Indexed OCR Text

Pages 461-480

الآية : ٢٦٩
٤٦١
سُوَّةُ الْبَقَة
سبحانه يقول: ((إنّي لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على
ما كان فيكم(١) ولا أبالي)(٢).
وهذا بالنسبة إلى حَمَلةِ العلم الشرعي الذي جاء به حكيمُ الأنبياء ونبيُّ الحُكماء
حضرةُ خاتم الرسالة ومُحدِّد(٣) جهات العَدالة والبَسَالة بَّهِ، لا ما ذَهَب إليه جالينوس
وديمقراطيس وأفلاطون وإرسطاليس ومَن مشى على آثارهم واعتكف في رُواق
أفكارهم، فإن الجهل أولى بكثير مما ذهبوا إليه، وأسلمُ بمراتبَ مما عوَّلوا عليه، حتى
إن كثيراً من العلماء نَهَوا عن النظر في كتبهم، واستدلَّوا على ذلك بما أخرجه الإمام
أحمد وأبو يعلى من حديث جابر: أنَّ عمرَبه استأذن رسول اللهِ ◌ّله في جوامعَ كتبها
من التوراة لِيقرأَها ويزدادَ بها عِلْماً إلى علمه، فغَضِب ولم يأذن له، وقال: «لو كان
موسى حيًّا لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي))(٤) وفي رواية: ((يكفيكم كتاب الله تعالى))(٥).
ووجه الاستدلال أنه وَّل﴿ لم يُبح استعمال الكتاب الذي جاء به موسى هدّى ونوراً
في وقتٍ كانت فيه أنوارُ النبوّة ساطعة، وسحائبُ الشُّبَه والشكوك بالرجوع إليه منقشعةً،
فكيف يُباح الاشتغالُ بما وضعه المتخبِّطون من فلاسفة اليونان - إفكاً وزوراً - في وقت
كثُرت فيه الظُّنون وعَظُمت فيه الأوهام، وعاد الإسلام فيه غريباً، وفي كتاب الله تعالى
غنّى عمَّا سِواه كما لا يخفى على مَن ميَّز القِشْرَ من اللُّباب والخطأَ من الصواب.
﴿وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴾ أي: ما يتَعظ أو ما يتفكّر في الآيات
إلا ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم وظلم اتِّباع الهوى، وهؤلاء هم الذين
أُوتوا الحكمةَ. ولإظهار الاعتناء بمدحهم بهذه الصفة أقيم الظاهرُ مُقَامَ المُضمر،
والجملة إما حال، أو اعتراض تذييلي.
(١) في (م): منكم.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٨١) من حديث ثعلبة بن الحكم مرفوعاً، وفي إسناده العلاء بن
مسلمة بن عثمان الرؤَّاس. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: متروك، ورماه ابن حبان بالوضع.
(٣) في الأصل: ومجدد.
(٤) مسند أحمد (١٥١٥٦)، ومسند أبي يعلى (٢١٣٥) بنحوه، وفي إسناده مجالد بن سعيد،
ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره كما في التقريب.
(٥) لم نقف عليها .

سُورَةُ الْبَقَة
٤٦٢
التفسير الإشاري (٢٦١ -٢٦٢)
ومن باب الإشارة في الآيات: أنها اشتملَتْ على ثلاثة إنفاقاتٍ متفاضلة: الأول:
الإنفاقُ في سبيل الله تعالى، وهو إنفاقٌ في عالم الملك عن مُقام تجلِّي الأفعال، وإلى
هذا أشار بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ إلخ.
والثاني: الإنفاق عن مقام مشاهدة الصِّفات، وهو الإنفاق لطلب رضا الله
تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾
ومن تمثيله بجثَّةٍ يُعلَم مقدارُ فَضْله على الأول المُمَثَّل بحبَّة، ولعلَّ فَضْلَ
أحدهما على الآخر كفضل الجَنَّة على الحَبَّة، ومما يزيد في الفرق أن الجنة مع
إيتاء أُكلها تبقى بحالها بخلاف الحبَّة، ولتأكيد الإشارة إلى ارتفاع رتبة هذا الإنفاق
على الأول، أتى بالرَّبوة، وهي المُرتفع من الأرض.
والثالث: الإنفاق بالله تعالى، وهو عن مقام شهود الذَّات، وهو إنفاق النّفْس
بعد تَزَكِّيها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا
كَسَبْتُرْ﴾ والنفس مُكْتَسبة بهذا الاعتبار.
وجزاء الإنفاق الأول الإضعافُ إلى سبع مئة وتزيد؛ لأن يدَ الَّول طويلةٌ،
وجزاء الثاني الجنةُ الصِّفاتية المثمرة للإضعاف، وجزاء الثالث الحِكمةُ اللازمة
للوجود الموهوبة(١) بعد البذل، وهي الخير العظيم الكثير؛ لأنها أخصُّ صفاته
تعالى. وصاحبُ هذا الإنفاق لا يزال يُنفق من الحِكم الإلهية والعلوم اللَّدُنيَّة
لارتفاع البیْن وشهود العین.
وقد نبَّه سبحانه في أثناء ذلك على أن الإنفاق يُبطله المنُّ والأذى؛ لأنه إنما يكون
محموداً لثلاثة أوجهٍ: كونه موافقاً للأمر، وهو حال له بالنسبة إليه تعالى. وكونه
مُزيلاً لرذائل البخل، وهو حال له بالنسبة إلى المنُّفق نفسه. وكونه نافعاً مُريحاً، وهو
حال له بالنسبة إلى المُستحِقِّ. فإذا مَنَّ صاحبُه وآذى فقد خالف أَمْرَ الله تعالى وأَتى
بما يُنافي راحةَ المُستحِق ونفعه، وظهرت نفسُه بالاستطالة والاعتداد والعُجب
والاحتجاب بفعلها ورؤيةِ النعمة منها لا مِن الله تعالى، وكلُّها رذائلُ أردى(٢) من
البخل، ولهذا كان القول الجميلُ خيراً من الصدقة المتبوعة بالأذى، بل لا نسبة.
(١) في (م): الموهوب.
(٢) في (م): أرداً.

