Indexed OCR Text
Pages 421-440
الآية : ١٢٥ ٤٢١ سُورَةُ الْ عَبْرَانَ نعم ذهب جمعٌ إلى خلافه، ولعله مَبْنَى صاحبِ القيل. لكن يبقى أنَّ تفسير الفَوْر بما فُسِّر به غيرُ متعيِّن، بل لم يوجد صريحاً في كلام السلف، والذي ذهب إليه عكرمة ومجاهد وأبو صالح مولى أمّ هانىء أنه بمعنى الغضب، فحينئذٍ تكون (من)) للسببية، أي: يأتوكم بسبب غضبهم عليكم، والإشارةُ إما لتعظيم ذلك الغضب من حيث إنه شديدٌ ومتمكّن في القلوب، وإما لتحقيره من حيث إنه ليس على الوجه اللائق والطريق المحمود، فإنه إنما كان على مخالفة المسلمين لهم في الدين، وتسفيهِ آرائهم وذٌّ آلهتهم، أو على ما أَوقعوا فيهم وحظَّموا رؤوس رؤسائهم يوم بدر، وإلى الثاني ذهب عكرمة، وهو مبنيٍّ على أنَّ هذا القول وقع في أُحد. وذهب ابن عباس - فيما أخرجه عنه ابن جرير(١) - إلى تفسيره بالسَّفر، أي: ويأتوكم من سفرهم هذا، قيل: وهو مبنيٌّ أيضاً على ما بُني عليه سابقه؛ لأنَّ الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم، حيث لم يَعْبُروا على المدينة، وهُّوا بالرجوع، فأوحى الله تعالى إلى نبيّه وَّ ر أن يأمر أصحابه بالتهيُّؤْ لهم(٢)، ثم قال: إن صبرتم على الجهاد واتَّقيتم وعادُوا إليكم من سفرهم هذا، أَمدَّكم الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح، فَأَخبر المشركين مَن مرَّ برسول الله وَّر أنه خرج يتبعكم، فخاف المشركون إن رجعوا أن تكون الغَلَبة للمسلمين، وأن يكون قد التأم إليهم مَن كان تأخّر عنهم، وانضمَّ إليهم غيرُهم، فدسُّوا نُعيماً الأشجعيَّ حتى يصدَّهم بتعظيم أمر قريش، وأسرعوا بالذهاب إلى مكة، وكفى الله تعالى المسلمين أمرهم، والقصة معروفة. ثم إنَّ تفسير الفَوْر بالسفر، مما لم نظفر به فيما بين أيدينا من الكتب اللغوية، فلعلَّ الفَور بمعنى: الحال التي لا بطء فيها، وهذا التفسير بيانٌ الحاصل المعنى. (١) في تفسيره ٦/ ٣٠. (٢) في (م): إليهم. سُورَةُ العَقْرَانَ ٤٢٢ الآية : ١٢٥ وذهب الحسن والربيع والسُّدِّيُّ وقتادة وغيرهم إلى (١) أنَّ ((من فورهم)) بمعنى: وجههم، وليس بنصٍّ فيما ذهب إليه متأخِّرو المفسرين أصحابُ القيل؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد من الوجه: الجهةَ التي يقصدها المسافر، ويحتمل أن يكون من وجه الدهر بمعنى أوَّلِه. اللهمَّ إلا أن يقال: إنه وإن لم يكن نصًّا، لكنه ظاهرٌ قريبٌ من النصّ؛ لأنَّ كون الوجه بمعنى الجهة المذكورة، وإن جاء في اللغة، إلا أنَّ كون الفَور كذلك في حيِّز المنع، واحتمالُ كونِه من وجه الدهر بمعنى أوَّلِهِ يَرْجِعُ إلى ما قالوا، فتدبر. واعلم أنَّ هذا الإمداد وقع تدريجاً، فكان أوَّلاً بألفٍ، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثةَ آلاف، ثم صاروا خمسةَ آلاف لا غير، فمعنى يمددكم بخمسة آلاف: يمددكم بتمام خمسة آلاف، وإليه ذهب الحسن. وقال غيره: كانت الملائكة ثمانيةً آلاف، فالمعنى: يُمدِدْكم بخمسة آلاف أُخَر. ﴿مُسَوِّمِينَ (٣٥)﴾ من التسويم: وهو إظهارُ علامة الشيء، والمراد: معلِّمين أنفسَهم أو خيلَهم. وقد اختلفت الروايات في ذلك، فعن عبد الله بن الزبير أنَّ الزبير كان عليه عمامةٌ صفراء مُعْتَجِراً بها، فنزلت الملائكة وعليهم عمائم صفر(٢). وأخرج ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس أنه قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً، قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً (٣). وفي روايةٍ أخرى عنه، لكن بسند ضعيف: أنها كانت يوم بدر بعمائم سود، ويوم أُحد بعمائم حمر (٤). وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: كانت (١) قوله: إلى ليس في (م). (٢) أخرجه الطبري ٣٦/٦ - ٣٧ عن عبد الله بن الزبير، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠٣/٣ عن عروة بن الزبير. (٣) في الأصل و(م): بيض ... حمر، والمثبت من المصادر، والخبر في سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣، والمعجم الكبير (١٢٠٨٥)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٧٠/٢. (٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٦٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٧/٦: فيه عبد القدوس بن حبيب وهو متروك. اهـ. ونقله المصنف عن الدر المنثور ٦٩/٢ - ٧٠. الآية : ١٢٦ ٤٢٣ سُورَةُ العَقْرَانَ سيما الملائكة يوم بدر الصُّوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها(١). وكانوا - كما قال الربيع - على خيلٍ بُلْقٍ. وأخرج ابن أبي حاتم (٢) عن أبي هريرة أنهم كانوا مسوّمين بالعِهْن الأحمر. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: كانوا معلّمين، مجزوزةً أذنابُ خيولهم ونواصيها، فيها الصُّوف والعِهْن(٣). وأنت تعلم أنه لا مانع من أن يكونوا معلِّمين أنفسَهم وخيولَهم أيضاً، وهذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم: ((مسوِّمين)) بكسر الواو(٤)، وأمَّا على قراءة الباقين: ((مسؤَّمين)) بفتح الواو على أنه اسمُ مفعولٍ، فقيل: المراد به: معلَّمين من جهة الله تعالى. وقيل: مرسَلين مُظْلَقين، ومنه قوله: ناقةٌ سائمةٌ، أي: مرسَلةٌ في المرعى، وإليه ذهب السُّدِّيُّ. والمتبادر على هذه القراءة أنَّ الإسامة لهم، وأمَّا أنها کانت لخیلهم فغيرُ ظاهر. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ﴾ أي: الإمداد المفهومُ من الفعل المقدَّر المدلولِ عليه بقوة الكلام، كأنه قيل: فأَمدَّكم الله تعالى بما ذكر، وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ . وقيل: الضمير للوعد بالإمداد، وقيل: للتسويم، أو للتنزيل، أو للنصر المفهوم من (نَصَركم)) السابق، ومتعلّقُ البشارة غيره. وقيل: للإمداد المدلول عليه بأحد الفعلين، والكلُّ ليس بشيء كما لا يخفى. والبشرى إما مفعولٌ له، و((جَعَلَ)) متعدِّية لواحد، أو مفعولٌ لها إن جُعلت متعديةً لاثنين، وعلى الأول الاستثناءُ مفرٌَّ من أعمِّ العلل، أي: وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة لشيءٍ من الأشياء، إلا للبشارة لكم بأنكم تُنصرون، وعلى الثاني: مفرٌَّ من أعمِّ المفاعيل، أي: وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشرى لكم. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٦١، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٤. (٢) في تفسيره ٧٥٤/٣. (٣) تفسير الطبري ٣٤/٦ - ٣٥. (٤) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢/ ٢٤٢، وقرأ بها أيضاً من العشرة يعقوب. سُوَدَةُ العَقْرَانَ ٤٢٤ الآية : ١٢٦ والجملةُ ابتداءُ كلام غيرُ داخل في حيِّز القول، بل مسوقٌ من جنابه تعالى لبيان أنَّ الأسباب الظاهرةَ بمعزل عن التأثير بدون إذنه سبحانه وتعالى، فإنَّ حقيقة النصر مختصّ به عزَّ اسمُهُ، ليثقَ به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه وأماراته، وهي معطوفةٌ على فعلٍ مقدَّرٍ كما أشرنا إليه. ووجَّه الخطابَ نحوَ المؤمنين؛ تشريفاً لهم وإيذاناً بأنهم هم المحتاجون لِمَا ذكر، وأمَّا رسولُهُ وَّرَ فغنيٌّ عنه بما منَّ به عليه من التأييد الروحاني والعلم الربّاني. ﴿وَلِنَظْمَِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: ولتَسْكُنَ قلوبكم بالإمداد، فلا تخافوا كثرةَ عَدَدِ العدوِّ وقلَّةَ عددِكم، وهذا إمَّا معطوفٌ على ((بشرى)) باعتبار الموضع، وهو كالمعطوف عليه علَّةٌ غائيةٌ للجَعْلِ، إلَّا أنه نَصب الأول لاجتماع شرائطه، ولم ينصب الثاني لفقدانها(١). وقيل: للإشارة أيضاً إلى أصالته في العِلِّيَّة وأهميته في نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]. وإما متعلِّقٌ بمحذوفٍ معطوفٍ على الكلام السابق، أي: ولتطمئنَّ قلوبكم به فَعَلَ ذلك، وهو أولى من تقدير ((بشَّركم)) كما فَعَلَ أبو البقاء(٢)، والثاني متعيِّنٌ على الاحتمال الثاني في الأول. ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾ أي: على الإطلاق، فيندرج فيه النصر المعهود دخولاً أوَّلِيًّا ﴿إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ المودِعِ في الأسباب بمقتضى الحكمة قوةً لا تؤثِّر إلا به، أو: وما النصر المعهود إلا من عنده سبحانه وتعالى، لا من الملائكة؛ لأنَّ قُصارى أمرهم ما ذُكر من البشارة وتقويةٍ القلوب، ولم يقاتلوا. أو: لأنَّ قُصارى أمرهم أنهم قاتلوا بتمكين الله تعالى لهم، ولم يكن لهم فعلٌ استقلالاً، ولو شاء الله تعالى ما فعلوا، على أنَّ مجرَّد قتالهم لا يستدعي النصر، بل لابدَّ من انضمام ضَعْف المقابِلينَ المقاتلينَ، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليهم، فحيث أَضْعَفَ وقوَّى ومَكَّن وما مكَّن، وبه حصل النصر، كان ذلك منه سبحانه وتعالى، والآيةُ على هذا لا تكون دليلاً لمن (١) وهو اختلاف الفاعل؛ لأن فاعل ((بشرى)) هو الله، وفاعل ((تطمئن)) هو ((قلوبكم)). البحر ٣/ ٥١. (٢) في الإملاء ١١٩/٢ . الآية : ١٢٦ ٤٢٥ سُوَدَقُ العَقْرَانَ زعم أنَّ المسبَّبات عند الأسباب لا بها، وقد مرَّ تحقيقه (١)، فتذكَّر. وكذا لا دليل فيها على وقوع قتالهم ولا على عَدَمِه؛ لاحتمالها الأمرين، وبكلِّ قال بعض. والمختار ما روي عن مجاهد: أنَّ الملائكة لم يقاتلوا في غزواته وَّ، إلا في غزوة بدر، وإنما حضروا في بعضها بمقتضى ما عَلِمَ الله تعالى من المصلحة، مثل حضورهم حِلَقَ أهل الذِّكر، وربما أعانوا بغير القتال كما صنعوا في غزوة أحد على قول؛ فعن ابن اسحاق أنَّ سعد بن مالك كان يرمي في غزوة أحد، وفتّى شابٌّ كان ينبل له، كلما فني النَّبْل أتاه به وقال له: ارْم أبا إسحاق ارمِ أبا إسحاق، فلما انجلت المعركة سأل عن ذلك الرجل فلم يُعرف (٢). وأنكر أبو بكر الأصمّ الإمدادَ بالملائكة، وقال(٣): إنَّ الملك الواحد يكفي في إهلاك سائر أهل الأرض، كما فعل جبريل عليه السلام بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو مأموراً بالقتال، فأيُّ حاجةٍ إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ وأيضاً: أيُّ فائدة في إرسال سائر الملائكة معه، وهو القويُّ الأمين. وأيضاً: إنَّ أكابر الكفار الموجودين في غزوة القتال قاتِلُ كلِّ منهم من الصحابة معلوم، ولم يُعلم أنَّ أحداً من الملائكة قتل أحداً منهم. وأيضاً: لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أوْ لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عَسكر الرسول و # في غزوة بدر ألوفاً عديدة، ولم يقل بذلك أحد، وهو أيضاً خلافُ قوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُّنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] ولو كانوا في غير صورة ابن آدم لزِمَ وقوعُ الرعب الشديد في قلوب الخلق، ولم ينقل ذلك، ولو كان لنُقْل البَّة. وعلى الثاني: يلزم حزُّ الرؤوس وتمزيقُ البطون ونحو ذلك من الكفار، من غير (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾. (٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢٥٦/٣ - ٢٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٧٠/٢ لعبد بن حميد، وابن إسحاق المذكور هو عمير بن إسحاق مولى بني هاشم، والخبر مرسل. (٣) ينظر كلامه والرد عليه في تفسير الرازي ٢٢٦/٨-٢٢٧، واللباب لابن عادل الحنبلي ٥١٨/٥، وغرائب القرآن للنيسابوري ٤/ ٥٨ . سُورَةُ الِغْرَانَ ٤٢٦ الآية : ١٢٦ مشاهَدةٍ فاعلٍ لهذه الأفعال، ومثلُ هذا يكون من أعظم المعجزات، وقد وقع بين جَمعين؛ سالم ومكسّر، فكان يجب أن يتواتر ويَشْتَهِر لدى الموافق والمخالف، فحيث إنه لم يَشْتَهِر، دلَّ على أنه لم يكن. وأيضاً: أنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكلُّ، وإن كانوا أجساماً لطيفةً هوائيةً تعذَّر ثبوتُهم على الخيل. انتهى. ولا يخفى أنَّ هذه الشُّبه لا يليق