم بانهماكهم فيها أَمرَتْهم الشهواتُ باتِّباعها فامتثلوا أمْرَها واتَّبعوها، فهو استعارة تمثيلية، وأما المتعاطي لما سوَّغه الشرعُ منها دون غيره فهو مشٌَّ له لا لها. وروي هذا عن ابن زيد، وأخرج مجاهد عن ابن عباس: أنهم الزناة(٢). وأخرج ابن جرير(٣) عن السُّدِّي: أنهم اليهود والنصارى. وقيل: إنهم اليهود خاصةً، حيثُ زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة. وقيل: إنهم المجوس، حيث كانوا يُحلُّون الأخوات لأب؛ لأنهم لم يجمعهم رحمٌ، وبناتِ الأخ والأخت قياساً على بنات العمَّة والخالة، بجامع أنّ أمهما لا تحلّ، فكانوا يُريدون أنْ يُضلُّوا المؤمنين بما ذكر، ويقولون: لم جوَّزْتُم تلك ولم تجوِّزوا هذه؟ فنزلت. (١) في الأصل: إلا أن، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٢٨/٣، والكلام منه. (٢) الخبر في تفسير مجاهد ١٥٣/١، وتفسير الطبري ٦٢٢/٦ عن مجاهد قوله، وأخرجه من طريق مجاهد عن ابن عباس ابن المنذر، كما في الدر المنثور ١٤٣/٢ . (٣) في تفسيره ٦/ ٦٢٣. الآية : ٢٨ ٤٦٥ سُؤَبَقُ السَّاء وغُويِرَ بين الجملتين ليفرَّق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين. ﴿أَنْ تِيلُوا﴾ عن الحقِّ بموافقتهم فتكونوا مثلهم، وعن مجاهد: أنْ تزنوا كما يزنون. وقرئ بالياء التحتانية(١)، فالضمير حينئذ للذين يتبعون الشهوات. بالنسبة إلى ميل(٢) مَن اقترف خطيئةً على ندرةٍ، واعترفَ ﴿مَيْلًا عَظِيمًا بأنها خطيئةٌ ولم يَسْتَحِلّ. ﴿يُرِدُ اَللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنَكُمْ﴾ أي: في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء؛ قاله طاوس ومجاهد. وقيل: يُخفف في التكليف على العموم؛ فإنه تعالى خفَّفَ عن هذه الأمة مالم يُخفّف عن غيرها من الأمم الماضية. وقيل: يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها . والجملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا (٨)﴾ أي: في أمر النساء، لا يصبر عَنهنَّ؛ قاله طاووس. وفي الخبر: ((لا خيرَ في النساء ولا صبرَ عنهنَّ؛ يَغْلبنَ كريماً ويغلبهنَّ لئيم، فأحبُّ أنْ أكون كريماً مغلوباً، ولا أحبُّ أن أكون لئيماً غالباً))(٣). وقيل : يَستمیلُه هواه وشهوتُه، ويَستَشِيطُه خوفُه وحزنه. وقيل: عاجز عن مخالفة الهوى وتحمُّل مشاقٌ الطاعة. وقيل: ضعيف الرأي لا يُدرِكُ الأسرار والحكم إلا بنورٍ إلهي. وعن الحسن أنَّ المراد: ضعيف الخِلقة، يُؤلمه أدنى حادثٍ نزل به. ولا يَخفى ضعفُ مساعدة المقام لهما، فإن الجملة اعتراضٌ تذييلي مَسوقٌ لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخلٌ في ذلك. وكونه إشارةً إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين، ليس بشيء. (١) القراءات الشاذة ص ٢٥. (٢) قوله: ميل، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٦٩/٣، والكلام منه. (٣) لم نقف عليه، وسلف عند تفسير الآية (١٨٧) من سورة البقرة. سُوَّةُ النِّسَّةِ ٤٦٦ الآية : ٢٩ ونصبَ ((ضعيفاً)) على الحال. وقيل: على التمييز. وقيل: على نزع الخافض، أي: من ضعيف وأُريدَ به الطين أو النطفة. وكلاهما(١) كما ترى. وقرأ ابن عباس: ((وخَلَقَ الإنسانَ)) على البناء للفاعل(٢)، والضميرُ لله عز وجل . وأخرج البيهقي في ((الشعب)) عنه أنه قال: ثماني آياتٍ نزلت في سورة النساء هي خيرٌ لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، الأُولى: ﴿بُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ والثانية: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرها، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ إلى آخرها، والرابعة: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [الآية: ٣١] والخامسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٌ﴾ [الآية: ٤٠] والسادسة ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الآية: ١١٠]، والسابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ إلى آخرها [الآية: ٤٨] والثامنة: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [الآية: ١٥٢](٣). ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَنْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ بيانٌ لبعض المحرَّمات المتعلّقة بالأموال والأنفس إثرَ بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، وفيه إشارةٌ إلى كمال العناية بالحُكم المذكور، والمراد من الأكل سائرُ التصرُّفات، وعبَّر به لأنه معظمُ المنافع، والمعنى: لا يأكلْ بعضكم أموال بعض. والمراد بـ ((الباطل)): ما يخالف الشرع، كالرِّبا والقمار والبَخْسِ والظلم. قاله السدي، وهو المرويُّ عن الباقر وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأَعواض. وأَخرَجَ عنه وعن عكرمة ابنُ جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه (١) في حاشية (م): أي القولين. اهـ منه. (٢) الكشاف ٥٢١/١، والمحرر ٤١/٢، والبحر المحيط ٢٢٨/٣، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٥ لمجاهد. (٣) الشعب (٧١٤٥)، وأخرجه أيضاً الطبري ٦ / ٦٦٠ - ٦٦١ . الآية : ٢٩ ٤٦٧ سورة النساءِ الآية، فنُسخ ذلك بالآية التي في سورة النور: ﴿وَلَا عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١](١). والقول الأول أقوى؛ لأن ما أُكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبرانيُّ بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمةٌ ما نُسخت ولا تُنسخ إلى يوم القيامة(٢). و((بينكم)) نصب على الظرفية، أو الحالية من ((أموالكم)). ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَاضِ مِّنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطع، ونقلَ أبو البقاء(٣) القولَ بالاتصال وضَعَّفه، و((عن)) متعلِّقة بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((تجارة))، و((منكم)) صفة ((تراض))، أي: إلا أنْ تكونَ التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراضٍ كائنٍ منكم، أو: إلا أنْ تكون الأموالُ أموالَ تجارةٍ. والنصب قراءة أهل الكوفة، وقرأ الباقون بالرفع(٤) على أنَّ ((كان)) تامة، وحاصل المعنى: لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل، لكن اقصدوا كون - أي: وقوعَ - تجارةٍ عن تراضٍ، أو: لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهيٌّ عنه لكنَّ وجود تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ منھيٍّ عنه. وتخصيصُها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلبَ وقوعاً، وأوفقَ لذوي المروءات، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَلّه: (أَطِيبُ الكَسْبِ كَسبُ التجار الذين إذا حَدَّثوا لم يَكذِبوا، وإذا وَعَدُوا لم يُخلفوا، وإذا ائتُمِنُوا لم يَخونوا، وإذا اشتَرَوا لم يَذمُّوا، وإذا باعُوا لم يَمِدَحُوا، وإذا كان عليهم لم يَمطُلُوا، وإذا كان لهم لم يُعسروا))(٥). (١) تفسير الطبري ٦/ ٦٢٧. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩٢٦/٣، والمعجم الكبير (١٠٠٦٢). (٣) في الإملاء ٢٣٥/٢. (٤) التيسير ص ٩٥، والنشر ٢٤٩/٢ . (٥) عزاه للأصبهاني السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٤، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب ٢٢١/٤، وابن عدي ٢/ ٥٣٠. سُورَةُ السَّلة ٤٦٨ الآية : ٢٩ وأخرجَ سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال: قال رسول الله وَله: ((تسعةُ أَعشارِ الرزقِ في التجارةِ والعُشْرُ في المواشي))(١). وجُوِّز أن يُراد بها انتقالُ المال من الغير بطريقٍ شرعيٍّ، سواء كان تجارةً أو إرثاً أو هِبةً أو غيرَ ذلك من استعمالِ الخاصِّ وإرادةِ العامّ. وقيل: المقصود بالنهي المنعُ عن صرفِ المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه(٢) فيما يَرضاه. وهذا أَبعدُ مما قبله. والمرادُ بالتراضي: مراضاةُ المتبايعَين بما تعاقدا عليه في حال المبايعة وقتَ الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك، وعند الشافعيِّ حالةً الافتراقِ عن مَجلس العقدِ. وقيل: التراضي: التخييرُ بعدَ البيع؛ أخرج عبد بن حميد عن أبي زُرعة أنه باع فرساً له، فقال لصاحبه: اختر، فخيَّره ثلاثاً، ثم قال له: خَيِّرني، فخيَّره ثلاثاً، ثم قال: سمعتُ أبا هريرة رُه يقول: هذا البيع عن تراضٍ(٣). ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يَقتل بعضُكم بعضاً، وعبَّر عن البعض المنهيِّ عن قتلهم بالأنفُسِ للمبالغة في الزجر، وقد ورد في الحديث: ((المؤمنون كالنفس الواحدة))(٤). وإلى هذا ذهب(٥) الحسن وعطاءٌ والسديُّ والجُبَّائي. (١) عزاه لسعيد بن منصور السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٤، ولم نقف عليه في المطبوع من سننه، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٢٩٩/١، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية ٣٥٢/٧، والبوصيري في إتحاف الخيرة ٢٧٥/٣ لمسدد بلفظ: ((تسعة أعشار الرزق في التجارة)) قال نعيم: وكسب العشر الباقي في السائبة، يعني الغنم. قال الحافظ العراقي كما في فيض القدير ٢٤٥/٣: رجاله ثقات، ونعيم هذا قال فيه ابن منده: ذكر في الصحابة، ولا يصح، وقال أبو حاتم وابن حبان: تابعي، فعلى هذا الحديثُ من طريقه مرسل. (٢) في الأصل: الصرف، والمثبت من (م) وتفسير البيضاوي ٢/ ٨١. (٣) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٤، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٨٣/٧. (٤) ذكره بهذا اللفظ الجصاص في أحكام القرآن ٢/ ١٨٢، وأخرجه أحمد (١٨٣٩٣)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير ه بلفظ: ((المؤمنون كرجل واحد .... )). (٥) في الأصل: أشار. الآية : ٢٩ ٤٦٩ سُورَةُ النَّسَحَّةِ وقيل: المعنى: لا تُهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام، كأكل الأموالِ بالباطل وغيرِه من المعاصي التي تَستحقُّون بها العقاب. وقيل: المراد به النهيُ عن قَتْلِ الإنسان نفسَه في حال غضبٍ أو ضَجَرٍ، وحُكي ذلك عن البلخي. وقيل: المعنى: لا تُخاطروا بنفوسِكم في القتالِ فتقاتلوا مَن لا تُطيقونه، وروي ذلك عن أبي عبد الله (قڅته . وقيل: المراد: لا تَّجروا في بلاد العدو فتفرّدوا بأنفسكم، وبه استدلَّ مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب. وقيل: المعنى: لا تُلْقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وأُيِّدَ بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص قال: لمَّا بعثني النبيُّ وََّ عامَ ذاتِ السلاسل احتلَمتُ في ليلة باردة شديدة البردِ، فأشفقتُ إن اغتسلتُ أنْ أَهلِكَ، فتيمَّمْتُ ثم صلَّيتُ بأصحابي صلاة الصبح، فلمَّا قَدِمتُ على رسول الله وَلِّ ذُكر ذلك له، فقال: ((يا عمرو صلَّتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟)) قلتُ: نعم يا رسول الله، إني احتلَمتُ في ليلةٍ باردةٍ شديدة البردِ فأشفقتُ إن اغتسلتُ أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، فتيمَّمتُ ثم صلَّيتُ. فضحك رسولُ الله ◌ِّي ولم يقل شيئاً (١). وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه: ((ولا تُقُتِّلوا)) بالتشديد(٢) للتكثير. ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصيةِ بحفظ النفس من الملائمة، لما أنَّ المال شقيقُ النفس من حيث إنه سببٌ لقوامها، وتحصيل كمالاتها، واستيفاءِ فضائلها، والملائمةُ بين النهيَيْن على قول مالك أتمُّ، وقدِّم النهي الأول لكثرة التعرُّض لما نهي عنه فيه. (١) مسند أحمد (١٧٨١٢)، وسنن أبي داود (٣٣٤)، وعلَّقه البخاري قبل الحديث (٣٤٥)، وینظر تغليق التعليق ١٨٨/٢-١٩١ . (٢) القراءات الشاذة ص٢٥، والكشاف ٥٢٢/١، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢/٢ إلى الحسن. سُورَةُ الشَّةِ ٤٧٠ الآية : ٣٠ تعليلٌ للنهي، والمعنى: إنه تعالى لم يزل مُبالغاً ٢٩) ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا في الرحمة، ومن رحمته بكم نهيُكم عن أكل الحرام، وإهلاكِ الأنفسِ. وقيل: معناه: إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً، إذ لم يكلِّفكم قتلَ الأنفس في التوبة كما كلَّف بني إسرائيل بذلك. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: قَتْلَ النفس فقط، أو هو وما قبله مِن أكل الأموال بالباطل، أو مجموع ما تقدَّم من المحرَّمات من قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَجِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾، أو من أَوَّلِ السورة إلى هنا؛ أقوال، روي الأَولُ منها عن عطاء، ولعلَّه الأظهر. وما في ((ذلك)) من البعد إيذانٌ بفظاعة قتل النفس وبُعدِ منزلته في الفساد، وإفرادُ اسم الإشارة على تقدير تعدُّد المشار إليه باعتبار تأويله بما سبق. ﴿عُدْوَانًا﴾ أي: إفراطاً في التجاوز عن الحدِّ، وقُرئ: ((عدواناً)) بكسر العين(١). ﴿وَظُلْمًا﴾ أي: إتياناً (٢) بما لا يستحقُّه. وقيل: هما بمعنّى، فالعطف للتفسير. وقيل: أُريد بالعدوان التعدِّي على الغير، وبالظلم الظلم على النفس بتعريضها للعقاب. وأيَّامًا كان فهما منصوبان(٣) على الحالية، أو على العلِّية، قيل(٤): وخَرَج بهما السهو والغلط والخطأ وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام. ﴿فَسَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: نُدخلُه إياها ونُحرِقُه بها، والجملةُ جوابُ الشرط. وقُرئ: ((نُصلِّيه)) بالتشديد، و((نَصليه)) بفتح النون من صلاه لغة كأصلاه، و((يَصليه)» بالياء التحتانية(٥)، والضمیر الله عز وجل، أو لـ ((ذلك)) والإسنادُ مجازيٌّ من باب الإسناد إلى السبب. (١) الكشاف ٥٢٢/١، والبحر ٢٣٣/٣. (٢) في الأصل و(م): إيتاء، والمثبت من تفسير البيضاوي ٢/ ٨٢، وتفسير أبي السعود ٢/ ١٧٠. (٣) في الأصل: فهو منصوب، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تفسير أبي السعود ٢/ ١٧٠ . (٤) في (م): وقيل. (٥) ذكر هذه القراءات الزمخشري في الكشاف ٥٢٢/١، وأبو حيان في البحر ٢٣٣/٣، والثانية في القراءات الشاذة ص٢٥، والمحتسب ١٨٦/١. الآية : ٣١ ٤٧١ سُورَةُ التَشَاءِ ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: إصلاؤه النار يوم القيامة ﴿عَلَى اللَّهِ يَِيًّا ﴾﴾ هيناً لا يمنعُه منه مانع، ولا يدفعُه عنه دافع، ولا يشفعُ فيه إلا بإذنه شافع. وإظهارٌ الاسم الجليل بطريقِ الالتفات لتربية المهابة، وتأكيدِ استقلالِ الاعتراض التذييلي. ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ﴾ أي: تَتْركوا جانباً ﴿كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَنَ﴾ أي: ينهاكم الله تعالى ورسوله وَله. ﴿عَنْهُ﴾ أي: عن ارتكابه، مما ذكر ومما لم يذكر. وقرئ: ((كبير))(١) على إرادة الجنس، فيُطابِقِ القراءةَ المشهورة، وقيل: يحتمل أنْ يُرادَ به الشرك. ﴿تُكَفِّرْ﴾ أي: نَغفِر ونمحو واختيارُ ما يدلُّ على العظمة بطريق الالتفات تفخيمٌ لشأن ذلك الغفران. وقرئ: ((يغفر)) بالياء التحتانية(٢). ﴿عَنكُمْ﴾ أيها المجتنبون ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: صغائركم كما قال السدي. واختلفوا في حدِّ الكبيرة على أقوال: الأول: أنها ما لَحِق صاحبَها عليها بخصوصها وعيدٌ شديدٌ بنصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ، وإليه ذهب بعضُ الشافعية. والثاني: أنها كلٌّ معصيةٍ أَوجَبَت الحدَّ، وبه قال البغويُّ وغيره. والثالث: أنها كلُّ ما نصَّ الكتابُ على تحريمه، أو وَجَبَ في جنسه حدٍّ. والرابع: أنها كلُّ جَرِيرةٍ تُؤْذِنُ بقلَّة اكتراثٍ مُرتكبها بالدِّين ورقّةِ الديانة، وبه (٣) قال الإمام(٣). (١) القراءات الشاذة ص٢٥، والبحر ٢٣٤/٣. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ((يُكفِّر))، كما في الكشاف ١/ ٥٢٢، والمحرر الوجيز ٤٣/٢، والبحر ٢٣٥/٣. (٣) هو إمام الحرمين كما في الزواجر لابن حجر الهيتمي ٦/١، والكلام منه. وقول إمام الحرمين في الإرشاد ص٣٢٩. سُورَةُ الشَّةِ ٤٧٢ الآية : ٣١ والخامس: أنها ما أوجب الحدَّ أو توجَّه إليه الوعيدُ، وبه قال الماوردي في فتاویه(١). والسادس: أنها كلُّ محرَّم لعينه منهي عنه لمعنّى في نفسه، وحكي ذلك بتفصيلٍ مذكور في محلِّه عن الحليمي. والسابع: أنها كلُّ فعلٍ نصَّ الكتابُ على تحريمه بلفظ التحريم. وقال الواحدي(٢): الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدٌّ يَعرِفها العبادُ به، وإلا لاقتحَم الناسُ الصغائر واستباحوها، ولكنَّ الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيِّ عنه، رجاءَ أنْ تُجتنبَ الكبائرُ، ونظيرُ ذلك إخفاءُ الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة. انتهى. وقال شيخ الإسلام البارزي(٣): التحقيقُ أنَّ الكبيرةَ كلُّ ذنبٍ قُرن به وعيدٌ أو حدٍّ أولَعنّ بنصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ، أو عُلم أنَّ مفسدته كمفسدةٍ ما قُرِن به وعيدٌ أو حَدٌّ أو لعنٌّ، أو أكثرُ من مفسدته، أو أَشعَرَ بتهاوُنِ مُرْتَكِبه في دينه إشعارَ أصغرِ الكبائر المنصوص عليها بذلك، كما لو قَتَل معصوماً فظهرَ أنه مُستحقٌّ لدمه، أو وَطِئ امرأةً ظانًّا أنه زانٍ بها، فإذا هي زوجتُه أو أَمتُه. وقال بعضهم(٤): كلُّ ما ذُكر من الحدود إنما قصدوا به التقريبَ فقط، وإلا