Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ١١٧
٤٠١
سُورَةُ الَّعَقْرَانَ
وقيل: مَثَلٌ لِمَا ينفقه الكفار مطلقاً في عداوة الرسول بَّهِ. وقيل: لِمَا أنفقه
قريش يومَ بدر وأحد، لمَّا تَظَاهروا عليه عليه الصلاة والسلام. وقيل: لما أنفقه
سفلة اليهود على علمائهم المحرِّفین.
أي: حالُ ذلك وقصَّته العجيبة ﴿كَمَثَلِ رِیچ فِهَا صِرُّ﴾ أي: بردٌ شديد. قاله
ابن عباس ها وجماعة. وقال الزجاج: الصِّرُّ صوتُ لهيب النار، وقد كانت في
تلك الريح(١).
وقيل: أصل الصِّرِّ كالصَّرْصَر: الريحُ الباردة، وعليه يكون معنى النَّظُم: ريحٌ
فيها ريحٌ باردة. وهو كما ترى محتاجٌ إلى التوجيه، وقد ذُكر فيه أنه واردٌ على
التجريد كقوله:
ولولا ذاك قد سوَّمتُ مُهري وفي الرحمن للضعفاء كافٍ(٢)
أي: هو كافٍ، وَمَنَع بعضُهم كونَه في الأصل الريحَ الباردة، وإنما هو مصدرٌ
بمعنى البرد، كما قال الحبر. واستعماله فیما ذُکر مجازٌ، وليس بمراد.
وقيل: إنه صفةٌ بمعنى بارد، إلا أنَّ موصوفه محذوف، أي: بَرْدٌ بارد، فهو من
الإسناد المجازي؛ كـ : ظِلِّ ظليل، وفيه بُعد؛ لأنَّ المعروف في مثله ذِكْرُ
الموصوف، وأما حذفُه وتقدیره فلم يُعهد.
وقيل: هو في الأصل صوتُ الريح الباردة، من صَرَّ القلمُ والبابُ صريراً: إذا
صوَّت، أو من الصَّرَّة: الضجة والصيحة، وقد استعمل هنا على أصله، وفيه أنَّ
هذا المعنى مما لم يُعهد في الاستعمال.
والريح واحدة الرياح، وفي ((الصحاح)): والأرياح، وقد تُجمع على أرواح؛
لأنَّ أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح
(١) الكلام بنحوه في معاني القرآن ١/ ٤٦١.
(٢) البيت لأبي خالد القَنَاني من الخوارج كما في الكامل للمبرد ١٠٨٢/٣، ونسبه المرزباني في
معجم الشعراء ص ٩٥ لعيسى بن عاتك، ونسب أيضاً لعمران بن حطان الشيباني، كما في
الحماسة البصرية ٢٧٣/١، وقال البصري: وأبو رياش نسبها إلى محمد بن عبد الله
الأزدي، وتروى لابن العربية اليشكري.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٤٠٢
الآية : ١١٧
عادت إلى الواو؛ كقولك: أَرْوَحَ الماءُ، وتروَّحْتُ بالمِروَحة، ويقال أيضاً: ريحٌ
وريحةٌ، كما قالوا: دارٌ ودارةٌ(١). وسيأتي إن شاء الله تعالى ما(٢) للعلماء من
الكلام في هذا المقام.
وأَفرد الريح لما في ((البحر)) أنها مختصَّةٌ بالعذاب، والجمعُ مختصٍّ بالرحمة،
ولذلك روي: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً»(٣).
﴿أَصَابَتْ حَرْثَ﴾ أي: زَرْعَ ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي، فباؤوا
بغضبٍ من الله تعالى، وإنَّما وُصفوا بذلك لما قيل: إنَّ الإهلاك عن سخطٍ أشدُّ
وأفظع، أو لأنَّ المراد الإشارةُ إلى عدم الفائدة في الدنيا والآخرة، وهو إنَّما يكون
في هلاك مال الكافر، وأما غيره فقد يثابُ على ما هلك له لِصَبْره.
وقيل: المراد: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة وفي غير وقتها .
﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عن آخره ولم تَدَعْ له عيناً ولا أثراً، عقوبةً لهم على معاصيهم.
وقيل: تأديباً من الله تعالى لهم في وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقُّه.
وهذا من التشبيه المركَّب الذي توجد فيه الزبدة من الخلاصة والمجموع،
ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبّه به كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ
اُلُّنْيَا كُمَآءٍ أَنزَلْنَهُ﴾ [يونس: ٢٤] وإلا لوجب أن يقال: كَمَثل حَرْثٍ؛ لأنه المشبّه به
المنفَق.
وجُوِّز أن يراد: مَثَلُ إهلاكِ ما ينفقون كَمَثَل إهلاك ريح، أو: مَثَلُ ما ينفقون
كُمُهْلَك ريح، والمُهْلَكُ اسمُ مفعول هو الحرث.
والوجه عند كونه مرَّباً قلةُ الجدوى والضياع. ويجوز أن يكون من التشبيه
المفرد(٤)، فيُشبَّه إهلاك الله تعالى بإهلاك الريح، والمُنفَقُ بالحَرْث، وجعل الله
تعالى أعمالهم هباءً منثوراً بما في الريح الباردة من جَعْلِهِ حُطاماً .
(١) الصحاح (روح).
(٢) قوله: ما. ساقط من (م).
(٣) البحر ٣٧/١، والحديث أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ١٧٥ عن ابن عباس مرفوعاً، وسنده
ضعيف. وقد سلف ٧١/٣، وينظر الكلام عليه هناك.

الآية : ١١٨
٤٠٣
سُورَةُ آل عمران
وقرىء: ((تنفقون)) بالتاء(١).
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضمير إما للمنفقين، أي: ما ظلمهم بضَياع نفقاتهم التي
أنفقوها على غير الوجه اللائق المعتدِّ به، وإما للقوم المذكورين، أي: ما ظلم الله
تعالى أصحاب الحَرْث بإهلاكه؛ لأنهم استحقُّوا ذلك، وحينئذ يكون هذا النفي مع
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ تأكيداً لما فُهم من قبلُ إشعاراً
وتصريحاً. وقرىء: ((ولكنَّ))(٢) بالتشديد على أنَّ (أنفسهم)) اسمُها، وجملة
(يظلمون)) خبرُها والعائد محذوف، والتقدير: يظلمونها. وليس مفعولاً مقدَّماً .
كما في قراءة التخفيف - واسمها ضمير الشأن؛ لأنه لا يُحذف إلا في الشعر،
کقوله :
وما كنتُ ممن يَدْخُلُ العِشقُ قلبَه ولكنَّ مَن يُبْصِرْ جفونَكِ يعشقٍ(٣)
وتعيَّن حذفُه فيه لمكان ((مَن)) الشرطية التي لا تدخل عليها النواسخ.
وتقديم ((أنفسَهم)) على الفعل للفاصلة لا للحصر، وإلا لا يتطابق الكلام؛ لأنَّ
مقتضاه: وما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم، لا أنهم يظلمون أنفسَهم
لا غيرهم، وهو في الحصر لازمٌ، وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار.
﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾ أخرج ابن إسحاق وغيره عن
ابن عباس قال: كان رجالٌ من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود؛ لِمَا كان بينهم
من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مُباطنتهم تخوُّفَ
الفتنة عليهم هذه الآية (٤).
وأخرج عبد بن حميد(٥) أنها نزلت في المنافقين من أهل المدينة، نُهي
المؤمنون أن يتولَّوهم. وظاهر ما يأتي يؤيِّده.
(١) في الأصل و(م): المفرق، والمثبت من حاشية الشهاب ٥٧/٣ والكلام منها.
(٢) هي قراءة الأعرج وعيسى. القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحرر الوجيز ٤٥٩/١.
(٣) الكشاف ٤٥٨/١ .
(٤) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ص ٣٤٥، وحاشية الشهاب ٣/ ٥٧-٥٨، والكلام منه.
(٥) سيرة ابن هشام ٥٥٨/١، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري ٧٠٩/٥.

