Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ٤ ٣٠١ سُورَةُ السَكَاءِ وانتصابهما - كما قال الزمخشريُّ - على أنهما صفتان للمصدر، أي: أَكْلاً هنيئاً مريئاً. ووصف المصدر بهما - كما قال السَّعْد - على الإسناد المجازي؛ إذ الهنيءُ حقيقةً هو المأكول. أو على أنهما حالان من الضمير المنصوب، أي: كلوه وهو هنيٌ مريٌ. وقد يوقَف على ((كلوه)) ويُبتدأ ((هنيئاً مريئاً)) على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أُقيمتا مُقام المصدرين، كأنه قيل: هَنْأَ مَرْأً(١). وأُورد على ذلك - مع أنَّ الدعاءَ لا يكون من الله تعالى حتى أَوَّلوه - أنه تحريفٌ لكلام النحاة ومخالفةٌ لهم، فإنهم يجعلون انتصابَ ((هنيئاً)) على الحال، و((مريئاً)) إما على الحال، وإما على الوصف. ويدلُّ على فساد ما خرَّجه الزمخشريُّ، وصحةٍ قولِ النُّحاة، ارتفاعُ الأسماء الظاهرة بعد ((هنيئاً مريئاً)) ولو كانا منتصبين انتصابَ المصادر المراد بها الدعاء، لما جاز ذلك فيها، كما لا يجوز أن يقال في سُقياً لك ورَعْياً: سُقياً الله تعالى لك ورَغْياً الله لك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله، والدليل على جواز رَفْعِ الأسماء الظاهرة بعدهما قول كُثِر: هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ لِعَزَّةَ من أعراضنا ما استحلَّتٍ (٢) فإنَّ ((ما)) مرفوعةٌ بما تقدَّم من ((هنيئاً)) أو ((مريئاً)) على طريق الإعمال، وجاز الإعمالُ في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابطٌ عَظْفٍ؛ لكون ((مريئاً)) في الغالب لا يُستعمل إلا تابعاً لـ ((هينئاً))(٣)، فصارا كأنهما مرتبطان لذلك. ورُدَّ بأنَّ سيبويه قال: هنيئاً مريئاً صفتان، نَصْبُهما نَصْبُ المصادر المدعُوِّ بها بالفعل غيرِ المستعمل إظهارُه، المختَزَلِ لدلالة الكلام عليه (٤). (١) الكشاف ٤٩٩/١. (٢) ديوان كثير ص ٧٨، والبحر ١٦٨/٣، والكلام منه. (٣) في هامش الأصل و(م): ومن غير الغالب قوله ﴿ في حديث الاستسقاء: ((اسقنا غيثاً مریئاً)). اهـ منه. (٤) الكلام بنحوه في الكتاب ٣١٦/١-٣١٧، وبلفظه في الدر المصون ٥٧٧/٣، وحاشية الشهاب ١٠٤/٣-١٠٥ وعنه نقل المصنف. الآية : ٤ ٣٠٢ سُورَةُ النِّسَاءِ وفيه أنه ليس بنصٍّ فيما ذهب إليه الزمخشريُّ؛ لاحتمال أنه أَراد أنهما صفتان منصوبان على الحالية، والعامل فيهما فِعلٌ محذوفٌ يدلُّ الكلام عليه، كالمصادر المدعوِّ بها في أنها معمولةٌ لفعلٍ محذوفٍ يدلُّ الكلام عليه، ويؤيد ذلك أنه قال بعد ذلك: كأنهم قالوا: ثبتَ ذلك هينئاً، فإنَّ هذا مما يقال على تقدير إقامتهما مقام المصدر. ومن هنا قال السفاقسيُّ: إنَّ مذهبَ سيبويه والجماعةِ أنهما حالٌ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ محذوفٍ وجوباً لقيامهما مقامه؛ كقولك: أقائماً وقد قعد الناس، واعترض بهذا على ما تقدَّم من احتمال جعلهما حالاً من الضمير المنصوب في ((كلوه))، إذ عليه يكونان من جملةٍ أخرى لا تعلّق لهما بـ ((كلوا)) من حيث الإعراب. واعترض أيضاً على الاستدلال بالبيت على رَفْع الظاهر بهما بأنه لا يتمُّ؛ لجواز أن تكون (ما)) مرفوعةً بالابتداء و((لعزة)» خبره، أو مرفوعةٌ بفعلٍ مقدَّر. وكيفما كان الأمر، يكون قوله سبحانه ذلك عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. وفي كتاب العيَّاشي(١) من الإمامية مرفوعاً إلى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: أنه جاءه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ في بطني وَجَعاً. فقال: أَلك زوجة؟ قال: نعم. قال: استَوْهِبْ منها شيئاً طيِّةً به نفسُها من مالها، ثم اشترِ به عسلاً، ثم اسكبْ عليه من ماء السماء، ثم اشربه، فإني سمعتُ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَآِ مَآءَ مُبَّكً﴾ [ق: ٩] وقال تعالى: ﴿يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسُِ﴾ [النحل: ٦٩] وقال عز شأنه: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسَا فَكُوهُ هَنِّيْئًا فَّيْئًا﴾ فإذا اجتمعت البركةُ والشفاءُ والهنيُ والمريءُ، شُفيتَ إن شاء الله تعالى. ففعل الرجلُ ذلك فشُفي. وأخرج عبد بن حميد(٢) وغيرُه من أصحابنا عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه (١) هو محمد بن مسعود العياشي، من أهل سمرقند، له ما يزيد على مئتي كتاب، توفي نحو سنة (٣٢٠هـ). الفهرست لابن النديم ص ٢٤٤. (٢) كما في الدر المنثور ١٢٠/٢، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم ٨٦٢/٣، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ١٧٠. الآية : ٥ ٣٠٣ سُورَةُ الَسَكَّةِ ما يقرب من هذا بلفظ: إذا اشتكى أحدُكم، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها، فليشتر بها عَسَلاً، وليأخذْ من ماء السماء، فيجمع هنيئاً مريئاً، وشفاءً ومباركاً . وأخرج ابن جرير(١) عن حَضْرَميِّ أنَّ أناساً كانوا يتأثَّمون أن يرجع أحدُهم في شيءٍ مما ساقه إلى امرأته. فنزلت هذه الآية. وفيها دليلٌ على ضِيْقِ المسلكِ في ذلك ووجوبِ الاحتياط، حيث بُني الشرط على طِيْبِ النفس، وقلَّما يتحقَّق، ولهذا كتب عمر ظُّه إلى قُضاته: أنَّ النساء تُعطِينَ رغبةً ورهبةً، فأيُّما امرأةٍ أعطتْ ثم أرادت أن ترجع، فذلك لها(٢). وحكى الشعبيُّ أنَّ رجلاً أتى مع امرأته شُريحاً في عَطيةٍ أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شُريح: رُدَّها عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ﴾ قال: لو طابتْ نفسُها عنه، لما رجعتْ فيه(٣). وعنه: أُقِيلُها فيما وَهَبَتْ ولا أُقيله؛ لأنهنَّ يُخدعن(٤). والذي عليه الحنفيُّون: أنَّ الزوجة إذا وهبتْ شيئاً للزوج ليس لها الرجوع فيه. بل ذكر ابنُ هُبيرةَ اتَّفاقَ الأئمة الأربعة على أنه ليس لأحدٍ من الزوجين الرجوعُ فيما وَهَبَ لصاحبه(٥). ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَةَ أَمْوَلَكُمُ﴾ رجوعٌ إلى بيانِ بقية الأحكام المتعلّقةِ بأموال اليتامى، وتفصيلٍ ما أجمل فيما سبق من شرط إيتائها وكيفيته؛ إثر بيان الأحكام المتعلّقة بالأنفس أعني: النكاح، وبيانِ بعض الحقوق المتعلّقة بالأجنبيات من حيثُ النفس ومن حيثُ المال استطراداً؛ إذ الخطاب - كما يدلُّ عليه كلام عكرمة - للأولياء، وصرَّح هو وابنُ جبيرٍ بأنَّ المراد من ((السُّفهاء)» التيامى، ومن (أموالكم)): أموالهم، وإنما أُضيفت إلى ضمير الأولياء المخاطبين تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلةً اختصاصها بهم، فكأنَّ أموالَهم عينُ أموالهم، لما بينهم (١) في تفسيره ٦/ ٣٨٤. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٥٦٢)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٩١. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٩٢ عن ابن سيرين. (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٦٥٥٨) دون قوله: لأنهن يخدعن. (٥) الإفصاح عن معاني الصحاح ص ٢٣٨ . سُورَةُ المِسْكَاةِ ٣٠٤ الآية : ٥ وبينهم من الاتِّحاد الجنسيِّ والنَّسَبي، مبالغةً في حَمْلهم على المحافظة عليها، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فإنَّ المرادَ: لا يقتلْ بعضكم بعضاً، إلا أنه عبّر عن نوعهم بأنفسهم مبالغةً في الزَّجْر عن القتل، حتى كأنَّ قَتْلهم قتلُ أنفسِهم، وقد أُيِّدَ ذلك بما دلَّ عليه قوله سبحانه: ﴿أَلَّى جَعَلَ اللَّهُ لُمـ قِيًَّا﴾ حيث عبّر عن جَعْلِها مناطاً لمعاش أصحابها، بجَعْلِها مناطاً لمعاش الأولياء. ومفعول ((جعل)) الأول محذوفٌ، وهو ضمير الأموال، والمراد من القيام: ما به القيام والتعيُّش، والتعبير بذلك زيادة في المبالغة، وهو المفعول الثاني لـ ((جعل))، وقد جُوِّز أن يكون المحذوفُ وحدَهُ مفعولاً، وهذا حالاً منه. وقيل: إنما أُضيفتِ الأموالُ إلى ضمير الأولياء؛ نظراً إلى كونها تحت ولا یتهم. واعتُرض بأنه وإن كان صحيحاً في نفسه لأنَّ الإضافة لأدنى ملابسةٍ ثابتةٌ في كلامهم كما في قوله : إذا كوكبُ الخَرْقاء لاحَ بِسُخْرَةٍ سُهيلٌ أذاعتْ غَزْلَها في القرائبِ(١) إلا أنه غيرُ مصحِّح لاقِّصاف الأموال بما بعدها من الصفة. وقيل: إنما أضيفت إلى ضميرهم؛ لأنَّ المراد بالمال جنسُهُ مما يتعيَّش الناسُ به، ونسبتُهُ إلى كلِّ أحدٍ كنسبته إلى الآخر؛ لعموم النسبة، والمخصوصُ بواحدٍ دون واحدٍ شخصُ المال، فجاز أن يُنسَبَ حقيقةً إلى الأولياء كما يُنسبُ إلى المأَّاك، ويؤيدُ ذلك وصفُهُ بما لا يختصُّ بمالٍ دون مال. واعتُرض بأنَّ ذلك بمَعْزلٍ عن حَمْل الأولياء على المحافظة المذكورة، كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست مختصَّةً بما بين أموال اليتامى وأموال الأولياء، بل هي متحقِّقٌ بين أموالهم وأموال الأجانب، فإذن لا وجه لاعتبارها أصلاً. (١) البيت في الخزانة ١١٢/٣، وزهر الأكم ١٨٨/٢ لليوسي، وفيه: يريد أن المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف، بل تتمادى على التسويف والتفريط، حتى إذا طلع سهيل - وذلك حين يُقبل البرد - قامت إلى قرائبها لِيُعِنَّها، وجعلت تفرِّق بينهن غزلها. اهـ. وسهيلٌ بالرفع عطفُ بيان لكوكب الخرقاء. الآية : ٥ ٣٠٥ سُورَةُ النَّسَاءِ وروي أنه سئل الصادقُ عَ لَّه عن هذه الإضافة، وقيل له: كيف كانت أموالُهم أموالَنا؟ فقال: إذ(١) كنتم وارثين لهم. وفيه احتمالان: أحدهما: أنه إشارةٌ إلى ما ذكرناه أولاً في توجيه الإضافة، وثانيهما: أنَّ ذلك من مجاز الأَوْل(٢)، ويَرِدُ عليه حينئذ بعد القول بكذب نسبته إلى الصادق وظُبه، أنَّ الأول غيرُ متحقِّقٍ، بل العادةُ في الغالب على خلافه، والحمل على التفاؤل مما يتشاءم منه الذوقُ السليم. وذكر العلّامة الطيبيُّ أنه إنما أُضيف الأموال إلى اليتامى في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَ أَوَّْ﴾ ولم يُضِفهُ إليهم هنا، مع أنَّ الأموال في الصورتين لهم؛ ليُؤذِنَ بترتُّب الحُكم على الوصف فیهما، فإنَّ تسمیتھم یتامی هناك [وإن لم یکونوا کذلك] یناسبُ قَطْعَ الطَّمع، فيُفيد المبالغةَ في ردِّ الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال: أموالهم، وأما الوصف هنا فهو السَّفاهة، فناسَبَ أن لا يختصُّوا بشيءٍ من المالكية، لئلا يتورَّطوا في الأموال، فلذلك لم يُضِفْ أموالَهم إليهم، وأضافَها إلى الأولياء(٣). انتهى. ولا يخفى أنه بيانٌ للعِلَّة المرجِّحة لإضافة الأموال لمن ذُكر، وينبغي أن تكونَ العِلَّةُ المصحِّحة، ما مرَّ آنفاً . ثم وَصْفُ اليتامى بأنهم سُفهاء باعتبار خِفَّة أحلامهم واضطراب آرائهم، لِمَا فيهم من الصِّغَر وعدم التدرُّب. وأصل السَّفَه: الخِفَّةُ والحركة، يقال: تسفَّهتٍ الريحُ الشَّجَر، أي: مالَتْ به، قال ذو الرُّمَّة: جَرَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسفَّهتْ أَعاليَها مَرُّ الرياح النواسم(٤) وقال أيضاً: على ظهر مِقلاتٍ سَفيهٍ جديلُها(٥) (١) في الأصل: إذا. (٢) هو تسمية الشيء بما يؤول إليه، كتسمية العنب خمراً. الكليات ص٣٠٣. (٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وما بين حاصرتين منه. (٤) ديوان ذي الرمة ٢/ ٧٥٤ . (٥) وصدره: وأبيضَ مَوْشيٌّ القميص نصبتُه، وهو في الديوان ٩٢٢/٢، وفيه: على خصر مقلات ... ، قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: وأبيض، يعني سيفاً. نصبته على خصر مقلات، يعني على خصر ناقة لا يعيش لها ولد، فهو أصلب لها . سُورَةُ السَّلة ٣٠٦ الآية : ٥ يعني: خفيف زمامُها، ولكون هذا الوصف مما ينشأ منه تبذير المال وتلفُه المُخِلُّ بحال اليتيم ناسبَ أن يُجعَل مناطاً لهذا الحكم، وقد فُسِّر السُّفهاءُ بالمبذِّرين بالفعل من الیتامی؟ وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب الكثير من المتأخّرين. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، أنَّ المراد بالسفهاء: النساء والصبيان(١). والخطابُ لكلِّ أحدٍ كائناً مَن كان، والمراد نهيه عن إيتاء مالِهِ مَنْ لا رُشْدَ له من هؤلاء. وقيل: إنَّ المراد بهم النساء خاصَّة. وروي عن مجاهد وابن عمر (٢). وروي(٣) عن أنس بن مالك أنه قال: جاءت امرأةٌ سوداء جَريَّة المنطق ذات مِلَحٍ إلى رسول الله بِّهِ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قل فينا خيراً مرَّةً واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كلَّ شرِّ. قال: ((أيُّ شيءٍ قلتُ فيكنَّ؟)) قالت: سَمَّيتنا السفهاء، فقال: ((الله تعالى سمَّاكُنَّ السفهاءَ في كتابه)) قالت: وسمَّیتنا النواقص، فقال: ((كفى نقصاناً أن تَدَعْنَ من كلِّ شهرٍ خمسةَ أيام لا تُصلِّينَ فيها)) ثم قال: ((أما يكفي إحداكنَّ أنها إذا حملتْ كان لها كأجر المرابط في سبيل الله تعالى، وإذا وضعتْ كانت كالمشتخِّط في دمه في سبيل الله تعالى، فإذا أرضعت كان لها بكلِّ جرعةٍ كعتق رقبةٍ من ولد إسماعيل، فإذا سهرتْ كان لها بكلِّ سَهْرةٍ تسهرها كعتق رقبةٍ من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات، اللاتي لا يَكْفُرْنَ العَشير)) فقالت السوداء: يا له من فَضْلٍ لولا ما يتبعه من الشَّرْط. وقيل: إنَّ السفهاء عامٌّ في كلِّ سفيهٍ من صبيٍّ أو مجنونٍ أو محجورٍ عليه للتبذير، وقريبٌ منه ما روي عن أبي عبد الله ظبه أنه قال: إنَّ السفيه شاربُ الخمر ومَن يَجري مجراه(٤). وجَعَل الخطاب عامًّا أيضاً للأولياء وسائر الناس. (١) أخرجه عن ابن عباس الطبري ٣٩١/٦، وعن ابن مسعود ابن المنذر كما في الدر المنثور ١٢٠/٢. (٢) أخرج القولين الطبريُّ ٦/ ٣٩٣-٣٩٤. (٣) في هامش الأصل و(م): ذكر ذلك الطبرسي، ولي في صحته شك. اهـ. وهو في مجمع البيان ٤/ ٢٠. (٤) مجمع البيان ٤/ ٢٠ . الآية : ٥ ٣٠٧ سُورَةُ السَّةِ والإضافة في ((أموالكم)) لا تفيد إلا الاختصاص، وهو شاملٌ لاختصاص الملكية واختصاص التصرف. وأُيِّدَ ما ذهب إليه الكثيرُ بأنه الملائم للآيات المتقدِّمة والمتأخّرة، ومَنْ ذهب إلى غيره جَعَلَ ذِكْرَ هذا الحكم استطراداً، وكونُ ذلك مخلًا بجزالة النَّظْم الكريم محلٌّ تأمُّلٍ . وقرأ نافع وابن عامر: ((قِيَماً)) بغير ألف(١)، وفيه - كما قال أبو البقاء(٢) - ثلاثةُ أَوْجُهِ: أحدهما: أنه مصدرٌ مِثْلُ الحِوَل والعِوَض، وكان القياس أن تُثْبَتَ الواو لتحصُّنها بتوسُّطها، كما صحّت في ((العِوَض)) و((الحِوَل))، لكن أبدلوها ياءً حَمْلاً على ((قيام))، وعلى اعتلالها في الفعل. والثاني: أنها جَمْعُ قيمة؛ كدِيْمة ودِيَم، والمعنى: إنَّ الأموال كالقِيَم للنفوس؛ إذ كان بقاؤها بها، وقال أبو عليٍّ: هذا لا يصحُّ لأنه قد قرئ في قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقوله سبحانه: ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا﴾ مائدة: ٩٧] ولا يصحُّ معنى القيامة فيهما(٣). والثالث: أن يكون الأصلُ: قياماً، فحُذفتِ الألفُ كما حُذفت في ((خِيَم)). وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وجَعَلَ ذلك مثل: عِوَذاً وعِياذاً . وقرأ ابن عمر: ((قواماً)) بكسر القاف وبواو وألف(٤)، وفيه وجهان: الأول: أنه مصدرُ: قاومتُ قِواماً، مثل: لاوَذْتُ لِواذاً، فصحَّتْ في المصدر كما صحَّتْ في الفعل. (١) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٧/٢. (٢) في الإملاء ٢/ ١٩٠-١٩١. (٣) الحجة للفارسي ١٣٠/٣-١٣٣، ونقله المصنف عن الإملاء ١٩١/٢. قال السمين في الدر ٥٨٢/٣: وقد ردَّ عليه الناس بأنه لا يلزم من عدم صحة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه هنا لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٤، والإملاء ٢/ ١٩٢، والكلام منه. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣٠٨ الآية : ٥ والثاني: أنه اسمٌ لِمَا يقوم به الأمر، وليس بمصدر. وقُرىء كذلك إلا أنه بغير ألف، وهو مصدرٌ صحَّت عينُه وجاءت على الأصل كالعِوَض(١). وقُرئ بفتح القاف وواو وألف(٢)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسمُ مصدرٍ مثلُ السلام والكلام والدَّوام. وثانيهما: أنه لغةٌ في القَوام الذي هو بمعنى القامة، يقال: جاريةٌ حَسَنةُ القِوام والقَوام، والمعنى: التي جعلها الله تعالى سببَ بقاءِ قامَتكم. وعلى سائر القراءات في الآية إشارةٌ إلى مَدْح الأموال، وكان السَّلَف يقولون: المال سلاحُ المؤمن، ولأَنْ أَتركَ مالاً يحاسبني الله تعالى عليه، خيرٌ من أن أحتاج إلى الناس. وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، لا تُؤْكَلُ ولا تُشْرَبُ، حيث قصدتَ بها قضيتَ حاجتك. وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حَمْداً ومَجْداً، فإنه لا حَمْدَ إلا بفعال، ولا مَجْدَ إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لِمَ تُحِبُّ الدراهم وهي تُذْنيكَ من الدنيا؟ فقال: هي وإنْ أدْنَتْني منها، فقد صانتني عنها . وفي منثور الحكم: مَنِ استغنى كَرُمَ على أهله. وفيه أيضاً: الفقر مخذلة، والغنى مجذلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة. وكانوا يقولون: انَّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمانٍ إذا احتاج أحدكم كان أوَّل ما يأكل دينه، وقال أبو العتاهية(٣): أَجَلَّكَ قومٌ حين صِرْتَ إلى الغِنى وكلُّ غنيٍّ في العيون جليلُ (١) الإملاء ٢/ ١٩٢. (٢) أي: ((قَواماً))، وهي في المحتسب ١٨٢/١، والإملاء ١٩٢/٢، والكلام منه. (٣) الأبيات في ديوانه ص ٣١٨. الآية : ٥ ٣٠٩ سُورَةُ السَّةِ إليه ومالَ الناسُ حيثُ يميلُ إذا مالَتِ الدنيا على المرء رغََّبَتْ عشيَّة يَقْرِي أو غداةً يُنيلُ وليس الغِنى إلا غِنّى زَيَّنَ الفتى وقد أكثرَ الناسُ في مَدْح المال واختلفوا في تفضيل الغِنَى والفقر، واستدلَّ كلٌّ على مُدَّعاه بما لا يتّسع له هذا المجال، ولشيخنا علاء الدين أعلى الله تعالى درجته في أعلی عِلِيِین: عنكَ - وأنت العَلَمُ - المالَ مالْ قالوا اغتنى ناسٌ وإنَّا نرى والفقرُ كلُّ الفقر فَقْدُ الكمالْ قلتُ غِنَى النفسِ كمالُ الغنى وله أيضاً : على كمالٍ نِلْتَ هذا المنالْ قالوا حوى المالَ رجالٌ وما وإنني حزْتُ جميعَ الكمالْ فقلتُ حازوا بعضَ أجزائه ﴿وَأَزْزُقُّوهُمْ فِهَا وَأَكْتُوهُمْ﴾ أي: اجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتهم بأن تتَّجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صُلْب المال؛ لئلّا يأكله الإنفاق، وهذا ما يقتضيه جَعْلُ الأموال نفسِها ظَرْفاً للرزق والكُسوة، ولو قيل: ((منها)) كان الإنفاقُ من نفس المال، وجَوَّز بعضُهم أن تكون ((في)) بمعنى (من)) التبعيضية. ﴿وَقُولُواْ لَزْ قَوْلًا مَؤُوفًا ﴾﴾ أي: كلاماً تطيبُ به نفوسهم، كأن يقول الوليُّ لليتيم: مالُكَ عندي وأنا أمينٌ عليه، فإذا بلغتَ ورَشَدْتَ، أَعطيتُكَ مالَكَ. وعن مجاهد وابن جُريح أنهما فسَّرا القولَ المعروفَ بِعِدَةٍ جميلةٍ في البرِّ والصّلة، وقال ابن عباس: هو مِثْل أن يقول: إذا ربحتُ في سفري هذا، فعلتُ بك ما أنت أَهلُه، وإِن غَنِمْتُ في غزايَ، جَعلتُ لك حظًا. وقال الزَّجَّاج(١): علِّموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمرَ دينهم، مما يتعلَّق بالعلم والعمل. وقال القفَّال: إن كان صبيًّا فالوصيُّ يُعرِّفه أنَّ المال ماله، وأنه إذا زال صِباه (١) في معاني القرآن ٢/ ١٤. الآية : ٦ ٣١٠ سُورَةُ المَسَنَّةِ يردُّ المال إليه، وإن كان سفيهاً وعَظَهُ وحَثَّه على الصلاة، وعرَّفه أنَّ عاقبةَ الإتلافِ فَقْرٌ واحتياج. وأخرج ابنُ جرير(١) عن ابن زيدٍ في الآية: إن كان ليس من وَلدكَ ولا ممَّن يجب عليك أن تُنفقَ عليه، فقلْ له: عافانا الله تعالى وإياك، بارك الله تعالى فيك. ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر، لِمَا أنه ظاهرٌ في أنَّ الخطاب في هذه الجملة لیس للأولیاء. وبالجملة: كلُّ ما سكنتْ إليه النفسُ لِحُسْنه شَرْعاً أو عقلاً من قولٍ أو عملٍ معروفٌ، وكلُّ ما أنكَرَتْهُ لقُبْحه شَرْعاً أو عقلاً مُنكَرٌ. قاله غيرُ واحد، وليس إشارةً إلى المذهبين في الحسن والقبح، هل هو شرعيٍّ أو عقليٍّ كما قيل؛ إذ لا خلافَ بيننا وبين القائلين بالحُسْن والقبح العقليين في الصفة الملائمة للغرض والمنافِرة له، وأنَّ منها ما مأخذُهُ العقل، وقد يَرِدُ به الشرع، وإنما الخلاف فيما يتعلقُ به المدحُ والذمُّ عاجلاً، والثوابُ والعقابُ آجلاً، هل هو مأخذه الشرع فقط أو العقل على ما حُفِّق في الأصول. ﴿وَبْلُواْ الْيَ﴾ شروعٌ في تعيينٍ وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيانِ شَرْطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء. قاله شيخ الإسلام(٢)، وهو ظاهرٌ على تقديرِ أن يُراد من السفهاء المبذِّرين بالفعل من اليتامى، وأما على تقدير أن يُراد بهم اليتامى مطلقاً، ووصفهم بالسَّفَه باعتبار ما أُشير إليه فيما مرَّ، ففيه نوعُ خفاء. وقيل: إنَّ هذا رجوعٌ إلى بيان الأحكام المتعلّقة بأموال اليتامى، لا شروعٌ، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما تقدَّم كان مذكوراً على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء. والابتلاء: الاختبار، أي: واختبروا مَنْ عندكم من اليتامى بتتبُّع أحوالهم في الاهتداء إلى ضَبْط الأموال، وحُسْن التصرُّف فيها، وجرِّبوهم بما يليق بحالهم. (١) في تفسيره ٦/ ٤٠٢ . (٢) أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٤٥ . الآية : ٦ ٣١١ سُؤَدَّةُ الشَّةِ والاقتصار على هذا الاهتداء رأيُ أبي حنيفة ◌َُّبه، والشافعيُّ رحمه الله تعالى يعتبر مع هذا أيضاً الصَّلاحَ في الدِّين، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، ونُسب إلى ابن عباس والحسن. واتفق الإمامان ﴿ها على أنَّ هذا الاختبارَ قبل البلوغ، وظاهرُ الكلام يشهد لهما؛ لِمَا تدلُّ عليه الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ. وفرَّع الإمام الأعظم على كون الاختبار قبلُ، أنَّ(١) تصرُّفات العاقل المميّز بإذن الوليِّ صحيحة؛ لأنَّ ذلك الاختبارَ إنما يحصل إذا أَذِنَ له في البيع والشراء مثلاً، وقال الشافعيُّ: الاختبار لا يقتضي الإذنَ في التصرُّف؛ لأنه يتوقَّف على دَفْع المال إلى اليتيم، وهو موقوفٌ على الشرطين وهما إنما يتحقَّقان بَعْدُ، بل يكون بدونه على حَسَب ما يليقُ بالحال، فَوَلَدُ التاجر مثلاً، يُختبَر في البيع والشراء إلى حيث يتوقَّفُ الأمر على العَقْد، وحينئذ يَعْقِدُ الوليُّ إن أَراد، وعلى هذا القياسُ. ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي: إذا بلغوا حدَّ البلوغ، وهو إما بالاحتلام، أو بالسِّنِّ، وهو خمسَ عَشْرةَ سنةً عند الشافعيِّ وأبي يوسف ومحمد، وهي روايةٌ عن أبي حنيفة، وعليها الفتوى عند الحنفية، لما أنَّ العادة الفاشية أنَّ الغلام والجارية يصلحان للنكاح وثمرته في هذه المدَّة، ولا يتأخّران عنها، والاستدلال بما أخرجه البيهقيُّ في ((الخلافيات)) من حديث أنس: (إذا استكمل المولودُ خمسَ عَشْرةَ سنة، كُتب ما لَه وما عليه، وأُقيمت عليه الحدود)) ضعيفٌ؛ لأنَّ البيهقيَّ نفسه صرَّح بأنَّ إسنادَ الحديث ضعيف(٢). وشاع عن الإمام الأعظم أنَّ السِّنَّ للغلام تمامَ ثماني عَشْرةَ سنة، وللجارية تمام سَبْعَ عَشْرة سنة، وله في ذلك قوله تعالى: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾ [الإسراء: ٣٤] وأَشُدُّ الصبيِّ ثماني عشرة سنة، هكذا قاله ابن عباس، وتابعه القُتَبِيُّ، وهذا أقلُّ ما قيل فيه، فيُبنى الحُكْم عليه للتيقُّن، غير أنَّ الإناثَ نَشْؤُهُنَّ وإدراكُهنَّ أسرع، فَتَقَصْنا في حقِّهنَّ سنة، لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحدٌ منها المزاجَ (١) قوله: أن، من (م)، وليس في الأصل. (٢) مختصر خلافيات البيهقي لأحمد بن فرح الإشبيلي ٣/ ٣٩٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٥٧ . سُورَةُ الشَّةِ ٣١٢ الآية : ٦ لا محالة. وعنه في الغلام تسْعَ عَشْرةَ سنة(١)، والمراد: أن يَطعنَ في التاسعة عشرة، ويتمَّ له ثماني عَشْرة، وقيل: فيه اختلافُ الرواية؛ لِذِكْرٍ: حتى يستكمل تسع عشرة سنة. وشاع عن الإمام الشافعيّ أنه قد جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في المشركين خاصَّة، وشنَّع ابنُ حزم(٢) الضالُّ عليه، والذي ذكره الشافعية أنه إذا أُسِرَ مراهقٌ ولم يُعلَمْ أنه بالغ فيُفْعَلُ فيه ما يُفعلُ بالبالغين؛ من قَتْلِ ومَنّ، وفداءٍ بأسرى مِنَّا أو مالٍ، واسترقاق، أو غير بالغ، فيُفعل فيه ما يُفعل بالصبيان من الرِّقٌّ، يُكشف عن سوأته، فإن أَنبتَ فله حكم الرجال، وإلا فلا، وإنما يُفْعَلُ به ذلك؛ لأنه لا يُخبر المسلمين ببلوغه خوفاً من القتل، بخلاف المسلم فإنه لا يُحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك. ولا يخفى أنَّ هذا لا يصلح محلًّا للتشنيع، وغايةُ ما فيه أنه جَعَلَ الإنباتَ سبباً لإجراء أحكام الرجال عليه في هذه المسألة، لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها . وصلاحيتُه لأِنْ يكونَ أمارةً في الجملة لذلك ظاهرةٌ، وأمَّا أنَّ فيه أنَّ الإنباتَ أحدُ أدلةٍ البلوغ مثل الاحتلام والإحبال والحيض والحَبَل في الكفار دون المسلمين، فلا . ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ﴾ أي: أَحْسَسْتُم؛ قاله مجاهد، وأصل معنى الاستئناس كما قال الشهاب(٣): النَّظَرُ من بُعْدٍ مع وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه مما يُؤنس به، ثم عمَّ في كلامهم؛ قال الشاعر: آنسَتْ نَبْأَةً وأَفْزَعَهَا القُنّــ ـاص عَصْراً وقددنا الإمساء(٤) ثم استعير للتبيُّن، أي: عِلْم الشيء بيِّناً، وزعم بعضُهم أنَّ أصلَه الإبصارُ مطلقاً، وأنه أُخِذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يُبصر بها، وهو هنا محتمِلٌ لأنْ يُراد منه المعنى المجازي، أو المعنى الحقيقي. (١) هي رواية محمد بن الحسن عنه، والأولى - أي: ثماني عشرة - رواها عنه الحسن بن زياد اللؤلؤي. مختصر اختلاف العلماء ٥/٢ . (٢) في المحلى ٨٩/١. (٣) في حاشيته على تفسير البيضاوي ١٠٦/٣. (٤) البيت الحارث بن حِلُّزة، وهو في كتاب الحيوان للجاحظ ٣٨٩/٤، والمعاني الكبير ٣٤٣/١. النبأة: الصوت الخفي. الآية : ٦ ٣١٣ سُورَةُ النساءِ وقرأ ابن مسعود: ((أَحَسْتُم)) بحاءٍ مفتوحةٍ وسينٍ ساكنة(١)، وأصله ((أحسستم)) بسينين، نُقلت حركةُ الأولى إلى الحاء، وحُذفت ـ لالتقاء الساكنين - إحداهما على غير القياس، وقيل: إنها لغةُ سليم وإنها مطردةٌ في عين كلِّ فعلٍ مضاعَفٍ اتَّصل بها تاء الضمير أو نونه، كما في قول أبي زُبيدٍ (٢) الطائي: خلا أنَّ العِتاقَ من المطايا أَحَسْنَ به فهنَّ إليه شُوسُ(٣) ﴿وَمِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: اهتداءً إلى ضَبْط الأموال وحُسْن التصرُّف فيها. وقيل: صلاحاً في دينهم وحِفْظاً لأموالهم. وتقديمُ الجارِّ والمجرور لما مرَّ غيرَ مرَّة. وقرئ: ((رَشَدا) بفتحتين(٤)، و((رُشُدا)) بضمتين(٥)، وهما بمعنى ((رُشْدا). وقيل: الرُّشد بالضَّمِّ في الأمور الدنيوية والأُخروية، وبالفتح في الأُخروية لا غير، والراشد والرشید یقال فيهما . وَ قَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٌَ﴾ أي: من غير تأخيرٍ عن حدِّ البلوغ كما تدلُّ عليه الفاء، وفي إيثار الدفع على الإيتاء في أول الأمر إيذانٌ ـ على ما ذهب إليه البعض - بتفاوتهما بحَسَبِ المعنى، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك. ونَظُمُ الآية أنَّ ((حتى)) هي التي تقع بعدها الجمل، كالتي في قوله: وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بِأَرسانٍ(٦) سَرَيتُ بهم حتى تَكِلَّ مطُّهم وتسمَّى ابتدائيةً في ذلك، ولا يذهب منها معنى الغاية كما نصُّوا عليه في عامة كتب النحو وذكره الكثير من الأصوليين، خلافاً لمن وَهَمَ فيه. (١) معاني القرآن للفراء ٢٥٧/١، والبحر ١٧٢/٣، وحاشية الشهاب ١٠٦/٣، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): أبي زيد، والمثبت هو الصواب. (٣) المقتضب ٢٤٥/١، وطبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٠٠، وأمالي القالي ١٧٦/١، والحلل للبَطَلْيَوْسي ص ٤١٢، وأمالي ابن الشجري ١٤٦/١. ووقع في بعض هذه المصادر: حَسِينَ به ... ، العتاق: الإبل النجيبة. والشوس: المحدقة النظر. والضمير في ((به)) و((إليه)) تعود على الأسد، وقال القالي: ويقال: أحسَسْتُ بالخبر وحسَسْتُ به، وأَحَسْتُ به، وحسِيتُ به. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٤، والمحرر الوجيز ١٠/٢ . (٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٤ للحسن. (٦) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٩٣، وفيه: مطوتُ، بدل: سريت. سُورَةُ النساء ٣١٤ الآية : ٦ وما بعدها جملةٌ شرطيةٌ جُعلتْ غايةً للابتلاء، وفِعْلُ الشرط ((بلغوا)) وجوابه الشرطيةُ الثانية كما حقَّقه غيرُ واحدٍ من المُعْرِبين، وبيانُ ذلك أنه ذكر في ((شرح التسهيل)) لابن عقيل(١): أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك: إنْ جئتني إن وعدتُكَ أحسنتُ إليك، فـ (أحسنتُ إليك)) جواب ((إنْ جئتني)) واستغني به عن جواب ((إن وعدتك))، وزعم ابن مالك أنَّ الشَّرْطَ الثاني مقيِّدٌ للأول بمنزلة الحال، وكأنه قيل: إن جئتني في حال وَغْدي لك. والصحيح في هذه المسألة أنَّ الجواب للأول، وجوابُ الثاني محذوفٌ لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، فإذا قلتَ: إن دخلتَ الدار، إن كلَّمتَ زيداً، إن جاء إليك، فأنت حُرٍّ، فـ ((أنت حُرٌّ) جوابُ ((إن دخلتَ))، و((إن دخلت)) وجوابه دليل جواب ((إن كلَّمتَ))، و((إن كلَّمتَ)) وجوابه دليلُ جواب ((إن جاء)»، والدليل على الجواب جوابٌ في المعنى، والجواب متأخّرٌ، فالشرط الثالث مقدَّمٌ، وكذا الثاني، فكأنه قيل: إن جاء فإن كلَّمتَ فإن دخلتَ فأنت حُرٌّ، فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا: مجيءٌ ثم كلامٌ ثم دخول، وهو مذهب الشافعي، وذكر الجصَّاص أنَّ فيها خلافاً بين محمد وأبي يوسف وليس مذهبَ الشافعيِّ فقط، والسماع يشهد له؛ قال: منَّا مَعاقدَ عزِّ زانها كَرَمُ(٢) إنْ تستغيثوا بنا إنْ تذعروا تجدوا وعليه فُصَحاء المولَّدين. وقال بعض الفقهاء: الجواب للأخير، والشرطُ الأخيرُ وجوابه جوابُ الثاني، والشرط الثاني وجوابه جوابُ الأول، فعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا: دخول، ثم كلام، ثم مجيء. وقال بعضهم: إذا اجتمعت حصل العِثْقُ من غير ترتيب. وهذا إذا كان التوالي بلا عَظْفٍ، فإن عُطف(٣) بـ ((أو)) فالجواب لأحدهما دون تعيين، نحو: إن جئتني، أو إن أكرمتَ زیداً، أحسنتُ إليك. وإن كان بالواو فالجواب لهما، وإن كان بالفاء فالجواب للثاني، وهو وجوابه جوابُ الأول، (١) بهاء الدين، عبد الله بن عبد الرحمن القرشي الهاشمي العقيلي الشافعي، نحوي الديار المصرية، توفي سنة (٧٦٩هـ). بغية الوعاة ٢/ ٤٧ . (٢) البيت في مغني اللبيب ص ٨٠١. (٣) في (م): بلا عاطف فإن عاطف. الآية : ٦ ٣١٥ مُوَّةُ السَّةِ فتخرُجُ الفاء عن العطف وما نحن فيه من المقرون بالفاء وهي رابطةٌ للجواب كالفاء الثانية. وما خرَّجناه عليه هو الذي ارتضاه جماعةٌ منهم الزمخشريُّ(١)، ومذهب الزجَّاج وبعضٍ النحاة - والمؤنة عليه أَقلُّ - أنَّ ((حتى)) الداخلةَ على هذه الجملة حرفُ جرِّ، و((إذا)) متمخِّضةٌ للظرفية، وليس فيها معنى الشرط. والعامل فيها على التقدير الأول ما يتلخّص من معنى جوابها(٢)، والمعنى(٣): وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فاستحقاقِهِم دَفْعَ أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. وعبَّر في البلوغ بـ ((إذا)) وفي الإيناس بـ ((إن)) للفرق بينهما ظهوراً وخفاءً. وظاهرُ الآية الكريمة أنه لا يُدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يُؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الشافعيِّ وقول الإمامين، وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر (٤) وغيره عنه أنه قال: لا يُدفع إلى اليتيم ماله وإن شمِطَ ما لم يُؤنَس منه رُشْدٌ. ونُسب إلى الشعبيّ(٥) . وقال الإمام الأعظم: إذا زادت على سنِّ البلوغ سَبْعَ سنينٍ - وهي مدَّة معتبرةٌ في تغيُّر الأحوال؛ إذ الطفل يميِّزُ بعدها، ويُؤْمَرُ بالعبادة كما في الحديث(٦) - يدفع إليه ماله وإن لم يُؤْنَس الرُّشد؛ لأنَّ المنع كان لرجاء التأديب، فإذا بلغ ذلك السِّنَّ ولم يتأذَّب، انقطع عنه الرجاء غالباً، فلا معنى للحجر بعده. (١) في الكشاف ١/ ٥٠١-٥٠٢. (٢) تقديره: إذا بلغوا النكاح راشدين فادفعوا. الدر المصون ٥٨٣/٣. (٣) في هامش الأصل و(م): تلخيص للمعنى، وإظهار لكون المقصود الجزاء، أعني: الدفع، وأن استحقاقهم الدفع لا يتخلف عن البلوغ البتة عند تحقق الشرط. كذا في الكشف. اهـ منه. (٤) كما في الدر المنثور ١٢١/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٠٦/٦ . (٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٤ - تفسير)، والطبري ٦/ ٤٠٧، والشمط: بياض الرأس يخالطه سواده. القاموس (شمط). (٦) وهو قوله وَلاير: ((مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً ... )) وسيأتي ص٣١٨ من هذا الجزء. سُورَةُ الْقِسْكَاةِ ٣١٦ الآية : ٦ وفي ((الكافي)) (١): وللإِمام الأعظم قولُه تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَمَّ أَمْوَهُمْ﴾ والمراد: بعد البلوغ، فهو تنصيصٌ على وجوب دَفْع المال بعد البلوغ. إلا أنه مُنِعَ عنه مالُهُ قبل هذه المدة بالإجماع، ولا إجماعَ هنا، فيجب دَفْعُ المال بالنصِّ، والتعليقُ بالشَّرط لا يوجِبُ العَدَم عند العَدَم عندنا(٢)، على أنَّ الشرط رُشْدٌ نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجهٍ وجب جزاؤه، وأولُ أحوالِ البلوغ قد يقارنه السَّفَه باعتبار أثر الصِّبا، وبقاءُ أثره كبقاء عينه، وإذا امتدَّ الزمانُ وظهرتِ الخبرةُ والتجربة لم يبقَ أثرُ الصِّبا، وحَدَثَ ضَرْبٌ من الرشد لا محالة؛ لأنه حالُ كمالٍ لُبِّه، فقد ورد عن عمر ظ له أنه قال: ينتهي لُبُّ الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين. وقال أهل الطّباع: من بلغ خمساً وعشرين سنة فقد بلغ أَشُدَّه، ألا ترى أنه قد يصير جَدًّا صحيحاً في هذا السِّنِّ؛ لأنَّ أدنى مدَّة البلوغ اثنا عشر حولاً، وأدنى مدَّة الحمل ستة أشهر، ففي هذه المدة يمكن أن يُولد له ابنٌّ، ثم ضِعفَ هذا المبلغٍ يولد لا بنه ابنٌ. وأنت تعلم أنَّ الاستدلال بما ذُكر من الآية على الوجه الذي ذُكر ظاهرٌ، بناءً على أنَّ المراد بالإيتاء فيها الدفع، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك. واعتُرض على قوله: على أنَّ الشرط إلخ، بأنه إذا كان ضَرْبٌ من الرشد كافياً كما يُشعر به التنكير، وكان ذلك حاصلاً لا محالة في ذلك السِّنِّ، كما هو صريحُ كلامه، واستَدَلَّ عليه بما استَدَلَّ، كان الدفعُ حينئذٍ عند إيناس الرشد، وهو مذهبُ الشافعيِّ وقولُ الإمامين، فلم يصحَّ أن يقال: إنَّ مذهب الإمام وجوبُ دَفْع مال اليتيم إليه إن أُونِسَ منه الرشد أو لم يُؤْنَس، غايةٌ ما في الباب أنه يبقى خلافٌ بين الإمام وغيره في أنَّ الرشد المعتَبَرَ شرطاً للدفع في الآية ماذا؟ وهو أمرٌ آخرُ وراءَ ما شاع عن الإمام في هذه المسألة. (١) هو كتاب الكافي في فروع الحنفية للحاكم الشهيد محمد بن محمد الحنفي المتوفى سنة (٣٣٤هـ) وقد جمع فيه كتب محمد بن الحسن المبسوط وما في جوامعه، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب، وشرحه جماعة من المشايخ منهم شمس الأئمة السرخسي وهو المشهور بمبسوط السرخسي. كشف الظنون ١٣٧٨/٢. وينظر الكلام في المبسوط ٢٤/ ١٦٢. (٢) يعني عند عدم الشرط. ينظر تبيين الحقائق ١٩٥/٥ . الآية : ٦ ٣١٧ سُورَةُ النَسَّةِ وأيضاً إن أُريد بهذا الضَّرْب من الرشد الذي أشار إليه التنوينُ هو الرشد في مصلحة المال، فكونه لابدّ وأن يحصل في سنِّ خمسٍ وعشرين سنةً في حيِّز المنع، وإن أُريد ضَرْبٌ من الرشد كيفما كان، فهو على فَرْضٍ تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي نفعاً؛ إذ الآيةُ كالصريحة في اشتراط الضَّرْب الأول، فقد قال الفخر: لا شكَّ أنَّ المراد من ابتلاء اليتامى المأمور به ابتلاؤهم فيما يتعلَّق بمصالح حِفْظِ المال، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ فيجب أن يكون المراد: فإن آنستم رُشْداً في ضبط مصالحه، فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكَّكَ النَّظمُ، ولم يبق للبعض تعلُّقٌ بالبعض، وإذا ثبت هذا، عَلِمنا أنَّ الشرط المعتبَرَ في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال، لا ضَرْبٌ من الرشد كيف كان. ثم قال: والقياس الجَليُّ يقوِّي الاستدلالَ بالآية؛ لأنَّ الصبيَّ إنما مُنع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال، وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى حاصلاً في الشاب والشيخ، كانا في حكم الصبي، فوجب أن يُمنع دَفْعُ المال إليهما إن لم يُؤْنَس منهما الرشد (١). ومنه يُعلم ما في التعليل السابق - أعني قولهم: لأنَّ المنع كان لرجاء التأديب إلخ - من النظر، ولقوَّة كلام المخالف في هذه المسألة شنَّع الضَّالُّ ابنُ حزم - كعادته مع سائر أئمة الدِّين - على الإمام الأعظم ◌ُبه، وتابعه في ذلك سفهاء الشيعة كيوسف الأوالي وغيره، ولا يخفى أنَّ المسألة من الفروع، وكم لابن حزم وأَتْباعِه فيها من المخالفات للكتاب والسنَّة، ومتمسَّكُهم في ذلك بما هو أوهى وأوَهُنُ من بيت العنكبوت. ومَن أمعن النظر فيما ذهب إليه الإمام عَلِمَ أنَّ نظره رَبه في ذلك دقيقٌ؛ لأنَّ اليتيم بعد أن بلغ مبلغ الرجال، واعتُبر إيمانه وكُفْره، وصارَ مورِدَ الخطابات الإلهية والتكاليف الشرعية، وسلَّم الله تعالى إليه نفسَه يتصرَّف بها حَسْبَ اختياره المترتّب عليه المدحُ والذمُّ والثواب والعقاب، كان مَنْعُ ماله عنه وتصرُّفُ الغير به أشبهَ الأشياء بالظلم. (١) التفسير الكبير ١٨٩/٩. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣١٨ الآية : ٦ ثم هذا وإن اقتضى دَفْعَ المال إليه بعد البلوغ مطلقاً من غير تأخير إلى بلوغه سنَّ خمسٍ وعشرين فيمَن بلغ غيرَ رشيد، إلا أنَّا أخَّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ورجاءَ الرشد والكَفِّ عن السَّفَه وما فيه تبذيرُ المال وإفساده، ونظير ذلك من وجهٍ أَخْذُ أموال البُغاة وحبسُها عنهم ليفيؤوا، واعتُبرت الزيادةُ سبع سنين لأنها - كما تقدم - مدةٌ معتبرةٌ في تغيُّر الأحوال، والعَشْرُ مثلاً وإن كانت كذلك كما يشير إليه قوله وَله: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناءُ سَبْع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)) (١) إلا أنَّا اعتبرنا الأقلَّ لأنه كافٍ في الغرض غالباً، ولا يَرِدُ أنَّ المنع يدورُ مع السَّفَه؛ لأنَّا لا نُسلِّم أنه يدورُ مع السَّفَه مطلقاً، بل مع سَفَهِ الصِّبا، ولا نسلِّم بقاءه بعد تلك المدَّةِ، على أنَّ التعليقَ بالشرط لا يوجِبُ العَدَم عند عَدَمِهِ عندنا، فَأَصْلُ الدوران حينئذٍ ممنوٌ. فيما ذهب إليه، ويؤيِّدُ وعلى هذا، لا معنى للتشنيع على الإمام الأعظم مذهَبَه أيضاً قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ فإنه مشيرٌ إلى أنه لا يُمنَعُ مالُ اليتيم عنه إذا کَبِرَ؛ إذ المعنى: لا تأكلوا أموالهم مسرفين ومبادرين كِبَرَهُم، بأن تُفرِّطوا في إنفاقها وتقولوا: ننفقُ كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا، إلا أنه قدَّر الكِبَر فيمَن بلغ سفيهاً بما تقدَّم؛ لما تقدَّم، فافهم ذاك والله تعالى يتولَّى هداك. والإسراف في الأصل: تجاوزُ الحدِّ المباح إلى ما لم يُبَحْ، وربَّما كان ذلك في الإفراط، وربَّما كان في التقصير، غيرَ أنه إذا كان في الإفراط منه يقال: أَسْرَفَ يَسْرِفُ إسرافاً، وإذا كان في التقصير يقال: سَرِفَ يَسْرَفُ سَرَفَاً، ويستعمل بمعنى السَّهو والخطأ، وهو غيرُ مرادٍ أصلاً. والمبادرة: المسارعة، وهي لأَصل الفعل هنا، وتصحُّ المفاعلة فيه بأن يُبادِرَ الوليُّ أَخْذَ مالِ اليتيم، واليتيمُ يُبَادِرُ نَزْعَهُ منه، وأصلها - كما قيل - من البِدار وهو الامتلاء، ومنه البَدْر لامتلائه نوراً، والبَدْرة لامتلائها بالمال، والبَيْدر لامتلائه بالطعام. (١) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو . الآية : ٦ ٣١٩ سُورَةُ السَّلة والاسمان المتعاطفان منصوبان على الحال كما أشرنا إليه، وقيل: إنهما مفعولٌ لهما. والجملةُ معطوفةٌ على ((ابتلوا)) لا على جواب الشرط؛ لفساد المعنى؛ لأنَّ الأولَ بعد البلوغ وهذا قبله، و((يكبّروا)) بفتح الباء الموخَّدة - من باب عَلِمَ - يُستعمل في السِّنِّ، وأما بالضم فهو في القدرة والشَّرَف، وإذا تعدَّى الثاني بـ ((على)) كان للمشقة نحو: كَبُرَ عليه كذا، وتخصيصُ الأكل - الذي هو أساسُ الانتفاع وتكثُر الحاجة إليه - بالنهي يدلُّ على النهي عن غيره بالطَّريق الأَوْلَى، وفي الجملة تأكيدٌ للأمر بالدَّفْع، وتقريرٌ لها، وتمهيدٌ لما بعدها من قولِه تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ﴾ إلخ، أي: ومَنْ كان من الأولياء والأوصياء ذا مالٍ، فَلْيَكُفَّ نفسَه عن أَكْل مال اليتيم، ولينتفع بما آتاه الله تعالى من الغنى، فالاستعفافُ: الكَفُّ، وهو أبلغ من العَفِّ، وفي ((المختار)): يقال: عَفَّ عن الحرام يَعِفُّ - بالكسر - عِقَّةٌ وعَفًّا وعَفَافةً، أي: كَفَّ، فهو عَفٍّ وعَفيفٌ؛ والمرأةُ عَفَّةٌ وعَفيفةٌ، وأَعَفَّهُ الله تعالى، واسْتَعَفَّ عن المسألة، أَي: عَفَّ، وتعفَّفَ: تكلّف العِقَّة (١). وتفسيره بالتنزُّه كما يشير إليه كلامُ البعض، بيانٌ لحاصل المعنى. ﴿وَمَن كَانَ﴾ من الأولياء والأوصياء ﴿فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقَدْر حاجته الضرورية، من سدِّ الجوعة وسَتْر العورة؛ قاله عطاء وقتادة. وأخرج ابن المنذر والطبرانيُّ عن ابن عباس أنه قال: يأكلُ الفقير إذا وَلَيَ مالَ اليتيم بقَدْر قيامه على ماله، ومنفعته له، ما لم يُسْرف أو يُذِّر(٢). وأخرج أحمد وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبيَّ ◌َّهِ فقال: ليس لي مالٌ، وإِنِّي وليُّ يتيم، فقال: ((كُلْ من مال يتيمك غيرَ مُسرفٍ ولا متأثِّل (٣) مالاً، ومن غير أن تَقِيَ مالكَ بماله))(٤). (١) مختار الصحاح (عفف). (٢) الدر المنثور ١٢٢/٢، وهو في المعجم الكبير (١٣٠٢٠). (٣) أي: ولا جامع. النهاية (أثل). (٤) مسند أحمد (٧٠٢٢)، وسنن أبي داود (٢٨٧٢)، وسنن النسائي ٢٥٦/٦، وسنن ابن ماجه (٢٧١٨)، وإسناده قوي كما قال ابن حجر في الفتح ٢٤١/٨. وله شاهد من حديث عائشة موقوفاً عند البخاري (٤٥٧٥)، ومسلم (٣٠١٩). ٠٫٠٠ الآية : ٦ ٣٢٠ سُورَةُ الشَكَاةِ وهل يُعَدُّ ذلك أجرة أم لا؟ قولان، ومذهبنا الثاني، كما صرَّح به الجصَّاص في ((الأحكام))(١). وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والزهريِّ وعَبيدة السَّلْماني والباقر ﴿ه وآخرين، أنَّ للوليِّ الفقير أن يأكلَ من مال اليتيم بقَدْر الكفاية على جهة القَرْض، فإذا وجد ميسَرةً أعطى ما استقرض، وهذا هو الأكل بالمعروف، ويؤيده ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي شيبة وغيرهما من طُرُقٍ عن عمر بن الخطاب ◌ُبه أنه قال: إنِّي أنزلتُ نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإن احتجتُ أَخذتُ منه بالمعروف، فإذا أَيْسَرتُ قَضیت(٢). وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في ((الناسخ)) وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﴿ًّا أنه قال: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا﴾ الآية نسختها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى كُلْمًا﴾ إلخ(٣). وذهب قومٌ إلى إباحة الأكل دون الكسوة، ورواه عكرمة عن ابن عباس. وزعم آخرون أنَّ الآية نزلتْ في حقِّ اليتيم يُنفَق عليه من ماله بحَسَب حاله، وحُكي ذلك عن يحيى بن سعيد، وهو مردودٌ؛ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ لا يعطي معنى ذلك، والتفكيك مما لا ينبغي أن يخرَّج عليه النَّظْم الكريم. ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ أيها الأولياء والأوصياء ﴿إِلَّهِمْ﴾ أي: اليتامى بعد رعاية ما ذُكر لكم ﴿أَمْوَمْ﴾، التي تحت أيديكم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح للاهتمام به ﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ بأنْ قَبَضوها وبَرِئتْ عنها ذِمَمكم، لما أنَّ ذلك أَبعدُ عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأَدْخَلُ في الأمانة. وهو أمرُ نَذْبٍ عندنا، وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه أَمْرُ وجوب، واستدلُّوا بذلك على أنَّ القَيِّم لا يُصدَّقُ بقوله في الدفع بدون بيِّنة. (١) ٦٦/٢. (٢) الدر المنثور ١٢١/٢، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٣٢٤/١٢. (٣) الدر المنثور ١٢٢/٢، وهو في الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٤٧/٢.