Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٧
٤١
سُورَةُ العَقْرَان
كإدراك الأوليات، إلا أنه لا إحاطة بل لا بدَّ من بقاء شيء كما أشير إليه، وعلى هذا
أيضاً الأليقُ أن يوقف؛ لأنه شعارُ مَن لنا فيهم الأسوةُ الحسنة، مع ظهور وجهه، لكن
لا تجعل الآية حجةً على مَن تأوَّل نحو: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَنُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[الزمر: ٦٧] مثلاً؛ إذ لا يُسلَّم أنه داخلٌ في ذلك المتشابِه، والحملُ على المجاز
الشائع في كلام العرب، والكناية البالغةِ في الشُّهرة مبلغَ الحقيقة، أظهرُ من الحمل
على معنى مجهولٍ. نعم لو قيل: إن تصوير العظمة على هذا الوجه دالٌّ على أن العقل
غيرُ مستقلٌّ بإدراكِها، وأنها أَجلُّ من أن تحيط بها العقولُ، فالكنهُ من المتشابِه الذي
دلَّت الآية عليه ويجب الإيمان به، كان حسناً وجمعاً بين ما عليه السلفُ ومشَى عليه
الخلَفُ، وهو الذي يجب أن يُعتقد كَيلا يلزم ازدراءٌ بأحدِ الفريقين، كما فعل ابنُ
القيم حتى قال: لام الأشعرية (١) كنون اليهودية، أعاذنا الله تعالى من ذلك.
وعلى هذا يجب أن يفسّر المتشابه في الآية بما يعمُّ القسمين، والمحكمُ أمّ
يُرجع إليه في تمييز القسمين، أحدهما فرعه الإيماني، والثاني فرعه الإيقاني، وابنُ
دقيق العيد توسَّط في مسألة التأويل، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدفِّق
أخيراً من المتشابه، فقال(٢): إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم ينكر، أو
بعيداً توقَّفنا عنه وآمنًا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه، وما كان معناه من
هذه الألفاظ ظاهراً معهوداً مِن تَخاطب العرب قلنا به من غير توقف(٣) كما في قوله
تعالى: ﴿بَحَسْرَنَ عَلَى مَا فَرَّطِتُ فِ جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] فنحمله على حقِّ الله تعالى
وما يجب له. فليفهم هذا المقام؛ فكم زلَّت فيه أقوامٌ بعد أقوام.
(١) ذِكْر الأشعرية في هذا الموضع وهم، والذي في قصيدة ابن القيم:
أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا وقالوا حنطة لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى وزاد الحرف للنقصان
ينظر شرح قصيدة ابن القيم ٢٦/٢. وقد ذكر ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة
ص٣٦٥ أن أئمة السنة متفقون على أن تفسير الاستواء بالاستيلاء إنما هو متلقَّى عنِ المعتزلة
والجهمية والخوارج، وذكر ص ٣٥٢ أن الأشعري حكاه عن الجهمية وبدَّعهم وضلَّلهم، ثم
ذكر عن الأشعري أنه حكى إجماع أهل السنة على بطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء. وينظر
الإبانة للأشعري ص ٣١ وما بعدها .
(٢) قوله في الإتقان ١/ ٦٥١.
(٣) في الإتقان: توقيف.

سُورَةُ العمران
٤٢
الآية : ٨
﴿َرََّا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ يحتمل أن يكون من تمام مقالة الراسخين،
ويحتمل أن يكون على معنى التعليم، أي: قولوا ربَّنا لا تُزعْ قلوبنا عن نهج الحقِّ
إلى اتِّباع المتشابِهِ بتأويلٍ لا تَرْتَضيه ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَ﴾ إلى معالم الحقِّ من التفويض
في المتشابه، أو الإيمان بالقسمين، أو التأويل الصحيح، ويَؤُول المعنى إلى
لا تضلَّنا بعد الهداية؛ لأن زَيْغَ القلوب في مقابلة الهداية، ومقابلة الهداية
الإضلال، وصحَّة نسبة ذلك إلى الله تعالى - على مذهب أهل السنة في أفعال العباد
- ظاهرةٌ، والمعتزلة يؤوِّلون ذلك بنحو: لا تَبْلُنا بيلايا تَزِيغُ بسببها قلوبُنا، ولا تمنعْنا
ألطافَك بعد أن لَطَفْتَ بنا.
وإنَّما دَعَوْا بذلك، أو أُمروا بالدعاء به؛ لأن القلوب تتقلَّب، ففي الصحيح عن
عائشة ﴿يا، قالت: كان رسول الله وَ﴾ كثيراً ما يدعو: ((يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي
على دينك)) قلت: يا رسول الله، ما أكثرَ ما تدعوا بهذا الدعاء؟ فقال: ((ليس من
قلبٍ إلَّا وهو بين إصبعين من أصابع الرَّحمن، إن شاء أن يُقيمه أَقامه، وإن شاء أن
يزيغه أَزاغه))(١).
وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان، عن
أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول اللهِ وَله: ((إنما الإيمانُ بمنزلة القميص، مرَّة
تقمصُه، ومرَّةً تنزعه))(٢).
والروايات بمعنى ذلك كثيرة، هي تدلُّ على جواز عروض الكفر بعد الإيمان
بطروِّ الشكِّ مثلاً، والعياذ بالله تعالى. وفي كلام الصحابة ﴿ه أيضاً ما يدلُّ على
ذلك، فقد أخرج ابن سعد(٣) عن أبي عطاف أنَّ أبا هريرة كان يقول: أيْ ربِّ
لا أَزِنينَّ، أي ربِّ لا أَسرقنَّ، أي ربِّ لا أَكفُرَنَّ. قيل له: أوَ تخافُ؟ قال: آمنتُ
بمحرِّف القلوب، ثلاثاً.
وأخرج الحكيم الترمذيُّ عن أبي الدرداء، قال: كان عبد الله بن رواحة إذا
لقيني قال: اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعةً. فنجلس فنذكرُ اللهَ تعالى على ما يشاء،
(١) أخرجه أحمد (٢٤٦٠٤)، والنسائي في الكبرى (٧٦٩٠).
(٢) نوادر الأصول ص٧٤، وهو حديث مرسل.
(٣) كما في الدر المنثور ٩/٢، وأخرجه أيضاً ابن عساكر في تاريخه ٣٦٩/٦٧.

الآية : ٨
٤٣
سُؤَدَةُ آلعمران
ثم قال: يا عويمر هذه مجالسُ الإيمان، إنَّ مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك بينا
أنت قد نزعتَه إذ لبسته، وبينا أنت قد لبستَه إذ نزعته، يا عويمر لَلْقلبُ أسرعُ تقلُّباً
من القدْر إذا استجمعَت غلياناً(١).
وعن أبي أيوب الأنصاري: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرَةٍ
من النِّفاق، ولَيَأْتِينَّ عليه أحايين وما في جلده موضعُ إبرة من إيمان(٢).
وادَّعى بعضهم أن هذا بالنسبة إلى الإيمان الغير الكاملِ، وما رجَع مَن رجع
إلَّا من الطريق، وأمَّا بعد حصول الإيمان الكامل والتصديق الجازم والعلم الثابت
المطابِقِ، فلا يُتصور رجعة وكفرٌ أصلاً؛ لئلا يلزم انقلابُ العلم جهلاً، وهو
محالٌ، والتزَمَ تأويلَ جميع ما يدلُّ على ذلك. ولا يخفى أن هذا القول مما يَكاد
يَجُرُّ إلى الأمن مِن مَكْر الله تعالى، والتزامُ تأويلِ النصوص لشبهة اختلَجت في
الصَّدر هي أَوْهَنُ من بيت العنكبوت - في التحقيق - مما لا يقدُم عليه مَن له أدنى
مُسْکَة، كما لا يخفى، فتدبّر.
و(بَعْدَ)) منصوب على الظرفية والعاملُ فيه ((تُزغ))، و((إذ)) مضافٌ إليه، وهي
متصرِّفة كما ذكره أجلَّة النحويين، وأمَّا القولُ بأنها بمعنى ((أَنْ)) المصدريةِ المفتوحةِ
الهمزة، والمعنى: بعد هِدايتنا، فممَّا ذكره الحوفي في إعراب القرآن ولم يُرَ لغيره،
والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فتؤوَّل مع ما بعدها بالمصدر، نحو
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َّلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] أي: لظلمكم، فإن كان أَخَذَه(٣) من
هذا فهو كما ترى. وقرئ: ((لا تَزِعْ)» بالياء والتاء ورفع القلوب (٤).
﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ﴾ كلا الجارَّين متعلِّق بـ ((هَبْ))، وتقديم الأول اعتناءً به
وتشويقاً إلى الثاني، ويجوز تعلَّق الثاني بمحذوفٍ هو حال من المفعول، أي: كائنةً
من لدنك. و((من)) لابتداء الغاية المجازية.
(١) نوادر الأصول ص٧٤، وأخرجه بنحوه ابن المبارك في الزهد (١٣٩٥).
(٢) نوادر الأصول ص٧٤.
(٣) في الأصل و(م): أخذ، والمثبت من حاشية الشهاب ٨/٣، والكلام منه، والضمير يعود
على الحوفي.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٩، والمحتسب ١٥٤/١.

