Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٢٢
٤٠١
سُوَةُ الشَّةِ
وأخرج ابن سعدٍ عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا تُونِّي عن امرأته كان
ابنُه أحقَّ بها أن يَنكِحَها إن شاء إن لم تكن أُمَّه، أو يُنكِحَها مَنْ شاء، فلما مات
أبو قيس بن الأسلت، قام ابنُهُ حِصْنٌ فَوَرِثَ نكاحَ امرأته، ولم يُنفق عليها ولم
يُورِّثها من المال شيئاً، فأتتِ النبيَّ وَ ﴿ فذكرت ذلك له، فقال: ((ارجعي لعلَّ الله
تعالى يُنزل فيك شيئاً)) فنزلت ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ الآية، ونزلت أيضاً ﴿لَا يَجِلُ
لگُمْ﴾ إلخ(١).
وذكر الواحديُّ وغيره أنها نزلت في حِصْنٍ المذكور، وفي الأسود بن خلف
تزوَّج امرأةً أبيه، وفي صفوان بن أميةً بن خلف، تزوَّج امرأةً أبيه فاختةً بنتٍ
الأسود بن المطلب، وفي منظور بن زَبَّان(٢)، تزوَّج امرأةً أبيه مُلَيكةً بنتٍ
خارجة(٣).
واسمُ الآباء ينتظمُ الأجداد كيف كانوا باعتبار معنَى يعمُّهما لغةً، لا باعتبار
الجمع بين الحقيقة والمجاز، وفي ((النهاية)): إنَّ دلالةَ الأب على الجدِّ بأحد
طريقين: إما أن يكون المرادُ بالأب الأصل، وإما بالإجماع، ولا يخفى أنَّ كونَ
الدلالة بالإجماع مما لا معنى له، نعم لثبوت حرمة مَنْ نكحَها الجدُّ بالإجماع معنّی
لا خفاء فيه، فتثبت حرمةُ ما نكحوها نصًّا وإجماعاً.
ويستقلُّ في إثبات هذه الحرمة نفسُ النكاح، أعني: العقد إن كان صحيحاً،
ولا يشترط الدخول، وإلى ذلك ذهب ابنُ عباس، فقد أخرج عنه ابن جرير والبيهقيُّ
أنه قال: كلُّ امرأةٍ تزوَّجها أَبوكَ، دَخَلَ بها أو لم يدخل بها، فهي عليك حرام(٤).
وروي ذلك عن الحسن وابن أبي رباح.
(١) طبقات ابن سعد ٣٠٤/٥ (طبعة الخانجي) من طريق الواقدي عن موسى بن عبيدة عن
محمد بن كعب.
(٢) في الأصل و(م): ريان، والمثبت هو الصواب. ينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني
١٠٨١/٢-٠١٠٨٢
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ١٤١، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٦٢٥) عن ابن عباس .
قال: فَرَّق الإسلامُ بين أربع وبين أبناء بعولتهن ...
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٥٠، وسنن البيهقي ٧/ ١٦١ .

سُورَةُ النَشَاءِ
٤٠٢
الآية : ٢٢
وإن كان النكاح فاسداً فلابدَّ في إثبات الحرمة من الوطء أو ما يجري مجراه
من التقبيل والمسِّ بشهوةٍ مثلاً، بل هو المحرِّم في الحقيقة، حتى لو وقع شيءٌ من
ذلك بملك اليمين وبالوجه المحرَّم ثبتت به الحرمةُ عندنا، وإليه ذهبت الإمامية.
وخالفت الشافعية في المحرِّم، وتحقيقُ ذلك أنَّ الناس اختلفوا في مفهوم
النكاح لغةً، فقيل: هو مشتَرٌَ لفظيٌّ بين الوطء والعقد، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من
اللغويين، وقيل: حقيقةٌ في العقد مجازٌ في الوطء وعليه الشافعية. وقيل بالعكس،
وعليه أصحابنا، ولا ينافيه تصريحُهمْ بأنه حقيقةٌ في الضَّمِّ(١)؛ لأنَّ الوطءَ من أفراده
والموضوعُ للأعمِّ حقيقةٌ في كلٍّ من أفراده، على ما أطلقه الأقدمون.
وقد تحقَّق استعمالُ النكاح في كلٍّ من هذه المعاني، ففي الوطء قولُهُ وَلآت:
(وُلدت من نكاحٍ لا من سفاح))(٢) أي: من وطٍ حلالٍ لا من وطءٍ حرام، وقولُه
عليه الصلاة والسلام: ((يَحلُّ للرجل من امرأته الحائض كلُّ شيءٍ إلا النكاح))(٣)،
وقول الشاعر :
ومِن أيِّم قد أنْكَحَتْها رماحُنا وأخرى على خالٍ وعمِّ تَلَهَّفُ (٤)
وقول الآخر :
ومنكوحةٍ غير ممهورةٍ(٥)
(١) في هامش الأصل و(م): قال في البحر: وهو مردود فإن الوطء مغاير للضم، وأيده بما في
المغرب فارجع إلیه. اهـ. منه.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٢٥) من طريق محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن
الحسين عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين عن علي ﴿ته. قال الذهبي في تاريخ
الإسلام ١٥/٢: وهو منقطع إن صح عن جعفر بن محمد ولكن معناه صحيح، وينظر
التلخيص الحبير ١٣٦/٣ .
(٣) أخرجه أحمد (١٢٣٥٤)، ومسلم (٣٠٢) من حديث أنس له، وفيه: ((اصنعوا كل شيء
إلا النكاح)).
(٤) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ١٠٢/٢، وابن الهمام في فتح القدير ٢/ ٣٤٠. وللفرزدق
نحوه في ديوانه ٣٨/٢ وروايته:
وذاتٍ حَليلٍ أنكحثْها رماحنا حلالاً لمن يبني لها لم تُطلَّقِ
(٥) صدر بيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٦١، وعجزه: وأخرى يقال له فادِها.

الآية : ٢٢
٤٠٣
سُورَةُ السَّةِ
وقول الفرزدق:
فلا سقى اللهُ أَرْضَ الكوفةِ المطرا
إذا سقى اللهُ قوماً صَوْبَ غاديةٍ
والناكحينَ بِشَطَي دجلةَ البقرا(١)
التاركين على طُهْرٍ نساءَهم
وفي العَقْد قولُ الأعشى:
عليكَ حرامٌ فانكِحَنْ أو تأَبَّدا(٢)
فلا تَقْرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّها
وفي المعنى الأعمِّ قولُ القائل:
ضممتُ إلى صدري مُعظَّرَ صَدْرِها كما نكحت أُمُّ الغلام صبيَّها(٣)
وقول أبي الطيب:
أَنكحتُ صُمَّ حَصاها خُفَّ يَعْمَلةٍ
تَغَشْمَرَتْ بي إليكَ السَّهلَ والجبلا (٤)
فمدَّعي الاشتراكِ اللفظيِّ يقول: تحقَّق الاستعمالُ والأصلُ الحقيقة، والثاني
يقول: كونُه مجازاً في أحدهما حقيقةً في الآخر حيث أَمْكَنَ أَولى من الاشتراك، ثم
يدَّعي تَبَادُرَ العقد عند إطلاق لفظ النكاح دون الوطء، ويُحيلُ فَهْمَ الوطء منه - حيثُ
فُهم - على القرينة، ففي الحديث الأول هي عَطْفُ السِّفاح، بل يصحُّ حَمْلُ النكاح
فيه على العقد وإن كانت الولادة بالذات من الوطء، وفي الثاني إضافةُ المرأة إلى
ضمير الرجل، فإنَّ امرأته هي المعقودُ عليها، فيلزم إرادة الوطء من النكاح
المستثنى، وإلا فسد المعنى؛ إذ يصيرُ: يحلُّ من المعقود عليها كلُّ شيءٍ إلا العقد،
(١) البيتان ليسا في ديوان الفرزدق، ونُسبا للنجاشي الحارثي في الشعر والشعراء ٣٣٠/١،
وجمهرة الأمثال ٥٧٤/١، وسمط اللآلي ٢/ ٨٩٠، والمُغرِب ٣٢٦/٢، والخزانة ٤٢١/١٠.
والنجاشي هو قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب.
(٢) ديوان الأعشى ص ٤٦، وأمالي القالي ١٢٩/١، والمغرب ٣٢٦/٢ وفيه: أي: فتزوَّجْ أو
توخَّشْ وتعقَّفْ. والسر: النكاح، كما قال القالي.
(٣) ذكره ابن الهمام في فتح القدير ٢/ ٣٤٠، والزرقاني في شرح الموطأ ١٢٤/٣.
(٤) ديوان المتنبي ٢٨٩/٣، والمُغرب ٣٢٦/٢، وفيه: اليعملة: الناقة النجيبة المطبوعة على
العمل. ويقال: أنكحوا الحصى أخفاف الإبل: إذا ساروا. والتَّغَشْمُر: الأخذ قهراً، يعني:
أخذتْ بي في طرق السهولة والحزونة.
هو

