Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ١١
٣٦١
سُورَةُ الَشَكَّة
الكلام: أخرجوا الميراثَ والوصية والدَّين، لأَمْكَنَ ورود السؤال المذكور(١). وهو
من الحُسْن بمكان.
﴿وَآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًا﴾ الخطاب للورثة و((آباؤكم))
مبتدأ، و((وأبناؤكم)) معطوفٌ عليه، و((لا تدرون)) مع ما في حيِّزه خبرٌ له، و((أيُّ))
إما استفهامية مبتدأ، و((أَقربُ)) خبرُهُ، والفعل معلَّقُ عنها، فهي سادَّةٌ مسدًّ
المفعولين، وإما موصولةٌ، و((أَقربُ)) خبرُ مبتدأ محذوف، والجملةُ صِلةُ الموصول،
وهو مفعولٌ أولُ مبنيٌّ على الضم لإضافته وحَذْفٍ صَدْرِ صِلتِهِ، والمفعولُ الثاني
محذوف، و((نفعاً)) نُصب على التمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والجملةُ اعتراضيةٌ
مؤكِّدةٌ لوجوب تنفيذ الوصية.
والآباء والآبناء عبارةٌ عن الورثة؛ الأصولِ والفروع، فيشمل البنات والأُمَّهات
والأجداد والجدَّات، أي: أُصولُكم وفروعُكم الذين يموتون قبلكم، لا تعلمونَ مَن
أَنْفعُ لكم منهم أَمَنْ أوصى ببعض ماله، فعرَّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيَّته، أم
مَنْ لم يُوص، فوقَّر عليكم عَرَضَ الدنيا.
وليس المراد - كما قال شيخ الإسلام(٢) - بنفي الدراية عنهم بيانَ اشتباهِ الأمرِ
عليهم، وكونَ أَنفعيَّةِ كلٌّ من الأول والثاني في حيِّز الاحتمال عندهم من غير
رجحانٍ لأحدهما على الآخر، فإنَّ ذلك بمعزِلٍ من إفادة التأكيد المذكور،
والترغيبٍ في تنفيذ الوصية، بل تحقيقَ أنفعيةِ الأول في ضمن التعريض بأنَّ لهم
اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنيًّا على عدم الدراية، وقد أُشير إلى ذلك حيث عبَّر عن
الأنفعية بأقربية النّفْع، تذكيراً لمناط زَعْمهم، وتعييناً لمنشأ خطئهم، ومبالغةً في
الترغيب المذكور بتصوير الثواب(٣) الآجل بصورة العاجل، لما أنَّ الطّباعَ مجبولةٌ
على حُبِّ الخير الحاضر، كأنه قيل: لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم، فتحكمون نظراً
إلى ظاهر الحالِ وقُرْبٍ المنال بأنفعية الثاني مع أنَّ الأمر بخلافه؛ فإنَّ ما يترتَّبُ
على الأول الثوابُ الدائمُ في الآخرة، وما يترتَّبُ على الثاني العَرَضُ الفاني في
(١) الانتصاف ٥٠٩/١.
(٢) في تفسيره ٢/ ١٥٠.
(٣) في (م): الصواب. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٣٦٢
الآية : ١١
الحياة الدنيا، والأولُ لبقائه هو الأقربُ الأدنى، والثاني لفنائه هو الأبعد
الأقصى.
واختار كثيرٌ من المحققين كونَ الجملة اعتراضاً مؤكّداً لأمر القِسْمة، وجَعَلَ
الخطاب للمورِّثين، وتوجيهُ ذلك أنه تعالى بيَّن أَنصباء الأولاد والأبوين فيما قبل،
وكانت الأنصباء مختلفة، والعقول لا تهتدي إلى كمِّيَّة ذلك، فربما يَخطرُ للإنسان
أنَّ القِسْمةَ لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفعَ وأصلح، كما تعارَفه أهل
الجاهلية حيثُ كانوا يُورِّثون الرجال الأقوياء، ولا يُورِّثون الصبيان والنسوان
الضعفاء، فأَنكر الله تعالى عليهم ما عسى أن يَخطرَ ببالهم من هذا القبيل، وأشار
إلى قصور أذهانهم، فكأنه قال: إنَّ عقولكم لا تحيطُ بمصالحكم، فلا تعلمون
مَن أنفعُ لكم ممَّن يَرتُكم من أصولكم وفروعكم في عاجلِكم وآجلِكم، فاتركوا
تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم، ولا تعمّدوا إلى تفضيل
بعضٍ وحرمانه، وكونوا مطيعين لأمر الله تعالى في هذه التقديرات التي قدَّرها
سبحانه، فإنه العالِمُ بمغيَّبات الأمور وعواقبها، ووجهِ الحِكْمة فيما قدَّره ودَبَّره،
وهو العليم الحكيم، والنفع على هذا أَعُمُّ من الدنيوي والأخروي، وانتفاعُ
بعضِهم ببعضٍ في الدنيا يكون بالإنفاق عليه والتربية له والذَّبِّ عنه مثلاً،
وانتفاعُهم في الآخرة يكون بالشفاعة، فقد أخرج الطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن
عباس ها أنه وَّر قال: ((إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده،
فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يارب قد عملتُ لي ولهم. فيؤمر
بإلحاقهم به))(١) .
وإلى هذا ذهب الحسن رحمه الله تعالى، وخصَّ مجاهدٌ النفعَ بالدنيويِّ،
وخَصَّهُ بعضُهم بالأُخرويِّ، وذَكَر أنَّ المعنى: لا تدرون أيُّ الآباء من الوالدِينَ
والوالداتِ، وأيُّ الأبناء من البنينَ والبنات، أقربُ لكم نفعاً لِتُرْفَعُوا إليهم في
الدرجة في الآخرة، وإذا لم تَدْروا فادفعوا ما فَرَضَ الله تعالى وقَسَمَ، ولا تقولوا:
لماذا أُخِّر الأبُ عن الابن، ولأيِّ شيءٍ حاز الجميعَ دون الأُمّ والبنت؟
(١) المعجم الكبير (١٢٢٤٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٤/٧: فيه محمد بن
عبد الرحمن بن غزوان، وهو ضعيف.

الآية : ١١
٣٦٣
سُورَةُ الشَّةِ
واعتُرض بأن ذلك غيرُ معلَّلِ بالنفع حتى يتمَّ ما ذُكر، وأنه يدلُّ على أنَّ مَن قُدِّم
في الورثة(١) أو ضُوعف نصيبه أنفع، ولا كذلك.
والجوابُ بأنه أريد أنَّ المنافع لمَّا كانت محجوبةً عن دِرايتكم، فاعتَقِدوا فيه
نفعاً لا تصل إليه عقولكم، بعيدٌ؛ لعدم فهمه من السياق، ويَرِدُ نحوُ هذا على
ما اختار الكثير.
وربما يقال: المعنى: إنكم لا تدرون أيّ الأصول والفروع أقرب لكم نفعاً،
فَضْلاً عن النفع، فكيف تَحكُمون بالقسمة حَسبَ المنفعة وهي محجوبةٌ عن دِرایتکم
بالمرَّة؟
والكلامُ مسوقٌ لردِّ ما كان في الجاهلية، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا - كما قال
السُّدِّيُّ - لا يُورِّثون الجواري ولا الضُّعفاء من الغلمان، ولا يَرتُ الرجلَ من ولده
إلا مَن أطاق القتال، وعن ابن عباس أنهم كانوا يُعطون الميراثَ الأكبر فالأكبر،
وهذا مُشعِرٌ بأنَّ مَدارَ الإرث عندهم الأنفعيةُ مع العلاقة النَّسَبية، فردَّ الله تعالى
عليهم بأنَّ الأنفعية لا تدرونها، فكيف تعتبرونها؟ والغرضُ من ذلك الإلزامُ، لا بيانُ
أنَّ الأنفعية معتبرةٌ في نفس الأمر إلا أنهم لا يدرونها، ولعلَّه على هذا لا يَرِدُ
ما تقدَّم من الاعتراض، فتدبر.
وقيل: إنَّ المراد من الآية: إنكم لا تدرون أيَّ الوارثينَ والمورِّثين أسرع موتاً
فيرثه صاحبه، فلا تتمنَّوا موتَ الموروث ولا تستعجلوه. ونُسب إلى أبي مسلم،
ولا يخفى مزیدُ بعده.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لنفسه، على حدٍّ: هذا ابني حقًّا؛ لأنه واقعٌ
بعد جملةٍ لا مُحتملَ لها غيرُهُ، فيكون فِعْلُهُ الناصبُ له محذوفاً وجوباً، أي: فُرض
ذلك فريضةً من الله.
وقيل: إنه ليس بمصدرٍ، بل هو اسمُ مفعولٍ وقع حالاً، والتقدير: لهؤلاء
الوَرَثة هذه السهامُ حالَ كونها مفروضةً من الله تعالى.
وقيل: بل هو مصدرٌ، إلا أنه مؤكِّد لفعله - وهو ((يوصيكم)) السابقُ - على غير
(١) في الأصل: الوراثة.

