Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٦
٣٨١
سُورَةُ النَّسَاءِ
فلو كان المراد السّحاقات لكانت العقوبةُ لهنَّ عدمَ اختلاطِ بعضِهنَّ ببعضٍ،
لا الحبسَ والمنعَ من الخروج، فحيثُ جُعِلَ هو عقوبةً، دلَّ ذلك على أنَّ المراد
باللاتي يأتين الفاحشة: الزانيات.
وأجاب أبو مسلم بأنه قولُ مجاهد، وهو من أكابر المفسِّرين المتقدِّمين، وقد
قال غيرُ واحد: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبُكَ، على أنه تبيَّن في الأصول
أنَّ استنباطَ تأويلٍ جديدٍ في الآية لم يذكره المتقدِّمون جائزٌ، وبأنَّ مطلوبَ
، معرفةُ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكمِّية ذلك، وليس في الآية دلالةٌ عليه بالنفي
الصحابة
والإثبات، ومطلقُ الإيذاء لا يصلحُ حدًّا ولا بياناً للكمية، فلذا اختلفوا، وبأنَّ
المراد من إمساكهنَّ في البيوت حبسُهنَّ فيها واتِّخاذُها سجناً عليهنَّ، ومِن حال
المسجون منعُ مَن يريد الدخول عليه، وعدمُ تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في
قوة: فامنعوهنَّ عن اختلاط بعضهنَّ ببعضٍ، على أنَّ الحبس المذكورَ حَدٌّ، ولیس
المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأَيَّدَ مذهبَهُ بتمحيض التأنيث في الآية الأولى،
والتذكير في الآية الثانية، والتغليبُ خلافُ الأصل.
ويُبعده أيضاً لفظ ((منكم)) فإنَّ المتبادر منه: من رجالكم، كما في قوله تعالى:
﴿أَرْبَةُ مِّنْكُمْ﴾ وأيضاً لو كان كلُّ واحدٍ من الآيتين وارداً في الزنى، يلزمُ أن
يُذْكَرَ الشيءُ الواحدُ في الموضع الواحد مرَّتين، وأنه تکریرٌ لا وجه له.
وأيضاً على هذا التقدير لا يُحتاج إلى التزام النسخ في شيءٍ من الآيتين، بل
يكونُ حُكْمُ كلِّ واحدةٍ منهما مقرَّراً على حاله، وعلى ما قاله الغير يحتاج إلى التزام
القول بالنسخ، وهو خلافُ الأصل.
وأيضاً على ما قالوه يكون الكتاب خالياً عن بيان حكم السِّحاق واللواطة،
وعلى ما قلناه يكون متضمِّناً لذلك، وهو الأنسبُ بحاله، فقد قال سبحانه: ﴿مَّا
فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨] و﴿يَبْيَنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
وأجيب بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ هذا قولٌ لمجاهد، ففي ((مجمع البيان)) أنه حمل ((اللذان
يأتيانها)) على الرجلين الزانيين(١). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن
(١) مجمع البيان ٤٨/٤، وأخرجه الطبري ٦/ ٥٠٠، وابن أبي حاتم ٨٩٥/٣.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٣٨٢
الآية : ١٦
أبي حاتم عنه، أنهما الفاعلان (١). وهو ليس بنصٍّ على أنهما اللائطان، على أنَّ
حمل ((اللاتي)) في الآية الأولى على السحاقات، ولم نجدْ فيه عنه روايةً صحيحةً، بل
قد أخرجوا عنه ما هو ظاهرٌ في خلافه، فقد أخرج آدمُ والبيهقيُّ في ((سننه)) عنه في
تلك الآية: أنه كان أمر أن يُحْبَسْنَ، ثم نسختها: ﴿الَِّيَّةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُوا﴾ [النور: ٢](٢).
وما ذكر من العلاوة مُسَلَّمٌ، لكن يُبعد هذا التأويلَ أنه لا معنى للتثنية في الآية
الثانية؛ لأنَّ الوعد والوعيد إنما عُهدا بلفظ الجمع لِيَعُمَّ الآحادَ، أو بلفظ الواحد
لدلالته على الجنس، ولا نكتةً للعدول عن ذلك هنا على تقرير أبي مسلم، بل كان
المناسبُ عليه الجمع لتكون آيةُ اللواطة كآية السِّحاقِ. ولا يَرِدُ هذا على ما قرَّره
الجمهور؛ لأنَّ الآيةَ الأولى عندهم للإناث الثِّبات إذا زَنَيْنَ، والآيةَ الثانية للذَّكَر
الِكْرِ والأُنثى البِكْر إذا زنيا، فَغُويرَ بين التعبيرين لقوة المغايرة بين الموردين.
ويحتمل أيضاً أن تكون المغايرةُ على رأيهم للإيذان بعزَّة وقوع زنا البِكْر بالنسبة
إلى وقوع زنا الثيب؛ لأنَّ البِكْرَ من النساء تخشى الفضيحةَ أكثرَ من غيرها من جهة
ظهور أثر الزنى، وهو زوالُ البكارة فيها، ولا كذلك الثيب، ولا يمكن اعتبارُ مثل
هذه النكتة في المغايرة على رأي أبي مسلم؛ إذ لا نُسلِّمُ أنَّ وقوعَ اللَّواطة من
الرجالِ أقلُّ من وقوع السِّحاق من النساء، بل لعلَّ الأمر بالعكس.
معرفةَ حَدِّ اللُّوطيِّ وكمية ذلك، والإيذاءُ لا يصلحُ
وكونُ مطلوبٍ الصحابة
حَدًّا ولا بياناً للكمية، ليس بشيء كما يرشد إلى ذلك أنَّ منهم مَنْ لم يُوجب عليه
شيئاً، وقال: تؤخَّر عقوبته إلى الآخرة، وبه أخذ بعض(٣) الأئمة ظه، على أنه أيُّ
مانع من أن يُعتَبر الإيذاءُ حَدًّا بعد أن ذُكر في مَعْرِضِ الحدِّ، وتُفوَّضَ كيفيَّتُهُ إلى
رأيّ الإمام، فيفعلُ مع اللَّوطيّ ما ينزجرُ به مما لم يصلْ إلى حَدِّ القتل؟
(١) تفسير الطبري ٤٩٩/٦-٥٠٠ بلفظ: الرجلان الفاعلان، وكذا ذكره السيوطي في الدر
المنثور ١٣٠/٢ عن عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ومعنى كلام مجاهد أن
التثنية لصنفي الزناة من الرجال، وهما مَن أحصن ومَن لم يحصن. الناسخ والمنسوخ
للنحاس ١٦٤/٢، والمحرر الوجيز ٢٢/٢، وتفسير القرطبي ١٣٤/٦.
(٢) سنن البيهقي ٢١٠/٨، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٩٣/٦، ونقله المصنف عن الدر المنثور
١٢٩/٢.
(٣) قوله: بعض ساقط من (م).