سُورَةُ آلِّعَتْمَانَ
٤٤
الآية : ٩
و((لدن)) ظرف، وهي لأول غايةٍ زمانٍ أو مكانٍ، أو غيرهما من الذَّوات، نحو:
مِن لَدُنْ زيدٍ، وليست مرادفةً لـ ((عند)»، بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيِّدها بظرف
المكان، وهي ملازمةٌ للإضافة فلا تنفكُّ عنها بحالٍ، فتارة تضاف إلى المفرد،
وتارةً إلى الجملة الاسمية أو الفعلية، وقلَّما تخلو عن ((من)). وفيها لغتان: الإعراب
- وهي لغة قيس - والبناء، وهي اللغةُ المشهورة، وسببهُ شَبَهُها بالحرف في لزوم
استعمالٍ واحدٍ وامتناع الإخبار بها، بخلاف ((عند)) و(«لدى))؛ فإنهما لا يلزمان
استعمالاً واحداً؛ إذ يكونان فضلةً وعُمدة، وغايةً وغيرَ غاية. قيل: ولقوَّة هذا الشَّبَه
لا تعرب إذا أضيفت في المشهور.
واللغتان المذكورتان من الإعراب والبناء مختصَّان بـ ((لَدُن)) المفتوحةِ اللَّام
المضمومة الدَّال الواقع آخرها نون، وأمَّا بقية لغاتها فإنها فيها مبنية عند جميع
العرب، وفيها لغات، المشهورةُ منها ما تقدَّم، ولَدَن ولَدِن بفتح الدال وكسرها، ولَدْن
ولُذْن بفتح اللام وضمها مع سكون الدال، ولَهُ (١) بفتح اللام وضمِّ الدال، و[لَتْ]
بإبدال الدال تاءً ساكنة، ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وَجَب ردُّ النون.
﴿رَحْمَةٌ﴾ مفعول لـ ((هَبْ)) وتنوينُه للتفخيم، والمرادُ بالرحمة الإحسان والإنعام
مطلقاً، وقيل: الإنعام المخصوص، وهو التوفيق للثبات على الحقِّ، وفي سؤال
ذلك بلفظ ((الهبة)) إشارةٌ إلى أن ذلك منه تعالى تفضُّلٌ مَحْضٌ من غير شائبةٍ وجوبٍ
عليه عزَّ شأنه، وتأخيرُ المفعول الصريح للتشويق.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴾﴾ تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول، و((أنت)) إمّا مبتدأ،
أو فصل، أو تأكيد لاسم ((إنَّ)). وحذف المعمول لإفادة العموم، كما في قولهم:
فلان يعطي. واختيار صيغة المبالَغة على ((فعَّال)) قيل: لمناسَبةِ رؤوسِ الآي.
﴿رَّآَ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ أي: المكلَّفين وغيرهم ﴿لِيَّوْرٍ﴾ أي: لحسابٍ يومٍ،
أو: لجزاءٍ يوم، فحذِف المضافُ وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلاً لما يقع فيه.
وقيل: اللام بمعنى ((إلى)) أي: جامِعُهم في القبور إلى يوم.
(١) في الأصل و(م): لدن، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الدر المصون ٣٤/٣،
والكلام وما سیأتي بین حاصرتین منه.

الآية : ٩
٤٥
سُوْدَةُ العَزَانَ
﴿لَّا رَيّبَ فِيهٍ﴾ أي: لا ينبغي أن يُرتاب في وقوعه ووقوعٍ ما فيه من الحشر
والحساب والجزاء. وقيل: الضمير المجرور للحُكم، أي: لاريب في هذا الحكم،
فالجملة على الأول صفةٌ ليوم، وعلى الثاني لتأكيد الحكم. ومقصودُهم من هذا
- كما قال غيرُ واحد - عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرَّحمة، وأنها المقصد الأسنى
عندهم. والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوَّةِ اليقين بأحوال الآخرة
لمزيد الرَّغبة في استنزال طائر الإجابة. وقرئ: ((جامعٌ الناسَ)) بالتنوين(١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِعَادَ ﴾﴾ تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكِّدة، أو لانتفاء
الرَّيب. وقيل: تأكيد بعد تأكيد للحكم السَّابق. وإظهارُ الاسم الجليل مع
الالتفات؛ للإشارة إلى تعظيم الموعود، والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب
الهائل، وللإشعار بعلَّة الحكم، فإن الألوهية منافية للإخلاف، وهذا بخلاف ما في
آخر السورة، حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لِمَا أنَّ مقامه مقامُ طلبِ الإنعام.
وقال الكرخي: الفرق بينهما أنَّ ما هنا متصلٌ بما قبله اتصالاً لفظيًّا فقط،
وما في الآخِرِ متَّصلٌ اتصالاً معنوياً ولفظيّاً، لتقدُّم لفظ الوعد.
وجوِّز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام
الراسخين، فلا التفاتَ حينئذٍ، قال السفاقسي: وهو الظاهر.
و((الميعاد)» مصدر ميمي بمعنى الحَدث لا بمعنى الزمان والمكان، وهو اللائق
بمفعولية ((يخلف))، وياؤه منقلبة عن واوٍ لانكسار ما قبلها .
واستَدَلَّ بها الوعيديةُ(٢) على وجوب العقاب للعاصي عليه تعالى وإلا يلزم الخُلف.
وأجيب عنه بأن وعيد الفسَّاق مشروط بعدم العفو بدلائل منفصلة، كما هو
مشروط بعدم التوبة وفاقاً. وقيل: هو إنشاء فلا يلزم محذورٌ في تخلّفه. وقيل:
ما في الآية ليس محلًّا للنزاع؛ لأن الميعاد فيه مصدرٌ بمعنى الوعد، ولا يلزم من
عدم خلف الوعد عدمُ خلف الوعيد؛ لأن الأول مقتضى الكرم كما قال:
وإني إذا أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتِهُ لَمَخْلِفُ إيعادي ومُنجزُ موعدي(٣)
(١) القراءات الشاذة ص١٩ عن الحسن ومسلم بن جندب.
(٢) وهم المعتزلة القائلون بوجوب الثواب والعقاب. حاشية الشهاب ٨/٣.
(٣) البيت لعامر بن الطفيل، وهو في ديوانه ص٩٤.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٤٦
التفسير الإشاري (١-٩)
واعتُرض بأن الوعيد الذي هو محلُّ النزاع داخلٌ تحتَ الوعد بدليل قوله
تعالى: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعُدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤].
وأجيب بأنَّا لا نسلِّم الدخول، والآيةُ من باب التهكم، فهي على حدٍّ:
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
واعتُرض أيضاً بأنَّ كون الخُلف في الإيعاد مقتضى الكرم لا يجوِّز الخُلفَ
على الله تعالى؛ لأنه يلزم حينئذٍ صحَّةُ أن يُسَمَّى اللهُ تعالى مكذِّبَ نفسِه، وهو
مما لا يقدم عليه أحدٌ من المسلمين. وأجيب عنه بما تَرْكُه أَصْوَبُ مِن ذِكْره، فالحقُّ
الرجوعُ إلى الجواب الأول.
تقدَّم الكلام عليه، وذكر بعضُ
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿أَمْ﴾
ساداتنا فيه: أنه أُشير به إلى كلِّ الوجود من حيث هو كلّ؛ لأن ((أ)) إشارة إلى
الذَّات الذي هو أول الوجود، وهو مرتبة الإطلاق، و((ل)) إلى العقل المسمَّى
بجبريل الذي هو وسط الوجود، الذي يَستفيض من المبدأ ويُفيض إلى المنتهى،
و(م) إلى محمد ◌َّهِ الذي هو آخِرُ الوجود، وبه تتمُّ دائرتُه، ولهذا كان الختم.
وقال بعضهم: إن ((ل)) ركِّبت من أَلِفَيْن، أي: وضعت بإزَاء الذَّات مع صفة
العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا إليها، فهو اسم من
أسمائه تعالى، وأما ((م) فهي إشارة إلى الذَّات مع جميع الصِّفات والأفعال التي
احتَجَبت بها في الصورة المحمَّدية، التي هي اسمُ الله تعالى الأعظم، بحيث
لا يَعرِفها إلا مَن يعرفها، ألا ترى أنّ((أ)) التي هي لصورة الذَّات كيف احتجبت
فيها، فإن الميم فيها الياء وفي الياء ألف.
ولتضمُّن ((ألم)) الإشارةَ إلى مراتب الوجود والحقيقة المحمَّدية ناسَب أن تفتتح
بها هذه الآياتُ المتضمِّنة للرَّدِّ على النَّصَارى الذين أخطؤوا في التوحيد، ولم
يَعرفوه على وجهه، ولهذا أَردفه سبحانه بقوله: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ إذ لا موجودَ
في سائر العوالم حقيقةً إلا هو، إذ لا أحدَ أَغْيَرُ من الله تعالى جلَّ جلالهُ ﴿آلْحَىُّ﴾
أي: المَّصف بالحياة الكامِلة على وجهٍ يليق بذاته ﴿الْقَيُّمُ﴾ القائم بتدبير الأعيان
الثابتة بظهوره فيها حسب استعدادِها الأزلي الغير المجعول.