سُورَةُ الْعَنْمَانَ
٤٠٤
الآية : ١١٨
والبِطانة: خاصَّةُ الرجل الذين يستبطنون أمره، مأخوذة من بطانة الثوب: للوجه
الذي يلي البدن لقُرْبه، وهي نقيضُ الظّهارة، ويسمَّى بها الواحد والجمع والمذكَّر
والمؤنث .
و ((من)) متعلِّقةٌ بـ ((لا تتخذوا))، أو بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((بطانة)). وقيل: زائدة.
و (دون)) إما بمعنى غير، أو بمعنى الأَذْون والدَّني، وضمير الجمع المضافُ إليه
للمؤمنين، والمعنى: لا تتخذوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياءَ وخواصَّ من غير
المؤمنين، أو ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة، والحكم عامٌّ وإن
كان سبب النزول خاصًّا، فإنَّ اتخاذ المخالف وليًّا مَظِنَّهُ الفتنة والفساد، ولهذا ورد
تفسير هذه البطانة بالخوارج(١).
وأخرج البيهقيُّ وغيره عن أنس عن النبي وَّ ر أنه قال: ((لا تنقشوا في
خواتيمكم عربيًّا، ولا تستضيؤوا بنار المشركين)) فذكر ذلك للحسن فقال: نعم
لا تنقشوا في خواتيمكم: محمد رسول الله، ولا تستشيروا (٢) المشركين في شيء
من أموركم. ثم قال الحسن: وتصديقُ ذلك من كتاب الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾(٣) .
(١) عن مجاهد، كما في الدر المنثور ٦٦/٢، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٧٠٩/٥.
(٢) وروي مرفوعاً، فقد أخرجه ابن أبي حاتم ٧٤٢/٣، والطبراني في الكبير (٨٠٤٧) من
حديث أبي أمامة ◌ُه، عن النبي ◌َّهُ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن
دُونِّكُمْ﴾ الآية، قال: ((هم الخوارج)). وفي إسناده أبو غالب حزور، قال الذهبي في الميزان
٤/ ٥١٠: فيه شيء. وقال ٤٧٦/١: ضعفه النسائي، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقد
صحح له الترمذي.
(٣) في (م): تستسروا.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٧/١٠، وشعب الإيمان (٩٣٧٥)، وأخرجه أيضاً الطبري ٧١٠/٥،
والضياء في المختارة ٣٧٩/٤ - ٣٨٠.
وأخرجه أحمد (١١٩٥٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤٥٥/١، والنسائي في الكبرى
(٩٤٦٤) دون تفسير الحسن. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا التفسير [أي تفسير
الحسن] فيه نظر، ومعناه ظاهر: لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا، أي: بخط عربي لئلا يشابه نقش
خاتم النبي ◌َّ، فإنه كان نقشه: محمد رسول الله ... وأما الاستضاءة بنار المشركين فمعناه:
لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم بل تَباعَدوا منهم وهاجروا من بلادهم.

الآية : ١١٨
٤٠٥
سُورَةُ العمران
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أصل الأَلْو: التقصير، يقال: أَلَا - كغَزَا - يألُو أَلْواً: إذا
قَصَّر وفَتَرَ وضَعُف، ومنه قول امرئ القيس:
بمُدركِ أطرافِ الخُطوب ولا آلي(١)
وما المرء ما دامت حُشاشةُ نفسه
أراد: ولا مُقصِّر في الطلب.
وهو لازمٌ يتعدّى إلى المفعول بالحرف. وقد يستعمل متعدِّياً إلى مفعولين في
قولهم: لا ألوك نُصْحاً، ولا آلوك جهداً، على تضمين معنى المنع، أي: لا أمنعك
ذلك. وقد يجعل بمعنى(٢) الترك، فيتعدَّى إلى واحد، وفي ((القاموس))(٣). ما أَلَوْتُ
الشيء، أي: ما تَرَكْتُه.
والخَبال في الأصل: الفساد الذي يلحق الإنسان فيُؤْرِثُه اضطراباً؛ كالمرض
والجنون، ويستعمل بمعنى الشر والفساد مطلقاً .
ومعنى الآية على الأول: لا يُقصِّرون لكم في الفساد والشرِّ، بل يَجْهَدون في
مَضَرَّتكم؛ وعليه يكون الضمير المنصوب والاسم الظاهر منصوبين بنزع الخافض،
وإليه ذهب ابن عطية (٤).
وجُوِّز أن يكون الثاني منصوباً على الحال، أي: مخبّلين، أو على التمييز.
واعتُرض ذلك بأنه لا إيهامَ في نسبة التقصير إلى الفاعل، ولا يصح جعلُهُ
فاعلاً إلا على اعتبار الإسناد المجازي والنصب بنزع الخافض، ووقوعُ المصدر
حالاً ليس بقياس إلا فيما يكون المصدر نوعاً من العامل، نحو: أتاني سرعة
وبُظْءاً، كما نصَّ عليه الرضي في بحث المفعول به والحال واعتمده السيالكوتي.
ونقل أبو حيان(٥) أنَّ التمييز هنا محوَّلٌ عن المفعول، نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
(١) ديوان امرىء القيس ص ٣٩، ومعنى البيت: أن الإنسان ما دام حيًّا فإنه لا يدرك أواخر
الأمور ولا ينال غاية الآمال، ولا يتأتى له كل ما يريد، وهو مع ذلك لا يألو، أي: لا يترك
جهداً في الطلب.
(٢) في (م): بمنع، وهو تصحيف.
(٣) مادة (ألو).
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
(٥) في البحر المحيط ٣٨/٣.

