Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ١٧٣
١٤١
سُورَةُ العَقْرَانَ
واعتُرض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ، لو لم يؤوَّل ((نِعْمَ الوكيل)» بـ :
مَقول في حقِّه ذلك، تكون الجملة أيضاً إنشائية؛ إذ الجملةُ الاسمية التي خبرُها
إنشاءُ إنشائية، كما أنَّ التي خبرُها فِعْلٌ فعليةٌ بحسب المعنى، كيف لا، ولا فرق
بين: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، و: زيدٌ نِعْمَ الرجُل، في أنَّ مدلولَ كلّ منهما نسبةٌ غيرُ
مُحتَمِلةٍ للصدق والكذب، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملةَ ((نعم الوكيل)) بل
جملة متعلَّقُ خبرِها ((نعم الوكيل))، والإشكالُ إنما هو في عطف ((نعم الوكيل))،
إلا أنْ يقال: يُختار هذا، ويقال: الجواب عن شيءٍ قد يكون بتقدير ذلك الشيء
وإبداءِ شيءٍ آخر، وقد يكون بتغيير ذلك الشيء، وما هاهنا من الثاني، فمن حيث
الظاهرُ المعطوفُ هو جملة ((نعم الوكيل)»، فيعود (١) الإشكال، ومن حيث الحقيقة
هو جملة: هو مقولٌ، فلا إشكال، لكنْ يَرِدُ أنه بعد التأويل يفوت إنشاءُ المدح
العام الذي وضع أفعال المدح له، بل يصير للإخبار بالمدح الخاص، وهو أنه
مقولٌ في حقِّه: نعم الوكيل، وأيضاً مقوليةُ المقول المذكور فيه إنما تكون بطريق
الحمل والإخبار عنه بـ ((نعم الوكيل))، فلابدَّ من تقديرِ: مقول في حقٌّه، مرَّةً أخرى،
ويلزم تقديراتٌ غيرُ متناهية، وكأنه لهذا لم يؤوِّل الجمهور الإنشاء الواقع خبراً
بذلك، وإنما هو مختارُ السَّعد رحمه الله تعالی.
وقد جوَّز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطفَ ((نعم الوكيل)) على
((حسبنا)) باعتبار كونه في معنى الفعل، كما عطف ((جَعَلَ)) على ((فالق)) في قوله
تعالى: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَا﴾ [الأنعام: ٩٦] على رأي، فحينئذ يكون مِنْ
عطف الجملة التي لها محلٌّ من الإعراب على المفرد؛ لأنه إذ ذاك خبرٌ عن
المفرد، وبعض المحققين يجوِّزون ذلك لا مِن عطف الإنشاء على الإخبار، وهذا
وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه، إلا أنَّ أَمْر العطف على الخبر بناءً على ما ذكره
الشيخ الرضي من أنَّ نِعْمَ الرجل بمعنى المفرد وتقديرِهِ، أي: رجلٌ جيدٌ، أَظهرُ
كما لا يخفى.
ومن الناس مَن ادَّعى أنَّ الآيةَ شاهدٌ على جواز عطف الإنشاء على الإخبار
فيما له محلٌّ من الإعراب بناءً على أنَّ الواو من الحكاية لا غير.
(١) في الأصل: فيرد.

سُورَةُ العمران
١٤٢٠
الآية : ١٧٣
ولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها، لا تصلح شاهداً على
ما ذُكر، لجواز أن يكون (قالوا)) مقدَّراً في المعطوف، بقرينة ذِكْره في المعطوف
عليه، فيكون من عَطْفِ الجملة الفعلية الخبرية، على الجملة الفعلية الخبرية.
ثم إنَّ الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطفٌ على الإخبار - وفيه الخلافُ
الذي عرفتَ - كذلك يقتضي عطفَ الفعلية على الاسمية، وفيه أيضاً خلاف مشهورٌ
كعكسه، ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والإخبار يُستخرج الجواب عن ذلك.
وقد أطال العلماء الكلام في هذا المقام، وما ذكرناه قليلٌ من كثير، ووَشَلٌ (١)
من غدیر.
ثم إنَّ هذه الكلمةَ كانت آخرَ قول إبراهيم عليه السلام حين أُلقى في النار،
كما أخرجه البخاريُّ [والبيهقي] في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عباس ﴾(٢)،
(٣)
وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمرو
وأخرج ابن مروديه(٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((إذا وقعتم في
الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)).
وأخرج ابن أبي الدنيا(٥) عن عائشة ﴿ّا، أنَّ النبيَّ وَّرِ كان إذا اشتدَّ غمُّه مسح
بيده على رأسه ولحيته، ثم تنفس الصُّعداء وقال: ((حسبيَ الله ونِعْمَ الوكيل)).
وأخرج أبو نعيم(٦) عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله وَّي: ((حسبي الله
ونِعْمَ الوكيل، أمانُ كلِّ خائف)).
(١) الوَشَل: هو الماء القليل يُتَحلَّبُ من جبلٍ أو صخرةٍ، ولا يتَّصل قَطْرُه. القاموس (وشل).
(٢) صحيح البخاري (٤٥٦٤)، والأسماء والصفات (١٤٦). وما بين حاصرتين زيادة يقتضيها
السياق، وهو الموافق لما في الدر المنثور ١٠٣/٢.
(٣) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٠، ومصنف ابن أبي شيبة
٣٥٣/١٠، وتفسير الطبري ٦/ ٢٥٢، والدر المنثور ١٠٣/٢.
(٤) كما في الدر المنثور ١٠٣/٢ .
(٥) في الذكر كما في الدر المنثور ١٠٣/٢.
(٦) في أخبار أصبهان ٢٨٣/١.