الآية : ١٦
٣٨٣
سُورَةُ الشَّةِ
وكون الكلام في قوة: فامنعوهنَّ عن اختلاط بعضهنَّ ببعضٍ، في غاية الخفاء،
كما لا يخفى.
نعم ما في حيِّز العلاوة مما لا بأس به، وما ذكر من أنَّ التغليبَ خلافُ
الأصل، مُسَلَّمٌ، لكنَّه في القرآن العظيم أكثرُ من أن يُحصى، واعتبارُه في ((منكم))
تَبَعٌ لاعتباره في ((اللذان))، وذِكْرُ مِثْلِهِ قبلُ بلا تغليبٍ فيه ربّما يؤيِّدُ اعتبارَ التغليب فيه
ليُغاير الأول، فيكون لذكره بعدَه أتمُّ فائدةٍ، ألا ترى كيف أُسقط من الآية الثانية
الاستشهادُ مع اشتراطه إجماعاً اكتفاءً بما ذُكر في الآية الأولى؛ لاتِّحاد
الاستشهادين في المسألتين؟
ودعوى لزومٍ التكرار في الموضع الواحد على رأي الجمهور ليست في محلِّها
على ما أشرنا إليه في تفسير الآية.
ودعوى الاحتياج إلى التزام القول بالنسخ لا تضرُّ؛ لأنَّ النسخَ أمرٌ مألوفٌ في
كثيرٍ من الأحكام، وقد نصَّ عليه هنا جماعةٌ من الصحابة والتابعين، على أنَّ في
كون فرضية الحدِّ نَسْخاً في الآية الأولى مقالاً يُعلم مما قدَّمناه في ((البقرة))، وإذا
جعل ((أو يَجْعلَ)) إلخ معتبرًاً في الآية الثانية، إلا أنه حُذف منها اكتفاءً بما في
الأولى كما يُشير إلى ذلك خبرُ عبادة بن الصامت، جرى المقالُ في الآيتين.
ولزومُ خلوِّ الكتاب عن بيان حُكْم السِّحاق واللواطة على رأي الجمهور دون
رأيه في حَيِّز المنع، أما على تقدير تسمية السِّحاق واللواطة زنا، فظاهر، وأما على
تقدیر عدم التسمية، فلأنَّ ذِكر ما يمكن قياسهما عليه في حُكُم البيان لحكمهما،
وكم حُكمٍ تُرِكَ التصريحُ به في الكتاب اعتماداً على القياس؛ كحكم النَّيذ، وكحكم
الجَدِّ، وغيرهما، اعتماداً على بيان ما يمكن القياس عليه، وذلك لا ينافي كونَه
تبياناً لكلِّ شيء، وأنه ما فُرِّط فيه من شيء، ومَن ادَّعى أنَّ جميعَ الأحكام الدينية
مذكورةٌ في القرآن صريحاً من غير اعتبار قياس، فقد ارتكب شَططاً وقال غَلطاً.
وبالجملة، المعوَّلُ عليه ما ذهب إليه الجمهور، ويدُ الله تعالى مع الجماعة،
ومذهب أبي مُسلمٍ وإن لم يكن من الفساد بمحلٌّ، إلا أنه لم يُعوَّل عليه، ولم تُحطّ
رحال القَبول لديه، وهذا ما عندي في تحقيق المقام، وبالله سبحانه الاعتصام.

سُورَة المَشَكّلة
٣٨٤
الآية : ١٧
ولما وصف سبحانه نفسَهُ بالتواب الرحيم، عَقَّب ذلك ببيان شَرْط قَبول التوبة
بقوله جلَّ شأنه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إنَّ قَبول التوبة، و((على)) وإن
استُعملت للوجوب حتى استدلَّ بذلك الواجبية(١) عليه، فالمراد أنه لازمٌ متحقِّقُ
الثبوت البثَّة بحُكْم سَبْقِ الوَعْد، حتى كأنه من الواجبات، كما يقال: واجبُ
الوجود.
وقيل: ((على)) بمعنى ((من))، وقيل: هي بمعنى ((عند)) وعليه الطبرسيُّ(٢)، أي:
إنما التوبةُ عند الله.
﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ﴾ أي: المعصيةَ صغيرةً كانت أو كبيرة، و((التوبةُ)) مبتدأٌ،
و(للذين)) خبرُهُ، و((على الله)) متعلّقٌ بما تعلَّق به الخبرُ من الاستقرار، أو بمحذوفٍ
وَقَعَ حالاً من ضمير المبتدأ المتسكنِّ في متعلَّقِ الجارِّ الواقع خبراً، على رأىٍ مَن
يُجوِّز تقديمَ الحال على عاملها المعنويِّ عند كونها ظرفاً. وجَعَلَهُ بعضُهم على حدٍّ:
هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطَباً(٣).
وجُوِّز أن يكون ((على الله)) متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع صفةً للتوبة، أي: إنما التوبةُ
الكائنةُ على الله، و((للذين)) هو الخبر، وهو ظاهرٌ على رأي مَنْ جَوَّز حذْفَ
الموصول مع بعض صِلَتِهِ.
وذكر أبو البقاء(٤) احتمال أن يكون ((على الله)) هو الخبر، و((للذين)) متعلّقاً
بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً من الضمير المستكنِّ في متعلَّق الخبر، ويحتمل أن يكون متعلِّقاً
(١) في (م): الواجبة. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١١٦/٣ والكلام منه، ويشير بهذه
الكلمة إلى المعتزلة، فقد قال الزمخشري في الكشاف ١/ ٥١٢: ((إنما التوبة على الله)) يعني
إنما القبول والغفران واجب على الله لهؤلاء، وينظر الإرشاد للجويني ص ٣٣٨.
(٢) في مجمع البيان ٤/ ٥٠.
(٣) أي: هذا إذ كان بسراً أطيب منه إذ كان رطباً، وهذا الوجه ذكره أبو البقاء في الإملاء
٢٠٩/٢، وهو أن يكون الخبر ((للذين يعملون))، ويكون ((على الله)) حالاً من شيء
محذوف تقديره: إنما التوبة إذ كانت - أو إذا كانت - على الله للذين يعلمون ... ، فإذ أو
إذا ظرفان العامل فيهما ((للذين))، لأن الظرف يتقدم على عامله المعنوي، وكان هذه هي
التامة، وفاعلها هو صاحب الحال. وينظر الدر المصون ٦٢٣/٣.
(٤) في الإملاء ٢٠٩/٢ .

الآية : ١٧
٣٨٥
سُورَةُ الشَّحَّةِ
بما تعلَّق به الخبر. ولا يخفى أنَّ سَوْقَ الآية يُؤْيِّدُ جَعْلَ ((للذين)) خبراً كما لا يخفى
على مَنْ لم يتعسَّف.
﴿ِمَهَلَةٍ﴾ حالٌ من فاعل ((يعملون))، أي: يعملون السوء متلبِّسين بها، أو متعلّقٌ
بـ ((يعملون)) والباء للسببية.
والمراد من الجهالة: الجهلُ والسَّفَه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدمُ
العلم، خلافاً للجُبَّائِيِّ، فإنَّ مَنْ لا يعلمُ لا يحتاج إلى التوبة، والجهل بهذا المعنى
حقيقةٌ واردةٌ في كلام العرب، كقوله:
فَنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا(١)
ألا لا يَجهلَنْ أحدٌ علينا
ومن هنا قال مجاهد فيما أخرجه عنه البيهقيُّ في ((الشُّعب)) وغيرُه: كلُّ مَنْ
عصى ربَّه فهو جاهلٌ، حتى ينزعَ عن معصيته(٢) .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: اجتمع أصحابُ محمدٍ وَلِهِ فِرأَوا
أنَّ كلَّ شيءٍ عُصيَ به فهو جَهالةٌ، عمداً كان أو غيره(٣). وروي مِثْلُ ذلك عن ابن
(٤)
عباسٍ ﴾(٤).
﴿به: كلُّ ذنبٍ عَمِلَهُ العبدُ وإن كان عالماً، فهو جاهلٌ فيه
وقال أبو عبد الله
حين خاطر بنفسه في معصية ربِّه، فقد حَكى اللهُ تعالى قولَ يوسفَ عليه السلام
لأخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] فَنَسَبَهُمْ
إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى.
وقال الفراء(٥): معنى قوله سبحانه: ﴿ِجَهَلَةٍ﴾ أنهم لا يعلمون كُنْهَ ما في
المعصية من العقوبة.
وقال الزجَّاج(٦): معنى ذلك اختيارُهم اللَّذَّةَ الفانيةَ على اللَّذَّةِ الباقية.
(١) البيت لعمرو بن كلثوم، وهو في ديوانه ص ١١٧ .
(٢) الشعب (٧٠٧٣)، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٦/ ٥٠٧-٥٠٨، وابن أبي حاتم ٨٩٧/٣.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١، وتفسير الطبري ٦/ ٥٠٧.
(٤) أخرجه الطبري ٥٠٨/٦ .
(٥) في معاني القرآن له ٢٥٩/١.
(٦) في معاني القرآن له ٢٩/٢.

