Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٣ ٢٨١ سُورَةُ الْنِسَاءِ ما ذهب إليه أبو البقاء، وهي ممنوعةٌ من الصَّرف على الصحيح، وجَوَّز الفرَّاء صَرْفها(١). والمذاهب المنقولة في عِلَّ مَنْع صَرْفها أربعة: أحدها: قول سيبويه والخليل وأبي عمرو: إنه العَدْلُ والوَصْفُ. وأُورد عليه أنَّ الوصفيَّةَ في أسماء العدد عارضةٌ، وهي لا تمنع الصَّرْف. وأُجيب بأنها وإن عَرضتْ في أصلها، فهي نُقلت عنها بعد ملاحظة الوَصْف العارض، فكان أصليًّا في هذه دون أصلها، ولا يخلو عن نظر. والثاني قول الفرَّاء(٢): إنها مُنعت للعَدْل والتعريف بنيَّةِ الألف واللام، ولذا لم تَجُزْ إضافتها ولا دخولُ ((أل)) عليها(٣). والثالث: ما نُقل عن الزجَّاج(٤) أنها معدولةٌ عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فعُدلتْ عن ألفاظ العدد، وعن المؤنث إلى المذكّر، ففيها عَدْلان وهما سببان. والرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أنَّ العلَّة المانعةَ من الصَّرْف تكرارُ العُدْل فيه؛ لأنَّ ((مثنى)) مثلاً عُدِلتْ عن لفظ ((اثنين)) ومعناه؛ لأنها لا تستعمل في موضعٍ تستعمل فيهِ؛ إذ لا تلي العوامل، وإنما تقع بعد جَمْع(٥)، إما خبراً، أو حالاً، أوَ وَصْفاً، وشدَّ أن تلي العواملَ وأن تضاف. وزاد السفاقسيُّ في علَّة المنع خامساً، وهو العَدْل من غير جهة العَدْل؛ لأنَّ بابَ العَدْل أن يكون في المعارف، وهذا عَدْلٌ في النكرات، وسادساً: وهو العَدْل (١) معاني القرآن للفراء ٢٥٤/١. (٢) المصدر السابق. (٣) في هامش الأصل و(م): ودعوى الزمخشري دخولها عليها لا دليل لها، وكان اللائق الاستشهاد على ذلك اهـ منه. (٤) في معاني القرآن ٩/٢. (٥) يعني يجوز أن تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع، فتقول: جاء في القوم مثنى، فيفيد عند ذلك أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فأما الأعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود. البحر ٥١/٣. سُورَةُ الشَّةِ ٢٨٢ الآية : ٣ والجمع؛ لأنه يقتضي التكرار، فصار في معنى الجمع. وقال: زاد هذين ابن الضائع في ((شرح الجمل)). وجاء أُحاد ومَوْحَد، وثُناء ومَثْنَى، وثُلاث ومَثْلَك، ورُباع ومَرْبَع، ولم يسمع فيما زاد على ذلك - كما قال أبو عبيدة(١) - إلا في قول الكُميت: ـت فوقَ الرجالِ خصالاً عُشارا(٢) ولم يَسْتَريفُوك حتى رمي ومن هنا أعابوا على المتنبي قوله: لُيَيْلَثُنا المنوطةُ بالتنادِ (٣) أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادٍ ومن الناس مَن جوَّز خُماس ومَخْمَس إلى آخر العَقْد قياساً، وليس بشيء. واختير التكرارُ والعَظْفُ بالواو، لِتُفْهِمَ الآيةُ أنَّ لكلِّ واحدٍ من المخاطَبين أن يختار من هذه الأعداء المذكورة أيَّ عَدَدٍ شاء؛ إذ هو المقصود، لا أنَّ بعضها لبعضٍ منهم، والبعضَ الآخَرَ لآخَرَ، ولو أُفردتِ الأعداد لَفُهِمَ من ذلك تجويزُ الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع، ولو ذُكرت بكلمة ((أو)» لَفَاتَ تجویزُ الاختلاف في العدد، بأن يَنكحَ واحدٌ اثنتين، وآخرُ ثلاثاً أو أربعاً، وما قيل: إنه لا يَلتَفِتُ إليه الذهن لأنه لم يذهب إليه أحد، لا يُلتفت إليه؛ لأنَّ الكلامَ في الظاهر الذي هو نُكتَةُ العدول. وادَّعى بعضُ المحقّقين أنه لو أتى من الأعداد بما لا يدلُّ على التكرار، لم يصحَّ جَعْلُهُ حالاً، معلِّلاً ذلك بأنَّ جميعَ الطيبات ليس حالُها أنها اثنان، ولا حالُها أنها ثلاثة، وكذا لو قيل: اقتسِمُوا هذا المال الذي هو ألفُ درهم درهماً واثنين وثلاثة وأربعة، لم يصحَّ جَعْلُ العدد حالاً من المال الذي هو ألف درهم؛ لأنَّ حال (١) في مجاز القرآن ١١٦/١، وكذا قال البخاري في كتاب التفسير قبل الحديث (٤٥٧٣): ولا تجاوز العرب رباع. (٢) ديوان الكميت ص ١٥٢، والخزانة ١٧١/١ وفيه: يستريثوك: يجدوك رائئاً، أي: بطيئاً، من الريث وهو البطء، ورميت: زدت، يقال: رمى على الخمسين وأرمى، أي: زاد، يقول: لما نشأت نشء الرجال أسرعتَ في بلوغ الغاية التي يطلُبها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال. (٣) ديوان المتنبي ٧٤/٢. الآية : ٣ ٢٨٣ سُورَةُ النساءِ الأَلْفِ ليس ذلك، بخلاف ما إذا كرّر، فإنَّ المقصود حينئذٍ التفصيلُ في حُكُم الانقسام، كأنه قيل: فانكحوا الطيبات لكم مفصّلةً ومقسَّمة إلى ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، واقتسِمُوا هذا المال الذي هو ألفُ درهم مفصَّلاً ومُقسَّماً إلى درهم درهم، واثنين اثنين، وثلاثةٍ ثلاثة، وأربعةٍ أربعة، وبهذَا يَظهرُ فسادُ ما قيل من أَنْه لا فَرْقَ بين اثنين ومثنى في صحة الحالية؛ لأنَّ انفهامَ الانقسام ظاهرٌ من الثاني دون الأول، كما لا يخفى، وأنه إنما أتى بالواو دون ((أو)) ليفيد الكلامُ أن تكون الأقسام على هذه الأنواع غيرَ متجاوَزٍ إياها إلى ما فوقها، لا أن تكون على أحد هذه الأنواع غير مجموعٍ بين اثنين منها، وذلك بناءً على أنَّ الحالَ بيانٌ لكيفية الفعل، والقيد في الكلام نفيٌ لما يقابله، والواو ليست لأحد الأمرين أو الأمور كـ ((أو)). وبهذا يندفع ما ذهب إليه البعض من جواز التِّسع تمسُّكاً بأنَّ الواو للجمع، فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تِسْعٌ، وذلك لأنَّ مَنْ نكح الخمسَ أو ما فوقها، لم يحافظ على القيد، أعني: كيفية النكاح، وهي كونه على هذا التقدير والتفصيل، بل جاوزه إلى ما فوقه، ولعلَّ هذا