سُورَةُ النَّسَكَاةِ
٤٠٤
الآية : ٢٢
وفي الأبيات الإضافةُ إلى البقر، ونفيُ المهور، والإسنادُ إلى الرماح؛ إذ يُستفادُ أنَّ
المراد وطءُ البقر والمَسبِيَّات.
والجوابُ: مَنْعُ تَبادُرِ العقد عند الإطلاق لغةً، بل ذلك في المفهوم الشرعيِّ
الفقهيّ، ولا نُسلِّم أنَّ فَهْمَ الوطء فيما ذُكر مُسنَدٌ إلى القرينة وإن كانت موجودة؛ إذ
وجودُ قرينةٍ تُؤيِّد إرادة المعنى الحقيقيِّ مما يَثْبتُ مع إرادة الحقيقي، فلا يستلزمُ
ذلك كونَ المعنى مجازيًّا، بل المعتبرُ مجرَّدُ النظر إلى القرينة، إنْ عُرف أنه لولاها
لم يدلَّ اللفظُ على ما عيَّنته فهو مجازٌ، وإلا فلا، ونحن في هذه المواد المذكورة
نفهم الوطءَ قبل طلبٍ القرينة والنظرِ في وجه دلالتها، فيكون اللفظ حقيقةً وإن كان
مقروناً بما إذا نُظِرَ فيه استدعى إرادةَ ذلك المعنى، ألا يُرى أنَّ ما ادَّعوا فيه الشهادةَ
على أنه حقيقةٌ في العقد مجازٌ في الوطء من بيت الأعشى فيه قرينةٌ تفيدُ العقد
أيضاً، فإنَّ قوله: فلا تقربنَّ جارةً، نهيٌ عن الزنى، بدليل: إنَّ سِرَّها عليكَ حرام،
فيلزم أنَّ قوله: ((فانكِحَنْ)) أمرٌ بالعقد، أي: فتزوَّج إن كان الزنى عليك حراماً، أو
تأبَّد، أي: توخَّش، أي: كُنْ كالوحش بالنسبة إلى الآدميات، فلا يكن منكَ قُربانٌ
لهنَّ كما لا يَقْرِبُهنَّ وَحْشٌ، ولم يمنع ذلك أن يكون اللفُ حقيقةً في العقد عندهم
في البيت؛ إذ هم لا يقولون بأنه مجازٌ فيه.
وأما ادِّعاءُ أنه في الحديث للعقد، فيستلزم التجوُّزَ في نسبة الولادة إليه؛ لأنَّ
العقد إنما هو سببُ السبب، ففيه دعوى حقيقةٍ بالخروج عن حقيقة، وهو ترجيحٌ
بلا مُرجِّحٍ لو كانا سواء، فكيف والأنسبُ كونُهُ في الوطء ليتحقَّق التقابلُ بينه وبين
السفاح؛ إذ يصيرُ المعنى: من(١) وطٍ حلال لا وطٍ حرام، فيكون على خاصٌّ
من الوطء، والدالُّ على الخصوصية لفظُ السفاح أيضاً، فثبتَ إلى هنا أنَّا لم نزد (٢)
على ثبوت مجرَّد الاستعمال شيئاً يجب اعتباره، وقد عُلم أيضاً ثبوتُ الاستعمال
في الضَّمِّ، فباعتباره حقيقةً فيه يكون مشتركاً معنويًّا من أفراده الوطءُ والعقد إن
اعتبرنا الضَّمَّ أعمَّ من ضَمِّ الجسم إلى الجسم والقولِ إلى القول، أو الوطءُ فقط،
فيكون مجازاً في العقد؛ لأنه إذا دار بين المجاز والاشتراك اللفظيٍّ كان المجازُ
(١) في (م): عن.
(٢) في الأصل و(م): نزده، والمثبت من فتح القدير لابن الهمام ٣٤١/٢، والكلام منه.

الآية : ٢٢
٤٠٥
سُورَةُ السَّةِ
أَولى ما لم يثبت صريحاً خلافُه، ولم يثبت نقلُ ذلك، بل قالوا: نقل المبرِّد عن
البصريين، وغلامُ ثعلب عن الكوفيين أنه الجمعُ والضَُّّ، ثم المتبادر من لفظ
الضَّمِّ تعلُّقه بالأجسام لا الأقوال؛ لأنهما أعراضٌ يتلاشى الأول منها قبل وجود
الثاني، فلا يُصادف الثاني ما ينضمُّ إليه، فوجبَ كونُه مجازاً في العقد، كذا في
(فتح القدير))(١) .
إذا علمتَ ذلك فنقول: حَمَلَ الشافعيةُ النكاحَ في الآية التي نحن فيها على
العقد دون الوطء، واستدلَّوا بها على حُرْمة المعقود عليها إن لم تُوطَأ، وذهبوا إلى
عدم ثبوت الحرمة بالزنى. وحَمَلَهُ بعضُ أصحابنا على العقد فيها واستدلُّوا بها على
حُرْمة نكاح نساءِ الآباء والأجداد، وثبوتِ حُرْمةِ المصاهرة بالزنى، وجعلوا حُرمةً
العقد ثابتةً بالإجماع، ثم قالوا: ولو حُمل على العقد تكونُ حُرْمةُ الوطء ثابتةً بطريق
الأولی.
واعتُرض بأنه لا ينبغي أن يقال: ثبتَ حُرْمةُ الموطوءة بالآية، والمعقودِ عليها
بلا وطءٍ بالإجماع؛ لأنه إذا كان الحُكْمُ الحُرْمَةَ بمجرَّد العقد، ولفظِ الدليل الصالح
له، كان مراداً منه بلا شبهة، فإنَّ الإجماع تابعٌ للنَّصِّ؛ إذ القياسُ عن(٢)
أحدهما يكون، ولو كان عن علم ضروريٍّ يُخلَقُ لهم ثبتَ بذلك أنَّ ذلك الحُكْمَ
مرادٌ من كلام الشارع إذا احتمله.
وحَمَلَهُ آخرون على الوطء والعقد معاً فقد قال الزيلعيُّ(٣): الآيةُ تتناول منكوحةً
الأب وَظْءاً وعَقْداً صحيحاً، ولا يضرُّ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز؛ لأنَّ الكلامَ
نفيٌّ، وفي النفي يجوز الجمعُ بينهما، كما يجوز فيه أن يَعُمَّ المشترك جميع معانيه.
وقد نقل أيضاً سعدي أفندي(٤) عن وصايا ((الهداية)) جواز الجمع بين معاني
(١) فتح القدير ٣٤٠/٢-٣٤١ لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السياسي المعروف بابن
الهمام الحنفي، المتوفى سنة (٨٦١هـ)، وهو شرح لكتاب الهداية لبرهان الدين علي بن
أبي بكر المرغيناني المتوفى سنة (٥٩٣هـ). ينظر كشف الظنون ٢٠٣١/٢.
(٢) في الأصل: من.
(٣) في تبيين الحقائق ١٠٣/٢.
(٤) هو سعد الله بن عيسى بن أمير خان الرومي الشهير بسعدي أفندي أو سعدي جلبي، له