سُورَةُ السَحَّةِ
٣٨٦
الآية : ١٧
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أي: من زمانٍ قريبٍ، وهو ما قبل حضور الموت،
كما يُنبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا حَضَرَ﴾ إلخ. يُروى أنَّ
رسول الله وَ﴿ قال في آخر خُطْبةٍ خَطَبها: ((مَنْ تاب قبل مَوْته بسَنَةٍ تاب الله تعالى
عليه)) ثم قال: ((وإنَّ السنةَ لكثيرةٌ، مَنْ تاب قبل مَوْته بشهرِ تاب الله تعالى عليه)» ثم
قال: ((وإنَّ الشهر لكثيرٌ، مَنْ تاب قبل مَوْته بيوم تاب الله تعالى عليه)) ثم قال: ((وإنَّ
اليوم لكثيرٌ، مَنْ تَاب قبل مَوْته بساعةٍ تاب الله تعالى عليه)) ثم قال: ((وإنَّ الساعةَ
لكثيرةٌ، مَنْ تاب قبل مَوْته وقد بلغتْ نفسُه هذه - وأهوى بيده الشريفة إلى
حَلْقه - تاب الله تعالى عليه))(١). وأخرج أحمد والترمذيُّ عن ابن عمر عن النبيِّ يَّر:
(إنَّ الله يقبلُ توبةَ العبد ما لم يُغَرغِر))(٢).
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: كنَّا عند أنس بن مالك وَثَمَّ أبو قلابة،
فحدَّث أبو قلابة قال: إنَّ الله تعالى لمَّا لَعَنَ إبليسَ سأله النَّظِرَةَ، فأنظره إلى يوم
الدِّين، فقال: وعِزَّتك لا أَخرُجُ من قَلْب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال: وعزَّتي
لا احجُبُ عنه التوبة مادامَ فيه الروح(٣).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: القريبُ ما بينَهُ وبينَ أن يَنظُرَ إلى مَلَكِ
الموت. ورَوَى مثلَه عن الضحاك (٤).
وعن عكرمة: الدنيا كلُّها قريبٌ.
وعن الإمام القُشَيريِّ: القريبُ على لسان أهل العلم قبلَ الموت، وعلى لسان
أهل المعاملة قبل أن تعتاد النفسُ السوءَ، ويصير لها كالطبيعة(٥). ولعلَّ مرادهم أنه
إذا كان كذلك يبعدُ عن القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته.
(١) أخرجه الحارث (٢٠٥ - بغية الباحث) من حديث أبي هريرة وابن عباس ﴿ه مطولاً. قال
الهيثمي: هذا حديث موضوع، وإن كان بعضه في أحاديث حسنة بغير هذا الإسناد. اهـ.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ﴿ها عند أحمد (٦٩٢٠).
(٢) مسند أحمد (٦١٦٠)، وسنن الترمذي (٣٥٣٧). قال الترمذي: حديث حسن غريب.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٨٧/١٣ و٤٩٦، ولكن من طريق أيوب عن أبي قلابة، وأخرجه
الطبري ٦/ ٥١٤ عن قتادة بالسياق الذي ذكره المصنف.
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٥١٢.
(٥) لطائف الإشارات لعبد الكريم بن هوازن القشيري ٣٢١/١.

الآية : ١٨
٣٨٧
ـة النساء
و ((من)) تبعيضيةٌ، كأنه جعل ما بين وجود المعصية وحضور الموت زماناً قريباً،
ففي أيِّ جزءٍ من أجزاء هذا الزمان تاب، فهو تائبٌ في بعض أجزاء زمانٍ قريب،
وجعلها بعضُهم لابتداء الغاية. ورُجِّح الأولُ بأنَّ ((من)) إذا كانت لابتداء الغاية
لا تدخل على الزمان على القول المشهور، والذي لابتدائيته ((مذ)) و((منذ)). وفي
الإتيان بـ ((ثم)) إيذانٌ بسَعَة عفوه تعالی.
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ أي: المتَّصفون بما ذُكر، وما فيه من معنى البعد باعتبار كونهم
بانقضاء ذِكْرهم في حكم البعيد، وجُوِّز أن يكون ذلك إيذاناً ببُعد مرتبتهم ورِفْعة
شأنهم من حيثُ إنهم تائبون، والخطاب للنبيِّ وَِّ، أو لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلحُ
للخطاب، والفاء للدلالة على السببية.
واسمُ الإشارة مبتدأُ خبرهُ قولُه تعالى: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وما فيه من تكرير
الإسناد لتقوية الحُكْم، وهذا وَعْدٌ بالوفاء بما وَعَدَ به سبحانه أولاً، فلا تكرار،
وضُمِّن ((يتوب)) معنى يَعِطِفُ، فلذا عُدِّي بـ ((على)).
وجُوِّز أن يكون ذلك من المذهب الكلاميٌّ، كأنه قيل: التوبةُ كالواجب على الله
تعالى، وكلُّ ما هو كالواجب عليه تعالى كائنٌ لا محالةَ، فالتوبةُ أمرٌ كائنٌ لا محالةَ،
فالآيةُ الأولى واقعةٌ موقعَ الصُّغرى، والكبرى مطوية، والآية الثانية واقعةٌ موقعَ
النتيجة .
فلا يعاقب
١٧
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ فيعلمُ بإخلاصٍ مَنْ يتوب ﴿حَكِيمًا
التائب، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، والإظهارُ في مقام الإضمار
للإشعار بعلَّة الحُكْم.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ على الله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ﴾ أي: المعاصي،
وجُمعتْ باعتبار تكوُّر وقوعها في الزمان المديد، لا لأنَّ المراد بها جميع أنواعها،
وبما مرَّ من ((السُّوء)) نوعٌ منها.
﴿حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ بأنْ شاهَدَ الأحوال التي لا يمكن معها
الرجوعُ إلى الدنيا بحالٍ، وعايَنَ مَلَكَ الموت، وانقطعَ حَبْلُ الرجاء ﴿قَالَ إِنِّ تُّبْتُ
اٌلْتَلَنَ﴾ أي: هذا الوقت الحاضر، وذُكر لمزيد تعيين الوقت.