إيرادُها بقوانين الشريعة، ولا بمَن يعترف بأنه تعالى قادرٌ على ما يشاء فعَّالٌ لما يريد، فما كان يليق بالأصمِّ إلا أن يكون أَخرسَ عن ذلك؛ إذ نصُّ القرآن ناطقٌ بالإمداد، ووروده في الأخبار قريبٌ من المتواتر(١)، فكأنَّ الأصمَّ أصمُّ عن سماعه، أو أعمى عن رؤية رباعه، وقد روى عبيد بن عُمير (٢) قال: لمَّا رجعتْ قريشٌ من أُحد، جعلوا يتحدَّثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نَرَ الخيلَ البُلْقَ ولا الرجالَ البيضَ الذين كثَّا نراهم يومَ بدر. والتحقيق في هذا المقام كما قال بعض المحققين(٣): أنَّ التكليف ينافي الإلجاء، وأنه تعالى شأنه وإن كان قادراً على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملَكٍ واحد، بل بأدنى من ذلك، بل بلا سببٍ، وكذا هو قادرٌ على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم، لكنه سبحانه أراد إظهارَ هذا الدين على مَهَلٍ وتدریج، وبواسطة الدعوة، وبطريق الابتلاء والتكليف، فلا جَرَمَ أجرى الأمور على ما أَجرى، فله الحمدُ على ما أَوْلَى، وله الحُكْمُ في الآخرة والأُولى. وبهذا يندفع كثيرٌ من تلك الشُّبَهِ. وإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام كان بعد انقضاء تكليفهم، وهو حين نزول البأس، فلا جَرَم أَظهَرَ الله تعالى القدرةَ وجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وفي غزوة أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جَرَمَ أَظهرَ الحكمة ليتميَّز الموافق عن المنافق، (١) ينظر حديث ابن عباس عند مسلم (١٧٦٣)، وأحمد (٢١٨)، وينظر أيضاً ما ورد من أخبار في نزول الملائكة يوم بدر في تفسير القرطبي ٢٩٦/٥ وما بعدها. (٢) في الأصل و(م): عبد بن عمير، والمثبت من مغازي الواقدي ٢٣٤/١، وغرائب القرآن ٥٨/٤، وتحرف في تفسير الرازي ٢٢٧/٨ إلى: عبد الله بن عمر، وفي اللباب ٥١٩/٥ إلى: عبد الله بن عمير. (٣) هو النيسابوري في غرائب القرآن ٥٨/٤. الآية : ١٢٦ ٤٢٧ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ والثابتُ عن المضطرب، ولو أُجري الأمر فيها كما أُجري في بدر، أَشبَ أن يفضي الأمر إلى حدِّ الإلجاء، ونافى التكليف ونوطَ الثواب والعقاب. ثم لا يخفى أنَّ الملائكة إما أجسامٌ لطيفةٌ نورانيةٌ، وإما أرواح شريفةٌ قدسيةٌ وعلى التقديرين لهم الظهورُ في صور بني آدم مثلاً من غير انقلابِ العين وتبدُّلِ الماهية، كما قال ذلك العارفون من المحققين في ظهور جبريل عليه السلام في صورة دِحية الكلبي(١). ومثل هذا مَنْ وجَّه - والله تعالى المثلُ الأعلى - ما صحَّ مِن تجلِّي الله تعالى لأهل الموقف بصورة، فيقول لهم: أنا ربُّكم، فينكرونه، فإنَّ الحكم في تلك القضية صادقٌ، مع أنَّ الله تعالى وتقدَّس وراء ذلك، وهو سبحانه في ذلك التجلِّي باقٍ علی إطلاقه، حتى عن قيد الإطلاق. ومَن سلَّم هذا - ولا يسلِّمه إلا ذو قلبٍ سليم - لم يُشْكِلْ عليه الإمدادُ بالملائكة، وظهورُهم على خيول غيبية ثابتين عليها، حَسْبَما تقتضيه الحكمة الإلهية والمصلحة الربّانية، ولا يلزم من ذلك رؤيةُ كلِّ ذي بصرٍ لهم، لجوازِ إحداث أمرٍ مانع عنها؛ إما في الرائي أو في المَرْئيِّ، ولا مانع من أنهم يُرَون أحياناً ويَخْفَوْن أحياناً، ويُرى البعض ويَخْفَى البعض، وزمامُ ذلك بيد الحكيم العليم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والشيءُ متى أَمْكَن وورد به النصُّ عن الصادق وجب قبولُه، ومجرَّدُ الاستبعاد لا يجدي نفعاً، ولو ساغ التأويل لذلك لزم تأويل أكثر هذه الشريعة، بل الشرائع بأسرها، وربما أفضى ذلك إلى أمر عظيم، فالواجبُ تسليمُ كلِّ ممكنٍ جاء به النبيُّ نَّهِ، وتفويضُ تفصيل ذلك وكيفيته إلى الله تعالى. ﴿الْعَزِزِ﴾ أي: الغالب الذي لا يُغالَب فيما قضى به، وقيل: القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين، وفي إجراء هذا الوصف هنا عليه تعالى إيذانٌ بعِلَّة اختصاص النصر به سبحانه. (١) ينظر حديث جابر عند أحمد (١٤٥٨٩)، ومسلم (١٦٧)، وحديث أم سلمة عند البخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٤٥١)، وحديث ابن عمر عند أحمد (٥٨٥٧). سُورَةُ الَّعْرَانَ ٤٢٨ الآية : ١٢٧ ﴿اَلْحَكِيمِ ﴾ أي: الذي يضع الأشياء مَوَاضِعَها، ويفعل على ما تقتضيه الحكمة في سائر أفعاله، ومن ذلك نصرُه للمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة، وفي الإتيان بهذا الوصف ردٌّ على أمثال الأصم في إنكارهم ما نطقت به الظواهر، فسبحانه من عليم حكيم وعزيز حليم. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ متعلِّقٌ بقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) وما بينهما تحقيقٌ لِحَقِّيَّته وبيانٌ لكيفية وقوعه، وإلى ذلك ذهب جمعٌ من المحققين، وهو ظاهرٌ على تقدير أن يُجعل ((إذ تقول)) ظرفاً لـ ((نصركم)) لا بدلاً من ((إذ غدوت)) لئلا يُفصل بأجنبيّ، ولأنه کان یوم أُحد. والظاهر أنَّ هذا في شأن بدر، والمقصورُ على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور، فلا يقدح في تعليل أصل النصر بالقطع وما عُطف عليه. وجُوِّز أن يتعلَّق بما تعلَّق به الخبر في قوله سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ على تقدير كونه عبارةً عن النصر المعهود، والمعلَّلُ بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري، لا ما في ضمنه من النصر المعنوي الذي هو ملاكُ الأمر وعمودُه. وقيل: هو متعلّقٌ بنفس النصر (١)، واعتُرض عليه بأنه - مع ما فيه مِن الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبيٍّ هو الخبر - مُخِلٌّ بسداد المعنى، كيف لا ومعناه قَصْرُ النصر المخصوص المعلَّل بعلَّةٍ معيَّنة على الحصول من جهته تعالى، وليس المراد إلا قَصْرُ حقيقة النصر كما في الأول، أو النصرِ المعهود - كما في الثاني - على ذلك. والقول بأنه متعلِّقٌ بمحذوف والتقدير: فَعَلَ ذلك