٤٧
سُورَةُ آلعمران
التفسير الإشاري (١-٩)
﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾ وهو: العِلْمُ المفيد لمقام الجمع، وهو التوحيد الذي تفنى
فيه الكثرةُ، ولا يشاهَد فيه التعدُّد متلبِّساً بالحقِّ، وهو الثابت الذي لا يَعتريه تغيُّرٌ في
ذاته ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةٌ﴾ من التوحيد الأول الأزلي السَّابق، المعلوم في العهد
الأول، المخزون في غَيبِ الاستعداد ﴿وَأَنَزَّلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنِلَ (ج مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾
إلى معالم التوحيد ﴿وَأَلَ اٌلْقُرْقَانَ﴾ وهو التوحيد التفصيليُّ الذي هو الحقُّ باعتبار
الفَرْق، وهو منشأُ الاستقامة ومبدأ الدعوة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: احتَجَبوا عن هذين التوحيدين بالمَظَاهر والأكوان
ورؤيةِ الأغيار، ولم يؤمنوا ﴿يِّيَتِ اللَّهِ﴾ تعالى الدالة على أنَّ له سبحانه رتبةً
الإطلاق، وله الظهور والتجلِّي بما شاء ﴿لَمُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في البُعد والحرمان عن
حظائر العرفان ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ قاهر ﴿ذُو أَنِقَاءٍ﴾ شديدٍ بمقتضى صفاتِه الجلالية.
﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ﴾ في أرحام الوجود﴿كَيْفَ يَتَآءُ﴾ لأنكم المظاهر لأسمائه
والمجلِّي لذاته ﴿لََّ إِلَهَ﴾ في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ الْغَرِزُ﴾ القاهرُ للأعيان الثابتة،
فلا تَشْمُّ رائحةَ الوجود بنفسها أبداً ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ الذي يُظهرُها بوجوده الحقِّ، ويتجلَّى
بها حسبما تقتضيه الحكمةُ.
﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾ متنوِّعاً في الظهور ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَكُ﴾ أُحكمت مِن
أن يتطرَّق إليها الاحتمالُ والاشتباه، فلا تحتمل إلا معنّى واحداً ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾
والأصلُ ﴿وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتَّ﴾ تحتمل معنيين فأكثر، ويقعُ فيها الاشتباهُ؛ وذلك أنَّ
الحقَّ تعالى له وجهٌ واحدٌ وهو المطلَقُ الباقي بعد فناء خَلْقِهِ، لا يَحتملُ التكتُّر من
ذلك الوجه، وله وجوه متكثِّرة بحسب المرايا والمَظَاهر بها يقع الاشتباه، فوَرَد
التنزيلُ كذلك.
﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ أي: ميلٌ عن الحقِّ ﴿فَيَقَّعُونَ مَا تَشَبَهَ﴾ الاحتجابِهم
بالكثرة عن الوحدة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي يرجع إليه إلا اللهُ، ويعلمه الراسخون
في العلم الذين لم يَحتجبوا بأحدِ الأمرين عن الآخر، بعلمه الذي مُنحوه بواسطة
قُرَبِ النوافل، لا بالعلم الفكريِّ الحاصل بواسطة الأقيسة المنطقية؛ وبهذا يحصل
الجمعُ بين الوقف على ﴿إِلَّا اللهُ﴾ والوقف على ﴿وَالرَّسِخُونَ﴾.
﴿وَمَا يَذَّكَرُ﴾ بذلك العلم الواحد المفضَّل في التفاصيل المتشابهة المتكثِّرة ﴿إِلَّ

سُورَةُ العَقْرَانَ
٤٨
الآية : ١٠
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ الذين صَفَتْ عقولُهم بنور الهداية، وتجرَّدت عن قِشْرِ الهوى والعادة.
﴿رَبََّا لَا تُرْ قُلُوبَنَا﴾ بالنظر إلى الأكوان، والاحتجابِ بها عن مُكوِّنها ﴿بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا﴾ بنورك إلى صراطك المستقيم، ومشاهدتك في مراتب الوجود
والمرايا المتعدِّدة ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ﴾ خاصَّةً تَمحو صفاتِنا بصفاتك وظُلماتِنا
بأنوارك ﴿إِّكَ أَنْتَ اٌلْوَهَّابُ﴾ المعطي للقوابل حسب القابليَّات.
﴿رَبَّا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ على اختلاف مراتبهم ﴿لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾، وهو يومُ
الجَمعِ الذي هو الوصولُ إلى مقام الوحدة عند كشف الغطاء، وطلوع شمس العِيان
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لتظهر صفاتُه الجمالية والجلالية، ولذلكَ خَلَق الخلقَ
وتجلَّى للأعيان، فأظهرها كيف شاء.
هذا ثمَّ لمَّا بَيَّن سبحانه الدِّين الحقَّ والتوحيد، وذَكَر أحوالَ الكتبِ الناطقة به،
وشرَح حالَ القرآن العظيم وكيفيةَ إيمان الراسخين به، أَردَف ذلك ببيان حالٍ مَن
كَفَر به بقوله جلَّ شأنُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظاهرُ أنَّ المراد بهم جنسُ الكَفَرة
الشاملُ لجميع الأصناف، وقيل: وفد نجران، أو اليهودُ من قريظة والنضير؛ وحكي
عن ابن عباس رضيها. أو مشركو العرب.
﴿لَنْ تُغْنِى عَنْهُمْ﴾ أي: لن تنفعهم، وقرئ بالتذكيرِ وسكون الياء(١)، وهو من
الجدِّ في استثقال الحركة على حروف اللِّين ﴿أَمْوَلُهُمْ﴾ التي أَعدُّوها لدفع المضارِّ
وجلبِ المصالح ﴿وَلَّ أَوْلَدُهُم﴾ الذين يَتناصرون بهم في الأمور المهمَّة، ويُعوِّلون
عليهم في الملمَّات المدلَهِمَّة. وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف النفي -
كما قال شيخ الإسلام(٢)- إما لعَرَاقتِهم في كشف الكروب، أو لأن الأموالَ أولُ
عدَّةٍ يُفزع إليها عند نزول الخطوب.
﴿مِّنَ اللّهِ﴾ أي: من عذابه تعالى، فـ((من)) لابتداء الغاية كما قال المبرِّد،
وقوله تعالى: ﴿شَيْئًّا﴾ نصب على المصدرية، أي: شيئاً من الإغناء. وجوِّز أن
يكون مفعولاً به؛ لما في ((أغنى)) من معنى الدفع، و((مِن)) للتبعيض، وهي متعلِّقة
(١) القراءات الشاذة ص١٩ عن علي ـ
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٠ .

