Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ١٣٠
٤٤١
سُورَةُ العَقْرَان
في تحصيل المال، فكان مِظنَّةَ مبادرة الناس إلى طُرُق الاكتساب، ومن جملتها بل
أسهلها الربا، فَنُهُوا عنه.
وقدَّمه على الأمر اعتناءً به، وليجيء ذلك الأمر بعد سدِّ ما يخدشه.
وقال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام مثَّصلاً بما قبله من جهة أنَّ أكثرَ
أموال المشركين قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر،
وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام عليه كي يجمعوا
الأموال وينفقوها على العساكر أيضاً، ويتمكّنوا من الانتقام من عدوِّهم، فَوَرَدَ
النهيُ عن ذلك رحمةً عليهم ولطفاً بهم.
وقيل: إنه تعالى شأنه لمَّا ذَكَرَ أنَّ له التعذيبَ لمن يشاءُ والمغفرةَ لمن يشاء،
وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقُّوا عليه العقاب، وهو الربا، وخَّصَّه بالنهي؛
لأنه كان شائعاً إذ ذاك، وللاعتناء بذلك لم يَكْتَفِ بما دلَّ على تحريمه مما في سورة
البقرة، بل صرَّح بالنهي وساق الكلام له أولاً وبالذات؛ إيذاناً بشدّة الحظر.
والمراد من الأكل: الأخذُ، وعبَّر به عنه لِمَا أنه مُعْظَمُ ما يقصد به، ولشيوعه
في المأكولات، مع ما فيه من زيادة التشنيع، وقد تقدَّم الكلام في الربا (١).
﴿أَضْعَلِفًا مُضَعَفَّةٌ﴾ حالٌ من الربا. والأضعافُ: جمعُ ضِعْفٍ، وضِعفُ الشيء
مِثْلُه، وضِعفاه مِثلاه، وأضعافُهُ أمثالُهُ. وقال بعض المحققين(٢): الضِّعف اسمُ
ما يُضعِّفُ الشيءَ؛ كالثِّنْي اسمُ ما يُثِّيه، من ضَعَفْتُ الشيءَ - بالتخفيف - فهو
مَضْعُوف، على ما نقله الراغب (٣)، بمعنى ضعَّفتُهُ، وهو اسمٌ يقع على العدد بشرط
أن يكون معه عددٌ آخر فأكثر، والنظر فيه إلى فوق، بخلاف الزوج فإنَّ النظر فيه إلى
ما دونه، فإذا قيل: ضِعف العشرة، لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف؛ لأنه أولُ
مراتب تضعيفها، ولو قال: له عندي ضِعفُ درهم، لزمه درهمان، ضرورةً الشرط
المذكور، كما إذا قيل: هو أخو زيد، اقتضى أن يكون زيدٌ أخاه، وإذا لزم
(١) عند تفسير الآية (٢٧٥) من سورة البقرة وما بعدها.
(٢) هو صاحب الكشف، كما في حاشية الشهاب ٣/ ٦٢، والكلام منه.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (ضعف)، والكلام من حاشية الشهاب ٣/ ٦٢ - ٦٣.
سُورَةُ الَّعَنْرَانَ
٤٤٢
الآية : ١٣٠
المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا: له ضِعفا درهم، منزَّلٌ على ثلاثة دراهم،
وليس ذلك بناءً على ما يتوهّم أنَّ ضِعف الشيء موضوعُهُ مثلاه، وضِعْفَيْهِ ثلاثةُ
أمثاله، بل ذلك لأنَّ موضوعَهُ المِثْل بالشرط المذكور.
وهذا مغزى(١) الفقهاء في الأقارير والوصايا، ومن البَيِّن أنهم ألزموا في ضعفي
الشيء ثلاثةَ أمثاله، ولو كان موضوعُ الضِّعْفِ المثلين، لكان الضعفان أربعةَ أمثال،
وليس مبناه العرفُ العامِّيُّ - بل الموضوعُ اللغوي - كما قال الأزهريُّ(٢).
ومن هنا ظهر أنه لو قال: له عليَّ الضُّعفان دِرهمٌ ودرهم، أو الضِّعفان من
الدراهم، لم يلزم إلا درهمان، كما لو قال: الأخَوَان. ثم قال(٣): والحاصل أنَّ
تضعيف الشيء ضمُّ عددٍ آخَرَ إليه، وقد يزاد، وقد يُنظر إلى أول مراتبه؛ لأنه
المتيقّن، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعَف مأخوذاً معه، فيكون ضعفاه ثلاثةً، وقد
لا يكون فيكون اثنين، وهذا كلَّه موضوعٌ له في اللغة لا عُرْفٌ (٤).
وليس هذه الحال لتقييد المنهيِّ عنه، ليكون أصلُ الربا غيرَ منهيٍّ، بلٍ لمراعاة
الواقع، فقد روى غير واحد(٥) أنه كان الرجل يُرْبي إلى أَجَل، فإذا حلَّ قال
للمَدين: زِدْني في المال حتى أَزيدَك بالأجل، فيفعل، وهكذا عند كلِّ أجل،
فيستغرق بالشيء الطفيف(٦) مالَهُ بالكلِّية، فنُهُوا عن ذلك، ونزلت الآية. وقرئ:
(مُضعَّفة)) بلا ألف مع تشديد العين(٧).
﴿وَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي فيما نُهيتم عنه، ومن جملته أكلُ الربا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
١٢٠
أي: لكي تفلحوا، أو راجين الفلاح، فالجملة حينئذٍ في موضع الحال، قيل:
(١) في (م): معزى، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب.
(٢) في تهذيب اللغة ١/ ٤٨٠، حيث ذكر أن الوصايا يستعمل فيها العرف الذي يذهب إليه وهمُ
الموصي والموصَى إليه، وإن كانت اللغة تحتمل غيره.
(٣) هو صاحب الكشف.
(٤) في (م): العرف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب.
(٥) ينظر تفسير الطبري ٥٠/٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٧٥٩/٣.
(٦) في الأصل و(م): الضعيف. والمثبت من الكشاف ٤٦٣/١، وتفسير البيضاوي ٤٢/٢،
وتفسير أبي السعود ٢/ ٨٤.
(٧) هي قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص ٨١، والنشر ٢٢٨/٢.
الآية : ١٣١ - ١٣٣
٤٤٣
سُورَةُ الَّعَمْرَانَ
ولا يخفى أنَّ اقترانَ الرجاء بالتخويف يفيد أنَّ العبدَ ينبغي أن يكون بين الرجاء
والخوف، فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى حضائر القدس.