سُورَةُ الشَّةِ
٣٦٤
الآية : ١٢
لفظه؛ إذ المعنى: يَفرِضُ عليكم. وأَورد عليه عصامُ الملَّة أنَّ المصدر إذا أُضيف
لفاعله أو مفعوله، أو تعلَّقا به، يجب حَذْفُ فعله كما صرَّح به الرضيُّ، إلَّا أنْ يُفرَّقَ
بين صريح المصدر وما تضمَّنه، لكن لابدَّ لهذا من دليلٍ ولم نطَّع عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بالمصالح والرُّتَب ﴿حَكِيمًا ﴾﴾ في كلِّ ما قضى
وقدَّر، فتدخل فيه أحكام المواريث دخولاً أوَّلياً، وموقعُ هذه الجملة هنا موقع قوله
تعالى للملائكة: ﴿إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والخبر عن الله تعالى بمثل
هذه الألفاظ - كما قاله الخليل - كالخبر بالحال والاستقبال؛ لأنه تعالى منزَّهُ عن
الدخول تحت الزمان، وقال سيبويه: القومُ لمَّا شاهدوا عِلْماً وحِکْمةً وفضلاً
وإحساناً تعجَّبوا، فقيل لهم: إنَّ الله تعالى كان كذلك، أي: لم يَزِلْ موصوفاً بهذه
الصفات، فلا حاجة إلى القول بزيادة ((كان)) كما ذهب إليه البعض.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَمُكُمْ﴾ إنْ دخلتم بهنَّ أُوْ لا ﴿إِن ◌َّْ يَكُنُ لَّهُرْبَـ
وَلَدُّ﴾ ذكراً كان أو أنثى، واحداً كان أو متعدِّداً، منكم كان أو من غيركم، ولذا
قال سبحانه: ﴿لَّهُنَّ﴾ ولم يقل: لكم، ولا فَرْقَ بين أن يكون الولدُ من بطن
الزوجة وأن يكون من صُلْب بنيها أو بني بنيها، إلى حيث شاء الله تعالى.
﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ على ما ذُكر من التفصيل، وروي عن ابن عباس أنَّ وَلَدَ
الولد لا يَحجُب. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ ذِكْرَ تقدير عدم الوَلَدِ،
وبیانَ حُكمه مُسْتتبع لتقدیر وجوده وبیانٍ حکمه.
﴿فَلَكُمُ الرُّيُعُ مِمَا تَرَكْنَّ﴾ من المال، والباقي في الصورتين لبقية الورثة من
أصحاب الفروض والعَصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن وارثٌ
آخر.
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ متعلِّقٌ بكلتا الصورتين، لا بما يليه
وحده، والكلامُ على فائدة الوصف وكذا على تقديم الوصية ذِكْراً قد مرَّ آنفاً،
فلا فائدةً في ذِكْره.
﴿وَلَهُنَّ﴾ أي: الأزواج تعدَّدْن أو لا ﴿الرُُّعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ
وَلَدٌّ﴾ على التفصيل المتقدم.

الآية : ١٢
٣٦٥
سُورَةُ الشَحَّة
﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الْثُمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا
أَوْ دَيْنٍ﴾ فُرضَ للرجل بحقِّ الزواج ضِعفُ ما فُرض للمرأة كما في النسب؛
المزيته(١) عليها، ولذا اختصَّ بتشريف الخطاب، وتقديم ذِكْرٍ حُكْم ميراثه، وهكذا
قياسُ كلِّ رجل وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقُرْب، ولا يُستثنى من ذلك إلا أولاد
الأَمِّ والمعتَقُ والمعتَقةُ؛ لاستواء الذَّكَر والأنثى منهم.
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ﴾ المراد بالرجل: الميتُ، وهو اسم ((كان)) ﴿يُورَثُ﴾ - على
البناء للمفعول، من ((وَرِثَ)) الثلاثيّ - خبرُ ((كان))، والمراد: يُورَثُ منه، فإنَّ ((وَرِثَ))
تتعدَّى بـ ((مِنْ)) وكثيراً ما تُحذَفُ.
﴿كَلَلَةَ﴾ هي في الأصل مصدرٌ بمعنى الكلال، وهو الإعياء، قال الأعشى:
فآليتُ لا أرثي لها من كَلالةٍ ولا مِن حَفّى حتى أُلاقي محمدا (٢)
ثم استُعيرت واستُعملت استعمالَ الحقائق للقرابة من غير جهة الوالد والولد؛
لضعفها بالنسبة إلى قرابتهما، وتُطلَقُ على مَن لم يُخلِّف والداً ولا ولداً، وعلى مَن
ليس بوالِدٍ ولا ولد من المخلَّفين، بمعنى: ذي كلالة، كما تُطلَقُ القرابةُ على ذوي
القرابة، وجعل ذلك بعضُهم من باب التسمية بالمصدر، وآخرون جوَّزوا كونها صِفة
كالهَجاجة للأحمق؛ قال الشاعر:
هَجَاجَةٌ مُنتخَبُ الفؤادِ
كأنه نعامةٌ في واد(٣)
وتُستعمل في المال الموروث مما ليس بوالد ولا ولد، إلا أنه استعمالٌ غيرُ
شائع، وهي في جميع ذلك لا تُثَّى ولا تُجمَع، واختار كثيرٌ كونَ أصلها من: تَكَلَّلَهُ
النَّسَبُ، إذا أحاط به، ومن ذلك الإكليلُ لإحاطته بالرأس، والكلُّ لإحاطته بالعدد،
وقال الحسين بن عليٍّ المغربي: أصلُ الكلالة عندي ما تركه الإنسان وراءَ ظهره،
أخذاً من الكَلِّ وهو الظهر والقفا.
(١) في (م): لمزية.
(٢) ديوان الأعشى ص ٤٦.
(٣) الصحاح واللسان والتاج (هجج). قوله منتخب، أي: جبان، كأنه منتزع الفؤاد، أي:
لا فؤاد له. التاج (نخب).