سُورَةُ الَّعَتْمَانَ
٤٠٦
الآية : ١١٨
عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]. وهو من الغرابة بمكان؛ لأنَّ المفروضَ أنَّ الفعلَ لازمٌ، فمن
أين يكون له مفعولٌ ليُحَوَّل عنه؟! وملاحظة تعدِّيه إليه بتقدير الحرف قولٌ بالنصب
على نزع الخافض، وقد سمعتَ ما فيه.
وأجيب بالتزام أحد الأمرين: الحالية، أو كونه منصوباً على النزع، مع القول
بالسماع هنا .
والمعنى على الثاني: لا يمنعونكم خبالاً، أي: أنهم يفعلون معكم ما يَقْدِرون
عليه من الفساد، ولا يُبْقُون عندهم شيئاً منه في حقِّكم وهو وجهٌ وجيه، والتضمينُ
قیاسيٍّ على الصحيح، والخلاف فيه واوٍ لا يلتفت إليه.
والمعنى والإعراب على الثالث ظاهران بعد الإحاطة بما تقدم.
﴿وَدُّواْ مَا عَنِثُمْ﴾ أي: أَحبُّوا عَنَتَكُم، أي: مشقَّتكم الشديدة وضرركم. وقال
السُّدِّي: تمنَّوا ضلالتكم عن دينكم، وروي مثله عن ابن جريج(١).
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات
ألسنتهم وفَحوى كلماتهم؛ لأنهم لشدَّة بُغضهم لكم لا يملكون أنفسهم، ولا يقدرون
أن يحفظوا ألسنتهم.
وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم، حيث أبدى كلٌّ منهم ما يدلُّ على بغضه
للمسلمين لأخيه، وفيه بُعدٌ؛ إذ لا يناسبه ما بعده.
والأفواه جمع فَم، وأصله: فُوه، فلامُه هاء، والجموع تَرُدُّ الأشياءَ إلى
أصولها، ويدلُّ على ذلك أيضاً تصغيُّرُهُ على: فُوَيْه، والنسبة إليه: فوهِيّ.
وقرأ عبد الله: ((قد بدا البغضاء))(٢).
﴿وَمَا تُخْفِى مُدُورُهُمْ﴾ من البغضاء ﴿آگبرٌ﴾ أي: أعظم مما بدا؛ لأنه كان عن
فَلْتة، ومثله لا يكون إلا قليلاً.
﴿قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: أَظْهَرْنا لكم الآيات الدالّة على النهي عن مُوالاة
(١) في (م): ابن جرير. والأثر أخرجه ابن جرير الطبري ٧١١/٥ عن ابن جريج.
(٢) المحرر الوجيز ٤٧٩/١، والكشاف ٤٥٨/١.

الآية : ١١٩
٤٠٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
أعداء الله تعالى ورسوله وَ ل﴾. أو: قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي يتميز
بها الوليُّ من العدو.
أي: إن كنتم من أهل العقل، أو: إن كنتم تعلمون
﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾
الفصل(١) بين الولي والعدو، أو: إن كنتم تعلمون مواعظَ الله تعالى ومنافعها،
وجواب ((إِنْ)) محذوفٌ لدلالة الكلام عليه.
ثم إنَّ هذه الجمل - ما عدا ((وما تخفي صدورهم أكبر)) لأنها حالٌ لا غير -
جاءت مستأنفات جواباً عن السؤال عن النهي، وتُرِكَ العطف بينها إيذاناً باستقلال
كلِّ منها في ذلك.
وقيل: إنها في موضع النعت لـ ((بطانة))، إلا ((قد بيَّنَّا)) لظهور أنها لا تَصْلُح
لذلك.
والأول أحسن؛ لما في الاستئناف من الفوائد، وفي الصفات من الدلالة على
خلاف المقصود، أو إيهامِه لا أقلَّ وهو تقييدُ النهي، وليس المعنى عليه.
وقيل: إنَّ ((ودُّوا ما عنثُم)) بيانٌ وتأكيدٌ لقوله: ((لا يألونكم خبالاً)) فحُكْمُهُ
حكمُهُ، وما عدا ذلك مستأنفٌ للتعليل على طريق الترتيب، بأن يكون اللاحقُ علةً
للسابق، إلى أن تكون الأولى علةً للنهي، ويتمُّ التعليل بالمجموع، أي: لا تتخذوهم
بطانة؛ لأنهم لا یألونکم خبالاً؛ لأنھم یوُّون شدَّة ضررکم، بدليل أنهم قد تبدو
البغضاء من أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير، ولابدَّ على هذا من استثناء «قد بيَّنَّا))
إذ لا يصلح تعليلاً لبدوِّ البغضاء، ويصلح تعليلاً للنهي. فافهم.
﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ تنبيهٌ على أنَّ المخاطَبين مخطئون في اتِّخاذهم
بطانة. وفي إعراب مثل هذا التركيب مذاهبُ للنحويين، فقال الأزهريُّ وابن كيسان
وجماعة: إنَّ ((ها)) للتنبيه؛ و((أنتم)) مبتدأ وجملة ((تحبونهم)) خبره و((أولاء» منادى أو
منصوب على الاختصاص. وضُعِّف بأنه خلافُ الظاهر، والاختصاص لا يكون
باسم الإشارة.
(١) في (م): الفضل، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.

سُورَةُ العَزَانَ
٤٠٨
الآية : ١١٩
وقيل: ((أنتم)) مبتدأ، و((أولاء)) خبره، والجملة بعدُ مستأنفة. ويؤيِّد ذلك ما قاله
الرضيُّ من أنه ليس المراد من «ها أنا ذا أفعل، وها أنت ذا تفعل)) تعريفَ نفسِكَ،
أو المخاطَب؛ إذ لا فائدة فيه، بل استغرابُ وقوع مضمون الفعلِ (١) المذكورِ بعدُ
من المتكلِّم أو المخاطَب، فالجملةُ بعد اسم الإشارة لازمةٌ لبيان الحال المستغربة،
ولا محلَّ لها إذ هي مستأنفة.
وقال البصريون: هي في محلِّ النصب على الحال، أي: ها أنت ذا قائلاً،
والحال هاهنا لازمة؛ لأنَّ الفائدة معقودةٌ بها، وبها تتمّ، والعامل فيها حرف التنبيه
أو اسم الإشارة.
واعترضه الرضيُّ بأنه لا معنى للحال؛ إذ ليس المعنى: أنت المشار إليه في
حال فعلك.
ولا يخفى أنَّ ما قاله البصريون هو الظاهرُ من كلام العرب؛ لأنهم قالوا: ها
أنت ذا قائماً. فصرَّحوا بالحالية، وإن كان المعنى على الإخبار بالحال؛ لأنه
المقصود بالاستبعاد، ومدلولُ الضمير واسم الإشارة متَّحدٌ، واعتبارُ معنى الإشارة
لمجرَّد تصحيح العمل، لا أنَّ المعنى عليه، وبه يندفع بحثُ الرضي، على أنه قد
أُجيب عنه بغير ذلك.
وقال الزجَّاج(٢): يجوز أن يكون ((أولاء)) بمعنى ((الذين)) خبراً عن المبتدأ،
و((تحبونهم)) في موضع الصلة. وليس بشيء.
وقيل: ((أنتم)) مبتدأُ أول و((أولاء)) مبتدأ ثانٍ، و((تحبونهم)) خبرُ المبتدأ الثاني،
والجملة خبرُ المبتدأ الأول على حدٍّ: أنت زيدٌ تحبُّه.
وقيل: إنَّ ((أولاء)) هو الخبر، وجملة(٣) ما بعده خبرٌ ثان.
وقيل: ((أولاء)) في محلِّ نصبٍ بفعلٍ يفسِّره ما بعده، والجملةُ خبرُ المبتدأ.
(١) قبلها في الأصل و(م): وقوع، والمثبت من حاشية الشهاب ٥٩/٣.
(٢) في معاني القرآن له ٤٦٣/١ .
(٣) في (م): والجملة.