﴿وَأَنَّقُواْ النَّارَ﴾ أي: احتِرزوا عن متابعة المُرابِينَ، وتَعَاطي ما يتعاطَوْنه من أكل
الربا المفضي إلى دخول النار ﴿ الَِّيَّ أُعِدَّتْ﴾ أي: هُيِّئْتْ ﴿لِلْكَفِرِينَ ﴾﴾ وهي
الطبقة التي اشتدَّ حرُّها وتَضَاعَفَ عذابها، وهي غيرُ النار التي يدخلها عصاةُ أمة
محمد ◌ٍَّ﴾، فإنها دون ذلك.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أَكَلةَ الربا على شفا حفرة الكَفَرة، ويحتمل أن يقال: إنَّ النار
مطلقاً مخلوقٌ للكافرين، معدَّةٌ لهم أوَّلاً وبالذَّات، وغيرُهم يدخلها على وجه التَّبَع،
فالصفة ليست للتخصيص، وإلى هذا ذهب الجلُّ من العلماء؛ روي عن الإمام
الأعظم به أنه كان يقول: إنَّ هذه الآية هي أَخوفُ آية في القرآن، حيث أَوْعَدَ الله
تعالى المؤمنين بالنار المعدَّة للكافرين إن لم يتَّقوه في اجتناب مَحارِمه. وليس بنصٍّ
في التخصيص.
﴿وَأَطِيعُواْ الَّهَ﴾ في جميع ما أَمَرَكم به ونهاكم عنه، فلا يتكرَّر مع الأمر بالتقوى
السابق ﴿وَالرَّسُولَ﴾ أي: الذي شَرَعَ لكم الدِّينَ، وبلَّغكم الرسالة، فإنَّ طاعته
طاعةُ الله تعالى.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: لكي تنالوا رحمة الله تعالى، أو: راجين
رحمته، وعقَّب الوعيدَ بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة.
قال محمد بن إسحاق: هذه الآية معاتِبَةٌ للذين عَصَوْا رسول الله وَّ حين
أمرهم بما أمرهم في أحد(١)، ولعلَّهم الرُّماةُ الذين فارقوا المركز.
﴿وَسَارِعُواْ﴾ عطفٌ على ((أطيعوا)) أو ((اتقوا)). وقرأ نافعٌ وابن عامر بغير واو(٢)،
على وجه الاستئناف، وهي قراءة أهل المدينة والشام، والقراءة المشهورة قراءة
أهل مكة والعراق، أي: بادروا وسابقوا، وقُرئ بالأخير(٣).
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١٠٩/٢.
(٢) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٣) هي قراءة أبي وعبد الله كما في الكشاف ١/ ٤٦٣، والبحر ٥٧/٣، قرأ: ((وسابقوا)).
سُوَقُ الْعَنْرَانَ
٤٤٤
الآية : ١٣٣
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ أي: أسبابهما من الأعمال الصالحة، وعن عليّ
كرَّم الله تعالى وجهه: سارعوا إلى أداء الفرائض. وعن ابن عباس: إلى الإسلام.
وعن أبي العالية: إلى الهجرة. وعن أنس بن مالك: إلى التكبيرة الأولى. وعن
سعيد بن جبير: إلى أداء الطاعات. وعن يمان: إلى الصلوات الخمس. وعن
الضحاك: إلى الجهاد. وعن عكرمة: إلى التوبة.
والظاهر العمومُ، ويدخل فيه سائر الأنواع، وتقديمُ المغفرة على الجنة لِمَا أنَّ
التخليةَ مقدَّمةٌ على التحلية، وقيل: لأنها كالسبب لدخول الجنة.
و ((من)) متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع نعتاً لـ ((مغفرة))، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع
الإضافة إلى ضمير المخاطَبين؛ لإظهار مزيد اللَّطف بهم، ووصفُ المغفرة بكونها
من الربِّ دون الجنة؛ تعظيماً لأمرها وتنويهاً بشأنها .
وسبب نزول الآية على ما أخرجه عبد بن حميد (١) وغيرُه عن عطاء بن أبي رباح
أنَّ المسلمين قالوا: يا رسول الله، بنو إسرائيل كانوا أكرمَ على الله تعالى منَّا؟ كانوا
إذا أذنب أحدهم ذنباً، أصبحت كفَّارةُ ذنبه مكتوبةً في عتبة داره: اجْدَعْ أنفك أجْدَعَ
أذنَك، افعل كذا وكذا. فسكت وَله، فنزلت هذه الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلَِّينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية فقال النبي ◌َّ: ((ألا أخبركم بخيرٍ من
ذلکم؟» ثم تلاها عليهم.
والتنوين في ((مغفرة)) للتعظيم، ويؤيِّده الوصف، وكذا في ((جنة)) ويؤيِّده أيضاً
وصفُها بقوله سبحانه: ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ والمراد: كعَرْضِ السماوات
والأرض، فهو على حدٍّ قوله:
حَسِبْتَ بُغامَ راحلتي عَناقاً وما هي وَيْبَ غيرِكَ بالعَناقِ (٢)
(١) كما في الدر المنثور ٧٢/٢، وأخرجه - أيضاً - الطبري في تفسيره ٦٢/٦ - ٦٣.
(٢) نسبه أبو زيد في النوادر ص١١٦ لذي الخِرَق الظُّهَويِّ، ونسبه ابن الأعرابي كما في اللسان
(عنق) لقُريط بن أُنيف، وهو دون نسبة في مجالس ثعلب ٦١/١، ودلائل الإعجاز ص ٣٠١.
وبغام الناقة: صوتٌ لا تُفصح به. والعناق: الأنثى من المعز. والويب كلمة مثل الويل،
تقول: ويبك، وويب زيد، كما تقول: ويلك. يخاطب الشاعر ذئباً تبعه في طريقه. اللسان
(عنق) و(بغم) و(ويب).
الآية : ١٣٣
٤٤٥
سُوَدَّةُ الْعَنْرَانَ
فإنه أراد: كصوت عَناق. والعَرْضُ أقصرُ الامتدادين، وفي ذكره دون ذكر
الُول مبالغةٌ، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف، فليس
المقصود تحديد عَرضها حتى يمتنع كونُها في السماء، بل الكلام كنايةٌ عن غاية
السّعة بما هو في تصوُّر السامعين، والعرب كثيراً ما تصف الشيءَ بالعَرْض إذا
أرادوا وصفه بالسعة، ومنه قولهم: أَعرضَ في المكارم، إذا توصَّع فيها .
والمراد من ((السماوات والأرض)): السماوات السَّبع والأرضون السَّبع، فعن
ابن عباس من طريق السُّدِّي أنه قال: تُقرن السماوات السبعُ والأرضون السبع
كما تُقرن الثياب بعضُها ببعض، فذاك عَرْضُ الجنة(١).
والأكثرون على أنها فوقَ السماوات السبع تحت العرش، وهو المرويُّ عن
أنس بن مالك(٢).
وقيل: إنها في السماء الرابعة. وإليه ذهب جماعة.
وقيل: إنها خارجةٌ عن هذا العالم حيث شاء الله تعالى، ومعنى كونها في
السماء: أنها في جهة العُلو، ولا مانع عندنا أن يخلق الله تعالى في العلوِّ أمثالَ
السماوات والأرض بأضعافٍ مضاعفة، ولا ينافي هذا خبرُ أنها في السماء الرابعة
إن صحَّ(٣)، ولا ما حكي عن الأكثر؛ لأن ذلك مثل قولك: في الدار بستان، إذا
كان له بابٌّ منها يُشْرَعُ إليه مثلاً، فإنه لا ينافي خروج البستان عنها وعلى هذا
التأويل لا ينافي الخبرَ أيضاً كونُ عَرْض الجنة كعرض السماوات والأرض، من غير
حاجة إلى القول بأنه ليس المراد من ((السماوات)) السماوات السبع كما قيل به.
ومِن الناس مَن ذهب إلى أنها في السماء تحت العرش، أو الرابعة، إلا أنَّ هذا
العَرْضَ إنما يكون يوم القيامة، حيث يزيد الله تعالى فيها ما يزيد. وحكي ذلك عن
(١) أخرجه الطبري ٦/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) ذكره الفخر الرازي في تفسيره ٦/٩، وأخرج أحمد (٢٢٦٩٥) من حديث عبادة بن
الصامت : ((الجنة مئة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مئة عام ... والعرش من
فوقها ... ) وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (١٣٤) موقوفاً من حديث عبد الله بن مسعود عته، وفيه
أبو الزعراء عبد الله بن هانئ، قال عنه البخاري: لا يتابع على حديثه. الميزان ٥١٧/٢.
سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
٤٤٦
الآية : ١٣٣
أبي بكر أحمد بن علي (١)، قيل: وبذلك يُدفع السؤال بأنه إذا كان عَرْضُ الجنة
كعرض السماوات والأرض، فأين تكون النار؟ ووجه الدفع أنَّ ذلك يومَ القيامة،
وأما الآن فهي دون ذلك بكثير، ويوم يثبت لها ذلك لا تكون فيه السماوات
والأرض كهذه السماوات والأرض المشبّهِ بعَرْضهما عَرْضُها .
ولا يخفى أنّ القول بالزيادة في السعة يوم القيامة وإن سلم، إلا أنَّ كونَها اليومَ
دون هذه السماوات والأرض بكثير في حَيِّز المنع، ولا يكادُ يُقبل، والسؤال
المذکور أجاب عنه رسول الله (گپڼ بغير ذلك.
فقد أخرج ابن جرير عن التنوخيٍّ رسولِ هِرَقْلِ قال: قدِمْتُ على رسول الله وَله
بكتاب هرقل، وفيه: إنك كتبتَ تدعوني إلى جنة عَرْضُها السماوات والأرض فأين
النار؟ فقال رسول الله وَله: ((سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار))(٢).
ولعلَّ المقصود من الجواب إسقاطُ المسألة، وبيانُ أنَّ القادر على أن يُذهبَ
الليلَ حيث شاء، قادرٌ على أن يخلق النار حيث شاء، وإلى ذلك يشير خبر
أبي هريرة (٣).
وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أنَّ العَرْض هاهنا ليس مقابل الظُول، بل هو
من قولك: عَرَضْتُ المتاعَ للبيع، والمعنى: أنَّ ثمنها لو بيعت كثمن السماوات
والأرض، والمراد بذلك عِظَمُ مقدارها وجلالة قَدْرها، وأنه لا يساويها شيءٌ وإن
عَظُم، فالعَرْضُ بمعنى ما يُعرض من الثمن في مقابلة المبيع، وربما يُستغنَى - على
(١) ذكره عنه الطبرسي في مجمع البيان ٤/ ٢٠٠، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٩/١
عن أبي بكر بن فورك، واسمه محمد بن الحسن.
(٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٤، وأخرجه - أيضاً - أحمد (١٥٦٥٥). وقد أسلم التنوخي بعد موت
النبي ◌َ ﴿، فهو تابعي اتفاقاً، وحديثه ليس بمرسل بل موصول. ينظر تدريب الراوي ٢٢٠/١.
(٣) أخرجه البزار (٢١٩٦- كشف)، وابن حبان (١٠٣)، والحاكم ٣٦/١، وفيه: أن رجلاً جاء
إلى رسول الله ﴿ فقال: يا محمد أرأيت جنةً عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال
النبي ◌ّيقول: ((أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جُعل؟)) قال: الله أعلم. قال:
«فإن الله يفعل ما يشاء».
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٧/٦: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
الآية : ١٣٣
٤٤٧
سُورَةُ الإِعْمَانَ
هذا - عن تقدير ذلك المضاف. ولا يخفى أنه على ما فيه من البعد خلافُ المأثور
عن السلف الصالح، من أنَّ المراد وصفُها بأنها واسعة.
﴿أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: هُيِّئْت للمطيعين لله تعالى ولرسوله وَّـه
وإنما أُضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات، وإنَّ دخولَ غيرهم - كعصاة
المؤمنين والأطفال والمجانين - بطريق التَّبَع.
وإذا حُملت التقوى في غير هذا الموضع - وأمَّا فيه فبعيد - على التقوى عن
الشرك، لا ما يعمُّه وسائرَ المحرَّمات، لم نستغن عن هذا القول أيضاً؛ لأنَّ
المجانين مثلاً لا يتَّصفون بالتقوى حقيقةً ولو كانت عن الشرك، كما لا يخفى.
وجُوِّز أن يكون هناك جنَّاتٌ متفاوتة، وأنَّ هذه الجنةَ للمتقين الموصوفين بهذه
الصفات لا يشاركهم فيها غيرُهم، لا بالذات ولا بالتَّبَع، ولعلها الفردوسُ المصرَّحُ
بها في قوله {وَّر: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس))(١)، وفيه تأمُّل.
والآيةُ ظاهرةٌ في أنَّ الجنة مخلوقةٌ الآن، كما يدلُّ عليه الفعل الماضي، وجَعْلُه
من باب ﴿وَتُفِّخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] خلافُ الظاهر، ولا داعي إليه كما بُيِّن في
محله، ومثل ذلك: ((أُعِدَّتْ)) السابقُ في حقِّ النار، وأما دلالة الآية على أنَّ الجنة
خارجةٌ عن هذا العالم بناءً على أنها تقتضي أنَّ الجنة أعظمُ منه فلا يمكن أن يكون
محيطاً بها، ففيه نظر، كما يرشدك إليه النظر فيما تقدم.
والجملة في موضع جرٍّ على أنها صفةٌ لـ ((جنة))، وجُوِّز أن تكون في موضع
نصبٍ على الحالية منها؛ لأنها قد وُصفت، وجُوِّز أيضاً أن تكون مستأنفةً. قال
أبو البقاء(٢): ولا يجوز أن تكون حالاً من المضاف إليه لثلاثة أمور:
أحدها: أنه لا عامل(٣) له، وما جاء من ذلك متأوَّلٌ على ضَعْفه.
والثاني: أنَّ العَرْض هنا لا يراد به المصدر الحقيقيُّ، بل المسافة.
(١) أخرجه أحمد (٨٤١٩)، والبخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة به. وأخرجه أحمد
(٢٢٦٩٥)، والترمذي (٢٥٣١) من حديث عبادة بن الصامت .
(٢) في الإملاء ١٢٠/٢ - ١٢١.
(٣) في الأصل و((م): عمل، والمثبت من الإملاء، ومثله في الدر المصون ٣٩٤/٣.