سُورَةُ المِسْكَاةِ
٣٦٦
الآية : ١٢
ونصبُها(١) على أنها مفعولٌ له، أي: يُورَث منه لأجل القرابة المذكورة، أو
على أنها حالٌ من ضمير ((يُورَث))، أي: حالَ كونه ذا كلالة، واختاره الزجَّاج(٢)،
أو على أنها خبرٌ لـ ((كان)) و((يُورَث)) صفةٌ لرجل، أي: إن كان رجلٌ موروثٌ ذا
کلالة ليس بوالدٍ ولا ولد.
وذكر أبو البقاء احتمالَ كون ((كان)) تامةً، و((رجلٌ)) فاعلها، و«يُورَثُ)) صفة له،
و((كلالة)) حالٌ من الضمير في ((يُورَث)) - واحتمالُ نصبها على هذا الاحتمال على
أنها مفعولٌ له أيضاً ظاهرٌ - وجوَّز فيها الرفعَ على أنها صفةٌ، أو بدلٌ من الضمير،
إلا أنه لم يَعرِفْ أحداً (٣) قرأ به، فلا تجوز القراءة به أصلاً، وجَعَل نَصْبَها على
الاستعمال الغير الشائع على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ ((يُؤْرَث)) (٤).
وقرىء: ((يُورِثُ)) و((يُورِّثُ)) بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل(٥)، فانتصابُ
(كلالةً)) إما على أنها حالٌ من ضمير الفعل، والمفعولُ محذوفٌ، أي: يُورِثُ وارثَهُ
حالَ كونه ذا كلالة، وإما على أنها مفعولٌ به، أي يُورِثُ ذا كلالة، وإما على أنها
مفعولٌ له، أي: يُورثُ لأجل الكلالة. كذا قالوا.
ثم إنَّ الذي عليه أهل الكوفة وجماعةٌ من الصحابة والتابعين هو أنَّ الكلالة هنا
بالمعنى الثالث(٦)، وروي عن آخرين - منهم ابنُ جبيرٍ، وصحَّ به خبرٌ عن
رسول اللهِ وَ﴿ ـ أنها بالمعنى الثاني(٧)، ولم نرَ نسبةَ القولين الآخَرين لأحدٍ من
(١) في هامش الأصل و(م): وجوز نصبها على أنها خبر ثان إن أريد أحد الملابسين، وعلى
التمييز إن أريد المصدر. اهـ منه. وينظر الدر المصون ٦٠٩/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢٥/٢.
(٣) في (م): أحد.
(٤) الإملاء ٢٠١/٢ -٢٠٢.
(٥) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٢/١.
(٦) أي: مَن ليس بوالد ولا ولد من الوَرَثة، ينظر تفسير الطبري ٦/ ٤٧٥، والاستذكار لابن
عبد البر ٤٦١/١٥، والمفهم لأبي العباس القرطبي ١٧١/٢، ومجمع البيان ٤/ ٤١.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث جابر الذي سيرد قريباً.
(٧) لم نقف فيها على خبر عن النبي صل*، وأخرجه عن ابن جبير ابن أبي حاتم ٨٨٧/٣،
ولفظه: ((الكلالة)»: الميت الذي ليس له ولد لا والد. وينظر تفسير الطبري ٦/ ٤٨٠،
والمفهم ١٧١/٢ .

الآية : ١٢
٣٦٧
سُورَةُ السَّاء
السلف(١)، والأولُ منهما غيرُ بعيد؛ والثاني سائغٌ، إلَّا أنَّ فيه بُعْداً كما لا يخفى.
﴿أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ عَظْفٌ على ((رجل)) مُقيَّدٌ بما قُيِّدَ به، وكثيراً ما يُستغنى بتقييد
المعطوف عليه عن تقييد المعطوف، ولعلَّ فَصْلَ ذِكْرها عن ذكره للإيذان بشرفه
وأصالته في الأحكام، وقيل: لأنَّ سبب النزول كان بيانَ حكمه؛ بناءً على ما روي
عن جابر أنه قال: أتاني رسول الله وَ ل﴿ وأنا مريض فقلت: كيف الميراث وإنما يرثني
كلالة؟ فنزلت آيةُ الفرائض لذلك(٢).
﴿وَلَّهُ ﴾ أي: الرجل، وتوحيدُ الضمير لوجوبه فيما وقع بعد ((أو))، حتى إنَّ
ما ورد على خلاف ذلك مُؤوَّلٌ عند الجمهور؛ كقوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ
فَقِيرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا﴾ [النساء: ١٣٥] وأتى به مذكَّراً للخيار بين أن يُراعى المعطوفُ أو
المعطوفُ عليه في مثل ذلك، وقد روعي هنا المذكَّر لتقدُّمه ذِكْراً وشَرافة، ويجوز
أن يكون الضمير لواحدٍ منهما، والتذكيرُ للتغليب، ومجُوِّز أن يكون راجعاً للميت،
أو الموروث لِتَقَدُّم(٣) ما يدلُّ عليه.
وأَبْعَدَ مَنْ جوَّز أن يكون عائداً للرجل، وضمير المرأة محذوف، والمراد: وله
أو لها .
﴿أَخُ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من الأُمِّ فقط، وعلى ذلك عامَّةُ المفسِّرين حتى إنَّ بعضَهم
حکی الإجماعَ علیه.
وأخرج غيرُ واحدٍ عن سعد بنِ أبي وقاص أنه كان يقرأ: ((وله أخٌ أو أختٌ من
أمّ» (٤). وعن أبيٍّ: ((من الأُمّ))(٥). وهذه القراءةُ وإن كانت شاذَّةً إلا أنَّ كثيراً من
العلماء استند إليها بناءً على أنَّ الشَّاذَّ من القراءات إذا صحَّ سندُهُ كان كخبر الواحد
في وجوب العمل به، خلافاً لبعضهم.
(١) كذا قال، وذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٠١/٥، وابن العربي في أحكام القرآن ٣٤٧/١
عن عطاء أنه قال: ((الكلالة)): المال.
(٢) أخرجه أحمد (١٤١٨٦)، والبخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦).
(٣) في (م): ولتقدم.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤١٦/١١، والطبري ٤٨٣/٦، وابن أبي حاتم ٨٨٧/٣، وابن عبد البر
في التمهيد ١٩٩/٥، والبيهقي ٢٣١/٦.
(٥) الكشاف ٥١٠/١، والبحر المحيط ١٩٠/٣.

سُورَةُ الشَّكَاةِ
٣٦٨
الآية : ١٢
ويُرشِدُ إلى هذا القيد أيضاً أنَّ أحكامَ بني الأعيان والعلَّات هي التي تأتي في
آخر السورة الكريمة، وأيضاً ما قُدِّر هنا لكلِّ واحدٍ من الأخ والأخت وللأكثر - وهو
السدس والثلث - هو فَرْضُ الأم، فالمناسب أن يكون ذلك لأولاد الأُمِّ، ويقال لهم
إخوة أَخياف، وبنو الأخياف، والإضافة بيانية.
والجملة في محلِّ النصب على أنها حالٌ من ضمير ((يُورَث))، أو من ((رجل))
على تقدير كون ((يُورَث)) صفةً له، ومساقها لتصوير المسألة، وذِكْرُ الكلالة لتحقيق
جريان الحكم المذكور، وإن كان مع مَنْ ذُكر وَرَثَةٌ أخرى بطريق الكَلالة، ولا يضرُّ
عند مَن لم يقلْ بالمفهوم جريانه في صورة الأم أو الجدَّة، مع أنَّ قرابتهما ليست
بطريق الكَلالة، وكذا لا يضرُّ عند القائل به أيضاً؛ للإجماع على ذلك.
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ أي: الأخ والأخت ﴿السُّدُسُِ﴾ مما ترك من غير تفضيلِ
للذَّكر على الأنثى، ولعلَّه إنما عَدَل عن ((فله السُّدُسُ)) إلى هذا دَفْعاً لتوهُم أنّ
المذكورَ حُكْمُ الأخ وترك حكْم الأخت لأنه يُعلَمُ منه أنَّ لها نصفَ الأخ بحكم
الأُنوثة، والحكمةُ في تسوية الشارع بينهما تساويهما في الإدلاء إلى الميت بمحضٍ
الأنوثة.
﴿فَإِن كَانُواْ﴾ أي: الأخوة والأخوات من الأمِّ، المدلول عليهم بما تقدَّم،
والتذكيرُ للتغليب ﴿أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أي: المذكور، بواحد أو بما فوقه، والتعبير
باسم الإشارة دونَ الواحد؛ لأنه لا يقال: أكثر من الواحد، حتى لو قيل أُوِّل بأنَّ
المعنى: زائداً عليه، وبعض المحققين التزم التأويل هنا أيضاً؛ إذ لا مفاضلةً بعد
انكشاف حال المشار إليه، ولعلَّ التعبيرَ باسم الإشارة حينئذٍ تأكيدُ الإشارة إلى أنَّ
المسألةَ فرضية، والفاء لِمَا مرَّ من أنَّ ذِكْرَ احتمال الانفراد مستتبعٌ لِذِكْر احتمال
العدد.
﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ الثُّلُثِّ﴾ يقتسمونه فيما بينهم بالسوية، وهذا مما لا خلاف
فيه لأحدٍ من الأمة، والباقي لباقي الورثة من أصحاب الفروض والعَصَبات، وفيه
خلافُ الشيعة.
هذا، ومن الناس مَن جَوَّز أن يكون ((يُورَث)) في القراءة المشهورة مبنيًّاً
للمفعول من ((أَوْرَثَ)) على أنَّ المراد به الوارث، والمعنى: وإن كان رجلٌ يُجعَلُ