الآية : ١١٩
٤٠٩
سُورَةُ الَ ◌ّغَيْرَانَ
والإشارةُ للتحقير، فاستعملت هنا للتوبيخ، كأنه ازدُري بهم لظهور خطئهم في
ذلك الاتخاذ.
والمراد بمحبة المؤمنين لهم: المحبةُ العاديَّة الناشئة من نحو الإحسان
والصداقة، ومثلُها وإن كان غريباً يُلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حقِّ أعداء
الدين الذين يتربَّصون بهم ريبَ المَنون، لكن لا يصل إلى الكفر، وإنما يَصِلُ(١) إليه
باعتبارٍ آخَرَ لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين.
وقيل: المراد: تحبُّونهم لأنكم تريدون الإسلام لهم، وتدعونهم إلى الجنة،
ولا يحبُّونكم؛ لأنهم يريدون لكم الكفر والضلال، وفي ذلك الهلاك. ولا يخفى
ما فيه .
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِّهِ﴾ أي: بالجنس كلِّه. وجَعْلُ ذلك من قبيل: أنت الرجل،
أي: الكامل في الرجولية، ويكون الكتاب حينئذ إشارة إلى القرآن = تعسُّفٌ.
والجملة حالٌ من ضمير المفعول في ((لا يحبونكم)). واعترضه في ((البحر))(٢)
بأنَّ المضارع المثبت إذا وقع حالاً لا تدخل عليه واو الحال، ولهذا تأوَّلوا: قمتُ
وأصلُّ عينيه، على حذف المبتدأ، أي: قمتُ وأنا أصُّ عينيه. ومثل هذا التأويل
وإن جاء هنا، أي: ولا يحبُّونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كلِّه، إلا أنَّ العطف على
(تحبُّونهم)) أولى لسلامته من الحذف.
وفيه أنَّ الكلام في معرِض التخطئة، ولا كذلك الإيمان بالكتاب كلِّه، فإنه
محضُ الصواب. والحمل على أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون بشيء
منه؛ لأنّ إيمانهم كَلا إيمانٍ فلا يجامع المحبة، سديدٌ كما قال العلامة الثاني(٣) في
تقرير الحالية دون العطف، وبهذا يندفع ما في ((البحر)) من الاعتذار، والمعنى:
لا (٤) یحبونکم والحال أنکم تؤمنون بكتابهم، فما بالكم تحُّوهم وهم لا يؤمنون
بکتابکم.
(١) في (م): وإنما لم يصل.
(٢) ٣/ ٤١.
(٣) هو مسعود بن عمر المشهور بسعد الدين التفتازاني.
(٤) قوله: لا. ساقط من (م).

سُورَةُ الَّعْرَانَ
٤١٠
الآية : ١١٩
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾ نفاقاً ﴿وَإِذَا خَلَوْ﴾ أي: خلا بعضهم ببعض ﴿عَضُواْ عَلَيْكُمْ﴾
أي: لِأَجْلِكم ﴿ آلْأَنَامِلَ﴾ أي: أطرافَ الأصابع ﴿مِنَ الْفّظِ﴾ أي: لأَجْلِ الغضب
والحنق لِمَا يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ونصرةِ الله تعالى إياهم، بحيث
عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلاً إلى التشفِّي، واضْطُروا إلى مداراتهم.
وعضُّ الأنامل عادةُ النادم الأَسِفِ(١) العاجز، ولهذا أُشير به إلى حال هؤلاء،
وليس المراد أنَّ هناك عضًّا بالفعل.
﴿قُلْ﴾ يا محمد بلسانك، وقيل: المراد: حدِّث نفسك بإذلالهم وإعزازِ
الإسلام، من غير أن يكون هناك قول. وقيل: هو خطابٌ لكلِّ مؤمن، وتحريضُ
لهم على عداوتهم، وحثٌّ لهم على خطابهم خطابَ الخُصَماء، فإنه لا أقطع للمحبَّة
من جراحة اللسان، فالمقصودُ على هذا من قوله تعالى: ﴿مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ مجرَّدُ
الخطاب بما يكرهونه.
والصحيحُ الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاءٌ عليهم. وكونُ ذلك مما فيه خفاء؛
إذ لا يخاطب المدعوُّ عليه، بل اللهُ تعالى ويُسأل منه ابتلاؤه، لا خفاءً في خفائه،
وأنه غفلةٌ عن قولهم: قاتلك الله تعالى، وقولهم: دُمْ بِعِزٌّ، وبِتْ قريرَ عين، وغيره
مما لا يحصى.
والمراد كما قيل: الدعاءُ بدوام الغيظ وزيادتِهِ بتضاعُفٍ قوة الإسلام وأهله حتى
يهلكوا به. وهذا عند العلّامة الثاني من كناية الكناية، حيث عبَّر بدعاء موتهم
بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك، وبه عن ملزومه
الذي هو قوة الإسلام وعزُّ اسمه، وذلك لأنَّ مجرَّد الموت بالغيظ أو ازديادہ لیس
مما يحسن أن يُطلب ویدعَی به.
وتُعُقِّب بأنَّ المجاز على المجاز مذكورٌ، وأمَّا الكنايةُ على الكناية فنادرة، وقد
صرَّح بها السبكيُّ في قواعده الأصولية، ونقل فيها خلافاً، ومع هذا الفرقُ بين
الكناية بالوسائط والكنايةِ على الكناية مما يحتاج إلى التأمُّل الصادق، ولعله فرقٌ
اعتباري.
(١) في (م): الأسيف، وكلاهما صواب.

