Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ١٩٣
٢٢١
سُورَةُ العَقْرَانَ
وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصيةً، والثاني ما أتى به مع
الجهل(١) بذلك.
والأول هو التفسير المأثور عن ابن عباس، وأُيِّد بأنه المناسب لِلُّغة؛ لأنَّ
الذَّنْبَ مأخوذٌ من الذَّنَبِ بمعنى الذَّيل، فاستُعمل فيما تُسْتَوخَم عاقبته وهو الكبيرة؛
لما يَعقُبها من الإثم العظيم، ولذلك يُسمَّى تَبِعة، اعتباراً بما يتبعه من العقاب
كما صرَّح به الراغب(٢). وأما السيئة فمن السوء وهو المستقبَح، ولذلك تقابَل
بالحسنة فتكون أَخفّ.
وتأييدُهُ بأنَّ الغفران مختصٌّ بفعل الله تعالى، والتكفير قد يُستعمل في فعل
العبد - كما يقال: كَفَّر عن يمينه - وهو يقتضي أن يكون الثاني أخفّ من الأول،
على تحمُّلِ ما فيه، إنما يقتضي مجرَّد الأَخَفِّية، وأما كونُ الأولِ الكبائرَ والثاني
الصغائر بالمعنى المراد فلا يجوز أن(٣) يراد بالأول والثاني ما ذُكر في القول
الثالث، فإنَّ الأَخَفِّية وعدمَها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى. ثم المفهوم من
كثيرٍ من عبارات اللغويين عدمُ الفرق بين الغفران والتكفير، بل صرَّح بعضُهم بأنَّ
معناهما واحد.
وقيل: في التكفير معنّى زائدٌ، وهو التغطيةُ للأمن من الفضيحة.
وقيل: إنه كثيراً ما يُعتَبر فيه معنى الإذهابِ والإزالةِ، ولهذا يُعدَّى بـ ((عن))،
والغفران ليس كذلك.
وفي ذِكْر (لنا)) و((عنَّا)) في الآية - مع أنه لو قيل: فاغفر ذنوبنا وكفِّر سيئاتنا لأفاد
المقصود - إيماءٌ إِلى وفورِ الرغبة في هذين الأمرين.
وادعى بعضهم أنَّ الدعاء الأول متضمِّنٌ للدعاء بتوفيق الله تعالى للتوبة؛ لأنه
السبب لمغفرة الكبائر، وأنَّ الدعاء الثاني متضمِّنٌ لطلب التوفيق منه سبحانه
للاجتناب عن الكبائر، لأنه السبب لتكفير الصغائر. وأنت تعلم أنَّ المغفرةَ غيرُ
(١) في (م): من الجهل.
(٢) في مفرداته (ذنب)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٩١/٣.
(٣) قوله: أن. ساقط من (م).

سُورَةُ العمران
٢٢٢
الآية : ١٩٤
مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة، وأنَّ بعضَهم احتجَّ بهذه الآية على ذلك، حيث إنهم
طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة، بدلالة فاء التعقيب، كذا قيل،
وسيأتي تحقيق ما فيه، فتدبّر.
﴿وَتَوَنَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾﴾ أي: مخصوصين بالانخراط في سلكهم والعدِّ من
زمرتهم، ولا مجال لكون المعيّة زمانيةً؛ إذ منهم مَن مات قبلُ، ومَن يموت بَعدُ،
وفي طلبهم التوفِي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعارٌ بأنهم يُحبُّون لقاء الله تعالى،
ومَن أَحَبَّ لقاء الله تعالى، أحب الله تعالى لقاءه.
والأبرار جَمْعُ بَرِّ، كأَرباب جمعُ رَبّ، وقيل: جمع بارِّ، كأصحاب جمع
صاحب، وضُعِّف بأنَّ فاعلاً لا يُجمَع على أفعال، وأصحاب جمع صَحْب
بالسكون، أو صَحِبٍ بالكسر، مخفّف صاحب بحذف الألف، وبعضُ أهل العربيّة
أثبته وجعله نادراً.
ونكتةُ قولهم: ((مع الأبرار)) دون ((أبراراً) التذلَّلُ، وأنَّ المراد: لسنا بأبرارٍ،
فاسلكنا معهم، واجعلنا من أتباعهم، وفي ((الكشف)): إنَّ في ذلك هَضْماً
للنفس، وحُسْنَ أدبٍ مع إدماج مبالغة؛ لأنه من باب: هو من العلماء، بدل:
عالم.
﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا﴾ أي: بعد التوفِّي ﴿مَا وَعَدَنَّنَا﴾ أي: به، أو: إياه، والمراد بذلك
الثواب ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ إما متعلِّقٌ بالوعد، أو بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ مؤكّدٍ
محذوف، وعلى التقديرين في الكلام مضافٌ محذوفٌ، والتقدير على التقدير
الأول: وعدتنا على تصديق أو امتثال رُسُلكَ، وهو كما يقال: وَعَدَ اللهُ تعالى الجنةَ
على الطاعة، وعلى الثاني: وعدتنا وَعْداً كائناً على ألسنة رسلك. ويجوز أن يتعلَّق
الجارُّ على تقدير الألسنة بالوعد أيضاً، فتخفُّ مؤنة الحذف. وتعلُّقهُ بـ ((آتنا)»
كما جوَّزه أبو البقاء(١)، خلافُ الظاهر.
وبعض المحقّقين جوَّز التعلُّقَ بكَوْنٍ مقيَّدٍ هو حالٌ من ((ما))، أي: منزلاً أو
محمولاً على رُسُلك.
(١) في الإملاء ٢/ ١٧٥ .

الآية : ١٩٤
٢٢٣
سُورَةُ آل عمران
واعترضه أبو حيان(١) بأنَّ القاعدة: أنَّ متعلَّق الظرف إذا كان كوناً مقيداً
لا يجوز حذفُه، وإنما يُحذَف إذا كان كوناً مطلقاً، وأيضاً الظّرفُ هنا حالٌ، وهو
إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفةً، يتعلَّقُ بكَوْنٍ مُظْلَقٍ لا مقيَّد.
وأجيب بمنع انحصار التعلُّق في كَوْنٍ مُطلَقٍ، بل يجوز التعلُّق به أو بمقيَّد،
ويجوز حذفُهُ إذا كان عليه دليل. ولا يَخْفَى متانةُ الجواب، وأنَّ إنكارَ أبي حيان
ليس بشيء، إلا أنَّ تقدير كونٍ مقيَّدٍ فيما نحن فيه تعسُّفٌ مستغنّى عنه.
وزعم بعضُهم جواز كون ((على)) بمعنى ((مع))، وأنه متعلِّقٌ بـ ((آتنا)) ولا حَذْفَ لشيءٍ
أصلاً، والمراد: آتنا مع رُسُلك، وشارِكُهم معنا في أَجْرِنا، فإنَّ الدَّالَّ على الخير
كفاعله. وفائدةُ طلب تشريكهم معهم أداءُ حقٌّهم وتكثيرُ فضيلهم ببركةٍ مشاركتهم.
ولا يخفى أنَّ هذا مما لا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى الجليلِ عليه، بل
ولا كلام أَحدٍ من فُصَحاء العرب. وتكريرُ النداء لِمَا مرَّ غيرَ مرَّة.
وجَمَعَ الرُّسُلَ مع أنَّ المنادى هو واحدُ الآحادِ وَِّ وحدَه؛ لِمَا أنَّ
دعوته - لا سيَّما على منبر التوحيد وما أجمع عليه الكلُّ من الشرائع - منطويةٌ على
دعوة الكلِّ، فتصديقُهُ وَّهِ تصديقٌ لهم عليهم السلام، وكذا الموعودُ على لسانه عليه
الصلاة والسلام من الثواب موعودٌ على لسانهم، وإيثارُ الجمع على الأول لإظهار
الرغبة في تيار فَضْل الله تعالى؛ إذ من المعلوم أنَّ الثواب على تصديق رسلٍ أَعظَمُ
من الثواب على تصديق رسولٍ واحد، وعلى الثاني: لإظهار كمال الثقة بإنجاز
الموعود، بناءً على كثرة الشهود.
وتأخيرُ هذا الدعاءِ بناءً على ما ذكرنا في تفسير الموصول - ويكاد يكون مقطوعاً
به - ظاهرٌ؛ لأنَّ الأمرَ أُخرويّ.
وأما إذا فُسِّر بالنصر على الأعداء كما قيل، فتأخيرُه عمّا قبله: إما لأنه من باب
التحلية والآخرُ من باب التخلية، والتحليةُ متأخِّرةٌ عن التخلية، وإما لأنَّ الأول
مما يترتَّب على تحقُّقه النجاةُ في العقبى، وعلى عَدَمه الهلاك فيها، والثاني ليس
کذلك - كما لا يخفى - فيكون دونه، فلهذا أُخِّر عنه.
(١) في البحر المحيط ١٤٢/٣.