الآية : ١٢
٣٦٩
سُورَةُ الشَّيَّةِ
وراثاً لأجل الكَلالة، أو ذا كلالة، أي: غيرَ والدٍ ولا ولد، ولذلك الوارث أخٌ أو
أختٌ، فلكلٍّ من ذلك الوارث وأخيه (١) أو أخته السدس، فإن كانوا أكثرَ من ذلك،
أي: من الاثنين، بأن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ، فهمْ شركاءُ في الثلث الموزَّع للاثنين
لا يُزاد عليه شيء.
ولا يخفى أنَّ الكلامَ عليه قاصرٌ عن بيان حُكْم صورة انفراد الوارث عن الأخ
والأخت، ومقتضٍ أن يكون المعتَبَرُ في استحقاق الورثة للفرض المذكور أُخوةً
بعضِهم لبعضٍ من جهة الأم فقط، وخارجٌ على مَخْرَجٍ لا عَهْدَ به، وفيه أيضاً ما فيه،
وقد أوضح ذلك مولانا شيخُ الإسلامِ قُدِّس ◌ِرُّهُ بما لا مزيد عليه(٢).
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيِّرَ مُضَآرٍّ﴾ أي: من غير ضِرارٍ لورثته،
فلا يُقِرُّ بحقِّ ليس عليه، ولا يوصي بأكثرَ من الثلث. قاله ابن جبير، فالدَّين هنا
مقيَّدٌ كالوصية.
وفي ((يُوصَى)) قراءتان سبعيَّتان في البناء للمفعول، والبناء للفاعل(٣)، و((غيرَ))
على القراءة الأولى حالٌ من فاعل فعلٍ مبنيٌّ للفاعل مُضمَرٍ يدلُّ عليه المذكور،
وما حُذف من المعطوف اعتماداً عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ فِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ
وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ ◌َـ
اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَهِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٦-٣٧]
على قراءة: ((يُسبَّح) بالبناء للمفعول(٤)، وقول الشاعر:
ليُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومة ومختبطٌ مما تُطيحُ الطَّوائحُ(٥)
(١) في الأصل و(م): أو أخيه. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥٢/٢ والكلام منه.
(٢) تفسير أبي السعود ١٥٢/٢.
(٣) قرأ: ((يوصَى)) بالبناء للمفعول ابن كثير وابن عامر وعاصم، وقرأ الباقون بالبناء للفاعل.
التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.
(٤) وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر، التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢.
(٥) اختلف في نسبة هذا البيت، فهو في ملحق ديوان لبيد ص ٣٦٢، ونسبه سيبويه في الكتاب
٢٨٨/١ الحارث بن نهيك، والعباسي في معاهد التنصيص ٢٠٢/١ لضرار بن نهشل، وقال
صاحب الخزانة ٣١٣/١ بعد ذكر الاختلاف في نسبته: والصوابُ أنه لنهشل بن حرِّيّ كما في
شرح أبيات الكتاب لابن خلف، وكذا في شرح أبيات الإيضاح.
=

سُؤَةُ النَّسَاءِ
٣٧٠
الآية : ١٢
وعلى القراءة الثانية حالٌ من فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاءً به،
ولا يلزم على هذا الفَصْلُ بين الحال وذِيها بأجنبي كما لا يخفى، أي: يوصي
بما ذُكر من الوصية والدَّين حالَ كونه غيرَ مضارّ.
ولا يجوز أن يكون حالاً من الفاعل المحذوف في المجهول، لأنه تُرك بحيث
لا يُلتفتُ إليه، فلا يصحُّ مجيءُ الحال منه. وجُوِّز فيه أن يكون صفةً مصدر، أي:
إيصاءً غيرَ مُضارّ.
واختار بعضُهم جَعْلَهُ حالاً من ((وصية أو دين)) أي: من بعد أداء وصيةٍ أو دينٍ
غيرَ مُضارِّ ذلك الواحدُ، وجَعَلَ التذكيرَ للتغليب، وليس بشيء. وجوَّز هذا البعضُ
أن يكون المعنى على ما تقدَّم: غيرَ مُضِرٍّ نفسَه بأن يكون مرتكباً خلافَ الشرع
بالزيادة على الثلث، وهو صحيحٌ في نفسه إلا أنَّ المتبادر الأولُ، وعليه مجاهدٌ
وغيره.
ويحتمل - كما قال جمع - أن يكون المعنى: غيرَ قاصدِ الإضرارَ، بل القُرْبة.
وذكر عصام المِلَّة أنَّ المفهومَ من الآية أنَّ الإيصاءَ والإقرارَ بالدَّين لقصد
الإضرار لا يستحقُّ التنفيذ. وهو كذلك، إلّا أنَّ إثبات القَصْدِ مُشْكِلٌ إلا أن يُعلم
ذلك بإقراره، والظاهرُ أنَّ قَصْدَ الإضرار لا القُرْبةِ بالوصية بالثلث فما دونه لا يمنعُ
من التنفيذ، فقد أخرج ابن أبي شيبة(١) عن معاذ بن جبل قال: إنَّ الله تعالى تصدَّق
عليكم بثُلُثِ أموالكم زيادةً في حياتكم.
نعم ذاك محرَّمٌ بلا شبهة، وليس كلُّ محرَّم غيرَ منفَّذٍ، فإنَّ نحوَ العتق والوقف
الرياء والسمعة محرَّمٌ بالإجماع، مع أنه نافذ، ومَن ادَّعى تخصيصَ ذلك بالوصية
فعليه البيانُ وإقامةُ البرهان.
﴿مّ أنَّ الإضرارَ بالوصية من الكبائر، وأخرج أحمد وأبو داود
وعن ابن عباس .
= والشاهد فيه رفع (الضارع)) بإضمار فعل دل عليه ما قبله، كأنه قال: لَيَبْكِه ضارعٌ لخصومةٍ
ومختبطً محتاج، وصف أنه كان مقيماً لحجة المظلوم ناصراً له، ومواتياً للفقير المحتاج.
والمختبط: الطالب المعروف، وتطيح: تذهب وتهلك. شرح الشواهد للشنتمري ص ١٩٦ .
(١) في المصنف ٢٠٠/١١.