الآية : ١٧٤
١٤٣
ـرّ العمر ان
﴿فَنْقَلَبُوا﴾ عطفٌ على مقدَّر دلَّ عليه السياق، أي: فخرجوا إليهم ورجعوا
﴿يِنِعْمَتِ﴾ في موضع الحال من الضمير في ((انقلبوا))، وجُوِّز أن يكون مفعولاً به.
والباء على الأول للتعدية، وعلى الثاني للمصاحبة(١)، والتنوين على التقديرين
للتفخيم، أي: بنعمةٍ عظيمةٍ لا يُقْدَر قَدْرُها.
﴿مِنََ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ((نعمة)) مؤكِّدةٌ لفخامتها، والمراد منها السلامة كما قاله ابن
عباس. أو الثباتُ على الإيمان وطاعةِ الله تعالى ورسوله وَّر، كما قاله الزجَّاج(٢).
أو إذلالُهم أعداءَ الله تعالى على بُعْدٍ كما قيل. أو مجموعُ هذه الأمور على ما نقول.
﴿وَفَضْلٍ﴾ وهو الربح في التجارة، فقد روى البيهقيُّ عن ابن عباس أنَّ عيراً
مرَّت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله وَّر، فربح مالاً، فقسمه بين
أصحابه، فذلك الفضل(٣).
وأخرج ابن جرير عن السُّدِّي قال: أعطى رسول الله وَلّ حين خرج في غزوة
بدر الصغرى بيدرٍ أصحابَه دراهم ابتاعوا بها في الموسم، فأصابوا تجارة.
وعن مجاهد: الفَضْل ما أصابوا من التجارة والأجر(٤).
﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوّهٌ﴾ أي: لم يصبهم قَتْلٌ، وهو المرويُّ عن السُّدِّي. أو لم
يُؤْذِهم أحدٌ، وهو المرويُّ عن الحبر. والجملة في موضع النصب على الحال من
فاعل (انقلبوا))، أو من المتسكنِّ في ((بنعمة)) إذا كان حالاً، والمعنى: فانقلبوا
منعَّمين مبرَّئين من السوء، والجملة الحالية إذا كان فعلُها مضارعاً منفيًّا بـ ((لم)) وفيها
ضمیر ذي الحال، جاز فيها دخول الواو وعدمُه.
﴿وَأَتَّبَعُوا﴾ عطفٌ على ((انقلبوا)) وقيل: حالٌ من ضميره بتقدير ((قد))، أي: وقد
اتّبعوا في كلِّ ما أُوتوا، أو في الخروج إلى لقاء العدو ﴿رِضْوَنَ اَللَّهِ﴾ الذي هو مناطُ
حيث تفضَّل عليهم بما تفضَّل.
١٧٤
كلِّ خير ﴿وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
(١) كذا وقع، والصواب العكس، أي أن الباء على الأول وهو القول بالحالية للمصاحبة، وعلى
الثاني وهو القول بالمفعولية للتعدية. ينظر الدر المصون ٣/ ٤٩٠.
(٢) في معاني القرآن ٤٩٠/١، قال: هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم.
(٣) دلائل النبوة ٣١٨/٣.
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٣ -٢٥٤.

سُورَةُ الَّعْرَانَ
١٤٤
الآية : ١٧٥
وفيما تقدَّم مع تذييله بهذه الآية المشتملة على الاسم الكريم الجامع، وإسناد
((ذو فضل)) إليه، ووصف الفضل بالعِظَم، إيذانٌ بأنَّ المتخلِّفين فوَّتوا على أنفسهم
أمراً عظيماً لا يُكتَنَهُ كُنْهُهُ، وهم أحقَّاءُ بَأَن يتحسَّروا عليه تحسُّراً ليس بعده.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ﴾ الإشارة إلى المثبِّط بالذات أو بالواسطة، والخطاب للمؤمنين،
وهو مبتدأ، وقوله: ﴿الشَّيْطَّنُ﴾ - بمعنى إبليس؛ لأنه عَلَمٌ له بالغَلَبة - خبرُهُ على
التشبيه البليغ. وقوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيّنةٌ لشيطنته، أو حالٌ
كما في قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ﴾ [النمل: ٥٢].
ويجوز أن يكون الشيطان صفةً لاسم الإشارة على التشبيه أيضاً، ويحتمل أن
یکون مجازاً حيث جعله هو، و((يخوِّف)» هو الخبر.
وجُوِّز أن يكون ((ذا)) إشارةً إلى قول المثبِّط، فلابدَّ حينئذٍ من تقدير مضاف،
أي: قولُ الشيطان، والمراد به إبليس أيضاً، ولا تجوُّزَ فيه على الصحيح،
وإنما التجوُّز في الإضافة إليه؛ لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جُعل كأنه قولَه،
والمستكنُّ في ((يخوِّف)) إما للمقدَّر، وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدَّر، أي:
يخوِّف به.
والمراد بأوليائه: إما أبو سفيان وأصحابه، فالمفعول الأول لـ ((يخوِّف))
محذوفٌ، أي: يخوِّفكم أولياءَه بأن يعِّمهم في قلوبكم، ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿لَيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس(١). وقرأ
بعضهم: ((يخوِّفُكم بأوليائه))(٢). وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين، وإليه ذهب
الزجَّاج (٣) وأبو علي الفارسي وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّخَافُوهُمْ﴾ أي:
فلا تخافوا أولياءه الذين خوَّفكم إياهم ﴿وَخَافُونٍ﴾ في مخالفة أمري.
وإما المتخلِّفون عن رسول الله وَله، فـ ((أولياءه)) هو المفعول الأول، والمفعول
الثاني إما متروٌ أو محذوفٌ للعلم به، أي: يوقعهم في الخوف، أو يخوِّفهم من
(١) المحتسب ١٧٧/١ .
(٢) هي قراءة أبيّ بن كعب والنخعي. المحرر الوجيز ٥٤٤/١، والبحر المحيط ١٢٠/٣.
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٤٩٠.

الآية : ١٧٥
١٤٥
سُورَةُ العَقْرَان
أبي سفيان وأصحابه. وعلى هذا لا يصحُّ عَوْدُ ضمير ((تخافوهم)) إلى الأولياء، بل
هو راجعٌ إلى ((الناس)) الثاني؛ كضمير ((اخشوهم)) فهو ردٌّ له، أي: فلا تخافوا
الناس وتقعدوا عن القتال وتَجْبُنوا، وخافون فجاهدوا مع رسولي، وسارعوا إلى
امتثال ما يأمركم به، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسُّدِّي، وادَّعى الطيبيُّ(١) أنَّ
النظم يساعد عليه، والخطاب حينئذ لفريقَي الخارجين والمتخلِّفين، والقصدُ
التعريضُ بالطائفة الأخيرة.
وقيل: الخطاب لها، و((أولياء))) إذ ذاك من وضع الظاهر موضع المضمر، نعياً
عليهم بأنهم أولياء الشيطان.
واستَظْهَر بعضُهم هذا القيل مطلقاً، معلِّلاً له بأنَّ الخارجين لم يخافوا إلا الله
تعالى، وقالوا: حسبنا الله، وأنت تعلم أنَّ قيام احتمال التعريض يمرض هذا التعليل.
والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء على ما قبلها، فإنَّ كونَ المخوِّف شيطاناً أو
قولاً له، مما يوجب عدم الخوف والنھيَ عنه.
وأثبت أبو عمرو ياء ((وخافون)) وصلاً وحَذَفَها وقفاً، والباقون يحذفونها
مطلقاً(٢)، وهي ضمير المفعول.
وقوله تعالى: ﴿إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ (9)﴾ إن كان الخطابُ للمتخلِّفين فالأمرُ فيه
واضحٌ، وإن كان للخارجين كان مُساقاً للإلهاب والتهييج لهم، لتحقّق إيمانهم، وإن
كان للجميع ففيه تغليب، وأيًّا ما كان، فالجزاء محذوف.
وقيل: إن كان الخطاب فيما تقدَّم للمؤمنين الخُلَّص لم يفتقر إلى الجزاء، لكونه
في معنى التعليل، وإن كان للآخرين افتقر إليه، وكأنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين
فخافوني وجاهدوا مع رسولي؛ لأنَّ الإيمان يقتضي أن تُؤثروا خوفَ الله تعالى على
خوف الناس.
(١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٧/٢.