سُورَةُ العمران
٢٢٤
الآية : ١٩٤
وَلَا
وأُيِّد كونُ المرادِ النصرَ لا الثوابَ الأخرويّ تعقیب ذلك بقوله تعالى:
تُخْرِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ لأنَّ طلب الثواب يغني عن هذا الدعاء؛ لأنَّ الثواب متى حصل
كان الخزيُ عنهم بمراحل، وهذا بخلاف ما إذا كان المراد من الأول الدعاءَ
بالنصر في الدنيا، فإنَّ عدم الإغناء عليه ظاهرٌ، بل في الجمع بين الدعاءین حينئذٍ
لطافةٌ؛ إذ مآل الأول: لا تخزنا في الدنيا بغَلَبة العدوِّ علينا، فكأنهم قالوا: لا تخزنا
في الدنيا ولا تخزنا في الآخرة، وغايَروا في التعبير فعبَّروا في طلب كلٍّ من
الأمرين بعبارة، للاختلافِ بين المطلوبين أنفسهما .
وأُجيب بأَنَّ فائدةَ التعقيب على ذلك التقديرِ الإشارةُ إلى أنهم طلبوا ثواباً كاملاً
لم يتقدَّمه خزيٌ ووقوعٌ في بلاء، وكأنهم لمَّا طلبوا ما هو المتمنَّى الأعظم، وغايةٌ
ما يرجوه الراجون في ذلك اليوم الأيوَم(١)، وهو الثواب، التفتوا إلى طلب ما يَعُم
به أمره، ويرتفع به في ذلك الموقف قَدْرُه، وهو تركُ العذاب بالمرّة، وفي الجمع
بين الأمرين على هذا من اللطف ما لا يخفى.
وأيضاً يحتمل أن يقال: إنهم طلبوا الثواب أولاً باعتبار أنه يندفع به العذاب
الجسماني، ثم طلبوا دفع العذاب الروحانيّ بناءً على أنَّ الخزيَ الإهانةُ والتخجيل،
فيكون في الكلام تَرَقُّ من الأدنى إلى الأعلى، كأنهم قالوا: ربّنا ادفع عنّا العذاب
الجسمانيَّ وادفع عنَّا ما هو أشدُّ منه، وهو العذاب الروحاني.
وإن أنت أَبيتَ هذا وذاك، واذَّعيتَ التلازم بين الثواب وتَرْك الخزي، فلنا أن
نقول: إنَّ القوم لمزيد حِرْصهم وفَرْطِ رغبتهم في النجاة في ذلك اليوم الذي تظهر
فيه الأهوال وتشيب فيه الأطفال لم يكتفوا بأحد الدُّعاءين، وإن استلزم الآخَرَ، بل
جمعوا بينهما ليكون ذلك من الإلحاح، والله تعالى يحبُّ الملحِّين في الدعاء(٢)،
فهو أَقربُ إلى الإجابة، وقدَّموا الأول لأنه أوفقُ بما قبله صيغةً.
ومن الناس مَن يؤوِّل هذا الدعاء بأنه طلبُ العصمة عمَّا يقتضي الإخزاء،
وُجُعل ختم الأدعية ليكون ختامها مسكاً؛ لأنَّ المطلوب فيه أمرٌ عظيم.
(١) أي: الشديد، وهذا كما قالوا: ليلة ليلاء. أساس البلاغة (يوم)، والصحاح (يوم).
(٢) أخرج الطبراني في الدعاء (٢٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٨) عن عائشة
قالت: قال رسول الله وَ له: ((إن الله يحبُّ الملحِّين في الدعاء)».

الآية : ١٩٤
٢٢٥
سُورَةُ الْعَنْزَانَ
والظرف متعلِّقٌ بما عنده معنًى ولفظاً، ويجب ذلك قطعاً إن كان الكلام مؤوَّلاً،
أو كان الموصولُ عبارةً عن النصر، ويترجَّح - بل يكاد يجب أيضاً - إذا كان
الموصولُ عبارةً عن الثواب، واحتمال أنه مما تنازع فيه ((آتنا)) و((لا تخزنا)) على
ذلك التقدير، هو كما ترى.
· تذييلٌ لتحقيق ما نظموا في سلك الدعاء، وقيل:
﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ (َ
متعلِّقٌ بما قبل الأخير، اللازم له، وإليه يشير كلام الأجهوري.
والميعاد: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الوعد، وقيَّده الكثير هنا بالإثابة والإجابة، وهو
الظاهر، وأما تفسيرُهُ بالبعث بعد الموت - كما روي عن ابن عباس - فصحيحٌ؛ لأنه
ميعادُ الناس للجزاء، وقد يرجع إلى الأول.
وتَرْكُ العطف في هذه الأدعية المفتَتَحة بالنداء بعنوان الربوبية؛ للإيذان
باستقلال المطالب وعلوِّ شأنها، وقد أشرنا إلى سرِّ تكرار النداء بذلك الاسم.
وفي بعض الآثار أنَّ موسى عليه السلام قال مرَّة: يا رب. فأجابه الله تعالى:
لبّيك يا موسى. فعجب موسى عليه السلام من ذلك فقال: يا ربِّ، أهذا لي
خاصَّة؟ فقال: لا، ولكن لكلِّ مَن يدعوني بالربوبية.
وعن جعفر الصادق ﴿ه: مَن أَحزنه أَمرٌ فقال: ربَّنا ربَّنا، خمسَ مرَّات،
نجَّاه الله تعالى مما يخاف، وأعطاه ما أراد. وقرأ هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما من عبدٍ يقول: يا ربِّ، ثلاث مرات،
إلا نظر الله تعالى إليه. فذُكر للحسن فقال: أما تقرأ القرآن: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا
مُنَادِيً﴾ إلخ(١).
فإن قلتَ: إنَّ وَعْدَ الله تعالى واجبُ الوقوع؛ لاستحالة الخُلْف في وَعْده
سبحانه إجماعاً، فكيف طلب القومُ ما هو واقعٌ لا محالة؟
قلتُ: أجيب بأنَّ وَعْدَ الله تعالى لهم ليس بَحَسَبٍ ذواتهم، بل بحَسَبِ أعمالهم،
فالمقصود من الدعاء التوفيقُ للأعمال التي يصيرون بها أهلاً لحصول الموعود.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨٤٤/٣.