الآية : ١٠
٤٩
سُورَةُ ال ◌َّهُمْرَانَ
بمحذوف وقع صفة له، إلا أنها قدِّمت عليه فصارت حالاً. وأن يكون
مفعولاً ثانياً، بناءً على أنَّ معنى أغنى عنه: كفاه، ولا يخفى ما فيه.
وقال أبو عبيدة (١): ((من)) هنا بمعنى عند، وهو ضعيف.
وقال غيرُ واحدٍ: هي بدليةٌ مثلها في قوله:
مبرَّدةً باتت على طَهَيان(٢)
فليت لنا من ماءِ زمزمَ شَربةٌ
ومن ذلك قوله وَله: ((ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ»(٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ
◌َجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَةً فِ الْأَرْضِ﴾ [الزخرف: ٦٠] والمعنى: لن تغني عنهم بدلَ رحمة الله
تعالى - أو بدلَ طاعته سبحانه - أموالُهم ولا أولادُهم.
ونَفَى ذلك سبحانه مع أنَّ احتمالَ سدِّ أموالِهم وأولادهم مسدَّ رحمةِ الله تعالى
وطاعته عزَّ شأنُه مما يَبعد، بل لا يَكادُ يَخطرُ بيالٍ حتى يتصدَّى لنفيه، إشارةً إلى أن
هؤلاء الكفار قد أَلْهتهم أموالُهم وأولادهم عن الله تعالى والنظرِ فيما ينبغي له، إلى
حيثُ يخيَّل للرائي أنهم ممن يَعتقد أنها تسدُّ مسدّ رحمة الله تعالى وطاعته، وقريبٌ
من ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَقْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُرْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧].
واعتُرض بأن أكثرَ النحاةِ - كما في ((البحر))(٤) - ينكرون إثباتَ البدلية لـ ((مِن))،
مع أنَّ الأول هو الأليقُ في الظاهر بتهويل أمر الكَفَرة، والأنسبُ بقوله تعالى:
﴿وَأُوْلَكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ وكذا بما بعدُ.
والوَقود بفتح الواو، وهي قراءة الجمهور: الحطبُ، أي: أولئك المتَّصفون
بالكفر، المبعَدون عن عزِّ الحضور، حطبُ النار التي تُسَغَّر به لكفرهم.
وقيل: الوَقود بالفتح لغةٌ في الوُقود بالضم - وبه قرأ الحسن(٥) - مصدرٌ بمعنى
(١) في مجاز القرآن ٨٦/١.
(٢) البيت ليعْلَى الأحول الأَزْدي كما في الأغاني ١٤٧/٢٢، والخزانة ٢٧٦/٥ و٤٥٣/٩،
ونسبه ياقوت في معجم البلدان ٥٢/٤ للأحول الكندي، قال البغدادي: هذا خلاف ما عليه
الرواة؛ فإنهم قالوا: إن البيت آخر قصيدة ليعلى الأزدي. وطهيان: جبل.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) عن المغيرة بن شعبة
وأخرجه أحمد (١١٨٢٨)، ومسلم (٤٧٧) عن أبي سعيد الخدري ـ
(٤) ٣٨٨/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٨/١، وهي في القراءت الشاذة ص١٩ عن طلحة بن مصرف.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٥٠
الآية : ١١
الإيقاد، فيقدَّر حينئذٍ مضاف، أي: أهل وقودِها. والأول هو الصحيح.
وإيثارُ الجملة الاسمية للدلالة على تحقّق الأمر وتقرُّرِهِ، أو للإيذان بأنَّ حقيقة
حالِهم ذلك، وأنهم في حال كونهم في الدنيا وقودُ النار بأعيانهم، وهي إما مستأنفةٌ
مقرِّرةٌ لعدم الإغناء، أو معطوفة على الجملة الأولى الواقعة خبراً لـ ((إنَّ)، و((هم))
یحتملُ أن یکون مبتدأ، ویحتمل أن یکون فصلاً .
﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ الدابُ: العادةُ والشأن، وأصلُه مِن دَأَب في الشيء
دأباً ودؤوباً: إذا اجتهد فيه وبالغَ، أي: حالُ هؤلاء في الكفر واستحقاقِ العذاب
كحالٍ آل فرعون، فالجارُّ والمجرور خبرٌ لمبتدأ محذوف، والجملة منفصلة عمَّا
قبلها مستأنَفَةٌ استئنافاً بيانياً، بتقدير: ما سبب هذا؟ على ما قاله بعضُ المحققين.
ومن الناس مَن جوَّز أن يكون الجارُّ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ ((تغني))،
أي: إغناءً كائناً كعَدَمِ إغناءٍ، أوبـ ((وقود)»، أي: توقدُ بهم كما توقد بأولئك.
ولا يَخْفَى ما في الوجهين :
أما الأول: فقد قال فيه أبو حيان(١): إنه ضعيف؛ للفصل بين العامل
والمعمول بالجملة التي هي: ((وأولئك .. )) إلخ إذا قدِّرت معطوفة، فإن قدِّرت
استئنافیة ۔ وهو بعیدٌ - جاز.
وأما الثاني: فقد اعترضه الحلبي(٢): بأن ((الوَقود)» على المشهور الأظهرُ فيه
[أنه] اسمٌ لِمَا يوقَد به، وإذا كان اسماً فلا عمل له، فإن قيل: إنه مصدر - كما في
قراءة الحسن - صحَّ، لكنه لم يصحّ.
وأُورد عليهما معاً أنهما خلاف الظاهر؛ لأن المذكور في تفسير ((الدأب)) إنما هو
التكذيب والأخذ، من غير تعرُّض لعدم الإغناء - لا سيَّما على تقدير كون ((مِن))
بدلية - ولا لإيقاد النار، فليفهم.
﴿وَأَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم كفار الأمم الماضية، فالضمير لآل فرعون، وقيل:
لـ ((الذين كفروا)) والمراد بالموصول مُعاصِرو رسولِ الله ◌َله.
(١) في البحر ٣٨٩/٢.
(٢) في الدر المصون ٣٨/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ١٢
٥١
سُورَةُ الْعَبْرَانَ
﴿كَذَّبُواْ بِثَايَكِنَا﴾ تفسير لدأبهم الذي فعلوا على سبيل الاستئناف البياني،
والمراد بالآيات إما المتلوّة في كُتب الله تعالى، أو العلامات الدالّة على توحيد الله
تعالى وصدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تفسير لدأبهم الذي فُعِلَ بهم، أي: فعاقَبَهم اللهُ تعالى، ولم
يجدوا من بأس اللهِ تعالى مَحيصاً.
وقيل: إن جملة ((كذَّبوا .. )) إلخ في حيِّز النصب على الحال من ((آل فرعون
والذين من قبلهم)) بإضمار ((قد)). ويجوز- على بُعدٍ - أن تكون في حيِّز الرفع على
أنها خبرٌ عن ((الذين)). والالتفاتُ للتكلُّم أولاً في (آياتنا)) للجري على سَنَن الكبرياء،
وإلى الغيبة ثانياً بإظهار الجلالة؛ لتربية المهابة وإدخال الرَّوعة.
﴿يُذُنُرٌِ﴾ أي: بسببها، أو متلبّسين بها غير تائبين، والمراد من الذنوب - على
الأول - التكذيبُ بالآيات المتعددة، وجيء بالسببية تأكيداً لِمَا تفيده الفاء، وعلى
الثاني سائرُ الذنوب، وفي ذلك إشارةٌ إلى أن لهم ذُنوباً أُخَر. وأصلُ الذَّنْبِ: التِّلْوُ
والتابع، ثم أُطلق على الجريمة لأنها يتلو - أي: يتبع - عقابُها فاعلَها.
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾﴾ لمن كفرَ بآياته، والجملة تذييل مقرِّرةٌ لمضمون
ما قَبْلَها من الأخذ.
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ روى أبو صالح عن ابن عباس ﴿يَا: أنَّ يهودَ
أهل المدينة قالوا لمَّا هزَم اللهُ تعالى المشركين يوم بدر: هذا واللهِ النبيُّ الأميُّ الذي
بِشَّرَنا به موسى عليه الصلاة والسلام، ونجدُه في كتابنا بنعتِهِ وصفته، وأنه لا يُردُّ له
رايةٌ، وأرادوا تصديقَه واتِّباعه، ثم قال بعضُهم لبعض: لا تعجَلوا حتى تنظروا إلى
وقعةٍ له أُخرى، فلمَّا كان يومُ أحدٍ ونُكِب أصحاب رسول الله وَّةِ، شكُوا وقالوا:
لا واللهِ ما هو به، وغَلَب عليهم الشقاءُ فلم يُسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله وَّه
عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهدَ، وانطلق كعبُ بن الأشرف في ستين راكباً إلى
أهل مكة أبي سفيان وأصحابِه، فوافقوهم وأجمعوا أمَرهم وقالوا: لتكونَنَّ كلمتنا
واحدةً. ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وابن اسحاق والبيهقيُّ عن ابن عباس ﴿يَا أيضاً: أن
رسول الله وَ﴿ لمَّا أَصاب ما أصاب من بدرٍ ورجع إلى المدينة، جمع اليهودَ في