سُورَةُ الشَحَّةِ
٣٨٨
الآية : ١٨
وإيثار ((قال)) على ((تاب)) لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار، والتحاشي عن
تسميته توبة، ولو أكَّده ورَغِبَ فيه، ولعلَّ سبب ذلك كونُ تلك الحالة أَشْبَهَ شيءٍ
بالآخرة، بل هي أولُ منزلٍ من منازلها، والدنيا دارُ عملٍ ولا جزاء، والآخرةُ دار
جزاءٍ ولا عمل.
و((حتى)) حرفُ ابتداء، والجملةُ الشرطيةُ بعدها غايةٌ لما قبلها، أي: ليست
التوبة لقوم يعملون السيئات إلى حضور موتهم، وقولِھم: گیت وگیت.
﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّاُ﴾ عطفٌ على الموصول قبله، أي: ليس قبول
التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا توبةَ لهم رأساً المبالغةُ
في عدم قبول توبة المسوِّفين، والإيذانُ بأنَّ وجودها كالعدم، بل في تكرير حرف
النفي في المعطوف - كما قيل - إشعارٌ خفيٍّ بكون المسؤِّفين في عدم استتباع
الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر.
والكثيرُ من أهل العلم على أنَّ المراد بـ ((الذين يعملون السيئات)) ما يشملُ
الفَسَقَةَ والكَفَرة، ومن ((الذين يموتون)) إلخ الكفار فقط، وجُوِّز أن يُراد بالموصولَيْنِ
الكفارُ خاصة، وأن يُراد بهما الفَسَقة وحدَهم، وتسميتُهم في الجملة الحالية كفَّاراً
للتغليظ، وأن يُراد بهما ما يَعمُّ الفريقين جميعاً، فالتسمية حينئذٍ للتغليب.
وأخرج ابن جرير عن الربيع، وابنُ المنذر عن أبي العالية، أنَّ الآية الأولى
نزلت في المؤمنين، والثانية في المنافقين، والثالثة في المشركين(١).
وفي جَعْل الوسطى في المنافقين مزيدُ ذمَّ لهم، حيث جُعل عملُ السيئات من
غيرهم في جَنْب عملهم بمنزلة العدم، فكأنهم عملوها دون غيرهم، وعلى هذا
لا يخفى لُظْفُ التعبير بالجمع في أعمالهم، وبالمفرد في المؤمنين، لكنْ ضُعِّفَ هذا
القول بأنَّ المراد بالمنافقين إن كان المصرِّين على النفاق فلا توبة لهم يُحتاج إلى
نفيها، وإلَّا فَهُمْ وغيرُهم سواء.
هذا واستُدلَّ بالآية على أنَّ توبة اليائس كإيمانه غيرُ مقبول، وفي المسألة
خلافٌ؛ فقد قيل: إنَّ توبةَ اليائس مقبولةٌ دون إيمانه؛ لأنَّ الرجاءَ باقٍ، ویصُ
(١) تفسير الطبري ٥١٨/٦، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٣٠/٢.

الآية : ١٨
٣٨٩
سُورَةُ الشَكَاة
معه الندم والعزمُ على الترك، وأيضاً التوبة تجديدُ عهدٍ مع الرَّبِّ سبحانه،
والإيمانُ إنشاءُ عهدٍ لم يكن، وفَرْقٌ بين الأمرين، وفي ((البزازية)(١) أنَّ الصحيحَ
أنها تُقبل، بخلاف إيمان اليائس، وإذا قُبلت الشفاعة في القيامة وهي حالة
یائس، فهذا أولی.
وصرَّح الإمام(٢) القاضي عبدُ الصمد الحنفيُّ في تفسيره(٣): أنَّ مذهب الصوفية
أنَّ الإيمان أيضاً ينتفع به عند معاينة العذاب. ويؤيده أنَّ مولانا الشيخ الأكبر قُدِّس
◌ِرُّهُ صرَّح في ((فتوحاته)) بصحة الإيمان عند الاضطرار(٤).
وعن ابن عمر : لو غرغر المشرك بالإسلام، لَرَجوت له خيراً كثيراً.
وأيَّد بعضُهم القول بقبول توبة الكافر عند المعاينة بما أخرجه أحمدُ والبخاريُّ
في ((التاريخ)) والحاكم وابن مردويه عن أبي ذر أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إنَّ الله يقبلُ
توبةً عبده - أو يغفرُ لعبده - ما لم يَقَع الحجاب)) قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال:
(تخرج النفسُ وهي مشركةٌ))(٥).
ولا يخفى أنَّ الآيةَ ظاهرةٌ فيما ذهب إليه أهلُ القول الأول.
وأجاب بعضُ المحقّقين عنها بأنَّ مفادها أنَّ قَبول توبة المسؤِّف والمُصرِّ غِيرُ
متحقِّق، ونفي التحقُّق غيرُ تحقُّق النفي، فيبقى الأمرُ بالنسبة إليهما بينَ بين، وأنه
تعالى إن شاء عفا عنهما وإن شاء لم يعفُ، وآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفُرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] تُبِيِّنُ أنه سبحانه لا يشاء المغفرةَ للكافر المُصرِّ،
ويبقى التائب عند الموت من أيِّ ذنبٍ كان تحتَ المشيئة.
(١) البزازية في الفتاوى للشيخ محمد بن محمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي
المتوفى سنة (٨٢٧هـ). كشف الظنون ١/ ٢٤٢.
(٢) قوله: الإمام، ليس في (م).
(٣) واسمه تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء، لعبد الصمد بن محمود بن يونس الغزنوي أبي الفتح،
الفقيه الحنفي. هدية العارفين ١/ ٥٧٤.
(٤) الفتوحات المكية، ٢٧٦/٢-٢٧٧.
(٥) مسند أحمد (٢١٥٢٢)، والتاريخ الكبير ٢١/٢، والمستدرك ٢٥٧/٤، وإسناده ضعيف،
وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.

سُورَةُ التَّسَاءِ
٣٩٠
الآية : ١٩
وزعم بعضُهم أنه ليس في الآية الوسطى توبةٌ حقيقيةٌ لِتُقْبَلَ، بل غايةُ ما فيها
قولُ: ((إني تبتُ الآن)) وهو إشارةٌ إلى عدم وجود توبةٍ صادقة، ولذا لم يقلْ:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدُهم الموتُ تاب، وعلى
تسليم أنَّ التعبير بالقول لنكتةٍ غير ذلك، يلتزمُ القولُ بأنَّ التقييد بـ ((الآن)) مُشعرٌ بعدم
استيفاء التوبة للشروط؛ لأنَّ فيه رمزاً إلى عدم العَزْم على عدم العَوْد إلى ما كان
عليه من الذنب فيما يأتي من الأزمنة إن أمكن البقاء، ومن شروط التوبة الصحيحة
ذلك، فتدبر.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المذكورون من الفريقين المترامي حالُهم إلى الغاية القصوى
في الفظاعة ﴿أَعْنَدْنَا لَمْ﴾ أي: هيَّأنا لهم، وقيل: أعددنا، فأُبدلت الدال تاءً ﴿عَذَابًا
أَلِيمًا ﴾﴾ أي: مؤلماً موجعاً، وتقديمُ الجارِّ على المفعول الصريح لإظهار
الاعتناء بكون العذاب مُهيّاً لهم، والتنكير للتفخيم، وتكريرُ الإسناد لما مرَّ.
واستدلَّ المعتزلة بالآية على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من
المؤمنين قبل التوبة.
وأجيب بأنَّ تهيئةَ العذاب هو خَلْقُ النار التي يُعذّبُ بها، وليس في الآية أنَّ الله
تعالى يدخلهم فيها البتّة، وكونه تعالى يُدخل مَن مات كافراً فيها معلومٌ من غير هذه
الآية، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد: أعتدنا لهم عذاباً أليماً إن لم نعفُ. كما تدلُّ
على ذلك النصوص.
ويُروى عن الربيع أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾
[النساء: ٤٨].
واعترض بأنَّ ((أعتدنا)) خبرٌ، ولا نَسْخَ في الأخبار.
وقيل: إنَّ ((أولئك)) إشارةٌ إلى الذين يموتون وهم كفار فلا إشكال، كما لو
جُعل إشارةً إلى الفريقين، وأريد بالأول المنافقون، وبالثاني المشركون.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ لما نهى الله سبحانه
فيما تقدَّم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى والأموال، عقَّبه بالنهي عن
الاستنان بنوعٍ من سننهم في النساء أنفسِهنَّ أو أموالهنَّ، فقد أخرج ابن جرير وابن