سُورَةُ السَّةِ
٤٠٦
الآية : ٢٢
المشترك في النفي، وحينئذٍ لا إشكالَ في كون الآية دليلاً على حُرْمة الموطوءة
والمعقودِ عليها كما لا يخفى.
واعتُرض ما قاله الزيلعيُّ بأنه ضعيفٌ في الأصول، والصحيح أنه لا يجوز
الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في النفي ولا في الإثبات، ولا عمومَ للمشترك
مطلقاً، وفي الأكمل(١): والحق أنَّ النفيَ كما اقتضاه الإثباتُ، فإن اقتضى الإثباتُ
الجمعَ بين المعنيين فالنفيُ كذلك وإلا فلا، ومسألةُ اليمين المذكورة في
((المبسوط))(٢) - حَلَفَ لا يكلِّم مَوَاليَه وله أعلون وأسفلون، فَأَيُّهم كَلَّم حَنَثَ - ليست
باعتبار عموم المشترك في النفي كما توقَّم البعض، وإنما هو لأنَّ حقيقةَ الكلام
متروكةٌ بدلالةَ اليمين إلى مجازٍ يعمُّهما(٣)، وفي ((البحر)) (٤): إنَّ الأَولى أنَّ النكاحَ
في الآية للعقد كما هو المُجمَعُ عليه، ويستدلُّ لثبوت حُرْمة المصاهرة بالوطء
الحرام بدليلٍ آخر، فليفهم.
و ((ما)) موصولٌ اسميٍّ واقعةٌ على مَنْ يعقل، ولا كلام في ذلك على رأي مَن
جَوَّزه مطلقاً، وكذا على رأي مَن جوَّزه إذا أُريد معنى صفةٍ مقصودةٍ منه.
وقيل: مصدريةٌ على إرادة المفعول من المصدر، أي: منكوحاتٍ آبائكم.
واختار الطبريُّ(٥) إبقاءَ المصدر على مصدريَّته، ويكون المراد النهيَ عن كلِّ نكاحٍ
کان لهم فاسد، أي: لا تنکحوا مثل نکاح آبائکم. ولیس بالوجیه.
= حاشية على تفسير البيضاوي، وحاشية على العناية شرح الهداية، وغيرها، توفي سنة
(٩٤٥هـ). الفوائد البهية ص ٧٨.
(١) هو محمد بن محمود بن كمال الدين أحمد البابرتي، أكمل الدين المصري الحنفي، له:
العناية في شرح الهداية، والإرشاد في شرح الفقه الأكبر، والتقرير في شرح أصول
البزدوي، وغيرها، توفي سنة (٧٨٦هـ). هدية العارفين ١٧١/٢. والكلام من كتابه التقرير
كما في البحر الرائق ١٠١/٣.
(٢) لمحمد بن الحسن الشيباني، ويسمى أيضاً الأصل، والكلام فيه ٣٨١/٣.
(٣) في هامش الأصل: واختار المحقق في التحرير أنه يعم في النفي لأنه نكرة في النفي،
والمنفيُّ ما سمِّي باللفظ. وهو منقول من البحر الرائق ١٠١/٣ .
(٤) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ١٠١/٣، والكلام الذي قبله منه.
(٥) في تفسيره ٦/ ٥٥٢ .

الآية : ٢٢
٤٠٧
سُورَةُ الشَحَّةِ
﴿مِّنَ اٌلِنِسَآءِ﴾ في موضع الحال من ((ما)) أو من العائد عليها، وعند الطبريِّ
متعلّقةٌ بـ ((نكح))(١). وذكر غيرُ واحدٍ أنها بيانٌ لـ (ما)) على الوجهين السابقين،
وظاهره أنها بيانيةٌ، ويحتمل أن تكون تبعيضية، والبيانُ معنويٌّ، ونكتتُه مع عدم
الاحتياج إليه - إذ المنكوحات لا يَكُنَّ إلا نساءً - التعميمُ، كأنه قيل: أيّ امرأةٍ
كانت.
واحتمالُ كونه رَفَعَ تَوَهُّم التغليب في ((آبائكم)) وجَعْلِه أعمَّ من الأُمَّهات حتى
يفيدَ أنه نهيٌّ للبنت عن نكاح منكوح أُمِّها، لا يخلو عن خفاء.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: مات، كما روي ذلك عن أُبيِّ بن كعب(٢)، وهو
استثناءٌ متَّصلٌ على المختار من ((ما نكح)) للمبالغة في التحريم والتعميم، والكلامُ
حينئذٍ من باب تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه كما في قول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُمْ بهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ(٣)
والمعنى: لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا مَن مات منهنَّ، والمقصود سدُّ باب
الإباحة بالكُلِيَّةِ؛ لِمَا فيه من تعليق الشيء بالمحال؛ كقوله تعالى: ﴿حََّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِىِ
سَمِّ الْخِيَاِ﴾ [الأعراف: ٤٠] والمعلَّقُ على المحالِ محالٌ.
وقيل: إنه استثناءٌ مثَّصلٌ مما يستلزمه النهيُ وتستلزمه مباشرةُ المنهيِّ عنه من
العقاب، كأنه قيل: تستحقُّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف
ومضى، فإنه معفوٌّ عنه، وبهذا التأويل يندفع الاستشكال بأنَّ النهي للمستقبل و((ما قد
سلف)) ماضٍ، فكيف يُستثنى منه؟
وجعل بعضُ محقِّقي النحاة الاستثناءَ مما دخل في حُكْم دلالة المفهوم منقطعاً،
فَحَكَمَ على ((ما)) هنا بالانقطاع، أي: لكن ما سلف لا مؤاخذةَ عليه، فلا تُلامون
به؛ لأنَّ الإسلام يَهدِمُ ما قبله، فتثبتُ به أحكام النسب وغيره، ولا يُعَدُّ ذلك زنّى،
(١) كذا ذكر، والذي في تفسير الطبري ٦/ ٥٢٢ أنها متعلقةٌ بـ ((تنكحوا)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٩١٠ من طريق زر من حبيش عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها:
((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إلا مَن مات)).
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص ١١.

سُوَةُ الشَكَاةِ
٤٠٨
الآية : ٢٢
وقد ذكر البلخيُّ أنه ليس كلُّ نكاح حرَّمه الله تعالى يكون زنّى؛ لأنَّ الزنى فِعْلٌ
مخصوصٌ لا يجري على طريقةٍ لازَمَةٍ وسنَّةٍ جاريةٍ، ولذلك لا يُقال للمشركين في
الجاهلية: أولاد زنّى، ولا لأولاد أهل الذمة مثلاً إذا كان ذلك عن عَقْدٍ بينهم
يتعارفونه.
وزعم بعضُهم على تقدير الانقطاع أنَّ المعنى: لكن ما سلف أنتم مُقَرُّون عليه،
وحكي أنَّ رسول الله وَّهِ أَقرَّهم على منكوحات آبائهم مدَّةً ثم أَمَرَ بمفارقتهنَّ(١).
وفَعَلَ ذلك ليكون إخراجُهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، قال البلخيُّ:
وهذا خلافُ الإجماع، وما عُلم من دين الرسول وَّهِ، فالقول به خطأ .
والمعوَّل عليه من بين الأقوال الأوَّلُ؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نكاح
ما نكح الآباء ﴿كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا﴾ فإنه تعليلٌ للنهي، وبيانٌ لكون المنهيِّ عنه في
غاية القُبْح كما يدلُّ عليه الإخبارُ بأنه فاحشةٌ، مبغوضاً باستحقارٍ جدًّا حتى كأنه نفسُ
البغض كما يدلُّ عليه الإخبار بأنه مَقْت، وأنه لم يزل في حُكْم الله تعالى وعِلْمه
موصوفاً بذلك، ما رُخّص فيه لأُمَّةٍ من الأمم كما يقتضيه ((كان)) على ما ذكره عليُّ بن
عيسى وغيره، وهذا لا يلائم أن يُوسَّط بينهما ما يُهوِّن أَمْرَهُ من تَرْك المؤاخذة على
ما سلف منه كما أشار إليه الزمخشري(٢)، وارتضاه جَمْعٌ من المحقّقين.
ومن الناس مَن استظهر كونَ هذه الجملة خبراً على تقدير الانقطاع، وليس
بالظاهر، ومنهم مَن فَسَّر الفاحشة هنا بالزنا، وليس بشيء.
وقد كان هذا النكاح يُسمَّى في الجاهلية: نكاحَ المَقْتِ، ويُسمَّى الولد منه:
مَقْتِيّ، ويقال له أيضاً: مَقِيت، أي: مبغوضٌ مُسْتحقَر، وكان من هذا النكاح - على
ما ذكره الطبرسيُّ - الأشعثُ بن قيس، و[أبو] معيط جدُّ الوليد بن عقبة(٣).
﴿وَسَآءَ سَبِيلًا (٣)﴾ أي: بئس طريقاً طريقُ ذلك النكاح، ففي ((ساء)) ضميرٌ
مُبْهَمٌ يُفسِّرُهُ ما بعده، والمخصوصُ بالذَّمُّ محذوفٌ، وذُّ الطريق مبالغةٌ في ذمِّ
(١) ذكره الرازي في التفسير الكبير ٢٣/١٠.
(٢) في الكشاف ٥١٥/١.
(٣) مجمع البيان ٤/ ٦٠، وما سلف بين حاصرتين منه.