سُورَةُ آل عمران
١٤٦
التفسير الإشاري (١٥٧-١٧٥)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بسيف المحبة
﴿أَوْ مُثُّمْ﴾ بالموت الاختباري(١) ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: سترٌ لوجودكم ﴿مِّنَ اَللَّهِ وَرَحْمَةُ﴾
منه تعالى بتحلِّيكم بصفاته عزَّ وجلّ ﴿خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ أي: أهل الكثرة.
﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: باتِّصافك برحمةٍ رحيمية، أي: رحمةٍ تابعةٍ لوجودك
الموهوب الإلهي، لا الوجود البشري ﴿لِنتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًا﴾ موصوفاً بصفات
النفس؛ كالفظاظة والغلظ ﴿لَأَنفَعُواْ مِنْ حَوْلٌِ﴾ ولم يتحملوا مؤنة ذلك.
أو يقال: لو لم تَغْلِبْ صفاتُ الجمال فيك على نعوت الجلال، لتفرَّقوا عنك
ولَمَا صبروا معك.
أو يقال: لو سقيتَهم صِرْفَ شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حقٌ،
لتفرَّقوا هائمين على وجوههم، غير مطيقين الوقوف معك لحظة.
أو يقال: لو كنتَ مدقِّقاً عليهم أحكامَ الحقائق، لضاقت صدورهم ولم يتحمَّلوا
أثقالَ حقيقة الآداب في الطريق، ولكن سامحتَهم بالشريعة والرُّخَص.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فیما يتعلَّق بك من تقصيرهم معك، لعلوٍ شأنك وکونِك لا ترى
في الوجود غيرَ الله ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾ فيما يتعلَّق بحقِّ الله تعالى، لاعتذارهم، أو
استغفر لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق بالمعرفة ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فيِ آلْأَمْرِ﴾ إذا كنت في مقام الفعل اختباراً لهم وامتحاناً لمقامهم.
﴿فَإِذَا عَهْتَ﴾ وذلك إذا كنت في مقام مشاهدة الربوبية، والخروج من التفرقة
إلى الجمع ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه حسبُك فيما يريد منك وتريد منه.
وذكر بعض المتصوّفة أنه يمكن أن يُفهم من الآية كونُ الخطاب مع الروح
الإنساني، وأنه لانَ لصفات النفسِ وقواها الشهوية والغضبية، لتستوفي حظّها،
ويرتبط بذلك بقاءُ النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلَّت تلك القوى
وتلاشت، واختلَّت الحكمة، وفُقدت الكمالات التي خُلق الإنسان لأجلها .
﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ تحقيقٌ لمعنى التوثُّل والتوحيد في الأفعال،
(١) في الأصل: الاختياري.

التفسير الإشاري (١٥٧-١٧٥)
١٤٧
سُورَةُ العَزَانَ
وقد ذكر بعض السادة قدَّس الله تعالى أسرارهم أنَّ نصر الله تعالى لعباده متفاوتُ
المراتب، فَنَصْرُه المريدين بتوفيقهم لقمع الشهوات، ونصرُه المحبِّين بنعت
المداناة، ونصرُهُ العارفين بكشف المشاهدات.
وقد قيل: إنما يُدرِكُ نَصْرَ الله تعالى مَنْ تبرَّأ من حوله وقوَّته، واعتصم بربِّه في
جمیع أسبابه.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلُّ﴾ لكمال قُدسه وغايةٍ أمانته، فلم يُخْفِ حقَّ الله تعالى عن
عباده، وأعطى عِلْمَ الحقِّ لأهل الحقّ، ولم يضع أسراره إلا عند الأُمنَاء من أُمَّته.
﴿أَفَمَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ﴾ أي: النبيّ في مقام الرضوان التي هي جنة الصفات،
لاَتِّصافه بصفات الله تعالى ﴿كَمَنْ بَّءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ وهو الغالُّ المحتجب بصفات
نفسه ﴿وَمَأْوَنَهُ جَهَثَّمٌ﴾ وهي أسفلُ حضيض النفس المظلمة.
﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهُ﴾ أي: كلٌّ من أهل الرضا والسخط متفاوتون في المراتب
حَسْبَ الاستعدادات.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ إذ هو ◌َِّ مرآةُ الحق،
يتجلَّ منه على المؤمنين، ولو تجلَّى لهم صِرْفاً لاحترقوا بأول سَطوات عظمته.
ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كونُه في لباس البشر ظاهراً بالصورة
التي هم عليها .
وحَمْلُ المؤمنين على العارفين، والرسول على الروح الإنساني المنوَّر بنور
الأسماء والصفات، المبعوثِ لإصلاح القوى، غيرُ بعيدٍ في مقام الإشارة. ﴿أَوَلَمَّاً
أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ﴾ في أثناء السير في الله تعالى، وهي مصيبةُ الفترة بالنسبة إليكم
﴿قَدْ أَصَبْتُ﴾ قوى النفس ﴿مِّثْلَيْهَا﴾ مرَّةً عند وصولكم إلى مقام توحيد الأفعال،
ومرةً عند وصولكم إلى مقام توحيد الصفات ﴿قُلْتُمْ أَنّ﴾ أصابنا ﴿هَذَا﴾ ونحن في
بَيداء السير في الله عزَّ وجلّ.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ لأنه بقي فيها بقية ما من صفاتها، ولا ينافي قولَه
سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] لأنَّ السبب الفاعليَّ في الجميع هو
الحقُّ جلَّ شأنه، والسبب القابلي أنفسُهم، ولا يفيض من الفاعل إلا ما يليق

سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
١٤٨
التفسير الإشاري (١٥٧-١٧٥)
بالاستعداد ويقتضيه، فباعتبار الفاعل يكون من عند الله، وباعتبار القابل يكون من
عند أنفسهم.
وربَّما يقال: ما يكون من أنفسهم أيضاً يكون من الله تعالى، نظراً إلى التوحيد
إذ لا غيرَ ثمَّة.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سواء قتلوا بالجهاد الأصغر وبَذْل الأنفس،
طلباً لرضا الله تعالى، أو بالجهاد الأكبر وكَسْرِ النفس وقمع الهوى بالرياضة ﴿أَمْوَتَاً
بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ بالحياة الحقيقية مقرَّبين في حضرة القدس ﴿يُرْزَقُونَ﴾ من
الأرزاق المعنوية، وهي المعارفُ والحقائق.
وقد ورد في بعض الأخبار أنَّ أرواح الشهداء في أجواف طيرٍ خُضِرٍ تدور في
أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهب معلَّقة في ظلِّ
العرش(١). ونقل ذلك بهذا اللفظ بعض الصوفية (٢)، وجَعَلَ الطيرَ الخُضْرَ إشارةً إلى
الأجرام السماوية، والقناديلَ من ذهب إشارةً إلى الكواكب، وأنهارَ الجنة منابعَ
العلوم ومشارعها، وثمارَها الأحوالَ والمعارف. والمعنى: أنَّ أرواح الشهداء
تتعلق بالنَّرات من الأجرام السماوية بنزاهتها، وتَرِدُ مَشارعَ العلوم، وتكتسب هناك
المعارف والأحوال.
ولا يخفى أنَّ هذا مما لا ينبغي اعتقاده كما أشرنا إليه فيما سبق، فإنْ كان
ولا بدَّ من التأويل، فليُجْعَلِ الطيرُ إشارةً إلى الصُّور التي تظهر بها الأرواح بناءً على
أنها جواهرُ مجرَّدٌ، وأُطلق اسم الطير عليها إشارة إلى خِفَّتها ووصولها بسرعةٍ
حيث أُذن لها .
ونظير ذلك في الجملة قوله و ﴿ في حديث: ((الأطفال هم دعاميص الجنة))(٣)
والدعاميص: جمع دُعْمُوص، وهي دُويّة تكون في مستنقع الماء، كثيرةُ الحركة،
(١) أخرجه مسلم (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود ﴿ه، وأحمد (٢٣٨٨)، وأبو داود (٢٥٢٠)
من حديث ابن عباس
(٢) هو ابن عربي في تفسيره ١٥٣/١.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٣٢٥)، ومسلم (٢٦٣٥) من حديث أبي هريرة ظه بلفظ: ((صغارهم
دعاميص الجنة ... )).