الآية : ٢٧٠
٤٦٣
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ قليلةٍ أو كثيرة، سرًّا أو علانيةً، في حقِّ أو باطل،
فالآية بیانٌ لحکم کلیٍّ شامل لجميع أفرادِ النفقات أو مافي حُكمها إثرَ بیان حكم
ما كان منها في سبيل الله تعالى.
﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّنْ تَذْرٍ﴾ متعلِّقٍ بالمال أو بالأفعال، بشرط أو بغير شرط في
طاعة أو معصية، والنذر: عقدُ القلب على شيء والتزامُه على وجهٍ مخصوص.
قيل: وأصله الخوف، لأن الشخص يعقد ذلك على نَفسه خوف التقصير، أو خوف
وقوعٍ أمرٍ خطير، ومنه نَذْرُ الدم، وهو العقدُ على سَفْكه للخوف من مضرَّة صاحبه،
قال عمرو بن معدي کرب:
هم يَنذُرون دَمي وأَنْ ذُرُ إن لقيتُ بأن أَشُدَّا(١)
وفِعْله كضَرب ونَصَر، وعن يونس فيما حكاه الأخفش(٢): تقول العرب: نذر
على نفسه نذراً، و نذرت مالي، فأنا أَنْذره نَذْراً.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ كناية عن مُجازاته - سبحانه - عليه، وإلا فهو معلوم،
والفاء داخلٌ في الجواب إنْ كانت ((ما)) شرطيةً، وصلةٌ في الخبر إن كانت
موصولةً، وتوحيدُ الضمير مع أن متعلِّقَ العلم متعدّدٌ؛ لاتِّحاد المَرْجِع، بناءً على
كون العطف بكلمة ((أو)) وهي لأحد الشيئين. وقال ابن عطية: إن التوحيد باعتبار
المذكور(٣). وكأنه لم يعتبر المذكور لاعتبار المرجع النفقة والنذر المذكورین دون
المصدَريْنِ المَفهومَيْن من فِعْليهما، وهما المتعاطفان بـ (أو)) دونهما، وعلى تسليم
أنَّ عَظْفَ الفِعْلين مستلزمٌ لعطفهما لا ينبغي اعتبارُهما أيضاً؛ لأن الضمير مذكَّرَ
قطعاً، وهما مذكّر ومؤنَّث، واعتبار أحدِهما دون الآخر ترجيحٌ بلا مُرجِّع،
ولا يخفى ما فيه، فإنَّ مثل هذا الضمير قد يعتبر فيه حال المقدَّم مراعاة للأولية
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِحَرَةً أَوْ لَمْوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وقد يعتبر
فيه حال المؤشّر مراعاةً للقُرب، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ
يَرْمِ بِهِ، بَرِيًّا﴾ [النساء: ١١٣] وكلّ منهما سائقٌ شائع في الفصيح، وما نحن فيه من
(١) البيت في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٧٩/١.
(٢) في معاني القرآن ١/ ٣٨٧.
(٣) المحرر الوجيز ٣٦٥/١ بنحوه.

سُورَةُ الْبََّقَة
٤٦٤
الآية : ٢٧٠
الثاني إن اعتبر المذكور صريحاً، والتزام التأويل في جميع ما ورد تعسفٌ مستغنّى
عنه كمالا يخفى، نعم: جوِّز إرجاعُ الضمير إلى ((ما))، لكن على تقدير كونها
موصولةً، کما قاله غير واحد.
﴿َوَمَا لِلَّلِينَ﴾ أي: الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحقُّ أن توضع
فيها، فيشمَل المُنفِقين بالرِّياء والمنِّ والأذى، والمُتحرِّين للخبيث في الإنفاق،
والمنفقين في باطلٍ، والناذرين في معصية، والمُمتنعين عن أداء ما نَذَروا في حقٍّ،
والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فَضْلِه، وخصَّهم أبو سليمان الدمشقيُّ
بالمنفقين بالمنِّ والأذى والرياء والمبذِّرين في المعصية. ومقاتلٌ: بالمشركين، ولعلَّ
التعميم أولى.
﴿مِنْ أَنْصَارٍ ﴾﴾ أي: أعوان يَنصرونهم(١) من بأس الله تعالى، لا شفاعةً
ولا مُدافعةً، وهو جمع نصیر، کحبیب وأحباب، أو ناصر کشاهد وأشهاد. والإتيان
به جمعاً على طريق المقابلة، فلا يَرِدُ أنَّ نفي الأنصار لا يُفيد نفيَ الناصر، وهو
المراد. والقول بأن هذا إنما يُحتاج إليه إذا جُعلت ((مِنْ)) زائدة، ولك أن تجعلها
تبعيضية، أي: شيء من الأنصار؛ ليس بشيءٍ (٢).
والجملة استئنافٌ مقرِّرٌ للوعيد المُشتمِل عليه مضمونُ ما قبله، ونفيُ أن يكون
للظالم - على رأي مقاتل - ناصرٌ مطلقاً ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير أخذ المظالم عامًّا أو
خاصًّا بما قاله أبو سليمان فيحتاج إلى القول بأن الآية خارجةٌ مخرج الترهيب؛ لِمَا أنَّ
العاصي غیرَ المشرك کیفما کانت معھیتُه یجوز أن یکون له ناصرٌ يشفع له عند ربه.
واستُدلَّ بالآية على مشروعية النذر والوفاء به مالم يكن معصية، وإلا فلا وفاء،
فقد أخرج النسائي عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى: ((النذر نذران،
فما كان من نذر في طاعة الله تعالی فذلك لله تعالى، وفيه الوفاء، وما كان من نذرٍ
في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويُكفِّره ما يُكفِّر اليمينَ))(٣).
وتفصيل الكلام في النذر يأتي بعدُ إن شاء الله تعالى.
(١) في (م): ينصرونه.
(٢) بعدها في (م): كما يخفى.
(٣) أخرجه النسائي ٢٨/٧ - ٢٩ وفي إسناده محمد بن الزبير الحنظلي، وهو متروك كما في
التقريب، وقد اختلف عليه فيه، كما في التلخيص الحبير ٤/ ١٧٥ .

الآية : ٢٧١
٤٦٥
سُورَةُ الْبَقَة
﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ أي تُظهروا إعطاءَها، قال الكلبي: لمَّا نزَلت ﴿وَمَاً
أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ الآية، قالوا: يا رسول الله أَصَدقةُ السِّرِّ أفضلُ أَمْ صدقةُ العلانية؟
فنزَلتْ(١).
فالجملة نوعُ تفصيلٍ لبعض ما أُجمل في الشرطية وبيانٌ له، ولذلك ترك العطف
بينهما، والمراد من الصَّدقات - على ما ذهب إليه جمهور المفسرين - صدقاتُ
التطوع، وقيل: الصدقاتُ المفروضة، وقيل: العموم.
﴿فَنِعِمَا فِىِّ﴾ الفاء: جوابٌ للشرط، و((نِعْم)): فعل ماضٍ، و((ما)) كما قال ابن
جني: نكرةٌ تامةٌ منصوبةٌ على أنها تمييزٌ، وهي مبتدأ عائدٌ للصدقات على حذف
مضاف، أي: إبداؤها، أَوْ لا حَذْف، والجملة خبر عن ((هي))، والرابط العمومُ.
وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعينٍ للإتباع، وهي لغة مُذیل،
قيل: ويحتمل أنه سُكِّن، ثم كُسِرَ لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن عامر وحمزة
والكسائيُّ بفتح النون وكسر العين على الأصل كعَلِم. وقرأ أبو عمرو وقالون
وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين، وروي عنهم الإسكان أيضاً (٢)، واختاره
أبو عُبيد(٣)، وحكاه لغةً، والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان، حتى
جعله بعضهم مِن وَهم الرواة، وممن أنكره المبرِّدُ والزجاج(٤) والفارسيُّ(٥)؛ لأن
فيه جمعاً بين ساكنين على غير حدِّه.
﴿وَإِن تُخْفُوهَا﴾ أي: تُسِرُّوها، والضمير المنصوب إما للصدقات مطلقاً،
وإما إليها لفظاً لا معنى؛ بناءً على أن المرادَ بالصدقاتِ المُبداة المفروضةُ،
وبالمُخفاة المتَطوَُّ بها، فيكون من باب: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم
آخر. وفي جمع الإبداء والإِخفاء من أنواع البديع الطّاقُ اللفظيُّ، كما أن في قوله
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٨٢.
(٢) التيسير ص٨٤، والنشر ٢٣٥/٢.
(٣) في الأصل و(م): أبو عبيدة، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٣٥٤/١، والبحر المحيط
٣٢٤/٢ والكلام منه.
(٤) في معاني القرآن ٣٥٤/١.
(٥) في الحجة ٣٩٦/٢.