مرادُ القطب بقوله: إنه تعالى لما خَتَمَ الأعداد على الأربعة، لم يكن لهم الزيادةُ عليها، وإلا لكان نكاحهم خمساً خمساً. فقول بعضهم: اللزوم ممنوعٌ لعدم دلالة الكلام على الحصر، فإنَّ الإنسان إذا قال لولده: افعلْ ما شئتَ، اذهبْ إلى السوق، وإلى المدرسة، وإلى البستان، كان هذا تنصيصاً في تفويض زمام الاختيار إليه مطلقاً، ورَفْعِ الحَجْر عنه، ولا يكون ذلك تخصيصاً للإذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذناً في المذكور وغيره، فكذا هاهنا، وأيضاً ذِكْرُ جميع الأعداد متعذِّر، فإذا ذَكَرَ بعضَ الأعداد بعد: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء» كان ذلك تنبيهاً على حصول الإذن في جميع الأعداد = كلامٌ ليس في محلِّه، وفَرْقٌ ظاهرٌ بين ما نحن فيه والمثالُ الحادث. وقد ذكر الإمام الرازيُّ شُبَه المجوِّزين التزوُّجَ بأيٍّ عددٍ أُريد، وأَطال الكلامَ في هذا المقام، إلا أنه لم يأتِ بما يشرح الصَّدرَ ويريحُ الفِكْر، وذلك أنه قال: إنَّ قوماً شُذَّاذاً ذهبوا إلى جواز التزوُّج بأيِّ عددٍ، واحتجُوا بالقرآن والخبر؛ أما القرآن فقد تمسّكوا بهذه الآية بثلاثة أوجه: سُورَةُ الْنَسَنَّاة ٢٨٤ الآية : ٣ الأول: أنَّ قوله سبحانه: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اَلْنِسَآءِ﴾ إطلاقٌ في جميع الأعداد، بدليل أنه لا عدد إلا ويصحُّ استثناؤه منه، وحُكْم الاستثناء إخراجُ ما لولاه لکان داخلاً . والثاني: أنَّ((مَثنى وثُلاثَ ورُباع)) لا يصلحُ مخصِّصاً لذلك العموم؛ لأنَّ التخصيصَ بالبعض لا ينفي ثبوتَ الحكم في الباقي. والثالث: أنَّ الواو للجمع المطلق، فـ ((مَثنى وثلاث ورُباع)) يفيدُ حِلَّ المجموع، وهو تسعٌ، بل ثماني عشرة. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبتَ بالتواتر أنه وَّ مات عن تسعٍ، ثم إنَّ الله تعالى أمرنا باتِّباعه، فقال: ﴿فَتَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأَقلُّ مراتب الأمر الإباحة. الثاني: أنَّ سُنَّة الرجل طريقتُه، والتزوُّج بالأكثر من الأربع طريقةُ الرسول وَه، فكان ذلك سُنَّةً له، ثم إنه ◌َّه قال: ((مَن رَغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي))(١) وظاهرٌ الحديث يقتضي توجُّهَ الذَّمِّ على مَنْ ترك التزوُّج بالأكثر من الأربع، فلا أقلّ من أن يَثبتَ أَصْلُ الجواز. ثم قال: واعلم أنَّ معتَمدَ الفقهاء في إثبات الحصر(٢) على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي أنَّ غيلان أسلمَ وتحتَه عَشْرُ نِسوة، فقالِ نَّهِ: ((أمسكْ أربعاً، وفارقْ سائرهنَّ))(٣). وهذا الطريق ضعيفٌ لوجهين: الأول: أنَّ القرآن لمَّا دلَّ على عدم الحَصْر، فلو أَثبتنا الحصْرَ بهذا الخبر كان ذلك نسخاً للقرآن بخبرِ الواحد، وإنه غير جائز. والثاني: أنه وََّ لعلَّه إنما أَمَرَ بإمساك أربعٍ ومفارقةِ البواقي؛ لأنَّ الجمع بين الأربع والبواقي غيرُ جائز؛ إما بسبب النسب، أو بسبب الرضاع، وبالجملة فهذا الاحتمال قائمٌ في هذا الخبر، فلا يمكن نَسْخُ القرآن بمثله. (١) أخرجه أحمد (١٣٥٣٤)، والبخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس (٢) في (م): الحسر، وهو تصحيف. (٣) أخرجه أحمد (٤٦٠٩)، والترمذي (١١٢٨) من حديث ابن عمر الآية : ٣ ٢٨٥ سُورَةُ السَحَاءِ والأمر الثاني: هو إجماعُ فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع، وهذا هو المعتَمَد، لكن فيه سؤالان؛ الأول: أنَّ الإجماعَ لا يُنسَخُ به (١)، فكيف يقال: إنَّ الإجماع نَسَخَ هذه الآية؟ الثاني: أنَّ في الأمة أقواماً شُذَّاذاً لا يقولون بحُرْمة الزيادة على الأربع، والإجماعُ عند مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد. وأجيب عن السؤال الأول: أنَّ الإجماعَ يكشفُ عن حصول الناسخ في زمان الرسول وَ﴾، وعن الثاني: أنَّ مُخالِفَ هذا الإجماع من أهل البدعة، فلا اعتبارَ بمخالفته، فلا تضرُّ في انعقاد الإجماع. انتهى (٢). ولا يخفى ما في احتجاج الشُّذَّاذ بالآية من النظر، ويُعلَم ذلك من التأمُّل فيما ذكرنا . وأما الاحتجاجُ بالخبر فليس بشيءٍ أيضاً؛ لأنَّ الإجماعَ قد وقع على أنَّ الزيادة على الأربع من خُصوصِيَّاته وَّهَ، ونحن مأمورون باتِّباعه والرَّغبةِ في سنَّته عليه الصلاة والسلام في غير ما عُلم أنه من الخصوصيات، أمَّا فيما عُلم منها فلا. وأمَّا الأمران اللَّذانِ اعتمد عليهما الفقهاء في هذا المقام ففي غاية الإحكام، والوجه الأول في تضعيف الأمر الأول منهما، يَرِدُ عليه أنَّ قول الإمام فيه: إنَّ القرآن لمَّا دلَّ على عدم الحصر إلخ، ممنوع، كيف وقد تقدَّم ما يُفْهَم منه دلالتُه على الحصر؟ وبتقدير عدم دلالته على الحصر، لا يدلُّ على عدم الحصر، بل غاية الأمر أنه يحتمل الأمرين: الحصر وعدمه، فيكون حينئذٍ مُجمَلاً، وبيانُ المجمَل بخبر الواحد جائزٌ كما بُيِّن في الأصول. وما ذكر في الوجه الثاني من وَجهَي التضعيف، بأنه وَّر لعلَّه إنما أمر بإمساك أربعٍ ومفارقة البواقي؛ لأنَّ الجمع غيرُ جائز، إما بسبب النَّسَب أو بسبب الرضاع، مما لا يكاد يُقبل، مع تنكير ((أربعاً)) وثبوت: ((اختر منهنَّ أربعاً)) كما في بعض الروايات الصحيحة في حديث غيلان، وكذا في الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة والنخَّاس عن قيس بن الحارث الأسدي أنه قال: أسلمتُ وكان تحتي ثمان نسوة، (١) في هامش الأصل و(م): أي عند الجمهور. اهـ منه. (٢) التفسير الكبير للرازي ٩/ ١٧٤ -١٧٥. سُورَةُ السَّةِ ٢٨٦ الآية : ٣ فأخبرت النبيَّ وَّ فقال: ((اختر منهنَّ أربعاً وخَلِّ سائرهنَّ)) ففعلتُ(١)؛ فإنَّ ذلك يدلُّ دلالةٌ لا مريةَ فيها أنَّ المقصود إبقاءُ أيِّ أربع، لا أربع معيَّنات، فالاحتمال الذي ذكره الإمام قاعدٌ لا قائم، ولو اعتُبر مثلُه قادحاً في الّدليل لم يبق دليلٌ على وجه الأرض. نعم الحديث مُشْكِلٌ على ما ذهب إليه الإمام الأعظم، على ما نقل ابن هبيرة (٢) فيمَن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، من أنه إن كان العقدُ وقع عليهنَّ في حالةٍ واحدة، فهو باطل، وإن كان في عقودٍ صحَّ النكاح في الأربع الأوائل، فإنه حينئذٍ لا اختيار، وخالفه في ذلك الأئمة الثلاثة، وهو بحثٌ آخرُ لسنا بصدده. وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر الإجماعُ، فإنه قد وقع وانقضى عَصْرُ المجمعين قبل ظهور المخالِف، ولا يُشترط في الإجماع اتِّفاقُ كلِّ الأمة من لَدُنْ بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، كما يوهمه كلامُ الإمام الغزالي(٣)، وإلا لا يوجد إجماعٌ أصلاً، وبهذا يُستغنى عمَّا ذكره الإمام الرازي، وهو أحدُ مذاهبَ في المسألة، من أنَّ مخالِفَ هذا الإجماع من أهل البدعة، فلا اعتبار بمخالفته. فالحقُّ الذي لا محيصَ عنه، أنه يحرم الزيادةُ على الأربع، وبه قال الإمامية، ورووا عن الصادق تظله: لا يحلُّ لماءِ الرجل أن يجريَ في أكثرَ من أربعة أرحام(٤). وشاع عنهم خلافُ ذلك، ولعلَّه قولٌ شاٌ عندهم. ثم إنَّ مشروعية نكاح الأربع خاصَّةٌ بالأحرار، والعبيدُ غيرُ داخلين في هذا الخطاب؛ لأنه إنما يتناول إنساناً متى طابتْ له امرأةٌ قَدِرَ على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه؛ لقوله وَله: ((أَيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغير إذن (١) مصنف ابن أبي شيبة ٣١٨/٤، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٤٤/٢. وأخرجه - أيضاً - أبو داود (٢٢٤١)، وابن ماجه (١٩٥٢). (٢) يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر، عون الدين الشيباني الدُّوري العراقي الحنبلي، صاحب التصانيف، توفي سنة (٥٦٠هـ)، السير ٤٢٦/٢٠. والكلام من كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح ص ٢٨٣ . (٣) في كتابه المستصفى ١٨٩/١ وما بعدها. (٤) مجمع البيان ٤/ ١٧ . الآية : ٣ ٢٨٧ سُورَةُ السَكَّةِ مولاه، فهو عاهر))(١) ولأنَّ في تنفيذ نكاحه تعيُّاً له؛ إذ النكاح عيبٌ فيه، فلا يملكه بدون إذن المولى. وأيضاً قولُه تعالى بعدُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد لعدم المِلْك، فحيثُ لم يدخلوا في هذا الخطاب، لم يدخلوا في الخطاب الأول؛ لأنَّ هذه الخطابات وردتْ متتاليةً على نَسَقٍ واحد، فبعيدٌ أن يدخلَ في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق، وكذا لا يمكن دخولهم في قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَّفْسًا فَكُلُ هَنِّيْئًا فَيًِّا﴾ [النساء: ٣] لأنَّ العبد لا يأكل، فيكونُ لسيِّده. وخالف في ذلك الإمام مالك فأدخل العبيد في الخطاب، وجوَّز لهم أن ينكحوا أربعاً كالأحرار، ولا يتوقّف نكاحهم على الإذن؛ لأنهم يملكون الطلاق، فيملكون النكاح. ومن الفقهاء مَن ادَّعى أنَّ ظاهرَ الآية يتناولهم، إلا أنه خَصَّص هذا العموم بالقياس؛ لأنَّ الرِّقَّ له تأثيرٌ في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعِدَّة، ولمَّا كان العدد من حقوق النكاح، وجب أن يُجعل للعبد نصف ما للحرِّ فيه أيضاً. واختلفوا في الأمر بالنكاح، فقيل: للإباحة، ولا يلغو ((طاب)) إذا كان بمعنى حَلَّ؛ لأنه يصيرُ المعنى: أبيح لكم ما أُبيح هنا؛ لأنَّ مَناطَ الفائدة القيدُ، وهو العدد المذكور . وقيل: للوجوب، أي: وجوب الاقتصار على هذا العدد، لا وجوب أَصْلِ النكاح، فقد قال الإمام النووي(٢): لا يُعلَمُ أحدٌ أَوجبَ النكاح إلا داود ومَن وافقه من أهل الظاهر، وروايةٌ عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العَنَتَ أن يتزوَّج أو يتسرَّى، قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرَّةً واحدةً، ولم يشرط بعضُهم خوفَ العَنَتْ، وقال أهلُ الظاهر: إنما يلزمه التزوُّج فقط، ولا يلزمه الوطء. ﴾. (١) أخرجه أحمد (١٥٠٣١)، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١) من حديث جابر ـ قال الترمذي: حديث حسن. (٢) في شرح صحيح مسلم ٩/ ١٧٣ . سُورَةُ الشَحَاةِ ٢٨٨ الآية : ٣ واختلف العلماء في الأفضل من النكاح وتَرْكه. وذكر الإمام النوويُّ أنَّ الناس في ذلك أربعةُ أقسام: قِسْمٌ تتوقُ إليه نفسُه ويَجِدُ المؤن، فيُستحبُّ له النكاح، وقِسْمٌ لا تتوق ولا يجد المؤن، فيكره له، وقِسْمٌ تتوقُّ ولا يجد المؤن، فيكره له أيضاً، وهذا مأمورٌ بالصَّوم لدفع التَّوَقان، وقِسْمٌ يجدُ المؤنَ ولا تتوقُ نفسُه، فمذهب الشافعيِّ وجمهور الشافعية أنَّ تَرْك النكاح لهذا والتخلِّي للتحلِّي بالعبادة أفضل، ولا يقال: النكاح مكروهٌ، بل تَرْكه أفضل، ومذهبُ أبي حنيفة وبعضٍ أصحاب مالك والشافعيّ أنَّ النكاحَ له أفضل(١). انتهى المراد منه. وأنت تعلم أنَّ المذكورَ في كتب ساداتنا الحنفية؛ متوناً وشروحاً، مخالفٌ لما ذكره هذا الإمام في تحقيق مذهب الإمام الأعظم تظ له، ففي ((تنوير الأبصار)) وشرحِه ((الدر المختار))(٢) في كتاب النكاح ما نصُّه: ويكون واجباً عند التَّوَقان، فإن تيقَّنَ الزنَا إلا به فُرض، كما في ((النهاية))(٣)، وهذا إنْ مَلَكَ المهر والنفقة، وإلا فلا إثم بتركه كما في ((البدائع)) (٤)، ويكون سنَّةً - مؤَّدةً في الأصحِّ، فيأثمُ بتَرْكهِ ويثاب إن نوى تحصيناً وولداً - حالَ الاعتدال، أي: القدرةِ على وَطٍ ومهرٍ ونفقة، ورجَّح في ((النهر))(٥) وجوبَه للمواظبة عليه، والإنكار على مَنْ رَغِبَ عنه. ومكروهاً لخوف الجَوْر، فإن تَيَّقَّنه حَرُمَ. انتهى. لكنْ في دليل الوجوب على ما ذكره صاحب ((النهر)) مقالاً للمخالفين، وتمامُ الكلام في محلِّه. هذا وقد قيل في تفسير الآية الكريمة أنَّ المراد من ((النساء)) اليتامى أيضاً، وأنَّ المعنى: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى المربَّة في حجوركم، فانكحوا ما طاب لكم من يتامى قراباتكم، وإلى هذا ذهب الجُبائيُّ، وهو كما ترى. (١) شرح صحيح مسلم ٩/ ١٧٤ . (٢) تنوير الأبصار للإمام محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي الغزي، وشرحه: الدر المختار لمحمد علاء الدين الحصكفي ٢٤٣/١. (٣) النهاية في شرح الهداية للحسن بن علي بن حجاج السِّغْناقي، المتوفى سنة (٧١٠هـ). الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص ٦٢ . (٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ٣١١/٣. (٥) النهر الفائق في شرح كنز الدقائق لعمر بن إبراهيم المعروف بابن نجيم المتوفى سنة (١٠٠٥ هـ). هدية العارفين ٧٩٦/٥. الآية : ٣ ٢٨٩ سُورَةُ النَّسَاءِ وقيل: إنه لما نزلتِ الآيةُ في اليتامى، وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، أَخذ الأولياء يتحرَّجون من ولايتهم خوفاً من لحوق الحوب بتَرْك الإقساط، مع أنهم كانوا لا يتحرَّجون من تَرْك العَدْل في حقوق النساء، حیث کان تحت الرجل منهم عشْرٌ منهنَّ، فقيل لهم: إن خفتم تَرْكَ العَدْل في حقوق اليتامى فتحرَّجتم منها، فخافوا أيضاً تَرْك العَدْل بين النساء، وقَلِّلوا عدد المنكوحات؛ لأنَّ مَنْ تحرَّج من ذنبٍ أو تاب عنه وهو مرتكبُ مثلَه فهو غيرُ متحرِّج ولا تائبٍ عنه. وإلى نحوٍ من هذا ذهب ابنُ جبير والسُّدِّيُّ وقتادة والربيع والضحاك وابن عباس في إحدى الروايات عنه. وقيل: كانوا لا يتحرَّجون من الزنا وهم يتحرَّجون من ولاية اليتامى، فقيل: إنْ خفتُم الحوبَ في حقِّ اليتامى فخافوا الزنا، فانكحوا ما حَلَّ لكم من النساء ولا تحوموا حَوْل المحرَّمات. ونظيره ما إذا داوم على الصلاة مَن لا يُزِّي، فتقول له: إن خفتَ الإثم في تَرْك الصلاة، فَخَفْ مِن تَرْكِ الزكاة، وإلى قريبٍ من هذا ذهب مجاهد . وتعقّب هذين القولين العلّامةُ شيخُ الإسلام بقوله: ولا يخفي أنه لا يساعدهما جزالةُ النَّظْم الكريم؛ لابتنائهما على تقدُّم نزول الآية الأولى، وشيوعها بين الناس وظهورٍ توقَّفِ حُكمها على ما بعدها من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾(١). ويُفهم من كلام بعض المحققين أيضاً أنَّ الأظهر في الآية ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﴾(٢)، دون هذين القولين؛ لأنَّ الآيةَ على تلك الرواية تَتَنزَّلُ على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُثْلَى عَلَيْكُمْ فِى اَلْكِتَبِ فِ يَتَى الْنِسَآءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فيتطابق الآيتان، ولا يتأتَّى ذلك على القولين، بل لا ارتباط بين الآيتين عليهما؛ لأنَّ مقتضاهما أنَّ الكلام في مطلق اليتامى لا في يتامى النساء، ثم يُبْعِدُهما أنَّ الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجهٍ عام. (١) تفسير أبي السعود ١٤٢/٢. (٢) تقدم تخريجه ص٢٧٧ من هذا الجزء. سُورَةُ النِّسَاءِ ٢٩٠ الآية : ٣ أما الأول: فمن حيث إنَّ الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى في أنَّ كلا منهما جور. وأما الثاني: فلأنَّ الزنى محرَّمٌ، كما أنَّ الجور على اليتامى محرَّمٌ، وكم من محرَّم يشاركهما في التحريم، فليس ثمَّ خصوصيةٌ تربط الشَّرط والجواب، كالخصوصية الرابطة بينهما هناك. ثم الظاهر من قوله سبحانه: ﴿مَثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعٌ﴾ أنه واردٌ بصيغة التوسعة عليهم بنوعٍ من التقييد، كأنه قيل: إن خِفتمْ من نكاح اليتامى ففي غيرهنَّ مُتَّسعٌ إلى كذا. وعلى القول الأول من القولين، يكون المراد التضييق؛ لأنَّ حاصله: إن خِفتمْ الجور على النساء، فاحتاطوا بأن تُقُلِّلوا عدد المنكوحات، وهو خلافُ ما يشعر به السياق من التوسعة (١)، وبعيدٌ عن جزالة التنزيل كما لا يخفى(٢). وقيل: إنَّ الرجل كان يتزوَّج الأربعَ والخمسَ والسِّتَّ والعَشْر ويقول: ما يمنعني أن أتزوَّج كما تزوَّج فلان، فإذا فني مالُهُ مَالَ على مالِ اليتيم في حِجْره فأَنفقه، فنُهي أولياءُ اليتامى على أن يتجاوزوا الأربع؛ لئلا يحتاجوا إلى أَخْذ مال اليتيم، ونُسب هذا إلى ابن عباس وعكرمة، وعليه يكون المراد من اليتامى أَعمَّ من الذكور والإناث، وكذا على القولين قبله. وأُورد عليه: أنه يُفهم منه جواز الزيادة على الأربع لمن لا يحتاج إلى أَخْذ مال اليتيم، وهو خلافُ الإجماع، وأيضاً يكون المراد من هذا الأمر التضييقَ، وهو كما علمتَ خلافُ ما يُشعر به السياق المؤَّد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً﴾ كأنه لمَّا وَسَّع عليهم، أَنبأهم أنه قد يلزم من الاتِّساع خوفُ المَيْل، فالواجبُ حينئذٍ أن يحترزوا بالتقليل، فيقتصروا على الواحدة، والمراد: فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما بين هذه المعدودات، ولو في أَقلِّ الأعداد المذكورة، كما خفتُموه في حقِّ اليتامى، أو كما لم تعدلوا في حَقِّهنَّ، فاختاروا - أو الزَموا - واحدةً واتركوا الجميع بالكُلِيَّة. (١) في هامش الأصل و(م): ووجه إشعاره بذلك أنه أطلق قوله سبحانه: ﴿مَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ ثم جاء ﴿مَّثْنَ وَتُلَثَ وَرُبَعْ﴾ كأنه بيان لما وقع إطلاقه على نوع من التقیید. اهـ منه. (٢) في هامش الأصل و(م): إذ لو كان المراد التضييق لكان التقييد من الأول أوقع فيه وأمسَّ به. اهـ. الآية : ٣ ٢٩١ سُورَةُ السَخَّاء وقرأ إبراهيم: ((وثُلَثَ ورُبَعَ)) (١) على القصر من (ثُلاث ورُباع)). وقرأ أبو جعفر ((فواحدةٌ)) بالرفع (٢)، أي: فالمقنعُ واحدةٌ، أو: فَكَفتْ واحدةٌ، أو: فَحسْبُكم واحدةٌ، أو: فالمنكوحةُ واحدةٌ. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتَّكُمْ﴾ أي: من السَّراري بالغةً ما بلغت، كما يؤخذ من السياق ومُقابلةِ الواحدة، وهو عَطْفٌ على ((واحدة)) على أنَّ اللَّزومَ والاختيارَ فيه بطريق التَّسرِّي لا بطريق النكاح كما فيما عُطِفَ عليه لاستلزامه ورودَ مِلك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطَبين في الموضعين. وقد قالوا: لا يجوز أن يتزوَّج المولى أَمَتُهُ، ولا المرأةُ عبدَها؛ لأنَّ النكاح ما شُرع إلا مُثمراً بثمراتٍ مشتركة بين المتناكحَيْنِ، والمملوكيةُ تنافي المالكيةَ، فيمتنعُ وقوعُ الثمرة على الشِّرْكة. وهذا بخلاف ما سيأتي بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥] فإنَّ المأمورَ بالنكاح هناك غيرُ المخاطبين بمِلْك الیمین. وبعضُهم يقدِّرُ في المعطوف عليه (فانكحوا)) لدلالة أول الكلام عليه، ويَعطِفُ هذا عليه، على معنى: اقتصروا على ما ملكتْ، والكلام على حدٍّ قوله: عَلَفْتُها تبناً وماءً بارداً (٣) و((أو)) للتسوية، وسؤَّى في السهولة واليُسرة بين الحرَّة الواحدة والسَّراري من غير حَصْرِ؛ لقلَّةِ تَبعَتِهنَّ وخِفّة مؤونتهنَّ، وعدم وجوب القَسْم فيهنَّ. (١) المحتسب ١٨١/١. (٢) النشر ٢٤٧/٢. (٣) أي: وسقيتها ماء بارداً. والبيت لم يعرف قائله، وهو في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١١٤٧/٣، والخزانة ١٣٩/٣. قال البغدادي: وأورد له العلامة الشيرازي والفاضل اليمنيُّ صدراً، وجعل المذكور عجزاً هكذا: لما حططت الرحلَ عنها وارداً علفتها تبناً وماءً بارداً وجعله غيرهما صدراً وأورد عجزاً كذا : حتى شَتَتْ همَّالةً عيناها سُورَةُ النَّسَاءِ ٢٩٢ الآية : ٣ وزعم بعضُهم أنَّ هذا معطوفٌ على ((النساء))، أي: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، أو ما ملكت أيمانكم. ولا يَخْفَى بُعْدُه. وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((مَنْ مَلَكَتْ))(١). وعبّر بـ ((ما)) في القراءة المشهورة ذهاباً للوصف، ولكون المملوك لبيعه وشرائه - والمبيعُ أكثره ما لا يعقل - كان التعبير بـ ((ما)) فيه أظهر. وإسنادُ الِمُلك لليمين؛ لما أنَّ سببه الغالب هو الصفقةُ الواقعة بها. وقيل: لأنه أولُ ما يكون بسبب الجهاد والأَسْر، وذلك محتاجٌ إلى إعمالها، وقد اشتهر ذلك في الأرقَّاء، لا سيما في إناثهم كما هو المراد هنا رعايةً للمقابلة بينه وبين مِلْك النكاح الوارد على الحرائر. وقيل : إنما قيل للرقيق ملك اليمين؛ لأنها مخصوصةٌ بالمحاسن، وفيها تفاؤلٌ باليُمْن أيضاً. وعن بعضهم أنَّ أعرابيًّا سُئل: لم حسَّنتم أسماءَ مواليكم دون أسماء أبنائكم؟ فقال: أسماءُ موالينا لنا، وأسماء أبنائنا لأعدائنا. فليفهم. وادَّعى ابن الفَرَس أنَّ في الآية ردًّا على مَنْ جَعَل النكاح واجباً على العين؛ لأنه تعالى خيَّر فيها بينه وبين الشَّسرِّي، ولا يجب التسرِّي بالاتفاق، ولو كان النكاح واجباً لما خيَّر بينه وبين التسرِّي؛ لأنه لا يصحُّ عند الأصوليين التخييرُ بين واجبٍ وغيره؛ لأنه يؤدِّي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأنَّ تاركه لا يكون آئماً، ولا يَردُ هذا على مَن يقول: الواجب أحدُ الأمرين، ويمنع الاتفاق على عدم وجوب التسرِّي في الجملة، فتدبر. وزعم بعضُهم أنَّ فيها دليلاً على مَنْع نكاح الجِنِّيَّات؛ لأنه تعالى خصَّ النساءَ بالذِّكْر. وأنت تعلم أنَّ مفهوم المخالفة عند القائل به غيرُ معتبرٍ هنا، لظهور نكتةٍ تخصیص النساء بالذِّكْر وفائدته. وادَّعى الإمام السيوطيُّ أنّ فيها إشارةً إلى حِلِّ النظر قبل النكاح؛ لأنَّ الطّيب إنما يُعرف به(٢). ولا يخفى أنَّ الإشارةَ ربَّما تَسلم إلا أنَّ الحصر ممنوعٌ، وهذاَ (١) الكشاف ١/ ٤٩٧، والدر المصون ٥٦٧/٣. (٢) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٧٦. الآية : ٣ ٢٩٣ سُورَةُ الشَكَِّ الحِلُّ ثبتَ في غيرِ ما حديث، وفي صحيح مسلم أنه وَّ قال للمتزوج امرأةً من الأنصار: ((أَنَظَرْتَ إليها؟)) قال: لا. قال: ((فاذهب وانظر إليها، فإنَّ في أَعين الأنصار شيئاً))(١). وهو مذهبُ جماهير العلماء. وحكي عن قومٍ كراهتُه، وهم محجوجون بالحديث والإجماع على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها . ثم إنه إنما يُباح له النظرُ إلى الوجه والكفين، وقال الأوزاعيُّ: إلى مواضع اللحم. وقال داود: إلى جميع بدنها. وهو خطأٌ ظاهرٌ منابِذٌ لأصول السنَّة والإجماع. وهل يشترط رضا المرأة أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط، بل