التفسير الإشاري (١٥٧-١٧٥)
١٤٩
سُورَةُ الَ ◌ّعَتْرَانَ
لا تكاد تستقرُّ، ومن المعلوم أنَّ الأطفال ليسوا تلك الدُّويّة في الجنة، لكنه أراد والده
الإخبارَ بأنهم سيَّاحون في الجنة، فعبَّر بذلك على سبيل التشبيه البليغ.
وَوَصْفُ الطير بالخضر، إشارة إلى حُسنها وطراوتها، ومنه خبر: ((إنَّ
الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ»(١) وقول عمر رَله: إنَّ الغزوَ حلوٌ خَضِرٌ. ومن أمثالهم: النفْسُ
خضراء. وقد يريدون بذلك أنها تميل لكلِّ شيءٍ وتشتهيه.
وأَمْرُ الظرفية في الخبر سَهْلٌ، وباقي ما فيه إما على ظاهره، وإما مؤوَّل، وعلى
الثاني: يُراد من الجنة الجنةُ المَنْوِيَّةُ(٢)، وهي جنةُ الذات والصفات، ومن أنهارها
ما يحصل من التجلِّيات، ومن ثمارها ما يعقب تلك التجلِّيات من الآثار، ومن
القناديل المعلّقة في ظلِّ العرش مقاماتٌ لا تُكْتَنَهُ معلَّقَةٌ في ظلِّ عَرْشِ الوجود المطلق
المحيط، وكونُها من ذهب إشارةٌ إلى عظمتها، وأنها لا تُنال إلا بشقِّ الأنفس.
وحاصل المعنى على هذا: أنَّ أرواح الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في
مرضاة الله تعالى، أو قَتَلَهم الشوق إليه عزَّ شأنه، تتمثَّلُ صُورَاً حَسَنةً ناعمةً طريةً،
يستحسنها مَنْ رآها، تطيرُ بجناحَي القبول والرضا في أنواع التجليات الإلهية،
وتكتسب بذلك أنواعاً من اللذائذ المعنوية التي لا يُقْدَر قدرُها، ويتجدَّد لها في
مقدارِ كلِّ ليلة مقامٌ جليلٌ لا يُنال إلا بمثل أعمالهم، وذلك هو النعيم المقيم والفوز
العظيم، وكأنَّ مَن أَوَّلَ هذا الخبر وأمثاله، قَصَدَ سدَّ باب التناسُخ، ولعلَّه بالمعنى
الذي يقول به أهل الضلال غير لازم، كما أشرنا إليه في آية ((البقرة)(٣).
﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ من الكرامة والنعمة والزُّلفى عنده ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ وهم الغزاة الذين لم يُقتَلوا بعد، أو السالكون
المجاهدون أنفسَهم، الذين لم يبلغوا درجتهم إلى ذلك الوقت ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لفوزهم بالمأمن الأعظم، والحبيب الأكرم.
(١) أخرجه أحمد (٢٧٠٥٥) من حديث خولة بنت قيس الأنصارية. وأخرجه مسلم (٢٧٤٢) من
حديث أبي سعيد الخدري
٠
(٢) في الأصل: المعنوية.
(٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَ نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَعْيٌَّ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾
[البقرة: ١٥٤].

سُورَةُ آلعمران
١٥٠
الآية : ١٧٦
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَلٍ مِّنَ الَّهِ﴾ عظيمةٍ، وهي جنة الصفات ﴿وَفَضْلٍ﴾ أي: زيادة
عليها، وهي جنة الذات، ﴿و﴾ مع ذلك ﴿أَنَّ اللََّ لَا يُضِيعُ أَجْرَ﴾ إيمانَ ﴿اُلْمُؤْمِنِينَ﴾
الذي هو جنةُ الأفعال وثوابُ الأعمال.
﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ بالفناء بالوحدة الذاتية والقيام بحقِّ الاستقامة
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: كَسْرُ النفس ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ﴾ وهم الثابتون
في مقام المشاهَدة ﴿وَأَتَّقَوْ﴾ النظرَ إلى نفوسهم لهم ﴿أَجْرُ عَظِيمٌ﴾ وراء أجر
الإيمان.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ المنكرون قبل الوصول إلى المشاهدة ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ﴾، وتحشَّدوا للإنكار عليكم ﴿فَأَخْشَوْهُمْ﴾ واتركوا ما أنتم عليه ﴿فَزَادَهُمْ﴾
ذلك القول ﴿إِيمَنًا﴾ أي: يقيناً وتوحيداً بنفي الغير وعدم المبالاة به، وتوصّلوا بنفي
ما سوى الله تعالى إلى إثباته ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فشاهدوه ثم رجعوا إلى تفاصيل
الصفات بالاستقامة، وقالوا: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
﴿ فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ أي: رجعوا بالوجود الحقَّاني في جنة الصفات
والذات ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ لم يؤذهم أحدٌ؛ إذ لا أَحَدَ إلا الأحد ﴿وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ
اللَّهِ﴾ في حال سلوكهم حتى فازوا بجنة الذات المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو
فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ كما أشرنا إليه.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءُ﴾ المحجوبين بأنفسهم، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾
المنكرين ﴿وَخَافُونٍ﴾ إذ ليس في الوجود سواي ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: موحّدين
توحيداً حقيقيًّا. والله تعالى الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ﴾ خطابٌ للنبيِّ وَّهِ، وتوجيهُهُ إليه تشريفاً له
بالتسلية، مع الإیذان بأنه الرئيس المعتنَى بشؤونه.
والمراد من الموصول: إما المنافقون المتخلِّفون، وإليه ذهب مجاهد وابن
إسحاق. وإما قومٌ من العرب ارتدُّوا عن الإسلام لمقاربة عَبَدَة الأوثان، وإليه