سُورَةُ الْبَارَة
٤٦٦
الآية : ٢٧١
تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ﴾ الطباق المعنويُّ؛ لأنه لا يُؤْتي الصدقاتِ إلا الأغنياء،
قيل: ولعلَّ التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه لابُدَّ منه في الإبداء أيضاً لِما أن الإخفاء
مَظِنَّة الالتباس والاشتباه، فإن الغني ربَّما يدَّعي الفقرَ ويُقدم على قَبول الصدقة سرًّا
ولا يفعل ذلك عند الناس.
وتخصيص الفقراء بالذِّكر اهتماماً بشأنهم، وقيل: إن المُبداة لمَّا كانت الزكاةً
لم يُذكر فيها الفقراء؛ لأن مصرفها غيرُ مخصوص بهم، والمُخفاة لمَّا كانت التطوُّعَ
بيَّن أن مصارفَها الفقراء فقط، وليس بشيء؛ لأنه بعد تسليم أن المُبداة زكاةٌ
والمُخفاةَ تطوعٌ لا نُسلِّم أن مصارفَ الثانية الفقراءُ فقط، ودون إثباتٍ ذلك الموت
الأحمر، وكأنه لهذا فسَّر بعضُهم الفقراء بالمصارف.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: فالإخفاء خيرٌ لكم من الإبداء، أو(١) خير لكم من جملة
الخُيُور، والأول هو الذي دلَّت عليه الآثار، والأحاديثُ في أفضلية الإخفاء أكثرُ من
أن تُحصى؛ أخرج الإمام أحمد، عن أبي أمامةَ أنَّ أبا ذر قال: يا رسول الله، أيُّ
الصدقة أفضلُ؟ قال: ((صدقةُ سرِّ إلى فقير، أو جهد من مُقِلٌّ) ثم قرأ الآية(٢).
وأخرج الطبرانيُّ مرفوعاً: ((إن صدقة السرِّ تطفئ غضب الربِّ))(٣).
وأخرج البخاريُّ: ((سبعةٌ يُظلُّهم الله تعالى في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه)» إلى أن
قال: ((ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنفِقُ يمينُه))(٤).
والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان كلٌّ من صدقَتي السِّرِّ والعلانية
تطوُّعاً ممن لم يُعرَفْ بمال، وإلا فإبداء الفرض لغيره أفضلُ لنفي التُّهمة، وكذا
الإظهارُ أفضلُ لمن يُقتدى به وأَمِن نَفْسَه، وعن ابن عباس ﴿ّ: صدقةُ السِّر في
(١) في(م): و.
(٢) مسند أحمد (٢٢٢٨٨) مطولاً، وفي إسناده علي بن يزيد الأَلْهاني الشامي، قال البخاري:
منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. ميزان الاعتدال
١٦١/٣.
(٣) المعجم الكبير للطبراني ١٩/(١٠١٨) من حديث معاوية بن حيدة څته.
(٤) صحيح البخاري (٦٦٠)، وأخرجه أحمد (٩٦٦٥)، ومسلم (١٠٣١)، وهو من حديث
أبي هريرة

الآية : ٢٧١
٤٦٧
سُؤَدَّةُ الْجَنَة
التطوُّع تَفْضُل على علانيتها سبعين ضِعْفاً، وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضلُ من سِرِّها
بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها(١).
﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّنْ سَنْخَاتِكُ﴾ أي: واللهُ يكفِّر، أو: الإخفاءُ، والإسناد
مجازيٌّ. و((مِن)) تبعيضية؛ لأن الصدقاتِ لا يُكَفَّر بها جميعُ السيئات، وقيل: مَزيدة
على رأي الأخفش(٢).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم - في رواية ابن عيَّاش - ويعقوب: ((نكفِّرُ)) بالنون
مرفوعاً (٣)، على أنه جملة مبتدأة، أو اسمية معطوفةٌ على ما بعد الفاء، أي: ونحن
نكفّر، وقيل: لا حاجةً إلى تقدير المبتدأ، والفعل نفسُه معطوفٌ على محل ما بعد
الفاء؛ لأنه وحدَه مرفوع؛ لأن الفاء الرابطة مانعةٌ من جزمه لئلا يتعدَّد الرابط.
وقرأ حمزة والكسائي (نُكفِّرْ))(٤) بالنون مجزوماً بالعطف على محلِّ الفاء مع
ما بعدها؛ لأنه جواب الشرط، قاله غيرُ واحد، واستشكله البدرُ الدَّمَاميني بأنه
صريح في أن الفاء وما دخلت عليه في محلِّ جزم؟ وقد تقرَّر أن الجملة لا تكون
ذات محلٌّ من الإعراب إلا إذا كانت واقعةً موقعَ المفرد، وليس هذا من مَحالٌ
المفرد حتى تكون الجملة واقعةً موقعَ ذاتِ محلٌّ من الإعراب؛ وذلك لأن جواب
الشرط إنما يكون جملة ولا يصحُّ أن يكون مفرداً، فالموضع للجملة بالأصالة،
وادَّعى أن جزم الفعل ليس بالعطف على محل الجملة، وإنما هو لكونه مضارعاً
وقع صدرَ جملةٍ معطوفٍ على جملة جواب الشرط الجازم، وهي لو صُدِّرت
بمضارع كان مجزوماً، فأعطيت الجملة المعطوفة حُكمَ الجملة المعطوف عليها،
وهو جزمُ صدرها إذا كان فعلاً مضارعاً، ويمكن دَفْعُه بالعناية فتدبّر.
وقُرئ: ((وتُكفِّر)) بالتاء مرفوعاً ومجزوماً(٥) - على حسب ما علمت - والفعل
للصدقات.
(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٥ .
(٢) ينظر مذهب الأخفش في زيادة ((مِن)) في الإثبات في معاني القرآن له ٢٧٢/١.
(٣) التيسير ص٨٤، والنشر ٢٣٦/٢.
(٤) التيسير ص ٨٤، والنشر ٢٣٦/٢.
(٥) قرأ بالتاء وجزم الراء ابن عباس ﴿يا، وقرأ بالتاء ورفع الراء ابن هرمز، كما في البحر
المحيط ٣٢٥/٢.