سُورَةُ العَرَاكَ
٤٤٨
الآية : ١٣٤
والثالث: أنَّ ذلك يلزم منه الفصلُ بين الحال وصاحبها .
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ في محلِّ الجرِّ على أنه نعتٌ لـ ((المتقين)) مادٌ لهم، وقيل:
مخصِّصٌ، أو بدلٌ أو بيانٌ، أو في محلِّ نصبٍ على إضمار الفعل، أو رفعٍ على
إضمار ((هم))، ومفعولُ ((ينفقون)) محذوفٌ ليتناول كلَّ ما يصلح للإنفاق المحمود،
أو متروٌ بالكلية كما في قولهم (١): فلانٌ يعطي.
﴿فِ السََّّآءِ وَالشَّرَّآءِ﴾ أي: في اليسر والعسر؛ قاله ابن عباس(٢).
وقيل: في حال السرور والاغتمام.
وقيل: في الحياة وبعد الموت بأن يوصي.
وقيل: فيما يسُّ كالنفقة على الولد والقريب، وفيما يضرُّ كالنفقة على الأعداء.
وقيل: في ضيافة الغني والإهداء إليه، وفيما ينفقه على أهل الضُّرِّ ويتصدَّق به
علیھم.
وأصل السَّرَّاء: الحالةُ التي تسرُّ، والضَّرَّاء: الحالة التي تضرّ.
والمتبادِرُ ما قاله الحبر، والمراد إما ظاهرُهما أو التعميم كما عُهد في
أمثاله، أي: لا يَخْلُون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل، وقد
روي عن عائشة رؤّنا أنها تصدَّقت بحبَّة عنب(٣)، وعن بعض السلف أنه تصدَّق
ببصلة، وفي الخبر: ((اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة)»(٤) و«رُدُّوا السائل ولو بِظلْفٍ
مُحرَّقٍ))(٥) .
﴿وَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أصل الكَظْم شَدُّ رأس القِرْبة عند امتلائها، ويقال: فلان
كظيم، أي: ممتلئُّ حزناً.
(١) في الأصل: على حد، بدل: كما في قولهم.
(٢) أخرجه الطبري ٦/ ٥٧، وابن أبي حاتم ٧٦٢/٣.
(٣) أخرجه ابن سعد ٨/ ٤٩٠، وأبو عبيد في الأموال (٩١٠)، وهو من بلاغات مالك في
الموطأ ٢/ ٩٩٧.
(٤) أخرجه أحمد (١٨٢٥٣)، والبخاري (٦٠٢٣)، ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم ـ
(٥) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨) وسلف ٣٧٤/١.
الآية : ١٣٤
٤٤٩
سُؤَقُ العَنْران
والغيظ: هَيَجان الطَّبع عند رؤية ما يُنكَر. والفرق بينه وبين الغضب على
ما قيل: أنَّ الغضب يتبعه إرادةُ الانتقام البتّة، ولا كذلك الغيظ.
وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار، والغيظ ليس
كذلك. وقيل: هما متلازمان، إلا أنَّ الغضب يصحُّ إسناده إلى الله تعالى، والغيظ
لا یصحّ فيه ذلك.
والمراد: والمتجرِّعين للغيظ (١)، المُمْسِكین علیه عند امتلاء نفوسهم منه،
فلا ينتقمون(٢) ممن يُدخِل الضرر عليهم، ولا يُبدون له ما يَكره، بل يصبرون على
ذلك مع قدرتهم على الإنفاذ والانتقام، وهذا هو الممدوح، فقد أخرج عبد الرزاق
وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن كَظَمَ غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأ الله
تعالى قلبه أمناً وإيماناً))(٣).
وأخرج أحمد عن [معاذ بن] أنس قال: قال رسول الله وَ له: ((من كظم غيظاً
وهو قادرٌ على أن ينفذه، دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره الله تعالى
من أيِّ الحور شاء))(٤).
وفي الأول جزاءٌ من جنس العمل، وفي الثاني ما هو من توابعه.
وهذا الوصف معطوفٌ على ما قبله، والعدولُ إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على
(١) في الأصل: الغيظ.
(٢) في (م): ينقمون.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣٢/١، وتفسير الطبري ٥٩/٦ من طريق عبد الجليل عن عمه عن
أبي هريرة به. وعبد الجليل، قال عنه البخاري: لا يتابع عليه. الميزان ٢/ ٥٣٥. وقال ابن
حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٣١: مجهول.
وأخرجه أبو داود (٤٧٧٨) من طريق سويد بن وهب عن رجل من أبناء أصحاب النبي ت58 8*،
عن أبيه، عن النبي ◌َّ ه. قال ابن طاهر كما في تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ٢٢٤/١:
وهذا الإسناد أصلح من إسناد عبد الرزاق.
(٤) مسند أحمد (١٥٦١٩)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي (٢٠٢١) و(٢٤٩٣)
وقال: حسن غريب، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. ومعاذ بن أنس الجهني
صحابي كان بمصر والشام، روى عن النبي صل# أحاديث، وله رواية عن أبي الدرداء وکعب
الأحبار. الإصابة ٢١٨/٩.
سُورَةُ الْعَمْرَانَ
٤٥٠
الآية : ١٣٤
الاستمرار، وأما الإنفاق فحيث كان أمراً متجدِّداً عبّر عنه بما يفيد التجدُّد والحدوث.
﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ أي: المتجاوزين عن عقوبةِ مَن استحقُّوا مؤاخَذَته إذا
لم يكن في ذلك إخلالٌ بالدِّين. وقيل: عن المملوكينَ إذا أساؤوا، والعمومُ أولى.
أخرج ابن جرير عن الحسن أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: ((لِيَقُمْ من كان له
على الله تعالى أجر، فلا يقوم إلا إنسانٌ عفا))(١).
وأخرج الطبرانيُّ عن أُبيِّ بن كعب أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((مَن سرَّه أن يُشرَف
له البنيان، وتُرفَع له الدرجات، فليعفُ عمَّن ظَلَمه، ويُعْطِ مَنْ حَرَمه، ويصلْ مَنْ
قطعه)»(٢) .
وأخرج الديلميُّ في ((مسند الفردوس)) عن أنس بن مالك في الآية: ((إنَّ هؤلاء
في أمتي قليل، إلا مَن عَصَمَ الله تعالى، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مَضَت)»(٣).
والاستثناء منقطعٌ إن كانت القِلَّة على ظاهرها، ومُتَّصِلٌ إن كانت بمعنى العَدَم،
وكونُ بعض الخصائص كثيراً في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة
من كلِّ الوجوه، ومَنْ ظَنَّ ذلك تكلَّفَ في توجيه الحديث: بأنَّ المراد أنَّ الكاظمين
الغيظَ في أمتي قليلٌ إلا بعصمة الله تعالى؛ لغلبة الغيظ عليهم، وقد كانوا كثيراً في
الأمم السالفة لقلَّة حميَّتهم، ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم
قليلاً، ولمَّا تمرَّنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى، والتزموا الاجتناب عن
المداهنة، صار إنفاذ الغيظ عادتَهم، فلا يكظمون إذا ابتُلوا إلا بعصمة الله تعالى،
فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقِلَّة الحمية، وهم الكثيرون في الأمم السالفة،
فلا اختصاصَ لهم بمزيةٍ ليُتوقَّم تفضيلُهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه.