الآية : ١٧٦
١٥١
سُورَةُ العَقْرَان
ذهب أبو عليٍّ الجُبَّائي. وإما سائر الكفار، وإليه ذهب الحسن. وإما المنافقون
وطائفةٌ من اليهود حسبما عُيِّن في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ
يُسَكَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
هَادُواْ﴾ [المائدة: ٤١] وإليه ذهب بعضهم.
ومعنى ((يسارعون في الكفر)»: يقعون فهي سريعاً لغاية حرصهم عليه، وشدَّةٍ
رغبتهم فيه. ولتضمُّن المسارعة معنى الوقوع تعدَّت بـ ((في)) دون ((إلى)) الشائع
تعديتُها بها كما في ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
وغيره، وأوثر ذلك على ما (١) قيل للإشعار باستقرارهم في الكفر(٢)، ودوام
ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها، كما في قوله سبحانه ﴿يُسَرِعُونَ فِىِ
الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في حقِّ المؤمنين، وأما إيثار كلمة ((إلى)) في آيتها، فلأنَّ
المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتُها .
والموصول فاعلُ ((يحزنك))، وليست الصلة علةً لعدم الحزن كما هو المعهود
في مثله؛ لأنَّ الحزنَ من الوقوع في الكفر هو الأمر اللائق؛ لأنه قبيحٌ عند الله
تعالى يجب أن يحزن من مشاهدته، فلا يصحُّ النهيُ عن الحزن من ذلك، بل العلة
هنا ما يترتب على تلك المسارعة من مراغمة المؤمنين، وإيصال المضرَّة إليهم،
إلا أنه عَبَّر بذلك مبالغةً في النهي، والمراد: لا يحزنك خوفُ أن يضرُّوك ويُعينوا
عليك، ويدلُّ على ذلك إيلاءُ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوا اللَّهُ شَيْئًا﴾ ردًّا وإنكاراً
لِظَنِّ الخوف، والكلام على حذف مضاف، والمراد: أولياء الله مثلاً؛ للقرينة
العقلية عليه، وفي حذف ذلك وتعليقٍ نفي الضرر به تعالى تشريفٌ للمؤمنين، وإيذانٌ
بأنَّ مضارَّتهم بمنزلة مضارَّته سبحانه وتعالى، وفي ذلك مزيدُ مبالغةٍ في التسلية.
و((شيئاً) في موضع المصدر، أي: لن يضرُّوه ضرراً ما، وقيل: مفعولٌ بواسطة
حرف الجرِّ، أي: لن يضرُّوه بشيءٍ ما أصلاً. وتأويل ((يضرُّوا)) بما يتعدَّى بنفسه إلى
مفعولين مما لا داعي إليه، ولعلَّ المقام يدعو إلى خلافه.
وقرأ نافع: ((يُحزِن) بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، إلا قوله تعالى:
(١) قوله: على ما، ليس في (م).
(٢) في الأصل: بالكفر.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٥٢
الآية : ١٧٦
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فإنه فَتَحَها وضمَّ الزاي، وقرأ الباقون
كما قرأ نافع في المستثنى، وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع(١).
والماضي على قراءة الفتح حَزَنَ، وعلى قراءة الضم من أَحْزَن،
ومعناهما واحد، إلا أنَّ أحزن(٢) لغة قليلة(٣). وقيل: حَزَنْتُهُ بمعنى أَحدثتُ له
حُزْناً، وأَحْزَنْتُهُ بمعنى عرَّضتُه للحُزْن، وقال الخليل: حَزَنْتُهُ بمعنى جعلتُ فيه حُزْناً،
كَدَهَنْتُهُ بمعنى جعلتُ فيه دهناً، وأَحْزَنْتُهُ بمعنى جعلته حزيناً .
وقرئ: (يُسْرِعون)) بغير ألف من أسرع(٤)، و((يسارعون)) بالإمالة والتفخيم(٥).
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَقَّا فِ الْآَخِرَةِ﴾ استئنافٌ لبيان الموجب لمسارعتهم،
كأنه قيل: لِمَ يسارعون في الكفر مع أنهم لا ينتفعون به؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أنْ
لا يجعل لهم نصيباً ما من الثواب في الآخرة، فهو يريد ذلك منهم، فكيف
لا يُسارعون. وفيه دليلٌ على أنَّ الكفر بإرادة الله تعالى، وإنْ عاقب فاعلَه وذمَّه؛
لأنَّ ذلك لسوء استعداده المقتضي إفاضةَ ذلك عليه.
وذكر بعض المحققين(٦) أنَّ في ذكر الإرادة إيذاناً بكمال خُلوص الداعي إلى
حرمانهم وتعذيبهم، حيث تعلَّقت بهما إرادة أرحم الراحمين.
وزعم بعضهم أنه مبنيٌّ على مذهب الاعتزال، وليس كذلك كما لا يخفى؛ لأنه
لم يقل: لم يُرِدْ كفرَهم، ولا رَمَزَ إليه.
وصيغةُ المضارع للدلالة على دوام الإرادة واستمرارِها، ويرجع إلى دوام
واستمرار منشأ هذا المراد، وهو الكفر، ففيه إشارةٌ إلى بقائهم على الكفر حتى
یهلكوا فيه.
(١) التيسير ص ٩١- ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢.
(٢) في الأصل و(م): حزن. والمثبت هو الصواب، ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤١٩/١،
والإملاء للعكبري ٢/ ١٥٥، والدر المصون ٤٩٥/٣.
(٣) قال السمين في الدر ٤٩٥/٣: والحق أن حزنه وأحزنه لغتان فاشيتان لثبوتهما متواترتين.
(٤) نسبها ابن جني في المحتسب ١/ ١٧٧ في كل القرآن للحر النحوي، وهو: ابن عبد الرحمن،
سمع أبا الأسود الدؤلي، وعنه طلب القرآن. بغية الوعاة ٤٩٣/١.
(٥) قرأ بالإمالة في ((ويسارعون)) الكسائي في رواية الدوري. التيسير ص٤٩، والنشر ٣٨/٢.
(٦) هو الزمخشري في الكشاف ٤٨٢/١.