الآية : ١٢
٣٧١
سُورَةُ الشَّةِ
والترمذي(١) عن أبي هريرةَ رَ﴿له مرفوعاً: ((إنَّ الرجلَ ليعملُ بعمل أهل الخير سبعينَ
سنة فإذا أوصى حافَ في وصيَّته، فيُختَمُ له بشرٌّ عَمَلِهِ، فيدخلُ النار، وإنَّ الرجلَ
ليعملُ بعمل أهل الشَّرِّ سبعين سنة، فيعدِلُ في وصيَته، فيُختَمُ له بخيرٍ عَمَلِهِ، فيدخلُ
الجنة)) .
﴿وَصِيَّةً مِنَ الَّهُ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: يوصيكم الله بذلك وصيةً، والتنوين
للتفخيم، و((من)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً للنكرة مؤكّداً لفخامتها، ونظيرُ ذلك
﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ ولعل السِّرَّ في تخصيص كلٍّ منهما بمحلِّهِ ما قاله الإمام(٢) من
أنَّ لَفْظَ الفَرْضِ أقوى وآكَدُ من لَفْظِ الوصية، فَخَتَمَ شَرْحَ ميراثِ الأولاد بذِكْرِ
الفرضية، وخَتَمَ شَرْحَ ميراث الكلالة بالوصية؛ ليدلَّ بذلك على أنَّ الكُلَّ وإن كان
واجبَ الرعاية، إلا أنَّ القسم الأول وهو حال رعاية الأولاد أولى(٣).
وقيل: إنَّ الوصيةَ أقوى من الفَرْض لدلالتها (٤) على الرغبة وطلب سرعة
الحصول، فختم شَرْحَ ميراث الكلالة بها لأنها لِبُعدها ربَّما لا يُعتنَى بشأنها،
فحرَّضَ على الاعتناء بها بذِكْر الوصية، ولا كذلك ما تقدَّم.
أو منصوبٌ بـ ((مُضارّ)) على أنه مفعولٌ به له؛ إما بتقديرٍ، أي: أهلَ وصيَّةِ الله
تعالى، أو على المبالغة؛ لأنَّ المُضارَّة ليست للوصية بل لأهلها، فهو على
حدٍّ: يا سارقَ الليلةَ أهلَ الدار. ومُضارَّتها: الإخلالُ بحقوقهم ونَقْصُها بما ذُكر من
الوصية بما زاد على الثلث، أو به مثلاً لقصد الإضرار دون القربة، والإقرار بالدَّين
كاذباً. والمراد من الأهل الورثةُ المذكورةُ هاهنا، ووقع في بعض العبارات أنَّ
المراد وصية الله تعالى بالأولاد، ولعلَّ المرادَ بهم الورثةُ مطلقاً بطريق التعبير عن
الكلِّيِّ بأشهر(٥) أفراده، كما عبّر عن مُطْلَقِ الانتفاع بالمال بأكله، وإلا فهو غيرُ
(١) مسند أحمد (٧٧٤٢)، وسنن أبي داود (٢٨٦٧)، وسنن الترمذي (٢١١٧) من طريق شهر بن
حوشب عن أبي هريرة به، وإسناده ضعيف لانفراد شهر بن حوشب به، وقد ضعفه غير
واحد من الأئمة.
(٢) هو الفخر الرازي، والكلام في تفسيره ٢٢٦/٩.
(٣) في التفسير الكبير: رعاية حال الأولاد أولى.
(٤) في (م): للدلالة.
(٥) في الأصل: بأشرف.

سُورَةُ النَّسَكَاةِ
٣٧٢
الآية : ١٢
ملائم. وإنما نَصَبَ ((مضارّ)) المفعولَ به؛ لأنه اسمُ فاعلٍ مُعتمدٌ على ذي الحال،
أو منفّيٌّ معنّى، فيعمل في المفعول الصريح.
ويشهد لهذا الاحتمال قراءةُ الحسن: ((غيرَ مُضارِّ وَصيّةٍ)) بالإضافة(١)، وذكر
أبو البقاء في هذه القراءة وجهين؛ الأول: أنَّ التقدير: غيرَ مُضَارِّ أهلٍ وصيةٍ،
فَحُذف المضاف. والثاني: أن التقدير: غير مُضارِّ وقتٍ وصيةٍ فَحُذف، وهو من
إضافة الصفة إلى الزمان، ويَقرُبُ من ذلك قولهم: هو فارسُ حَرْبٍ، أي: فارسٌ
في الحرب، وتقول: هو فارسُ زمانه، أي: في زمانه(٢). والجمهور لا يُثبتون
الإضافةَ بمعنى ((في)).
ووقع في ((الدُّرِّ المصون)) احتمال أنه منصوبٌ على الخروج(٣). ولم يُبَيَّن المرادَ
من ذلك، ووقع في ((هَمْع الهوامع)) في المفعول به: إنَّ الكوفيين يجعلونه منصوباً
على الخروج، ولم يُبيِّنْه أيضاً، قال الشهاب(٤): فكأنَّ مرادَهم أنه خارجٌ عن طَرَفي
الإسناد، فهو كقولهم: فضلة، فلينظر.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ﴾ بالمُضارِّ وغيره، وقيل: بما دبَّره لخلقه(٥) من الفرائض
﴿حَلِيمٌ ﴾﴾ لا يُعاجِلُ بالعقوبة، فلا يغترَّنَّ المُضارُّ بالإمهال، أو لا يغترَّنَّ مَنْ
خالَفَهُ فيما بيَّنه من الفرائض بذلك، والإضمارُ في مقام الإظهار لإدخال الرَّوعة
وتربية المهابة.
ثم اعلم أنَّ الله سبحانه أَوردَ أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن
الترتيبات، وذلك أنَّ الوارثَ إما أن يتَّصل بالميت بنفسه من غير واسطة، أو يتصل
به بواسطة، فإن اتَّصل بغير واسطةٍ فسببُ الاتّصال إما أن يكون النَّسَبَ أو الزوجيةَ،
(١) القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٣/١.
(٢) الإملاء ٢٠٥/٢.
(٣) الدر المصون ٦١٣/٣، وجاء فيه أن ((وصية)) منصوب على الخروج من قوله: ((فلكل واحد
منهما السدس)، أو من قوله: ((فهم شركاء في الثلث))، وهذه العبارة ذكرها قبله ابن عطية في
المحرر الوجيز ٢٠/٢، وأبو حيان في البحر ١٩١/٣، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٨/١.
(٤) في الحاشية ١١٦/٣، وما قبله منه.
(٥) في (م): بخلقه.