الآية : ٢٢
٤٠٩
سُورَةُ الشَخَّاء
سالكها وكنايةٌ عنه، ويجوز - واختاره الليث - أن تكون ((ساء) كسائر الأفعال، ففيها
ضميرٌ يعودُ إلى ما عاد إليه ضمير ((إنه))(١).
و(سبيلاً)) تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعل، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من
الإعراب، وإما معطوفةٌ على خبر ((كان)) محكيةٌ بقولٍ مُضْمَرٍ هو المعطوفُ في
الحقيقة، أي: ومقولاً في حَقِّه ذلك في سائر الأعصار.
قال الإمام الرازيُّ(٢): مراتب القُبْح ثلاث: القُبح العقليُّ، والقُبح الشّرعيُّ،
والقُبح العاديُّ، وقد وصف الله سبحانه هذا النكاح بكلِّ ذلك، فقوله سبحانه:
﴿فَحِشَةٌ﴾ إشارةٌ إلى مرتبة قُبحه العقليِّ، وقوله تعالى: ﴿وَمَقْتًا﴾ إشارةٌ إلى مرتبة
قُبحه الشرعي، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى مرتبة قُبحه العادي،
وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح.
وأنت تعلم أنَّ كونَ قوله عزَّ شأنه: ﴿وَمَقْتًا﴾ إشارةً إلى مرتبة قُبحه الشرعي
ظاهرٌ على تقدير أن يكون المراد: وَمْتاً عندَ الله تعالى، وأما على تقدير أن يكون
المراد: ومَقْتاً عند ذوي المروءات، فليس بظاهر. ومن هنا قيل: إنَّ قولَهُ جَلَّ
شأنه: ﴿فَاحِشَةٌ﴾ إشارةٌ إلى القبح الشرعي ﴿وَمَقْتًا﴾ إشارةٌ إلى العقليِّ بمعنى
المنافرة ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ إلى العُرْفي.
وعندي أنَّ لكلٍّ وجهاً، ولعلَّ ترتيب الإمام أولى من بعض الحيثيات
كما لا يخفى.
ومما يدلُّ على فظاعة أمره ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد
والحاكم والبيهقيُّ عن البراء قال: قال: لقيت خالي ومعه الراية، قلت: أين تريد؟
قال: بعثني رسول الله وَّل إلى رجلٍ تزوَّج امرأةً أبيه من بعده، فأمرني أن أَضرب
عُنقه وآخذَ ماله(٣).
(١) في الأصل و(م): به، والمثبت هو الصواب، كما في الدر المصون ٦٣٨/٣، وتفسير
أبي السعود ١٦٠/٢ والكلام منه.
(٢) في التفسير ٢٤/١٠.
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٠٨٠٤)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٠٤/١٠-١٠٥ ومسند أحمد
(١٨٥٥٧)، والمستدرك ١٩١/٢، وسنن البيهقي ٢٠٨/٨.

سُورَةُ النِّسَحَاءِ
٤١٠
الآية : ٢٣
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخْ
وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ليس المراد تحريمَ ذاتهنَّ؛ لأنَّ الحرمةَ وأخواتها إنما تتعلَّقُ بأفعال
المكلَّفين، فالكلامُ على حَذْف مُضافٍ بدلالة العقل، والمراد تحريمُ نكاحهنَّ لأنه
مُعظَمُ ما يُقصدُ منهنَّ، ولأنه المتبادرُ إلى الفهم، ولأنَّ ما قبله وما بعده في النكاح،
ولو لم يكن المراد هذا - كأنْ تخلَّلَ أجنبيٌّ بينهما من غير نكتةٍ - فلا إجمال في الآية
خلافاً للگَرْخِي.
والجملةُ إنشائيةٌ، وليس المقصود منها الإخبارَ عن التحريم في الزمان
الماضي، وقال بعض المحققين: لا مانع من كونها إخباريةً، والفعل الماضي فيها
مثله في التعاريف نحو: الاسم ما دلَّ على معنى في نفسه ولم يقترن بأحد الأزمنة،
والفعل ما دلَّ واقترن. فإنهم صرَّحوا أنَّ الجملةَ الماضويةَ هناك خبريةٌ، وإلا لما صحَّ
كونُها صلةَ الموصول، مع أنه لم يُقصد من الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي
فقط، وإلا للزم أن يكون حالُ المعرَّف في الزمان الحال والمستقبلِ ليس ذلك
الحال.
وبُني الفعل لِمَا لم يسم فاعله؛ لأنه لا يشتبه أنَّ المحرِّم هو الله تعالى.
و((أمهاتكم)) تَعُمُّ الجدَّات كيف كُنَّ؛ إذ الأُمُّ هي الأصل في الأصلِ؛ كأمِّ
الكتاب، وأُمّ القرى، فتثبتُ حُرْمةُ الجدَّات بموضوع اللفظ وحقيقته؛ لأنَّ الأُمَّ على
هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضُهم إلى أنَّ إطلاقَ الأُمّ على الجدَّة مجاز، وأنَّ
إثبات حُرْمة الجدَّات بالإجماع. والتحقيقُ أنَّ الأُمَّ مَرادٌ به الأصلُ على كلِّ حال؛
لأنه إن استُعمل فيه حقيقة، فظاهر، وإلا فيجب أن يُحكَم بإرادته مجازاً، فتدخلُ
الجدَّاتُ في عموم المجاز، والمعرِّف لإرادة ذلك في النَّصِّ الإجماع على حُرمتهنَّ.
والمراد بالبنات مَنْ وَلَدْتَها أو وَلَدْتَ مَن ولَدَها، وتسمية الثانية بنتاً حقيقةٌ
باعتبار أنَّ البنت يُراد به الفَرْعُ كما قيل به، فيتناولها النصُّ حقيقةً أو مجازاً عند
البعض، أو عند الكلِّ، ومَنْ مَنَعَ إطلاقَ البنت على الفَرْع مطلقاً قال: إنَّ ثبوت
حُرْمة بنات الأولاد بالإجماع.
وقد يُستَدلُّ على تحريم الجدَّات وبنات الأولاد بدلالة النصِّ المحرِّم للعمَّات
والخالات وبنات الأخ والأخت، ففي الأول لأنَّ الأشِقَّاءَ منهنَّ أولادُ الجدَّات،