سُورَةُ الِ غْرَانَ
٥٢
الآية : ١٢
سوق بني قينقاع، وقال: ((يا معشرَ يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم اللهُ تعالى بما أصاب
قريشاً)) فقالوا: يا محمد، لا يغرنَّك من نفسك أنْ قتلتَ نفراً من قريش كانوا أغماراً
لا يَعرِفون القتالَ، إنك واللهِ لو قاتَلْتنا لعرفت أنَّا نحنُ الناس وأنك لم تكن مثلنا.
فأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لَّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(١).
فالمرادُ من الموصولِ اليهود، والسينُ لقُرْبِ الوقوع، أي: تُغلبون عن قريب،
وأريد منه: في الدنيا، وقد صدَق اللهُ تعالى وعدَه رسولَه وَّ فقتل - كما قيل -
من بني قريظة في يومٍ واحد ستُّ مئةٍ جَمَعهم في سوق بني قينقاع، وأمر السَّياف
بضرْبٍ أعناقهم، وأمّر بحفر حفيرة ورميهم فيها، وأجلى بني النضير، وفتح خيبر
وضرَب الجزيةَ عليهم، وهذا من أوضح شواهد النبوّةِ.
﴿وَتُحْتَرُونَ﴾ عطف على ((ستغلبون))، والمراد: في الآخرة ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وهي
غايةٌ حشرِهم ومنتهاه، فـ ((إلى)) على معناها المتبادِر. وقيل: بمعنى ((في))،
والمعنى: أنهم يُجمَعون فيها. والآية كالتوكيد لِمَا قبلها؛ فإنَّ الغَلَبة تحصل بعدم
الانتفاع بالأموال والأولاد، والحشرُ إلى جهنم مبدأُ كونهم وقوداً لها .
وقرأ أهل الكوفة غير عاصم: ((سيغلبون ويحشرون)) بالياء، والباقون بالتاء(٢)،
وفّرِّق بين القراءتين بأن المعنى على تقدير تاء الخطاب: أَمْرُ النبيِّ وَلِّ أن يُخبرهم
من عند نفسه بمضمون الكلام، حتى لو كذَّبوا كان التكذيب راجعاً إليه، وعلى
تقدير ياء الغيبة: أمره بأن يؤدِّي ما أخبر الله تعالى به من الحكم بأنهم سيغلبون،
بحيث لو كَذَّبوا كان التكذيب راجعاً إلى الله تعالى.
وقوله سبحانه: ﴿وَيِفْسَ الْمِهَادُ ﴾﴾ إمَّا من تمام ما يقال لهم، أو استئنافٌ
لتهويل جهنم وتفظيع حالِ أهلها. ومهاد: كفِرَاش لفظاً ومعنّى، والمخصوص بالذمِّ
مقدَّرٌ وهو: جهنم، أو ما مَهَدوه لأنفسهم.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ من تتمة القول المأمور به، جيء به لتقرير مضمون ما قبله
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧، وتفسير الطبري ٢٣٩/٥ - ٢٤٠، ودلائل النبوة للبيهقي ١٧٣/٣ -
١٧٤، وأخرجه أيضاً أبو داود (٣٠٠١).
(٢) وهي قراءة خلف من العشرة. التيسير ص٨٦، والنشر ٢٣٨/٢.

الآية : ١٣
٥٣
سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
وتحقيقِه، والخطاب لليهود أيضاً، واختاره شيخ الإسلام(١)، وذهب إليه البلخي،
أي: قد كان لكم أيها اليهودُ المغترُّون بعُددهم وعَددهم ﴿َايَةٌ ﴾ أي: علامةٌ عظيمةٌ
دالَّةٌ على صدق ما أقول لكم أنكم ستغلبون ﴿فِى فِئَتَبِنِ﴾ أي: فرقتين أو جماعتين من
الناس، كانت المغلوبةُ منهما مُدِلَّةً بكثرتها معجَبةً بعِزَّتها، فأصابها ما أصابها ﴿اَلْتَقَتَّ﴾
يومَ بدرٍ ﴿فِئَةٌ تُقَدِلُ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾ فهي في أعلى درجات الإيمان، ولم يقل:
مؤمنةٌ؛ مدحاً لهم بما يَليقُ بالمقام، ورمزاً إلى الاعتداد بقتالهم، وقرئ: ((يقاتل)) على
تأويل الفئة بالقوم أو الفريق(٢) ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ بالله تعالى، فهي أبعدُ من أن تقاتل
في سبيله، وإنما لم توصف بما يقابل صفةً الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة
الاعتبار، وإيذاناً بأنه لم يتصدّوا له لِمَا عراهم من الهيبة والوَجَل.
و((كان)) ناقصة، وعليه جمهورُ المعرِبين، و(«آيَةٌ)) اسمها، وترك التأنيث في الفعل
لأن المرفوع غيرُ حقيقيٌّ التأنيث، ولأنه مفصولٌ، لأن الآية والدليل بمعنى. وفي
الخبر وجهان: أحدهما: ((لكم))، و((في فئتين)) نعت لـ ((آية)). والثاني أن الخبر هو هذا
النعت، و((لكم)) متعلّق بـ ((كان)) على رأي مَن يرى ذلك. وجوِّز أن يكون ((لكم)) في
موضع نصبٍ على الحال، وقد تقدَّم مراراً أن وصف النكرة إذا قدِّم عليها كان حالاً .
و(التقتا)) في حيِّز الجرِّ نعتٌ لـ ((فئتين))، و((فئةٌ)) خبرٌ لمحذوف، أي:
إحداهما فئة، و((أخرى)) نعت لمقدَّر، أي: وفئة أخرى. والجملة مستأنفة لتقرير
ما في الفئتين من الآية.
وقيل: ((فئة)) وما عُطف عليها بدلٌ من الضمير في ((التقتا))، وما بعدهما صفة،
فلا بدَّ من ضمير محذوفٍ عائد إلى المبدَل منه، مسوِّغ لوصف البدل بالجملة
العارية عن ضمير، أي: فئة منهما تقاتل إلخ. وجوِّز أن يكون كلٌّ من المتعاطفين
مبتدأً وما بعدهما خبر، أي: فئة منهما تقاتل إلخ، وفئة أخرى كافرة. وقيل: كلٌّ
منهما مبتدأ محذوف الخبرِ، أي: منهما فئة إلخ.
وقرئ: ((فئةً)) ((وأخرى كافرةً» بالنصب فيهما (٣)، وهو على المدح في الأولى
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٢.
(٢) البحر ٣٩٥/٢ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٩، والبحر ٣٩٤/٢.

