Indexed OCR Text
Pages 421-440
الآية : ٢٥٩ ٤٢١ سُوَّةُ الْبَحْمَة وتقديمُ المفعول على الفاعل للاعتناء به، من حيث إن الاستبعاد ناشئ من جهته لا من جهة الفاعل. و((أنى)) نصب على الظرفية إن كانت بمعنى ((متى))، وعلى الحالية من ((هذه)) إن كانت بمعنى ((كيف))، والعامل فيه على أيِّ حال ((يُحيي)). ﴿فَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ أي: فألبثه ميتاً مئة عام، ولا بدَّ من اعتبار هذا التضمين؛ لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لاتمتد. والعام: السَّنة، من العَوْم وهو السِّباحة، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بُروجها . ﴿ثُمَّ بَعَنَةٌ﴾ أي: أحياه، من بعثتُ الناقة: إذا أقمتَها من مكانها، ولعلَّ إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة تأتِّيه على الباري عزَّ اسمُه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يومَ مات، عاقلاً فاهماً مستعدًّا للنظر والاستدلال. وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي ((البحر)) (١) أنه لما مرَّ له سبعون سنة من موته، وقد منعه الله تعالى من السِّباع والطير، ومنع العيون أن تراه، أرسل مَلَكاً إلى مَلِكٍ عظيم من ملوك فارس يقال له: كوسك، فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتغْمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسنَ مما كانت، فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان(٢) مع كل قهرمان ألف عامل، وجعلوا يعمُرونها، وأهلك اللهُ تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغَه، ونجَّى اللهُ تعالى من بقي من بني إسرائیل، وردّهم إلى بيت المقدس فعَمَروها ثلاثین سنةً، وگَثُروا حتی کانوا کاحسن ما كانوا علیه، فعند ذلك أحياه الله تعالى. ﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا قال له؟ فقيل: قال: ﴿كَّمْ لَبِئْتٌ﴾ ليُظهر له العجزَ عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتمٍّ وجهٍ، وتنحَسم مادة استبعاده بالمرَّة. و(كم)) نصب على الظرفية ومميِّزها محذوف تقديره: كم وقتاً، والناصب له ((لشكّ». (١) ٢٩١/٢. (٢) القهرمان: هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس. النهاية (قهرم). سُورَةُ الْبَدَ ٤٢٢ الآية : ٢٥٩ والظاهر أن القائل هو الله تعالى، وقيل: هاتفٌ من السماء، وقيل: جبريل، وقيل: نبيّ، وقيل: رجلٌ مؤمن شاهده یوم مات، وعمِّر إلی حین إحيائه، فیکون الإسناد إليه تعالى مجازاً. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قاله بناءً على التقريب والتخمين، أو استقصاراً لمدَّة لُبثه، وقيل: إنه مات ضُحَى، وبعث بعد المئة قبلَ الغروب، فقال قبل النظر إلى الشمس: ((يوماً)) ثم التفت فرأى بقيةً منها فقال: ((أو بعض يوم)) على الإضراب. واعتُرض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم، ولو بناء على حسبان الغروب؛ لتحقُّق النقصان من أوله. ﴿قَالَ بَل لَِّثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ عطف على مقدَّر، أي: ما لبثتَ ذلك القدر، بل هذا المقدار. ﴿فَتُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ﴾ قيل: كان طعامه عنباً أو تيناً، وشرابه عصيراً أو لَبَناً ﴿لَمْ يَقَسَنَّةٌ﴾ أي: لم يتغيَّر في هذه المدَّة المتطاولة، واشتقاقه من السَّنَّة، وفي لامها اختلاف؛ فقيل هاء، بدليل: سانَهْتُ فلاناً، فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل: واو، بدليل الجمع على سنوات، فهو مجزوم بحذف الآخِر، والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف، وفي الوصل لإجرائه مجراه. ويجوز أن يكون النَّسَنُّه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل، ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضّاً طريّاً غير متكرِّج(١). وقيل: أصله: لم يتسنَّن، ومنه: الحمأ المسنون، أي: الطين المتغير، ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة، كما قالوا في تَّننْت: تظنَّيْت، وفي تقضَّضْتُ: تقضَّيْتُ، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة - في رأيٍ - ياء، ثم أبدلت الياء ألفاً، ثم حذفت للجازم. والجملة المنفية حال، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردّد فيه، كقوله تعالى : ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَّهٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] و﴿أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣](٢). (١) تكرَّج: فَسَدَ وعَلَتْه خُضْرَةٌ. القاموس (كرج). (٢) وهذه الآية مثال على مجيء الواو في الجملة الحالية المنفية بـ ((لم))، وذكرت للإشارة إلى أن النفي بـ ((لم)) جاء مع الواو ودونها. ينظر البحر ٢٩٢/٢، والدر المصون ٢/ ٥٦٢. الآية : ٢٥٩ ٤٢٣ سُوَّةُ النَّفَقَة وصاحبها إما الطعام والشَّراب، وإفرادُ الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء، وإما الأخير، واكتفى بدلالة حاله على حال الأول، ويؤيِّده قراءة عبد الله: ((وهذا شرابك لم يتسنه))، وقرأ أبي: ((لم يَسَّنَّة)) بإدغام التاء في السين(١). واستشكل تفرُّع ((فانظر)) على لُبْثِ المئة بالفاء وهو يقتضي التغير. وأجيب بأن المفرَّع عليه ليس لبث المئة، بل لبث المئة من غير تغير في جسمه حتى ظنَّه زماناً قليلاً، ففرّع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغيُّر الطعام والشراب، وبقاءُ الحيوان حيًّا من غير غذاء. وقيل: إن التقدير: إن حصل لك عدمُ طمأنينة في أمر البعث، فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغيُّر، حتى تعرف أن مَن لم يغيِّره يَقدرُ على البعث. وفيه نظر؛ لأنه مع كونه خلاف الظاهر یعكّر عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ کیف نخرت عظامه وتفرَّقت أوصالُه، وهذا هو الظاهر لأنه أدلُّ على الحال وأوفق بما بعده. وكون المراد: انظر إليه سالماً في مكانه كما ربطتَه حفظناه بلا ماء وعلَفٍ كما حفظنا الطعامَ والشرابَ، ليس بشيء، ولا يساعده المأثور. ﴿وَلَنَجْعَلَكَ﴾ متعلِّق بمقدَّرٍ، أي: فعلنا ذلك لنجعلك، ومنهم من قدَّره متأخراً، وقيل: إنه متعلّق بما قبله والواو زائدة، وعلى تقديره فهو معطوف على ((لبثتَ))، أو على مقدَّر بطريق الاستئناف، أي: فعلنا ذلك لتُعايِن ما استبعدتَ أو لتُهْدَى ولنجعلَك، وقيل: إنه عطف على ((قال)) ففيه التفات. ﴿ءَايَةٌ﴾ أي: عبرة أو مرشداً ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: جنسهم، أو مَن بقي من قومه، أو للموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية، ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قَرَن بينه وبين الأمر بالنظر إلى حماره. ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الِْظَامِ﴾ أي: عظام الحمار، كما قاله السديُّ. وكرَّرَ الأمر لِما أن المأمور به أولاً هو النظر إليها من حيث الدلالة على المُكْث المديد، وثانياً هو النظرُ إليها من حيث تعتريها الحياة ومَباديها . (١) القراءتان في البحر المحيط ٢٩٢/٢. سُورَةُ البَفَقَة ٤٢٤ الآية : ٢٥٩ وقيل: عظام أموات أهل القرية. وعن قتادة والضحاك والربيع: عظام نفسه؛ قالوا: أول ما أحبى اللهُ تعالى منه عيناه، وسائرُ جسده ميتٌ وعظامُه نخرةٌ، فأمر بالنظر إليها. وقيل: عظامه وعظام حماره. والكلُّ لا يعوَّل عليه. ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو: الرفع، أي: كيف نرفعها من الأرض فتردّها إلى أماكنها من الجسد. وقال الكسائيُّ: نليِّنها ونعظمها. وقرأ أبي: ((نُنْشيها))(١). وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: ((نُنْشِرُها))(٢)، من أَنْشَرَ اللهُ تعالى الموتى: أحياها، ولعل المراد بالإحياء ما تقدَّم لا معناه الحقيقي؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ أي: نسترها به كما نستر الجسدَ باللباس. وقرأ أبان عن عاصم: ((نَنْشُرُها)) بفتح النون وضمِّ الشين والراء(٣)، وهو حينئذٍ من النشر ضد الطيّ، كما قال الفراء(٤). فالمعنى: كيف نبسطها. والجملة قيل: إما حالٌ من العظام، أي: وانظر إليها مركّبةً مكسوَّةً لحماً، أو بدلُ اشتمالٍ، أي: وانظر إلى العظام كيفيةِ إنشازها وبَسْطِ اللحم عليها . واعتُرضت الحالية بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالاً . وأجيب بأن الاستفهام ليس على حقيقته، فما المانعُ من الحالية؟ ولعلَّ عدم التعرُّض لكيفية نفخ الروح - كما قيل - لِمَا أنها مما لا تقتضي الحكمةُ بيانَها، وفي بعض الآثار: أن ملكاً نادى العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية، ثم ألبسها العروق والعَصَب، ثم كَسَاها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمارُ رافعاً رأسه وأذنيه إلى السَّماء ناهقاً (٥). ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أي: اتَّضح اتضاحاً تامًّاً له ما دلَّ عليه الأمرُ من كيفية الإحياء بمباديه، والفاء للعطف على مقدَّر يستدعيه الأمر المذكور، وإنما حذف للإيذان بظهور تحقّقه واستغنائه عن الذكر، وللإشعار بسرعة وقوعه، كأنه قيل: (١) المحرر الوجيز ٣٥١/١، وتفسير القرطبي ٣٠٧/٤، والبحر المحيط ٢٩٤/٢. (٢) التيسير ص ٨٢، والنشر ٢٣١/٢. (٣) السبعة ص ١٨٩، والمشهور عن عاصم: ((تُنْشِزِها)). (٤) في معاني القرآن ١/ ١٧٣ . (٥) أخرجه الطبري عن وهب بن منبه ٤/ ٦٠٧ بنحوه. الآية : ٢٥٩ ٤٢٥ سُورَةُ البَمَة فأنشرها الله تعالى وكَسَاها لحماً، فنظر إليها فتبيَّن له كيفيته فلما تبيَّن له(١) ذلك ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ ومن جملته ما شوهد ﴿قَدِيرٌ وقيل: فاعل ((تبيَّن)) مضمَرٌ يفسِّره مفعول ((أَعْلَمُ))، فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين، وأورد عليه أن شرط التنازع كما نصَّ عليه النحاةُ اشتراكُ العاملَيْن بعطف ونحوه بحيث يرتبطان، فلا يجوز: ضربني أَهَنتُ زيداً، وقيل: وليس بشيء؛ لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور، وقد صرَّح بازاتُ الفنِّ بخلافه كأبي عليٍّ وغيره، مع أنه لم يُخَصَّ بالعطف إذ هو جارٍ في قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُوا كِنَبِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩] و ((لمَّا)) رابطة للجملتين، فيكفي مِثْلُه في الرَّبطِ وإن لم يصرِّحوا به. ومن الناس مَن استَحسَن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل نفسَ وقوعه لا التلُّسَ بالفاعل، فكأن معناه: فلمَّا حَصل له التبيُّن قال: أَعْلَم إلخ، ويساعده قراءةُ ابن عباس ◌ِّها: ((فلما تُبيِّنَ له)) على البناء للمفعول(٢). وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمرٌّ، نظراً إلى أن أصله لم يتغيّر، بل إنما تبدل بالعيان وصفُه، وفيه إشعارٌ بأنه إنما قال ما قال بناءً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر. وقرأ ابن مسعود: ((قيل اعْلَمْ)) على وجه الأمر(٣). وأخرج سعيدُ بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ((قال اعلم)) ويقول: لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام؛ قال الله تعالى له: ﴿اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ (٤)، وبذلك قرأ حمزة والكسائي(٥). والآمر هو الله تعالى، أو النبيُّ، أو المَلَك. ويحتمل أن يكون المخاطِب هو نفسُه على سبيل التجريد مبكّتاً لها موبِّخاً على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد. يُروى أنه بعد هذا القول قام فرَكِب حمارَه حتى أتى مَحلَّته، فأنكره الناس (١) قوله: له ليس في (م). (٢) القراءات الشاذة ص١٦. (٣) المصدر السابق. (٤) سنن سعيد بن منصور (٤٣٥ - تفسير)، والدر المنثور ٣٣٤/١ وعنه نقل المصنف. (٥) التيسير ص٨٢، والنشر ٢٣١/٢. سُورَةُ الْبَقَة ٤٢٦ الآية : ٢٥٩ وأنكرهم، وأنكر منازلهم، فانطلق على وَهَم منهم حتى أتى مَنْزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مئةٌ وعشرون سنة، كانت أمةً له، وكان قد خرَج عزيرٌ وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: يا هذه أهذا منزلُ عزير؟ قالت: نعم. وبكّت وقالت: ما رأيت أحداً منذ كذا وكذا سَنةً يذكر عزيراً، وقد نسيه الناسُ. قال: فإني أنا عزيرٌ. قالت: سبحان الله! فإن عزيراً قد فقدناه منذ مئة سنة فلم نسمع له بذكر. قال: فإني عزيرٌ، كان الله تعالى أماتني مئة سنة ثم بعثني. قالت: فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء؛ فادعُ اللهَ تعالى أن يَردَّ عليَّ بصري حتى أراك، فإن كنتَ عزيراً عرفتُك. فدعا ربَّه ومسَحَ يده على عينيها فصحّتا، وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله تعالى. فأطلَق اللهُ تعالى رجليها فقامت صحيحةً كأنما نشطت من عِقَال، فنظرَت فقالت: أشهدُ أنك عزيرٌ! فانطلقتْ إلى محلّة بني إسرائيل وأنديتهم ومجالسهم، وابنُ العزير(١) شيخٌ ابن مئة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخٌ في المجلس، فنادتهم. فقالت: هذا عزيرٌ قد جاءكم. فكذَّبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا إلى ربِّه فردَّ عليَّ بَصري وأطلَق رجليَّ، وزعم أن الله تعالى كان أماته مئة سنة ثم بعثه. فنهَض الناسُ فأقبلوا عليه فنظروا إليه، فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه. فكشّف عن كتفيه فإذا هو عزيرٌ، فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحدٌ حفظ التوراةَ فيما حدِّثنا غير عزير، وقد حرق بختنصرُ التوراةً ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجالُ، فاکتُبها لنا. وكان أبوه قد دفن التوراة أیام بختنصر في موضع لم يعرفه غیر عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفَره فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورقُ ودَرَسَ الكتابُ، فجلس في ظلِّ شجرة وبنو إسرائيل حولَه، فَنزل من السَّماء شهابان حتى دخلا جوفَه فتذكر التوراةَ، فجدَّدها لبني إسرائيل(٢). وفي رواية: أنه قرأها عليهم حين طلبوا منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرِم منها حرفاً، فقال رجلٌ من أولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد مهلِك بختنصر: حدَّثني أبي عن جدِّي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرمٍ، فإن (١) في الأصل: لعزير. (٢) الدر المنثور ٣٣٢/١، وأخرج بعضه ابن عساكر في تاريخه ٦٠٣/١١ عن ابن عباس، وفي إسناده إسحاق بن بشر؛ كذبه ابن المديني والدارقطني. الميزان ١/ ١٨٤ . التفسير الإشاري (٢٥٦-٢٥٩) ٤٢٧ سُورَةُ الْجَرَة أريتموني كرمَ جَدّي أخرجتُها لكم، فذهبوا إلى كرم جدِّه ففتشوها، فوجدوها، فعارضوها بما أملى عليهم عزيرٌ عن ظهر قلب فما اختلفا في حرفٍ واحد، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله. تعالى عن ذلك علواً كبيراً . ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات: ﴿لَّ إِكْرَاءَ فِ الذِينِ﴾ لأنه في الحقيقة هو الهدى المستفادُ من النور القلبي اللازم للفطرة، وهو لا مدخلَ للإكراه فيه ﴿قَد أَََّّ﴾ ووَضَح ﴿الرُّشْدُ﴾ الذي هو طريق الوحدة، وتميَّز ﴿مِّنَ الْفَيَّ﴾ الذي هو النظر إلى الأغيار ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ﴾ وهو ما سوى الله تعالى ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ إيماناً حقيقيًّا شهوديّاً ﴿فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىُّ﴾ التي هي الوحدة الذاتية ﴿لَا أَنِفِصَامَ لما﴾ في نفسها لأنها الموافقة لما في نفس الأمر، والممكناتُ والشؤونُ داخلٌ في دائرتها غيرُ منقطعة عنها ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع قولَ كلِّ ذي دين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّته. ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وليس وليٍّ سواء، ولا ناصر ولا معين لهم غيره ﴿يُغْرِجُهُم مِّنَ﴾ ظلمات النفْس وشُبَه الخَيال والوهم إلى نور اليقين والهداية وفَضاء عالَم الأرواح. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالميل إلى الأغيار ﴿أَوْلِمَآؤُهُمُ اللَّاغُوتُ﴾ الذي حالَ بينهم وبين الله تعالى فلم يَلتفِتوا إليه ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ﴾ نورِ الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفْس والشكوك والشبهات ﴿أُوْلَيْكَ﴾ المبعَدون عن الحَضْرة ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الطبيعية ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . ﴿أَلَّمَ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ فِ رَبِّهِ﴾ وهو نمروذ النفسِ الأمّارة المجادلة لإبراهيم الروحِ القدسية التي ألقيت في نار الطبيعة فعادت عليها برداً وسلاماً، أو نمروذ الجبارِ وإبراهيم الخليل عليه السلام ﴿أَنّ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي هو عالَمُ القوى البدنية، أو ملك(١) هذه الدنيا الدنية ﴿إِذْ قَالَ إِزَهِمُ﴾ الروح، أو إبراهيم الخليل: ﴿رَنَّ﴾ أي: مَنْ غذيت ببيان(٢) أنواره أو إيجاده وهدايته ﴿الَّذِى يُِّ.) مَن توجَّه إليه ﴿وَيُمِيتُ﴾ مَن أعرَض عنه، أو يحيي ويميت الإحياءَ والإماتةَ المعهودتَين. (١) في (م): وملك، بدل: أو ملك. (٢) في الأصل: بلبان. سُورَةُ الَّقَة ٤٢٨ التفسير الإشاري (٢٥٦-٢٥٩) ﴿قَالَ﴾ نمروذ النفس الأمارة، أو الجبارُ: ﴿أَنَاْ أُحِىء﴾ بعضَ القوى بصرفها في ميادين اللذات واستنشاق ريح الشهوات ﴿وَأُمِيتٌ﴾ بعضَها بتعطيله عن ذلك برهةً، أو: أحيي بالعفو وأميت بالقتل ﴿قَالَ إِثْرَهِمُ﴾ الروح، أو الخليل: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِ﴾ بشمس العرفان من مشرقها، وهو جانب المبدأ الفيَّاض ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبٍ﴾ أي: أَظْهِرْها بعد غروبها وحيلولةٍ أرض الوجود بينك وبينها، أو: إنَّ الله يأتي بشمس الروح من مشرقها - وهو مبدؤها الأصلي - فتُشْرِقُ أنوارُها على صفحات البدن، فأت بها بعد ما غربت، أي: فأرجعها إلى من قتلتَه وأَمَتَّه، وعلى هذا يكون من تتمة الأول ﴿فَبُهِتَ﴾ وَغُلِب ﴿الَّذِى كَفَرَ﴾ وهو النفس الأمارة المدَّعية للربوبية على عرش البدن، أو نمروذ اللعين. ﴿أَوْ كَلَّذِى مَزَّ﴾ وهو العقلُ الإنساني ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ القلب الذي هو البيت المقدَّس، أو هو عزيرٌ النبيُّ وكان قدم على بيت المقدس قبل التجلِّ باسمه تعالى المحيي ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾ خاليةٌ من التجليات النافعة، ثابتة ﴿عَى عُرُوشِهَا﴾ صورها، أو ساقطةٌ منهدمةٌ لضعف أُسِّ الاستعداد على عروش العزائم ﴿قَالَ﴾ لذهوله عن النظر إلى الحقائق: ﴿أَنَّ﴾ متى، أو كيف ﴿يُتِى هَذِهِ﴾ القريةَ ﴿اللَّهُ﴾ الجامعُ لصفات الجمال والجلال ﴿بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ بداءِ الجهلِ والالتفات إلى السِّوى؟ ﴿فَمَاتَهُ اَللَّهُ﴾ أبقاه جاهلاً ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ أي: مدة طويلة، وقيل: هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر، أو خمسة وعشرين سنة ﴿ثُمَّ بَعَثَةٌ﴾ بالحياة الحقيقية، وطلب منه الوقوف على مدة اللبث، فما ظنَّها إلا ﴿يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استصغاراً لمدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية. أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة، فتكون المدَّةُ زمانَ رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله تعالى. أو أماته حتف أنفِه بالموت الطبيعي ﴿ثُمَّ بَعَثَةٌ﴾ بالإحياء. ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ﴾ في الحقيقة ﴿مِائَةَ عَامٍ فَأَنْفُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ وكان التِّينَ أو العنبَ، والأول إشارة إلى المدرَكات الكلية لكونه لبًّا كلَّه، وكون الجزئيات فيه بالقوة كالحبَّات التي في التِّين، والثاني إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم ﴿وَشَرَائِكَ﴾ وكان عصيرَ العنب أو اللَّبَنَ، والأوّل الآية : ٢٦٠ ٤٢٩ سُوَّةُ الْبَقَة إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف والحقائق، والثاني إشارة إلى العلم النافع كالشرائع. ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ أي: لم يتغيّر عمَّا كان في الأزل(١) بحسب الفِطَر مودعاً فيك؛ فإن العلوم مخزونة في كلِّ نفس بحسب استعداده، والناسُ معادنٌ كمعادن الذهب والفضة، وإن حُجبت بالموادِّ وخَفِيتْ مدةً بالتقلُّب في البرازخ وظلماتِها، لم تبطل ولم تتغير عن حالها، حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت. ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وهو القالب الحامل للقلب، أو المعنى الظاهر ﴿وَلِنَّجْمَكَ ءَايَةٌ﴾ أي: دليلاً للناس بعثناك ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ من القوى ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ ونرفعها عن أرض الطبيعة ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ وهو العرفان الذي يكون لباساً لها، وعبَّر عنه باللحم لنموِّه وزيادته كلَّما تغذَّت الرُّوح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال، والمعنى الظاهر ظاهرٌ، فلمَّا تبيَّن ووَضح له ذلك ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ علماً مستمراً ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ ومن جملته ما كان ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يستعصي عليه ولا يعجزه. ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ﴾ بيانٌ لتسديد المؤمنين إثر بيانٍ، ولمغايرته لِما تقدَّم - كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى - غيَّر الأسلوب. والظرفُ منتصب إمَّا بمضمر صرَّح بمثله في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وإيجابُ ذكر الوقت إيجابٌ لذكر ما فيه بطريقٍ برهاني. وإمَّا بـ ((قال)) الآتي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. ﴿رَبِّ﴾ كلمةُ استعطافٍ شُرِعَ ذكرها قبل الدعاء مبالغةً في استدعاء الإجابة ﴿أَرِبِ﴾ من الرؤية البصرية المتعدية بهمزة النقل إلى مفعولين، فالياء مفعوله الأوّل، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقّ﴾ في محل مفعوله الثاني المعلَّق عنه، وإلى ذلك ذهب أكثر المعربين، واعتُرض بأن البصرية لا تُعلَّق. وأجيبَ بأن ذلك إنما