ولا يخفى أنَّ هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة.
(١) تفسير الطبري ٥٩/٦.
(٢) المعجم الكبير (٥٣٤) والمعجم الأوسط (٢٦٠٠). وأخرجه - أيضاً - الحاكم في المستدرك
٢٩٥/٢ وصححه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٩/٨: فيه أبو أمية بن يعلى، وهو
ضعيف .
(٣) بنحوه في مسند الفردوس (٨١٢٠)، وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم ٧٦٣/٣ عن مقاتل بن
حيان قال: بلغني أن النبي ◌َّو قال عند ذلك، فذكره.
الآية : ١٣٤
٤٥١
سُورَةُ العَقْرَانَ
وأحسنُ منه - بل لا نسبة - أنَّ الكثرة نظراً إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كلِّ
أمة أمة، ولا يضرُّ قلَّةُ وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع
الخلائق من لَدُنْ آدَمَ عليه السلام إلى أن بُعث نبيِّنَا وَّةِ؛ لأنَّ هذه الأمة بأسرها قليلةٌ
بالنظر إلى مجموع الأمم فضلاً عن خيارها، فتدبر.
وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعضُ المحقّقين: إشعارٌ بكمال حُسْنِ موقع
عَفْوِه عليه الصلاة والسلام عن الرماة، وتَرْك مُؤاخَذَتهِم بما فعلوا من مخالفة
أمره وَّته، وندبٌ له عليه الصلاة والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين
بما فعلوا بحمزة ربه حتى قال حين رآه قد مُثِّل به: ((لأُمثِّنَّ بسبعين مكانك))(١).
ولعلَّ التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضاً دون الفعل لأنَّ العفو أشبهُ بالكَظْم منه
بالإنفاق.
﴾ تذييلٌ لمضمون ما قبله، و((أل)) إما للجنس
﴿ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِينَ
والمذكورون داخلون فيه دخولاً أوَّليًّا، وإما للعهد وعبّر عنهم بالمحسنين - على
ما قيل - إيذاناً بأنَّ النعوت المعدودةَ من باب الإحسان، الذي هو الإتيانُ بالأعمال
على الوجه اللائق الذي هو حُسنها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتي، وقد فسَّره
النبيُّ وَ لهبـ: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))(٢).
ويمكن أن يقال: الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجهٍ عارٍ عن
وجوه القبح، وعبَّر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون
إلى الغير، لا في الإنفاق فقط.
ومما يؤيد كونَ الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقيُّ(٣) أنَّ جاريةً
لعليٍّ بن الحسين ◌ًَّا جعلت تسكب عليه الماء ليتهيّاً للصلاة، فسقط الإبريق من
يدها فشجَّه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالْكَظِمِينَ
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٣/٣-١٤ من حديث أبي هريرة له، وأخرجه الطحاوي في
شرح معاني الآثار ١٨٣/٣ من حديث ابن عباس ◌ًا، وينظر الفتح ٣٧١/٧-٣٧٢.
(٢) قطعة من حديث جبريل الطويل أخرجه أحمد (١٨٤)، ومسلم (٨) من حديث عمر بن
الخطاب ربه، وأخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﴿له، وسلف ٢٩٥/١.
(٣) في شعب الإيمان (٨٣١٧).
سُورَةُ العَقْرَانَ
٤٥٢
الآية : ١٣٥
اٌلْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمتُ غيظي. قالت: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ قال: قد
عفا الله تعالى عنك. قالت: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرَّةٌ
لوجه الله تعالى.
ورجّح بعضهم العهدَ على الجنس بأنه أَدْخَلُ في المدح وأَنسَبُ بذكره قبل قوله
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ من تتمَّة ما نزل حين قال
المسلمون لرسول الله وَّل: ((بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منَّا .. إلخ))(١)
على ما أشرنا إليه فيما تقدم. وعن ابن مسعود به أنه ذَكّر عند رسول الله وَلمول
حال بني إسرائيل، فنزلت هذه الآية(٢)، ولم يذكر صدر الآية.
وفي رواية الكلبي أنَّ رجلين أنصاريًّا وثقفيًّا آخى رسولُ اللهِ ﴾ بينهما، فكانا
لا يفترقان، فخرج رسول الله ◌َّ في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفيُّ وخَلَّفَ
الأنصاريَّ في أهله وحاجته، فكان يتعاهَدُ أهلَ الثقفي، فأقبل ذاتَ يومٍ فأبصر امرأةً
صاحبِهِ قد اغتسلت وهي ناشرةٌ شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى
انتهى إليها، فذهب لِيَلْثِمَها فوضعت كفَّها على وجهها، فقبَّل ظاهرَ كفِّها، ثم ندم
واستحيا فأَدبر راجعاً، فقالت: سبحان الله تعالى، خُنْتَ أمانتك وعصيتَ ربَّك،
ولم تَصِلْ إلى حاجتك. قال: وندم على صنيعه، فخرج يَسيحُ في الجبال ويتوب
إلى الله تعالى من ذنبه، حتى وافى الثقفيُّ، فأخبرتْه أهلُه بفعله، فخرج يطلبه حتى
دُلَّ عليه، فوافقه ساجداً وهو يقول: ربِّ ذنبي ذنبي، قد خُنْتُ أخي، فقال له: قمْ
يا فلان، فانطلقْ إلى رسول الله وَّر فاسأله عن ذنبك، لعلَّ الله تعالى أن يجعل لك
فرجاً وتوبة. فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر
نزل جبريل عليه السلام بتوبته، فتلا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ فقال عمر تَظُله: يا رسول الله، ألهذا الرجل خاصة أم للناس
(١) سلف ص٤٤٤ من هذا الجزء.
(٢) ذكره البغوي في التفسير ٣٥٢/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥١٠، وأخرج الطبري
٦٣/٢ من طريق علي بن زيد بن جدعان عن ابن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا
أصبح مكتوباً على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيراً من ذلك هذه الآية. وعلي بن زيد
ضعيف، ولم يدرك ابن مسعود.
الآية : ١٣٥
٤٥٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
عامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل للناس عامة))(١).
وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنَّ نبهان(٢) التَّمَّار أتته امرأةٌ حسناء تبتاع منه
تمراً، فضمَّها إلى نفسه وقبَّلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبيَّ وَ* وذكر ذلك له،
فنزلت هذه الآية(٣).
وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدُّد سبب النزول، وأيًّا ما كان، فبإطلاق اللفظ
ينتظم ما فعله الرماة انتظاماً أوَّلْيًّا، وأخرج الترمذيُّ(٤) عن عَطَّاف بن خالد أنه قال:
بلغني أنها لما نزلت، صاحَ إبليس بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل
والثبور حتى جاءته جنوده من كل بَرِّ وبحر فقالوا: ما لك يا سيدنا؟ قال: آيةٌ نزلت
في كتاب الله، لا يَضُرُّ بعدها أحداً من بني آدم ذنبٌ. قالوا: وما هي؟ فأخبرهم،
قالوا: نفتح لهم بابَ الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنهم على
الحق، فرضي منهم بذلك.