سُورَةُ الَّعَقْرَانَ
٢٢٦
الآية : ١٩٥
أو المقصود مجرَّد الاستكانة والتذلَّل لله تعالى بدليل قولهم: ((إنك لا تخلف
الميعاد)) وبهذا يلتئم التذييل أَتَمَّ التئام، واختار هذا الجُبَّائيُّ وعليُّ بن عيسى.
أو الدعاء تعبُّديٌّ؛ لقوله سبحانه: ﴿أَدْعُونِ﴾ [غافر: ٦٠] فلا يضرُّ كونُه متعلِّقاً
بواجب الوقوع، وما يستحيل خلافُه، ومن ذلك: ﴿رَبِّ امْكُم بِالْحَقٌ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
وقيل: إنَّ الموعود به هو النصر لا غير، والقوم قد علموا ذلك، لكنهم لم
يُوقَّتْ لهم في الوعد ليعلموه، فرغبوا إلى الله تعالى في تعجيل ذلك لما فيه من
السرور بالّفَر، فالموعود غيرُ مسؤول، والمسؤول غيرُ موعود، فلا إشكال.
وإلى هذا ذهب الطبريُّ، وقال: إنَّ الآيةَ مختصَّةٌ بمن هاجر من أصحاب
النبيِّ وَّر، واستبطؤوا النصر على أعدائهم بعد أن وُعدوا به، وقالوا: لا صَبْرَ لنا
على أناتك وحِلْمك. وقوَّى بما بعدُ من الآيات(١). وكلامُ أبي القاسم البلخيِّ يشير
إلى هذا أيضاً، وفيه كلامٌ يُعلَم مما قدَّمنا.
وقيل: ليس هناك دعاءٌ حقيقة، بل الكلام مخرَّجُ مخرجَ المسألة، والمراد منه
الخبر. ولا يخفى أنه بمعزِلٍ عن التحقيق، ويزيده وَهْناً على وَهْنٍ قوله سبحانه:
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الاستجابة: الإجابة، ونُقل عن الفرَّاء أنَّ الإجابةَ تُطلَق
على الجواب ولو بالردّ، والاستجابةُ: الجوابُ بحصول المراد؛ لأنَّ زيادة السين
تدلُّ عليه؛ إذ هو لطلب الجواب، والمطلوب ما يوافقُ المرادَ لا ما يخالفه.
وتتعدَّى باللام وهو الشائع، وقد تتعدّى بنفسها كما في قوله :
وداعٍ دعا يا مَن يجيب إلى النَّدا فلم يستجبْهُ عند ذاك مجيبُ(٢)
وهذا - كما قال الشهاب(٣) وغيره ــ في التعدية إلى الداعي، وأما إلى الدعاء
فشائعٌ بدون اللام مثل: استجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قيل: إنَّ هذا البيت على
حذف مضافٍ أي: لم يستجب دعاءه.
(١) تفسير الطبري ٣١٨/٦.
(٢) البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو في الحماسة البصرية ٢٣٤/١، وخزانة الأدب ٤٣٦/١٠.
(٣) في الحاشية ٣/ ٩٢، وما قبله منه.

الآية : ١٩٥
٢٢٧
سُورَةُ الْعَنْرَانَ
والفاء للعطف، وما بعده معطوفٌ إما على الاستئناف المقدَّر في قوله سبحانه:
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ ولا ضيرَ في اختلافهما صيغةً؛ لِمَا أنَّ صيغة المستقبل
هناك للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء، وصيغةُ الماضي هنا للإيذان
بتحقيق الاستجابة وتقرُّرها.
ويجوز أن يكون معطوفاً على مقدَّر ينساقُ إليه الذهن، أي: دَعَوْا بهذه الأدعية
فاستجاب .. لهم إلخ.
وإن قُدِّر ذلك القولُ المقدَّر حالاً، فهو عَظْفٌ على ((يتفكّرون)) باعتبار مقارنته
لِمَا وقع حالاً من فاعله، أعني قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا﴾ إلخ، فإنَّ الاستجابة مترتِّبةٌ
على دعواتهم، لا على مجرَّد تفكّرهم، وحيث كانت من أوصافهم الجميلةِ المترتِّبةِ
على أعمالهم بالآخرة، استحقَّت الانتظام في سلك محاسنهم المعدودة في أثناء
مدحهم، وأما على كون الموصول نعتاً لأولي الألباب، فلا مساغَ لهذا العطف
لما عرفت سابقاً، وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام(١).
والمشهور: العطفُ على المُنساق إلى الذهن، وهو المنساق إليه الذهن.
وفي ذِكْر الربِّ هنا مضافاً ما لا يخفى من اللُّطف، وأخرج الترمذيُّ والحاكم
وخلقٌ كثيرٌ عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، لا أسمع الله تعالى ذَكَر النساءَ
في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية. فقالت
الأنصار: هي أولُ ظعينةٍ قَدِمَتْ علينا(٢). ولعل المراد أنها نزلت تتمَّةً لِمَا قبلها.
(١) تفسير أبي السعود ١٣٣/٢، وفيه: فلا مساغ لهذا العطف أصلاً لما عرفت من أن حق ما في
حيز الصلة أن يكون من مبادي جريان الحكم على الموصول، وقد عرفت أن دعواتهم
السابقة ليست كذلك، فأين الاستجابة المتأخرة عنها. وينظر ما سلف ص٢١١ من هذا
الجزء.
(٢) سنن الترمذي (٣٠٢٣)، والمستدرك ٢/ ٣٠٠. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري
ولم يخرجاه. وقوله: فقالت الأنصار ... ، ليس فيهما، وذكره بهذه الزيادة السيوطي في
الدر المنثور ١١٢/٢ وعنه نقل المصنف، ونسب هذه الزيادة ابن كثير عند تفسير هذه الآية
لسعيد بن منصور. وأخرج الترمذي (٣٠٢٢) عن مجاهد قوله: وكانت أم سلمة أول ظعينة
قدمت المدينة مهاجرة.

سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
٢٢٨
الآية : ١٩٥
وأخرج ابن مردويه (١) عنها أنها قالت: آخرُ آيةٍ نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
﴿أَنِ لَآَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ﴾ أي: بأنِّي، وهكذا قرأ أبيّ(٢)، واختلف في
تخريجه، فخرَّجه العلّامةُ شيخ الإسلام على أنَّ الباء للسببية، كأنه قيل: فاستجاب
لهم بسببٍ أنه لا يُضِيعُ عَمَلَ عاملٍ منهم، أي: سُنَّتُه السَّنِيَّةُ مستمرَّةٌ على ذلك.
وجَعَل التكلُّمَ في ((أَنِّي)) والخطابَ في ((منكم)) من باب الالتفات، والنكتةُ الخاصَّةُ
فيه إظهارُ كمال الاعتناء بشأن الاستجابة، وتشريفُ الداعين بشرف الخطاب.
والتعرُّض لبيان السبب لتأكيد الاستجابة، والإشعارِ بأنَّ مدارَها أعمالُهم التي
قدَّموها على الدعاء لا مجرَّدُ الدعاء(٣).
وقال بعض المحققين: إنها صلةٌ لمحذوفٍ وقع حالاً إمَّا من فاعل ((استجاب))، أو
من الضمير المجرور في ((لهم))، والتقدير: مخاطباً لهم بأنِّي، أو: مخاطبين بأنِّي إلخ.
وقيل: إنها متعلِّقةٌ بـ ((استجاب)) لأنَّ فيها معنى القول، وهو مذهب الكوفيين.
ويؤيِّد القولين أنه قرئ: ((إِنِّي)) بكسر الهمزة(٤)، وفيها يتعيَّن إرادةُ القول،
وموقعُه الحال، أي: قائلاً إنِّي، أو مقولاً لهم إنِّي إلخ، وتَوَافُقُ القراءتين خيرٌ من
تَخَالُفِهما، وهذا التوافقُ ظاهرٌ على ما ذهب إليه البعض وصاحبُ القيل، وإن
اختلف فيهما شدَّةً وضَعْفاً، وأما على ما ذكره العلّامة فالظهور لا يكاد يظهر، على
أنه في نفسه غيرُ ظاهر كما لا يخفى. وقرئ: ((لا أُضيِّع)) بالتشديد (٥).
وفي التعرُّض لوعد العاملين على العموم مع الرمز إلى وعيد المُعْرِضين غايةٌ
اللطف بحال هؤلاء الدَّاعِينَ، لا سيَّما وقد عَبَّر هناك عن تَرْك الإثابة بالإضاعة، مع
أنه ليس بإضاعةٍ حقيقةً؛ إذ الأعمال غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزمَ من تخلّفه عنها
إضاعتُها، ولكن عبَّر بذلك تأكيداً لأمر الإثابة، حتى كأنها واجبةٌ عليه تعالى.
(١) كما في الدر المنثور ٢/ ١١٢ .
(٢) البحر المحيط ١٤٣/٣، وتفسير أبي السعود ١٣٣/٢.
(٣) تفسير أبي السعود ١٣٣/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ٢٤.
(٥) المصدر السابق.

الآية : ١٩٥
٢٢٩
سُورَةُ الْعُمان
كذا قيل، والمشهورُ أنَّ الإضاعة في الأصل الإهلاكُ، ومثلُها التضييع، ويقال:
ضاع يَضِيع ضَيْعةً وضَياعاً، بالفتح: إذا هلك، واستُعملت هنا بمعنى الإبطال، أي:
لا أَبطل عملَ عامل كائنٍ منكم.
﴿مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ بيانٌ لـ «عامل» وتأكيدٌ لعمومه؛ إما على معنى: شخص
عامل، أو على التغليب. وجوِّز أن يكون بدلاً من ((منكم)) بدلَ الشيء من الشيء؛
إذ هما لعينٍ واحدة، وأن يكون حالاً من الضمير المستکنِّ فیه.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ﴾ مبتدأٌ وخبر، و((من)) إما ابتدائيةٌ بتقدير
مضاف، أي: من أصل بعض، أو بدونه؛ لأنَّ الذّكر من الأنثى والأنثى من الذَّكر.
وإما اتِّصالية، والاتِّصال إما بحسب اتِّحاد الأصل، أو المراد به الاتِّصالُ في
الاختلاط، أو التعاون، أو الاتحاد في الدين، حتى كأنَّ كلَّ واحدٍ من الآخر لِمَا
بينهما من أُخوَّة الإسلام.
والجملةُ مستأنفةٌ معترضةٌ مبيِّنةٌ لسبب انتظام النساء في سلك الدخول مع
الرجال في الوعد، وجُوِّز أن تكون حالاً أو صفةً.
وقوله تعالى: ﴿فَلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ ضَرْبُ تفصيلٍ لما أُجمل في العمل، وتعدادٌ
لبعض أحاسن أفراده مع المدح والتعظيم.
وأصل المهاجَرة من الهجرة: وهو التركُ، وأكثر ما تُستعمل في المهاجَرة من
أرضٍ إلى أرض، أي: تَرْك الأولى للثانية مطلقاً، أو الدِّين على ما هو الشائع في
استعمال الشرع، والمتبادِرُ في الآية هو هذا المعنى، وعليه يكون قوله تعالى:
﴿وَأُخْرِجُواْ مِنْ دِيَدِهِمْ﴾ عطفُ تفسير، مع الإشارة إلى أنَّ تلك المهاجرة كانت عن
قَسْرٍ واضطرار؛ لأنَّ المشركين آذَوْهم وظلموهم، حتى اضْطُرُّوا إلى الخروج.
ويحتمل أن يكون المراد: هاجروا الشِّرْك وتركوه، وحينئذٍ يكون ((وأُخرجوا)» إلخ
تأسيساً.
﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ﴾ أي: بسبب طاعتي وعبادتي وديني، وذلك سبيلُ الله تعالى،
والمراد من الإيذاء ما هو أعمُّ من أن يكون بالإخراج من الديار، أو غيرِ ذلك
مما كان يصيب المؤمنين من قِبَلِ المشركين.

سُورَةُ آل عمران
٢٣٠
الآية : ١٩٥
﴿وَقَاتَلُواْ﴾ أي: الكفارَ في سبيل الله تعالى ﴿وَقُتِلُواْ﴾ استُشهدوا في القتال،
وقرأ حمزةُ والكسائي بالعكس(١)، ولا إشكال فيها؛ لأنَّ الواو لا توجب ترتيباً،
وقَدَّم القتل لفضله بالشهادة، هذا إذا كان القتل والمقاتلة من شخصٍ واحد، أما إذا
كان المراد: قُتلَ بعضٌ آخر، ولم يضعفوا بقَتْل إخوانهم، فاعتبار الترتيب فيها أيضاً
لا يضرّ، وصحّح هذه الإرادةَ أنَّ المعنى ليس على انِّصافِ كلِّ فردٍ من أفراد
الموصول المذكور بكلِّ واحدٍ مما ذُكر في حيِّز الصلة، بل على اتِّصاف الكلِّ بالكلِّ
في الجملة، سواءٌ كان ذلك باتِّصاف كلٌّ فردٍ من الموصول بواحدٍ من الأوصاف
المذكورة، أو باثنين منها، أو بأكثر، فحينئذٍ يتأتّى ما ذُكر إمّا بطريق التوزيع، أي:
منهم الذين قُتلوا ومنهم الذين قاتلوا، أو بطريق حَذْفٍ بعض الموصولات من
البين، كما هو رأي الكوفيين، أي: والذين قُتلوا والذين قاتلوا.
ويؤيِّد كونَ المعنى على اتِّصاف الكلِّ بالكلِّ في الجملة، أنه لو كان المعنى
على انِّصاف كلِّ فردٍ بالكلِّ، لكان قد أُضيع عملُ مَن اتَّصف بالبعض، مع أنَّ الأمر
لیس کذلك.
والقول بأنَّ المراد: قُتلوا وقد قاتلوا، فـ ((قد)) مضمرةٌ، والجملةُ حالية،
مما لا ينبغي أن يُخرَّج عليه الكلام الجليل.
وقرأ ابن كثير وابن عامر: ((قُتِّلوا)) بالتشديد للتكثير(٢) .
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، أي: والله لأُكَفِّرَنَّ، والجملة
القَسَميةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصول،َ وزعم ثعلبُ أنَّ الجملةَ [القَسَمية] لا تقع
خبراً، ووجهه أنَّ الخبر له محلٌّ، وجوابُ القَسَم لا محلَّ له، وهو إنشائي(٣)،
فإما أن يقال: إنَّ له محلًّا من جهة الخبرية، ولا محلَّ له من جهة الجوابية، أو
الذي لا محلَّ له الجوابُ، والخبرُ مجموعُ القَسَم وجوابِهِ، ولا يضرُّ كونُ الجملة
إنشائيةً لتأويلها بالخبر، أو بتقدير قولٍ كما هو معروفٌ في أمثاله.
(١) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٦/٢.
(٢) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٣/٢.
(٣) في (م): الثاني: والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٩٣/٣، والكلام وما سلف بين
حاصرتین منه .