سُوَّةُ الْبََّقَة
٤٦٨
الآية : ٢٧٢
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء ﴿خَبِيرٌ ﴾﴾ عالِمٌ
لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم على ذلك كلِّه، ففي الجملة ترغيبٌ في الإعلان
والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية، ويجوز أن يكون الكلام مُساقاً للترغيب في
الثاني؛ لقُربه، ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثيرُ مَذْح.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ أي: لا يجب عليك أيها الرَّسول أن تجعل هؤلاء
المأمورين بتلك المحاسن المنهيين عن هاتيك الرذائل مَهْديين إلى الائتمار
والانتهاء؛ إن أنت إلا بشيرٌ ونذيرٌ، وما عليك(١) إلا البلاغ المبين.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى﴾ بهدايته الخاصَّة المُوصِلة إلى المطلوب قطعاً ﴿مَنْ
يَشَآءُ﴾ هدايتَه منهم. والجملة معترضةٌ جيء بها على طريق تلوين الخطاب
وتوجيهه إلى سيِّد المُخاطَبين وَّر، مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات
المتعلّقة بأولئك المُكلَّفين مبالغةً في حملهم على الامتثال، وإلى هذا المعنى ذهبَ
الحسنُ وأبو علي الجُبَّائي، وهو مبنيٌّ على رجوع ضمير ((هداهم)) إلى المخاطبين
في تلك الآيات السَّابقة. والذي يستدعيه سببُ النزول رجوعُه إلى الكُفَّار؛ فقد
أخرج ابنُ أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ﴿هَا، أنَّ النبيَّ وَّرَ كان يأمرُنا أن
لا نتصدَّق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية(٢).
وأخرج ابن جرير عنه قال: كان أُناسٌ من الأنصار لهم أنسباءُ وقرابةٌ، وكانوا
يَتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم، ويُريدونهم أن يُسلِموا، فنزلت(٣).
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جُبير، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تصدَّقوا
إلا على أهل دينكم)، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾(٤).
أي: ليس عليك هُدى مَن خالَفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في
الإسلام، وحينئذٍ لا التفات، وإنما هناك تلوينُ الخِطابِ فقط.
(١) في (م): عليه.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٣٧.
(٣) تفسير الطبري ٥/ ٢٠.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ١٧٧/٣، وهو مرسل.

الآية : ٢٧٢
٤٦٩
سُورَةُ الْبَقَة
والآية حثٌّ على الصدقة أيضاً، ولكن بوجهٍ آخر، والارتباط على التقديرين
ظاهرٌ. وجَعْلُها مرتبطةً بقوله سبحانه: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ إشارةً إلى قسم
آخر من الناس لم يُؤْتَها ليس بشيء.
﴿وَمَا تُنفِقُواْ﴾ في وجوهِ البِرِّ ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ أي: مال ﴿فَلِأَشُِّكُمْ﴾ أي: فهو
لأنفسكم لا يَنتفع به في الآخرة غيركم، فلا تَيمَّموا الخبيثَ، ولا تُبطلوه بالمنِّ
والأذى ورثاءِ الناس، أو فلا تمنعوه عن الفقراء كيف كانوا فإنَّ نفعكم به دينيٌّ ونفع
الكافر منهم دنيوي. و((ما)) شرطيةٌ جازمةٌ لـ ((تُنفِقوا)) منتصبةٌ به على المفعولية،
و (مِن)) تبعيضيةٌ متعلّقةٌ بمحذوف وقع صفةً لاسم الشرط مبيّةٌ ومُخصّصةً له.
﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءُ وَجْدِ اللَّهِ﴾ استثناءٌ مِن أعمِّ العلل أو أعمِّ الأحوال،
أي: ما تُنفقون بسبب من الأسباب إلا لهذا السبب، أو في حالٍ من الأحوال إلا في
هذه الحال.
والجملة إما حالٌ، أو معطوفة على ما قبلها على معنى: وما تنفقوا من خيرٍ
فإنما يكون لكم لا عليكم، إذا كان حالكم أنْ لا تُنفقوا إلا لأجل طَلَب وجهِ الله
تعالى، أو إلا طالبين وجهَه سبحانه، لا مؤذِين ولا مانِّين ولا مُرَائين ولا مُتِيمِّمين
الخبيثَ، أو على معنى: ليست نفقتُكم إلا لكذا أو حالَ كذا، فما بالكم تَمُنُّون بها
وتُنفقون الخبيث، أو تمنعونها فقراءَ المشركين من أهل الكتاب وغيرهم.
وقيل: إنه نفي بمعنى النهي، أي: لا تُنفقوا إلا كذا.
وإقحامُ الوجه للتعظيم ودفع الشَّركة؛ لأنك إذا قلتَ: فعلتُه لوجه زید، كان
أجلَّ من قولك: فعلته له؛ لأن وجه الشيء أشرفُ ما فيه، ثم گَثُر حتى عُبِّر به عن
الشَّرف مطلقاً، وأيضاً قول القائل: فعلت هذا الفعل لفلان، يحتمل الشَّركة، وأنه
قد فعله له ولغيره، ومتى قال: فعلتُه لوجهه، انقطع عرقُ الشّركة عرفاً .
وجعله كثيرٌ من الخلف(١) بمعنى الذات، وبعضُهم حملَه هنا على الرِّضا،
وجَعلَ الآية على حدٍّ: إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى، والسَّلف بعد أن نزَّهوا فوَّضوا
كعادتهم في المتشابه .
(١) في (م): الخلق.

سُؤَةُ الْبَةَ
٤٧٠
الآية : ٢٧٣
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: تُعْطَوْنَ جزاءه وافراً وافياً - كما تُشعر
به صيغةُ التفعيل - في الآخرة حسبما تضمَّنته الآياتُ من قبلُ، وهو المرويُّ عن ابن
عباس ﴿ّ، والمراد نفيُ أن يكون لهم عذرٌ في مُخالفة الأمر المُشار إليه في
الإنفاق، فالجملة تأكيدٌ للشرطية السَّابقة، وليس بتأكيدٍ صرف، وإلا لَفُصِلَتْ،
ولكنها تضمّنت ذلك من كون سياقها للاستدلال على قُبح ترك ذلك الأمر، فكأنه
قيل: كيف يمنُّ أو يقصِّر فيما يرجع إليه نفعُه، أو كيف يفعل ذلك فيما له عِوضٌ
وزيادة؟ وهي بهذا الاعتبار أمرٌ مستقل.
وقيل: إن المعنى: يوفر عليكم خَلَفه في الدنيا، ولا ينقص به من مالكم شيءٍ؛
استجابةً لقوله بَّهِ: ((اللهم اجْعَل لمنفق خَلَفاً ولممسك تَلَفاً))(١).
والتوفية: إكمالُ الشيء، وإنما حَسُنَ معها ((إليكم)) لتضمُّنها معنى التأدية،
وإسنادُها إلى ((ما)) مجازيٌّ، وحقيقته ما سمعت.
والآية بناءً على سبب النزول دليلٌ على جواز دفع الصدقة للكافر، وهو في غير
الواجبة أمرٌ مقرَّر، وأما الواجبة التي للإمام أخذُها كالزكاة، فلا يجوز، وأما غيرها
كصدقة الفطر والنذر والكفَّارة، ففيه اختلاف، والإمام أبو حنيفة ظُبه يجوِّزه،
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَامَ عَلَى حُبْهِ، مِسْكِينًا وَبَنِمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] يُؤْيِّده،
إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلَّا مشرِكاً.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾﴾ أي: لا تُنْقَصون شيئاً مما وُعدتم. والجملة حالٌ من
ضمير ((إليكم)) والعامل ((يُوَفَّ)).
﴿لِلْفُقَرَآءَ﴾ متعلِّق بمحذوف ينساق إليه الكلام، ولهذا حُذف، أي: اعمِدُوا
للفقراء، أو اجعلوا ما تُنفقونه للفقراء، أو صدقاتُكم للفقراء. والجملة استئناف
مبنيٌّ على السؤال.
وجُوِّز أن يكون الجار متعلِّقاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنفِقُواْ﴾ وقولُه سبحانه: ﴿وَأَنْتُرْ لَا
نُظْلَمُونَ﴾ اعتراضٌ، أي: وما تنفقوا للفقراء ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾
أي: حَبَسهم الجهادُ، أو العملُ في مرضاة الله تعالى، يُوفَّ إليكم، ولا يخفى بُعدُه.
(١) سلف ص ٤٥٨ من هذا الجزء من حديث أبي هريرة

الآية : ٢٧٣
٤٧١
سُوَّةُ الْبَقَة
﴿لَا يَسْتَظِيمُونَ﴾ الاشتغالهم بذلك ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مشياً فيها،
وذهاباً للتكسُّب والتجارة، وهم أهلُ الصُّفَّة ◌ِ﴿ه، قاله ابنُ عباس ومحمد بن كعب
القرظي. وكانوا نحواً من ثلاث مئة ويزيدون وينقصون من فقراء المهاجرين،
يسكنون سقيفةً المسجد، يستغرقون أوقاتَهم بالتعلُّم والجهاد، وكانوا يخرجون في
كلِّ سَرِيَّةٍ يَبعثها رسولُ اللهِلــ
وعن سعيد بن جُبير: هم قومٌ أصابتهم الجِراحات في سبيل الله تعالى، فصاروا
زَمْنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقًّا. ولعلَّ المقصودَ في الروايتين بيانُ بعض
أفراد هذا المفهوم، ودخوله فيه إذ ذاك دخولاً أوليًّا، لا الحصر، إذ هذا الحُكم باقٍ
إلى يوم الدين.
﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ أي: يَظنُّهم ﴿اَلْجَامِلُ﴾ الذي لا خبرةً له بحالهم ﴿أَغْنِيَاءُ مِنَ
التَّعَفُّفِ﴾ أي: من أجل تعفّفهم عن (١) المسألة، فـ ((من)) للتعليل، وأتى بها لفَقْد
شرطٍ من شروط النصب، وهو اتِّحادُ الفاعل.
وقيل: لابتداء الغاية، والمعنى: إنَّ حُسبان الجاهل غناهم نشَأ مِن تعقُّفهم.
والتعفُّف: تركُ الشيء والإعراضُ عنه مع القُدرة على تعاطيه، ومفعولُه محذوفٌ
اختصاراً، كما أشرنا إليه، وحال هذه الجملة كحال سابقتها .
﴿َتَعْرِفُهُم بِيَهُمْ﴾ أي: تعرف فقرَهم واضطرارهم بالعلامة الظّاهرة عليهم،
كالتخشُّع والجهد ورثائةِ الحال، أخرج أبو نُعيم عن فَضَالةً بن عُبَيد، قال: كان
رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا صلَّى بالناس تخِرُّ رجالٌ من قيامهم في صلاتهم، لِما بهم من
الخصاصة، وهم أهلُ الصُّفَّة، حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين(٢).
وأخرج هو أيضاً عن أبي هريرة ﴿ه قال: كان من أهلِ الصُّفة سبعون
رجلاً ليس لواحدٍ منهم رداء(٣).
والخطاب للرسول وَله، أو لكلِّ مَن له حظّ من الخطاب؛ مبالغةً في بيان
(١) في (م): على.
(٢) حلية الأولياء ٣٣٩/١، وأخرجه أحمد (٢٣٩٣٨).
(٣) حلية الأولياء ٣٣٩/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٧٢
الآية : ٢٧٣
وُضوح فقرهم. ووزن ((سِيما)): عِفْلًا؛ لأنها من الوَسْم بمعنى السِّمة، نُقلت الفاء
إلى موضع العين، وقلبت ياءً لوقوعها بعد كسرة.
﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: إلحاحاً، وهو: أن يلازم المسؤولَ حتى
يُعطيَه؛ من قولهم: لَحَفَني من فَضْلِ لِحَافِهِ، أي: أعطاني من فَضْل ما عنده. وقيل:
سُمِّي الإلحاح بذلك لأنه يُغِطِّي القلب كما يغطي اللِّحَاف مَن تحته، ونصبه على
المصدر، فإنه كنوعٍ من السؤال، أو على الحال أي: مُلْحِفين.
والمعنى: أنهم لا يسألون أصلاً، وهو المرويُّ عن ابن عباس غڅًا، وإليه ذهب
الفرَّاءُ(١) والزجَّاجُ(٢) وأكثرُ أرباب المعاني، وعليه يكون النفي متوجّهاً لأمرين على
حدِّ قول الأعشى:
لا يَغْمِزُ السَّاقَ من أَيْنٍ ومن وَصَبٍ
ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفهِ الصَّفَرُ(٣)
واعتُرض بأن هذا إنما يحسنُ إذا كان القيدُ لازماً للمقيّد، أو كاللازم، حتى
يلزم من نفيه نفيُه بطريق برهاني، وما هنا ليس كذلك، إذ الإلحافُ ليس
لازماً للسؤال ولا کلازِمه؟
وأُجيب بأن هذا مسلَّم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه، وهو كذلك هنا؛ لأن
التعقُّفَ حتى يُظنوا أغنياء يقتضي عدمَ السؤال رأساً، وأيضاً ((تعرفُهم بسيماهم)) مُؤيِّدٌ
لذلك، إذ لو سألوا لَعُرِفوا بالسؤال، واستغنى عن العرفان بالسِّيما.
وقيل: المراد أنهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة لم يلُوا.
ومن الناس مَن جعل المنصوب مفعولاً مطلقاً للنفي، أي: يتركون السؤال
إلحاحاً، أي: مُلحِّين في التَّرك، وهو كما ترى.
(١) في معاني القرآن ١/ ١٨١.
(٢) في معاني القرآن ١/ ٣٥٧.
(٣) الأصمعيات ص ٩٠، والأعشى هو أعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث أحد بني وائل.
الأَيْن: الإعياء والتعب. الوصب: الوجع والمرض. الشرسوف: طرف الضلع. والصفر:
دُوَيبةٌ مثل الحية تكون في البطن تصيب الإنسان إذا جاع. وأراد أنه لا صفر في جوفه
فيعض، يصفه بشدة الخَلْقِ وصحة البنية. ينظر الخزانة ١/ ١٩٧ .