الآية : ١٣
٣٧٣
سُؤَدَّةُ الشَّةِ
فحصل هنا ثلاثةُ أقسام: أشرفُها وأعلاها: الاتّصال الحاصلُ ابتداءً من جهة
النسب، وذلك هو قرابة الولاد(١)، ويدخل فيها الأولاد والوالدان. وثانيها:
الاتِّصالُ الحاصلُ ابتداءً من جهة الزوجية، وهذا القِسْمُ متأخِّرٌ في الشَّرَف عن
القسم الأول؛ لأنَّ الأولَ ذاتيٌّ والثاني عَرَضِيٍّ، والذاتيُّ أشرفُ من العَرَضي.
وثالثها: الاتِّصالُ الحاصلُ بواسطة الغير، وهو المسمَّى بالكلالة، وهذا القسم
متأخّرٌ عن القسمين الأولين لوجوه:
أحدها: أنَّ الأولادَ والوالدين والأزواج والزوجات لا يَعْرِضُ لهم السقوط
بالكلية، وأما الكّلالة فقد يَعْرِضُ لها السقوط بالكلية.
وثانيها : أنَّ القسمين الأولين ينتسبُ كلُّ واحدٍ منهما إلى الميت بغير واسطة،
والكَلالَة ينتسبُ إلى الميت بواسطة، والثابت ابتداءً أشرفُ من الثابت بواسطة.
وثالثها: أنَّ مخالطَةَ الإنسان بالوالدين والأولاد والأزواج والزوجات أكثرُ وأتمُّ
من مخالطته بالكَلالة، وكثرةُ المخالطة مَظِنَّةُ الأُلفةِ والشَّفَقة، وذلك يُوجِبُ شِدَّةً
الاهتمام بأحوالهم.
فلهذه الأسباب وأشباهِها أخَّر الله سبحانه ذِكْرَ ميراث الكَلالة عن ذِكْرِ القِسْمَينَ
الأوَّلين، فما أَحْسَنَ هذا الترتيبَ، وما أشدَّ انطباقه على قوانين المعقولات،
كما قاله الإمام(٢).
﴿تِلْكَ﴾ أي: الأحكامُ المذكورةُ في شؤون اليتامى والمواريثِ وغيرها،
واقتصر ابن عباس ◌ًا على المواريث.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه، أو طاعته، أو تفصيلاته، أو شروطه، وأُطلقت
عليها الحدودُ لِشَبَهِهَا من حيثُ إنَّ المكلَّف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أَمر به من الأحكام، أو فيما فَرَضَ من
الفرائض. والإظهارُ في مقام الإضمار لما مرَّتِ الإشارة إليه.
(١) في (م): الولادة. والولاد والولادة كلاهما مصدر ولدت. القاموس (ولد).
(٢) التفسير الكبير ٢١٩/٩.
:

سُورَةُ الشَكَاةِ
٣٧٤
الآية : ١٤
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ﴾ نصبٌ على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عند
الأخفش ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها وأبنيتها، وقد مرَّ الكلامُ
في ذلك ﴿اَلْأَنْهَرُ﴾ أي: ماؤها.
﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من مفعولِ ((يدخله)) لأنَّ الخلودَ بعد الدخول، فهو
نظيرُ قولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ يصيدُ به غداً، وصيغةُ الجمع لمراعاة معنى
(مَن)) كما أنَّ إفراد الضمير لمراعاة لَفْظِها.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي: دخولُ الجنات على الوجه المذكور ﴿اٌلْفَوْزُ﴾ أي: الفلاحُ
في نفسه، أو بالإضافة إلى حيازة الشَّرِكَة على
١٣
والظّفَرُ بالخير ﴿اٌلْعَظِيمُ (
ما قيل، والجملة اعتراض.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أَمر به من الأحكام، أو فيما فَرَضَ من
الفرائض، وقال ابن جريج: مَن لا يؤمن بما فضَّل سبحانه من المواريث. وحكي
مِثْلُهُ عن ابن جبير .
﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ التي جاء بها رسولُهُ وَّةِ، ومن جملتها ما قصَّ لنا قبلُ. أو:
يتعدَّ حدودَهُ في القِسْمة المذكورة استحلالاً كما حُكي عن الكلبي.
﴿يُدْخِلْهُ﴾ قرأ نافع وابن عامر بالنون في الموضعين(١) ﴿نَارًا﴾ أي: عظيمةَ هائلة.
﴿خَلِدًا فِيهَا﴾ حالٌ كما سبق، وأفرد هنا وجمع هناك؛ لأنَّ أهلَ الطاعة أهلُ
الشفاعة، وإذا شفع أَحدُهُمْ في غيره دَخَلها معه، وأهلُ المعاصي لا يشفعون،
فلا يدخلُ بهم غيرُهم، فيبقون فُرادى، أو للإيذان بأنَّ الخلودَ في دار الثواب بصيغة
الاجتماع الذي هو أجلبُ للأُنس، والخلود في دار العقاب بصيغة الانفراد الذي هو
أشدُّ في استجلاب الوحشة. وجوَّز الزجَّاج والتبريزيُّ كونَ ((خالدين)) هناك
و((خالداً)) هنا صفتين لـ ((جنَّاتٍ)) أو ((نار))(٢).
واعتُرض بأنه لو كان كذلك لَوَجَبَ إبرازُ الضمير؛ لأنهما جَرَيا على غير مَنْ
هُما له.
(١) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.
-
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٧/٢، والبحر ١٩٢/٣، والدر المصون ٦١٤/٣.

الآية : ١٤
٣٧٥
سُورَةُ النَّسَكَاءِ
وتعقَّبه أبو حيان(١) بأن هذا على مذهبٍ البصريين، ومذهبُ الكوفيين جوازٌ
الوصفية في مِثْلٍ ذلك، ولا يحتاجُ إلى إبراز الضمير إذ لا لَبْسَ.
﴿وَلَهُ, عَذَابٌ﴾ أي: عظيمٌ لا يُكْتَنَه ﴿مُّهِيرٌ ﴾﴾ أي: مُذِلٌّ له، والجملةُ
حاليةٌ، والمراد جَمْعُ أَمْرَين للعصاة المعتدين؛ عذابٌ جسمانيٍّ وعذابٌ روحانيّ،
نسأل الله تعالى العافية.
واستدلَّ بالآية مَنْ زَعَمَ أنَّ المؤمنَ العاصي مُخلَّدٌ في النار.
والجواب: أنها لا تَصْدُقُ عليه؛ إما لأنها في الكافر على ما سمعتَ عن الكلبيِّ
وابن جبير وابن جريج، وإما لأنَّ المرادَ من حدود الله تعالى جميعُ حدوده؛ لصحّة
الاستثناء، والمؤمنُ العاصي واقفٌ عند حدِّ التوحيد، وإما لأنَّ ذلك مشروط بعدم
العفو كما أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم.
وفي خَتْم آيات المواريث بهذه الآية إشارةٌ إلى عِظَمِ أَمْرِ الميراث، ولزومٍ
الاحتياط والتحرِّي وعدم الظُّلْم فيه، وقد أخرج ابنُ ماجه عن أنس عن رسول الله وَله
أنه قال: ((مَن قَطعَ ميراثاً فَرَضَهُ الله ورسوله قَطَعَ الله ميراثه من الجنة)(٢) .
وأخرج ابن منصور عن سليمان بن موسى (٣)، والبيهقيُّ عن أبي هريرة نحو
ذلك (٤)
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود: أنَّ الساعة لا تقوم حتى لا يُقْسَمَ ميراثٌ
ولا يُفْرَحَ بغنيمة عدو(٥). وكأنَّ عدمَ القِسْمة إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة
وكثرةِ الظلم بين الناس، وإما لفشوِّ الجهل وعدمٍ مَن يعرف الفرائض، فقد ورد عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ عِلْمَ الفرائض أولُ ما يُنزع من الأمة))(٦).
(١) في البحر ١٩٢/٣، والمعترض هو الزمخشري في الكشاف ١/ ٥١١.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٧٠٣)، وإسناده ضعيف، كما قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٤١/٣ .
(٣) سنن سعيد بن منصور (٢٨٥) وهو حديث مرسل.
(٤) شعب الإيمان (٧٩٦٥).
(٥) المستدرك ٤٧٦/٤-٤٧٧، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٦٤٣)، ومسلم (٢٨٩٩).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٩)، والحاكم ٣٣٢/٤، وابن الجوزي في العلل ١/ ١٣٧ وقال:
لا يصح. وقال الحافظ في التلخيص الحبير ٧٩/٣ مداره على حفص بن عمر وهو متروك.