التدبير - أو: أَمدَّكم بالملائكة - ليقطع، منقطعٌ عن القَبول. والقطع: الإهلاك، والمراد من ((الطَّرَف)) طائفةٌ منهم؛ قيل: ولم يعبِّر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطَّرَف؛ لأنَّ أطراف الشيء يُتوصَّل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأنَّ الطرف أقربُ إلى المؤمنين، فهو كقوله تعالى: ﴿قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. (١) في الأصل و(م): الصبر. والمثبت من تفسير أبي السعود ٢/ ٨٢ والكلام منه. الآية : ١٢٧ ٤٢٩ سُورَةُ العَقْرَانَ وقيل: للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافاً، ففي ((الأساس)): هو من أطراف العرب أي: أشرافها(١). ولعلَّ إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدُّمهم في السّير، ومن ذلك قالوا: الأطرافُ منازل الأشرافِ. فلا يَرِدُ أنَّ الوسط أيضاً يُشعر بالشرف، فالمعنى: ليُهْلِكَ صناديدَ الذين كفروا ورؤساءَهم المتقدِّمين فيهم بقَتْلٍ وأَسْر، وقد وقع ذلك في بدر كما قال الحسن والربيع وقتادة. فقد قُتل من أولئك سبعون وأُسر سبعون. واعتبار ذلك في أُحدٍ حيث قُتل فيه ثمانية عشر رجلاً من رؤسائهم، قولٌ لبعضهم، وقد استبعدوه کما أشرنا إليه. ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم. قاله قتادة والربيع، ومنه قول ذي الرُّمة: في حيرةٍ بين مسرور ومكبوت(٢) لم أَنْسَ من شَجَنٍ لم أنسَ موقفنا وقال الجُبَّائيُّ والكلبيُّ: أي: يردّهم منهزمين. وقال السُّدِّي: أي: يلعنهم. وأصل الكبت: الغيظُ والغُّ المؤثِّر، وقيل: صَرْعُ الشيء على وجهه. وقيل: إنَّ ((كَبَتَهُ)) یکون بمعنی: گَبَدَهُ، أي: أصاب گَبِدَه؛ کـ «رآه» بمعنى: أصاب رئته، ومنه قول المتنبي: لأَكبِتَ حاسداً وأرى عدوًّا كأنهما وَدَاعُكَ والرَّحيلُ(٣) والآية محمولةٌ على ذلك، ويؤيِّد هذا القول أنه قرىء: ((أو يكبدهم)) (٤). و((أو)) للتنويع دون الترديد؛ لوقوع الأمرين. ﴾ أي: فينهزموا مُنْقَطِعِي الآمال، فالخيبة انقطاعُ الأملِ، ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَبِيِينَ ( وفرَّقوا بينها وبين اليأس بأنَّ الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل، واليأس يكون بعده وقبله، ونقيضُ الخيبة الَّفَر، ونقيض اليأس الرجاء. (١) أساس البلاغة للزمخشري (طرف). (٢) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في سيرة ابن هشام ١٠٨/٢ برواية: ما أَنْسَ من شجن لا أَنْسَ موقفنا ... (٣) ديوان المتنبي ١٣٦/٢. (٤) البحر المحيط ٥٢/٣. سُورَةُ العَقْرَانَ ٤٣٠ الآية : ١٢٨ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ أخرج غير واحد أنَّ رَبَاعِيَةَ رسول اللهِالص ◌ّ السفلى اليمنى أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بنُ أبي وقاص، وشجَّه في وجهه، فكان سالم مولى أبي حذيفة - أو عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه - يغسل الدم، والنبيُّ وَّلـ يقول: ((كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيِّهم)) فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). قال: وأخرج أحمد والبخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم عن ابن عمر رضـ قال رسول الله وَّر يوم أحد: ((اللهم الْعَنْ أَبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية)) فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إلخ. فتيب عليهم كلِّهم(٢). وعن الجُبَّائي أنه وَّ استأذن يومَ أُحد أن يدعو على الكفار لمَّا آذَوْه - حتى إنه ◌َّه صلى الظهر ذلك اليوم قاعداً من الجراح، وصلى المسلمون وراءه قعوداً - فلم يؤذن له، ونزلت هذه الآية (٣). وقال محمد بن إسحاق والشعبيُّ: لمَّا رأى النبيُّ ◌َّه والمسلمون ما فعل الكفار بأصحابه وبعمِّه حمزة، من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلنَ بهم مثلَ ما فعلوا بنا، ولنمثِّلنَّ بهم مُثْلةً لم يمثِّلْها أحدٌ من العرب قط. فنزلت(٤). (١) أخرجه بهذا اللفظ ولكن دون ذكر علي رؤيته ابن سعد ٤٥/٢، وعبد الرزاق ١٣١/١، والطبري ٤٦/٦ عن قتادة مرسلاً. وأصله عند أحمد (١١٩٥٦)، ومسلم (١٧٩١) من حديث أنس بن مالك عظته. والرباعية، كثَمَانِية: السِّنُّ التي بين الثنية والناب. القاموس المحيط (ربع). (٢) أخرجه أحمد (٥٦٧٤) من طريق سالم عن ابن عمر، والبخاري (٤٠٧٠) عن سالم مرسلاً، وليس فيهما ذكر أبي سفيان، وأخرجه البخاري (٤٠٦٩)، والنسائي في الكبرى (١١٠٠٩) دون ذكر الأسماء، وأخرجه الترمذي (٣٠٠٤) دون ذكر سهيل، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢/ ٧١. (٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٤/ ١٩٣. (٤) ذكره بنحوه عن ابن إسحاق ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ٧٥٢/٢، والذي في سيرة ابن هشام ٢/ ٩٥-٩٦ عن ابن إسحاق أن هذا هو سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِّ﴾ [النحل: ١٢٦]، وكذا أخرجه الطبري ١٤/ ٤٠٢ -٤٠٣ عن الشعبي، وهذا هو المشهور في هذه المسألة، ينظر حديث أبي بن كعب عند الترمذي (٣١٢٩)، وحديث أبي هريرة وابن عباس في دلائل النبوة للبيهقي ٢٨٨/٣، وأسباب النزول للواحدي ص ٢٩٠-٢٩٢. الآية : ١٢٨ ٤٣١ سُورَةُ الَّعَقْرَانَ وعن ابن مسعود ظه: أراد رسول الله و # أن يدعوَ على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد، فنهاه الله تعالى عن ذلك وتاب عليهم، ونزلت هذه الآية(١). وهذه الروايات كلها متضافرةٌ على أنَّ الآية نزلت في أُحد، والمعوَّل عليه منها أنها بسبب المشركين. وعن مقاتل أنها نزلت في أهل بئر معونة، وذلك أنَّ رسول الله وَلّ أرسل أربعين، وقيل: سبعين رجلاً من قرَّاء أصحابه، وأَمَّر عليهم المنذر بن عمرو، إلى بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أُحد ليعلِّموا الناسَ القرآن والعلم، فاستصرخ عليهم عدوُّ الله