الآية : ١٩
٣٩١
مُودَةُ السَّةِ
أبي حاتم من طريق عليٍّ عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك جاريةً،
ألقى عليها حميمُهُ ثوبَهُ فمنعها من الناس، فإن كانت جميلةً تزوَّجها، وإن كانت
دميمةً حبسها حتى تموت، فيرثها(١).
وفي رواية البخاريِّ وأبي داود: كانوا إذا مات الرجلُ، كان أولياؤه أحقَّ
بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوَّجها، وإن شاؤوا زوَّجوها، وإن شاؤوا لم يزوِّجوها،
فهُمْ أحقُّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآيةُ في ذلك(٢) .
وأخرج ابن المنذر(٣) عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في ◌ُبَيشة ابنة مَعْنٍ بن
عاصم من الأوس، كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفِّي عنها فجنح عليها ابنُه،
فجاءت النبيَّ ◌َ ﴿ فقالت: لا أنا ورثتُ زوجي، ولا أنا تُركت فأُنكَحَ، فنزلت.
وروي مثلُهُ عن أبي جعفر .
وأخرج ابن أبي حاتم(٤) عن زيد بن أسلم قال: كان أهلُ يثربَ إذا مات الرجلُ
منهم في الجاهلية، وَرِثَ امرأتَهُ مَنْ يَرِثُ مالَه، فكان يَعضُلها حتى يتزوَّجها أو
يُزُوِّجها مَنْ أراد، فَنَهَى اللهُ تعالى المؤمنينَ عن ذلك.
وروي عن الزهريِّ أنها نزلت في الرجل يَحبسُ المرأةَ عنده لا حاجة له بها،
وينتظرُ موتَها حتى يرثها .
فـ ((النساء)) إما مفعولٌ ثانٍ لـ (ترثوا)) على أن يكنَّ هنَّ الموروثات، و((كَرْهاً)
مصدرٌ منصوبٌ على أنه حالٌ من ((النساء))، وقيل: من ضمير ((ترثوا)). والمعنى:
لا يحلُّ لكم أن تأخذوا نساءً موتاكم بطريق الإرث على زعمكم، كما حلَّ لكم
أَخْذُ الأموال، وهنَّ كارهاتٌ لذلك، أو مُكرَهاتٌ عليه، أو أنتم مُكْرِهون(٥)
لهنَّ.
(١) تفسير الطبري ٥٢٦/٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٩٠٢/٣.
(٢) صحيح البخاري (٤٥٧٩)، وسنن أبي داود (٢٠٨٩).
(٣) كما في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ .
(٤) في تفسيره ٩٠٣/٣.
(٥) في (م): مكروهون، وهو تصحيف.

سُورَةُ الشَحَّةِ
٣٩٢
الآية : ١٩
وإما مفعولٌ أول له، والمعنى: لا يحلُّ لكم أن تأخذوا من النساء المالَ بطريق
الإرث كَرْهاً، والمراد من ذلك أَمْرُ الزوج أن يُطلِّق مَنْ كَرِهَ صُحبتَها، ولا يمسكها
كَرْهاً حتى تموتَ فيرثَ منها مالَها .
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((كُرْهاً)) بالضم في مواضعه، ووافقهما عاصم وابن عامر
ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بالفتح في جميع ذلك(١)، وهما بمعنّى
كالضَّعْف والضُّعْف. وقيل: الكُره بالضم الإكراه وبالفتح الكراهية.
وقرىء: ((لا تحلُّ) بالتاء الفوقانية(٢)؛ لأنَّ ((أنْ ترثوا)) بمعنى الوراثة، كما قرىء:
﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَدُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] لأنه بمعنى المقالة، وهذا عكسُ تذكير
المصدر المؤنَّث لتأويله بـ ((أن)) والفعل، فكلٌّ منهما جارٍ في اللسان الفصيح.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أصلُ العَضْلِ: التضييقُ والحبسُ،
ومنه: عَضَّلتِ المرأةُ بولدها: عَسُرَ عليها، كَأَعْضَلَتْ، فهي مُعْضِلٌ ومُعَضِّلٌ،
ويقال: عَضَلَ المرأةَ يَعْضلُها مُثَلَّثة، عَضْلاً وعِضْلاً وعِضْلاناً، بكسرهما، وعضَّلها:
مَنَعَها الزوجَ ظُلْماً، وعَضَّلتِ الأرضُ بأهلها: غَصَّتْ، قال أوس:
ترى الأرضَ مِنَّا بالفضاءِ مريضةً مُعَضِّلةً منَّا بجيشٍ عَرَمْرَمِ (٣)
و ((لا)) إما ناهية على ما قيل، والفعلُ مجزومٌ بها، والجملةُ مستأنفةٌ - كما قال
أبو البقاء(٤) - أو معطوفةٌ على الجملة التي قبلها بناءً على جواز عَطْفِ جملةِ النهي
على جملةٍ خبرية، كما نُسب إلى سيبويه، أو بناءً على أنَّ الجملةَ الأولى في معنى
النهي؛ إذ معناها: لا ترئوا النساءَ كَرْهاً فإنه غيرُ حلالٍ لكم.
وإما نافيةٌ مزيدةٌ لتأكيد النفي، والفعل منصوبٌ بالعطف على ((ترثوا)»، كأنه
قيل: لا يحلُّ ميراثُ النساء كَرْهاً، ولا عَضْلُهُنَّ، ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود:
(لا أن تعضُلوهنَّ»(٥).
(١) التيسير ص ٩٥-١٩٩، والنشر ٢٤٨/٢.
(٢) هي قراءة نعيم بن ميسرة. القراءات الشاذة ص ٢٥، والبحر المحيط ٢٠٢/٣.
(٣) ديوان أوس بن حجر ص١٢١ .
(٤) في الإملاء ٢/ ٢١١ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٥٩/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٤٣/١، والبحر المحيط ٢٠٤/٣.