الآية : ١٢٠
٤١١
سُورَةُ إِلَ ◌ّعْرَانَ
وأيضاً ما ذكره من أنَّ مجرد الموت بالغيظ .. إلخ، مدفوعٌ بأنه يمكن أن يكون
المحسِّنُ لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمِّهم، حيث إنهم قد استحقُّوا هذا الموت
الفظيع والحالَ الشنيع.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (3)﴾ أي: بما خفي فيها، وهذا يحتمل أن يكون من
تتمة المقول، أي: قل لهم: إن الله تعالى عليمٌ بما هو أخفى مما تُخفونه من عضِّ
الأنامل إذا خلوتم، فيجازي به. وأن يكون خارجاً عنه، أي: قل لهم ما تقدم،
ولا تتعجبَّ من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليمٌ بالأخفى من ضمائرهم.
والنهيُ عن التعجّب حينئذ إمَّا خارجٌ مخرج العادة مجازاً، بناءً على أنَّ المخاطب
عالِمٌ بمضمون هذه الجملة، وإما باقٍ على حقيقته إن كان المخاطَب غير ذلك ممن
يقف على هذا الخطاب، فلا إشكال على التقديرين خلافاً لمن وهم في ذلك.
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿حَسَنَّةٌ﴾ نعمةٌ من ربكم كالألفة واجتماع الكلمة
والّفَرِ بالأعداء ﴿تَسُؤْهُمٌ﴾ أي: تُحْزِنْهم وتُفِظُهم ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: محنةٌ
كإصابة العدو منكم، واختلافِ الكلمة فيما بينكم ﴿يَفْرَحُوا﴾ أي: يبتهجوا ﴿بِهَا﴾
وفي ذلك إشارةٌ إلى تَناهي عداوتهم إلى حدِّ الحسد والشماتة.
والمسُّ قيل: مستعارٌ للإصابة، فهما هنا بمعنى، وقد سوَّى بينهما في غير هذا
الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة:
٥٠] وقوله سبحانه: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُعًا (٢) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠-٢١]
والتعبير هنا بالمسِّ مع الحسنة، وبالإصابة مع السيئة، لمجرد التفتُّن في التعبير.
وقال بعض المحققين: الأحسن والأنسب بالمقام ما قيل: إنه للدلالة على
إفراطهم في السرور والحزن؛ لأنَّ المسَّ أقلُّ من الإصابة كما هو الظاهر، فإذا
ساءهم أقلُّ خيرِ نالهم، فغيرُهُ أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له
الشامت ويرقَّ الحاسد، فغيره أولى، فهم لا تُرجى موالاتهم أصلاً، فكيف
تتخذونهم بطانة؟!
والقول بأنه لا يَبْعُد أن يقال: إنَّ ذلك إشارةٌ إلى أنَّ ما يصيبهم من الخير
بالنسبة إلى لطف الله تعالى معهم خيرٌ قليل، وما يصيبهم من السيئة بالنسبة لما يقابل
به من الأجر الجزيل عظيم = بعيدٌ كما لا يخفى.

سُورَةُ آلِ ◌ّعَنْمَانَ
٤١٢
الآية : ١٢١
﴿وَإِنْ تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم أو على طاعة الله تعالى ومَضَضِ الجهاد في سبيله
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ ما حُرِّم عليكم ﴿لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ أي: مَكْرُهم. وأصل الكيد:
المشقة .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: ((لا يَضِرْكم)) بكسر الضاد وجزم
الراء (١)، على أنه جواب الشرط، من ضارَه يضيرُهُ بمعنى: ضرَّه يضرُّه. وضمُّ الراء
في القراءة المشهورة؛ لإتباع ضمة الضاد، كما في الأمر المضاعَف المضموم العين
كـ (مُدّ)، والجزمُ مقدَّرٌ، وجوَّزوا في مثله الفتحَ للخِفة، والكسرَ لأَجْلٍ تحريك
الساكن. وقيل: إنه مرفوع بتقدير الفاء، وهو تكلّفٌ مستغنّى عنه.
﴿شَيْئًا﴾ نصبٌ على المصدر، أي: لا يضرُّكم كيدهم شيئاً من الضرر، لا كثيراً
ولا قليلاً، ببركة الصبر والتقوى لكونهما من محاسن الطاعات ومكارم الأخلاق،
ومَن تَحلَّى بذلك كان في کَنَف الله تعالی وحمايته من أن یضرّه کیدُ عدوٌّ.
وقيل: لا يضرُّكم كيدهم؛ لأنه إن(٢) أحاط بكم فلكم الأجر الجزيل، وإن بطل
فهو النعمة في(٣) الدنيا، فأنتم لا تُحرمون الحسنى على كلتا الحالتين، وفيه بعدٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من الكيد. وقرأ الحسن وأبو حاتم: ((تعملون)) بالتاء
الفوقانية(٤)، وهو خطابٌ للمؤمنين، أي: ما تعملون من الصبر والتقوى ﴿مُحِيطٌ
علماً، أو بالمعنی اللائق بجلاله، فيعاقبهم به، أو فیثییكم عليه.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ أي: واذكر إذا خرجتَ غدوةً ﴿مِنْ﴾ عند ﴿أَهْلِكَ﴾. والخطابُ
للنبيٍّ ◌َّ خاصة، والكلام مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدم الصبر
والتقوى للضرر، على أنَّ وجودهما مستتبعٌ لِمَا وعد من النجاة عن مضرَّة كيد
الأعداء، وکان الخروج من حجرة عائشة پتا .
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: تُوطِّنهم؛ قاله ابن جبير. وقيل: تُنْزِلهم. وقيل: تسوِّي
(١) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢.
(٢) قوله: إن، ساقط من (م).
(٣) قوله: في، ساقط من (م).
(٤) القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحرر الوجيز ٤٩٩/١.

الآية : ١٢١
٤١٣
سُوَقُ الْعَمْرَانَ
وتُهيِّىء لهم، ويؤيِّده قراءة (للمؤمنين))(١)؛ إذ ليس محلَّ التقوية، والزيادةُ غير
فصيحة .
﴿مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: مَواطِنَ ومَواقفَ ومَقاماتٍ له. وأصل المَفْعَدِ والمَقَام:
محلُّ القعود والقيام، ثم تُوسِّع فيه فأطلق بطريق المجاز على المكان مطلقاً وإن لم
يكن فيه قيامٌ وقعود، وقد يطلق على مَنْ به، كقولهم: المجلس السامي، والمقام
الكريم.
وجملة ((تبوِّئ)) حالٌ من فاعل ((غدوت)). ولكون المقصود تذكيرُ الزمان الممتدِّ
المتَّسع لابتداء الخروج والتَّْوِئة وما يترتَّب عليها؛ إذ هو المذكِّر للقصة، لم يحتَجْ
إلى القول بأنها حال مقدَّرة، أي: ناوياً وقاصداً للتَّبْوِئة.
و((مقاعد)) مفعولٌ ثانٍ لـ (تُبوِّئ))، والجارُّ والمجرور متعلِّقُ بالفعل قبله، أو
بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((مقاعد))، ولا يجوز - كما قال أبو البقاء(٢) - أن يتعلَّق به؛
لأنَّ المراد به المكان، وهو لا يعمل.
روى ابن إسحاق(٣) وجماعةٌ عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى والحصين بن
عبد الرحمن وغيرهم - وكلٌّ قد حدَّث بعض الحديث -: أنه لمَّا أُصيب يومَ بدر من
كفار قريش أصحابُ القَلِيب، ورجع فَلُّهم(٤) إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب
بِعِيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمةُ بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في
رجالٍ من قريش ممن أُصيبت آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يومَ بدر، فكلَّموا أبا سفيان
ومَن كانت له في تلك العِير من قريش تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريش، إنَّ محمداً
قد وَتَركم(٥) وقَتَل أخياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبه، لعلَّنا نَدرِكُ به ثأرنا
بمن أصاب منَّا، ففعلوا.
(١) هي قراءة ابن مسعود. المحرر الوجيز ١/ ٥٠١، والبحر ٤٦/٣.
(٢) في الإملاء ١١٦/٢ .
(٣) في السير والمغازي ص ٣٢٢ مطولاً، وهو في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠، وما سيأتي بين
حاصرتین منهما .
(٤) الفَلُّ: المنهزم، يقال للواحد والجمع. القاموس المحيط (فلل).
(٥) وَتَرَه: قَتَل حميمَه، وأدركه بمكروه. المعجم الوسيط (وتر).