الآية : ١٧٧
١٥٣
سُورَةُ آل عمران
لا يُقْدَر قَدْرُهُ،
٨٦
﴿وَلَمْ﴾ مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ
نُقل عن بعضهم أنه لما دلَّت المسارعة في الشيء على عِظَم شأنه وجلالة قَدْره عند
المسارع، وُصِفَ عذابُهُ بالعِظَم رعايةً للمناسبة، وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه،
وخساسته في نفسه.
وقيل: إنه لما دلَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئاً﴾ على عِظَم قَدْرٍ مَن
قصدوا إضراره، وصَفَ العذابَ بالعِظَم إيذاناً بأنَّ قَصْدَ إضرار العظيم أمرٌ عظيم
يترتَّب عليه العذاب العظيم.
والجملة إما حالٌ من الضمير في ((لهم))، أي: يريد الله تعالى حرمانهم من
الثواب مُعَدَّاً لهم عذابٌ عظيمٌ، وإما مبتدأة مبيِّنة لحظّهم من العذاب إثرَ بيان أنْ
لا شيء لهم من الثواب.
وزعم بعضُهم أنَّ هاتين الجملتين في موضع التعليل للنهي السابق، وأنَّ
المعنى: ولا يحزنك أنهم يسارعون في إعلاء الكفر وهدم الإسلام، لا خوفاً على
الإسلام ولا ترخُّماً عليهم، أما الأول فلأنهم لن يضرُّوا الله شيئاً، فلا يقدرون على
هدم دينه الذي يريد إعلاءه، وحينئذ لا حاجةً إلى إرادة أولياء الله، وأما الثاني فلأنه
يريد الله أن لا يجعل لهم حظًا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم.
واستَأنس له بأنه كثيراً ما وقع نهيُ النبيِّ نَّه عن إيقاعه نفسَه الكريمةَ في المشقة
لهدايتهم وعن كونه ضَيِّقَ الصَّدر لكفرهم، وخوطب بأنه ما عليك إلا البلاغ و﴿لَّسْتَ
﴾ [الغاشية: ٢٢]. ولا يخلو عن بُعْد.
٢٢
عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ﴾ أي: أخذوا الكفر بدلاً من الإيمان رغبةً
فيما أخذوا، وإعراضاً عمَّا تركوا، ولهذا وضع ((اشتروا)) موضع ((بدَّلوا)) فإنَّ الأول
أظهرُ في الرغبة وأَدلُّ على سوء الاختيار.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ تقدَّم الكلام فيه، وفيه هنا تعریضٌ ظاهرٌ
باقتصار الضرر عليهم، كأنه قيل: وإنما يضرُّون أنفسهم.
والمراد من الموصول هنا ما أريد منه هناك، والتكرير لتقرير الحكم وتأكيده
ببيان علَّته بتغيير عنوان الموضوع، فإنَّ ما ذُكر في حَيِّز الصلة لكونه عَلَماً في

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
١٥٤
الآية : ١٧٧
الخسران الكلِّي والحرمان الأبدي، صريحٌ في لحوق ضرره بأنفسهم، وعدم تعدِّيه
إلى غيرهم أصلاً، وداٌّ على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم، فكيف يتأتَّی
منهم ما يتوقَّف على قوة الحزم ورزانةِ الرأي ورصانةِ التدبير، من مُضارَّة أولياء الله
تعالى الذين تكفَّل سبحانه لهم بالنصر، وهي أعزُّ من حَليمة(١)، وأمنعُ من لهاة
الليث(٢).
وجُوِّز أن يُراد بالموصول هنا عام، ويراد به هناك خاصٌّ، وهو ما عدا ما ذهب
إليه الحسن فيه، والجملة مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها تقرير القواعد الكلية لِمَا انْدَرَج
تحتها من جزئيات الأحكام.
وجَوَّز الزمخشريُّ(٣) أن يكون الأول عامًّا للكفار، وهذا خاصًّا بالمنافقين.
وأُفردوا بالذكر لأنهم أشدُّ منهم في الضرر والکید.
واعتُرض بأنَّ إرادة العامِّ هناك مما لا يليق بفخامة شأن التنزيل، لِمَا أنَّ صدور
المسارعة في الكفر بالمعنى المذكور، وكونَها مظنَّةً لإيراث الحزن لرسول الله وَه
كما يُفْهَمُ من النهي عنه، إنما يُتَصوَّر ممَّن عَلِمَ اتِّصافه بها، وأما مَن لا يُعرف حاله
من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدة، فإسناد المسارعة المذكورة إليهم، واعتبارُ
كونها من مبادي حزنه عليه الصلاة والسلام، مما لا وجه له.
ويمكن أن يقال: إنَّ القائل بالعموم في الأول لم يُرِد بالكفار مقابلَ المؤمنين
حيث كانوا، وعلى أيِّ حالٍ وُجدوا، بل ما يشمل المتخلِّفين والمرتدِّين مثلاً ممن
يتوقع إضرارهم له وَّر، وحينئذٍ لا يَرِدُ هذا الاعتراض.
وقيل: المراد من الأول المنافقون أو مَن ارتدَّ، وممَّا هنا اليهود.
والمراد من الإيمان إما الإيمانُ الحاصل بالفعل كما هو حال المرتدِّين، أو
بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة، كما هو شأن اليهود مثلاً،
(١) هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج ملك عرب الشام، والمثل في المستقصى
٢٤٦/١، ومجمع الأمثال ٤٥/٢ .
(٢) هذا المثل مأخوذ من بيت لأبي حية النميري كما في مجمع الأمثال ٣٢٥/٢، وهو قوله:
وأصبحتْ كلهاة الليث من فمه ومَن يحاول شيئاً من فم الأسد
(٣) في الكشاف ٤٨٢/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٨٣/٣.

الآية : ١٧٨
١٥٥
سُورَةُ الِّعْرَانَ
وإما الإيمان الإستعداديُّ الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق، والدلائلِ المنصوبة في
الآفاق والأنفس كما هو دأب جميع الكفرة مما عدا ذلك، وإما القَدْرُ المشترك بين
الجميع، كما هو دأب الجميع، فتفطّن.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٨)﴾ أي: مؤلم، والجملةُ مبتدأةٌ، مبيِّنةٌ لكمال فظاعة
عذابهم بذكر غايةٍ إيلامِه بعد ذكر نهاية عِظَمِه، أو مقرِّرةٌ للضَّرر الذي آذنتْ به
الجملة الأولى، قيل: لمَّا جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه، وسروره
بتحصيله عند كون الصفقة رابحة، وبتألَّمه عند كونها خاسرة، وَصَفَ عذابهم
بالإيلام مراعاةً لذلك، نقله مولانا شيخ الإسلام(١).
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنََّا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿وَلَا
يَحْزُنكَ﴾ والفعل مُسْنَدٌ إلى الموصول، و((أنَّ) وما عملت فيه سادٌّ مسدَّ مفعوليه عند
سيبويه لحصول المقصود، وهو تعلُّقُ أفعال القلوب بنسبةٍ بين المبتدأ والخبر، وعند
الأخفش: المفعولُ الثاني محذوفٌ.
و (ما)) إما مصدريةٌ، أو موصولةٌ، وكان حقُّها في الوجهين أن تُكتَب مفصولةً،
لكنها كتبت في الإمام(٢) موصولة، واتّباع الإمام لازمٌ، ولعلَّ وجهَه مشاكلةُ ما بعده،
والحملُ على الأكثر فيها.
و((خير)) خبرٌ، وقرئ: ((خيراً)) بالنصب(٣) على أن يكون ((لأنفسهم)) هو الخبر،
و (لهم)) تبيينٌ، أو حالٌ من ((خير)).
والإملاء في الأصل: إطالةُ المدة، والمليُّ: الحين الطويل، ومنه المَلَوَان لِلَّيلِ
والنهارِ لطول تعاقُبِهما، وأما إملاء الكتاب فَسُمِّي بذلك لطول المدة بالوقوف عند
كلِّ كلمة .
وقيل: الإملاء التخلية والشأن، يقال: أَمْلَى لفرسه، إذا أرخى له الطّوَل(٤)
لیرعی کیف شاء.
(١) أبو السعود في تفسيره ١١٧/٢ .
(٢) هو المصحف العثماني في اصطلاح القراء والمفسرين. حاشية الشهاب ٨٤/٣.
(٣) الإملاء للعكبري ١٥٦/٢، والبحر ١٢٣/٣.
(٤) الطّوَل: هو الحبل الذي يُطُوَّل للدابة فترعى فيه. الصحاح (طول).