الآية : ١٩
٣٩٣
مُوَّةُ الشَّة
وأما جَعْلُ ((لا)) نافيةً غيرَ مَزيدةٍ، والفعل معطوفٌ على المنصوب قبله، فقد ردَّه
بعضُهم بأنه إذا عُطف فعلٌ منفيٍّ بـ ((لا)) على مُثبَتٍ وكانا منصوبين، فالقاعدة أنَّ
الناصبَ يُقدَّر بعد حرف العطف، لا بعد ((لا))، ولو قدَّرته هنا بعد العاطف على
ذلك التقدیر فَسَدَ المعنی کما لا يخفى.
والخطاب في المتعاطفينِ إما للورثة غيرِ الأزواج، فقد كانوا يمنعون المرأةَ
المتوفَّى عنها زوجُها من التزوُّج لتفتديَ بما وَرِثَتْ من زوجها، أو تُعْطِيَهم صَداقاً
أخذتْهُ، كما كانوا يرثونهنَّ كَرْهاً، والمراد بـ ((ما آتيتموهن)) على هذا: ما آتاه
جِنْسُكُم، وإلا لم يلتئم الكلام لأنَّ الوَرَثة ما آتوهنَّ شيئاً.
وإما للأزواج فإنهم كما كانوا يفعلون ما تقدَّم، كانوا يُمسكون النساء من غير
حاجةٍ لهم إليهنَّ، فيُضارُّوهنَّ ويُضَيِّقوا عليهنَّ ليذهبوا ببعض ما آتوهنَّ، بأن يَخَلِعْنَ
بمهورِهنَّ، وإلى هذا ذهب الكثيرُ من المفسِّرين، وهو المرويُّ عن أبي جعفر.
والالتئامُ عليه ظاهرٌ.
وجُوِّز أن يكون الخطابُ الأولُ للورثة، وهذا الخطابُ للأزواج، والكلام قد
تمَّ بقوله سبحانه: ﴿كَزْفًا﴾ فلا يَردُ عليه بعد تسليم القاعدة أنه لا يُخاطَبُ في كلام
واحد اثنان من غير نداء، فلا يقال: قُمْ واقعدْ. خطاباً لزيدٍ وعمرو، بل يقال: قُمْ
یا زید، واقعد یا عمرو.
وقيل: هذا خطابٌ للأزواج، ولكن بعد مفارقتهم منكوحاتهم، فقد أخرج
ابن جرير(١) عن ابن زيد قال: كانت قريشٌ بمَّة ينكحُ الرجلُ منهم المرأةَ
الشريفة، فلعلَّها ما توافقه، فيفارقُها على أن لا تتزوَّجَ إلا بإذنه، فيأتي بالشهود
فيكتبُ ذلك عليها، فإذا خَطَبها خاطِبٌ، فإن أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ لها،
وإلا عَضَلَها.
والمراد من قوله سبحانه: ﴿لِتَذْهَبُواْ﴾ إلخ أن يَدفعنَ إليكم بعضَ ما آتيتموهنَّ
وتأخذوه منهنَّ، وإنما لم يتعرَّض لِفِعلهنَّ لكونه لصدوره عن اضطرار منهنَّ بمنزلة
العَدَم، وعبَّر عن ذلك بالذهاب به، لا بالأخذ والإذهاب؛ للمبالغة في تقبيحه ببيان
(١) في تفسيره ٦/ ٥٣٠.

سُورَةُ الشَّةِ
٣٩٤
الآية : ١٩
تَضَمُّنه لأمرين كلٌّ منهما محظورٌ شنيعٌ: الأخذ والإذهاب؛ لأنه عبارةٌ عن الذهاب
مصطحباً به، وذُكرَ البعضُ ليُعلم منه أنَّ الذهاب بالكلِّ أشنعُ شنيع.
﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ تَُّ﴾ على صيغة الفاعل من ((بيَّن)) اللازم بمعنى
(تبيَّن))، أو المتعدِّي والمفعولُ محذوفٌ، أي: مبيّةٍ حالَ صاحبها .
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ((مبيّنة)) على صيغة المفعول(١). وعن ابن
عباس أنه قرأ: ((مُبَيْنَةٍ)) على صيغة الفاعل(٢) من ((أبان)) اللازم بمعنى ((تبيَّن))، أو
المتعلِّي.
والمراد بالفاحشة هنا: النشوزُ وسوء الخلق، قاله قتادة والضحاك وابن عباس
وآخرون، ويؤيِّده قراءةُ أبيٍّ: ((إلا أن يَفْحُشْنَ عليكم))(٣)، وفي ((الدُّرِّ المنثور))(٤)
نسبةُ هذه القراءة لكن بدون ((عليكم)) إلى أُبيِّ وابن مسعود، وأخرج ابن جرير(٥) عن
الحسن أنَّ المراد بها الزنى، وحكي ذلك عن أبي قلابة وابن سيرين.
والاستثناءُ قيل: منقطعٌ. وقيل: متصل، وهو من ظَرْفِ زمانٍ عامٍّ، أي:
لا تعضلوهنَّ في وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ إتيانهنَّ إلخ، أو: من حالٍ عامَّةٍ، أي:
في حالٍ من الأحوال إلا في هذه الحال، أو: من عِلَّةٍ عامةٍ، أي: لا تعضلوهنَّ
لِعِلَّةٍ من العِلَل إلا الإتيانهنَّ، ولا يأبى هذا ذِكْرَ العِلَّة المخصوصة؛ لجواز أن يكون
المرادُ العموم، أي: للذهاب وغيره، وذُكر فردٌ منه النكتةٍ، أو لأنَّ العِلَّة المذكورةَ
غائيةٌ والعامةُ المقدَّرةُ باعثةٌ على الفعل متقدِّمةٌ عليه في الوجود.
وفي الآية إباحةُ الخُلع عند النشوز؛ لقيام العُذْر بوجود السبب من جهتهنَّ.
وحكي عن الأَصمِّ أنَّ إباحةَ أَخْذِ المال منهنَّ كان قبل الحدود عقوبةً لهنَّ،
وروي مثل ذلك عن عطاء، فقد أخرج عبد الرزاق وغيره(٦) عنه: كان الرجلُ إذا
(١) التيسير ص ٩٥، والنشر ٢٤٨/٢.
(٢) المحتسب ١٨٣/١.
(٣) الكشاف ٥١٤/١، والبحر المحيط ٢٠٣/٣.
(٤) ٢/ ١٣٢.
(٥) في تفسيره ٦/ ٥٣٣ .
(٦) عبد الرزاق في تفسيره ١٥٢/١، وفي المصنف (١١٠٢٠)، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٦/ ٥٣٢.

الآية : ١٩
٣٩٥
سُورَةُ النساءِ
أصابت امرأتُه فاحشةً، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فَنَسَخَ ذلك الحدود.
وذهب أبو عليٍّ الجُبَّائيُّ وأبو مسلم أنَّ هذا متعلِّقٌ بالعَضْل بمعنى الحبس
والإمساك، ولا تَعَرُّضَ له بأخذ المال، فَفيه إباحةُ الحبس لهنَّ إذا أَتينَ بفاحشة،
وهي الزنى عند الأول والسِّحاق عند الثاني، فالآيةُ على نحو ما تقدَّم من قوله
تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِىِ الْبُيُوتِ﴾.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: خالقوهنَّ ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو ما لا يُنكره الشرع والمروءة،
والمراد هاهنا النَّصَفةُ في القَسْم والنفقة، والإجمالُ في القول والفعل.
وقيل: المعروف: أن لا يضربها ولا يسيءَ الكلام معها، ويكون مُنبسط الوجه
لها. وقيل: هو أن يتصنَّع لها كما تتصنَّع له. واستدلَّ بعمومه مَنْ أوجب لهنَّ
الخدمة إذا كنَّ ممن لا يَخدمنَ أنفسهنَّ.
والخطابُ للذين يُسيؤون العشرة مع أزواجهم، وجعله بعضُهم مرتبطاً بما سبق
أولَ السورة من قوله سبحانه: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنِسَآءَ صَدُقَتِنَّ غِلَةٌ﴾ وفيه بُعْد.
﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي: كرهتم صحبتهنَّ وإمساكهنَّ بمقتضى الطبيعة، من غير أن
يكون من قِبَلِهِنَّ ما يُوجب ذلك.
﴿فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا﴾ كالصُّحبة والإمساك ﴿وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرًا
١٩
كالولد، أو الأُلفةِ (١)، التي تقع بعد الكراهة، وبذلك قال ابن عباس ومجاهد.
وهذه الجملة ◌ِلَّة للجزاء، وقد أُقيمت مقامه إيذاناً بقوة استلزامها إياه، فإنَّ
(عسى)) لكونها لإنشاء الترجّي لا تصلح للجوابية، وهي تامَّةٌ رافعةٌ لما بعدها،
مستغنيةٌ عن الخبر، والمعنى: فإن كرهتموهنَّ فاصبروا عليهنَّ، ولا تفارقوهنَّ
لكراهة الأنفس وحدَها، فلعلَّ لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً، فإنَّ النفس ربّما تكرهُ
ما يُحمد وتُحِبُّ ما هو بخلافه، فليكن مَظْمَحُ النظر ما فيه خيرٌ وصلاح، دون
ما تھوی الأنفس.
ونَكَّر ((شيئاً)) و((خيراً)) وَوَصَفَهُ بما وَصَفَهُ مبالغةً في الحمل على تَرْك المفارقة
وتعميماً للإرشاد، ولذا استُدلَّ بالآية على أنَّ الطلاقَ مكروهٌ.
(١) في الأصل: والألفة.

