Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ١٥٣ ٦١ سُورَةُ العَقْرَانَ وقال البلخيُّ: إنه عفوٌ عن الاستئصال. وروي ذلك عن ابن جريج. وزعم أبو علي الجُبائي أنه خاصٌّ بمَن لم يَعْصِ الله تعالى بانصرافه. والكلُّ خلافُ الظاهر. وقد يقال: الداعي لقول البلخي أنَّ العفو عن الذنب سيأتي ما يدلُّ عليه بأَصْرَحِ وَجْهٍ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيد، وكلام ابن عمر ◌ًَّا ليس فيه أكثر من أنَّ الله تعالى عفا عن ذنب الفارِّين، وهو صريحُ الآية الآتية، وأمَّا أنه يُفهم منه - ولو بالإشعار - أنَّ المراد من العفو هنا العفوُ عن الذنب، فلا أظنُّ منصفاً يدَّعيه. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وفيه إيذانٌ ١٥٢ بأنَّ ذلك العفو - ولو كان بعد التوبة - بطريق التفضُّل لا الوجوب، أي: شأنه أن يتفضَّل عليهم بالعفو، أو في جميع الأحوال، أُديلَ لهم أو أدُيلَ عليهم؛ إذ الابتلاء أيضاً رحمة. والتنوين للتفخيم. والمراد بالمؤمنين: إما المخاطبون والإظهارُ في مقام الإضمار للتشريف والإشعارِ بعلَّة الحكم، وإما الجنس، ويدخلون فيه دخولاً أوليًّا، ولعلَّ التعميم هنا وفيما قبله أولى من التخصيص، وتخصيصُ الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه البعض. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ متعلِّقٌ بـ (صرفكم)) أو بـ ((يبتليكم))، وتعلُّقه بـ ((عفا)) كما قال الطبرسيُّ(١)، ليس بشيء، ومثله تعلَّقه - كما قال أبو البقاء(٢) - بـ ((عصيتم)) أو ((تنازعتم)) أو ((فشلتم)). وقيل: متعلِّقٌ بمقدَّر كـ ((اذكر))، واستُشكل بأنه يصير المعنى: اذكر يا محمد إذ تصعدون، وفيه خطابان بدون عطف، فالصواب: اذكروا . وأجيب بأنَّ المراد بـ ((اذكر)) جنس هذا الفعل، فيقدَّر ((اذكروا)) لا ((اذكر))، ويحتمل أنه من قَبِيل ﴿بَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأجاب الشهاب بأنَّ ((اذكر)) متضمِّنٌ لمعنى القول، والمعنى: قل لهم يا محمد: حين تصعدون إلخ، ومثله لا مَنْعَ فيه، كما تقول: [قل] لزيد: أتقول (١) في مجمع البيان ٢٣٣/٤ . (٢) في الإملاء ١٣٨/٢. سُورَةُ العَقْرَان ٦٢ الآية : ١٥٣ كذا، فإنَّ الخطاب المحكيَّ مقصودٌ لفظُه، فلا ينافي القاعدة المذكورة، وهم غفلوا عنه، فتأمل(١). ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر أيضاً. والإصعاد: الذهاب والإبعادُ في الأرض، وفرَّق بعضهم بين الإصعاد والصعود: بأنَّ الإصعاد في مستوى الأرض، والصعود في ارتفاع. وقيل: لا فرق بين أَصْعَدَ وصَعِدَ سوى أنَّ الهمزةَ في الأول للدخول، نحو: أصبح، إذا دخل في الصباح. والأكثرون على الأول. وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير(٢) عنه: (تَصْعَدون)) بفتح التاء والعين، وحمله بعضُهم على صعود الجبل. وقرأ أبو حيوة: (تَصَّدون)) بفتح التاء وتشديد العين(٣)، وهو إما من: تصعّد في السُّلَّم، إذا رَقِيَ، أو من: صعَّد في الوادي تصعيداً، إذا انحدر فيه، فقد قال الأخفش(٤): أَصْعَدَ في الأرض، إذا مضى وسار، وأَصعد في الوادي وصعَّد فيه، إذا انحدر، وأنشد: أُصغِّدُ طَوْراً في البلاد وأُفرِعُ(٥) فإمَّا تَرَيني اليومَ مُزجي ظَعينتي وقال الشَّمَّاخ: لا يدهمنَّك إفراعي وتصعيدي(٦) فإنْ كَرِهْتَ هجائي فاجتنبْ سَخَطي (١) حاشية الشهاب ٧١/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في تفسيره ٦/ ١٤٥. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٣. (٤) في معاني القرآن ٤٢٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (صعد). (٥) الصحاح (صعد)، والبيت ليس في معاني القرآن للأخفش، وقائله عبد الله بن همَّام السلولي، كما في الكتاب ٥٧/٣، واللسان (صعد)، والخزانة ٣٣/٩، وفيه: الإزجاء: السَّوْق، يقال: أزجيت الإبل إذا سقتها. والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج. اهـ. وأُفْرع: أصعد، وهو من الأضداد، وكذلك صعَّد، وفي اللسان: مَن جعل (أُصعِّد)) في البيت الإصعاد، كان ((أَفرع)» بمعنى الانحدار، ومَن جعله بمعنى الانحدار كان ((أَفْرِع)» بمعنى الإصعاد. (٦) الصحاح (صعد)، وهو في ديوان الشماخ ص ١١٥ برواية :... لا يُذْرِكنَّك تفريعي وتصعيدي . الآية : ١٥٣ ٦٣ سُؤَدَّةُ الْعَمْرَانَ وورد عن غير واحد أنَّ القوم لمَّا امتُحنوا، ذهبوا فراراً في وادي أُحد، وقال أبو زيد (١): يقال: صَعِد في السُّلَّم صعوداً، وصَعَّد في الجبل أو على الجبل تصعيداً، ولم يعرفوا فيه صَعِدَ. وقرأ أبيُّ: ((إذ تُصعدون في الوادي))(٢) وهي تؤيِّد قولَ مَن قال: إنَّ الإصعاد: الذهابُ في مستوى الأرض، دون الارتفاع. وقرئ: ((يَصْعَدون)) بالياء التحتية(٣)، وأَمْرُ تعلُّق ((إذ)) بـ ((اذكر)) عليه ظاهر. ﴿وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تُقيمون على أحد، ولا تعرجون، وهو من لوى بمعنى عَطّف، وكثيراً ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر؛ لأنَّ من شأن المنتظر أن يلويَ عُنقه، وفُسِّر أيضاً بـ ((لا ترجعون)) وهو قريبٌ من ذلك، وذكر الطبرسيُّ أنَّ هذا الفعل لا يُذكر إلا في النفي، فلا يقال: لَوَيتُ على كذا (٤). وقرأ الحسن: (تَلُون)) بواو واحدة(٥) بقلبِ الواو المضمومة همزةً وحذفها تخفيفاً . وقرئ: ((تُلوون)) بضم التاء(٦)، على أنه من أَلوى لغة في لوى، و«یَلوون)) بالياء(٧) ک ((يَصعدون)). قال أبو البقاء: ويقرأ: ((على أُحُد)) بضمتين، وهو الجبل(٨). والتوبيخُ عليه غيرُ ظاهر، ووجَّهه بعضُهم بأنَّ المراد: أصحاب أُحُد، أو مكان الوقعة، وفيه إشارةٌ إلى (١) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، وكلامه في الصحاح (صعد). وينظر النوادر في اللغة ص ٢٠٠. (٢) القراءات الشاذة ص٢٣ . (٣) القراءات الشاذة ص ٢٣، والمحرر الوجيز ٥٢٦/١، والكشاف ٤٧١/١، والبحر ٨٢/٣. (٤) مجمع البيان ٤/ ٢٣٣. (٥) القراءات الشاذة ص ٢٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤١٢/١، والكشاف ٤٧١/١، والبحر ٨٢/٣. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤١٢/١، والمحرر الوجيز ٥٢٦/١، والبحر ٨٣/٣. (٧) القراءات الشاذة ص ٢٣، والبحر ٨٢/٣. (٨) الإملاء ١٣٨/٢ ونسبها أبو حيان في البحر ٨٣/٣ لحميد بن قيس. سُورَةُ الَ ◌ّعَنْرَانَ ٦٤ الآية : ١٥٣ إبعادهم في استشعار الخوف، وجِدِّهم في الهزيمة حتى لا يلتفتون إلى نفس المكان. ﴿وَالَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَئِكُمْ﴾ أي: يناديكم في ساقَتكم(١)، أو جماعتكم الأخرى، أو يدعوكم من ورائكم، فإنه يقال: جاء فلانٌ في آخر الناس وأخرتهم وأخراهم، إذا جاء خلفهم. وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإيذان بأنَّ دعوتَه ولو كانت بطريق الرسالة من جهته تعالى، مبالغة في توبيخ المنهزمين، روي أنه ﴿ كان ينادي: ((إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، أنا رسول الله، مَن يكرَّ فله الجنة))(٢) وكان ذلك حين انهزم القوم وجدُّوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدّى لا يُسمع فيه الصوت، فلا ينافي ما تقدَّم عن كعب بن مالك أنه لمَّا عَرَفَ رسولَ الله ◌َّله ونادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أَبْشِروا، هذا رسول اللهِ وَهِ، أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أنْ أَنْصِتْ، لأنَّ ذلك كان آخرَ الأمرِ حيث أَبْعدَ المنهزمون، والجملة في موضع الحال. ﴿فَأَثَبَكُمْ﴾ عطفٌ على ((صَرَفَكم))، والضمير المستتر عائدٌ على الله تعالى، والتعبير بالإثابة من باب التھگُّم على حدٍّ قوله: تحيةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وجيعُ(٣) أو أنها مجازٌ عن المجازاة، أي: فجازاكم الله تعالى بما عصيتم. ﴿غَمَّا بِغَرِّ﴾ أي: كرباً بكرب. والأكثرون على أنه لا فرق بين الغمِّ والحزن. والباء إما للمصاحبة والظرفُ مستقرٌّ، أي، جازاكم غَماً متصلاً بغم. والغُّ الأول: ما حصل لهم من القتل والجرح وغلبة المشركين عليهم، والغُّ الثاني: ما حصل لهم من الإرجاف بقتل النبيِّ وَ﴿ وفَوْت الغنيمة، وإلى هذا ذهب قتادة والربيع، وقيل: الغمُّ الثاني: إشرافُ أبي سفيان وأصحابه عليهم وهم مع رسول اللّه وَّر على (١) ساقة الجيش: مؤخّرُه. القاموس المحيط (سوق). (٢) أخرجه الطبري ٦/ ١٤٦-١٤٨ عن ابن عباس وقتادة والربيع والسدي، دون قوله: أنا رسول الله من يكر فله الجنة. وهو بلفظ المصنف في عمدة القاري ٢٨٣/١٤. (٣) وصدره: وخيلٍ قد دلفت لها بخيل، والبيت لعمرو بن معدي كرب، كما في الكتاب ٣/ ٥٠، والنوادر لأبي زيد ص ١٥٠، والخزانة ٢٦٥/٩، وقال البغدادي: ولم أره في شعره. الآية : ١٥٣ ٦٥ سُورَةُ آلعمران الصخرة، وحكي ذلك عن السُّدِّي. وقيل: المراد مجرَّدُ التكثير، أي: جازاكم بغمومٍ كثيرة متَّصلٍ بعضُها ببعض. وإما للسببية، والظرف متعلِّقٌ بـ ((أثابكم))، والغمُّ الأول للصحابة ﴿ه بالقتل ونحوه، والغمُّ الثاني للرسول وله بمخالفة أمره، أي: أثابكم غمًّا بسبب غمِّ أذقتموه رسولَ الله وَّر بعصيانكم له ومخالفتكم أمره. وقال الحسن بن علي المغربي: الغمُّ الأول للمشركين بما رأوا من قوة المسلمين على طلبهم وخروجهم إلى حمراء الأسد، والغمُّ الثاني للمؤمنين بما نيل منهم، أي: فجازاكم بغمِّ أعدائكم المشركين بسبب غمِّ أذاقوه إياكم. وقيل: الباء على هذا للبدلِ، وكلا القولين بعيد، والعطف عليه غيرُ ظاهر. وأبعدُ من ذلك ما روي عن الحسن: أنَّ الغمَّ الأول للمؤمنين بما أصابهم يوم أحد، والغمَّ الثاني للمشركين بما نالهم يوم بدر، والمعنى: فجازاكم غمًّا يوم أُحد بالقتل والجرح، بسبب غمِّ أذقتموه المشركين يوم بدر كذلك. واعترض عليه بأنَّ ما لحق المشركينَ يوم بدر من جهة المسلمين، إنما يوجب المجازاة بالكرامة دون الغمّ. وقيل: الضمير المستكنُّ في ((أثابكم)) للرسول ◌َليل، وأثابكم بمعنى آساكم، أي: جعلكم أسوة له متساويين في الحزن، فاغتمَّ وَلّه بما نزل عليكم، كما اغتممتم بما نزل عليه، ولم يُثَرِّبُكم على عصيانكم تسليةً لكم وتنفيساً عنكم. واعتُرض عليه بأنه خلافُ الظاهر؛ للزوم التفكيك على تقدير أن يكون العطف على ((صرفكم))، وعَدَم ظهورِ الترتُّب إلا بتكلُّفٍ إن كان العطف على ((يدعوكم))، نعم التعليل عليه بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآَ أَصَبَكُمْ﴾ ظاهرٌ؛ إذ المعنى: آساكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر، ولا ما أصابكم من الشدائد، وكذا على ما ذهب إليه المغربي. وأما على الأوجه الأُخر، فالمعنى: لتتمرَّنوا على الصبر في الشدائد، فلا تحزنوا على نفع ما فات، أو ضرِّ آت، وإنما احتيج إلى هذا التأويل؛ لأنَّ المجازاة بالغمِّ إنما تكونه سبباً للحزن لا لعدمه. سُورَةُ العَقْرَانَ ٦٦ الآية : ١٥٤ وقيل: ((لا)) زائدة، والمعنى: لكي تَأْسَفُوا على ما فاتكم من الَّفَر والغنيمة، وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبةً لكم، فالتعليل حينئذ ظاهر. ولا يخفى أنَّ تأكيد ((لا)) وتكريرَها يُبْعِدُ القولَ بزيادتها . وقيل: التعليل على ظاهره، و((لا)) ليست زائدة، والكلام متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ أي: ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا إلخ، فإنَّ عفوَ الله تعالی یُذهب كلَّ حزن. ولا يخفى ما فيه. وربما يقال: إنَّ أمر التعليل ظاهرٌ أيضاً، على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل، ولا القولِ بزيادة ((لا))، ويوضّح ذلك ما أخرجه ابن جرير(١) عن مجاهد قال: أصابَ الناسَ غمٌّ وحزنٌ على ما أصابهم في أصحابهم الذين قُتلوا، فلما اجتمعوا في الشِّعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشِّعب، فظنَّ المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضاً، فأصابهم حزنٌ أنساهم حُزنَهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرِ﴾ إلخ. وحديث: أنَّ المجازاة بالغمِّ إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه، غير مُسلَّم على الإطلاق، وأيُّ مانع من أن يكون غمٌّ مخصوصٌ سبباً لزوال غمِّ آخرَ مخصوصٍ أيضاً، بأن يَعْظُمَ الثاني فُيُنسى الأول؟ فتدبر. ، عليمٌ بأعمالكم وبما قصدتم بها، وفي ((المقصد ﴿وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ الأسنى)): الخبير بمعنى العليم، لكن العلم إذا أُضيف إلى الخفايا الباطنة سُمِّي خبرة، وسُمِّي صاحبها خبيراً (٢). وفيه ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن المعصية. ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على ((فأثابكم)) والخطاب للمؤمنين حقًّا، والمعنى: ثم وهب لكم أيها المؤمنون ﴿مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ الذي اعتراكم، والتصريحُ بتأخّر الإنزال عنه، مع دلالة ((ثم)) عليه وعلى تراخيه عنه؛ لزيادة البيان وتذكيرِ عِظَم المِنَّة. ﴿أَمَنَةٌ﴾ مصدرٌ كالمَنَعَة، وهو مفعول ((أَنزل))، أي: ثم أنزل عليكم أمناً ﴿نُعَاسًا﴾ بدلُ اشتمالٍ منها، وقيل: عطف بيان. (١) في تفسيره ٦/ ١٥٦. (٢) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى للإمام الغزالي ص ١٠٣. الآية : ١٥٤ ٦٧ سُورَةُ العَقْرَانَ وجوِّز أن يكون ((نعاساً)) منصوباً على المفعولية و((أَمَنة)) حالٌ منه، والمراد: ذا أَمَنةٍ، ولا يضرُّ كونُها من النكرة لتقدُّمها، أو حالٌ من المخاطَبين على تقدير مضاف، أي: ذوي أَمَنة أو على أنه جمعُ آمِنٍ كـ ((بارِّ)) وبَرَرَةٍ. وقيل: إنَّ ((أمنة)) مفعولٌ له لـ ((نعاساً». واعتُرض بأنه يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه، وإن التزم تقدير فعل، أي: نعستم أَمَنة، وَرَدَ أنه ليس للفعل موقعٌ حسن. وقيل: إنه مفعول له لـ ((أنزل)). واعترض بأنه فاسدٌ لاختلال شرطه، وهو اتحادُ الفاعل؛ إذ فاعل ((أنزل)) هو الله تعالى، وفاعل ((الأمنة)) هو المنزَلُ عليهم. ورُدَّ بأنَّ الأَمَنة كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمنُ، يكون مصدراً لمن أوقعه، والمراد هنا الثاني، كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ليؤمِّنكم به، وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل. وقرئ بسكون الميم(١)، كأنَّها لوقوعها في زمنٍ يسيرٍ مرَّةٌ من الأمن، فلا ينافي كونَ المقصود مطلقَ الأمن. وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدَّم، والتشويقِ إلى المؤشّر، وتخصيصُ الخوف من بين فنون الغمِّ بالإزالة؛ لأنه المهمُّ عندهم في ذلك المقام، فقد أخرج ابن جرير(٢) عن السُّدِّي أنَّ المشركين انصرفوا يوم أُحدٍ بعد الذي كان من أَمرهم وأَمْر المسلمين، فواعَدوا النبيَّ وَّهِ بدراً من قابِلٍ، فقال لهم: (نعم) فتخوَّف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله وص له رجلاً فقال: ((انظر، فإن رأيتَهم قد قعدوا على أثقالهم وجَنَبوا خيولهم (٣)، فإنَّ القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجَنَبوا أثقالهم، فإنَّ القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله تعالى واصبروا)) ووطّنهم على القتال، فلما أَبصرهم الرسول قعدوا على (١) هي قراءة ابن محصن والنخعي. القراءات الشاذة ص ٢٣، والمحرر الوجيز ٥٢٧/١. (٢) في تفسيره ٦/ ١٦٠-١٦١ . (٣) أي: قادوها. سبل الهدى والرشاد ٤/ ٤٠٧. سُوَقُ العَقْرَانَ ٦٨ الآية : ١٥٤ الأثقال سراعاً عِجالاً، نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك صدَّقوا نبيَّ الله ◌َّهِ، فناموا، وبقي أُناسٌ من المنافقين يظنُّون أنَّ القوم يأتونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ. وعن ابن عباس في الآية قال: أمَّنهم الله تعالى يومئذ بنُعاسٍ غشّاهم، وإنما ينعسُ مَن يأمن(١). والخائف لا ينام. وأخرج خلقٌ كثير عن أنس أنَّ أبا طلحة قال: غَشِيَنا النعاس يوم أحد ونحن في مصافِّنا، وكنت ممن غَشِيَه النعاس يومئذ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخُذُه، ويسقط وآخذه(٢). وفي رواية أخرى عنه أنه قال: رفعتُ رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حَجَفَته - أي: ترسه - من النعاس(٣). وعن الزبير بن العوام مثله (٤)، قيل: وهذه عادة الله تعالى مع المؤمنين، جَعْلُ النعاس في الحرب علامةٌ للّفر، وقد وقع كذلك لعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه في صِفِّين، وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الإلهية. ﴿يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ﴾ قال ابن عباس: هم المهاجرون وعامة الأنصار، وفيه إشعارٌ بأنه لم يَغْشَ الكلَّ، ولا يقدحُ ذلك في عموم الإنزال للكلِّ، والجملةُ في موضع نصبٍ على أنها صفةٌ لـ ((نعاساً)). وقرأ حمزة والكسائي: ((تَغْشى)) بالتاء الفوقانية(٥)، على أنَّ الضمير