فهي ليست بحدودٍ جامعة، وكيف يمكن ضَبْط ما لا مَطمَع في ضبطه، وذهب جماعة إلى ضبطها بالعدِّ من غير ضبطها بحدِّ، فعن ابن عباس وغيرِه: أنها ما ذَكّره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا. وقيل: هي سبع، ويُستدل له بخبر الصحيحين: (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: حاويه، كما في الزواجر ٧/١، واسمه: الحاوي الكبير في فقه الشافعي. (٢) في تفسيره ((البسيط))، ونقله المصنف بواسطة الزواجر ١/ ٧. (٣) هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم الجهني، شرف الدين الشافعي، قاضي حماة، انتهت إليه مشيخة المذهب ببلاد الشام، من تصانيفه: شرح الحاوي، وترتيب جامع الأصول، والتمييز. توفي سنة (٧٣٨هـ). طبقات الشافعية الكبرى ٣٨٧/١٠، ونقل المصنف كلامه عن الزواجر ٩/١. (٤) هو ابن حجر الهيتمي في الزواجر ٩/١. الآية : ٣١ ٤٧٣ سُورَةُ التَشَكَّةِ ((اجتنبوا السَّبعَ الموبقاتِ: الشِّركَ بالله تعالى، والسحرَ، وقَتْلَ النفس التي حرَّم الله تعالى إلا بالحقِّ، وأكل مالِ اليتيم، وأكل الربا، والتولِّيَ يومَ الزحفِ، وقذفَ المحصناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ))(١). وفي رواية لهما: ((الكبائر: الإشراكُ بالله تعالى، والسحرُ، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس)). زاد البخاري: ((واليمين الغموس))، ومسلمٌ بدلها: ((وقول الزور))(٢). والجوابُ: أنَّ ذلكَ محمولٌ على أنه وَلَهَ ذَكَرِه قصداً لبيانِ المحتاجِ منها وقت الذکر لا لحصره الکبائر فیه. وممن صرَّح بأنَّ الكبائر سَبْعٌ: علي كرَّم الله تعالى وجهه، وعطاء، وعبيد بن عمير. وقيل: تسعٌّ؛ لِمَا أخرجه علي بن الجعد عن ابن عمر أنه قال حينَ سئل عن الكبائر: سمعتُ رسول اللهِوَّ﴿ يقول: ((هنَّ تسعٌ: الإشراكُ بالله تعالى، وقذفُ المحصنة، وقَتْلُ النفسِ المؤمنةِ، والفرارُ من الزحفِ، والسحرُ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، وعُقوقُ الوالدين، والإلحادُ بالبيتِ الحرامِ قبلتِكم أحياءً وأمواتاً)(٣). ونُقل عن ابن مسعود أنها ثلاث، وعنه أيضاً أنها عَشرة. وقيل: أربعَ عشرةً، وقيل: خمسَ عشرةَ، وقيل: أُربعٌ. وروى عبدُ الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبعٌ؟ فقال: هي إلى السبعين أقربُ (٤). (١) صحيح البخاري (٢٧٦٦)، وصحيح مسلم (٨٩)، من حديث أبي هريرة څه. (٢) صحيح البخاري (٦٦٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا، وصحيح مسلم (٨٨) من حديث أنس ره، وحديث أنس أخرجه أيضاً البخاري (٦٨٧١)، وأحمد (١٢٣٣٦). والكلام منقول من الزواجر ٩/١. (٣) الجعديات (٣٣٣٩)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨)، والطبري ٦ / ٦٤٦ - ٦٤٧ عن ابن عمر موقوفاً، وهو في حكم المرفوع لأنه مما لا يقال بالرأي. وأخرجه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة ◌ُته مرفوعاً. (٤) تفسير عبد الرزاق ١٥٥/١، والمصنف (١٩٧٠٢)، وأخرجه أيضاً الطبري ٦ / ٦٥١. سُورَةُ المَسَلّةِ ٤٧٤ الآية : ٣١ وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبع مئة أقربُ منها إلى السبع، غيرَ أنه لا كبيرةً مع الاستغفار ولا صغيرةً مع الإصرارِ(١). وأنكر جماعةٌ من الأئمة أنَّ في الذنوب صغيرةً، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في ((الإرشاد))(٢)، وابن القشيري في ((المرشد))، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره؛ فقال: معاصي الله تعالى كلَّها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة - وأَوَّلَ الآية بما ينبو عنه ظاهرُها - وقالت المعتزلة: الذنوب على ضربين: صغائرُ وكبائر، وهذا ليس بصحيح. انتهى. وربما ادَّعى في بعض المواضع اتفاقَ الأصحاب على ما ذكره، واعتمد ذلك التقيُّ السبكي. وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكنُ أنْ يقالَ في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر. ويُوافق هذا القول ما رواه الطبراني عن ابن عباس - لكنّه منقطع - أنه ذُكر عنده الكبائر فقال: كلُّ ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة (٣). وفي رواية: كلُّ ما عُصي الله تعالى فيه فهو كبيرة. قاله العلامة ابن حجر (٤). وذَكَر أنَّ جُمهور العلماء على الانقسام، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاقُ لإجماع الكلِّ على أنَّ مِن المعاصي ما يَقدح في العدالة، ومنها مالا يَقدحُ فيها، وإنما الأوَّلون فَرُّوا من التسمية فكرِهوا تسميةَ معصيةِ الله تعالى صغيرةً نظراً إلى عظمةِ الله تعالى وشدَّةٍ عقابه، وإجلالاً له عز وجل عن تَسميةٍ معصيتٍ صغيرةً، لأنها إلى باهرِ عظمتِهِ تعالى كبيرةٌ وأيُّ كبيرة! ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلومٌ، بل قَسَموها إلى قسمين كما يقتضيه صرائحُ الآيات(٥) والأخبارَ، لاسيما هذه الآية. (١) أخرجه الطبري ٦/ ٦٥١. (٢) ص٣٢٨، والكلام من الزواجر ٥/١. (٣) المعجم الكبير ١٨/ (٢٩٣). (٤) هو ابن حجر الهيتمي في الزواجر ٥/١. (٥) مثل قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهِ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُّ﴾ فجعلها رتباً ثلاثة، وسمَّى بعض = الآية : ٣١ ٤٧٥ سُورَةُ النِّسَكَّاءِ وكونُ المعنى: إن تجتنبوا كبائر مانُهيتُم عنه في هذه السورة مِن المناكح الحرامِ وأكلِ الأموال وغيرِ ذلك مما تقدَّم، نكفِّر عنكم ما كانَ من ارتكابها فيما سلَفَ، ونظيرُ ذلك من التنزيل ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا فَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] = بعيدٌ غايةَ البعد، ولذلك قال حُجَّة الإسلام الغزاليُّ: لا يليقُ إنكار الفرق بين الصغائر والكبائر، وقد عُرِفتا من مَدارك الشرع. نعم قد يُقال لذنب واحد: كبير وصغير باعتبارين؛ لأن الذنوب تَتَفاوت في ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، ومن هنا قال الشاعر: في السهو فيها للوضيعِ مَعاذرُ لا يَحِقِر الرجلُ الرفيعُ دقيقةً وصغائرُ الرجلِ الكبير كبائرٌ(١) فكبائرُ الرجلِ الصغيرِ صغائرٌ وقال سيدي ابن الفارض قُدِّس سرُّه: على خاطري سهواً حَكَّمتُ بردَّتي(٢) ولو خَطَرتْ ليْ في سواك إرادةٌ وأشارَ إلى التفاوت مَن قال: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقربين. هذا وقد استشكلتْ هذه الآية مع ما في حديثٍ مسلم مِن قوله وَّ: ((الصلواتُ الخمس مُكفِّرة لما بينها ما اجتنبتِ الكبائرُ))(٣) ووجْهُهُ أنَّ الصلوات إذا كفَّرتْ لم يبقَ ما يُكفِّرِه غيرُها، فلم يَتحقَّق مَضمون الآية. وأُجيب عنه بأجوبةٍ أَصحُّها - على ما قاله الشهاب(٤) -: أنَّ الآيةَ والحديثَ بمعنّى واحد؛ لأنَّ قوله وَِّ فيه: ((ما اجتُنبت)) إلخ داٌّ على بيانِ الآية؛ لأنه إذا لم يُصلِّ ارتكبَ كبيرةً وأيّ كبيرة، فتدبّر. = المعاصي فسوقاً دون بعض، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجِْبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّا اَللََّمْ﴾ الزواجر ٥/١. (١) البيتان في حاشية الشهاب ٣/ ١٣٠، والأول في غرر الخصائص الواضحة للوطواط ص١١٠. (٢) ديوان ابن الفارض ص٥٢، وفيه: قضيت بردتي. (٣) صحيح مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة ﴿ه، وهو عند أحمد (٩١٩٧). (٤) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣/ ١٣٠. سُورَةُ السَّكَاةِ ٤٧٦ الآية : ٣٢ ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ الجمهورُ على ضم الميم، وقرأ أبو جعفر ونافع بفتحها(١)، وهو على الضم إما مصدرٌ، ومفعولُ ((نُدْخِلْكم)) محذوفٌ، أي: ندخلكم الجنةَ إدخالاً، أو مكانٌ منصوب على الظرف عند سيبويه(٢)، وعلى أنه مفعول به عند الأخفش، وهكذا كلُّ مكانٍ مختصٍّ بعد ((دخل)) فيه الخلاف. وعلى الفتح قيل: منصوبٌ بمقدَّر، أي: نُدْخِلْكم فتَدْخلون مدخلاً، ونَصْبُه كما مرَّ، وجُوِّز كونهُ كقوله تعالى: ﴿أَنْبَّكُم مِّنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. ورجّح حمله على المكان لوصفه بقوله سبحانه: ﴿كَرِيمًا ®﴾ أي: حسناً، وقد جاء في القرآن العظيم وَصْفُ المكان به، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيِرٍ﴾ [الشعراء: ٥٨]. ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ قال القفَّال: لمَّا نَهَى الله تعالى المؤمنين عن أكلِ أموال الناس بالباطِل، وقَتْلِ الأَنفس، عَقَّبه بالنهي عما يُؤدِّي إليه من الطمع في أموالهم. وقيل: نهاهم أولاً عن التعرُّض لأموالهم بالجوارح، ثم عن التعرُّض لها بالقلب على سبيل الحسد؛ لتَطهُرَ أعمالُهم الظاهرةُ والباطنة، فالمعنى: ولا تتمنَّوا ما أعطاه الله تعالى بعضَكم ومَيَّزه به عليكم من المال والجاه وكلِّ ما يجري فيه التنافس، فإنَّ ذلك قِسمةٌ صادرةٌ من حكيم خبير، وعلى كلٍّ من المفضَّل عليهم أنْ يَرضَى بما قُسِمَ له، ولا يَتمنَى حظّ المفضَّل، ولا يَحسُدَه؛ لأنَّ ذلك أشبهُ الأشياء بالاعتراض على مَن أَثْقَنَ كلَّ شيءٍ وأحكمَه، ودَبَّرَ العالم بحكمته البالغة ونظّمه: وأظلمُ خَلْقِ الله مَن بات حاسداً لمن باتَ في نَعمائه يَتَقلَّبُ(٣) وإلى هذا الوجه ذهب ابن عباس وأبو عبد الله ظه، فقد روي عنهما في الآية: لا يَقُل أحدُكم: ليتَ ما أُعطي فلانٌ من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، (١) التيسير ص ٩٥، والنشر ٢٤٩/٢. (٢) ينظر الكتاب ٣٥/١، ونقله عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٣٠/٣، وينظر الدر المصون ٦٦٥/٣. (٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٠٩/١ برواية: وأظلم أهل الظلم من بات ... الآية : ٣٢ ٤٧٧ سُورَةُ الْنِسَاءِ فإن ذلك يكون حسداً، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثلَه. ويُفهم مِن هذا أنَّ التمنِّي المذكور كنايةٌ عن الحسد. وجَعَل بعضهم المقتضي للمنع عنه كونَه ذريعةً للحسد، ولكلٍّ وِجْهةٌ. وزَعَم البلخيُّ أنَّ المعنى: لا يجوزُ للرجل أنْ يَتمنَّى أنْ لو كان امرأةً، ولا للمرأة أنْ لو كانت رجلاً؛ لأنَّ الله تعالى لا يَفعل إلا ما هو الأصلح فيكونُ، قد تمنَّی ما ليس بأصلح. ونقل شيخ الإسلام(١) أنه لمَّا جَعَل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: نحنُ أحوج لأنْ يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد؛ لأنَّا ضعفاءُ وهم أقوياءُ وأَقْدَرُ على طَلَب المعاش منَّا، فنزلت. ثم قال: وهذا هو الأنسبُ بتعليل النهي بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلِسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَّ﴾ فإنه صريحٌ في جريان التمنِّي بين فريقَي الرجال والنساء، ولعلَّ صيغةَ المذكَّرِ في النهي لما عبَّر عنهنَّ بالبعض، والمعنى: لكلٍّ من الفريقَين(٢) في الميراث نصيبٌ مُعَيَّنُ المقدار، مما أصابه بحسَبِ استعداده، وقد عبّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارةِ التبعية المبنية على تشبيهِ اقتضاء(٣) حاله لنصيبه باكتسابه إياه، تأكيداً لاستحقاق كلٍّ منهما لنصيبه، وتَقويةً لاختصاصه بحيثُ لا يتخطَّاه إلى غيره، فإنَّ ذلك مما يُوجب الانتهاء عن التمنِّي المذكور. انتھی . وهذا المعنى الذي ذكره للآية مرويُّ عن ابن عباس ﴿هَا، لكنَّ القيل الذي نقله تبعاً للزمخشري(٤) في سبب النزول، لم نقفْ له على سند، والذي ذكره الواحدي(٥) في ذلك ثلاثةُ أخبار: (١) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٧٢ . (٢) جاء في هذا الموضع في حاشية (م): و((مِن)) كما قال غير واحد - على هذا - بيانيةٌ لا تبعيضية فتدبر. اهـ منه. (٣) في (م): اقتضاه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. (٤) في الكشاف ١/ ٥٢٣ . (٥) في أسباب النزول ص ١٤٣ . سُورَةُ السَكَاةِ ٤٧٨ الآية : ٣٢ الأولُ: ما أخرجه عن مجاهد قال: قالت أمُّ سلمة: يا رسولَ الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصفُ الميراث، فأنزل الله تعالى الآية. والثاني: ما أخرجَه عن عكرمة: أنَّ النساء سألْنَ الجهادَ فَقُلْنَ: وَدِدْنَا (١) أنَّ الله جعلَ لنا الغزوَ، فنصيبَ من الأجر ما يصيبُ الرجال. فنزلت. والثالث: ما أخرجَه عن قتادة والسدِّي قالا: لما نزل قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ﴾ قال الرجال: إنا لنرجو أنْ نُفضَّلَ على النساء بحسناتنا، كما فُضِّلنا عليهنَّ في الميراثِ، فيكون أجرُنا على الضُّعفِ من أجر النساء. وقال النساء: إنَّا لنرجوا أنْ يكونَ الوزرُ علينا نصفَ ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْا﴾ إلى آخرها. وذَكَر الجلال السيوطي في ((الدر المنثور)) نحوَ ذلك(٢). ولا يَخفى أنَّ القيل الذي نقله ظاهرٌ في حمل التمني المنهيِّ عنه على الحسد، والخبر الأول والثاني مما أخرجه الواحدي ليسا كذلك، إذ عليهما يجوزُ حمله على الحسد، أو على ما هو ذريعةٌ له، وربما يتراءَى أنَّ حمله على الثاني نظراً إليهما أَظهرُ، وأما الخبر الثالث فيأباه معنى الآية - سواء