ذكره بعض النحاة، وردّه ابن هشام(٢) بأنه سُمع تعليقُها. وفي ((شرح التوضيح)): يجوز كونها عِلْمية. (١) في (م): الأول. (٢) في أوضح المسالك ص ٢٢٩. سُوَّةُ الْبَقَة ٤٣٠ الآية : ٢٦٠ ومن الناس مَن لم يجعل ما هنا من التعليق في شيء، وجَعَل كلمة ((كيف)) إلخ في تأويل مصدر هو المفعول، كما قاله ابن مالك في قوله تعالى: ﴿وَتَبََّ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]. ثم الاستفهام بـ ((كيف)) إنما هو سؤالٌ عن شيء متقرِّر الوجود عند السائل والمسؤول، فالاستفهام هنا عن هيئة الإحياء المتقرِّر عند السائل، أي: بصّرني كيفية إحيائك للموتى، وإنما سأله عليه السلام لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عَين اليقين، وفي الخبر: ((ليس الخبر كالمعاينة))(١). وكان ذلك حين رأى جيفةً تمزّقها سباعُ البَرِّ والبحر والهواء؛ قاله الحسن والضحاك وقتادة، وهو المرويُّ عن أهل البيت . وروي عن ابن عباس والسديٌّ وسعيد بن جبير: أن الملك بشَّره عليه السَّلام بأن الله تعالى قد اتَّخذه خليلاً، وأنه یجیب دعوته ويحيي الموتی بدعائه، فسأل لذلك. وروي عن محمد بن إسحاق بن يسار أن سبب السؤال منازعةُ النمروذ إياه في الإحياء - حيث رَدَّ عليه لَمَّا زعمَ أن العفو إحياءٌ - وتوَّده بالقتل إن لم يحي اللهُ تعالی المیت بحیث یشاهده، فدعا حينئذ. ﴿قَالَ﴾ استئناف مبنيٌّ على السؤال، والضميرُ الرَّبِّ ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ عطف على مقدَّر، أي: ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادرٌ على الإحياء کیف أشاءُ حتى تسألني عنه، أو بأني قد اتَّخذتك خليلاً، أو بأن الجبار لا يقتلك. ﴿قَالَ﴾ أي: إبراهيم ﴿بَلَى﴾ آمنتُ بذلك ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتُ ﴿لِيَطْمَيِنَّ﴾ أي: يَسكن ﴿قَلْبِ﴾ بمضامة العيان(٢) إلى الإيمان والإيقان بأنك قادرٌ على ذلك، أو ﴿لَيَطْمَيْنَ قَلِىٌ﴾ بالخُلَّة، أو بأن الجبار لا يقتلني، وعلى كلِّ تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال، ولا ينافي منصبَ النبوة أصلاً، وللناس ولوٌ بالسؤال عن هذه الآية، وما ذُكر هو المشهور فيها . (١) أخرجه أحمد (١٨٤٢) من حديث ابن عباس (٢) في (م): الأعيان. الآية : ٢٦٠ ٤٣١ سُورَةُ الْبَيْفَة ويعجبني ما حرَّره بعضُ المحقّقين(١) في هذا المقام، وبسطه في الذّبِّ عن الخليل عليه السلام من الكلام، وهو: أن السؤال لم يكن عن شكٍّ في أمرٍ دينيٍّ والعياذُ بالله، ولكنه سؤالٌ عن كيفية الإحياء ليحيطَ علماً بها، وكيفيةُ الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطةُ بصورتها، فالخليل عليه السلام طلَب علمَ ما لا يتوقف الإيمان على عِلْمِه، ويدلُّ على ذلك ورود السؤال بصيغة ((كيف))، وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير هذا أن يقول القائل: كيف يحكم زيدٌ في الناس؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوتُه، ولو كان سائلاً عن ثبوت ذلك لقال: أيحكم زيدٌ في الناس؟ ولمّا کان الوهمُ قد یتلاعبُ ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم - وحاشاه - شًا من هذه الآية، قَطَع النبيُّ وَّهِ دابرَ هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع: ((نحن أحقُّ بالشكٌّ من إبراهيم)»(٢) أي: ونحن لم نَشُكَّ فَلَأَنْ لا يَشُكَّ إبراهيم أحرى. وقيل: إن الكلام مع ((أفعل)) جاء هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام، أي: لا شكَّ عندنا جميعاً، ومن هذا الباب ﴿أَهُمْ خَيْرُّ أَمْ قَوْمُ تُنَّعَ﴾ [الدخان: ٣٧] أي: لا خير في الفريقين. وإنما جاء التقرير بعدُ لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية - كما علمتَ - إلا أنها قد تستعمل أيضاً في الاستعجاز، كما إذا ادَّعى مدَّع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال - وأنت جازم بعجزه عن حمله - فتقول له: أرني كيف تحمل هذا! وتريد: إنك عاجز عن حمله. فأراد سبحانه لَمَّا علم براءة الخليل عن الحوْم حولَ حمى هذا المعنى أن يُنطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى؛ ليكون إيمانُه مخلصاً بعبارة تنصُّ عليه يفهمها كلُّ مَن يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شكٌّ. ومعنى الطمأنينة حينئذ: سكونُ القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهَد. وعدمُ حصول هذه الطمأنينة قبلُ لا ينافي حصولَ الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه، (١) هو