للأمَنة، والظاهر أنَّ الجملة حينئذٍ مستأنفةٌ وقعت جواباً لسؤالٍ تقديره: ما حُكْمُ هذه الأمَنَة؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة. وقيل: إنها في موضع الصفة لـ ((أَمَنة)). واعتُرض بأنَّ الصفة حقُّها أن تتقدَّم على البدل وعطفِ البيان، وأن لا يُفْصَلَ بينها وبين الموصوف بالمفعول له(٦)، وأنَّ (١) تفسير الطبري ٦/ ١٦١. (٢) أخرجه أحمد (١٦٣٥٧)، والبخاري (٤٥٦٢). (٣) أخرجه الترمذي (٣٠٠٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٣٤). قال الترمذي: حديث حسن صحیح. (٤) أخرجه الترمذي (٣٠٠٧)، وأبو يعلى (١٤٢٣). قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح. (٥) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٢/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٦) يعني ((نعاساً))، لأنه مفعول من أجله لـ ((أنزل)) أو بدلٌ أو عطف بيان عندما يكون قوله: = الآية : ١٥٤ ٦٩ سُورَةُ الِّعَمْر انا المعهود أن يُحدَّث عن البدل دون المبدل منه. ﴿وَطَآَيِفَةٌ﴾ وهم المنافقون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: جعلتهم ذوي هَمِّ، وأَوْقعتهم فيه، أو: ما يهمّهم إلا أنفسُهم، لا النبيُّ وَّر ولا غيره، مِن أَهمَّه بمعنى: جعله مهمًّا له ومقصوداً، والحصرُ مستفادٌ من المقام، وذكر بعضُهم أنَّ العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله همُّ نفسه عن غيره. و((طائفة)) مبتدأٌ، وجملة ((قد أهمَّتهم)) إلخ خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرةً لوقوعها بعد واو الحال، كما في قوله: محيَّاك أَخْفَى ضوؤه(١) كلَّ شارِقٍ سَرَيْنا ونجمٌ قد أضاءً فمذْ بدا أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله : إذا متُّ كان الناسُ صنفانٍ شامتٌ وآخرُ مُثْنٍ بالذي أنا صانع (٢) وجُوِّز أن تكون الجملة نعتاً لها، والخبر حينئذ محذوفٌ، أي: ومعكم، أو: وهناك طائفة، وتقدير: ومنكم طائفة، يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأَمَنة، وأيّاً ما كان فالجملة إما حاليةٌ مبيِّنةٌ لفظاعة الهول مؤكّدةٌ لعِظَم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان حال المنافقين، فالواو إما حالية وإما استئنافية. وكونُها بمعنى ((إذ)) ليس بشيء، كما نصَّ عليه أبو البقاء(٣). ﴿يَظُنُونَ بِلَِّ غَيْرَ آلْحَقِّ﴾ في موضع الحال من ضمير ((أَهمَّتهم))، لا من ((طائفة)) وإن تخصَّصت؛ لِمَا في مجيء الحال من المبتدأ من المقال، وجُوِّز أن تكون صفةً بعد صفة لـ ((طائفة))، أو خبراً بعد خبر، أو هي الخبر و((قد أَهمَّتهم)) صفة، أو مستأنفة مبيّنة لِمَا قبلها . (أمنة)) مفعولاً به، وضعف أبو حيان في البحر ٨٦/٣ كونه مفعولاً من أجله لاختلال شرط = اتحاد الفاعل بين الإنزال والنعاس. (١) في الأصل: ضوئه، وفي (م): ضوء، والمثبت من مغني اللبيب ص ٦١٣، وشرح ابن عقيل ٢٢١/١. (٢) البيت للعُجير السلولي، وهو في زهر الأكم ١/ ٣٥٤، وخزانة الأدب ٧٢/٩، وفيهما: أصنع، بدل: صانع. (٣) في الإملاء: ١٣٩/٢-١٤٠. سُورَةُ العَقْرَانَ ٧٠ الآية : ١٥٤ و ((غير)) منصوبٌ على المصدرية المؤكِّدة؛ لأنه مضافٌ إلى مصدرٍ محذوف، وهو بحَسب ما يضاف إليه، أي: غيرَ الظنِّ الحقِّ، وهو الذي يحقُّ أن يُظَنَّ به تعالى، وقال بعضهم: إنه مفعولٌ مطلقٌ نوعيٌّ. وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجَهِيَّةِ﴾ بدلٌ مما قبله، وقال ابن الحاجب: ((غيرَ الحقِّ)) و((ظنَّ)) مصدران؛ أحدهما للتشبيه، والآخرُ تأكيدٌ لغيره، أي: يقولون غيرَ الحقِّ. ومفعولا ((يظنُّون)) محذوفان، أي: يظنون أنَّ إخلافَ وعده سبحانه حاصلٌ، وأبو البقاء يجعل ((غيرَ الحق)) مفعولاً أوَّلاً، أي: أمراً غيرَ الحق، و((بالله)) في موضع المفعول الثاني(١). وإضافة ((ظنَّ)) إلى الجاهلية، قيل: إما من إضافة الموصوف إلى مصدرٍ صفته، ومعناها الاختصاصُ بالجاهلية؛ كرجلٍ صدقٍ وحاتم الجود، فهي على معنى اللام، أي: المختصّ بالصدق والجود، فالياء مصدرية، والتاء للتأنيث اللازم له. وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف، أي: ظنَّ أهلِ الجاهلية، أي: الشرك والجهل بالله تعالى، وهي اختصاصيةٌ حقيقية أيضاً. ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَْرٍ﴾ أي: يقول بعضُهم لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر والفتح والّفَر نصيبٌ، أي: ليس لنا من ذلك شيء؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً اَلٍّ. أو: يقول الحاضرون منهم لرسول الله ولو على صورة الاسترشاد: هل لنا من أمر الله تعالى ووَعْدِه بالنصر شيءٌ؟ واختاره بعض المحققين. والجملة قيل: إما حالٌ، أو خبرٌ إثْرَ خبرٍ، أو صفةٌ إثرَ صفةٍ، أو مستأنَفةٌ مبيِّئةٌ لما قبلها، أو بدلٌ من ((يظنُّون)) وهو بدلُ الكَلِّ بحَسَبِ الصدق، وبدلُ الاشتمالِ بحَسَب المفهوم. واستشكل بأنَّ قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا﴾ إلخ تفسيرٌ لـ (يظنُّون)) وترجمةٌ له، والاستفهامُ لا يكون ترجمةً للخبر، كما لا يصحُّ أن تقول: أخبرني زيد قال: لا تذهب، أو أمرني قال: لا تضرب، أو نهاني قال: اضرب، فإنَّ المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة. (١) الإملاء ٢/ ١٤٠. الآية : ١٥٤ ٧١ سُورَةُ الِغَتْرَانَ وحاصل الإشكال أنَّ متعلّق الظنِّ النسبةُ التصديقية، فكيف يقع استفهامٌ ترجمةً له؟ وأجيب بأنَّ الاستفهام طلبُ علم فيما يُشَكُّ ويُظَنُّ، فجاز أن يكون متعلّقَ الَّرِّ، وتحقيقُهُ أنَّ الظنَّ أو العلمَ يتعلّق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام، على ما ذُكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام. ولا يخفى أنَّ هذا إنما هو على تقدير كون الاستفهام حقيقيًّا، وأما على تقدير كونه إنكاريًّا فلا إشكال، ولا قيل ولا قال؛ لأنه خبرٌ فيتطابق مع ما قبله في الخبرية . وبعضُ من جَعَلَه إنكاريًّا ذهب إلى أنَّ المعنى: إنَّا منعنا تدبيرَ أنفسنا وتصريفَها باختيارنا، فلم يبقَ لنا من الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبيٍّ حين أخبره المنافقون بقَتْلِ بني الخزرج(١)، ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزّ منها الأذل(٢)، قيل: وظُّهم السوء على هذا تصويبهم رأيَ عبد الله ومَن تبعه. وقيل: الاستفهام على ظاهره، والمعنى: هل يزول عنَّا هذا القهرُ فيكون لنا من الأمر شيء، ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر. و(من)) الثانية سيف خطيب(٣)، و((شيء)) في موضع رفعٍ على الابتداء، وفي خبره - كما قال أبو البقاء(٤) - وجهان، أحدهما: ((لنا)) فـ ((من الأمر)) حال، والثاني: ((من الأمر)) فـ ((لنا)) تبيينٌ، وبه تتم الفائدة. ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِلَّهِ﴾ أي: إنَّ الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى وأوليائه، فينصر رسولَه وَله وأصحابه، ويخذل أعداءه ويقهرهم، وکنی بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه؛ لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أنَّ القضاء أو التدبير له تعالى مخصوصٌ به لا يشاركه فيه غيرُهُ، فيفعل ما يشاء ويُجري الأمور (١) أخرجه الطبري ٦/ ١٦٧ عن ابن جريج. (٢) أخرجه أحمد (١٥٢٢٣)، والبخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣) من حديث جابر وقد وقع هذا القول من عبد الله بن أبي في غزوة المريسيع، كما ذكر الحافظ في الفتح ٦/ ٥٤٧ . (٣)-أي: زائدة. ينظر الدر المصون ٤٤٨/٣. (٤) في الإملاء ٢/ ١٤٠. سُورَةُ العمران ٧٢ الآية : ١٥٤ حَسْبَما جرى به القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكّداً لِمَا أنَّ الكلامَ الذي وقع هو في مقابلته كذلك. واستظهر في ((البحر))(١) من هذا الأمر كونَ الاستفهام فيما تقدَّمه باقياً على حقيقته؛ إذ لو كان معناه نفيَ أن يكون لهم شيءٌ من الأمر، لم يجابوا بإثبات أنَّ الأمر كلَّه لله، اللهم إلّا أن يُقدَّر مع جملة النفي جملةٌ ثبوتية، ليكون المعنى: ليس لنا من الأمر شيء، بل لغيرنا ممن حَمَلَنا على الخروج وأَكْرَهَنا علیه، فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جواباً لهذا المقدَّر. وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضاً، أمَّا إذا كان مرادُهم نفي نصر الله تعالى نبيَّهِ وَ ل﴿ ومَن معه، فواضحٌ؛ لأنَّ في هذا القول إثباتُ ذلك النصر على أتمٍّ وجه، وأما إذا كان مرادُهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيءٌ حيث مُنعوا تدبير أنفسهم، فلأنَّ في ذلك النفي إشعاراً بأنَّ لهم تدبيراً، وأنهم لو تُركوا وتدبيرَهم ما غُمزت قناتُهم، وهذا الإثبات متكفِّلٌ بردِّ ذلك وإبطاله على وجهٍ لا (٢) سترة عليه كما لا يخفى، فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العَطَّن. وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ((كلُّه)) بالرفع على الابتداء(٣)، والجارُّ متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً له، والجملة خبر ((إنَّ)، وأما على قراءة النصب فـ ((كلَّ)) توكيدٌ لا سم (إنَّ» و «الله)) خبرُها. وزعم أبو البقاء (٤) أنه يجوز أن يكون ((كلَّه)) بدلاً من ((الأمر)) وفيه بُعْدٌ. ﴿يُخْفُونَ فِىْ أَنْفُسِهِم﴾ أي: يُضْمِرون فيها، أو: يُسرُّون فيما بينهم ﴿مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: ما لا يستطيعون إظهارَه لك، والجملة إما استئنافٌ أو حالٌ من ضمير (يقولون))، وقوله سبحانه: ﴿قُلّ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ اعتراضٌ بين الحال وصاحبها، أي: يقولون ما يقولون مُظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب، وهذا ظاهرٌ على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل (١) ٨٨/٣. (٢) قوله: لا. ساقط من (م). (٣) التيسير ص ٩١، والنشر ٢/ ٢٤٢. (٤) في الإملاء: ٢/ ١٤٠. الآية : ١٥٤ ٧٣ سُورَةُ العَقْرَان الاستفهام فيها على الإنكار يتعيَّن عنده الاستئناف، أو يجوز الخبرية ونحوها أيضاً على ما مرَّ، والجملةُ الجوابيةُ اعتراضيةٌ في كلِّ حالٍ سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح، وأما جَعْلُ هذه الجملة حالاً من ضمير ((قل)) والرابط ((لك)) فلا يخفى حاله . ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: في أنفسهم، أو خِفْيةً لبعضهم؛ إذ لو كان القول جهاراً لم يكونوا منافقين. والجملة إما بدلٌ من ((يُخفون))، أو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ مما قبله، كأنه قيل: ما الذي أَخْفَوه؟ فقيل ذلك، ورجَّحه بعض المحققين بأنه أكثرُ فائدةً، وبأنَّ القولَ إذا حُمل على ظاهره لم يتفاوت القولان؛ لأنَّ قولهم: ((هل لنا)» للمؤمنين ليس في حال قولهم: («لو كان لنا)» لأصحابهم، وبدلُ الحال حال. وأنت تعلم أنَّ هذا الأخيرَ مبنيٌّ على أنَّ القول الأول كان للمؤمنين، وقد علمتَ أنه غیرُ متعیِّن. وقيل: لأنه لا يجتمع قولان من متكلِّم واحد. وفيه أنَّ زمانَ الحال المقارن ليس مبنيًّا على التضييق كما لا يخفى. ومنّ هنا علَّل بعضُ الفضلاء نفيَ المقارنة بترتّب هذا على ما قبله، وعَدَل عن هذا التعليل، فإنَّ: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ ◌َّا قُتِلْنَا هَهُنَّ﴾ على معنى: لو كان لنا شيءٌ من ذلك كما وَعَدَ محمدٌ وادَّعى أنَّ الأمر كلَّه لله تعالى ولأوليائه ما قتلنا، فكأنَّ هذا في زعمهم ردٌّ لِمَا أُجيبوا به أولاً. ويحتمل أن يكون المراد: لو كان لنا اختيارٌ وتدبيرٌ لم نبرح، كما كان رأي ابن أُبيِّ وأتباعه. ومعنى ((ما قتلنا)): ما غُلبنا؛ لأنَّ القائلين ليسوا ممن قُتل؛ لاستحالته. ويحتمل أن يكون الإسناد مجازيًّا بإسناد ما للبعض للكلّ، فالمعنى: لو كان لنا شيءٌ من ذلك ما قُتل مَنْ قُتل منَّا في هذه المعركة. ثم لا يخفى أنَّ القول بالتَّرتُّب يستدعي سَبْقَ نزول الآية الجوابية وسماعهم لها، حتى يتأتَى القولُ بزَعْم ردِّها بهذه الشبهة الفاسدة، والظاهر من الآثار عدمُ نزولها إذا ذاك، فقد أخرج ابن أبي حاتم(١) عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال: لمَّا قُتل (١) في تفسيره ٧٩٥/٣. سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ٧٤ الآية : ١٥٤ مَنْ قُتل من أصحاب محمد وََّ، أَتَوا عبدَ الله ابن أبيّ فقالوا له: ما ترى، فقال: إِنَّا والله ما نُؤامَر، لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا هاهنا. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير(١) وخَلْقٌ كثيرٌ عن الزبير تَظُه قال: لقد رأيتني مع رسول الله وَّل حين اشتدَّ الخوف علينا، أرسل الله تعالى علينا النوم، فما منَّا من رجل إلا ذَقْنُهُ في صدره، فوالله إنِّي لأسمع قولَ مُعِّب بن قُشَير، ما أسمعه إلا كالحُلم: لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا هاهنا. فحفِظْتُها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ﴾ إلى ﴿هَهُنَّ﴾. وقد يقال: إنَّ هذا القول منهم كالاستدلال على القول الأول، وإنَّ كلا القولين وقع منهم ابتداءً، وقصَّه الله تعالى علينا رادًّا له، وهذا ظاهرٌ على تقدير أن يكون الاستفهام إنكاريًّا، وأما على تقدير أن يكون حقيقيًّا، ففيه خفاءٌ، فتأمل. ﴿قُل﴾ يا محمد في جواب ذلك ﴿لَّوْ كُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم ﴿لَبَرَزَ﴾ أي: لخرج لسببٍ من الأسباب الداعية إلى البروز ﴿الَِّينَ كُتِبَ﴾ في اللوح المحفوظ، أو قُدِّر في سابق علم الله تعالى ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ في تلك المعركة ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: مَصَارِعِهم التي علم الله تعالى وقدَّر قَتْلَهم فيها، وقُتلوا هناك البَّة، فإنَّ قضاء الله تعالى لا يُردُّ وحكمه لا يُعقَّب، وفيه من المبالغة في ردِّ مقالتهم الباطلة ما لا يخفى. وزعم بعضٌ أنَّ الظاهر الأبلغَ أن يُراد بمَنْ كُتب عليهم القَتْل الكفارُ القاتلون، أي: لَخَرج الذي يَقْتُلون مِن بين قومهم إلى مضاجع المقتولين، ولم ينجُ أحدٌ منهم مع تحصُّنهم بالمدينة وتحفّظهم في بيوتهم. ولا يخفى بُعْدُه، لِمَا فيه من التفكيك، ولأنَّ الظاهر من ((عليهم)) أنهم مقتولون لا قاتلون. وقيل: المعنى: لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون وتخلَّفتم عن القتال، لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فُرض عليهم القتال، صابرين محتسبين، فَيَقْتُلُون ويُقتَلون، ويَؤُولُ إلى قولنا: لو تخلَّفتم عن القتال لا يتخلَّفُ المؤمنون. (١) كما في الدر المنثور ٨٨/٢، وهو في تفسير الطبري ١٦٨/٦، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم في تفسيره ٧٩٥/٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٧٣/٣. الآية : ١٥٤ ٧٥ سُورَةُ العَقْرَانَ والمضاجع: جمع مَضْجَع، فإن كان بمعنى المرقد، فهو استعارةٌ للمَصْرِعِ، وإن كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقاً للحي والميت، فهو حقيقة. وقرئ: (كَتَبَ)) بالبناء للفاعل، ونَصْبِ ((القتل))(١)، و(«كُتب عليهم القتال))(٢)، و(لَبُرِّز)) بالتشديد على البناء للمفعول(٣). ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ﴾ أي: ليختبر الله تعالى ما في صدوركم بأعمالكم، فإنه قد عَلِمَهُ غيباً، ويريد أن يعلمه شهادة، لتقع المجازاة عليه. قاله الزجَّاج(٤). أو: ليعاملكم معاملة المبتلَى الممتَحَن؛ قاله غير واحد. وهو خطابٌ للمؤمنين، واللام للتعليل، ومدخولُها علَّةٌ لفعلٍ مقدَّرٍ قبلُ، معطوفٌ(٥) على عللٍ أخرى مطويةٍ للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: فَعَلَ ما فَعَلَ لمصالحَ جمَّةٍ وليبتلي إلخ، أو لِفِعْلٍ مقدَّر بَعْدُ، أي: وللابتلاء المذكور فَعَلَ ما فَعَلَ، لا لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصارٍ نبيِّه وَلّر مثلاً، والعطف على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى: (أَزَلَ عَلَيْكُمْ) والفصل بينهما مغتَفرٌ؛ لأنَّ الفاصل من متعلِّقات المعطوف عليه لفظاً أو معنی. وقيل: إنه لا حَذْفَ في الكلام، وإنما هو معطوفٌ على قوله تعالى: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) أي: أثابكم بالغمِّ لأمرين؛ عدم الحزن والابتلاء، واستُبعد بأنَّ توسُّط تلك الأمور مُحتاجُ إلى نكتةٍ حينئذ، وهي غيرُ ظاهرة. وأَبعدُ منه - بل لا يكاد يُقبل - العطفُ على قوله تعالى: (لِبْتَلِيَكُمْ) أي: صَرَفکم عنهم لیبتلیکم وليبتلي ما في صدوركم. وجَعَله بعضُهم معطوفاً على عِلَّةٍ محذوفة، وكلتا العِلَّتين لـ ((برز الذين))، كأنه (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٣ لابن عباس. (٢) هي قراءة الحسن