الآية : ٢٣
٤١١
سُورَةُ السَكَاةِ
فتحريم الجدَّات وهنَّ أَقربُ أَولى، وفي الثاني لأنَّ بنات الأولاد أقربُ من بنات
الإخوة.
ثم ظاهرُ النصِّ يدلُّ على أنه يَحرمُ للرجل بنته من الزنى لأنها بنتُهُ، والخطاب
إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل، كلفظ الصلاة ونحوه، فيصير منقولاً شرعيًّا،
وفي ذلك خلافُ الإمام الشافعيِّ ◌َُّه فقد قال: إنَّ المخلوقةَ من ماء الزنى تَحِلُّ
للزاني؛ لأنها أَجنبيةٌ عنه، إذ لا يثبتُ لها توارثٌ ولا غيرُهُ من أحكام النسب،
ولقوله وَلجر: ((الولد للفراش)»(١) وهو يقتضي حَصْرَ النسب في الفراش.
وقال بعض الشافعية: تَحْرُمُ إن أخبره نبيٌّ كعيسى عليه السلام وقتَ نزوله بأنها
من مائه، وَرُدَّ عليه بأنَّ الشارعَ قَطَعَ نسَبَها عنه كما تقرَّر، فلا نَظَرَ لكونها من ماء
سِفاحه، واعترضوا على القائلين بالحُرْمة بأنهم إما أن يُثبتوا كونَها بنتاً له بناءً على
الحقيقة لكونها مخلوقةً من مائه، أو بناءً على حُكْم الشرع.
والأولُ باطلٌ على مذهبهم طرداً وعكساً، أما الأول فلأنه لو اشترى بكراً
وافتضَّها وحبسها إلى أن تلد، فهذا الولدُ مخلوقٌ من مائه بلا شبهة، مع أنه لا يَثبتُ
نسبُهُ إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني فلأنَّ المشرقيَّ لو تزوَّج مغربيةً، وحصل هناك
ولدٌ منها مع عدم اجتماعها مع زوجها، وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما،
فإنه يثبتُ النسبُ مع القطع بأنه غيرُ مخلوقٍ من مائه.
والثاني باطلٌ بإجماع المسلمين على أنه لا نَسَبَ لولدِ الزنا من الزاني، ولو
انتسب إليه وَجَبَ على القاضي منعُهُ.
وأجيب باختيار الشقِّ الأول، إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أنَّ المخلوقةَ من
ماء إنسانٍ بنتُهُ، سواء كان ذلك الماءُ ماءَ حلالٍ أو سفاح، والجزئيةُ ثابتةٌ في
الصورتين، والظاهر أنها هي مبدأُ حُرْمة النكاح، ألا ترى كيف حُرِّم على المرأة
ولدُها من الزنى إجماعاً.
(١) أخرجه أحمد (٧٢٦٢)، والبخاري (٦٧٥٠)، ومسلم (٤٥٨) من حديث أبي هريرة
وأخرجه - أيضاً - أحمد (٢٤٠٨٠٦)، والبخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧) من حديث
عائشة ا .
وأخرجه - أيضاً - أحمد (١٧٣) من حديث عمر بن الخطاب

سُورَةُ الشَّاء
٤١٢
الآية : ٢٣
والتفرقة بين المسألتين بأنَّ الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها
إنساناً، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى؛ لأنها انفصلت منه منيًّا، لا تفيدُ سوى
أنَّ البعضيةَ في المسألة الثانية أظهر، وأمَّا أَنها تنفي البعضيةَ في المسألة الأولى
فلا؛ لأنهم يُطلقون البَضْعة - وهي تقتضي البعضية - على الولد المنفصل مَنيًّا من
أبيه، فيقولون: فلانٌ بَضْعةٌ، وفلانةٌ بَضعةٌ من فلان، وإنكارُ وجود الجزئية في
المسألتين مكابرةٌ، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب
الماء، ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنتَه حقيقةً، بل للإجماع على ذلك، ولولاه
لَوَرِثَتْ كما يَرِثُ وَلَدُ الزنى أُمَّه.
وما ذُكر في بيان إبطال الظَّرْد من أنه لو اشترى بكراً فافتضَّها وحَبَسها
فولدت، فالولد مخلوقٌ من مائه قَطْعاً مع أنه لا يَثبتُ نسبُهُ إلا بالاستلحاق،
أَخَذَهُ من قول الفقهاء في الأَمَة إذا وَلَدَتْ عند المولى أنه لا يَثْبتُ نَسَبُ ولدها
منه إلا أن يَعترف به، ولا يكفي أنه وطئها فولدت، لكن في ((الهداية))(١)
وغيرها أنَّ هذا حُكْمٌ، فأما الديانةُ بينه وبين الله تعالى فالمرويُّ عن
أبي حنيفة رَّه أنه إن كان حين وَطِئَها لم يعزل عنها وحصَّنها عن مظانِّ رِيبة
الزنى، يلزمه من قِبَلِ الله تعالى أن يَدَّعيه بالإجماع؛ لأنَّ الظاهرَ - والحالُ
هذه - كونُهُ منه، والعملُ بالظاهر واجبٌ، وإن كان عَزَلَ عنها حصَّنها أوْ لا، أو
لم يعزل ولكن لم يحصِّنها فتَرَكَها تدخل وتخرج بلا رقيبٍ مأمونٍ، جاز له أن
ينفيه؛ لأنَّ هذا الظاهر - وهو كونه منه بسبب أنَّ الظاهر عدمُ زنا
المسلمة - يُعارضه ظاهرٌ آخر، وهو كونه من غيره لوجود أحد الدليلين على
ذلك، وهما العزل، أو عدم التحصين.
وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في ((المبسوط)) فقال:
وعن أبي يوسف: إذا وَطِئَها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد، فعليه أن
يدَّعيه سواءٌ عَزَل عنها أو لم يعزل، حصَّنها أو لم يحصِّنها؛ تحسيناً للظّنِّ بها،
وحَمْلاً لأمرها على الصلاح مالم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور؛ لأنَّ
(١) الهداية للمرغيناني مع فتح القدير ٣/ ٤٤٧، والكلام منقول من فتح القدير.

الآية : ٢٣
٤١٣
سُورَةُ الشَكَاةِ
ما ظهر بسببه يكون محالاً به عليه حتى يتبيَّن خلافه، وعن محمد: لا ينبغي أن
يدَّعي وَلَدَها إذا لم يعلم أنه منه، ولكن ينبغي أن يعتق الولد(١) .
وفي ((الإيضاح) ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أُحبُّ أن
يدَّعيه، وقال محمد: أُحبُّ أن يعتقَ الولد(٢).
وقال في ((الفتح)) بعد كلام: وعلى هذا ينبغي أنْ لو اعتَرفَ فقال: كنت أَطأُ
لقصد الولد عند مجيئها بالولد، أن يَثبتَ نَسَبُ ما أتت به وإن لم يقل: هو ولدي؛
لأنَّ ثبوته بقوله: هو ولدي، بناء على أنَّ وَظْأَهُ حينئذٍ لقصد الولد، وعلى هذا قال
بعض فضلاء الدَّرْس: ينبغي أنه لو أقرَّ أنه كان لا يعزل عنها وحصَّنها، أن يَثْبُتَ
نسبُهُ من غير توقُّفٍ [على] دعواه، وإن كنّا نوجب عليه في هذه الحال الاعترافَ به،
فلا حاجة إلى أن نُوجب عليه الاعترافَ ليعترفَ فيثبت نسبُهُ، بل يثبتُ نسبُهُ ابتداءً،
وأظنُّ أنْ لا بُعْدَ في أن يُحكم على المذهب بذلك(٣). انتهى.
وفي ((المبسوط)) (٤) أنه إذا تطاولَ الزمانُ أُلحق به؛ لأنَّ التطاولَ دليلُ إقراره؛
لأنه يوجد منه حينئذٍ ما يدلُّ على الإقرار من قَبول التهنئة ونحوه، فيكون كالتصريح
بإقراره.
ومن مجموع ما ذكر يُعلمُ ما في كلام المعترض، وأنَّ للخصم عدمُ تسلیمِه،
لكن ذكر في ((البحر))(٥) متعقِّباً: ظَنَّ بعضُ الفضلاء أنه لا يصحُّ أن يُحكَم على
المذهب به؛ لتصريح أهله بخلافه، ونقل نصَّ ((البدائع)) في ذلك(٦)، ثم قال: فإن
أراد الثبوتَ عند القاضي ظاهراً، فقد صرَّحوا أنه لا بدَّ من الدعوة مطلقاً، وإن أراد
فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرَّح في ((الهداية)) وغيرها بأنَّ ما ذكرناه من اشتراط
(١) المبسوط السرخسي ١٥٢/٧-١٥٣، ونقله المصنف عن فتح القدير ٤٤٨/٣.
(٢) فتح القدير ٤٤٨/٣ .
(٣) فتح القدير ٤٤٦/٣-٤٤٧، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) ٧/ ١٥٢.
(٥) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٢٩٤/٤.
(٦) ونصُّه: الأَمَة القنةُ أو المدبَّرة لا يثبت نسبُ ولدها وإن حصَّنها المولى وطلب الولد مِن
وَظْئِها بدون الدعوة عندنا؛ لأنها لا تصير فراشاً بدون الدعوة. بدائع الصنائع ٤١٣/٥.