سُورَةُ آل عمران
١٥٦
الآية : ١٧٨
وحاصل التركيب: لا يحسبنَّ الكافرون أنَّ إملاءنا لهم - أو أنَّ الذي نُمليه - خيرٌ
لأنفسهم، أو: لا يحسبنَّ الكافرون خيريَّةَ إملائنا لهم - أو خيريَّةَ الذي نمليه لهم-
ثابتةً أو واقعة، ومآل ذلك نهيُهم عن السرور بظاهر إطالة الله تعالى أعمارهم،
وإمهالهم على ما هم فيه، أو بتخليتهم وشأنهم بناءً على حسبان خيريَّته لهم،
وتحسیرُهم ببیان أنه شرٌّ بحث وضررٌ محضّ.
وقرأ حمزة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ﴾ بالتاءِ(١)، والخطابُ إمَّا لرسول اللهِوَّهِ، وهو
الأنسب بمقام التسلية، إلا أنَّ المقصودَ التعريضُ بهم؛ إذ حسبوا ما ذكر، وإما لكلِّ
مَن يتأتَّى منه الحسبان قصداً إلى إشاعة فظاعة حالهم، والموصول مفعول، و((أنَّ
ما نملی» إلخ بدلُ اشتمال منه، وحیث کان المقصود بالذات هو البدل، وکان هنا
مما يسدُّ مسدَّ المفعولين، جاز الاقتصار على مفعولٍ واحد، وإلا فالاقتصار
لولا ذلك غيرُ صحيح على الصحيح. ويجوز أن يكون ((أنَّما نُملي)) مفعولاً ثانياً،
إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصحُّ حملُه على الذوات، فلابدَّ من تقديرٍ:
إما في الأول، أي: لا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا وشأنهم، وإما في الثاني، أي:
لا تحسبنَّ الذين كفروا أصحابَ أنما نملي لهم، إلخ.
وإنما قيَّد الخير بقوله تعالى: ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأنَّ الإملاءَ خيرٌ للمؤمنين، لما فيه
من الفوائد الجمَّة، ومَنْ جَعَلَ خيراً فيما نحن فيه أَفْعَلَ تفضيل، وجعل المفضَّل
عليه القتلَ في سبيل الله تعالى، جعل التفضيل مبنيًّا على اعتبار الزعم والمماشاة.
والآية نزلت في مشركي مكة، وهو المرويُّ عن مقاتل، أو في قريظة والنضير،
وهو المرويُّ عن عطاء.
﴿إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ استئنافٌ بما هو العلة للحكم قبلها، والقائلون
بأنَّ الخير والشَّرَّ بإرادته تعالى يُجوِّزون التعليل بمثل هذا، إما لأنه غرضٌ، وإما لأنه
مُرادٌ مع الفعل، فيُشْبِهُ العلةَ عند مَن لم يجوِّز تعليل أفعاله بالأغراض.
وأما المعتزلة فإنهم وإن قالوا بتعليلها، لكنَّ القبيح ليس مراداً له تعالى عندهم
ومطلوباً وغرضاً، ولهذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثاً، نحو: قعدتُ عن الحرب
(١) التيسير ص ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢.

الآية : ١٧٨
١٥٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
جُبْناً، لا غَرَضاً يُقْصَدُ حصوله، ولمَّا لم يكن الازدياد متقدِّماً على الإملاء هنا،
والباعث لا بدَّ أن يكون متقدِّماً، جعلوه استعارةً بناءً على أنَّ سَبْقَه في علم الله تعالى
القديم الذي لا يجوز تخلّف المعلوم عنه شبَّهه بتقدُّم الباعث في الخارج. ولا يخفى
تعسُّفُه، ولذا قيل: إنَّ الأسهل القولُ بأنَّ اللام للعاقبة.
واعترض بأنه وإن كان أَقلَّ تكلفاً إلا أنَّ القول بها غيرُ صحيح؛ لأنَّ هذه
الجملة تعليلٌ لما قبلها، فلو كان الإملاء لغرضٍ صحيح يترتَّبُ عليه هذا الأمر
الفاسد القبيح، لم يصحَّ ذلك، ولم يصلح هذا تعليلاً لنهيهم عن حسبان الإملاء
لهم خيراً، فتأمل، قاله بعض المحققين.
وقرأ يحيى بن وثاب بفتح ((أنَّما)) هذه وكَسْرِ الأولى، وبياء الغيبة في
(يحسبنَّ))(١) على أنَّ ((الذين كفروا)) فاعلُ ((يحسبن))، و((أنَّ ما نُملي لهم ليزدادوا
إثماً)) قائمٌ مقام مفعولي الحسبان، والمعنى: ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنَّ إملاءنا
لهم لازدياد الإثم بل للتوبة والدخول في الإيمان، وتدارُكِ ما فات، و ((إنَّ ما نملي
لهم خير لأنفسهم)) اعتراضٌ بين الفعل ومعموله، ومعناه: إنَّ إملاءنا خيرٌ لهم إن
انتبهوا وتابوا .
والفرق بين القراءتين: أنَّ الإملاء على هذه القراءة لإرادة التوبة، والإملاء
للازدياد منفي، وعلى القراءة الأخرى هو مُثبَت، والآخر منفيٌّ ضمناً، ولا تعارُضَ
بينهما؛ لأنه عند أهل السنَّة يجوز إرادةُ كلٍّ منهما، ولا يلزم تخلَّف المراد عن
الإرادة؛ لأنه مشروط بشروطٍ كما علمت.
وزعم بعضهم أنَّ جملة ((إنَّ ما نملي لهم خير)) إلخ حاليةٌ، أي: لا يحسبنَّ في
هذه الحالة هذا، وهذه الحالة منافية له، وليس بشيء.
، جملةٌ مبتدأةٌ مبيِّنَةٌ لحالهم في الآخرة إثر بيان حالهم في
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ لَِّ
الدنيا، أو حالٌ من الواو، أي: ليزدادوا إثماً مُعَدًّا لهم عذابٌ مهين، وهذا متعيِّنٌ في
القراءة الأخيرة كما ذهب إليه غيرُ واحد من المحققين، ليكون مضمونُ ذلك داخلاً
في حيِّز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقال: ليزدادوا إثماً وليكون لهم عذابٌ.
(١) القراءات الشاذة ص ٢٣.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٥٨
الآية : ١٧٩
وجَعَلَها بعضُهم معطوفةً على جملة ((ليزدادوا))، بأن يكون ((عذاب مهين)) فاعلَ
الظرف بتقدير: ويكون لهم عذاب مهين، وهو من الضَّعف بمكان. نعم قيل بجواز
كونها اعتراضيةً، وله وجهٌ في الجملة.
هذا وإنما وُصِفَ عذابُهم بالإهانة؛ لأنه (١) لمَّا تضمَّن الإملاءُ التمتُّعَ بطيبات
الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزُّزَ والتجبُّر، وَصَفَهُ به ليكون جزاؤهم جزاءً
وفاقاً. قاله شيخ الإسلام(٢).
ويمكن أن يقال: إن ذلك إشارةٌ إلى ردِّ ما يمكن أن يكون منشأً لحسابهم، وهو
أنهم أَعزَّةٌ لديه عزَّ وجلَّ إثر الإشارة إلى ردِّه بنوعٍ آخر.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لوعد
المؤمنين ووعيدِ المنافقين بالعقوبة الدنيوية، وهي الفضيحةُ والخزي، إثر بيان
عقوبتهم الأخروية، وقدَّم بيانَ ذلك لأنه أمَسُّ بالإملاء لازدياد الآثام، وفي هذا
الوعد والوعيد أيضاً ما لا يخفى من التسلية له وي لف كما في الكلام السابق.
وقيل: الآيةُ مسوقةٌ لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثرَ بيان شَرِّيَّته لهم،
ولا يخفى أنه بعيدٌ فضلاً عن كونه أقرب.
والمراد من المؤمنين: المخلصون، والخطابُ على ما يقتضيه الذوق العامَّة
المخلصين والمنافقين، ففيه التفاتٌ في ضمن التلوين، والمراد بما هم عليه:
اختلاطُ بعضهم ببعض، واستواؤهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم، وإلى هذا
جنح المحققون من أهل التفسير.
وقال أكثرهم: إنَّ الخطاب للمنافقين ليس إلا(٣)، ففيه تلوينٌ فقط.
وذهب أكثر أهل المعاني إلى أنه للمؤمنين خاصة، ففيه تلوينٌ والتفاتٌ أيضاً.
(١) بعدها في (م): كما قال: شيخ الإسلام.
(٢) أبو السعود في تفسيره ١١٨/٢.
(٣) في الأصل: الخطاب ليس إلا للمنافقين.