كان التمني كنايةً عن الحسد أو ذريعة - إلا بتكلُّفٍ بعيد جداً، ومعنى الآية على الأوَّلَيْنِ: أنَّ لكلِّ مِن الرجال والنساء حَظًّا مِن الثواب على حسَب ما كلَّفه الله تعالى من الطاعات بحُسن تدبيره، فلا تَتَمنَّوا خلاف هذا التدبير، وروي ذلك عن قتادة. وفيه استعمالُ الاكتساب في الخير، وقد استُعمل في الشر، واستُعمل الكسب في الخير في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وعن مقاتل وأبي حريز(٣) أنهما قالا: المراد: مما اكتسبوا من الإثم، وفيه استعمال اللام مع الشرِّ دون ((على))، وهو خلافُ ما في الآية. (١) في(م): وددن، والمثبت من الأصل وأسباب النزول للواحدي. (٢) الدر المنثور ١٤٩/٢ . (٣) في الأصل و(م): جرير، والمثبت هو الصواب، ينظر تفسير الطبري ٦٦٨/٦، والدر المنثور ١٤٩/٢. وأبو حريز هو عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان. تهذيب الكمال ٤٢٠/١٤. الآية : ٣٢ ٤٧٩ سُؤَدَّةُ النِّسَكَّاءِ وقيل: المرادُ: لكلِّ، وعلى كلِّ، من الفريقَين مقدارٌ من الثواب والعقاب، حَسْبَما رَتَبه الحكيم على أفعاله، إلا أنه استغني باللام عن ((على))، وبـ ((الاكتساب)) عن الكسب. وهو كما ترى. ويَرِدُ على هذه المعاني أنه لا يُساعدها النظم الكريم المتعلِّق بالمواريث وفضائلِ الرجال. ولعلَّ من يذهب إليها يجعل الآية مُعترضةً في البين. وذَكَر بعضهم أنَّ معنى الآية على الوجه الأول المرويِّ عن أبي عبد الله وابن عباس ﴿ًا: أنَّ لكلِّ فريقٍ من الرجال والنساء نصيباً مُقدَّراً في أزلِ الآزال من نعيم الدنيا بالتجارات والزراعات وغير ذلك من المكاسب، فلا يَتَمنَّ خلاف ما قُسِمَ له. ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ عطف على النهي بعدَ تقريرِ الانتهاء بالتعليل، كأنه قيل: لا تتمنَّوا نصيبَ غيركم ولا تَحسدوا مَن فُضِّل عليكم، واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد وإنعامِهِ المتكاثر، فإنَّ خَزَائنه مملوءةٌ لا تنفد أبداً، والمفعول محذوفٌ إفادةً للعموم، أي: واسألوا ما شئتم فإنه سبحانه يُعطيكُموه إنْ شاء، أو لكونه معلوماً مِن السياق، أي: واسألوا مثله، ويقال لذلك: غبطة. وقيل: ((مِن)) زائدة، أي: واسألوا الله تعالى فضلَه، وقد وَرَد في الخبر: لا يَتمنَّنَّ أحدُكم مالَ أخيه ولكنْ ليقل: اللهمَّ ارزقني، اللهم أعطني مثلَه (١). وذهب بعضُ العلماء - كما في ((البحر))(٢) - إلى المنع عن تمنِّي مثلِ نعمةِ الغير ولو بدون تمنِّ زوالها؛ لأن تلك النعمة ربما كانت مَفسدةً له في دينه، ومَضرَّة عليه في دنياه، فلا يجوز عنده أنْ يقول: اللهم أعطني داراً مثل دارٍ فلان، ولا زوجاً مثل زوجه(٣)، بل ينبغي أنْ يقول: اللهم أعطني ما يكونُ صلاحاً لي في ديني ودنياي ومَعادي ومَعاشي، ولا يتعرَّض لمن فُضِّل عليه، ونَسَبَ ذلك للمحقِّقين، وهم محجوجون بالخبر، اللهم إلا إذا لم يُسلِّموا صحته. (١) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره ١/ ٣٥٠ من قول ابن عباس والكلبي. (٢) ٢٣٥/٣. (٣) في الأصل: مثل زوج فلان. سُورَةُ التَسَكَّةِ ٤٨٠ الآية : ٣٢ وقيل: المعنى: لا تتمنَّوا الدنيا، بل اسألوا الله تعالى العبادةَ التي تُقرِّكم إليه، وإلى هذا ذهب ابن جبير وابن سيرين، وأخرج ابن المنذر(١) عن الثاني أنه إذا سَمع الرجلَ يَتمنَّى الدنيا، يقول: قد نهاكم الله تعالى عن هذا، ويتلو الآية. والظاهرُ العموم؛ وعن رسول الله وَّه قال: ((سَلُوا اللهَ تعالى مِن فضله فإنَّ الله تعالى يُحبُّ أنْ يُسألَ، وإنَّ من أفضلِ العبادة انتظارُ الفرج)»(٢). وقال ابنُ عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ولذلك فَضَّل بعضَ الناس على بعضٍ ٣٢ حسبَ مراتبِ استعداداتهم وتفاوتٍ قابلياتهم. ويحتمل أنْ يكون المعنى: أنه تعالى لم يَزِلْ ولا يزالُ عليماً بكلِّ شيءٍ، فيعلم ما تُضمِرُونه من الحسد ویُجازیکم علیه. تم بعونه تعالى الجزء الخامس من روح المعاني ويليه إن شاء الله الجزء السادس، وأوله قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْبُونَ﴾ (١) كما في الدر المنثور ١٤٩/٢. (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧١)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٦٦٥، وقال العجلوني في كشف الخفاء ٥٥٨/١: قال العراقي: ضعيف، وحسنه الحافظ ابن حجر.