سُورَةُ العَقْرَانَ
٤١٤
الآية : ١٢١
فاجتمعت قريشٌ لحرب رسول الله وَّ وخرجت بحدِّها وحديدها(١)
وأحابيشها، ومَن تابَعَها من بني كنانة وأهلِ تِهامة، وخرجوا معهم بالظّعْن التماسَ
الحفيظة(٢)، وأنْ لا يَفِرُّوا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس بهند بنتِ عتبة،
وخرج آخرون بنساءٍ أيضاً، فأقبلوا حتى نزلوا بعَيْنَين: جبلٍ (٣) ببطن السَّبْخة من قناةٍ
على شفير الوادي مقابل المدينة.
فلمَّا سمع بهم رسول الله وَّر والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال
رسول الله ◌َّهِ: ((إنِّي رأيت بقراً تُنحر، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْماً، ورأيت أنّي
أَدخلتُ يدي في درع حَصينة فأوَّلتُها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتَدَعوهم
حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشَرِّ مقامٍ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)).
وكان رأي عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول مع رأي رسول الله وَير، يرى رأيه في ذلك
أن لا يخرج إليهم، وكان ◌َليل يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين ممن أكرمه الله
تعالى بالشهادة يوم أحد، وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر: اخرج بنا رسول الله إلى
أعدائنا، لا يرون أنَّا جَبُنَا عنهم وضعُفنا. فقال عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول:
يا رسول الله، أقِمْ بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوٍّ لنا قطّ
إلا أصاب منَّا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه، فَدَعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا
بشرِّ مَخْبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال [في وجههم ورماهم النساء والصبيان
بالحجارة] من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يَزَلِ الناس
برسول الله وَل﴿ الذين كان من أَمْرهم حبُّ لقاء القوم(٤)، حتى دخل رسول الله وَّه
فَلَبِسَ لأُمة(٥) حَرْبه، وذلك يومَ الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندم
الناس وقالوا: استَكْرَهْنا رسول الله وَله ولم يكن لنا ذلك، فإن شئتَ فاقعد صلی الله
تعالى عليك وسلم. فقال: ((ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمَتُهُ أن يضعها حتى يقاتل)).
(١) في (م): بجدها وجديدها. وفي سيرة ابن هشام ٦١/٢ : بحدِّها وجَدِّها وحديدها.
(٢) الحفيظة: الغضب والحمية. الصحاح (حفظ).
(٣) في الأصل و(م): بجبل.
(٤) في السير والمغازي: حب لقاء الله. والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام.
(٥) اللأمة: الدرع، وربما سمي السلاح كله لأمة. الإملاء المختصر في شرح المغازي والسير
لأبي ذر الخشني ١٠٣/٢ - ١٠٤.

الآية : ١٢١
٤١٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
فخرج ◌َ بألفٍ من أصحابه وقد وعدهم الفتح إن يصبروا، واستعمل ابنَ أمّ
مكتوم على الصلاة بالناس، حتى إذا كان بالشّوْط بين المدينة وأحد، انخذلَ عنه
عبد الله بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، وما ندري علامَ نقتلُ أنفسنا هاهنا
أيها الناس؟! فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والرَّيْب، واتَّبعهم عبد الله بن
عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أُذكِّركم الله تعالى أن تخذلوا قومكم
ونبيَّكم عند ما حَضَر من عدوهم، قال(١): لو نعلم أنكم تقاتلون لَمَا أسلمناكم،
ولكنَّا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استَعْصَوْا عليه وأَبَوا إلا الانصراف، قال:
أَبْعَدَكم الله تعالى أعداءَ الله، فيسيُغني الله تعالى عنكم نبيَّهَ وَله .
ومضى رسول الله وَّ حتى سلك في حَرَّة بني حارثة، فذبَّ فرسٌ بذَنَبه فأصاب
كُلَّابَ سيفٍ(٢) فاستلَّه، فقال وََّـ وكان يحبُّ الفأل ولا يعتاف(٣) - لصاحب
السيف: ((شِمْ سيفك(٤)، فإِنِّي أرى السيوف ستُسلُّ اليوم)).
ومضى رسول الله وَ لل حتى نزل الشّعب من أُحد من عُدْوة الوادي إلى الجبل،
فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد وقال: ((لا يقاتِلْ أحدٌ حتى نأمره بالقتال)).
وتعبَّأ رسول الله وَّ للقتال ومشى على رجليه، وجعل يصفُّ أصحابه،
فكأنما يقوِّم بهم القِدْحَ(٥)، إن رأى صدراً خارجاً قال: ((تأخّر)) وهو في سبع مئة
رجل، وأَمَّر على الرماة عبد الله بنَ جبير، وهو مُعلَّمٌ يومئذ بثيابٍ بيض، وكانوا
خمسين رجلاً، وقال: ((انضح الخيل عنَّا بالنَّبل لا يأتونا من خلفنا، إن كان علينا
أو لنا فاثبت مكانك، لا نؤتَينَّ من قِبلِكَ)). وظاهَرَ رسول الله وَّه بين درعين(٦)،
ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير.
(١) في المصادر: قالوا.
(٢) الكُلّب والكَلْب: مسمار يكون في قائم السيف، وقيل هي الحلقة التي تكون في مسمار
قائم السيف. الإملاء المختصر ٢/ ١٠٤ .
(٣) أي: لا يتطيَّر. الإملاء المختصر ١٠٤/٢.
(٤) أي: أَغْمِذْه، وهو من الأضداد. الإملاء المختصر ٢/ ١٠٤ .
(٥) القِدْح: هو السهم يقوَّم بعد أن يُبرى وقبل أن يُراشَ ويركَّب نصله. ينظر النهاية (قدح).
(٦) أي: لبس درعاً فوق درع. الإملاء المختصر ١٠٤/٢.