الآية : ١٧٩
١٥٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليٍّ عن ابن عباس، وابنُ جرير وغيرُه عن
قتادة أنه للكفار(١). ولعل المراد بهم المنافقون، وإلا فهو بعيدٌ جداً.
واللام في ((ليَذَر)) متعلقةٌ بمحذوف هو الخبر لـ ((كان))، والفعل منصوبٌ بأنْ
مضمرةٍ بعدها كما ذهب إليه البصريون، أي: ما كان الله مريداً لأن يَذَرَ
المؤمنين إلخ.
وقال الكوفيون: اللام مزيدةٌ للتأكيد وناصبةٌ للفعل بنفسها، والخبر هو الفعل،
ولا يقدحُ في عملها زيادتُها، إذ الزائد قد يعمل كما في حروف الجر المزيدة،
فلا ضَعْف في مذهبهم من هذه الحيثية كما وُهِم.
وأصل يذر: يَؤْذَر فحذفت الواو منها تشبيهاً لها بـ ((يَدَع))، وليس لحذفها علةٌ
هناك؛ إذ لم تقع بين ياء وكسرة، ولا ما هو في تقدير الكسرة، بخلاف يَدَع، فإنَّ
الأصل: يَؤْدِعِ، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء وما هو في تقدير الكسرة،
وإنما فتحت الدال؛ لأنَّ لامه حرفٌ حلقي، فيُفتح له ما قبله، ومثله: يَسَع ويَطَأ
ويَفَع. ولم يستعملوا من ((يذر)) ماضياً ولا مصدراً ولا اسم فاعل مثلاً، استغناءً
بتصرَّف مرادفه وهو ((يترك)).
وقوله تعالى: ﴿حَّ يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيْبِ﴾ غايةٌ لِمَا يُفهمه النفي السابق، كأنه
قيل: ما يتركهم على ذلك الاختلاف، بل يُقدِّر الأمور ويرتّب الأسباب حتى يعزل
المنافق من المؤمن، وليس غايةً للكلام السابق نفسه؛ إذ يصير المعنى أنه تعالى
لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية، ويُفهَمُ منه - كما قال
السَّمين(٢) - أنه إذا وُجدت الغايةُ تَرَك المؤمنين على ما أنتم عليه، وليس المعنى
على ذلك.
وعَبَّر عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث، تسجيلاً على كلٍّ منهما بما يليق
به، وإشعاراً بعلَّة الحكم، وأَفرد الخبيثَ والطيبَ مع تعدُّد ما أُريد بكلّ إيذاناً بأنَّ
(١) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٢٤/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضاً عن
قتادة، وعلي هو ابن أبي طلحة.
(٢) في الدر المصون ٥٠٨/٣.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
١٦٠
الآية : ١٧٩
مدار إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتِّصافهما بوصفهما، لا خصوصيةٌ
ذاتهما وتعدُّدُ آحادهما، وتعليقُ المَيْزِ بالخبيث - مع أنَّ المتبادر مما سبق من عدم
ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقُه بهم وإفرازهم عن المنافقين - لِمَا أنَّ المَيْزَ
الواقعَ بين الفريقين إنما هو بالتصرُّف في المنافقين، وتغييرِهم من حالٍ إلى حال
أخرى، مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان، وإن ظهر مزيدُ
إخلاصهم، لا بالتصرُّف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال مع بقاء المنافقين على
ما هم عليه من الاستتار، وإنما لم يُنسب عدم الترك إليهم لِمَا أنه مشعرٌ بالاعتناء
بشأن مَن نُسب إليه، فإنَّ المتبادر منه عدمُ الترك على حالةٍ غير ملائمة، كما يشهد
به الذوق السليم. قاله بعض المحققین(١).
وقيل: إنما قدَّم الخبيث على الطيب وعلَّق به فعل المَيْز إشعاراً بمزيد رداءة
ذلك الجنس، فإنَّ المُلقَى من الشيئين هو الأَدْوَنُ.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يُميِّز)) بالتشديد(٢)، وماضيه ميَّز، وماضي المخفَّف
ماز، وهما كما قال غير واحد: لغتان بمعنّى واحد، وليس التضعيفُ لتعدِّي الفعل
كما في فَرِحَ وفَرَّحَ؛ لأنَّ ماز وميَّز يتعدَّيان إلى مفعول واحد، ونظير ذلك عاض
وعوّض.
وعن ابن كثير أنه قرأ: ((يُميز)) بضم أوله مع التخفيف(٣) على أنه من أَمَازَ،
بمعنى : مَیَزَ .
واختلف بمَ يحصل هذا المَيْز؟ فقيل: بالمِحَنِ والمصائب كما وقع يوم أحد.
وقيل: بإعلاء كلمة الدين وكسر شوكة المخالفين.
وقيل: بالوحي إلى النبي وَلّ، ولهذا أردفه سبحانه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ
عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ، مَن ◌َّةٌ﴾ ومن هنا جعل مولانا شيخ الإسلام
ما قبل الاستدراك تمهيداً لبيان المَيْز الموعود به على طريق تجريد الخطاب
(١) هو أبو السعود في تفسيره ١١٩/٢ .
(٢) التيسير ص ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢، وهي قراءة يعقوب وخلف من العشرة.
(٣) القراءات الشاذة ص ٢٣، والكشاف ٤٨٣/١.