ابن المنير في الانتصاف على هامش الكشاف ٣٩١/١. (٢) أخرجه أحمد (٨٣٢٨)، والبخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة ﴿ه. سُورَةُ الْجَمَة ٤٣٢ الآية : ٢٦٠ ولا أرى رؤيةً الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئاً، وإنما أفادته(١) أمراً لا يجب الإيمان به. ومن هنا تعلم أن عليّاً كرَّم الله تعالى وجهه لم يُثبت لنفسه مرتبةً في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله: لو كشف(٢) لي الغطاء ما ازددت يقيناً. كما ظنَّه جهلةُ الشيعة، وكثيرٌ من أصحابنا لما لم يقف على ما حرَّرنا تجشَّم لدفع ما عسى أن يُتوهم من كلامَي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول، فبعضٌ دفعه بأن اليقين يُتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى: ﴿وَحَعَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] والطمأنينة لا يتصور طروُّ ذلك عليها، ونسب هذا لحجة الإسلام الغزالي، وفي القلب منه شيء. وبعضٌ قرَّر في دَفْعِه أن مقام النبوة مغايرٌ لمقام الصِّدِّيقية، فلمقام النبوة طمأنينةٌ وعدمُ طمأنينة بحسبه، ولمقام الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينة بحسبه أيضاً، وطمأنينة مقام النبوة كانت لخاتم النبيين وَّر كما كشف عنها بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] على ما يعرفه أهلُ الذَّوق من الآية، وكان الاستعداد من إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجّهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة، كما أبانا عن أنفسهما بـ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَى﴾ و ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وطمأنينةُ مقام الصديقية كانت للصدِّيقين من أمَّة محمدٍ وَّ كما أبدى عن نفسه إمامُ الصِّديقين كَرَّم الله تعالى وجهه بقوله: لو كشف .. إلخ، وكان الاستعدادُ في صدِّيقي سائر الأنبياء متوجّهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة، فثبتت الفضيلة لمحمدٍ ◌ّ على سائر إخوانه من الأنبياء، ولِصِدِّيقيهِ على سائر الصِّدِّيقين من أممهم، ولم يثبت لصدِّيِقيه لوجدانهم طمأنينتَهم الفضيلةُ على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم؛ لأن ما فقدوه من الطمأنينة غيرُ ما وجده الصدِّيقون منها، لأنهم إنما يَفقدون الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة، والصديقون لم يجدوا مثلَ تلك الطمأنينة، وإنما وجدوا طمأنينة لائقةً بمقام الصديقين، ولو رضي النبيون بمثله لكان حاصلاً لهم، وأجلَّ من ذلك بعدَّة مراتب، ولقد اعترف الصديقُ الأكبر لُّه (١) في (م): أفادت. (٢) في (م): كشفت. الآية : ٢٦٠ ٤٣٣ سُورَةُ الشَّمَة بهذا التخلُّف حين بلَغه عن رسول الله وَّ أنه قال: ((إني لأسهو)) فقال: يا ليتني كنت سهوَ محمدٍ وَّجٍ(١). إذا علم أن ما يعدُّه رسولُ الله وآله من نفسه الكريمة سهواً فوق أعلى يقظات الصِّدِّيق؛ إذ حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين وحسناتُ المقرَّبين سيئاتُ النبيين. وهذا أولى مما سبق. وبعضٌ من المتصوِّفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهرَ كلٍّ من الكلامين، وزعموا أن أولياء هذه الأمة وصدِّيقيهم أعلى كَعْباً من الأنبياء، ولو نالوا مقامَ الصديقية، محتجِّين بما روي عن الإمام الرَّباني سيدي وسندي عبد القادر الكيلاني قدِّس سِرُّه أنه قال: يا معاشرَ الأنبياء الفرقُ بيننا وبينكم بالألقاب، وأُوتينا ما لم تؤتَوْه. وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدِّس سِرُّه ينطق بذلك. وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرْقٌ لإجماع المسلمين، ومُصادٌ للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين، ویوشك أن یکون القول به کفراً، بل قد قیل به. وما روي عن الشيخ السَّيد عبد القادر قدِّس سرّه فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعوَّل عليه، وما يُعْزَى إلى الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه فتُعارِضه عباراتٌ له أُخَرُ، مثل قوله قدِّس سِرُّه - وهو الذي تعلم ترجمتَه لنفسه وعدَّه إياها من أكبر الصِّديقين، بل خاتم الولاية الخاصة والمقام المحمدي -: فُتح لي قَدْرُ خرم إبرةٍ من مقام النبوة تجلِّاً لا دخولاً فكدتُ أحترقُ. وبتقدير تسليم ما نُقل عمَّن نَقَل، والقولِ بعدم قوَّة المعارض، لنا أن نقول: إن ذلك