والموصول إما مفصولٌ عمَّا قبله على أنه مبتدأ. وقيل: إنه معطوفٌ على ما قبله
من صفات المتقين، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ اعتراضٌ
بينهما مشيرٌ إلى ما بينهما من التفاوت، فإنَّ درجة الأولين من التقوى أعلى،
وحظّهم أوفى؛ أو على ((المتقين)) فيكون التفاوت أظهر وأكثر.
والفاحشة: الكبائر، وظُلْمُ النفس: الصغائر، قاله القاضي عبد الجبار الهمداني.
وقيل: الفاحشة: المعصية الفعلية، وظلم النفس: المعصية القولية.
وقيل: الفاحشة: ما يتعدَّى، ومنه إفشاء الذنب؛ لأنه سببُ اجتراء الناس عليه
ووقوعهم فيه، وظلم النفس: ما ليس كذلك.
(١) أسباب النزول للواحدي ص ١١٨ - ١١٩، وتفسير البغوي ٣٥٢/١.
(٢) في الأصل و(م): تيهان. وهو تصحيف.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص١١٨، وهذا الحديث أخرجه ابن بشكوال مطولاً في غوامض
الأسماء المبهمة ٢٩٥/١ - ٢٩٦ من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن
عبد الرحمن، عن ابن جريج عن عطاء به. وذكره الحافظ في الإصابة ١٠/ ١٤٠ وذكر له
طريقاً آخر عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس ثم قال: مقاتل متروك،
والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى مالكان.
(٤) كما في الدر المنثور ٢/ ٧٧ والترمذي هو الحكيم.
سُورَةُ الغَنْات
٤٥٤
الآية : ١٣٥
وقيل: الفاحشة: كلُّ ما يشتدُّ قبحُه من المعاصي والذنوب، وتقال لكلِّ خصلة
قبيحة من الأقوال والأفعال، وكثيراً ما تَرِدُ بمعنى الزنا. وأصل الفحش: مجاوزةٌ
الحدِّ في السوء، ومنه قول طرفة:
عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتُشدِّد(١)
يعني: الذي جاوز الحدَّ في البخل، فلعلَّ المراد منها هنا: المعصية البالغة في
القبح. والظلم: الذنب مطلقاً، وذِكْرُهُ بعدها من ذكر العامّ بعد الخاص.
و((أو)) على كلِّ(٢) الوجوه للتنويع، ولا يَرِدُ أنه على بعض الوجوه الترديدُ بين
الخاصِّ والعام، وقد توقّف في قبوله، لأنهم قالوا: إنَّ هذا ترديدٌ بين فرقتين: مَن
يستغفرُ للفاحشة، ومَن يستغفرُ لأيِّ ذنب صدر عنه(٣)، وكم بينهما.
وجواب ((إذا)) قوله تعالى شأنه: ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ أي: تذكَّروا حقَّه العظيم
ووعيده، أو ذكروا العَرْضَ عليه، أو سؤالَه عن الذنب يوم القيامة، أو نهيَه، أو
غفرانه.
وقيل: ذكروا جمالَه فاستَحْيَوْا، وجلالَه فهابُوا .
وقيل: ذكروا ذاته المقدَّسة عن جميع القبائح، وأَحبُّوا التقرُّبَ إليه بالمناسبة له
بالتطهير من الذمائم. وعلى كلِّ تقدير، ليس المراد مجرَّد ذكر اسمه عزَّ اسمُهُ.
﴿فَأَسْتَغْفَرُوا﴾ أي: طلبوا المغفرة منه تعالى ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ كيفما كانت، ومفعولُ
((فاستغفروا)) محذوفٌ لفَهْم المعنى، أي: استغفروه، وليس المراد مجرَّدَ طلب
المغفرة، بل مع التوبة، وإلا فَطَلَبُ المغفرة مع الإصرار كالاستهزاء بالرَّبِّ جلَّ
شأنه، ومن هنا قالت رابعة العدوية: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار.
(١) صدره: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... ، وهو في ديوان طرفة ص ٣٤. قال النحاس
في شرح المعلقات ٨٣/١: يصطفي: يأخذ خيرته وصفوته، وعقيلة المال: أكرمه وأنفسه
عند أهله. والمتشدد: البخيل.
(٢) قوله: كل، ليس في (م).
(٣) في الأصل: منه.
الآية : ١٣٥
٤٥٥
سُؤَدَّةُ العَمَانَ
﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ﴾ اعتراضٌ بين المعطوفين، أو بين الحال
وذيها(١)، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدلُّ على أمور من جهة الله
تعالى، وأمور من جهة العبد :
أما الأول فعلى وجوه:
أحدها : دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع،
وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار، بأنْ لم يقل: وما يغفر الذنوب
إلا الله، تقريرٌ لذلك المعنى وتأكيدٌ له، كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على
غفران(٢) الذنوب كلِّها صغيرِها وكبيرها سالفها(٣) وغابرها غيرَ مَن وَسِعَتْ رحمتُهُ
كلَّ شيء؟
وثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقرِّه؛ لأنه اعتراضٌ بين المبتدأ وهو
((الذين)) والخبر الآتي، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه، أو الحال وصاحبه؛
للدلالة على شدَّة الاهتمام به(٤)، والتنبيهِ على أنه كلما وُجد الاستغفار لم يتخلَّف
الغفران.
وثالثها: الإتيان بالجمع المحلَّى باللام إعلاماً بأنَّ التائب إذا تقدَّم بالاستغفار
یُتلقَی بغفران ذنوبه کلِھا، فیصیر گمن لا ذنب له.
ورابعها: دلالة النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مَفْزَعَ للمذنبين إلا كرمُهُ
وفضلُهُ، وذلك أنَّ مَنْ وسعتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ لا يشاركه أحدٌ في نشرها كَرماً
وفضلاً .
وخامسها: إسنادُ غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه، وإثباتُه لذاته المقدَّس بعد
وجود الاستغفار وتنصُّلِ عبيده، يدلُّ على تحقّق ذلك قطعاً؛ إما بحسب الوعد
كما نقول، أو بحسَب العدل كما يزعمه المعتزلة.
وأما الثاني ففيه وجوه أيضاً:
(١) أي: وصاحبها، كما في البحر ٥٩/٣.
(٢) في (م): غفر.
(٣) في الأصل: وسالفها.
(٤) قوله: به، من (م)، وليس في الأصل.
سُؤَةُ العَمَانَ
٤٥٦
الآية : ١٣٥
الأول: أنَّ في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارةً عظيمة وتطييباً
للنفوس.
والثاني: أنَّ العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن
التوبة، يتحرَّك نشاطه ويهتزُّ عِظْفُه، فلا يتقاعدُ عنها.