الآية : ١٩٥
٢٣١
سُورَةُ العَقْرَان
والتكفير في الأصل: السَّتر، كما أشرنا إليه فيما مرَّ، ولاقتضائه بقاءَ الشيء
المستور - وهو ليس بمرادٍ - فسَّره هنا بعضُ المحققين بالمحو؛ والمراد من محوٍ
السيئات: محوُ آثارِها من القلب، أو من ديوان الحَفَظة، وإثباتُ الطاعة مكانَها
كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].
٦
والمراد من السيئات فيما نحن فيه الصغائر؛ لأنها التي تُكَفَّر بالقُرُبات كما نقله
ابنُ عبد البرِّ عن العلماء(١)، لكن بشرط اجتناب الكبائر، كما حكاه ابن عطيةً عن
جمهور أهل السنة(٢)، واستدلُّوا على ذلك بما في الصحيحين من قوله وَلَّه:
((الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان، مكفِّراتٌ لِمَا
بينها ما اجتُنِيَتِ الكبائر)»(٣).
وقالت المعتزلة: إنَّ الصغائر تقع مكفَّرةً بمجرَّد اجتناب الكبائر، ولا دَخْلَ
للقُرُبات في تكفيرها، واستدلُّوا عليه بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وحَمَلَهُ الجمهور على معنى: نكفِّر عنكم
سيئاتكم بحسناتكم، وأوردوا على المعتزلة أنه قد ورد: صومُ عرفة كفارة سنتين،
وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة(٤). ونحو ذلك من الأخبار كثير، فإذا كان مجرَّدُ
اجتناب الكبائر مكفِّراً، فما الحاجةُ لِمُقاساة هذا الصوم مثلاً؟
وإنما لم تُحمَل السيئات على ما يعمُّ الكبائر؛ لأنها لابدَّ لها من التوبة،
ولا تكفِّرها القرباتُ أصلاً في المشهور، لإجماعهم على أنَّ التوبةَ فرضٌ على
الخاصة والعامة، لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]
ويلزمُ من تكفير الكبائر بغيرها بطلانُ فَرْضِيَّتها، وهو خلافُ النص.
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ٤/ ٤٨-٤٩.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٤ .
(٣) صحيح مسلم (٢٣٣): (١٦) من حديث أبي هريرة ◌ُه، ولم نقف عليه عند البخاري، وهو
عند أحمد (٩١٩٧).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٥١٧) بنحوه، ومسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة

سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٣٢
الآية : ١٩٥
وقال ابن الصلاح في ((فتاويه)): قد يكفِّر بعضُ القربات - كالصلاة مثلاً - بعضَ
الكبائرِ إذا لم يكن صغيرةٌ(١).
وصرَّح النوويُّ(٢) بأنَّ الطاعات لا تكفِّر الكبائر، لكن قد تخفِّفها.
وقال بعضهم: إنَّ القُرْبةَ تمحو الخطيئة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، واستدلَّ
عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقوله وَلّى: ((وأتبع
السيئةَ الحسنةَ تمحُها))(٣).
وفيه بحثٌ؛ إذا الحسنةُ في الآية والحديثِ بمعنى التوبة إن أُخذت السيئة عامة،
ولا يمكن على ذلك التقدير حملُها على الظاهر، لما أنَّ السيئةَ حينئذٍ تشمل حقوق
العباد، والإجماعُ على أنَّ الحسنات لا تُذهبها، وإنما تُذهبها التوبةُ بشروطها
المعتبرة المعلومة.
وأيضاً لو أُخذ بعموم الحكم لترتَّب عليه الفسادُ من عدم خوفٍ في المعاد.
على أنَّ في سبب النزول ما يُرشد (٤) إلى تخصيص كلٍّ من الحسنة والسيئة، فقد
روى الشيخان عن ابن مسعود أنَّ رجلاً أصابَ من امرأةٍ قُبلةً، ثم أتى النبيَّ بِّ،
فذكر له ذلك، فسكت النبيُّ وَل﴿ حتى نزلت الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجلٌ:
هذه له خاصَّةً يا رسول الله؟ فقال: ((بل للناس عامَّةً))(٥).
ووجهُ الإرشاد: أما إلى تخصيص الحسنة بالتوبة، فهو أنه جاءه تائباً، وليس
في الحديث ما يدلُّ على أنه صَدَرَ منه حسنةٌ أخرى، وأما على تخصيص السيئة
بالصغيرة، فلأنَّ ما وقع منه كان كذلك، لأنَّ تقبيل الأجنبية من الصغائر
کما صرَّحوا به.
(١) فتاوى ابن الصلاح ص٣٥.
(٢) في شرحه على صحيح مسلم ١١٣/٣ .
(٣) أخرجه أحمد (٢١٣٥٤)، الترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذر ظه، قال الترمذي: حديث
حسن صحيح.
(٤) في الأصل: يرشدك.
(٥) صحيح البخاري (٥٢٦)، وصحيح مسلم (٢٧٦٣)، وهو في مسند أحمد (٣٦٥٣).