سُورَةُ الْعَمْرَانَ
٥٤
الآية : ١٣
والذم في الثانية. وقيل: على الاختصاص، واعترضه أبو حيان(١): بأن المنصوب
عليه لا يكون نكرة؟ وأجيب: بأن القائل لم يعنِ الاختصاصَ المبوَّب له في النحو
كما في: ((نحنُ معاشرَ الأنبياءِ لا نُورث))(٢) وإنما على النصب بإضمار فعلٍ لائقٍ،
وأهلُ البيان يسمُّون هذا النحو اختصاصاً كما قاله الحلبي(٣). وجوِّز أن يكونا
حالَيْن، كأنه قيل: التقتا مؤمنةً وكافرةً، و((فئة)) و((أخرى)) على هذا توطئةٌ للحال.
وقرئ بالجرِّ فيهما(٤) على البدلية من ((فئتين)) بَدَلَ بعضٍ من كلِّ، والضمير
العائد إلى المبدل منه مقدَّر على نحو ما مرَّ، ويسمَّى بدلاً تفصيليًّا كما في قوله:
ورجلٍ رماها صائب الحَدثَان(٥)
و کنت کذي رجلین رجلٍ صحيحة
وقوله سبحانه: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾ في حيِّز الرفع صفة للفئة الأخيرة، أو
مستأنفة مبيّنة لكيفية الآية. والمراد كما قال السدي: ترى الفئةُ الأخيرة الكافرةُ الفئةَ
الأولى المؤمنةَ مِثْلَيْ عددِ الرَّائِين، وقد كانوا تسعَ مئةٍ وخمسين مقاتلاً كلُّهم شاکُو
السِّلاح.
وعن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهه وابنٍ مسعود: كانوا ألفاً، وسقفُ بيت حَلِّهم
ورَبْطِهم عتبة بنُ ربيعة بن عبد شمس، وفيهم من صناديد قريش ورؤساء الضلال
أبو جهل وأبو سفيان وغيرُهما، ومن الإبل والخيل سبعُ مئةٍ بعير ومئة فرس.
روى محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس(٦) أنه قال: أسر المشركون
رجلاً من المسلمين، فسألوه: كم كنتم؟ قال: ثلاثَ مئة وبضعةَ عشر، قالوا: ما كنا
نراكم إلا تضعفون علينا! وأرادوا ألفاً وتسع مئة، وهو المراد من ((يَرونَهم مِثْلَيهم)).
(١) في البحر ٢/ ٣٩٤.
(٢) سلف ٢/ ٢٨٧.
(٣) في الدر المصون ٤٦/٣.
(٤) القراءات الشاذة ص١٩، والبحر ٣٩٣/٢.
(٥) البيت ليزيد بن مفرِّغ الحميري، وهو في ديوانه ص ١٥٥، وتفسير الطبري ٢٤٣/٥، ونسبه
أبو زيد في النوادر ص ١٠، والبطليوسي في الحلل ص٢٨ للنجاشي.
(٦) في الأصل و(م): محمد بن الفرات عن سعيد بن أوس، والصواب ما أثبتناه، ينظر الجرح
والتعديل ٦١/٨، وتهذيب الكمال ٢٥١/١٠-٢٥٢، وتفسير أبي السعود ١٣/٢، وعنه نقل
المصنف.

الآية : ١٣
٥٥
سُورَةُ الْ عَنْرَانَ
وزعم الفرَّاء(١): أنه يحتمل إرادةَ ثلاثة أمثالهِم؛ لأنك إذا قلت: عندي ألفٌ
وأحتاجُ إلى مثلَيْها، فإنما تريد: إلى ألفين مضافين إليها، لا بدلاً منها، فهم كانوا
يَرونهم ثلاثةَ أمثالهم. وأنكر هذا الوجهَ الزجَّاجُ(٢) لمخالفته لظاهر الكلام.
أو مثلي عدد المرئيين، أي: ستَّ مئة ونيفاً وعشرين، حيث كانوا عدَّة
المرسلين، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومئتان وستة وثلاثون من الأنصار،
وكان صاحبَ لواء رسولِ الله وَّهِ والمهاجرين عليٍّ الكرَّارُ كرَّم الله تعالى وجهه،
وصاحبَ راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان معهم من الإبل سبعون بعيراً، ومن
الخيل فَرَسان: فرسٌ للمقداد بن عمرو، وفرسٌ لمرثد بن أبي مرثد، ومن السِّلاح
ستُّ أذرُعِ وثمانيةُ سيوف، وكان أكثرُهم رَجَّالةً، واستُشهد منهم يومئذٍ أربعة عشر
رجلاً: سَتّةٌ من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقد مرَّت إليه الإشارةُ(٣).
وإنما أراهم اللهُ تعالى كذلك - مع أنهم ليسوا كذلك - ليَهَابوهم ويَجْبنُوا عن
قتالهم، وهو نوعٌ من التأييد والمدد المعنوي، وكان ذلك عند تَدَاني الفئتين، بعد
أن قلَّلهم اللهُ تعالى في أعينهم عند الترائي ليجترؤوا عليهم، ولا يرهبوا فيهرُبوا
حیث ینفع الهربُ.
وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أن المراد: ترى الفئةُ المؤمنة الفئةَ الكافرة مثلي
أنفسِهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم؛ ليثبتوا ويطمئنُّوا بالنصر الموعود في قوله تعالى:
﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّنَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْتَتَيْنَّ﴾ [الأنفال: ٦٦].
قال شيخ الإسلام مولانا مفتي الديار الرومية(٤): والأول هو أولى؛ لأن رؤية
المثلين غير متعيِّنةٍ من جانب المؤمنين، بل قد وقعت رؤية المثل بل وأقل منه
أيضاً، فإنه روي أنَّ ابن مسعود وظُبه قال: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون
علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً(٥).
(١) في معاني القرآن ١٩٤/١.
(٢) في معاني القرآن ٣٨١/١-٣٨٢.
(٣) ٤٧/٣ و٣٦٠.
(٤) هو أبو السعود في تفسيره ١٣/٢.
(٥) أخرجه الطبري ٢٤٥/٥ .