سُورَةُ المَشَحَّةِ
٤١٤
الآية : ٢٣
الدعوة إنما هو في القضاء - إلى آخر ما ذكرناه - لكن في ((المجتبى))(١): لا يصحُ
إعتاقُ المجنون وتدبيره، ويصحُّ استيلاده. فهذا إن صحَّ يُستثنى من الحكم، وهو
مُشكلٌ. انتھی.
وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض: المولودُ ولدٌ للمولى في
نفس الأمر؛ لأنه مخلوقٌ من مائه، وولدُ الزنا كذلك وزيادة، حيث انضمَّ إلى ذلك
الإقرارُ، والله سبحانه جعل مَناطَ الحُرْمة البنوة، وهي متحقِّقةٌ في مسألتنا، فكيف
يُحِلُّ النكاح في نفس الأمر، وعدمُ ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً،
وعدمُ الاستلحاق قضاءً إلا بالدعوى أمرٌ آخر وراءَ تحقُّق النبوّة في نفس الأمر، فكم
متحقِّقٍ في نفس الأمر لا يُقضَى به، وكم مقضيٍّ به متحقِّق في نفس الأمر، كما في
خبر الفرس التي اشتراها رسول الله وق لقه من الأعرابي وشهد له خزيمة لمَّا أَنكر
الأعرابيُّ البيع(٢)، وقد حُقِّقَ الكلامُ في بحث الاستيلاد في ((فتح القدير))(٣) وغيره
من مبسوطات كتب القوم.
وما ذُكر في إبطال العكس من مسألة تزوُّج المشرقيِّ بمغربية، فلا نُسلِّم القَطْعَ
فيها بأنَّ الولد ليس مخلوقاً من مائه؛ لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات،
فيتصوَّر أن يكون الزوجُ صاحبَ خُطْوةٍ أو جِنِّي(٤)، وأنه ذهب إلى المغرب
فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى
كيف قال الأصحاب: لو جاءت امرأةُ الصبيِّ بولدٍ لم يثبت نسبُهُ منه؛ لعدم تصوُّر
ذلك هناك، والتصوُّرُ شَرْطٌ، وقيامُ الفِراش وَحْدَهُ غيرُ كافٍ على الصحيح. ولعلَّ
اعتبارَ هذه البنوّة قضاءً، وإلا فحيثُ لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولدٌ
الزوج في نفس الأمر، وإنما اعتبروا ذلك مع ضَعْفِ الاحتمال سَتْراً للحرائر وصيانةً
للولد عن الضياع.
(١) المجتبى في شرح مختصر القدوري لنجم الدين أبي الرجا مختار بن محمود الزاهدي
المتوفى سنة (٦٥٨هـ). كشف الظنون ٢/ ١٥٩٢، وهدية العارفين ٤٢٣/٦.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٠٧) من حديث عمارة بن خزيمة الأنصاري عن
عمّه.
(٣) ٤٤٠/٣ وما بعدها.
(٤) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أو جنّيًّا.

الآية : ٢٣
٤١٥
سُوَّةُ السَّةِ
وقريبٌ من هذا ما ذهب إليه الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ رحمهم الله تعالى في باب
الاستيلاد أنَّ الجاريةَ إذا وَلدتْ يثبتُ نسبُ الولد من المولى إذا أقرَّ بوطئها مع
العزل، كما يثبتُ مع عدم العزل، بل لو وَطِتَها في دُبُرها يلزمُهُ الولدُ عند مالك،
ومثلُهُ عن أحمد، وهو وجهٌ مُضعِّفٌ للشافعية.
وقيل: إنَّ بين هذه المسألة ومسألةِ تزويج المشرقيِّ بمغربيةٍ بُعْداً كبعد ما بين
المشرق والمغرب؛ لأنَّ الوطء هنا متحقِّقٌ في الجملة من غير حاجةٍ إلى قَطْع برارٍ
وقِفارٍ، ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم.
والبنات: جمع بنتٍ في المشهور، وصُحِّحَ أنَّ لامَها واوٌ كأُخت، وإنما رُدَّ
المحذوفُ في ((أخواتٍ)) ولم يُرَدَّ في ((بنات)) حَمْلاً لكلِّ واحدٍ من الجمعين على
مُذَكَّره، فمذكَّر بناتٍ لم يُرَدَّ إليه المحذوفُ، بل قالوا فيه: بَنُون، ومذكَّر أخواتٍ رُوَّ
فيه محذوفه فقالوا في جمع أَخٍ: إخوة وإخوان، وقد نَظَمَ الدنوشريُّ السؤالَ فقال:
بجوابٍ به يكونُ رشادي
أَيُّها الفاضلُ اللبيبُ تفضَّلْ
جُمِعا جَمْعَ صحةٍ لا فسادٍ
لفظُ أُختِ ولفظُ بنتِ إذا ما
لفظُ بنتٍّ فلا فأوْضِخْ مُرادي
فالأُخت تُرَدُّ لامٌ وأمَّا
فيهما لا بَرِحْتَ أهل اعتمادي
مع تَعويضِهم من اللام تاءً
وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله:
لفظُ أختٍ له انضمامٌ بصدرٍ ناسَبَ الواوَ فاكتسى بالمعاد
وقال أبو البقاء(١): التاءُ فيها ليست للتأنيث؛ لأنَّ تاءَ التأنيث لا يُسكّنُ
ما قبلها، وتُقَلَبُ هاءً في الوقف، فـ ((بنات)) ليس بجمع ((بنت)) بل ((بَنَة))، وكُسرت
الباءُ تنبيهاً على المحذوف؛ قاله الفراء. وقال غيرُهُ: أَصلُها الفتح(٢)، وعلى ذلك
جاء جمعُها ومُذكّرها وهو بنون، وإلى ذلك ذهب البصريون، وأما ((أُخت)) فالتاء
فيها بدلٌ من الواو؛ لأنها من الإخوة.
(١) في الإملاء ٢٢١/٢-٢٢٢.
(٢) أي: بَنَوة، كما ذكر السمين في الدر ٣/ ٦٤٠، ثم قال: لا خلاف بين القولين في التحقيق؛
لأن مَن قال: بنات جمع بنة بفتح الباء، لابد وأن يعتقد أن أصلها بَنَوة حذفت لامها وعوض
منها تاء التأنيث، والذي قال: بنات جمع بَنَوة، لَفَظ بالأصل فلا خلاف.