الآية : ١٩٥
٢٣٣
سُورَةُ الَّعُقْرَانَ
وقال بعض أهل السنَّة: إنَّ الحسنة تكفّرُ الصغيرةَ ما لم يصرَّ عليها، سواءٌ فَعَلَ
الكبيرةَ أم لا، مع القول الأصحِّ بأنَّ النوبةَ من الصغيرة واجبةٌ ولو لم يأت بكبيرة؛
لجوازٍ تعذيب الله سبحانه بها، خلافاً للمعتزلة.
وقيل: الواجبُ الإتيانُ بالتوبة أو بمكفِّرها من الحسنة. وفي المسألة كلامٌ
طويل، ولعلَّ التوبةَ إن شاء الله تعالى تُفضي إلى إتمامه.
هذا، وربَّما يقال: إنَّ حَمْلَ السيئات هنا على ما يعمُّ الكبائر سائغٌ، بناءً على
أنَّ المهاجرة تركُ الشرك، وهو إنما يكون بالإسلام، والإسلام يجبُّ ما قبله،
وحينئذ يُعتبر في السيئات شبه التوزيع، بأن يُؤخَذ من أنواعِ مَدلولها مع كلِّ وصفٍ
ما يناسبه، ويكون هذا تصريحاً بوعد ما سأله الداعون من غفران الذنوب وتكفير
السيئات بالخصوص، بعد ما وعد ذلك بالعموم.
واعترض بأنَّ هذا على ما فيه مبنيٌّ على أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله مطلقاً، وفيه
خلاف، فقد قال الزركشيُّ: إنَّ الإسلام المقارِن للنَّدم، إنما يُكفِّر وِزْرَ الكفر
لا غير، وأما غيرُه من المعاصي فلا يُكفَّر إلا بتوبةٍ عنه بخصوصه، كما ذكره
البيهقي، واستدلَّ عليه بقوله وَله: ((إنْ أَحْسَنَ في الإسلام لم يؤاخَذ بالأول
ولا بالآخِر، وإنْ أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخِرِ))(١). ولو كان الإسلام يكفِّر
سائر المعاصي لم يؤاخَّذ بها إذا أسلم.
وأُجيب بأنه مع اعتبار ما ذُكر من شبه التوزيع، يهون أَمْرُ الخلاف كما لا يخفى
على أرباب الإنصاف. فتدبر.
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ إشارةٌ إلى ما عبَّر عنه الداعون
فيما قبلُ بقولهم: ((وآتنا ما وعدتنا على رسلك)) على أحد القولين، أو رمزٌ إلى
ما سألوه بقولهم: ((ولا تُخزنا يوم القيامة)) على القول الآخر.
﴿ثَوَابً﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبله؛ لأنَّ معنى الجملة: لأُثيينَّهم بذلك، فَوَضَعَ ثواباً
موضعَ الإثابة، وإن كان في الأصل اسماً لِمَا يُئاب به، كالعطاء لِمَا يُعطى. وقيل:
(١) سنن البيهقي الكبرى ١٢٣/٩، وشعب الإيمان (٢٣) من حديث ابن مسعود
وأخرجه - أيضاً - أحمد (٣٨٨٦)، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).

سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
٢٣٤
الآية : ١٩٥
إنه تمييزٌ، أو حالٌ من ((جنات)» لوصفها، أو من ضمير المفعول، أي: مُثاباً بها، أو
مثابين. وقيل: إنه بدلٌ من ((جنات)). وقال الكسائيُّ: إنه منصوبٌ على القطع.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عِندِ الَّهِ﴾ صفةٌ لـ ((ثواباً))، وهو وصفٌ مؤكِّدٌ؛ لأنَّ الثوابَ
لا يكون إلا من عنده تعالى، لكنه صرَّح به تعظيماً للثواب وتفخيماً لشأنه، ولا يَرِدُ
أنَّ المصدر إذا وُصف كيف يكون مؤكِّداً؟ لِمَا تقرَّر في موضعه أنَّ الوصف المؤكِّدَ
لا ينافي كونَ المصدر مؤكّداً.
وقيل: إنه متعلِّقٌ بـ ((ثواباً)) باعتبار تأويله باسم المفعول.
وقوله سبحانه: ﴿وَاَللَّهُ عِنْدَهُ، حُسْنُ الثَّوَابِ (19)﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله،
والاسم الجليل مبتدأ، خبره ((عنده))، و((حسنُ الثواب)) مرتفعٌ بالظّرف على الفاعلية
لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأ ثانٍ والظَّرفُ خبره، والجملةُ خبرُ المبتدأ
الأول، والكلام مخرَّجٌ مخرجَ قول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به
وتملُّكه له وإن لم يكن عنده، فليس معنى ((عنده حسن الثواب)) أنَّ الثوابَ بحضرته
وبالقرب منه، على ما هو حقيقةُ لفظ ((عنده))، بل مثَّل هناك كونَه بقدرته وفضله
بحيث لا يقدِرُ عليه غيرُه بحالِ الشيء يكون بحضرةِ أحدٍ لا يَدَ عليه(١) لغيره،
والاختصاصُ مستفادٌ من هذا التمثيل، حتى لو لم يجعل ((حسن الثواب)) مبتدأً
مؤخراً کان الاختصاص بحاله.
وقد أفادت الآيةُ مزيدَ فَضْلِ المهاجرين ورِفْعةَ شأنهم، وأخرج ابن جرير
وأبو الشيخ والبيهقي(٢) وغيرهم عن ابن عمرو (٣) قال: سمعت رسول الله صلَّى
يقول: ((إنَّ أول ثلةٍ (٤) يدخلون الجنة لَفقراءُ المهاجرين، الذين تُتَّقى بهم المکارِهُ،
إذا أُمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجةٌ إلى السلطان لم تُقْضَ حتى
يموتَ وهي في صدرهٍ، وإنَّ الله تعالى يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزُخْرفها
(١) في ((م): يدعيه. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣٤/٢ والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٣٢٣/٦، وشعب الإيمان (٤٢٥٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٥٧١)، والحاكم
٧١/٢-٧٢، وصححه.
(٣) في الأصل و(م): ابن عمر. والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) في الأصل و(م) والشعب: ثلاثة، والمثبت من باقي المصادر.

الآية : ١٩٦
٢٣٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في
سبيلي، ادخلوا الجنة. فيدخلونها بغير عذابٍ ولا حساب، وتأتي الملائكة
فيسجدون ويقولون: ربَّنا نحن نُسبِّح لك الليل والنهار ونقدِّس لك، ما(١) هؤلاء
الذين آثَرْتَهم علينا؟ فيقول: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأُوذوا في سبيلي.
فتدخل الملائكة عليهم من كلِّ باب: ﴿سَلَمُّ عَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٤])).
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ (٣)﴾ الخطابُ للنبيِّ ◌َّل، والمراد منه
أُمَّته، وكثيراً ما يخاطَبُ سيِّدُ القوم بشيءٍ ويُراد أتباعُه، فيقوم خطابه مقام خطابهم.
ويحتمل أن يكون عامًّا للنبيِّ بَّهِ وغيرِه بطريق التغليب؛ تطبيباً لقلوب المخاطبين.
وقيل: إنه خطابٌ له عليه الصلاة والسلام، على أنَّ المراد تثبيتُهُ نَّهِ على ما هو
عليه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وضُعِّف بأنه عليه الصلاة
والسلام لا يكون منه تزلزلٌ حتى يُؤمَر بالثبات، وفيه نظرٌ لا يخفى.
والنهيُّ في المعنى للمخاطَب، أي: لا تغترَّ بما عليه الكَفَرةُ من التبسُّط في
المكاسب والمتاجر والمزارع ووفورِ الحظّ.
وإنما جُعل النهيُ ظاهراً للتقلُّب؛ تنزيلاً للسَّبب منزلةَ المسبّب، فإنَّ تغريرَ
التقلُّب للمخاطَب سببٌ، واغتراره به مسبَّب، فَمَنَعَ السبب بورود النهي عليه،
ليمتنع المسبَّب الذي هو اغترار المخاطَب بذلك السبب على طريقٍ برهانيٍّ، وهو
أَبلغُ من ورود النهي على المسبّب من أول الأمر، قالوا: وهذا على عكس قول
القائل: لا أَرينَّك هنا، فإنَّ فيه النهيُ عن المسبَّب، وهو الرؤيةُ، ليمتنع السبب وهو
حضور المخاطب.
وأُورد عليه أنَّ الغارِّيَّة والمغروريَّة متضايفان، وقد صرَّحوا بأنَّ القَطْعَ والانقطاع
ونحوَ ذلك - مثلاً - متضايفان، وحُقِّق أنَّ المتضايفين لا يصحُّ أن يكون أحدهما سبباً
للآخر، بل هما معاً في درجةٍ واحدة، فالأَولى أن يقال: علَّق النهيَ بكون التقلُّب
غارًّا، ليفيد نهيَ المخاطَبِ عن الاغترار؛ لأن نفيَ أحدِ المتضايفين يستلزم نفيَ
(١) كذا في الأصل و(م)، والذي في المصادر: من.