والزهري. المحرر الوجيز ٥٢٩/١، والبحر ٩٠/٣. (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٣ لأبي حيوة. (٤) في معاني القرآن ١/ ٤٨٠. (٥) أي: المدخول، وفي تفسير أبي السعود ١٠٢/٢ (والكلام منه): معطوفة، أي: العلة، وكلاهما صواب. سُورَةُ العَقْرَانَ ٧٦ الآية : ١٥٤ قيل: لَبَرَزَ الذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم؛ لنفاذ القضاء، أو لمصالحَ جمَّةٍ وللابتلاء. واعتُرض بأنَّ الذوق السليم يأباه، فإنَّ مقتضى المقام بيانُ حكمة ما وقع يومئذٍ من الشدة والهول، لا بيانُ حكمة البروز المفروض. وإنما جُعل الخطاب للمؤمنين؛ لأنهم المعتدُّ بهم، ولأنَّ إظهارَ حالهم مُظْهِرٌ لغیرهم. وقيل: إنَّه لهم وللمنافقين، أي: ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق. وقيل: للمنافقين خاصة؛ لأنَّ سَوْق الآية لهم. وظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ - أي: ليخلِّص ما فيها من الاعتقاد من الوسواس - يُرجِّح الأول؛ لأنَّ المنافقين لا اعتقادَ لهم ليُمخَّص من الوساوس ويُخَلَّص منها، ولعلَّ القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط، أو مع المؤمنين، يفسِّرون التمحيص بالكشف والتمييز (١)، أي: ليكشف ما في قلوبكم من مخفيَّات الأمور أو النفاق ويميِّزها، إلا أنَّ حَمْلَ التمحيص على هذا المعنى يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها . وإنما عبَّر بالقلوب هنا - كما قيل - لأنَّ التمحيصَ متعلِّقٌ بالاعتقاد على ما أشرنا إليه، وقد شاع استعمال القلب مع ذلك، فيقال: اعتقد بقلبه، ولا تكاد تسمعهم يقولون: اعتقد بصدره، أو آمن بصدره، وفي القرآن: ﴿أُوْلَِّكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ اٌلْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وليس فيه: كَتَبُ في صدورهم الإيمان، نعم يُذكَر الصدر مع الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿أَفَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الزمر: ٢٢]. ومن هنا قال بعض السادات: القلب مَقَرُّ الإيمان، والصَّدر محلُّ الإسلام، والفؤاد مَشْرِق المشاهدة، واللُّبُّ مقامُ التوحيد الحقيقي. ولعلَّ الآية على هذا تَؤُولُ إلى قولنا: ليبتلي إسلامَكم، وليمخَّص إيمانكم. وربما يقال: عبَّر بذلك مع التعبير فيما قبلُ بالصدور للتفتُّن، بناءً على أنَّ المراد بالجمعین واحد. (١) من قوله: يرجح الأول، إلى هذا الموضع من (م)، وليس في الأصل. الآية : ١٥٥ ٧٧ رَةُ العَزَانَ أي: بما في القلوب التي في الصدور من (١٥٤) ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الضمائر الخفيَّة، ووُصفت بذلك لأنها لتمكّنها من الصدور جُعلت كأنها مالكةٌ لها، فـ (ذات)) بمعنى: صاحبة، لا بمعنى ذات الشيء ونفسه. وفي الآية وعدٌ ووعيدٌ، أو أحدُهما فقط، على الخلاف في الخطاب. وفيها تنبيهٌ على أنَّ الله تعالى غنيٌّ عن الابتلاء، وإنما يُبرز صورةً الابتلاء لِحِگم يعلمها؛ كتمرين المؤمنين، أو إظهارٍ حال المنافقين. واختار الصُّدورَ ها هنا؛ لأنَّ الابتلاء الغنيَّ عنه سبحانه كان متعلِّقاً بما فيها، والتمحيص على المعنى الأول تصفيةٌ وتطهيرٌ، وليس ذلك مما تُشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غنيٌّ عنه، وإنما فَعَلَه لحكمة، نعم إذا أُريد به الكشف والتمييز، يصحُّ أن يقال: إنَّ هذه الجملةَ مشعرةٌ بأنه تعالى غنيٌّ أيضاً. ومن هنا جوَّز بعض المحققين كونَها حالاً من متعلِّق الفعلين، أي: فَعَلَ ما فَعَلَ للابتلاء والكَشْفِ والحالُ أنه تعالى غنيٌّ عنهما محيطً بخفيَّات الأمور. إلا أنه لا يظهر حينئذ سِرُّ التعبير عن الأسرار والخفيَّات بذات الصدور دون ذات القلوب، مع أنَّ التعبير الثاني أولى بها، لأنَّ القلوبَ محلُّها بلا واسطة، ومَحَلِّيَّةُ الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب، اللهم إلا أن يقال: إنَّ ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها حالَّةً فيها، بل تُلازِمُها وتُصاحِبُها، أشملُ من ذات القلوب؛ لصِدْق الأُولى على الأسرار التي في القلوب، وعلى القلوب أنفسها؛ لأنَّ كلَّا من هذين الأمرين مُلازمٌ للصدور باعتبار كونه حالًا فيها دون الثانية؛ لأنها لا تَصْدُقُ إلا على الأسرار؛ لأنها الحالَّةُ فيها دون الصدور، فحينئذ يمكن أن يُراد من ذات الصدور هذا المعنى الشامل، ویکون التعبير بها لذلك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ الدُّبُرَ عن المشركين بأُحد ﴿مِنكُمْ﴾ أيها المسلمون، أو: إنَّ الذين هربوا منكم إلى المدينة ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وهما جمعُ رسول الله ◌َِّ، وجمع أبي سفيان. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: طلب منهم الزَّلل ودعاهم إليه ﴿يِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ من ذنوبهم، يعني: إنَّ الذين تولَّوا كان السببُ في تَوْلِيتَهم أنهم كانوا سُورَةُ الِ عُقْرَانَ ٧٨ الآية : ١٥٥ أطاعوا الشيطان، فاقترفوا ذنوباً، فمنِعُوا من التأييد وتقوية القلوبِ حتى تَولَّوا، وعلى هذا لا يكون الزلل هو التولِّي، بل الذنوبُ المفضية إليه. وجُوِّز أن يكون الزلل الذي أَوقعهم الشيطان فيه ودعاهم إليه هو التولِّي نفسُهُ. وحينئذ يُراد ببعض ما كسبوا: إما الذنوب السابقة، ومعنى السببية: انجرارها إليه، لأنَّ الذنب يجرُّ الذنب، كما أنَّ الطاعة تجرُّ الطاعة. وإما قبول ما زَيَّن لهم الشيطان من الهزيمة، وهو المرويُّ عن الحسن. وإما مخالفة أمره وَ﴿ بالثبات في المركز، فجرَّهم