والثالث: أنَّ في ضمن معنى الاستغراق قلعَ اليأس والقنوط، ولهذا علَّل
سبحانه النهيَ في قوله تعالى: ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] بقوله جلَّ
شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
والرابع: أنه أُطلقت الذنوب وعُمِّمت(١) بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس، وترك
مقتضى الظاهر ليدلَّ به على عدم المبالاة في الغفران، فإنَّ الذنوب وإن كبُرتْ
فعفو الله تعالى أكبر.
والخامس: أنَّ الاسم الجامع في التركيب كما دلَّ على سعة الغفران بحسب
المقام، يدلُّ أيضاً مع إرادة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصحّحات المغفرة من
كونه عزيزاً ليس فوقه أحد فيرُدَّ عليه حُكْمَه، وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضي حكمته
غفرانه .
وقد التزم بعضهم كونَ ((أل)) في ((الذنوب)) للجنس؛ لتُفيد الآيةُ امتناعَ صدور
مغفرةٍ فردٍ منها من غيره تعالى، وهذا - على ظنِّه - لا تفيده الآيةُ على تقديرٍ إرادةٍ
كلِّ الذنوب، وحينئذ يزداد أمرُ المبالغة. وأما جَعْلُ الجملة حاليةً بتقدير ((قائلين
ذلك)) فتعسُّفٌ يذهب بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفى.
و(مَنْ)) مبتدأ و((يغفر)) خبرُه، والاسم الجليل بدلٌ من المستكنِّ في ((يغفر))، أو
فاعلٌ له.
﴿وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ عطفٌ على ((فاستغفَروا))، أو حالٌ من فاعله، أي:
لم يقيموا - أو غيرَ مقيمين - على الذي فعلوه من الذنوب فاحشةً كانت أو ظلماً،
أو على فعلهم.
(١) في (م): وعمت.
الآية : ١٣٥
٤٥٧
سُوَةُ الْعَنْمانَ
وأصل الإصرار: الشَّدُّ، من الصَّرِّ، وقيل: الثبات على الشيء، ومنه قول
الخُطَيئة يصف الخيل(١):
عوابسَ بالشُّعْثِ الكُماة إذا ابتغوا عُلالتَها بالمُحصَدات أصرَّتٍ
ويستعمل شرعاً بمعنى الإقامة على القبيح من غير استغفارٍ ورجوعٍ بالتوبة،
والظاهرُ أنه لا يصحُّ إرادة هذا المعنى هنا لئلا يتكرَّر ما في المفهوم مع ما في
المنطوق، فلعلَّه فيه بمعنى الإقامة. وإذا حُمل الاستغفار على مجرَّد طلب المغفرة
فقط كان هذا مشيراً للتوبة التي هي مِلاكُ الأمر، إلا أنه قَدَّم الاستغفار لأنه دالٌّ
عليها في الظاهر. وإذا حُمل على الحال الذي ينضمُّ إليه التوبة، كان هذا تصريحاً
ببعض ما أُريد منه إشارةً إلى الاعتناء به، كما قالوا في ذكر الخاصِّ بعد العام.
أخرج البيهقيُّ(٢) عن ابن عباس موقوفاً: كلُّ ذنب أَصرَّ عليه العبد كبير، وليس
بكبير ما تاب منه العبد.
وأخرج أحمد، والبخاريُّ في الأدب المفرد عن ابن عمرو(٣) مرفوعاً: ((ارْحَموا
تُرْحَموا، واغْفِروا يُغْفَرْ لكم، ويلٌ لأقماعِ القول، ويلٌ للمُصِرِّين))(٤).
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ قيل: الجملة حالٌ من ضمير ((استغفَروا)). وفيه بعدٌ
لفظي، والمشهورُ أنها حالٌ من ضمير ((أصرُّوا))، ومفعولُ ((يعلمون)) محذوفٌ، أي:
يعلمون قُبْحَ فِعْلِهم. وقد ذُكر أنَّ الحال بعد الفعل المنفي، وكذا جميعُ القيود، قد
(١) البيت في ديوانه ص ٣٤١، وجاء في شرحه ص ٣٤٥: العوابس: الخيل القاطبة الوجوه.
والكماة: جمع كَمِيّ، وسمي بذلك لأنه يتكمَّى الأقرانَ، أي: يتعمَّدهم ويقصد إليهم.
والعُلالة: الجريُ يُطلب منها بعدما يذهب جريها. والمحصدات: سياط شديدة القتل.
(٢) في شعب الإيمان (٧١٤٩).
(٣) في الأصل و(م): ابن عمر، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لمصادر التخريج على
ما يأتي.
(٤) مسند أحمد (٦٥٤١)، والأدب المفرد (٣٨٠). قال ابن الأثير في النهاية ١٠٩/٤:
الأقماع جمع قِمَع، كضِلَع، وهو الإناء الذي يُترك في رؤوس الظّروف لتُملأ بالمائعات
من الأشربة والأدهان. شبّه أسماع الذين يستمعون القول ولا يَعُونه ويحفظونه ويعملون به
بالأقماع التي لا تعي شيئاً مما يُفرّغ فيها، فكأنه يَمرُّ عليها مجازاً، كما يَمرُّ الشراب في
الأقماع اجتيازاً.
سُورَةُ العَقْرَانَ
٤٥٨
الآية : ١٣٥
يكون راجعاً إلى النفي قيداً له دون المنفي، مثل: ما جئتك مشتغلاً بأمورك،
بمعنى: تركتُ المجيءَ مشتغلاً بذلك، وقد يكون راجعاً إلى ما دخله النفي، مثل:
ماجئتك راكباً، ولهذا معنيان: أحدهما - وهو الأكثر - أن يكون النفي راجعاً إلى
القيد فقط، ويثبت أصل الفعل، فيكون المعنى: جئت غير راكب، وثانيهما: أن
يُقْصَدَ نفيُ الفعل والقيدِ معاً، بمعنى انتفاءِ كلٍّ من الأمرين، فالمعنى في المثال:
لا مجيءَ ولا ركوب، وقد يكون النفي متوجّهاً للفعل فقط من غير اعتبارٍ لنفي القيد
وإثباته.
قيل: وهذه الآية لا يصحُّ فيها أن يكون ((وهم يعلمون)) قيداً للنفي لعدم
الفائدة؛ لأنَّ ترك الإصرار موجبٌ للأجر والجزاء، سواءٌ كان مع العلم بالقبح أو
مع الجهل، بل مع الجهل أولى، ولا يصحُّ أيضاً فيها أن يتوجّه النفيُ إلى القيد فقط
مع إثبات أصل الفعل؛ إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم، وكذا
لا يصحُّ توجُّهه إلى الفعل والقيد معاً؛ إذ ليس المعنى على نفي العلم، والظاهر أنَّ
المناسب فيها تَوَجُّهُه إلى الفعل فقط من غير اعتبارٍ لنفي القيد وإثباته، والمراد: لم
يصرُّوا عالِمِين، بمعنى أنَّ عدم الإصرار متحقِّقُ البتة.