سُوَةُ لِ عُقْرَانَ
٢٣٦
الآية : ١٩٧
الآخر، ولا يخفى أنَّ هذا مبنيٌّ على ما لم يقع الإجماع عليه، ولعلَّ النظرَ الصائبَ
يقضي بخلافه.
وفُسِّر الموصول بالمشركين من أهل مكة، فقد ذكر الواحديُّ(١) أنهم كانوا في
رخاءٍ ولينٍ من العيش، وكانوا يتَّجرون ويتنعَّمون، فقال: بعضُ المؤمنين: إنّ
أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير، وقد هَلَكْنا من الجوع والجهد، فنزلت الآية.
وبعضٌ فَسَّره باليهود، وحكى أنهم كانوا يَضْرِبون في الأرض ويُصيبون
الأموال، والمؤمنون في عَناءٍ، فنزلت، وإلى ذلك ذهب الفراء (٢).
والقولُ الأول أظهرُ، وأيًّا ما كان، فالجملةُ مسوقةٌ لتسلية المؤمنين وتصبيرهم،
ببيان قُبْح ما أُوتي الكفرةُ من حظوظ الدنيا، إثرَ بيان حُسْنٍ ما سينالونه من الثواب
الجزيل والنعيم المقيم.
وقرأ يعقوبُ برواية رُويس وزيد: ((لا يَغرَّنْكَ)) بالنون الخفيفة(٣).
﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو - يعني تقلُّبهم - متاٌ قليل، وقِلَّتُه
إما باعتبار قِصَرٍ مدَّته، أو بالقياس إلى ما فاتهم مما أَعدَّ الله تعالى للمؤمنين من
الثواب، وفيما رواه مسلمٌ مرفوعاً: ((ما الدنيا في الآخرةِ إلَّا مِثْلُ ما يجعلُ أحدُكم
إصبعه في اليمِّ، فينظر بمَ ترجع)» (٤) .
وقيل: إنَّ وَصْفَ ذلك المتاع بالقِلَّة، بالقياس إلى مؤنة السعي وتحمُّل المشاقِّ،
فضلاً عمَّا يَلْحَقُه من الحساب والعقاب في دار الثواب. ولا يخفى بُعدُه.
﴿ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ﴾ أي: مصيرُهم الذي يأوون إليه ويستقرُّون فيه بعد انتقالهم من
الأماكن التي يتقلَّبون فيها ﴿جَهَنَّمْ﴾ التي لا يوصف عذابها ﴿وَيِْسَ الِهَادُ
١٩٧
أي: بئس ما مَهدوا لأنفسهم وفَرشُوا جهنمُ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مصيرَهم إلى تلك
الدار مما جَنَتْهُ أنفسُهم، وكسبتْهُ أيديهم.
(١) في أسباب النزول ص ١٣٤ .
(٢) في معاني القرآن ١/ ٢٥١.
(٣) النشر ٢٤٦/٢.
(٤) صحيح مسلم (٢٨٥٨) من حديث المستورد بن شداد
﴿ه، وهو عند أحمد (١٨٠٠٨).

الآية : ١٩٨
٢٣٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
﴿لَكِنِ اُلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا﴾ ((لكن))
للاستدراك عند النحاة، وهو رَفْعُ توهُّم ناشئ من السابِقِ، وعند علماء المعاني:
لِقَصْر القَلْب وردِّ اعتقاد المخاطَب.
وتوجيه الآية على الأول: أنه لمَّا وصفَ الكفّار بقِلَّةٍ نفع تقلُّبهم في التجارة،
وتصرُّفهم في البلاد لأجلها، جاز أن يَتوهَّم متوهِّمُ أنَّ التجارةَ من حيثُ هي مقتضيةٌ
لذلك، فاستدرك: أنَّ المتقين وإنْ أَخَذوا في التجارة لا يضرُّهم ذلك، وأنَّ لهم
ما وُعِدُوا به.
أو يقال: إنه تعالى لمَّا جَعَلَ تمثُّع المتقلِبين قليلاً مع سعة حالهم أَوْهَم ذلك أنَّ
المسلمينَ الذين لا يزالون في الجهد والجوع في متاعٍ في كمال القِلَّة، فدُفع بأنَّ
تمتُّعهم للاتِّقاء وللاجتناب عن الدنيا، ولا تَمَتُّع من الدنيا فوقَه؛ لأنه وسيلةٌ إلى
نعمةٍ عظيمةٍ أبديةٍ هي الخلودُ في الجنات.
وعلى الثاني: ردِّ لاعتقاد الكَفَرة أنهم متمتِّعون من الحياة، والمؤمنون في
خُسرانٍ عظيم.
وعلَّل بعضُ المحققين جَعْلَ التقوى في حيِّز الصِّلة، بالإشعار بكون الخصال
المذكورة من باب التقوى، والمراد بها الاتِّقاء عن الشِّرك والمعاصي.
والموصول مبتدأٌ، والظرفُ خبرُه، و((جنَّات)) مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده
على المبتدأ، أو مرتفعٌ بالابتداء والّرفُ خبرُه، والجملة خبرُ المبتدأ.
((خالدين)) حالٌ مقدَّرةٌ من الضمير المجرور في ((لهم))، أو من ((جنات))
لتخصيصها بجملة الصفة، والعاملُ ما في الظرف من معنى الاستقرار.
وقرأ أبو جعفر: ((لكنَّ) بتشديد النون(١).
﴿نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهُ﴾ النُّزُل بضمَّتين، وكذا النُّزْل بضمٍّ فسكون: ما يُعَدُّ للضَّيْف
أوَّلَ نزوله من طعام وشراب وصِلَة، قال الضَّبِّي:
جعلنا القنا والمرهفَاتِ له نُزْلا(٢)
وكنّا إذا الجبارُ بالجیش ضافنا
(١) النشر ٢٤٧/٢.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ١/ ٤٩١، والقرطبي ٢٠٦/٢٠.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٣٨
الآية : ١٩٨
ويستعمل بمعنى الزاد مطلقاً، ويكون جَمْعاً بمعنى النازلين، كما في قول
الأعشى :
أو ينزلون فإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (١)
وقد جوَّز ذلك أبو عليٍّ في الآية، وكذا يجوز أن يكون مصدراً. قيل: وأصل
معنى التُّزُل مفرداً: الفَضْل والرَّيع في الطعام، ويُستَعار للحاصل عن الشيء.
ونَصْبُه هنا إما على الحالية من ((جنات)) لتخصيصها بالوَصْف، والعاملُ فيه
ما في الظرف من معنى الاستقرار، إن كان بمعنى: ما يُعَدُّ إلخ، وجَعْلُ الجنة حينئذٍ
نفسها نُزلاً، من باب التجوُّز، أو بتقديرِ مضافٍ، أي: ذات نُزل.
وإما على الحالية من الضمير في ((خالدين)) إن كان جمعاً.
وإما على أنه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ إن كان مصدراً، وهو حينئذٍ: بمعنى
النزول، أي: نزلوها نُزلاً، وجُوِّز على تقدير مصدريته أن يكون(٢) بمعنى المفعول،
فيكون حالاً من الضمير المجرور في ((فيها))، أي: منزولة.
والظرف صفةٌ (نُزِلاً)) إن لم تجعله جمعاً، وإن جَعَلْتَه جمعاً ففيه - كما قال
أبو البقاء(٣) - وجهان: أحدهما: أنه حالٌ من المفعول المحذوف؛ لأنَّ التقدير:
نُؤُلاً إياها. والثاني: أن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: ذلك من عند الله، أي:
بفضله.
وذهب كثيرٌ من العلماء على أنَّ النُّزُل بالمعنى الأول، وعليه تمسّك بعضُهم
بالآية على رؤية الله تعالى؛ لأنه لمّا كانت الجنةُ بِكُلِّيَّتِها نُزِلاً، فلابدَّ من شيءٍ آخر
يكونُ أصلاً بالنسبة إليها، وليس وراءَ الله تعالى شيءٌ، وهو كما ترى، نعم فيه
حينئذٍ إشارةٌ إلى أنَّ القومَ ضيوفُ الله تعالى، وفي ذلك كمالُ اللَّطف بهم.
(١) وصدره: قالوا الركوب فقلنا تلك عادتُنا، والبيت في ديوان الأعشى ص ١٤٩.
(٢) الكلام من هذا الموضع، إلى قوله: بما يضوع منه مسك التمسك بما مضى، ص ٢٤٠
ساقط من الأصل.
(٣) في الإملاء ١٧٨/٢.