ذلك إلى الهزيمة. وإما الذنوب السابقة، لا بطريق الانجرار، بل لكراهة الجهاد معها، فقد قال الزجَّاج: إنَّ الشيطان ذكّرهم خطايا لهم كرهوا لقاء الله تعالى معها، فأخَّروا الجهاد وتولَّوا حتى يُصلحوا أمرهم، ويجاهدوا على حالٍ مُرْضِيةٍ (١). والتركيب على الوجهين من باب تحقيق الخبر؛ كقوله: إنَّ التي ضَربتْ بيتاً مهاجرةً بكوفةِ الجُند غالتْ وُدَّها غُول(٢) وليس من باب أنَّ الصفةَ علةٌ للخبر؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] لأنَّ ((ببعض ما كسبوا)) يأباه، ويحقِّق التحقيق، وهو أيضاً من باب الترديد للتعليق كقوله: لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ(٣) صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتها لأنَّ ((إنما استزلَّهم)) إلخ خبر ((إنَّ). وزِيد ((إنَّ) للتوكيد وطول الكلام، و((ما)) لتكفَّها عن العمل، وأصل التركيب: إنَّ الذين تولَّوا منكم يوم التقى الجمعان، إنما تولَّوا لأنَّ الشيطان استزلَّهم (١) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤٨١/١. (٢) البيت لعبدة بن الطبيب، وهو في المفضليات ص ١٣٦، والإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ٣٨/١. وسلف ٣١٧/٤. (٣) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه ص ٧. الآية : ١٥٥ ٧٩ سُورَةُ العَقْرَانَ ببعض إلخ. فهو كقولك: إنَّ الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقُّه. وذكر ((بعض)) للإشارة إلى أنَّ في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال، أو لأنَّ هذه العقوبة ليست بكلِّ ما كسبوا، لأنَّ الكلَّ يستدعي زيادةً عليها، لكنه تعالى منَّ بالعفو عن كثير: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أعاد سبحانه ذكر العفو تأكيداً لطمع المذنبين فيه، ومَنْعاً لهم عن اليأس وتحسيناً للظنون بأتمٍّ وجه، وقد يقال: هذا تأسيسٌ لا تأكيد، فتذگَّر. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ﴾ للذنوب صغائرِها وكبائرها ﴿حَلِيمٌ (®) لا يعاجِلُ بعقوبة المذنب، وقد جاءت هذه الجملة كالتعليل للعفو عن هؤلاء المتوَلِّين، وكانوا أكثرَ القوم، فقد ذكر أبو القاسم البلخيُّ(١) أنه لم يبق مع النبيِّ وَّهِ يومَ أُحدٍ إلا ثلاثةَ عَشَرَ نفساً، خمسة من المهاجرين: أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الأنصار ﴿ أجمعين. ومن مشاهير المنهزمين: عثمان، ورافع بن المعلَّى، وخارجةُ بن زيد، وأبو حذيفة بن عُتبة، والوليد بن عقبة، وسعد وعقبة ابنا عثمان من الأنصار من بني زُريق، وروي عن ابن عباس أنَّ الآيةَ نزلت في الثلاثة الأُوَل(٢)، وعن غيره غيرُ ذلك، ولم يوجد في الآثار تصريحٌ بأكثرَ من هؤلاء، ولعلَّ الاقتصار عليهم؛ لأنهم بالغوا في الفرار، ولم يرجعوا إلا بعد مضيٍّ وقتٍ إلى رسول الله وَّهِ، حتى إنَّ منهم مَن لم يرجع إلا بعد ثلاث، فزعموا أنَّ رسول الله نَّم قال: «لقد ذهبتم بها عريضةً»(٣). (١) عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الحنفي، صاحب التصانيف وعلم الكلام، من متكلمي المعتزلة البغداديين، من كتبه: المقالات، والمجالس، والتفسير الكبير، توفي سنة (٣١٩هـ). طبقات المفسرين ٢٢٢/١. (٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٨٨/٢، وعزاه لابن منده في معرفة الصحابة. (٣) السير والمغازي لابن إسحاق ص ٣٣٢، وعنه الطبري ١٧٤/٦، وفيهما: فيها، بدل: بها. وقوله: عريضة، أي: واسعة. النهاية (عرض). سُورَةُ العَقْرَانَ ٨٠ الآية : ١٥٦ وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا في ذلك اليوم على الجبل، وعمر بن الخطاب ربه كان من هذا الصِّنف كما في خبر ابن جرير(١)، خلافاً للشيعة، وبفرض التسليم لا تعييرَ بعد عفو الله تعالى عن الجميع، ونحن لا ندَّعي العصمة في الصحابة ﴿ه، ولا نشترطها في الخلافة. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم المنافقون كعبد الله بن أبيٍّ وأصحابه، قاله السُّدِّي ومجاهد. وإنما ذكر في صدر الجملة كفرَهم تصريحاً بمباينة حالهم لحال المؤمنين، وتنفيراً عن مماثلتهم، وهم هم. وفيه دليلٌ على أنَّ الإيمان ليس عبارةً عن مجرَّد الإقرار باللسان كما يقوله الكرَّامية(٢)، وإلا لما سمَّى المنافقَ كافراً . وقيل: المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم، أي: لا تكونوا كالكَفَرة في نفس الأمر. ﴿وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ في المذهب أو النسب، واللام تعليلية، أي: قالوا لأَجْلِهم، وجعلها ابن الحاجب بمعنى ((عن))، ولا يجوز أن يكون المراد مخاطبة الإخوان كما هو المتبادر؛ لدلالة ما بعده(٣) على أنهم كانوا غائبين حين هذا القول. وقولُ بعضهم: يصحُّ أن يكون جَعْلُ القول لإخوانهم باعتبار البعض الحاضرين، والضربُ الآتي لضربٍ آخر، تكلَّفٌ لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول. ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا فيها لتجارة أو طلب معاش فماتوا؛ قاله السُّدِّي. وأصل الضرب: إيقاعُ شيءٍ على شيء، واستعمل في السَّير لِمَا فيه من ضرب الأرض بالرِّجل، ثم صار حقيقة فيه. وقيل: أصل الضرب في الأرض: الإبعادُ فِي السَّير، وهو ممنوع. وخَصَّ الأرضَ بالذكر؛ لأنَّ أكثرَ أسفارهم كان في البَرّ. (١) في تفسيره ٦/ ١٧٢ . (٢) هم أصحاب محمد بن كرَّام، كان يثبت الصفات وينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه، وهم طوائف بلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة. الملل والنحل ١٠٨/١ . (٣) في (م): بعد.