مُدَةُ القَسَخّلة
٣٩٦
الآية : ٢٠
وقرئ: ((ويجعلُ)) بالرفع(١) على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، والجملة حالٌ، أي:
وهو - أي: ذلك الشيء - يجعلُ الله فيه خيراً كثيراً. وقيل: تقديره: والله يجعل(٢)،
بوَضْع المُظْهَر مَوْضِعَ المُضْمَر، فالواو حينئذ حالية، وفي دخولها على المضارع
ثلاثةُ مذاهب؛ الأول: مَنْعُ دخولها عليه إلا بتقدير مبتدأ. والثاني: جوازه مطلقاً.
والثالث: التفصيل بأنه إن تضمَّنَ نكتةً كدفع إيهام الوصفية حَسُنَ، وإلا فلا .
ولا يخفى أنَّ تقدير المبتدأ هنا خلافُ الظاهر.
﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ﴾ أيها الأزواج ﴿أَسْتِبْدَالَ زَوْج﴾ إقامةَ امرأةٍ ترغبون فيها ﴿مَكَانَ
زَوِّج﴾ أي: امرأةٍ ترغبون عنها بأن تطلُّقوها ﴿وَءَاتَيْتُمْ﴾ أي: أعطى أحدكم
﴿إِحْدَهُنَّ﴾ أي: إحدى الزوجات، فإنَّ المراد من الزوج هو الجنس الصادق مع
المتعدِّد المناسب لخطاب الجمع.
والمراد من الإيتاء - كما قال الكَرْخِي - الالتزامُ والضمان، كما في قوله تعالى:
﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَائِيْتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: ما التزمتم وضمنتم. ومفهوم الشرط غير
مراد على ما نصّ عليه بعض المحققين، وإنما ذُكر لأنَّ تلك الحالة قد يُتُوهَّمُ فيها
الأخذُ، فَنُبِّهوا على حكم ذلك.
والجملة حاليةٌ بتقدير ((قد)) لا معطوفةٌ على الشرط، أي: وقد آتيتم التي تريدون
أن تطلِّقوها وتجعلوا مكانها غيرها ﴿قِنِطَارًا﴾ أي: مالاً كثيراً، وقد تقدَّمت الأقوال
ـيه (٣).
﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ﴾ أي: من القنطار المؤتَى ﴿شَيْئًا﴾ يسيراً، أي: فضلاً عن
الكثير.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ أي: الشيء ﴿بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٥)﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير
النهي، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخ، والمصدران منصوبان على الحالية بتأويل
الوصف، أي: أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل أن يكونا منصوبين على العِلَّة،
(١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٥ لعيسى بن عمر.
(٢) في الأصل و(م): والله يجعل الله، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥٨/٢، والكلام منه،
ومثله في حاشية الشهاب ١١٩/٣، وقال الشهاب: ثم حذف المبتدأ وأظهر فاعل ((يجعلُ)).
(٣) ٤ / ٦١.

الآية : ٢١
٣٩٧
سُورَةُ الَّسَاءِ
ولا فَرْقَ في هذا الباب بين أن تكون عِلَّةً غائيةً وأن تكون عِلَّةً باعثةً، وما نحن فيه
من الثاني، نحو: قعدْت عن الحرب جُبْناً؛ لأنَّ الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم
المآثم، فقد قيل: كان الرجل منهم إذا أراد جديدةً بَهَتَ التي تحته بفاحشةٍ حتى
يُلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها، ليصرفه إلى تزوُّج الجديدة، فتُهوا عن ذلك.
والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه. وقال الزَّجاج (١): الباطلُ الذي
يُتحيّر من بطلانه، وفُسِّر هنا بالظلم. وعن مجاهد: أنه الإثم، فَعَظْفُ الإثم عليه
للتفسير كما في قوله:
وأَلْفى قَولها كَذِياً ومَينا(٢)
وقيل: المراد به هنا إنكارُ التمليك. والمُبين: البَيِّنُ الظاهر.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنكارٌ بعد إنكار، وقد بُولغ فيه على ما تقدَّم في ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
وقيل: تعجيبٌ منه سبحانه وتعالى، أي: إنَّ أَخذكم له لعجيب.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كنايةٌ عن الجماع على ما روي عن ابن عباس
ومجاهد والسُّدِّي.
وقيل: المراد به الخلوةُ الصحيحة وإن لم يجامع، واختاره الفراء(٣)، وبه قال
أبو حنيفة ظ له، وهو أحد قولين للإمامية.
وفي تفسير الكلبيِّ عن ابن عباس ها: الإفضاء: الحصول معها في لِحافٍ
واحدٍ جامعها أو لم يجامعها.
ورُجِّحَ القولُ الأولُ بأنَّ الكلام كنايةٌ بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها
فيما يُستحى من ذِكْره كالجماع، والخلوة لا يُستَحی مِن ذِكْرها، فلا تحتاج إلى
(١) في معاني القرآن ٣١/٢.
(٢) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي، وهو في ديوانه ص ١٨٣، وصدره: وقدَّمت الأديم
لراهِشَيْه. والراهشان: عرقان في باطن الذراعين. الصحاح (رهش).
(٣) في معاني القرآن ٢٥٩/١.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٣٩٨
الآية : ٢١
الكناية، وأيضاً في تعدية الإفضاء بـ ((إلى)) ما يدلُّ على معنى الوصول والاتصال،
وذلك أنسبُ بالجماع.
ومَنْ ذهب إلى الثاني قال: إنما سُمِّيت الخلوةُ إفضاءً لوصول الرجل بها إلى
مكان الوطء، ولا يُسَلَّمُ أنَّ الخلوة لا يُستَحى من ذِكْرها.
والجملةُ حالٌ من فاعل ((تأخذونه)) مفيدةٌ لتأكيد النكير وتقريرِ الاستبعاد،
أي: على أيِّ حالٍ، أو في أيِّ [حال](١) تأخذونه، والحالُ أنه قد وقع منكم
ما وقع.
﴿و﴾ قد ﴿أَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا﴾ أي: عهداً ﴿غَلِيظًا ﴾﴾ أي: شديداً، قال
قتادة: هو ما أَخذ الله تعالى للنساء على الرجال: ﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيٌ
بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: وقد كان ذلك يُؤخَذُ عند عقد النكاح فيقال: اللهِ
علیكَ لَتُمسِكَنَّ بمعروفٍ أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسان. وروي ذلك عن الضحاك ويحيى بن
أبي كثير، وکثیر.
وعن مجاهد: الميثاق الغليظ: كلمةُ النكاح التي استُحلَّ بها فروجُهنَّ.
واستدلَّ بالآية مَنْ منع الخُلع مطلقاً، وقال: إنها ناسخةٌ لآية ((البقرة))(٢)، وقال
آخرُ: إنها منسوخةٌ بها، وروي ذلك عن ابن زيد(٣) .
وقال جماعة: لا ناسخةٌ ولا منسوخةٌ، والحكم الذي فيها هو الأخذ بغير طِيب
نفس .
واستدلَّ بها - كما قال ابن الفرس ــ قومٌ على جواز المغالاة في المهور؛
وأخرج أبو يعلى عن مسروق: أنَّ عمر بن الخطاب ◌َ﴿له نهى أن يُزاد في الصَّداق
على أربع مئةٍ درهم، فاعترضته امرأةٌ من قريش فقالت: أمّا سمعتَ ما أنزل الله
تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا﴾؟ فقال: اللهم غَفْراً، كلُّ الناس أَفقهُ من عمر،
ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنتُ نهيتكم أن تَزيدوا النساءَ في صَدُقاتهنَّ على
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٥٩/٢، والكلام منه.
(٢) وهي الآية (٢٢٩) منها .
(٣) في (م): أبي زيد. والمثبت هو الصواب، والقول أخرجه الطبري ٦/ ٥٤٧.