الآية : ١٩٩
٢٣٩
العُمْران
١٩٨
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الأمور المذكورة الدائمة لكثرته ودوامه ﴿خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ
مما يتقلَّبُ فيه الفجَّار من المتاع القليل الزائل؛ لقِلَّته وزواله، والتعبير عنهم بالأبرار
ووَضْعُ الظاهر مَوْضِعَ الضمير كما قيل؛ للإشعار بأنَّ الصَّفات المعدودة من أعمال
البرِّ كما أنها من قَبيل التقوى. والجملة تذييلٌ، وزعم بعضُهم أنَّ هذا مما يحتمل
أن يكون إشارةً إلى الرؤية؛ لأنَّ فيه إيذاناً بمقام العِنْديَّة والقُرْب الذي لا يوازيه
شيءٌ من نعيم الجنة.
والموصولُ مبتدأ، والظرفُ صلته، و((خيرٌ)) خبره، و((للأبرار)) صفة ((خير)).
وجُوِّز أن يكون ((للأبرار)) خبراً، والنية به التقديم، أي: والذي عند الله مستقِرٌّ
للأبرار، و ((خير)) على هذا خبرٌ ثانٍ.
وقيل: ((للأبرار)) حالٌ من الضمير في الظرف، و((خيرٌ)) خبرُ المبتدأ، وتعقّبه
أبو البقاء(١) بأنه بعيدٌ؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين المبتدأ والخبر بحالٍ لغيره، والفصلَ بين
الحال وصاحب الحال بخبر (٢) المبتدأ، وذلك لا يجوز في الاختيار.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أخرج ابن جرير عن جابر أنَّ النبيَّ وَّهـ
قال لمَّا مات النَّجاشيُّ: ((اخرجوا فصلَّوا على أخ لكم)) فخرج فصلّى بنا، فكبّر أربعَ
تكبيرات، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يُصلِّي على عِلْج نصرانيٍّ لم يره قط،
فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). وروي ذلك أيضاً عن ابن عباسٌ وأنس وقتاده(٤).
وعن عطاء: أنَّها نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران من بني الحارث بن
كعب؛ اثنين وثلاثين من أرض الحبشة، وثمانيةٍ من الروم، كانوا جميعاً على دين
عيسى عليه السلام، فآمنوا بالنبيِّ مَليَ (٥).
(١) في الإملاء ١٧٨/٢ -١٧٩ .
(٢) في (م): غير، وسقط هذا الموضع من المخطوط، والمثبت من الإملاء، ومثله في الدر
المصون ٥٤٨/٣ نقلاً عن أبي البقاء.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٢٧. وقصة صلاة النبي ولو على النجاشي أخرجها أحمد (٩٦٤٦)،
والبخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة څ.
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ١٣٤-١٣٥، وأخرجه عن أنس ابن أبي حاتم ٨٤٦/٣، وعن
قتادة الطبري ٣٢٨/٦.
(٥) ذكره الرازي في تفسيره ٩/ ١٥٤، وأبو حيان في البحر ١٤٨/٣ .

سُورَةُ الْعَنْران
٢٤٠
الآية : ١٩٩
وروي عن ابن جريج وابن زيد وابن إسحاق: أنها نزلت في جماعةٍ من اليهود
أسلموا، منهم عبد الله بن سلام ومَن معه(١).
وعن مجاهد: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلِّهم(٢).
وأشهر الروايات أنها نزلت في النجاشي، وهو بفتح النون على المشهور
كما قال الزركشيُّ - ونقل ابن السِّيد كَسْرَها، وعليه ابن دحية (٣) - وفتحِ الجيم
مخفَّفةً، وتشديدُها غلط. وآخرهُ ياءٌ ساكنةٌ، وهو الأكثر روايةً لأنها ليست للنسبة،
ونقل ابن الأثير تشديدها(٤)، ومنهم مَنْ جعله غلطاً. وهو لقبُ كلِّ مَنْ ملك
الحبشة .
واسمه أَصْحَمة، بفتح الهمزة وسكونِ الصاد المهملة وحاءٍ مهملة، والحبشةُ
يقولونه بالخاء المعجمة، ومعناه عندهم: عطيةُ الصنم. وذكر مقاتل في ((نوادر
التفسير)) أنَّ اسمه مكحول بن صِصِهْ(٥). والأول هو المشهور، وقد توفي في رجبٍ
سنة تسع .
والجملةُ مستأنَفةٌ سِيقت لبيانِ أنَّ أهل الكتاب ليس كلُّهم كَمَنْ حُكيتْ صفاتهم،
من نَبْذِ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك، بل منهم مَن له مناقبُ جليلةٌ، وفيها
أيضاً تعريضٌ بالمنافقين الذين هم أقبحُ أصناف الكفار، وبهذا يحصل رَبْطٌ بين الآية
وما قبلها من الآيات، وإذا لاحظتَ اشتراك هؤلاء مع أولئك المؤمنين فيما عند الله
تعالى من الثواب، قويَتِ المناسبة، وإذا لاحظ(٦) أنَّ فيما تقدَّم مدحَ المهاجرين،
وفي هذا مَدْحاً للمهاجَر إليهم من حيثُ إنَّ الهجرة الأولى كانت إليهم، كان أَمْرُ
(١) أخرجه عن ابن جريج الطبري ٣٢٩/٦.
(٢) أخرجه الطبري ٦/ ٣٣٠.
(٣) العلّامة المحدِّث الرحَّال مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن الكلبي الداني ثم السبتي،
وكان يذكر أنه من ولد دحية ﴿ه، قال الذهبي في السير ٣٩١/٢: كان صاحب فنون
وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعف فيه، توفي سنة (٦٣٣هـ).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢٢/٥.
(٥) بصادين مهملتين مكسورتين، ثم هاء ساكنة، كما في توضيح المشتبه ١٠٩/٣. وتصحف في
(م) إلى صعصعة، وهذا الموضع ساقط من الأصل.
(٦) كذا في (م)، وسقط هذا الموضع من الأصل، والصواب: لاحظتَ.