ولك أن تقول: لِمَ لا يجوز أن يكون الحال هنا قيداً للنفي، ويكون المعنى:
تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأنَّ الذنب قبيح، فإنَّ الحال قد يجيءُ في معرض
التعليل؟ وحديثُ: أَنَّ تَرْكَ الإصرار موجبٌ للأجر والجزاء سواءٌ كان مع العلم
بالقبح أو مع الجهل، فلا دَخْلَ لمضمون الحال في إيجاب الأجر، مجابٌ عنه بأنه
ليس المقصود من ذكر الحال تقييدُ الإصرار بها الإيجاب الأجر حتى يَرِدَ عليه ما ذکر،
بل المراد مدحُهم بأنَّ تَرْكَهم الإصرار على الذنب لأَجْل أنَّ فيهم ما هو زاجرٌ عنه
وهو علمُهم بقبح الذنب، فيكون مدحاً لهم بأنَّ من صفاتهم التحرُّزَ عن القبائح.
وادَّعى بعض المتأخِّرين تعيُّنَ كون الحال قيداً للمنفي، وأنَّ النفي راجعٌ إلى
القيد، والمعنى: لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء؛ لأنَّ المُصِرَّ مع عدم
العلم بالقبح لا يُحْرم الجزاء، وغير المصرِّ لكسالةٍ أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه؛ لأنَّ
الجزاء على الكفّ لا على العدم، وإلا لكان لكلِّ أحدٍ أجزيةٌ لا تتناهى لعدم فِعْلٍ
قبائحَ لا تتناهی لم تخطر بباله.
الآية : ١٣٦
٤٥٩
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
ولا يخفى ما في قوله: وغير المُصِرِّ .. إلخ، وقوله: لأنَّ الجزاء .. إلخ، من
النظر، وكأنَّ مَنْ جَعَلَهُ حالاً من ضمير ((استغفروا)) أراد الفرار من هذه الدغدغة.
وأنا أقول: إنَّ الحال قيدٌ للنفي، ومتعلِّقُ العلم ليس(١) هو القبحُ، بل: أنه يغفر
لمن استغفر ويتوب على مَن تاب، وهو المرويُّ عن مجاهد كما أخرجه جماعة
عنه(٢)، وحكي عن الضحاك أيضاً، والمعنى: أنهم تركوا الإقامة على الذنب
عالمين بأنَّ الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم، وهو إيذانٌ بأنهم لا ييأسون
من روح الله سبحانه.
ولا يَرِدُ على هذا دعوى عدم الفائدة كما أُورد أوَّلاً؛ إذ من المعلوم الذي
لا شبهة فيه أنَّ تَرْكَ الإصرار إنما يوجب الأجرَ إذا لم یکن معه یأس، فإنه لا ییأس
من رَوْحِ الله إلا القومُ الكافرون، ولعلَّ مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم
بأنهم يعلمون قُبحَ الفعل، وربما يقال: إنَّ الجملة سِيقت معترِضةً لذلك، كما سيقت
كذلك جملة ((ومَن يغفر الذنوب إلا الله)) لِمَا سيقت له، وأما جَعْلُها معطوفةً على
جملةِ ((لم يصرُّوا)) ورُبَّ شيءٍ يصحُّ تبعاً ولا يصح استقلالاً، فليس بالذي تميل
النفس إليه.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين أخيراً باعتبار اتِّصافهم بما تقدَّم من الصفات
الحميدة، والبعدُ للإشعار بُعْدِ منزلتهم في الفضل، وإلى هذا ذهب المعظم.
وقيل: هو إشارةٌ إلى المذكورين، وهم طائفة واحدة.
وهو مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ بدلُ اشتمال منه، أو مبتدأٌ ثانٍ، وقوله
تعالى: ﴿مَّغْفِرَةٌ﴾ خبر ((أولئك)) أو خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبرُ الأول، وهذه
الجملة خبر ((والذين إذا فعلوا)) إلخ على الوجه الأول(٣). وادَّعى مولانا شيخ
الإسلام(٤) أنه الأَظْهَرُ الأنسب بِنَظْم المغفرة المُنبِئة عن سابقة الذنب في سلك
(١) في (م): وليس، والمثبت من الأصل وهو الصواب.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٦٧ بلفظ: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أنه يغفر لمن
استغفر ويتوب على مَن تاب.
(٣) أي: على القول بأن الموصول في قوله تعالى: ((والذين إذا فعلوا)) مبتدأ، كما سلف ص٤٥٣ .
(٤) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ٨٧.
سُورَةُ الْعُمان
٤٦٠
الآية : ١٣٦
الجزاء؛ إذ على الوجهين الأخيرين(١) ((أولئك)) إلخ جملةٌ مستأنفةٌ مبيّنةٌ لما قبلها،
كاشفةٌ عن حال كلا الفريقين؛ المحسنين والتائبين، ولم يُذكر من أوصاف (٢)
الأولين ما فيه شائبةُ الذنب حتى يُذكَّرَ في مطلع الجزاء الشامل لهما المغفرة،
وتخصيصُ الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسُّفٌ
ظاهر. انتھی.
والذي يُشعر به ظاهرُ ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ
السََّآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ الآية ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةٌ﴾ الآية فقال: إنَّ هذين
النعتين لَنَعْتُ رجلٍ واحد(٣) = أحدُ الوجهين الأخيرين اللَّذَين أشار إليهما، بل
الأول منهما، وتكون هذه الإشارة كما قال صاحب القِيل(٤). وهذه المغفرة هي
المغفرة التي أُمر جميعُ المؤمنين، مَنْ له ذنبٌ ومَن لا ذنبَ له منهم، بالمسارعة إلى
ما يؤدِّي إليها، فلا يضرُّ وقوعُها في مطلع الجزاء.
﴿مِّن رَّيِّهِمْ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً للمغفرة مؤكِّدةً لِمَا أفاده التنوينُ من
الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أي: مغفرةٌ عظيمةٌ كائنةٌ من جهته تعالى، والتعرُّضُ
العنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلَّة الحكم مع التشريف.
﴿وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ عطفٌ على ((مغفرة))، والمراد بها: جناتٌ في
ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أنَّ عَرْضها السماواتُ والأرض، وليس جناتٍ
وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل، إلا أنه لم يَكْتَفِ بإعداد ما وُصف
أولاً تنصيصاً على وصفها باشتمالها على ما يزيدها بهجةً من الأنهار الجارية بعد
وصفها بالسعة، والإخبار بأنها جزاؤهم وأجرهم الذي لا بدَّ - بمقتضى الفضل - أن
يصلَ إليهم، وهذا فوق الإخبار بالإعداد، أو مؤكِّدٌ له، فالتنوين للتعظيم على طرز
ما ذكر في المعطوف عليه.
(١) أي: على القول بعطف الموصول في ((والذين إذا فعلوا)) إما على ما قبله من صفات
المتقين، وإما على ((المتقين)).
(٢) في الأصل و(م): ولم يذكر ما هو من أوصاف، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٦٠.
(٤) يشير إلى ما سلف قريباً من قوله: وقيل هو إشارة للمذكورين وهم طائفة واحدة.