سُورَةُ العَيْرَانَ
٥٦
الآية : ١٣
ثم قلَّلهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقلّ من أنفسهم،
قال ابن مسعود ربه: لقد قلِّلوا في أعيننا يومَ بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي:
تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة، فأسرنا منهم رجلاً، فقلنا: كم كنتم؟ قال:
ألفاً (١). فلو أريد رؤيةُ المؤمنين المشركين أقلَّ من عددهم في نفس الأمر - كما في
((الأنفال)) - لكانت رؤيتهم إياهم أقلّ من أنفسهم أحقَّ بالذكر في كونها آيةً من
رؤيتهم مثليهم، على أنَّ إبانة آثار قدرة الله تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل
كثيراً والضعيفَ قويّاً، وإلقاء الرُّعب في قلوبِهِم بسبب ذلك، أَدْخَلُ في كونها آيةً
لهم وحجةً عليهم، وأقربُ إلى اعتراف المخاطَبين بذلك؛ لكثرة مخالطتهم للكَفَرة
المشاهِدِينَ للحال، وكذا تعلُّق الفعل بالفاعل أشدُّ من تعلُّقه بالمفعول، فجَعْلُ أقربٍ
المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً - سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة -
أولی من العکس. انتهى.
ويمكن أن يُقال من طَرَف الجمهور الذَّاهبين إلى أن المراد رؤيةُ المؤمنين
المشركين مثلَي أنفسهم: بأنه التفسير المأثور عن ابن مسعود تظله، ولا نسلِّم أن
رؤيتهم إياهم أقلّ من أنفسهم أحقُّ بالذِّكر في كونها آيةً من رؤيتهم مثليهم؛ لجواز
أن تكون الآيةُ والعلامة لليهود على أنهم سيُغلبون قتالَ المؤمنين لهؤلاء المشركين
وغلبتهم عليهم مع وجود السبب العادي للجُبن، وهو رؤيةُ المؤمنين إياهم أكثرَ من
أنفسهم وأوفرَ من عددهم، فكأنه قيل: يا معشر اليهود تحقَّقوا قتالَ المسلمين لكم
وغلبتَهم عليكم ولا تغترُّوا بعلمهم بقلَّتهم وكثرتكم، فإنهم يُقْدِمون على قتال مَن
يرونه أكثر منهم عدداً، ولا يَجْبُنون ولا يَهابون ويَنتصرون، فما ذاك إلا لأنَّ اللهَ
تعالى قد مَلاَ قلوبَهم إيماناً وشدَّةً على مَن خالفهم، وأحاطَهم بتأييده ونَصرِهِ،
ووعدهم الوعدَ الجميل.
لا يقال: إن الأوفقَ لهذا الغرض أن يرى المؤمنون المشركين على ما هم عليه
من كون المشركين ثلاثة أمثالهم، أو يرونهم أكثرَ من ذلك؛ لأن إقدامهم حينئذٍ على
قتالهم أدلُّ على سبب الغلبة على اليهود.
لأنَّا نقول: نَعم، الأمر كما ذُكر، إلا أن هذه الرؤية لوفائها بالمقصود مع
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧٤، والطبري ٢٥١/٥.

الآية : ١٣
٥٧
سُورَةُ آلِ ◌ّعْرَانَ
تضمُّنها مدحَ المؤمنين بالثبات الناشئ من قوة الإيمان بالنصر الموعود آخِراً بقوله
تعالى: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِنَنَيْنَّ﴾ [الأنفال: ٦٦]اختيرت على ما ليس
فيها إلا أمرٌ واحدٌ غير متضمِّن لذلك المدح المخصوص، وعلى هذا لا يُحتاج إلى
التزام كون التثنية مجازاً عن التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَجِعِ الْصَرَ كَرَِّ﴾
[الملك: ٤ ]ولا إلى القول بأن ضمير ((مثليهم)) راجعٌ إلى الفئة الأخيرة، أي: ترى
الفئة المؤمنة الفئةَ الكافرة مثلي عدد الفئة الكافرة، أعني: قريباً من ألفين، وإن
ذهب إلى ذلك البعض.
ويَرِدُ أيضاً على قوله: على أن إبانة .. إلخ، بعد تسليم أن الإراءةَ نفسها كانت
هي الآيةُ: أنَّ إراءة القليل كثيراً لم تقع لليهود المخاطَبين بصدرِ الآية، لتكون إبانةٌ
آثارٍ قدرته تعالى بذلك أدخلَ في كونها آيةً لهم وحجَّةٌ علیھم، وکون ذلك أقربَ
الاعترافهم لكثرة مخالطتهم الكفرةَ الرائين يتوقفُ على أنَّ الرائين قد أخبروهم بذلك،
وأنهم صدَّقوا به ولم يحملوه على أنه خيِّل لهم لخوفهم بسبب عدم علمهم بالحرب،
والخائف يُخَيَّل إليه أن أشجار البيداء شجعانٌ شاكية، وأُسْدٌ ضارية، وإثبات كلٍّ من
هذه الأمور صعب، على أنَّ فيما روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضيًا -
من أنَّ اليهود قالوا له وَ لّ بعد تلك الوقعة: لا يغرَّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا عِلْمَ
لهم بالحرب فأصبتَ منهم فرصة، ولئن قاتلتَنا لعلمتَ أنا نحنُ الناس(١) - ما يُشعِرُ في
الجملة بأنهم لو أخبروهم بذلك وصدَّقوا لَحملوه على نحو ما ذكرنا .
وما ذَكَرَ من أن تعلُّق الفعل بالفاعل أشدُّ .. إلخ، فمسَلَّم، إلّا أنَّا لا نسلِّم أنه
يستدعي أولويةَ جَعْلِ أولِ المذكورَيْنِ السَّابقَيْنِ فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً من العكس
مطلقاً، بل ذلك إذا لم يكن في العكس معنّى لطيفٌ تَحسُنُ مراعاتُه نظراً للمقام،
وهنا قد كان ذلك، لا سِيَّما وقد سبق مدحُ الفئة الأولى بالمقاتلةِ في سبيل الله
تعالى، وعدل عن مدحهم بالإيمان الذي هو الأساس إليه، ولا شكَّ أن مقاتلتَهم
للمشركين مع رؤيتهم إياهم أكثر من أنفسهم ومثليهم أمدحُ وأمدح كما لا يخفى.
وقرأ نافع ويعقوب: ((تَرَوْنَهم)) بالتاءِ(٢).
(١) سلف ص ٥١-٥٢ من هذا الجزء.
(٢) التيسير ص٨٦، والنشر ٢٣٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر أيضاً.

سُورَةُ العَنْمَانَ
٥٨
الآية : ١٣
واستشكلت - على تقدير كون الخطاب لليهود - بأنهم لم يروا المؤمنين مثلَي
أنفسهم ولا مثلي الكافرين، ولم يروا الكافرين أيضاً مثلي أنفسهم ولا مثلي
المؤمنين.
وأجيب: بأنه يصحُّ أن يقال: إنهم رأوا المؤمنين مثلي أنفسهم أو مثلي
الكافرين على سبيل المجاز، حيث نزّلت رؤية المشركين منزلةً رؤيتهم؛ لِمَا بينهم
من الاتحاد في الكفروالاتفاق في الكلمة، لا سِيَّما بعدما وقع بينهم بواسطة كعب بن
الأشرف من العهد والميثاق، فأسندت الرؤية إليهم مبالغةً في البيان، وتحقيقاً
العُروضٍٍ مثلٍ تلك الحالة لهم.
وكذا يصحُّ أن يقال: إنهم رأوا حقيقةً الكافرين مثلي المؤمنين، وتُحمل الرؤية
على العلم والاعتقاد الناشئ عن الشهرة والتواتر، ويُلتزم كونُ الآيةِ لهم قتالَ
المؤمنين الكافرين، وغلبةَ الأوَّلين الآخرين مع كونهم أكثر منهم، إلا أنه اقتصر
على أقلِّ اللازم، ويُعلم منه كونُ قتالِ المؤمنين وغلبتهم على الفئة الكافرة مع كونها
ثلاثةَ أمثالهم في نفس الأمر المعلوم لهم أيضاً آيةً من باب أَوْلِى.
ولِمَا في هذين الجوابين - كيفما كان - التزم بعضهم كون الخطاب من أول
الأمر للمشركين؛ ليتَّضح أمرُ هذه القراءة، وأوجب عليه أن يكون قوله سبحانه:
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ خطاباً لهم بعد ذلك، ولا يكون داخلاً تحت الأمر، بناءً على أن
الوعيد كان بوقعة بدرٍ، ولا معنى للاستدلال بها قبل وقوعها، وجعلُ ذلك داخلاً في
مفعول الأمر - إلا أنه عبَّر عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقُّق وقوعه - لا يخلو عن
شيء.
وجَعَل بعضُهم الخطابَ في قراءة نافع للمؤمنين، والتزم كون الخطاب السَّابق
لهم أيضاً على أنه ابتداءُ خطابٍ في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به.
وقيل: إنه لجميع الكفرة.
وقال بعضُ أئمة التحقيق: القول بأن الخطاب عامٌّ للمؤمنين واليهود ومشركي
مكة هو الذي يقتضيه المقامُ؛ لئلا يُقتطع الكلام، ويقعُ التذييلُ بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ
يُؤَيِّدُ﴾ إلخ موقعَ المسكِ في الختام.