سُورَةُ العَمَانَ
٤١٦
الآية : ١٢٢
وتعبَّأت قريشٌ وهم ثلاثةُ آلاف، فيهم مئتا فرس، قد جَنَبوها(١)، ووقع القتال،
وكان ذلك يومَ السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان ما كان.
وأشار الله تعالى إلى هذا اليوم بهذه الآية، والقولُ بأنها إشارة إلى يوم بدر،
كقول مقاتل بأنها إشارة إلى يوم الأحزاب، خلافُ ما عليه الجمهور.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ لسائر المسموعات ويدخل ما وقع في هذه الغزوة من الأقوال
دخولاً أوَّلَيًّا ﴿عَلِيمٌ ﴾ بسائر المعلومات، ومنها ما في ضمائر القوم يومئذ، والجملة
اعتراضٌ للإيذان بأنه قد صدر(٢) من الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدوره منهم، ومن
ذلك قولُ أصحاب عبد الله بن جبير حين رأوا غلبة المسلمين على كفار قريش: قد غَنَم
أصحابنا ونبقى بلا غنيمة! وجعلوا ينسلُّون رجلاً فرجلاً، حتى أَخْلَوا مراكزهم، ولم
يبق مع عبد الله سوى اثني عَشَرَ رجلاً، مع إيصاء رسول الله وَّل بثبوتهم مكانَهم.
﴿إِذْ هَمَّت﴾ قيل: بدلٌ من ((إذ غدوت)) مبيِّنٌ لِمَا هو المقصودُ بالتذكير.
وجُوِّز أن يكون ظرفاً لـ ((تبوِّىء)) أو لـ ((غَدَوْتَ))، أو لـ ((سميع عليم)) على سبيل
التنازع، أوْ لهما معاً في رأي، وليس المراد تقييدَ كونه سميعاً عليماً بذلك الوقت.
﴿َآئِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ أي: فرقتان من المسلمين، وهما حيَّان من الأنصار؛ بنو
سَلِمةَ من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحَي عَسكر رسول الله وَله .
قاله ابن عباس وجابر بن عبد الله والحسن وخَلْقٌ كثير(٣).
وقال الجُبَّائي: همَّت طائفةٌ من المهاجرين، وطائفة من الأنصار.
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ أي: تضعُّفا وتَجْبُنا حين رأوا انخذال عبد الله بن أبيِّ ابن سلول
مع مَنْ معه عن رسول الله وََّ، والمُنْسَبِكُ من ((أن)) والفعل متعلِّقٌ بـ ((همت)) والباء
محذوفة، أي: همَّت بالفشل. وكأن المراد به هنا لازِمُهُ؛ لأنه (٤) الفعلُ الاختياريُّ
الذي يتعلَّق الهُّ به، والظاهر أنَّ هذا الهمَّ لم يكن عن عزمٍ وتصميم على مخالفة
(١) أي: قادوها. الإملاء المختصر ١٠٤/٢.
(٢) في (م): قدر. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٧٨/٢ والكلام منه.
(٣) تفسير الطبري ١٤/٦. وقول جابر أخرجه البخاري (٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥).
(٤) في (م): لأن.

الآية : ١٢٣
٤١٧
سُورَةُ العَيْرَانَ
النبي پ﴾ ومفارقته؛ لأنَّ ذلك لا يَصْدُر مثلُهُ عن مؤمن، بل کان مجرَّد حدیثِ نفسٍ
ووسوسةٍ كما في قوله:
أقولُ لها إذا جَشأتْ وجاشَتْ مكانَكِ تُحْمَدي أو تستريحي(١)
ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: ناصِرُهما. والجملةُ اعتراضٌ،
وجُوِّز أن تكون حالاً من فاعل ((همت)) أو من ضميره في ((تفشلا)) مفيدةٌ لاستبعاد
فشلهما أو همِّهما مع كونهما في ولاية الله تعالى.
وقرأ عبد الله: ((والله وليهم))(٢) بضمير الجمع على حدٍّ: ﴿وَإِن طَيِفَتَانٍ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ .
﴿وَعَلى اَللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٣٢)﴾ أي: عليه سبحانه لا على غيره، كما يُؤْذِن به
تقديم المعمول، وإظهارُ الاسم الجليل للتبرُّك به والتعليل، وأل في ((المؤمنون))
للجنس، ويدخل فيه الطائفتان دخولاً أوَّليًّا، وفي هذا العنوان إشعارٌ بأنَّ الإيمان
بالله تعالى من موجبات التوُّل عليه، وحُذف متعلِّق التوثّل ليفيد العموم، أي:
ليتوّلوا عليه عزَّ شأنه في جميع أمورهم؛ جليلِها وحقيرها سَهلِها وحَزْنِها .
﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ بيانٌ لِمَا يترتَّب على الصبر والتقوى إثرَ بيان ما ترتّب
على عدمهما، أو مُساقةٌ لإيجاب التوكُّلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه.
وبدر - كما قال الشعبي - بئرٌ لرجل من جهينة يقال له: بدر، فُسمِّيت به (٣).
وقال الواقدي: اسمٌ للموضع. وقيل: للوادي. وكانت - كما قال عكرمة - متجراً
في الجاهلية.
وقال قتادة: إنَّ بدراً ماءٌ بين مكة والمدينة، التقى عليه النبيُّ وَّهِ والمشركون،
وكان أولَ قتال قاتله النبيُّ بَّر، وكان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان يوم
الجمعة، سنة اثنتين من الهجرة. والباء بمعنى ((في))، أي: نصركم الله في بدر.
-
(١) البيت لعمرو بن الإطنابة، وهو في الكامل للمبرد ١٤٣٤/٣، والخصائص ٣٥/٣، ومجالس
ثعلب ص ٦٧، ومعجم الشعراء للمرزباني ص٩، والبحر ٤٦/٣، والمغني ص ١٦٨، ووقع
في جميع هذه المصادر: وقولي كلما جشأت ...
(٢) المحرر الوجيز ٥٠١/١، والكشاف ١/ ٤٦١.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٦/ ١٧ .

سُورَةُ الْعِنْرَانَ
٤١٨
الآية : ١٢٤
﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ حالٌ من مفعول ((نصركم))، و((أذلة)) جمعُ قلَّةٍ لذليل، واختير على
(لائل)) ليدلَّ على قِلَّتهم مع ذِلَّتهم، والمراد بها عدمُ العِدَّة لا الذلُّ المعروف،
فلا يُشْكِلُ دخول النبيِّ ◌َّ في هذا الخطاب إن قلنا به.
وقيل: لا مانع من أن يراد المعنى المعروف، ويكون المراد: وأنتم أذلةٌ في
أَعين غيركم، وإن كنتم أعزَّةً في أنفسكم، وقد تقدم الكلام على عددهم وعددٍ
المشركين إذ ذاك.
﴿فَتَّقُواْ اللَّهُ﴾ باجتناب معاصيه والصبرِ على طاعته، ولم يصرِّح بالأمر بالصبر
اكتفاءً بما سَبَقَ وما لَحِقَ، مع الإشعار - على ما قيل - بشرف التقوى وأصالتها، وكونِ
الصبر من مباديها اللازمة لها، وفي ترتيب الأمر بها على الإخبار بالنصر إعلامٌ بأنَّ
نَصْرَهم المذكور كان بسبب تقواهم، فمعنى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
:
١٢٣
لعلكم تقومون بشكر ما أنعم به عليكم من النصر القريب بسبب تقواكم إياه.
ويحتمل أن يكون كنايةً أو مجازاً عن نيل نعمةٍ أخرى توجب الشكر، كأنه قيل:
فاتقوا (١) لعلكم تنالون نعمة من الله تعالى، فتشكرونه عليها، فوضع الشكر موضعَ
الإنعام؛ لأنه سببٌ له ومُسْتَعْدٍ إياه.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظرفٌ لـ ((نَصَرَكم))، والمراد به وقتٌ ممتدٌّ، وقُدِّم عليه
الأمر بالتقوى إظهاراً لكمال العناية. وقيل: بدلٌ ثانٍ من ((إذ غدوت)).
وعلى الأول يكون هذا القول ببدر، وعلى ذلك الحسن وغيره. وأخرج ابن
أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبيّ أنَّ المسلمين بلغهم يوم بدر أنَّ كُرْزَ بن
جابر المحاربيَّ يريد أن يمدَّ المشركين، فشقَّ ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنَ
يَكْفِيَّكُمْ﴾ إلخ، فبلغت كُرْزاً الهزيمةُ، فلم يمدَّ المشركين(٢).
وعلى الثاني: يكون القول بأحد، وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن
المخالفة، ولم يوجدا منهم، فلم يُمَدُّوا، ونُسب ذلك إلى عكرمة، وقتادةً في إحدى
الروایتین عنه.
(١) في (م): فاتقوا الله.
(٢) الدر المنثور ٦٩/٢، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٨/١٤. وأخرجه - أيضاً - الطبري
٦/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٧٥٢/٣.