الآية : ٢٧٤
٤٧٣
سُورَةُ البَفَة
﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ، عَلِيمُ ﴾﴾ فَيُجازيكم به، وهو ترغيبُ في
الإنفاق لا يسِيَّما على هؤلاء؛ أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة نظريته قال: قال
رسول الله وَار: ((ليس المسكين الذي تردُّه التمرة والتمرتان واللُّقمة واللُّقمتان،
إنما المسكين الذي يتعفَّف، واقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافَا﴾))(١). وتقديم الظرف مراعاة للفواصل، أو إيماء للمبالغة.
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ أي: يُعمِّمون
الأوقات والأحوالَ بالخير والصدقة. فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات، كما أن
المراد بما بعده جميع الأحوال، وقدَّم الليل على النهار والسرَّ على العلانية للإيذان
بمزيَّة الإخفاء على الإظهار. وانتصاب ((سرًّا وعلانية)) على أنهما مصدران في
موضع الحال، أي: مُسرِّين ومعلِنين، أو على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على
مذهب سيبويه، أو نعتان لمصدر محذوف، أي: إنفاقاً سرًّا، والباء بمعنى في.
واختلف فيمن نزلت؛ فأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس ها أنها
نَزلت في عليٍّ كرَّم الله وجهه؛ كانت له أربعةُ دراهم، فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار
درهماً، وسرًّا درهماً، وعلانية درهماً (٢). وفي رواية الكلبي: فقال له رسول الله وَليّة:
((ما حملك على هذا؟)) قال: حملني أن أستوجب على الله تعالى الذي وعَدني،
فقال له رسول الله وَلّ: ((ألا إنَّ ذلك لك))(٣).
وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيِّب أن الآية كلَّها في عثمان بن عفان
وعبد الرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العُسْرة(٤).
وأخرج عبد بن حُميد وابن أبي حاتم والواحديُّ من طريق حنش(٥) بن عبد الله
الصنعاني أنه سمع ابن عباس ﴿يا، يقول في هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُفِقُونَ﴾ إلخ: هم
(١) صحيح البخاري (٤٥٣٩)، وصحيح مسلم (١٠٣٩)، وأخرجه أحمد (٩١٤٠).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٠٨/١، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في
التقريب: متروك، وقد كذبه الثوري.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٨٦، والكلبي متهم بالكذب، كما في التقريب.
(٤) الدر المنثور ٣٦٣/١.
(٥) في (م) والأصل: حسن، وهو خطأ، والمثبت من المصادر.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٧٤
الآية : ٢٧٥
الذين يَعلِفون الخيلَ في سبيل الله تعالى(١). وهو قول أبي أمامةَ وأبي الدرداء
ومكحول والأوزاعي ورياح بن يزيد، ولا يأبى ذلك ذكر السرِّ والعلانية
كما لا يخفى.
وقال بعضهم: إنها نزلت في أبي بكر الصديق ﴿ه؛ تصدَّق بأربعين ألف
دينار، عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة بالسرِّ وعشرة بالعلانية. وتعقَّبه الإمام
السيوطيُّ بأن حديث تصدُّقه بأربعين ألف دينار رواه ابن عساكر في ((تاريخه)) عن
عائشة ◌َّا، وخبر أن الآية نزلت فيه لم أَقِفْ عليه، وكأنَّ من ادَّعى ذلك فَهِمَه
مما أخرجه ابن المنذر عن ابن إسحاق، قال: لمَّا قُبض أبو بكر تَظُه واستخلف
عمر خطب الناس، فحمِدَ الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس،
إن بعض الطمعِ فقرٌ وإن بعضَ اليأس غِنىّ، وإنكم تجمعون مالا تأكلون وتأملون
مالا تُدرِكون، واعلموا أن بعضاً من الشُّح شُعبة من النِّفاق، فأنفقوا خيراً لأنفسكم،
فأين أصحاب هذه الآية؟ وقرأ الآية الكريمة(٢). وأنت تعلم أنها لا دَلالة فيها على
المُدَّعى.
﴿فَلَهُمْ أَبْرُهُمْ﴾ المَخبوءُ لهم في خزائن الفضل ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ والفاء داخلٌ في
حيِّز الموصول للدلالة على سببية ما قبلها، وقيل: للعطف، والخبرُ محذوفٌ، أي:
ومنهم الذين .. إلخ، ولذلك جوِّز الوقف على ((علانية)).
﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ تقدَّم تفسيره. والإشارة في الآيات
ظاهرةٌ.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَا﴾ أي: يأخذونه، فيعمُّ سائرَ أنواع الانتفاع، والتعبير
عنه بالأكل؛ لأنه معظمُ ما قُصِدَ به، والرِّبا في الأصل: الزيادة، من قولهم: ربا
الشيء يَربو، إذا زاد، وفي الشرع: عبارة عن فضل مالٍ لا يُقابله عِوَضٌ في
معاوضة مالٍ بمال.
وإنما يُكتب بالواو - كالصلاة - للتفخيم على لغة من يُفَخُّم، وزِيْدت الألف
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٥٤٣/٢، وأسباب النزول للواحدي ص٨٤- ٨٥.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٦٣/١.

الآية : ٢٧٥
٤٧٥
سُورَّةُ الْبَغَة
بعدها تشبيهاً بواو الجمع، فصار اللفظ به على طبق المعنى في كون كلِّ
منهما مشتملاً على زيادةٍ غير مستحقة، فأخذ لفظ ((الربوا)) الحرف الزائد - وهو
الألف - بسبب اللفظ الذي يُشابهه، وهو واو الجمع حيث زِيْدت فيه الألف،
كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع؛ لاشتمال المعنيين على معاوضة
المال بالمال بالرِّضا، وإن كان أحد العِوضين أزيدَ.
وقيل: الكتابة بالواو والألف لأن للَّفظ نصيباً منهما، وإنما لم تُكتب الصلاة
والزكاة بهما لئلا يكون في مَظِنَّة الالتباس بالجمع.
وقال الفراء: إنهم تعلّموا الخطّ من أهل الحِيْرة وهم نَبَطٌ، لغتهم: ((ربوا)) بواو
ساكنة، فكتبت كذلك. وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون كتابته، وكذا تثنيته
بالياء لأَجْل الكسرة التي في أوله. قال أبو البقاء(١): وهو خطأ عندنا.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي: يوم القيامة، وبه قرئ كما في ((الدر المنثور))(٢) ﴿إِلَّا كَمَا
يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: إلَّا قياماً كقيام المُتخبِّط المصروع في الدنيا.
والتخبُّط: تفقُّل بمعنى فعل، وأصلُه ضربٌ متوالٍ على أنحاء مختلفة، ثم تُجوِّز به
عن كل ضرب غير محمود، وقيام المُرابي يوم القيامة كذلك مما نَطقتْ به الآثار؛
فقد أخرج الطبرانيُّ عن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله وَلجر: ((إياكَ [و]
الذنوبَ التي لا تُغفر: الغلولَ؛ فمن غلَّ شيئاً أتى به يومَ القيامة، وأَكْلَ الربا؛ فمن
أكل الرِّبا بُعث يوم القيامة مجنوناً يتخبّط)) ثم قرأ الآية(٣). وهو مما لا يحيله العقل
ولا يمنعه، ولعلَّ الله تعالى جعَل ذلك علامةً له يُعرف بها يومَ الجمع الأعظم عقوبةً
له، كما جعل لبعض المُطيعين علامة(٤) تَليق به يُعرف بها كرامةً له، ويَشهد لذلك
أن هذه الأمة يُبعثون يومَ القيامة غُرَّا مُحجَّلين من آثار الوضوء(٥). وإلى هذا ذهب
(١) في إملاء ما من به الرحمن ١/ ٥٤٧ .
(٢) ٣٦٤/١.
(٣) المعجم الكبير ٦٠/١٨ (١١٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٩/٤: فيه الحسين بن
عبد الأول، وهو ضعيف.
(٤) في (م): أمارة.
(٥) أخرجه أحمد (٧٩٩٣)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة ظُه.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٧٦
الآية : ٢٧٥
ابن عباس وابنُ مسعود وقتادة، واختاره الزجاج(١).
وقال ابنُ عطية: المراد تشبيهُ المُرابي في حرصه وتحرُّكه في اكتسابه في الدنيا
بالمتخبّط المصروع، كما يقال لمن يُسْرِع بحركاتٍ مختلفة: قد جُنَّ(٢). ولا يخفى
أنه مُصادمةٌ لِما عليه سلف الأمة ورُوي عن رسول الله وَّهِ مِنْ غِير داعٍ، سِوى
الاستبعاد الذي لا يُعتبر في مثل هذه المقامات.
﴿مِنَ الْمَسْرَّ﴾ أي: الجنون، يقال: مُسَّ الرجلُ فهو ممسوس: إذا جُنَّ، وأصله
اللَّمس باليد، وسُمِّي به لأن الشيطانَ قد يمسُّ الرجل وأخلاطُه مستعدّةٌ للفساد
فتفسد ويحدث الجنون، وهذا لا يُنافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مُرَّة
السوداء؛ لأن ما ذكروه سببٌ قريب، وما تُشير إليه الآية سببٌ بعيد، وليس بمطّرد
أيضاً، بل ولا مُنعكس، فقد يحصل مسٌّ ولا يحصل جنونٌ، كما إذا كان المزاج
قويًّا، وقد يحصل جنونٌ ولم يحصل مسٍّ، كما إذا فسد المزاج من دون عروض
أجنبيّ.
والجنون الحاصل بالمسِّ قد يقع أحياناً، وله عند أهله الحاذقين أماراتٌ يعرفونه
بها، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريحٌ متعفِّن تعلَّقت به روحٌ
خبيثة تناسبُه فيحدث الجنون أيضاً على أتمٍّ وجه، وربما استولَى ذلك البُخارُ على
الحواس وعطّلها، واستقلَّت تلك الروحُ الخبيثة بالتصرف، فتتكلّم وتَّبْطِش وتسعى
بآلات ذلك الشخص الذي قامَتْ به من غير شعورٍ للشخص بشيء من ذلك أصلاً،
وهذا كالمُشاهَد المحسوس الذي يكاد يُعَدُّ مُنكِرِه مُكابراً منكراً للمشاهَدات.
وقال المعتزلة والقفَّال من الشافعية(٣): إن كون الصَّرع والجنون من الشَّيطان
باطلٌ؛ لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِّن
سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢] وما هنا واردٌ على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أن
الشيطان يخبط الإنسان فَيُصرَع، وأن الجنيَّ يَمَسُّه فيختلط عقلُه، وليس لذلك حقيقة.
وليس بشيء، بل هو من تخبُّط الشيطان بقائله، ومن زعماته المردودة بقواطع
(١) في معاني القرآن ٣٥٨/١.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٢/١.
(٣) ذكر قوله الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٤٧/٣.