الآية : ١٤
٥٩
سُورَةُ العمران
ثم إنَّ مَن عَدَّ التعبير عن جماعة بطريقٍ من الطرق الثلاثة، مع التعبير بعدُ عن
البعض بطريق آخر يخالفُه منها = من الالتفات، قال بوجوده في الآية على بعض
احتمالاتها، ومَن لم يَعُدَّ ذلك منه - كما هو الظاهر - أنكر الالتفاتَ فيها، وبهذا
يجمع بين أقوال الناظرين في الآية من هذه الحيثية، واختلافِهم في وجود الالتفات
وعدمه فيها، فَأَمْعِنِ النظر، فإنه لِمِثْلِ هذا المبحث كلهُ يُدَّخَر.
وقرأ ابن مصرف: (يُرَونهم) على البناء للمفعول بالياء والتاء (١)، أي: يريهم اللهُ
تعالى ذلك بقدرته.
﴿رَأْىَ أَلْعَبْ﴾ مصدر مؤكِّد لـ ((يرونه)) على تقدير جَعْلِها بَصَرِيَّة، فـ((مثليهم))
حينئذٍ حال، ويجوز أن يكون مصدراً تشبيهيّاً على تقديرِ جَعْلِها عِلْمیةً اعتقادية،
أي: رأياً مثلَ رأي العين، فـ ((مثليهم)) حينئذْ مفعولٌ ثانٍ. وقيل: إنَّ((رَأَيَ)) منصوبٌ
على الظرفية، أي: في رَأْي العين.
﴿وَالله﴾ المتَّصفُ بصفات الجمال والجلال ﴿يُؤَيِّدُ﴾ أي: يقوِّي ﴿نَصْرِهِ﴾ أي:
بعونه، وقيل: بحجَّته، وليس بالقوي. ﴿مَن يَشَاءٌ﴾ أن يؤيِّده من غير توسُّطِ الأسباب
المعتادة، كما أيَّد الفئة المقاتلة في سبيله، وهو من تمام القول المأمور به.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من النصر، وقيل: من تلك الرؤية ﴿لَعِبْرَةٌ﴾ أي اتعاظاً
ودلالة، وهي ((فِعْلة)) من العبور- كالرِّكْبة والجِلْسة - وهو: التجاوز، ومنه: عبرتُ
النهرَ، وسمي الاتعاظ عبرةً لأن المتَّعظَ يعْبُر من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى
النجاة. والتنوينُ للتعظيم، أي: عبرةً عظيمةً كائنة ﴿لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ جمع بَصر
بمعنى بصيرة مجازاً أو بمعناه المعروف، أي: لذوي العقول والبصائر، أو لمن
أبصَرهم ورآهم بعيني رأسِه. وهذه الجملةُ إما من تمام الكلام الداخلِ تحت القول
مقرِّرة لِمَا قبلها بطريق التذييل، وإمَّا واردة من جهته تعالى تصديقاً لمقالة رسولِ الله وَلهو.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي كثيراً ما يقع
القتالُ بسببها، إثرَ بيان حالِ الكفَرة، والتنصيصٍ على عدم نَفْعِ أموالهم وأولادهِم
لهم وقد کانوا یتعزَّزون بذلك، والمراد من الناس الجنسُ.
(١) القراءتان في البحر ٣٩٤/٢، والأولى في القراءات الشاذة ص١٩، والمحتسب ١٥٤/١.

سُورَةُ الَ ◌ّغْرَانَ
٦٠
الآية : ١٤
﴿حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ أي: المشهيَّات، وجَعَلها نفسَ الشهوات إشارةً إلى ما رُكز في
الطباع من محبتها والحرص عليها، حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها، كما قيل
المريض: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أنْ أشتهي. أو تنبيهاً على خِسَّتها لأن الشهوات
خسيسةٌ عند الحكماء والعقلاءِ، ففي ذلك تنفيرٌ عنها وترغيبٌ فيما عند الله تعالى.
والمزيِّن هو اللهُ تعالى، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن
الخطاب ظه(١). وروي عن الحسن: الشيطان واللهِ زيَّنها لهم؛ لأنَّا لا نعلمُ أحداً
أذَّ لها من خالقها(٢).
وفي ((الانتصاف)): التزيين للشهوات يُطلَقُ ويراد به خَلْقُ حُبِّها في القلوب،
وهو بهذا المعنى مضافٌ إليه تعالى حقيقة، لأنه لا خالقَ إلا هو. ويطلق ويُراد به
الحضُّ على تعاطي الشهوات المحظورة، فتزيينها بالمعنى الثاني مضافٌ إلى
الشيطان، تنزيلاً لوسوسته وتحسينه منزلةً الأمر بها والحضِّ على تعاطيها، وكلام
الحسن رحمه الله تعالى محمولٌ على التزيين بالمعنى الثاني، لا بالمعنى الأول فإنه
يُتحاشى أن يُنسب خَلْقُ الله تعالى إلى غيره(٣).
والإسنادُ في كلِّ حقيقةٌ كما أشرنا إليه فيما تقدم، ومَن قال: الظاهرُ أنه من
قَبِيلِ: أَقْدَمَني بلدكَ حقٌّ لي عليك، إذ لا إقدامَ هنا بل قدومٌ محضّ أُثبِتَ له مُقْدِمٌ
للمبالغة، والمراد أنَّ الشهوات زُيِّنت في أعينهم لنقصانهم - ولا زينة لها في الحقيقة
- مِن غير أن يكون هناك مُزَيِّن، إلا أنه أُثبت مُزيِّنٌ مبالغةً في الزينة، وتنزيلاً لسبب
الزينة منزلة الفاعل = فقد تعسّف وتصلَّف.
ومَن قال: المزيِّن في الحقيقةُ هو الشيطانُ؛ لأن التزيين صفة تقوم به، والقائل
بأنه هو اللهُ تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطئٌ في الدعوى وغيرُ مصيب
في الدليل = فالمخطئ ابنُ أخت خالته.
وقرأ مجاهد: زَيَّنَ، بالبناء للفاعل ونصب ((حُبَّ))(٤).
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠٦/٢ -٦٠٧، وأخرجه أيضاً الطبري ٥/ ٢٥٤، وعلقه البخاري قبل
الحديث (٦٤٤١).
(٢) الكشاف ٤١٦/١، وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم ٢/ ٦٠٧.
(٣) الانتصاف على هامش الكشاف ٤١٦/١.
(٤) القراءات الشاذة ص١٩، والمحتسب١٥٥/١.