عامرُ بن الطفيل قبائل من سليم، من عصية ورعل وذكوان، فأحاطوا بهم في رحالهم، فقاتلوا حتى قُتلوا من عند آخرهم، إلا كعبَ بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رَمَقٌ، فلمَّا علم بذلك رسول الله وَّهِ وَجَد وَجْداً شديداً، وقَنَتَ عليهم شهراً يلعنهم، فنزلت هذه الآية، فترك ذلك(٢)، والمعنى: ليس لك من أمر هؤلاء شيءٌ وإن قلَّ. ﴿أَوْ يَتُوُبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عطفٌ إما على ((الأمر)) أو على ((شيء)) بإضمار ((أنْ))، أي: ليس لك من أمرهم(٣)، أو من التوبةِ عليهم، أو من تعذيبهم شيءٌ. أو: ليس لك من أمرهم شيءٌ، أو التوبةُ عليهم، أو تعذيبُهم. وفرَّقوا بين الوجهين: بأنه على الأول سَلَبَ ما يتبع التوبة والتعذيب منه وَه بالكلِّية؛ من القبول والرَّدِّ والخلاصِ من العذاب والمنع من النجاة. وعلى الثاني سَلَبَ نفسَ التوبة والتعذيب منه عليه الصلاة والسلام، يعني: لا يَقْدِر أن يجبرهم على التوبة ولا يمنعهم عنها، ولا يقدرُ أن يعذُّبهم ولا أن يعفوَ عنهم، فإنَّ الأمور كلها بيد الله تعالى. (١) ذكره ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٧٥٢ وعزاه للثعلبي. (٢) ذكره عن مقاتل مختصراً الحافظ في العجاب ٧٥١/٢، وأصله في البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة به، والقصة دون ذكر الآية أخرجها البخاري (٤٠٩٠) من حديث أنس رقڅ﴾. (٣) بعدها في الأصل و(م): شيء، والمثبت من البحر ٥٣/٣، والكلام منه، ومثله في الدر المصون ٢٩٣/٣. سُورَةُ الْعُقْرَانَ ٤٣٢ الآية : ١٢٨ وعلى التقديرين هو مِن عَظْفِ الخاصِّ على العام - كما قال العلامة الثاني - لكن في مجيء مثلِ هذا العطف بكلمة ((أو)) نظر. وتعقّبه بعضهم بأنَّ هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن، ولك أن تجعله بمعنى التكليف والإيجاب، أي: ليس ما تأمرهم به من عندك، وليس الأمر بيدك، ولا التوبةُ ولا التعذيب، فليس هناك عطفُ الخاصِّ على العام. وفيه أنَّ الحمل على التكليف تكلُّف، والحملُ على الشأن أرفعُ شأناً . ونُقل عن الفراء وابن الأنباري(١) أنَّ ((أو)) بمعنى ((إلا أن))، والمعنى: ليس لك من أمرهم شيءٌ إلا أن يتوب الله تعالى عليهم بالإسلام فتفرح، أو يعذُّبهم فتشتفي بهم. وأيَّامًا ما كان، فالجملة كلامٌ مستأنفٌ سِيق لبيان بعض الأمور المتعلّقة بغزوة أحد أو ما يشبهها، إثر بيان ما يتعلَّق بغزوة بدر، لما بينهما من التناسب من حيث إنَّ كلَّا منهما مبنيٌّ على اختصاص الأمر كلِّه بالله تعالى، ومبنيٍّ على سَلْبِهِ عمَّن سواه(٢). وقيل: إنَّ كلَّ ما في هذه الآيات في غزوة أحد على ما أشرنا إليه. وقيل: إنَّ قوله تعالى: ((أو يتوب)) إلخ عطفٌ على ((ينقلبوا))، أي: يكون ثمرةٌ خزيهم انقلابَهم خائبين، أو التوبَ عليهم، أو تعذيبهم. أو عطفٌ على ((يكبتهم))، و((ليس لك من الأمر شيء)» اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوف عليه المتعلّق بالعاجل، والمعطوفِ المتعلّق بالآجل، لتحقيق أنْ لا تأثير للمنصور إثْرَ بيانِ أنْ لا تأثير للناصرين، وتخصيصُ النفي برسول الله وَلقر على طريق تلوين الخطاب؛ للدلالة على الانتفاء من غيره من باب أَوْلى، وإنما خصَّ الاعتراض بموقعه؛ لأنَّ ما قبله من القَطْع والكَبْت من مِظانٌ أن يكون فيه الرسول اللهِ وَل﴿ ولسائر مباشري القتال مدخلٌ في الجملة، والمعنى: إنَّ مالِكَ أَمرهم على الإطلاق - وهو الله تعالى - نَصَركُم عليهم ليُهلكهم أو يَكْبِتَهم، أو يتوبَ عليهم (١) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/١، والبيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات ابن الأنباري ٢٢١/٢. (٢) في تفسير أبي السعود ٨٣/٢ (والكلام منه): ومنبىء عن سلبه عمن سواه. الآية : ١٢٨ ٤٣٣ سُوَرَةُ الَ ◌ّعْرَانَ إن أسلموا، أو يعذّبهم إن أصرُّوا، وليس لك من أمرهم شيءٌ، إنْ أنت إلا عبدٌ مأمور بإنذارهم وجهادهم. والمراد بتعذيبهم: التعذيبُ الشديد الأخروي المخصوصُ بأشدِّ الكَفَرة كُفْراً، وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقِّقٌ في الفريقين الأولين. وحَمْلُه على التعذيب الدنيويِّ بالأَسر واستيلاء المؤمنين عليهم خلافُ المتبادر من التعذيب عند الإطلاق، وكذا لا يلائم ظاهرَ قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ (٢٨)﴾ فإنه في مقام التعليل لهذا التعذيب، وأكثر ما يعلل به التعذيبُ الأخروي. نعم حَمْلُه على التعذيب الدنيوي أوفقُ بالمعنى الذي ذكره الفرَّاء وابنُ الأنباري؛ لأنَّ التشفِّي في الغالب إنما يكون في الدنيا . ونَظْمُ التوبةِ والتعذيبِ الأخرويِّ في سلك العلَّة الغائيَّةِ للنصر المترتّبةِ عليه في الوجود، من حيث إنَّ قبول توبتهم فرعُ تحققِها الناشىء من عِلْمِهِم بحقِّية الإسلام بسبب غلبة أهله المترتّبة على النصر الذي هو من الآيات الغرِّ المحَجَّة، وأنَّ تعذيبهم المذكور شيءٌ مسبَّبٌ على إصرارهم على الكفر بعد تبيَّن الحقِّ على الوجه المذكور، كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةِ﴾ [الأنفال: ٤٢] وإن فُسِّر بالأَسر مثلاً كان أمرُ التسبُّب مكشوفاً لا مِرْيةً فيه. واستَشْكَلتْ هذه الآية بناءً على أنها تدلُّ - على ما في بعض الروايات - على أنه وَ ﴿ كان فَعَلَ فعلاً ومُنع منه: بأنه إن كان ذلك الفعلُ من الله تعالى فكيف مَنَعَه منه، وإن لم يكن فهو قادحٌ بالعصمة ومنافٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنِقُ عَنِ الْمُوَ﴾ [النجم: ٣]. وأجيب: بأنَّ ما وقع كان من باب خلافِ الأَوْلى نظراً إلى منصبه وَّر، والنهيُّ المفهوم من الكلام من باب الإرشاد إلى اختيار الأفضل، ولا يُعدُّ ذلك من الهوى في شيءٍ بناءً على القول بأنه يصحُّ للنبيِّ أن يجتهد ويعمل بما أدَّى إليه اجتهاده المأذونُ به. وجُوِّز أن يكون ذلك الفعل نفسُهُ عن وحي وإذنٍ من الله تعالى له وَلِّ به، وأنَّ النهي عن ذلك كان نسخاً لذلك الإذن. وأيَّاً ما كان لا ينافي العصمةَ الثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فافهم. سُورَةُ العمران ٤٣٤ الآية : ١٢٩ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ كلام مستأنفٌ سیق لبيان اختصاص ملكية جميع الكائنات به تعالى، إثر بيان اختصاص طرفٍ من ذلك به عزَّ شأنه؛ تقريراً لِمَا سبق وتكملةً له، وتقديمُ الخبر للقَصْر. و((ما)) عامةٌ للعقلاء وغيرهم تغليباً، أي: له سبحانه ما في هذين النوعين، أو ما في هاتين الجهتين مُلكاً ومِلكاً وخَلْقاً واقتداراً، لا مدخل لأحدٍ معه في ذلك، فالأمر كلَّه له، يفعل ما يشاء ويحكم ما یرید. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ أنْ يغفر له من المذنبين(١)، فلا يعاقبه على ذنبه فضلاً منه ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَلَةُ﴾ أنْ يعذِّبه عدلاً منه. وإيثارُ كلمة ((من)) في الموضعين لاختصاص المغفرة والتعذيب بالعقلاء، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسَبْق رحمته تعالى على غضبه. وظاهر الآية يدلُّ على أنَّ مغفرةَ الله تعالى وتعذيبَهُ غيرُ مقيّدين بشيء، بل قد يُدَّعى أنَّ التقييد منافٍ للسَّوق؛ إذ هو لإثبات أنه سبحانه المالكُ على الإطلاق، فله أن يفعل ما يشاء، لا مانع له من مشيئته، ولو كانت مغفرتُه مقيَّدةً بالتوبة وتعذيبُهُ بالظلم، لم يكن فاعلاً لِمَا يشاء، بل لِمَا تستدعيه التوبة أو الظلم، فالآية ظاهرةٌ في نفي الوجوب على الله تعالى، وأنه يجوز أن يغفر سبحانه للمذنب ويعذِّب المصلح، وهو مذهب الجماعة. وذهب المعتزلة إلى أنَّ المغفرةَ مشروطةٌ بالتوبة، فَمَن(٢) لم يَتُبْ لا يجوز أن یغفر له أصلاً، وتمسّکوا في ذلك بوجهین: الأول: الآياتُ والأحاديث الناطقةُ بوعيد العصاة. الثاني: أنَّ المذنبَ إذا علم أنه لا يُعاقَب على ذنبه، كان ذلك تقريراً له وإغراءً للغير عليه، وهذا ينافي حكمةَ إرسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. وحَمَلوا هذه الآيةَ على التقييد، وخَصُّوا أمثالها من المطلقات بالصغائر، أو الكبائرِ المقرونةِ بالتوبة، وقالوا: إنَّ المراد: يغفر لمن يشاء إذا تاب. وجعلوا (١) في (م): المؤمنين. (٢) في الأصل: فما. الآية : ١٢٩ ٤٣٥ سُورَةُ الْعَنْران القرينة على ذلك أنه تعالى عقّب قوله سبحانه: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) بقوله جلَّ شأنه: (فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ) وهو دليلٌ على أنَّ الظّلم هو السبب الموجب، فلا تعذيبَ بدونه ولا مغفرة مع وجوده، فهو مفسِّرٌ لـ ((مَن يشاء)). وأَيَّدوا كونَ المراد ذلك بما روي عن الحسن في الآية: يغفر لمن يشاء بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذِّبُ مَن يشاء، ولا يشاء أن يعذِّب إلا المستوجِبين(١). وبما روي عن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه(٢)، ويعذِّب مَن لَقِيَهُ ظالماً. والجماعة تمسّكوا بإطلاق الآيات، وأجابوا عن متمسَّك المخالف: أمَّا عن الأول: فبأنَّ تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها، إنما تدلُّ على الوقوع دون الوجوب، والنزاع فيه، على أنَّ كثرةَ النصوص في العفو تُخصِّص المذنبَ المغفورَ عن عمومات الوعيد. وأما عن الثاني: فبأنَّ مجرَّد جواز العفو لا يوجب ظنَّ عدم العقاب، فضلاً عن الجزم به، وكيف يوجبُ جوازُ العفو العلمَ بعدم العقاب والعموماتُ الواردة في الوعيد، المقرونةُ بغايةٍ من التهديد، ترجِّح جانبَ الوقوع بالنسبة إلى كلِّ واحد، وكفى به زاجراً، فكيف يكون العلم بجواز العفو تقريراً وإغراءً على الذنب مع هذا الزاجر؟! وأيضاً إنَّ الكثير من المعتزلة خصُّوا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] بالصغائر، فلو كان جوازُ العفو مستلزماً - كما زعموا - للعلم بعدم العقاب، لزم اشتراك الإلزام بأن يقال: إنَّ المرتكبَ للصغائر إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له وإغراءً للغير عليه، وفيه من الفساد ما فيه. وما جعلوه قرينةً على التقييد معارَضٌ بما يدلُّ على الإطلاق، أعني قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ) فإنه معطوفٌ معنّى على قوله جلَّ اسمه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ) ويدلُّ ذلك على أنَّ له سبحانه التصرُّفَ المطلق، وهو على خلاف ما يقولون، حيث جعلوا تصرُّفه ومشيئَتَهُ مقيَّداً بأن يكون على مقتضى الحكمة، والحكمةُ تقتضي عدمَ غفران من لم يُتُبْ. ولا يخفى أنه في حيِّز المنع؛ (١) في الأصل و(م): للمستوجبين، والمثبت من الكشاف ٤٦٣/١. (٢) في الأصل و(م): عليه، والمثبت من الكشاف. سُورَةُ الْ عَنْرَانَ ٤٣٦ التفسير الإشاري (١١٣-١٢٩) لأنَّ المشيئة والحكمة كلاهما من صفاته تعالى، لا تَتْبَع إحداهما الأخرى، وبتقدير الاستتباع لا نسلِّم أنَّ الحكمة تقتضي عدمَ غفران مَن لم يتب. على أنَّ تعقيب (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) بقوله عزَّ وجل: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) لا يدلُّ على أكثر من أنَّ الظلم مفضٍ إلى التعذيب، ومَن يمنعُ الإفضاء؟ إنما المنعُ على أن يكون تفسيراً لـ ((من يشاء))، وأين الدلالة على أن كلَّ ◌ُلم كذلك؟ ولا عمومَ للَّفظ، ولا هو من قبيل مفهوم الصفة ليَصْلُحَ متمسَّكاً في الجملة. وما نقل عن الحسن وعطاء لا يُعرف له سندٌ أصلاً، ومَن ادَّعاه فليأتِ به إن كان من الصادقين، ومما يدلُّ على كذبه أنَّ فيه حَجْراً على الرحمة الواسعة، وتضييق مسالكها من غير دليلٍ قطعي، ولا يُظَنُّ بمثل الحَسَن هذا القبيحُ، سلَّمنا الصدق وعدم لزوم ما ذُكر، لكنَّ قولَ الحسن ونحوَه لا يُترك له ظاهر الكتاب، والحقُّ أحقُّ بالاتِباعِ. فإن قال الخصم: نحن نتمسّك في هذا المطلب بلزوم الخُلْف. قلنا: يكون رجوعاً إلى الاستدلال بالمعقول، وقد أذقناكم الموتَ الأحمر فيه، لا بالآيات، فتبقى دلالةُ هذه الآية على عمومها، وهو مطلوبنا هنا. على أنَّ هذه الآية واردةٌ في الكفار على أكثر الروايات، ومُعتقَدُ الجماعة أنَّ المغفرةَ في حقِّهم مشروطةٌ بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وليسوا محلَّ خلافٍ بين الطائفتين، فمن استدلَّ بها من المعتزلة على غرضه الفاسد، فقد ضلَّ سواء السبيل. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به إشارةٌ إلى ترجيح جهة الإحسان والإنعام، وفيه ما يؤيِّدُ مذهب الجماعة. هذا، ومن باب الإشارة: ﴿لَيَسُواْ سَوَاءٌ﴾ من حيث الاستعدادُ وظهورُ الحق فيهم. ﴿مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ﴾ الذين ظهرت فيهم نقوش الكتاب الإلهي الأزلي ﴿أُمَّةٌ قَيِمَةٌ ﴾ بالله التفسير الإشاري (١١٣-١٢٩) ٤٣٧ سُورَةُ العَزَانَ تعالى له ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: يُظْهِرون للمستعدِّين ما فاضَ عليهم من الأسرار ﴿وَنَّةَ أَلَّلِ﴾ أوقاتَ ليلِ الجهالة وظلمة الحَيرة ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يخضعون لله تعالى، ولا يُحدث فيهم الأنانيةَ أنهم عالمون، وأنَّ مَنْ سواهم جاهلون. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي: بالمبدأ والمعاد ﴿وَيَأْمُرُونَ بِْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ حَسْبَما اقتضاه الشرع، ولِكَون ما تقدَّم نظراً للخصوص؛ لأنَّ إيداعَ الأسرار عند الأحرار، وهذا بالنظر إلى العموم؛ لأنَّ الشريعةَ أوسعُ دائرةً من الحقيقة، قَدَّم وأَخَّر. ﴿وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ﴾ من تكميل أنفسهم وغيرهم ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ القائمين بحقوق الحقِّ والخَلْقِ. ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ يقرِّبكم إلى الله تعالى ﴿فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ فقد جاء: ((مَن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً، ومَن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقرَّتُ إليه باعاً، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً))(١). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين اتَّقوا ما يحجبهم عنه، فيتجلَّى لهم بقَدْرِ زوال الحجاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واحتجبوا عن الحقِّ برؤية الأغيار، وأشركوا بالله تعالى ما لا وجودَ له في عيرٍ ولا نفير ﴿لَّنْ تُفِىَ﴾ لن تدفع ﴿عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللّهِ﴾ أي: عذابِه ﴿شَيْئًا﴾ من الدفع؛ لأنها من جملة أصنامهم التي عبدوها ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾، وهي الحجاب والبعد عن الحضرة ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ لاقتضاء صفة الجلال مع استعدادهم ذلك. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ الفانية الدنيَّةِ ولذَّاتها السريعة الزوال، طَلَباً للشهوات ومحمدةِ الناس، لا يطلبون به وجه الله تعالى ﴿كَمَثَلِ رِيح فِهَا صِرُّ﴾ أي: برد شديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشرك والكفر ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عقوبةً لهم من الله تعالى لظلمهم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بإهلاك حَرْثهم ﴿وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لسوء استعدادهم الغير المقبول. (١) أخرجه أحمد (٩٣٥١)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة ـ وسلف ٢/ ١٩٥ . سُورَةُ آلِ ◌ّعْرَانَ ٤٣٨ التفسير الإشاري (١١٣-١٢٩) ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ﴾ أي: خاصَّة تطلعونه على أسراركم ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ كالمنكرين المحجوبين؛ إذ المحبة الحقيقية لا تكون إلا بين الموحّدين، لكونها ظِلَّ الوحدة، ولا تكون بين المحجوبين لكونهم في عالم التضادِّ والظلمة، ولا يتأتَّى الصفاء والوفاق الذي هو ثمرة المحبة في ذلك العالم، فلذا ترى محبَّة غير أهل الله تعالى تدور على الأغراض، ومن هنا تتغير؛ لأنَّ اللَّذَّات النفسانية لا تدوم، فإذا كان هذا حالُ المحجوبين بعضهم مع بعض، فكيف تتحقّق المحبة بينهم وبين مَن يخالفهم في الأصل والوصف، وأنَّى يتجانسُ النور والظلمة، وكيف يتوافق مُشَرِّقٌ ومُغِّرب؟! عَمْرَكَ اللهَ كيف يلتقيان أيُّها المُنكحُ الثريًّا سُهيلاً وسُهيلٌ إذا استقلَّ يَماني(١) هي شاميَّةٌ إذا ما استَقَلَّتْ ففي الحقيقة، بينهما عداوةٌ حقيقيةٌ وبُعْدٌ كُلِّيٍّ إلى حيث لا تتراءى ناراهما، وآثارُ ذلك ظاهرةٌ كما بيَّن الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ لامتناع إخفاء الوصف الذاتي ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ﴾ لأنه المنشأ لذلك، فهو نارٌ وذاك شرارٌ، وهو جبلٌ والظاهرُ غبار ﴿قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ وهي العلامات الدالةُ على المحبة والعداوة وأسبابهما ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتفهمون من فحوى الكلام. ﴿هَأَنْتُمْ أُؤْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ بمقتضى ما عندكم من التوحيد؛ لأنَّ الموحِّد يحبُّ الناسَ كلَّهم بالحقِّ للحقِّ، ويرى الكلَّ مَظْهَراً لحبيبه جلَّ شأنه، فيرحم الجميع، ويعلم أنَّ البعض منهم قد اشتغل بباطل نظراً إلى بعض الحيثيات، وابتُلي بالقدر، وهذا لا ينافي ما قدَّمنا آنفاً عند التأمل ﴿وَلَا يُحِبُونَكُمْ﴾ بمقتضى الحجاب والظلمة التي ضُربت عليهم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِلْكِتَبِ﴾ أي: جنسه ﴿كُلِّهِ﴾ لِمَا أنتم عليه من التوحيد المقتضي لذلك وهم لا يؤمنون بذلك للاحتجاب بما هم عليه. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا﴾ لما فيهم من النفاق المستجلِبِ للأغراض العاجلة ﴿وَ إِذَا خَلَوْاْ عَمُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيِّظِ﴾ الكامن في صدورهم. (١) البيتان لعمر بن أبي ربيعة، وهما في ملحقات ديوانه ص ٥٠٣، والكامل للمبرد ٢/ ٧٨٠، والخزانة ٢٨/٢. التفسير الإشاري (١١٣-١٢٩) ٤٣٩ سُوَرَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّهُ﴾ كآثار تجلِّي الجمال ﴿تَسُؤْهُمٌ﴾ ويحزنوا لها ﴿وَإِن تُصِبَّكُمْ سَبِئَةٌ﴾ أي: ما يظنون أنه سيئة، كآثار تجلِّ الجلال ﴿يَفْرَحُواْ بِهَاْ﴾. ﴿وَإِن تَصْبِرُوا﴾ على ما ابتليتم به، وتثبتوا على التوحيد ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الاستعانة بالسِّوى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيّدُهُمْ شَيْئًا﴾ لأنَّ الصابرَ على البلاء، والمتوكّلَ على الله تعالى، المستعينَ به، المعرِضَ عمَّن سواه، ظافرٌ بطلبته غالبٌ على خصمه، محفوفٌ محفوظٌ بعناية الله تعالى، والمخذولُ مَن استعان بغيره وقصده سواه، كما قيل : فإنَّ ناصِرَه عَجْزٌ وخِذلانُ(١) مَن استعانَ بغير الله في طَلَبٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من المكايد ﴿مُحِيطٌ﴾ فيبطلها ويُطفىء نارها . ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَخِلَّةٌ ﴾ لله تعالى تحت ظِلِّ الكبرياء والعظمة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ذلك وبالشكر تزداد النعم. ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِمَا رأيت من حالهم ﴿أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ﴾ ((منزِلين)) - على صيغة اسم الفاعل(٢) - السكينةَ عليكم، أو ﴿مُنْزَلِينَ﴾ - على صيغة اسم المفعول - من جانب الملكوت إليكم. ﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ﴾ على صدمات تجلِّيه سبحانه ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ مَن سواه ﴿وَيَأْتُوُكُمْ مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: بلا بُطءٍ ﴿يُمْدِذْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ على صيغة الفاعل، أي: معلِّمين أرواحَكم بعلائم الطمأنينة، أو ﴿مُسَوَّمين﴾ - على صيغة المفعول - بعمائمَ بيض، وهي إشارةٌ إلى الأنوار الإلهية الظاهرة عليهم. وتخصيصُ الخمسة آلاف بالذكر، لَعلَّه إشارةٌ إلى إمداد كلِّ لطيفة من اللطائف الخمس بألف، والألفُ إشارةٌ إلى الإمداد الكامل، حيث إنها نهايةُ مراتب الأعداء، وشَرَطَ ذلك بالصبر والتقوى؛ لأنَّ النصر على الأعداء - وأَعدى أعدائك نفسُك التي بين جنبيك - لا يكون إلا عند تقوى القلب، وكذا سائر جنود الروح، بل والروحُ نفسُها أيضاً، بتأييد الحق والتنوُّر بنور اليقين، فتحصل المناسبة بين القلب مثلاً وبين ملكوت السماء، وبذلك التناسُب يستنزل قواها وأوصافها في (١) البيت لأبي الفتح البستي علي بن محمد بن الحسين، وهو في ديوانه ص ١٨٧ . (٢) وهي قراءة شاذة كما سلف ص ٤١٩ من هذا الجزء. سُورَةُ الَّعْرَانَ ٤٤٠ الآية : ١٣٠ أفعاله، وربما يستمدُّ من قوى قَهْرِها على مَن يغضب عليه، وذلك عبارةٌ عن نزول الملائكة، وهذا لا يكون إلا بالصبر على تحمُّل المكروه طلباً لرضا الله تعالى، والتقوى من مخالفة أمر الحق والميل إلى نحو النفع الدنيوي واللَّذَّات الفانية. وأما إذا جزع وهلع ومالَ إلى الدنيا، فلا يحصل له ذلك؛ لأنَّ النفس حينئذ تستولي عليه وتحجبُهُ بظلمة صفاتها عن النور، فلم تَبْقَ تلك المناسبة، وانقطع المدد ولم تنزل الملائكة. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ أي: إلا لتستبشروا به، فيزداد نشاطكم في التوجُّه إلى الحق ﴿وَلِتَطْمَيِنَّ ◌ِهِ، قُلُوبُكُمْ﴾ فيتحقَّق الفيضُ بقَدْرِ التصفية ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ لا من عند الملائكة، فلا تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة، وبالخلق عن الحق، فالكلُّ منه تعالى وإليه ﴿اُلْعَِزِ﴾ فلا يُعْجِزُه الظهورُ بما شاء وكيف شاء ﴿اَلْحَكِيمِ﴾ الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة. ﴿لَقْطَعَ﴾ أي: يهلك ﴿طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ وهم أعداء الله تعالى ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يخزيهم ويُذلّهم ﴿فَيَنْقَلِبُواْ خَبِينَ﴾ فيرجعوا غير ظافرين بما أَملوا. ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ من حيث أنت ﴿مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ وكلُّه لك من حيثية أخرى ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا أسلموا فتفرح؛ لأنك المُظهِرُ للرحمة الواسعة: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ لأجلك فتشتفي بهم من حيث إنهم خالفوا الأمر الذي بُعثتَ به إلى الناس كافة ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ بتلك المخالفة. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ﴾ من عالَم الأرواح ﴿وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾ من عالم الطبيعيات، يتصرَّف فيهما كيفما يشاء ويختار ﴿يَغْفِرُ لِمَن كَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ لأنَّ له التصرُّفَ المطلقَ في الملك والملكوت ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كثير المغفرة والرحمة. نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرَِّزَا﴾ ابتداءُ كلام مشتملٍ على أمرٍ ونهي وترغيبٍ وترهيبٍ، تتميماً لِمَا سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلحُ في أمر الدِّين وفي باب الجهاد، ولعلَّ إيرادَ النهي عن الربا بخصوصه هنا، لِمَا أنَّ الترغيب في الإنفاق في السَّرَّاء والضَّرَّاء الذي عُمْدَتُهُ الإنفاق في سبيل الجهاد متضمِّنٌ للترغيب