سُورَةُ الشَّةِ
٤١٦
الآية : ٢٣
والأخوات يَنتظمنَ الأخوات من الجهات الثلاث، وكذا الباقيات؛ لأنَّ الاسم
يشملُ الكلَّ، ويدخل في العمَّات والخالات أولادُ الأجداد والجدَّات وإن عَلَوا،
وكذا عمَّةُ جَدِّه وخالتُهُ وعمَّةُ جدَّته وخالاتُها لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ أو لأمّ، وذلك كله
بالإجماع، وفي الخانية (١): وعمَّةُ العَمَّةِ لأبٍ وأمَّ أو لأبٍ كذلك، وأما عمَّهُ العَمَّةِ
الأُمّ فلا تحرم، وفي ((المحيط))(٢): وأما عَمَّةُ العَمَّةِ، فإنّ كانت العَمَّةُ القُربى عَمَّةً
لأبٍ وَأُمّ أو لأب، فعَمَّةُ العَمَّةِ حرامٌ؛ لأنَّ القُربى إذا كانت أختَ أبيه لأبٍ وأُمّ أو
لأبٍ، فإنَّ عَمَّتها تكونُ أُختَ جدِّهِ أبِ الأب، وأختُ أبِ الأبِ حرامٌ لأنها عمَّته.
وإن كانت القُربِى عَمَّةً لِأُمِّ، فَعَمَّةُ العَمَّةِ لا تحرم عليه؛ لأنَّ أَبَ العَمَّة يكون
زوجَ أُمِّ أبيه، فعمَّتُها تكون أُختَ زوج الجدَّة أُمِّ الأب، وأختُ زوج الأُمِّ لا تحرم،
فأُختُ زوج الجدَّة أولى أن لا تحرم.
وأما خالةُ الخالة، فإن كانت الخالةُ القُربى خالةً لأبٍ وأُمِّ، أو لأُمِّ، فخالتها
تحرم عليه، وإن كانت القُربى خالةً لأبٍ فخالتها لا تحرم عليه؛ لأنَّ أُمَّ الخالةِ
القُربى تكون امرأةَ الجدِّ أبِ الأمّ، لا أُمَّ أُمِّه، فأُختُها تكونُ أُختَ امرأة الأب،
وأُختُ امرأة الجد لا تحرم عليه. انتهى.
ولا يخفى أنه كما يحرمُ على الرجل أن يتزوَّج بمَنْ ذُكر، يَحرمُ على المرأة
التزوُّجُ بنظير مَنْ ذُكر.
والظاهر أنَّ هذا التحريمَ الذي دلَّتْ عليه الآيةُ لم يثبت في جميع المذكورات
في سائر الأديان، نعم ذكروا أنَّ حُرْمةَ الأمهات والبنات كانت ثابتةً حتى في زمان
آدم عليه السلام، ولم يثبتْ حِلُّ نكاحهنَّ في شيءٍ من الأديان، وقيل: إنَّ زرادشتَ
نبيَّ المجوس بزَعْمهم قال بحِلُّه، وأكثرُ المسلمين اتفقوا على أنه كان كذَّاباً، وعدم
إيذاء الصُّفْر المذاب له؛ الأدويةٍ كان يُلطّخ بها جسده، وقد شاهدنا مَنْ يَحملُ النار
بيده بعد لَظْخِها بأدويةٍ مخصوصةٍ ولا تؤذيه، وحينئذٍ لا يصلح أن يكون معجزة.
(١) هي فتاوى قاضيخان، وهو فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني المتوفى سنة
(٥٩٢هـ). كشف الظنون ٢/ ١٢٢٧.
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني للشيخ برهان الدين محمود بن تاج الدين أحمد بن
الصدر الشهيد، المتوفى سنة (٦١٦هـ). كشف الظنون ١٦١٩/٢.

الآية : ٢٣
٤١٧
سُورَةُ النَّسَاءِ
وأما حِلُّ نكاح الأخوات فقد قيل: إنه كان مباحاً في زمان آدم عليه السلام
للضرورة، وكانت حواءُ عليها السلام تَلِدُ في كلِّ بَطْنِ ذكراً وأنثى، فيأخذُ ذكرُ
البطن الثانية أُنثى البطن الأُولى، وبعضُ المسلمين يُنكر ذلك ويقول: إنه بَعَثَ
الحورَ من الجنة حتى تزوَّج بهنَّ أبناءُ آدم عليه السلام، ويَرِدُ عليه أنَّ هذا النسلَ
حينئذٍ لا يكون مَحْضَ أولاد آدم، وذلك باطلٌ بالإجماع.
﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ عَظْفٌ على سابقه،
والرَّضاعة بفتح الراء مصدرُ رَضعَ كَسَمِعَ وضَرَب، ومثلُهُ الرِّضاعة بالكسر، والرَّضعُ
بسكون الضاد وفتحها، والرَّضاعُ كالسَّحاب، والرَّضِعُ كالكَتِف، وحكوا: رَضُعَ
كَكَرُمَ، ورِضاعاً كقِتال، وقد تُبدَلُ ضادُه تاءً، ورُضاعاً كَسؤال، لكنَّ المضمومَ
كالمراضعة تقتضي الشِّرْكة، ويقال: أَرضعت المرأةُ فهي مُرضِعٌ: إذا كان لها ولدٌ
تُرضعه، فإن وصفتها بإرضاعِ الولد قلت: مُرْضِعَة.
ومعناها لغة: مَصُّ الثدي، وشرعاً: مَصُّ الرضيعِ من ثدي الآدميةِ في وقتٍ
مخصوص، وأرادوا بذلك وصولَ اللَّبَنِ من ثدي المرأةَ إلى جَوْفِ الصغير من فمه
أو أنفه في المدَّة الآتية، سواءٌ وُجِدَ مَصُّ أو لم يوجد.
وإنما ذكروا المصَّ لأنه سببٌ للوصول، فأَطلقوا السببَ وأرادوا المسبّب. وقد
صرَّح في ((الخانية)) أنه لا فَرْقَ بين المَصِّ والسَّعوط ونحوه.
وقيَّدوا بالآدمية ليخرجَ الرجلُ والبهيمة، وتفرَّد الإمام البخاريُّ - وهو سبب فتنته
في قولٍ - فذهب فيما إذا ارتضع صبيٌّ وصبيَّةٌ من ثدي شاة إلى وقوع الحرمةِ
بينهما(١). وأُطلقتْ لتشملَ البكرَ والثَّيِّبَ الحيةَ والميتة.
وقيّدنا بالفم والأنف لِيَخْرُجَ ما إذا وَصَلَ بالإقطار في الأذن والإحليل والجائفة
والآمَّة(٢) وبالحقنة في ظاهر الرواية.
(١) روي أن الإمام البخاري صاحب الصحيح أفتى في بخارى بهذه المسألة فاجتمع علماؤها
عليه وكان سببَ خروجه من بخارى. المبسوط ٢٩٧/٣.
(٢) الأمة: هي الشجة التي تبلغ أم الرأس، والجائفة: طعنة تبلغ الجوف. القاموس (أمم)
و(جوف).