الآية : ٢١
٣٩٩
سُورَةُ السَّةِ
أربع مئة درهم، فَمَن شاء أن يعطي من ماله ما أحبَّ(١).
وطعن الشيعةُ بهذا الخبر على عمر ظُّه لجهله بهذه المسألة وإلزام امرأةٍ له،
وقالوا: إنَّ الجهلَ منافٍ للإمامة.
وأُجيب بأنَّ الآيةَ ليستْ نصًّا في جواز إيتاء القنطار، فإنها على حدٍّ قولك: إن
جاءك زيدٌ وقد قتل أخاك فاعفُ عنه، وهو لا يدلُّ على جواز قتل الأخ، سلَّمنا أنها
تدلُّ على جواز إيتائه، إلا أنَّا لا نُسلِّم جواز إيتائه مهراً، بل يحتمل أن يكون المراد
بذلك إعطاءَ الحُليِّ وغيره، لا بطريق المهر بل بطريق الهبة، والزوج لا يصحُّ له
الرجوع عن هبته لزوجته، خصوصاً إذا أوحشها بالفراق، وقوله تعالى: ﴿وَقَّدٌ
أَفْضَى﴾ لا يُعيِّن كونَ المؤتَى مهراً، سلَّمنا كونه مهراً لكن لا نُسلِّم كونَ عدم المغالاة
وجّ قال: قال
أفضلَ منه، فقد روى ابن حبان في ((صحيحه)) عن ابن عباس
رسول الله وَله: ((إنَّ من خير النِساء أَيسرهنَّ صَداقاً))(٢)، وعن عائشة وثًّا، عنه وَّى:
(يُمْنُ المرأة تسهيلُ أَمرها في صَداقها))(٣).
وأخرج أحمد والبيهقيُّ مرفوعاً: ((أعظمُ النساء بركةً أَيْسَرُهنَّ صَداقا)(٤).
فنهيُ أمير المؤمنين عن التغالي يحتمل أنه كان للتيسير، وميلاً لما هو الأفضل،
ورغبةً فيما أشار إليه رسول الله وَّهِ قولاً وفعلاً، وعدولُهُ عن ذلك وعدمُ ردِّه على
(١) مسند أبي يعلى الكبير، كما في مجمع الزوائد ٢٨٤/٤، وعزاه لأبي يعلى أيضاً ابن كثير
عند تفسير هذه الآية، وهو من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسرورق عن عمر.
قال الهيثمي: فيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق. وأخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨)،
والبيهقي ٢٣٣/٧ من طريق مجالد عن الشعبي عن عمر، ولم يذكر مسروقاً فيه، وإسناده
منقطع. وقصة نهي عمر له عن المغالاة في المهور رويت بإسناد آخر من طريق
أبي العجفاء السلمي عن عمر ته دون قصة المرأة، وهذه الزيادة في رواية مجالد لم يأت
بها غيره كما ذكر الدارقطني في العلل ٢٣٨/٢، ثم قال: ولا يصح هذا الحديث إلا عن
أبي العجفاء. اهـ. وخبر أبي العجفاء أخرجه أبو داود (٢١٠٦)، والترمذي (١١١٤) وقال:
حسن صحيح.
(٢) صحيح ابن حبان (٤٠٣٤).
(٣) صحيح ابن حبان (٤٠٩٥)، وهو عند أحمد (٢٤٦٠٧).
(٤) مسند أحمد (٢٥١١٩)، وسنن البيهقي ٢٣٥/٧، من حديث عائشة ـ

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٠٠
الآية : ٢٢
القُرَشِية كان من باب الترغيب في تتبُّع معاني القرآن واستنباطِ الدقائق منه، وفي
إظهار الكبيرِ العالم المغلوبيةَ للصغير الجاهل تنشيطٌ للصغير وإدخالٌ للسرور عليه،
وحثُّ له ولأمثاله على الاشتغال بالعلم وتحصيلٍ ما يغلب به، فقوله نظرته: اللهم
غَفْراً، كلُّ الناس أفقهُ من عمر، كان من باب هَضْم النفس والتواضع وحُسْنٍ
الخلق، وقد دعاه إليه ما دعاه، ومع هذا لم يأمرهم بالمغالاة، بل قُصارى أمره أنه
رفع النهيَ عنهم وتركّهم واختيارَهم بين فاضلٍ ومفضول، ولا إثم عليهم في ارتكاب
أيِّ الأمرین شاؤوا.
سلّمنا أنَّ هذه المسألة قد غابت عن أفق ذهنه الشريف، لكن لا نُسَلِّم أنَّ ذلك
جَهلٌ يضرُّ بمنصب الإمامة، فقد وقع لأمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه مثلُ
ذلك، وهو إمام الفريقين، فقد أخرج ابن جرير وابن عبد البر عن محمد بن كعب
قال: سأل رجلٌ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه عن مسألةٍ، فقال فيها، فقال الرجل:
ليس هكذا، ولكن كذا وكذا، فقال الأمير: أصبتَ وأخطأنا، وفوق كل ذي علم
علیم(١).
وقد وقع لداودَ عليه السلام ما قصَّ الله تعالى لنا في كتابه من قوله سبحانه:
﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ إلى أن قالَ عزَّ من قائل: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾
[الأنبياء: ٧٨-٧٩] فحيثُ لم ينقص ذلك من منصب النبوة والخلافة المشار إليها بقوله
تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] لا ينقص من منصب الإمامة
كما لا يخفى، فَمَن أَنصف جعل هذه الواقعة من فضائل عمر نظراته، لا من مطاعنه،
ولكن لا علاجَ لداء البغض والعناد، ومَن يُضلل الله فما له من هاد.
﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَعَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ شروعٌ في بيان مَنْ يَحرمُ نكاحُها من النساء
ومَن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند بعضٍ مرتبطً بقوله سبحانه:
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في
سِلْكِ نكاح المحرَّمات الآتية، مبالغةً في الزجر عنه، حيث كان ذلك ديدناً لهم في
الجاهلية.
(١) تفسير الطبري ٢٦٩/١٣، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٨٦٥).