الآية : ٢٧٥
٤٧٧
سُورَةُ الْبَّدَة
الشرع؛ فقد ورد: ((مامِنْ مولود يُولَد إلا يَمسُّه الشيطانُ فيستهلّ صارخاً - وفي بعض
الطرق: ((إلا طَعَنَ الشيطانُ في خاصرته، ومن ذلك يستهلّ صارخاً)) - إلا مريمَ وابنها
لقول أُمِّها: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦])](١).
وقوله وَّهِ: ((كُقُّوا صبيانكم أولَ العشاء، فإنه وقتُ انتشار الشياطين))(٢).
وقد ورد في حديث المفقودِ الذي اختطفته الشياطينُ وركَّته في زمنه عليه الصلاة
والسلام أنه حدَّث من شأنه معهم قال: فجاءني طائرٌ كأنه جمل قبعثري فاحتملني
على خافيةٍ من خوافيه(٣). إلى غير ذلك من الآثار، وفي ((لَقْط المرجان في أحكام
الجان)) كثيرٌ منها. واعتقاد السلف وأهل السُّنة أن ما دلَّت عليه أمورٌ حقيقيةٌ واقعةٌ
كما أخبر الشرعُ عنها، والتزامُ تأويلها كلها يَستلزم خبطاً طويلاً لا يَميل إليه
إلا المعتزلة ومن حَذا حذوَهم، وبذلك ونحوِه خرجوا عن قواعد الشرع القويم
فاحذرهم قاتلهم اللهُ أنى يُؤفكون. والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على
مدَّعاهم لا تدلُّ عليه؛ إذ السُّلطان المنفي فيها إنما هو القهرُ والإلجاء إلى متابعته،
لا التعرُّض للإيذاء والتصدِّي لما يحصل بسببه الهلاكُ.
ومن تتبّع الأخبارَ النبوية وَجَدَ الكثيرَ منها ناطقاً (٤) بجواز وقوع ذلك من
الشيطان، بل بوقوعه بالفعل، وخبر: ((الطاعونُ من وَخْزِ أعدائِكم الجِنِّ»(٥) صريحٌ
في ذلك، وقد حمله بعضُ مشايخنا المتأخِّرين على نحو ما حمّلنا عليه مسألةَ
التخبُّط والمسِّ، حيث قال: إنَّ الهواء إذا تعفَّن تعقُّناً مخصوصاً مستعدًّا للخَلْط
والتكوين، تنفرزُ منه وتنحاز أجزاءٌ سُمِّيةٌ باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء ناريَّةٍ
مُحرقة، فيتعلَّق بها روحٌ خبيئة تُناسبها في الشَّرارة، وذلك نوعٌ من الجِنِّ، فإنها على
(١) أخرجه أحمد (٧١٨٢)، والبخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) من حديث أبي هريرة
باختلاف يسير.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٨٠)، ومسلم (٢٠١٢) (٩٧) من حديث جابر مه بلفظ ((إذا استجنح
الليل فكُفُوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر ... )).
(٣) ذكره ابن الأثير في النهاية (قبعثر)، وقال: القبعثري: الضخم العظيم. والخافية: الريش
الصغار التي في جناح الطائر، ضد القوادم. النهاية (خفي).
(٤) في (م): قاطعاً.
(٥) أخرجه أحمد (١٩٥٢٨) من حديث أبي موسى الأشعري ظ

سُورَةُ الْبَنَة
٤٧٨
الآية : ٢٧٥
ما عرف في الكلام: أجسام حيَّة لا تُرى، إما الغالب عليها الهوائية، أو النارية،
ولها أنواع: عقلاء وغير عقلاء، تتوالد وتتكوَّن، فإذا نزل واحدٌ منها طبعاً أو إرادةً
على شخص، أو نَفَذَ في منافذِه، أو ضرب وطعن نفسه به، یحصُل فیه - بحسب
ما في ذلك الشَّرِّ من القوة السُّمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثَّر منه، كما هو
مقتضى الأسباب العاديَّة في المسبَّبات - ألمٌ شديدٌ مُهلِكٌ غالباً، مُظْهِرٌ للدماميل
والبَثَرات في الأكثر، بسبب إفساده للمزاج المستعدّ.
وبهذا يَحْصُلُ الجمع بين الأقوال في هذا الباب، وهو تحقيقٌ حَسَنٌّ لم نجده
لغيره، كما لم نجد ما حقَّقناه في شأن المَسِّ لأحدٍ سوانا، فليحفظ.
والجارُّ والمجرور متعلِّق بما قبله من الفعل المنفيّ بناءً على أن ما قبل ((إلا))
يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً، كما في ((الدُّر المصون))(١)، أي: لا يقومون من
جهة المسِّ الذي بهم بسبب أكلهم الربا، أو بـ ((يقوم))، أو بـ ((يتخبَّطه)).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الأكلِ، أو إلى ما نزل بهم من العذاب ﴿يَأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا
الْبَيْعُ مِثْلُ الرِبَواْ﴾ أرادوا نَظْمَهما في سِلك واحدٍ لإفضائهما إلى الرِّبح، فحيث حلَّ
بيعُ ما قيمته درهم بدرهمين، حلَّ بيع درهم بدرهمين، إلا أنهم جعلوا الرِّبا أصلاً في
الحلِّ وشَّهوا البيعَ به؛ روماً للمبالغة، كما في قوله:
ومَهْمَهِ مُغبرَّة أرجاؤه
كأنَّ لونَ أرضِه سماؤه (٢)
وقيل: يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءً على ما فَهِموه أن البيع إنما حلَّ
لأجل الكسب والفائدة، وذلك في الرِّبا متحقِّقٌ وفي غيره موهوم.
﴿وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَزَّمَ الزَّوْ﴾ جملةٌ مستأنفة من الله تعالى ردًّا عليهم وإنكاراً
لتسويتهم. وحاصلُه: أن ما ذكرتم قياسٌ فاسدُ الوضع؛ لأنه معارِضٌ للنصِّ، فهو
(١) ٦٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٤٧/٢.
(٢) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص٣، ومعاهد التنصيص ١٧٨/١، والأول منهما في الديوان
برواية: وبلد عاميةٍ أعماؤه. قال العباسي في معاهد التنصيص: المَهْمه: المفازة البعيدة
والبلد المقفر، والمُغبرّة: المتلونة بالغبرة.