سُورَة الشَحَّةِ
٣٧٦
الآية : ١٥
عنه قال: قال رسول الله وَلّى:
وأخرج البيهقيُّ والحاكمُ عن ابن مسعود
((تعلَّموا الفرائض وعلِّموها الناس، فإني امرؤٌ مقبوض، وإنَّ العلم سيُقبض، وتظهر
الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان مَن يقضي بها)» (١) ولعلَّ الاحتمالَ
الأولَ أظهر.
هذا، وقد سَدَدنا باب الإشارة في هذه(٢) الآيات؛ لِمَا في فتحه من مزيد(٣)
التكلف، وقد ترکناه لأهله.
﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَابِكُمْ﴾ شروعٌ في بيان بعض الأحكام المتعلّقة
بالرجال والنساء، إثر بيان أحكام المواريث، و((اللاتي)) جمع ((التي)) على غير
قياس، وقيل: هي صيغةٌ موضوعةٌ للجَمْع، وموضِعُها رَفْعٌ على الابتداء.
والفاحشة: ما اشتدَّ قبحه، واستعملت كثيراً في الزنى؛ لأنه من أقبح القبائح، وهو
المراد هنا على الصحيح.
والإتيان في الأصل: المجيء، وفي ((الصحاح))(٤): يقال: أَتَيَّتُهُ أَتْياً؛ قال الشاعر:
فاختر لنفسك قَبْلَ أَتْي العَسْكَرِ (٥)
وأَتَوْتُهُ أَتْوَةً لغةٌ فيه، ومنه قولُ الهذليّ:
كنتُ إذا أَتَوْتُهُ مِن غَيبٍ(٦)
(١) سنن البيهقي ٢٠٨/٦، والمستدرك ٣٣٣/٤، وأخرجه الترمذي (٢٠٩١) ولم يسق لفظه،
وأخرجه أيضاً (٢٠٩١) من حديث أبي هريرة ﴿ه. وفي إسناديهما عوف الأعرابي، قال
الحافظ في الفتح ٥/١٢: رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافاً
كثيراً، فقال الترمذي: إنه مضطرب. والاختلاف عليه أنه جاء عنه من طريق ابن مسعود،
وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضاً اختلاف.
(٢) قوله: هذه. ليس في (م).
(٣) قوله: مزيد. ليس في (م).
(٤) مادة (أتا).
(٥) عجز بيت ليزيد بن معاوية، وهو في الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري ص ١٩٣،
وفيه: فاحتل. بدل: فاختر، وصدره: كيف النجاة أبا خبيب منهم.
(٦) عجز بيت لخالد بن زهير الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٦٥/١، والخزانة ٨٤/٥،
وصدره: يا قوم ما بال أبي ذؤيب.

الآية : ١٥
٣٧٧
سُورَةُ الشَّكَاةِ
وفي ((القاموس)) أَتَوْتُهُ: أتوة (١) وأَتَيْتُهُ أَتْياً وإتياناً وإتيانةً، بكسرهما، ومأتاةً
وأُنِيّاً، كَعُتِيٍّ، ويُكْسَرُ: جِثْتُهُ.
وقد يُعبَّر به كالمجيء والرَّهَق والغشي عن الفعل، وشاع ذلك حتى صار حقيقةً
عُرفيةً، وهو المراد هنا، فالمعنى: يفعلنَ الزنا، أي: يزنين، والتعبير بذلك لمزيد
التهجين. وقرأ ابن مسعود: ((يأتين بالفاحشة))(٢)، فالإتيان على أصله المشهور.
و((من)) متعلِّقةٌ بمحذوف وَقَعَ حالاً من فاعل ((يأتين)).
والمراد من النساء كما قال السُّدِّيُّ، وأخرجه عنه ابن جرير(٣): النساءُ اللاتي
قد أُنکحنَ وأُخصِنَّ. ومثله عن ابن جبير .
﴿فَاسْتَشِْدُوا﴾ أي: فاطلبوا أن يَشهد ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ بإتيانهنَّ الفاحشةَ ﴿أَرْبَعَةً
مِّنكُمْ﴾ أي: أربعةً من رجال المؤمنين وأحرارهم، قال الزهريُّ: مَضَت السُّنَّةُ من
رسول الله ◌َ﴿ والخليفتين بعده أن لا تُقبلَ شهادةُ النساء في الحدود.
واشتُرط الأربعةُ في الزنى تغليظاً على المدَّعي وسَتْراً على العباد، وقيل: ليقومَ
نصابُ الشهادة كاملاً على كلِّ واحدٍ من الزانيين، كسائر الحقوق، ولا يخفى
ضَعفُهُ.
والجملةُ خبرُ المبتدأ، والفاءُ مزيدةٌ فيه لِتَضَمُّنِ معنى الشرط، وجاز الإخبار
بذلك لأنَّ الكلامَ صارَ في حُكْم الشرط، حيث وُصلت (اللاتي)) بالفعل. قاله
أبو البقاء، وذَكَرَ أنه إذا كان كذلك، لم يَحْسُنِ النَّصْبُ على الاشتغال؛ لأنَّ تقديرَ
الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلَةِ يحتاجُ إلى إضمارٍ فعلٍ غير
((فاستشهدوا)) لأنه لا يصحُّ أن يعمل النصب في ((اللاتي))، وذلك لا يُحتاج إليه مع
صحة الابتداء.
وأجاز قومُ النَّصْبَ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُهُ: اقصدوا اللاتي، أو تعمَّدوا. وقيل:
الخبرُ محذوفٌ، والتقديرُ: فيما يُتلی علیکم حكمُ اللاتي، فالجارُّ والمجرورُ هو
(١) قوله: أتوة، ليس في القاموس، وإنما فيه: أتوته: أتيته، وذكره صاحب التاج في
استدراكاته، فقال: ومما يستدرك عليه: أتوته أتوة واحدة.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٥٨/١، والكشاف ٥١١/١، والمحرر الوجيز ٢١/٢.
(٣) في تفسيره ٦/ ٤٩٥.

سُورَةُ المَشَحَاءِ
٣٧٨
الآية : ١٥
الخبر، و(حُكْمُ)) هو المبتدأ، فَحُذِفًا لدلالة ((فاستشهدوا)) لأنه الحكمُ المتلوُّ
عليهم(١). والخطابُ قيل: للحكّام، وقيل: للأزواج.
﴿فَإِن شَهِدُوا﴾ عليهنَّ بالإتيان ﴿فَأَمْسِكُهُنَ﴾ أي: فاحبسوهنَّ عقوبةً لهنَّ ﴿فِى
الْبُيُوتِ﴾ واجعلوها سجناً عليهنَّ ﴿حَّ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ﴾ المراد بالتَّوَنِّي أصلُ معناه،
أي: الاستيفاء، وهو القبض، تقول: توفَّيتُ مالي على فلانٍ واستوفيته، إذا قبضته.
وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخصٍ يفعل ذلك، فهناك استعارةٌ بالكناية،
والكلامُ على حذف مضاف، والمعنى: حتى يقبض أرواحهنَّ الموتُ.
ولا يجوز أن يُراد من التَّوَفِّي معناه المشهور؛ إذ يصيرُ الكلامُ بمنزلة: حتى
يُميتهنَّ الموت. ولا معنى له إلا أن يُقدَّر مضافٌ يُسنَدُ إليه الفعل، أي: ملائكةٌ
الموت، أو يُجعلَ الإسنادُ مجازاً من إسناد ما للفاعل الحقيقيِّ إلى أثرٍ فِعْلِهِ.
﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾﴾ أي: مخرجاً من الحبس بما يَشْرعُه من الحدِّ
لهنَّ، قاله ابن جبير. وأخرج الإمامان الشافعيُّ وأحمد وغيرهما عن عبادة بن
الصامت قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا نزل عليه الوحيُّ كُرِبَ لذلك واربدً وجهه - وفي
لفظٍ لابن جرير: يأخذه كهيئة الغَشْي؛ لِمَا يجدُ من ثِقِلٍ ذلك - فأُنزل عليه ذاتَ يوم،
فلمَّا سُرِّيَ عنه قال: ((خذوا عنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً، الثَّيِّبُ جلدُ مئةٍ وَرِجْمٌ
بالحجارة، والبِكْرُ جلدُ مئٍ ثم نفي سنة))(٢).
وروى ابن أبي حاتم (٣) عن ابن جبير أنه قال: كانت المرأةُ أولَ الإسلام إذا
شَهِدَ عليها أربعةٌ من المسلمين عدولٌ بالزنا، حُبِسَتْ في السجن، فإن كان لها زوجٌ
أَخَذَ المهرَ منها، ولكنه يُنفقُ عليها من غير طلاق، وليس عليها حَدٌّ، ولا يجامعها.
وروى ابنُ جرير(٤) عن السُّدِّيِّ: كانت المرأة في بَدْءِ الإسلام إذا زنتْ حُبست
في البيت، وأَخَذَ زوجُها مهرَها، حتى جاءتِ الحدودُ فنسختها .
(١) الإملاء: ٢٠٧/٢-٢٠٨.
(٢) الأم ٧٦/٧، ومسند أحمد (٢٢٧١٥)، وتفسير الطبري ٤٩٧/٦-٤٩٨، هو عند مسلم
(١٦٩٠): (١٣) ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٢٩/٢.
(٣) في تفسيره ٨٩٣/٣.
(٤) في تفسيره ٦/ ٤٩٥.
١