الآية : ١٢٤
٤١٩
سُورَةُ الَّغَزْرَانَ
﴿أَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴿٢﴾﴾ الكفاية: سدُّ
الحاجة، وفوقها الغنى، بناءً على أنه الزيادة على نفي الحاجة.
والإمداد في الأصل: إعطاءُ الشيء حالاً بعد حال، ويقال: مَدَّ في السير: إذا
استمرَّ عليه، وامتدَّ بهم السير: إذا طال واستمرَّ، وعن بعضهم: ما كان بطريق
التقوية والإعانة يقال فيه: أَمَدَّهُ يُمِدَّه إمداداً، وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مدَّه
مدًّا. وقيل: يقال: مدَّه في الشر، وأمدَّه في الخير.
والهمزة لإنكار أن لا يكفيهم ذلك، وأتى بـ ((لن)) لتأكيد النفي بناءً على ما ذهب
إليه البعض، وفيه إشعارٌ بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلَّة عَددهم
وعُدَدهم، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين ما لا يخفى
من اللطف وتقوية الإنكار.
و((أن يمدَّكم)) في تأويل المصدر فاعل بـ ((يكفيكم))، و((من الملائكة)) بيانٌ أو
صفةٌ لـ ((آلاف)) أو لِمَا أُضيف إليه.
و((منزلين)) صفةٌ لـ ((ثلاثة آلاف))، وقيل: حالٌ من الملائكة، وفي وَصْفهم بذلك
إشارةٌ إلى أنهم من أشرف الملائكة، وقد أُنزلوا على - ما ذكره الشيخ الأكبر قدِّس
سرُّه - من السماء الثالثة، وذَكَر سرَّ ذلك في ((الفتوحات))(١).
وقرىء: ((منزَّلين)) بالتشديد(٢)؛ للتكثير أو للتدريج، وقرىء مبنيًّا للفاعل من
الصيغتين(٣)، على معنى: منزِلينَ الرعبَ في قلوب أعدائكم، أو النصرَ لكم.
والجمهور على كسر التاء من ((ثلاثة))، وقد أُسكنت في الشواذ(٤)، وَوُقف
عليها بإبدالها هاءً أيضاً (٥)، على أنه أُجري الوصل مُجرى الوقف فيهما، ويُضعِّف
ذلك أنَّ المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.
(١) ١/ ١٤٥.
(٢) هي قراءة ابن عامر. التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص ٢٢.
(٤) المحرر الوجيز ٥٠٣/١، والبحر ٥٠/٣ - ٥١.
(٥) المحتسب ١٦٥/١.

سُورَةُ العَتْرَانَ
٤٢٠
الآية : ١٢٥
﴿بَلَ﴾ إيجابٌ لِمَا بعد ((لن))، أي: بلى يكفيكم ذلك، ثم وَعَدَهم الزيادةَ
بالشرط فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَصْبِرُواْ﴾ على مضضٍ الجهاد وما أُمرتم به
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ ربَّكم بالاجتناب عن معاصيه وعدمِ المخالفة له ﴿وَيَأْتُوُكُمْ﴾ أي:
المشركون أو أصحاب كُرْز، كما قال الشعبي.
﴿مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أصلُ الفور: مصدرٌ من فارَتِ القِدْرُ: إذا اشتدَّ غليانها، ومنه:
(إنَّ شدّة الحرِّ من فَوْر جهنم))(١). ويطلق على الغضب لأنه يُشْبِهِ فَوْرَ القِدر، وعلى أول
كلِّ شيء، ثم إنه استُعير للسرعة، ثم أُطلق على الحالة التي لا بُْءَ فيها ولا تَراخِيَ،
والمعنى: ويأتوكم في الحال، ووُصف بهذا لتأكيد السرعة بزيادة التعيين والتقريب.
ونَظَم إتيانَهم بسرعةٍ في سِلْكِ شَرْطَي الإمداد ومَدارَيه - مع تحقَّق الإمداد
لا محالةَ أسرَعوا أو أبطَؤوا - إيذاناً بتحقُّق سرعة الإمداد، لا لتحقيق أصله، أو
لبيان تحقُّقه على أيِّ حالٍ فُرض على أبلغ وجه وآكدِهِ، حيث علَّقه بأبعد التقادير
ليُعلم تحقُّقه على سائرها بالأَوْلى، فإنَّ هجوم الأعداء بسرعةٍ من مظانِّ عدم لُحوق
المَددِ عادةً، فمتى عُلِّق به تحقَّقُ الإمداد مع منافاته له، أفاد تحقّقَه لا محالةً مع
ما هو غيرُ مُنافٍ له، كذا قيل(٢)، وربما يُفهم منه أنَّ الإمداد المرتَّب على الشرط
في قوله تعالى: ﴿يُنْدِذَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ﴾ وقع لهم، وفي ذلك ترديدٌ
وتردُّد؛ لأنَّ هذا الكلام إن كان في غزوة أحد، فلا شبهةً في عدم وقوع ذلك
ولا بمَلَكِ واحد؛ لعدم وقوع الشرط، ولذا وقعت الهزيمة. وإن كان في غزوة بدر
كما هو المعتمد، فقد وقع الاختلاف في أنهم أُمِدُّوا بهذه الخمسة الآلاف أوْ لا .
فذهب الشعبيُّ إلى أنهم أُمدُّوا بغيرها ولم يُمَدُّوا بها، بناءً على تعليق الإمداد بها
بمجموع الأمور الثلاثة؛ وهي الصبر والتقوى وإيتاء(٣) أصحاب كُرْز، وقد فُقد
الأمر الثالث كما نقلناه أوَّلاً، فلم يوجد المجموع لانعدامه بانعدام بعض أجزائه،
فلم يوجد الإمداد المذكور كما صرَّح به الشعبيُّ(٤).
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨٥٨٤) عن أبي هريرة
(٢) هو قول أبي السعود في تفسيره ٢/ ٨٠.
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: وإتيان.
(٤) أخرج قوله ابن أبي شيبة ٣٥٨/٤، والطبري ٢٠/٦.