سُورَةُ التَشَاةِ
٤١٨
الآية : ٢٣
وخرج بالوصول ما لو أَدخلتِ المرأةُ حَلَمة ثديها في فم رضيع ولا تدري أَدَخَلَ
اللبنُ في حَلْقه أم لا، لا يحرمُ النكاح؛ لأنَّ في المانع شَكًّا.
وقد نزَّل الله سبحانه الرَّضاعةَ منزلة النسب، حتى سمَّى المرضعةَ أُمَّا للرضيع،
والمُراضعةَ أختاً، وكذلك زوجُ المرضِعةِ أبوه وأَبواهُ جدَّاه وأُختُه عمَّته، وكلُّ ولدٍ
وُلد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهمْ إخوته وأخواته لأبيه، وأمُّ المرضعة
جدَّتُهُ، وأختُها خالته، وكلُّ ولدٍ لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمِّه،
ومَنْ وُلدَ لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومن هنا قال ◌َّ فيما أخرجه
البخاريُّ ومسلم من حديث عائشة وابن عباس ﴿ه: ((يَحرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُم
بالنَّسَب)»(١).
وذهب كثيرٌ من المحققين كمولانا شيخ الإسلام وغيره إلى أنَّ الحدیث جارٍ
على عمومه، وأما أُمُّ أخيه لأبٍ، وأُختُ ابنه لأُمِّ، وأُّ أمّ ابنه، وأُمُّ عَمِّه وأُمُّ خاله
لأبٍ، فليست حُرْمتهنَّ من جهة النسب حتى تُخِلَّ بعمومه ضرورة حِلُّهنَّ في صورة
الرضاع، بل من جهة المصاهرة، ألا يُرى أنَّ الأولى موطوءة أبيه، والثانية بنت
موطوءته، والثالثة أُمُّ موطوءته، والرابعة موطوءةُ جدِّه الصحيح، والخامسة موطوءة
جدِّه الفاسد(٢).
ووقع في عبارة بعضهم استثناءُ صُورٍ بعد سَوْق الحديث، وأنهى في ((البحر)) (٣)
المسائلَ المستثنيات إلى إحدى وثمانين مسألة، وأطال الكلام في هذا المقام، وأتى
بالعَجَب العُجاب.
وظاهر الآية أنه لا فَرْقَ بين قليل الرَّضاعِ - وهو ما يُعلَم وصولُهُ إلى
الجوف - وكثيرِه في التحريم، وأما خبر مسلم(٤): ((لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتان))
(١) حديث عائشة عند البخاري (٢١٤٦)، ومسلم (١٤٤٥): (٩)، وأخرجه أحمد (٢٤٧١٢).
وحديث ابن عباس عند البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧): (١٣)، وهو عند أحمد
(٢٤٩٠).
(٢) تفسير أبي السعود ١٦١/٢ .
(٣) البحر الرائق ٢٤١/٣.
(٤) برقم (١٤٥٠) من حديث عائشة ﴿يا، وهو عند أحمد (٢٤٠٢٦).

الآية : ٢٣
٤١٩
سُورَةُ القَسَنَّةِ
حين قيل له: إنَّ
وما دلَّ على التقدير فمنسوخٌ(١)، صرَّح بنسخه ابنُ عباسٍ ﴾
الناسَ يقولون: إنَّ الرَّضْعة لا تُحرِّم فقال: كان ذلك ثم نسخ.
وعن ابن مسعود به أنه قال: آلَ أَمْرُ الرضاع إلى أنَّ قليلَهُ وكثيرَهُ يُحرِّم.
وروي عن ابن عمر أنَّ القليل يُحرِّم. وعنه أنه قيل له: إنَّ ابن(٢) الزبير يقول:
لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال: قضاءُ الله تعالى خيرٌ من قضاء ابن الزبير،
وتلا الآية(٣).
وقال الشافعيُّ عليه الرحمة - على ما نقله أصحابنا عنه (٤) - لا يثبت التحریمُ
إلا بخمس رَضَعَاتٍ مُشبعات في خمسةِ أوقاتٍ متفاصلة عُرْفاً، وعن أحمد
روايتان، كقولنا وكقوله، واستدلَّ على ذلك بما أخرجه ابن حبان في («صحيحه»
من حديث الزبير أنه قال: قال ◌َله: ((لا تُحرِّم المصَّةُ والمصَّتان، ولا الإملاجةُ
والإملاجتان)»(٥)
ووجِّه الاستدلال بذلك بأنَّ المصَّة داخلةٌ في المصَّتين، والإملاجةَ في
الإملاجتين، فحاصله: لا تُحرِّمُ المصَّتان ولا الإملاجتان، فنفي التحريم على
أربع، فلزم أن يثبت بخمس.
واعترضه ابن الهمام(٦) بأنه ليس بشيء:
أما أولاً: فلأنَّ مذهبَ الشافعي ليس التحریمُ بخمسٍ مصَّاتٍ، بل بخمسٍ
شبعات في أوقات.
(١) في هامش الأصل و(م): ومما نُسخ خبر: يا نبي الله هل تحرم الرضعة الواحدة. قال:
لا. اهـ منه.
(٢) قوله: ابن، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وهو الصواب.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١٩)، وسعيد بن منصور (٩٨٤)، والبيهقي ٧/ ٤٥٨ .
(٤) في هامش الأصل و(م): وإنما قيدنا بذلك لأن قيدَ مُشْبعاتٍ خلافُ ما يدل عليه كتب
مذهبه. اهـ منه.
(٥) صحيح ابن حبان (٤٢٢٦)، وأخرجه أيضاً الترمذي في العلل ٤٥٣/١، وهو من طريق
عبد الله بن الزبير عن أبيه عن النبي ◌ّ﴿ قال الترمذي: سألت محمداً (يعني البخاري) عن
هذا الحديث فقال: الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة.
(٦) في فتح القدير ٣/٣-٤.

سُورَةُ السَّةِ
٤٢٠
الآية : ٢٣
وأما ثانياً: فلأنَّ المصَّةَ فِعلُ الرضيع، والإملاجةَ: الإرضاعة فعلُ المرضعة،
فحاصل المعنى أنه وَّ نفى كونَ الفعلين مُحرِّمَين منه ومنها.
ثم حقّق أنَّ ما في هذه الرواية لا ينبغي أن يكون حديثاً واحداً، بأنَّ الإملاجَ
ليس حقيقةً المحرِّمَ، بل لازمُهُ من الارتضاع، فنفيُ تحريم الإملاج نفيُّ تحريم
لازِمهِ، فليس الحاصلُ من ((لا تُحرِّم الإملاجتان)) إلا: لا يُحرِّم لازمُهما، أعني:
المصَّتين، فلو جُمعا في حديثٍ كان الحاصل: لا تُحرِّم المصتان ولا المصتان،
فلزمَ أن لا يصحَّ أن يُرادَ إلا المصَّتان، لا الأربع، وعلى هذا يجب كونُ الراوي
وهو الزبير ظه، أرادَ أن يجمعَ بين ألفاظهِوَّهِ التي سَمِعَها منه في وقتين، كأنه
قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتان)) وقال أيضاً: ((لا تُحرِّم
الإملاجةُ والإملاجتان)).
وقيل: في وجه الاستدلال طريقٌ آخر، وهو أنَّ الحديثَ نافٍ لما ذهب إليه
الإمامُ الأعظمُ رَّته، فيثبتُ به مذهبُ الإمام الشافعيِّ رحمه الله تعالى، لعدم القائل
بالفَصْلِ.
واعتُرض بأنَّ القائلَ بالفصل أبو ثورٍ وابنُ المنذر وداودُ وأبو عُبيد، وهؤلاء
أئمةُ الحديث، قالوا: المحرِّمُ ثلاثُ رَضَعات، والقولُ بعدم اعتبار قولهم في حيِّز
المنع؛ لقوَّة وجهه بالنسبة إلى وجه قول الشافعي.
واستدلَّ بعض أصحابه على هذا المطلب بما رواه مسلم عن عائشة ﴿يا قالت:
كان فيما نزل من القرآن: ((عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمنَ)) ثم نُسِخْنَ بـ ((خمسٍ
رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمنَ)) فَتُوفِّي النبيُّ وَِّ وهي فيما يُقرأ من القرآن(١).
وفي رواية(٢): إنه كان في صحيفةٍ تحت سريري، فلما ماتَ رسول الله وَل
تشاغلنا بموته، فدخلتْ دواجنُ فأكلتها .
(١) صحيح مسلم (١٤٥٢) قال الباجي في المنتقى ١٥٦/٤ : هذا الذي ذكرته عائشة ۋچ أنه مما نزل
من القرآن مما أخبرت عنه بأنه ناسخ أو منسوخ لا يثبت قرآناً، لأن القرآن لا يثبت إلا بالخبر
المتواتر، وأما خبر الآحاد فلا يثبت به قرآن، وهذا من أخبار الآحاد الداخلة في جملة الغرائب.
وينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٣١٧/٢، والمفهم لأبي العباس القرطبي ٤/ ١٨٥ .
(٢) أخرجها أحمد (٢٦٣١٦)، وابن ماجه (١٩٤٤).