للرجل النظرُ مع الغفلة وعدم الرضا، وعن مالك كراهة النظر مع الغفلة، وفي روايةٍ ضعيفةٍ عنه: لا يجوز النظر إليها إلا برضاها. واستحسن كثيرٌ كونَ هذا النظر قبل الخطبة، حتى إنْ كَرِهَها تَرَكها من غير إيذاءٍ، بخلاف ما إذا تَرَكها بعد الخطبة كما لا يخفى. وقال بعضهم: إنَّ فيها إشارةً أيضاً إلى استحباب الزيادة على الواحدة لمن لم يخف عدمَ العَدْل؛ لأنه سبحانه قدَّم الأمرَ بالزيادة وعلَّق أَمْرَ الواحدة بخَوْف عدمِ العَدْل، ويا ما أُحيلى الزيادة إن ائتلفتِ الزوجات، وصحَّ جمعُ المؤنَّث بعد التثنيةَ مُعرَباً بالضم من بين سائر الحركات، وهذا لَعَمْرِي أبعدُ من العُّوق، وأَعَزُّ من الكبريت الأحمر، وبَيْضِ الأُنوق: ما كلُّ ما يتمثَّى المرءُ يُدركه تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُرُ(٢) ﴿ذَلِكَ﴾ أي: اختيار الواحدة، أو التَّسرِّي، أو الجميع وهو الأَولى، وإليه يشيرُ کلامُ ابنِ زيد(٣) . (١) صحيح مسلم (١٤٢٤) من حديث أبي هريرة له، وأخرجه أحمد (٧٨٤٢). (٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٦٦/٤. (٣) في الأصل و(م): ابن أبي زيد، والمثبت من تفسير الطبري حيث أخرج الأثر ٣٨٠/٦، ولفظه: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتك أهون نفقة من حرة . ١٠٠ سُورَةُ الشَّةِ ٢٩٤ الآية : ٣ ﴿أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ (٣)﴾ العَوْلُ في الأصل: المَيْلُ المحسوس، يقال: عَالَ الميزانُ عَولاً، إذا مال، ثم نُقل إلى المَيْل المعنويِّ، وهو الجَوْر، ومنه: عال الحاكم، إذا جار، والمراد هاهنا: الميلُ المحظورُ المقابِلُ للعَدْل، أي: ما ذُكر من اختيار الواحدة والتَّسرِّي أقربُ بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا مَيلاً محظوراً، لانتفائه رأساً بانتفاء مَحلِّه في الأول، وانتفاء خَطَرَه في الثاني، بخلاف اختيار العدد في المهائر، فإنَّ الميل المحظورَ متوقَّعٌ فيه لتحقُّق المحلِّ والخَطَرِ، وإلى هذا ذهب بعض المحققين. وجوَّز بعضُهم كونَ الإشارة إلى ثلاثة أمور: التقليلُ من الأزواج، واختيارُ الواحدة، والتَّسرِّي، أي: هذه الأمور الثلاثة أدنى من جميع ما عداها. والأول أظهر . وقد حكي عن الإمام الشافعي نظره أنه فسَّر ((أن لا تعولوا)) بـ: أن لا تَكْثُر عيالُكم(١)، وقد ذكر الشهاب(٢) أنه خطَّأه ــ وحاشاه ــ فيه كثيرٌ من المتقدِّمين؛ لأنه إنما يقال لمن كثرتْ عياله: أعالَ يُعيل إعالةً، ولم يقولوا: عال يعول. وأجيب بأنَّ الإمامَ الشافعيَّ سلكَ في هذا التفسير سبيلَ الكناية، فقد جعل الفعلَ في الآية من عال الرجلُ عِيالَه يَعولهم؛ كقولك: مانهَم یمونهم، إذا أنفق عليهم، ومَنْ كَثُرتْ عيالُه لزمه أن يعولَهم، فاستَعمل الإنفاق وأورد لازمَ معناه، وهو كثرةُ العيال. واعترض بأنَّ ((عال)) بمعنى مان وأنفق لا دلالة له على كثرة المؤنة حتى يُكنى به عن کثرة العیال. وأجيب بأنَّ الراغبَ ذَكَرَ أنَّ أصلَ معنى العَوْل الثِّقَل، يقال: عاله، أي: تحمَّل ثِقَلَ مُؤْنته(٣)، والنِّقَلُ إنما يكون في كثيرِ الإنفاق لا في قليله، فيُراد من ((لا تعولوا)) كثرةُ الإنفاق، بقرينة المقام والسياق؛ لأنه ليس المراد نفي المؤنة والعيال من (١) رواه عنه الأزهري في تهذيب اللغة ١٩٤/٣. (٢) في الحاشية ١٠٢/٣. (٣) مفردات الراغب (عول). الآية : ٣ ٢٩٥ سُورَةُ النِّسَاءِ أصله؛ إذ مَنْ تزوَّج واحدةً كان عائلاً وعليه مؤنة، فالكلام كالصريح فيه، واستعمال أصل الفعل في الزيادة فيه غيرُ عزيزٍ، فلا غبار. وذكر في ((الكشف)) أنه لا حاجة إلى أَصْل الجواب عن الإمام الشافعي ، فإنَّ الكسائيَّ نقل عن فُصحَاء العرب: عال يعول إذا كَثُر عِياله، وممَّن نقله الأصمعيُّ والأزهري(١)، وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم(٢)، وهو من أَجِلَّةِ التابعين، وقراءةُ طاوس: ((أن لا تُعيلوا))(٣) مؤيدةٌ له، فلا وجه التشنيع مَن شَنَّع على الإمام جاهلاً باللُّغات والآثار، وقد نقل الدُّوري إمام القُرَّاء أنها لغة حِمْيرَ وأنشد: بلا شكِّ وإن أَمشى وَعَالا(٤) وإنَّ الموتَ يأخذُ كلَّ حيٍّ أي: وإن کَثُرتْ ماشیتُه وعيالُه. وأما ما قيل: إنَّ ((عال)) بمعنى كَثُرت عِيالُهُ يائيٌّ، وبمعنى جارَ واويٌّ، فليست التخطئة في استعمال ((عال)) في كثرة العيال، بل في عدم الفرق بين المادّتين = فرُوَّ أيضاً بما اقتضاه كلام البعض من أنَّ عال له معانٍ: مالَ، وجارَ، وافتقرَ، وكثرتْ عياله، ومانَ، وأنفقَ، وأعجز، يقال: عالَني الأمر، أي: أعجزني، ومضارعه يَعيل ويَعول، فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني. ثم المراد بالعيال على هذا التفسير، يحتمل أن يكون الأزواجَ كما أشرنا إليه، وعدمُ كثرةِ الأزواجِ في اختيار الواحدة - وكذا في التقليل إن قلنا إنه داخلٌ في المشار إليه - ظاهرٌ، وأما عدمُ كثرتهنَّ في التسرِّي، فباعتبار أنَّ ذلك صادقٌ على عدمهنَّ بالكلية. ويحتمل أن يكون الأولادَ، وعدمُ كثرتهم في اختيار الواحدة - وكذا في التقليلِ ظاهرٌ أيضاً، وأما عدم كثرتهم في التسرِّي فباعتبار أنه مَظِنَّة قلَّة الأولاد؛ إذ العادةُ (١) في تهذيب اللغة ٣/ ١٩٤ -١٩٥ . (٢) في تفسيره ٣/ ٨٦٠، وأخرجه الطبري ٦/ ٣٨٠ عن ابن زيد. (٣) بضم التاء، من أعال الرجل: إذا كثر عياله. الكشاف ٤٩٨/١، والبحر ١٦٦/٣. (٤) تفسير القرطبي ٤١/٦، والبحر ١٦٥/٣، وحاشية الشهاب ١٠٣/٣، والكلام منه. الآية : ٤ ٢٩٦ سُورَةُ المِسْحَّةِ على أن لا يتقيَّد المرءُ بمضاجعة السراري، ولا يأبى العزل عنهنَّ، بخلاف المهائر، فإنَّ العادة على تقيُّد المرء بمضاجعتهن، وإباء العزل عنهنَّ، وإن كان العزل عنهنَّ كالعزل عن السراري جائزاً شرعاً بإذنٍ وبغير إذنٍ في المشهور من مذهب الشافعي. وفي بعض شروح ((الكشاف)) ما يدلُّ على أنَّ في ذلك خلافاً عند الشافعية، فمنعه بعضُهم، كما هو مذهب أبي حنيفة ◌ُه. وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن سفيان بن عيينة أنه فسَّر: ((أن لا تعولوا)) بـ : أن لا تفتقروا. وقد قدَّمنا أنَّ ((عال)) يجيءُ بمعنى: افتقر، ومن وروده کذلك قوله: فما يدري الفقيرُ متى غِناهُ وما يدري الغنيُّ متى يَعِيلُ(٢) إلا أنَّ الفعلَ في البيت يائيٌّ، لا واويٌّ كما في الآية، والأمر فيه سهلٌ كما عرفت. وعلى سائر التفاسير، الجملةُ مستأنفةٌ جاريةٌ مما قبلها مجرى التعليل. ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ﴾ أي: أعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهنَّ ﴿صَدُقَنِنَّ﴾ جمع صَدُقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصَّداق بمعنى المهر، وقرئ: ((صَدْقاتهنَّ)) بفتح الصاد وسكون الدال(٣)، وأصلها بضم الدال، فخففت بالتسكين، و((صُدْقاتهنَّ)) بضم الصاد وسكون الدال(٤)، جمع صُدْقة، بوزن غُرْفة، وقرئ: ((صُدُقَتَهُنَّ)) بضمِّ الصاد والدال على التوحيد(٥)، وأَصله صُدْقة بضم الصَّاد وسكون الدال، فضُمَّتِ الدال إتباعاً لضمِّ الأول، كما يقال: ظُلْمة وظُلُمة. ◌ِلَةٌ﴾ أي: فريضة. قاله ابن عباس وابن زيد وابن جريج وقتادة، فانتصابها على الحالية من الصدقات، أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ حالَ كونها فريضةً من الله تعالى لهنَّ. (١) في تفسيره ٨٦٠/٣. (٢) البيت لأحيحة بن الجُلاح، وهو في جمهرة أشعار العرب ١٣٥/١، والحماسة البصرية ٤٣/٢ . (٣) الكشاف ٤٩٨/١ . (٤) القراءات الشاذة ص ٢٤، والمحرر الوجيز ٨/٢، والبحر المحيط ١٦٦/٣. (٥) هي قراءة يحيى بن وثاب ورويت عن قتادة. القراءات الشاذة ص ٢٤، والبحر المحيط ١٦٦/٣. الآية : ٤ ٢٩٧ سُورَةُ النَّسَاءِ وقال الزَّجاج(١) وابن خالويه: تَديُّناً. فانتصابها على أنها مفعولٌ له، أي: أعطوهنَّ ديانةً وشِرْعةً. وقال الكلبيُّ: هبةً وعطيةً من اللهِ، وتفضُّلاً منه تعالى عليهنَّ. فانتصابها على الحالية من الصدقات أيضاً. وقيل: عطية من الأزواج لهنَّ. فانتصابها على المصدر، أو على الحالية من ضمير ((آتوا))، أو من ((النساء)»، أو من ((صدقاتهنَّ)). واعتُرض بأنَّ الحال قيدٌ للعامل، فيلزم هنا كونُ الإيتاء قيداً للإيتاء، والشيءُ لا یکون قيداً لنفسه. وأُجيب بأنَّ النِّحلةَ ليست مطلقَ الإيتاء، بل هي نوع منه، وهو الإیتاء عن طِیبٍ نفسٍ، فالمعنى: أعطوهنَّ صدقاتهنَّ طيِّبي النفوس بالإعطاء، أو معاطاةً عن طِيب نفس، وعليه فالمصدر مبيِّنٌ للنوع. فإن قلتَ: إنَّ النِّحلة أُخذ في مفهومها أيضاً عدمُ العِوَض، فكيف يكون المھرُ بلا عِوَض، وهو في مقابلة البُضع والتمتُّع به؟ أجيب بأنه لمَّا كان للزوجة في الجماع مثلُ ما للزوج، أو أَزْيَدُ، وتزيد عليه بوجوب النفقة والكُسْوة، كان المهر مجّاناً لمقابلة التمتُّع بتمتُعٍ أكثرَ منه. وقيل: إنَّ الصَّداق كان في شَرْع مَنْ قَبلنا للأولياء، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ﴾ [القصص: ٢٧] إلخ، ثم نُسخ فصار ذلك عطيةً اقتُطعت لهنَّ، فسُمِّي نِحلة. وأيَّد غيرُ واحدٍ قولَ الكلبيِّ بأنَّ ما وُضع له لفظُ النِّحلة هو العطيةُ من غير عِوَضٍٍ، كما ذهب إليه جماعة منهم الرُّمَّانيُّ، وجعل من ذلك النحلة للديانة؛ لأنها كالنحلة التي هي عطيةٌ من الله تعالى، والنحل للدَّبْر، لِمَا يُعطي من العسل، والناحل للمهزول؛ لأنه يأخذ لحمه حالاً بعد حال، كأنه المُعْطِيه بلا عوض، والمنحول من الشِّعر؛ لأنه نِحلةُ الشاعر ما ليس له، وحينئذ فَمَنْ فَسَّر النِّحلة بالفريضة، نظر إلى أنَّ هذه العطية فريضةٌ. (١) في معاني القرآن له ١٢/٢. سُورَةُ السََّاةِ ٢٩٨ الآية : ٤ والخطاب على ما هو المتبادر للأزواج، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة، واختاره الطبريُّ(١) والجُبَّائيُّ وغيرُهما، قيل: كان الرجل يتزوَّج بلا مَهْرٍ يقول: أَرِتُكِ وترثيني؟ فتقول: نعم فأُمروا أن يُسرعوا إلى إعطاء المهور. وقيل: الخطاب لأولياء النساء، فقد أخرج ابنُ حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوَّج أيِّمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ونزلت: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَاءَ﴾ إلخ(٢). وروى ذلك أبو الجارود(٣) من الإمامية عن الباقر ظُه. وهذه عادةُ كثيرٍ من العرب اليوم، وهو حرامٌ، كَأَكل الأزواج شيئاً من مهور النساء بغير رضاهنَّ. ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ﴾ الضميرُ للصَّدُقات، وتذكيرُهُ لإجرائه مجرى (ذلك))، فإنه كثيراً ما يُشار به إلى المتعدِّد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَوْنَبِفُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] بعد ذكر الشهوات المعدودة؛ وقد روي عن أبي عبيدة أنه قال: قلت لرؤبة في قوله: فيها خطوطُ من سوادٍ وبَلَقْ كأنهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ(٤) إن أردت الخطوط فقل: كأنَّها، وإن أردت السوادَ والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردتُ كأنَّ ذلك، ويلك(٥) . أو للصَّداق الواقع موقعه ((صدقاتهنَّ»، كأنه قيل: وآتوا النساء صداقهنَّ، والحمل على المعنى كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] (١) في تفسيره ٦/ ٣٨٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٦٠، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١١٩/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٦/ ٣٨١. وجاء في الأصل و(م): زوج أيماً. والمثبت من مصادر التخريج. (٣) في الأصل و(م): الجارود، والمثبت من مجمع البيان ١٨/٤. وأبو الجارود هو زياد بن المنذر الكوفي، كذَّبه يحيى بن معين، مات بعد (١٥٠هـ). التهذيب ١/ ٦٥٤ . (٤) ديوان رؤبة ص ١٠٤، قال صاحب خزانة الأدب ٨٨/١: البَلَق: سواد وبياض، والتوليع: استطالة البلق، والبهق: بیاض مخالف للون الجسد ولیس ببرص. (٥) مجاز القرآن ٤٤/١. الآية : ٤ ٢٩٩ سُورَةُ النِّسَاءِ حيث عَطَفَ على ما دلَّ عليه المذكور ووقعَ موقِعَه(١). أو للصَّداق الذي في ضمن الجمع لأنَّ المعنى: آتوا كلَّ واحدةٍ من النساء صداقاً. وقيل: الضمير عائدٌ إلى الإيتاء. واعتُرض بأنه إنما يستقيم إذا أريد به المأتي، ورجوعُ ضميرٍ إلى مصدرٍ مفهوم من الفعل(٢)، ثم تأويلُ ذلك المصدر بمعنى المفعول، لا یخلو عن بُعد. واللام متعلقةٌ بالفعل، وكذا ((عن)) بتضمينه معنى التجافي والتباعُدِ، وإلا فأصله أن يتعدَّى لمثل ذلك بالباء، كقوله: وما كاد نفساً بالفراق تطيبُ(٣) و((من)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لـ ((شيء))، أي: كائن من الصداق، وفيه بَعْثٌ لهنَّ على تقليل الموهوب، حتى نُقل عن الليث أنه لا يجوز تبرُّعُهُنَّ إلا باليسير(٤)، ولا فَرْقَ بين المقبوض وما في الذمة، إلا أنَّ الأول هبةٌ والثاني إبراء، ولذلك تعامَلَ الناسُ على التعويض فيه ليرتفع الخلاف. ﴿فَقْسًا﴾ تمييزٌ لبيان الجنس ولذا وُخِّد، وتوضيحُ ذلك على ما ذكره بعض المحققين: أنَّ التمييز - كما قاله النحاة - إن اتَّحد معناهُ بالمميَّز وجبت المطابقة، نحو: كَرُمَ الزَّيدونَ رِجالاً، كالخبر والصفة والحال، وإلا فإن كان مفرَداً غيرَ متعدِّدٍ وَجَبَ إفراده، نحو: كَرُمَ بنو فلانٍ أباً؛ إذ المراد أنَّ أَصلهم واحدٌ مَّصفٌ بالكَرَم، فإن تعدَّد وأَلْبَسَ وَجَبَ خلفُه بظاهرٍ(٥)، نحو: كَرُم الزيدون آباءً، إذا أُريد أنَّ لكلِّ (١) كأنه قيل: إن أخرتني أصدَّقْ وأكنْ. تفسير أبي السعود ١٤٣/٢، والكلام منه. (٢) قوله: من الفعل، ساقط من (م). (٣) عجز بيت للمخبل السعدي، كما في الخصائص ٣٨٤/٢، والحلل للبطليوسي ص ٣٣١، وقال البطليوسي: ويقال: إنه لأعشى همدان، وزاد الشنقيطي في الدرر ٣٧/٤ نسبته لقيس بن الملوح، وهو دون نسبة في المقتضب ٣٧/٣، والإنصاف ٨٢٨/٢، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٢٩/٣، وصدره: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها. ووقع في جميع المصادر: وما كان نفساً ... (٤) جاء في هامش الأصل و(م): وعن الأوزاعي - كما في الكشاف - لا يجوز تبرعها ما لم تلد، أو تقم في بيت زوجها سنة. اهـ منه. (٥) وقع فوقها في الأصل: أي غير ملبس. سُورَةُ التَسَاءِ ٣٠٠ الآية : ٤ منهم أباً كريماً؛ إذ لو أُفرد تُوهِّم أنهم من أبٍ واحد، والغرض خلافه، وإن لم يُلْبِسْ جاز الأمران، ومصحِّحُ الإفراد عدمُ الإلباس كما هنا، لأنه لا يُتوهّم أنَّ لهنَّ نَفْسَاً واحدة، ومُرجِّحه أنه الأصلُ مع خِفَّته ومطابقته لضمیر ((منه)). وهو اسمُ جنسٍ، والغرض هنا بيانُ الجنس، والواحدُ يدلُّ عليه كقولك: عشرون درهماً. والمعنى: فإنْ وَهَبْنَ لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهنَّ، طيِّاتٍ غير مخبئات بما يضطرُّهُنَّ إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم. وإنما أُوثِرِ ما في النَّظْم الكريم دون: فإن وَهَبْنَ لكم شيئاً منه عن طيب نفس، إيذاناً بأنَّ العُمدة في الأمر طِيْبُ النفس وتَجافيها عن الموهوب بالمرَّة، حيث جُعل ذلك مبتدأً وركناً من الكلام، لا فَضْلَةً كما في التركيب المفروض. أي: فكلوا ذلك الشيءَ الذي طابتْ لكم عنه نفوسهنَّ، وتصرَّفوا فيه تملُّكاً، وتخصيصُ الأَكْلِ بالذِّكر لأنه مُعظَمُ وجوه التصرُّفات المالية. صفتان من: هَنُؤَ الطعامُ يَهْنُؤُ هناءةً، ومَرُؤَ يَمْرُؤُ مَراءة، إذا لم ﴿مَنِيْنَا نَِّئًا يَثْقل على المعدة، وانحدر عنها طيباً . وفي ((الصحاح)) (١) نقلاً عن الأخفش يقال: هَنُؤَ وهَنِىءَ ومَرُؤَ ومَرِىءَ، كما يقال: فَقُهَ وَفَقِهِ، بكسر القاف وضمِّها، ويقال: هَنَأَني الطعامُ يَهْنِتُني ويَهْنَؤْني(٢) - ولا نظير له في المهموز - هنّاً وهِنّاً، وتقول: هَنِئْتُ الطَّعامَ، أي: تهنَّأْت به، وكذا يقال: مَرَأَني الطعامُ يَمْرَأُ مراءة(٣)، وقال بعضهم: أَمْرَأَني، وقال الفرَّاء: يقال: هَنَّأَني الطعامُ ومَرَأَني، بغير ألف، فإذا أفردوها عن هَنَأني قالوا: أَمْرَأني. وقيل: الهنيءُ: الذي يَلذُّه الآكلُ، والمريءُ: ما تُحمَد عاقبتُهُ، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المرِيء: كأمير، وهو رأْسُ المعدة والكَرِش اللاصق بالحلقوم، سُمِّي به لمروء(٤) الطعام فيه، أي: انسياغه. (١) مادة (مرأ) و(هنا). (٢) في الأصل: ويهنئني، وفي (م): يهنأني، والمثبت من الصحاح. (٣) في الأصل و(م): مرءاً. والمثبت من الصحاح. (٤) في الأصل و(م): لمرور، والمثبت من الكشاف ٤٩٩/١، وتفسير الرازي ٩/ ١٨٢، وتفسير أبي السعود ٢/ ١٤٤ .