الآية : ١٦
٣٧٩
سُورَةُ المِسَاءِ
وحكايةُ النسخ قد وردتْ في غير ما طريقٍ عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ وقتادةً،
ورُويت عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ها، والناسخُ عند بعضٍ آيَةُ الجلد، على ما في
سورة النور(١)، وعند آخرين أنَّ آيَةَ الحَبْس نُسخت بالحديث، والحديثُ منسوخٌ بآية
الجلد، وآيةُ الجلد بدلائل الرَّجْم.
وقال الزمخشريُّ: من الجائز أن لا تكون الآيةُ منسوخةً، بأن يُترَكَ ذِكْرُ الحدِّ
لكونه معلوماً بالكتاب والسنَّة، ويُوصَى بإمساكهنَّ في البيوت بعد أن يُحْدَدْنَ صيانةً
لهنَّ عن مِثْلِ ما جرى عليهنَّ بسبب الخروج من البيوت والتعرُّض للرجال، ويكونُ
السبيلُ على هذا النكاحَ المغني عن السِّفاح(٢).
وقال الشيخ أبو سليمان الخطّابيُّ في ((معالم السنن)): إنه لم يحصل النسخُ في
الآية ولا في الحديث، وذلك أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ إمساكهنَّ في البيوت ممدودٌ إلى
غايةٍ أن يجعل الله تعالى لهنَّ سبيلاً، ثم إنَّ ذلك السبيلَ كان مُجمَلاً، فلمَّا قال ◌َّ:
((خذوا عنّي)) إلى آخر ما في الحديث، صار ذلك بياناً لما في تلك الآية، لا ناسخاً
له، وصار مخصِّصاً لعموم آية الجلد(٣). وقد تقدَّم لك في سورة البقرة(٤) ما ينفعك
في تحقيق هذا المقام، فتذگَّره.
﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾ هما الزاني والزانية بطريق التغليب. قاله السُّدِّيُّ
وابنُ زيدٍ وابن جبير، أراد بهما البِكران اللذان لم يُحْصَنا، ويُؤيِّدُ ذلك كونُ
عقوبتهما أخفّ من الحبس المخلّد، وبذلك يندفعُ التكرار، لكن يبقى حُكْمُ الزاني
المُحصَنُ غیرُ ظاهر.
وقرأ ابن كثير: ((واللَّذانٌ)) بتشديد النون(٥)، وهي لغةٌ، وليس مخصوصاً بالألف
كما قيل، بل يكون مع الياء أيضاً، وهو عِوَضٌ عن ياءِ ((الذي)) المحذوف؛ إذ
قياسه: ((اللَّذَيَانِ))، والتقاءُ الساكنين هنا على حَدِّه، كما في دابَّة وشابَّة.
(١) وهي قوله تعالى: ﴿الزَِّيَةُ وَالزَِّى فَاْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً جَدَّةٍ﴾ الآية [النور: ٢].
(٢) الكشاف ١/ ٥١١.
(٣) بنحوه في معالم السنن ٣١٦/٣.
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [الآية: ١٠٦].
(٥) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٣٨٠
الآية : ١٦
﴿فَكَاذُوهُمَّا﴾ أي: بعد استشهاد أربعة شهودٍ عليهما بالإتيان، وتُرك ذِكْرُ ذلك
تعويلاً على ما ذُكر آنفاً .
واختلف في الإيذاء على قولين؛ فعن ابن عباسٍ أنه بالتعبير والضَّرْب بالنعال،
وعن السُّدِّيِّ وقتادة ومجاهد أنه بالتغيير والتوبيخ فقط.
﴿فَإِن تَابًا﴾ عمَّا فعلا من الفاحشة بسبب الإيذاء، كما ينبئُ عنه الفاء
﴿وَأَصْلَحَا﴾ أي: العمل ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ أي: اصفحوا عنهما، وكُقُّوا عن أذاهما.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ مبالغاً في قبول التوبة ﴿رَّحِيمًا ﴾﴾ واسعَ الرحمة.
والجملةُ في مَعرِضِ التعليل للأمر بالإعراض.
والخطابُ هنا للحُكَّام. وجُوِّز أن يكون للشهود الواقفين على فعلتهما، ويُراد
بالإيذاء ذمُّهما وتعنيفهما، وتهديدهما بالرفع إلى القضاة، والجرِّ إلى الولاة، وفتح
باب الشَّرِّ عليهما، وبالإعراض عنهما تَرْكُ التعرُّض لهما بذلك.
والوجه الأول هو المشهور، والحكم عليه منسوخٌ بالحدِّ المفروض في سورة
النور أيضاً عند الحسن وقتادة والسُّدِّيِّ والضحاك وابن جبير وغيرهم، وإلى ذلك
ذهب البلخيُّ والجُبَّائيُّ والطبريُّ، وقال الفرَّاء: إنَّ هذه الآيةَ نَسختِ الآيةَ التي
قَبْلَها(١). وهذا مما لا يتمشَى على القول بأنَّ المرادَ بالموصول البِكْرَان
كما لا يخفى.
وذهب أبو مسلم إلى أنه لا نَسْخَ لِحُكْمِ الآيتين، بلِ الآيةُ الأولى في
السحاقات، وهُنَّ النساء اللاتي يستمتع بعضُهنَّ ببعض، وَحَدُّهُنَّ الحبس، والآيةُ
الثانية في اللَّائِطَين، وحَدُّهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور.
وزُيِّفَ هذا القول بأنه لم يقلْ به أحدٌ، وبأنَّ الصحابةَ ﴿ه اختلفوا في حكم
الُّوطيِّ، ولم يتمسَّك أحدٌ منهم بهذه الآية، وعدمُ تمسُّكهم بها مع شدَّة احتياجهم
إلى نصّ يدلُّ على الحُكْم دليلٌ على أنَّ الآيةَ ليستْ في ذلك، وأيضاً جَعْلُ الحبس
في البيت عقوبةَ السِّحاق مما لا معنى له؛ لأنه مما لا يتوقَّف على الخروج كالزنى،
(١) معاني القرآن للفراء ٢٥٩/١.