الآية : ٢٧٥
٤٧٩
سُورَةُ الشَّرَ
من عمل الشيطان، على أن بين البابين فرقاً، وهو أنَّ مَن باع ثوباً يُساوي
درهماً بدرهمين، فقد جعل الثوبَ مُقابِلاً لدرهمين، فلا شيء منهما إلا وهو في
مقابلة شيء من الثوب، وأما إذا باع درهماً بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير
عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً؛ إذ الإمهال ليس بمالٍ حتى يكون في
مقابلة المال. وقيل: الفرقُ بينهما أن أحدَ الدرهمين في الثاني ضائع حتماً، وفي
الأول مُنجيِر بمساس الحاجة إلى السُّلعة أو بتوقُّح رَواجها .
وجوِّز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفّار إنكاراً للشريعة وردًّا لها، أي:
مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى، فهي حينئذٍ حالية،
وفيها قَدْ مقدرةً، ولا يخفى أنه من البُعد بمكان.
والظاهر عموم البيع والرِّبا في كلِّ بيع وفي كلِّ ربًا إلا ما خصَّه الدليلُ من
تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الرِّبا، وقيل: هما مجملان فلا يُقدَم على تحليلِ
بیعٍ ولا تحریم ربًا إلا ببيان، ويُؤيِّده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير،
عن عمر بن الخطاب ﴿به أنه قال: من آخر ما أُنزل آية الرِّبا، وإنَّ رسول الله وَليه
قُبض قبل أن يُفسِّرها لنا، فدعوا الرِّبا والرِّيبة (١).
﴿فَمَنْ بَةُ مَوْعِظَةٌ﴾ أي: فمَن بلغه وعظٌ وزجرٌ كالنهيِّ عن الربا واستحلالِهِ، و
(مَنْ)) شرطية، أو موصولة، و((موعظةٌ)) فاعل ((جاء))، وسقطت التاء للفصل وكونٍ
التأنيث مجازيًّا، مع مافي الموعظة معنّى من التذكير، وقرأ أُبيِّ والحسن: ((جاءته))
بإلحاق التاء(٢).
﴿مِن رَّبِّهِ﴾ متعلِّق بـ ((جاءه)»، أو بمحذوف وقع صفة لـ ((موعظة))، وعلى
التقديرين فيه تعظيمٌ لشأنها، وفي ذِكر الرَّبِّ تأنيسٌ لِقبول الموعظة؛ إذ فيه إشعارٌ
بإصلاح عبده. و((مِن)) لابتداء الغاية، أو للتبعيض وحُذف المضاف(٣).
(١) مسند أحمد (٢٤٦)، وسنن ابن ماجه (٢٢٧٦)، وتفسير الطبري ٦٦/٥، وأخرج البخاري
قال: آخر آية نزلت على النبي ◌َلهو آية الربا. قال الحافظ ابن
(٤٥٤٤) عن ابن عباس
حجر في الفتح ٨/ ٢٠٥: المراد بالآخرية في الربا تأخّر نزول الآيات المتعلقة به من سورة
البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزولُه سابق لذلك بمدة طويلة.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٧ .
(٣) والتقدير: من موعظات ربِّه، أي: بعض مواعظه. ينظر الدر المصون ٢/ ٦٣٤ .

سُولَةُ الَّفَقَة
٤٨٠
الآية : ٢٧٥
﴿فَهَى﴾ عطف على ((جاءه)) أي: فاتَّعظ بلا تراخٍ، وتبع النهي ﴿فَلَهُ، مَا سَلَفَ﴾
أي: ما تقدَّم أخذُه قبلَ التحريم لا يُستردُّ منه، وهذا هوّ المرويُّ عن الباقر وسعيد بن
جبير. وقيل: المراد: لا مُؤاخذةً عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدَّم له أخذُه
من الرِّبا قبلُ. والفاء إما للجواب، أو صلة في الخبر. و((ما)) في موضع الرفع
بالظرف إنْ جُعِلَتْ ((من)) موصولةً، وبالابتداء إنْ جُعِلَتْ شرطيةً على رأي مَن يشترط
الاعتماد وكونَ المرفوع اسمَ حدث، ومَن لا يشترطهما يُجوِّز كونَه فاعل الظرف.
﴿وَأَمْرُهُ﴾ أي: المنتهي بعد التحريم ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عَصَمه من الرِّبا فلم
يفعل، وإن شاء لم يفعل، وقيل: المراد: إنه يُجازيه على انتهائه إن كان عن قبول
الموعظة وصدق النية، أو يحكم في شأنه يومَ القيامة بماشاء، لا اعتراض لكم
عليه. ومن الناس مَن جعل الضميرَ المجرور لـ ((ما سلف)) أو لـ ((الرِّبا))،
وكلاهما خلاف الظاهر.
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: رجعَ إلى ما سلف ذِكْرُه من فعل الرِّبا واعتقاد جوازه
والاحتجاج عليه بقياسه على البيع ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى ((مَن عاد)) والجمع باعتبار
المعنى ﴿أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي: ملازِمُوها ﴿هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾ أي: ماكِثون أبداً
لكفرهم، والجملة مُقرِّرة لما قبلها .
وجعل الزمخشريُّ(١) متعلَّق ((عاد)) الرِّبا، فاستدلَّ بالآية على تخليد مرتكب
الكبيرة. وعلى ما ذكرنا - وهو التفسير المأثور - لا يبقى للاستدلال بها مساغ.
واعتُرض بأن الخلودَ لو جُعل جزاءً للاستحلال بقي جزاءُ مرتكب الفعل من غير
استحلال غيرَ مذكور في الكلام أصلاً؛ لا عبارةً ولا إشارة، مع أنه المقصودُ
الأهم، بخلافٍ ما لو جُعِلَ ذلك جزاءَ أصل الفعل، فإن المقصود يكون مذكوراً
صريحاً مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود.
وأجيب بأن ما يكفّر مستحِلُّه لا يكون إلا من كبائر المحرَّمات، وجزاؤها
معلوم، ولذا لم يُنَبِّه عليه لظهوره.
وقال بعض المحقّقين في الجواب: إنْ جُعِلَ ذلك إشارةً إلى الأكل كان الجزاء
القيامَ المذكور من القبور إلى الموقف، وكفى به نكالاً، ثم أخبر أن حاملهم على
(١) في الكشاف ٤٠٠/١ .