القولَ صدرَ عن القائل عند فنائه في الحقيقة المحمَّدية والذات الأحمدية، فاللسان حينئذٍ لسانُها والقول قولُها، ولم يَصدر ذلك منه حين رؤية نفسِه، والوقوف عند مرتبته(٢)، وهذا غير ما ذهب إليه الشيعةُ، وبعيدٌ عنه بمراحل، ولَعلَّ النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى؛ فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة، ولكل مقام مقالٌ. هذا وذكر الزمخشريُّ(٣) أن المراد بالطمأنينة هنا العلمُ الذي لا مجال للتشكيك فيه، وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك. (١) لم نقف عليه. (٢) في(م): رتبته. (٣) في الكشاف ٣٩٢/١. سُورَةُ الْبَحْمَة ٤٣٤ الآية : ٢٦٠ واعتُرض بأن العلم الموقوف على سبب لا يُتصور فيه تشكيكٌ ما دام سببُه مذكوراً في نفس العلم، وإنما الذي يقبل التشكيك قبولاً مطلقاً هو الاعتقادُ وإن كان صحيحاً، وسببه باقٍ في الذِّكر، وبهذا ينحظُ الاعتقاد الصحيح عن العلم، وأجيب بأن هذا مبنيٌّ على تفسير العلم بأنه صفةٌ توجب تمييزاً لا يحتمل النقيضَ بوجهٍ، على ما ذكره ابن الحاجب في ((مختصره))(١)، وقد قيل عليه ما قيل فَتَدبَّر. واللام في ((ليطمئن)) لامُ ((كي))، والفعل منصوبٌ بعدها بإضمار ((أنْ))، وليس بمبنيٍّ كما زَلَق السمينُ(٢). ومتعلَّق اللام محذوف - كما أشرنا - حذف ما منه الاستدراك (٣). وقيل: المتعلَّق ((أرني))، ولا أراه شيئاً. والماضي للفعل: اطمأنَّ على وزن اقْشَعَرَّ، واختلف هل هو مقلوب أم لا؟ فمذهب سيبويه(٤) أنه مقلوب من اظْأَمَنَّ، فالطاء فاء الكلمة والهمزة عينها والميم لامها، فقدِّمت اللام التي هي الميم على العين وهي الهمزة فوزنه: ((افْلَعَلَّ). ومذهب الجَرْميِّ أنه غير مقلوب، وكأنه يقول: اظْأَمَنَّ واظْمَأَنَّ مادتان مستقلتان. ومصدره الطمأنينة بسكون الميم وفتح الهمزة، وقيل: طمانينة بتخفيف الهمزة، وهو قياس مطّرِد عند الكوفيين، وهو على غير قياس المصادر عند الجميع؛ إذ قياس اطمأن أن يكون مصدره على الاطمئنان. وقرئ: ((أرني)) بسكون الراء(٥). ﴿قَالَ﴾ أي: الربُّ ﴿فَخُذْ﴾ الفاء لجواب شرط محذوف، أي: إن أردتَ ذلك فخذ ﴿أَرْبَعَةٌ مِّنَ الطَّيْرِ﴾ المشهورُ أنه اسمُ جمعٍ كـ: رَكْب وسفر. وقيل: بل هو جمع طائر كتاجر وتَجر، وإليه ذهب أبو الحسن(٦). وقيل: بل هو مخفَّفٌ من طيِّر بالتشديد. (١) ص ٥، واسمه منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل. (٢) في الدر المصون ٢/ ٥٧٤. (٣) أي أن قبل ((لكن)) محذوف آخر لابد من تقديره حتى يصح معه الاستدراك، والتقدير: بلى آمنت وما سألت غير مؤمن ولكن سألت ليطمئن قلبي. البحر ٢٩٩/٢. (٤) في الكتاب ٣٨١/٤. (٥) وهي قراءة ابن كثير والسوسي ويعقوب. التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٢/٢. (٦) يعني الأخفش، وكلامه في معاني القرآن ٢/ ٧١١. الآية : ٢٦٠ ٤٣٥ سُورَةُ الْبَفَقَة وقال أبو البقاء(١): هو في الأصل مصدر طار يطير، ثم سمي به هذا الجنس. وألحقت التاء في عدده لاعتباره مذكَّراً، واسم الجنس لما لا يعقل يذكَّر ويؤنَّث. والجار متعلِّق بمحذوف وقع صفةً لِمَا قبله، أو متعلّقٌ بـ ((خذ)). والمروي عن ابن عباس ها أنها: الغُرْنُوق(٢) والطاوس والديك والحمامة. وعن مجاهد بدل الغرنوق: الغراب، وفي رواية بدل الحمامة: بطّة، وفي رواية: نسر. وتخصيص الطّير بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان باعتبار طلبه المعاش والمسكن، ولذلك وقع في الحديث: ((لو توگَّلتم على الله تعالی حقَّ توگُله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتروح بطاناً))(٣)، ولأنه أجمعُ لخواصِ الحيوان، ولسهولة تأتّي ما يُفعل به من التجزئة والتفرقة، ولما فيه من مزيد أجزاءٍ من الرِّيش، ففي إحيائها مزيد ◌ُهور القدرة، ولأن من صفته الطيران في السماء، وكان من همَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الميلُ إلى جهة العلوِّ والوصول إلى الملكوت، فكانت معجزته مشاکِلةً لهمَّته. ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد(٤)، والباقون بضمها مع التخفيف، من صارَه يَصُورُ ويَصِيرهُ لغتان بمعنى: قطعه أو أماله؛ لأنه مشترك بينهما كما ذكره أبو علي(٥). وقال الفرَّاء: الضم مشترك بين المعنيين، والكسر بمعنى القطع فقط. وقيل: الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة. وعن الفراء: أن صارَه مقلوب صَرَاه عن كذا: قَطَعه(٦). والصحيح أنه عربي، وعن عكرمة أنه نبطي، وعن قتادة أنه حبشيٍّ، وعن وهب أنه رومي. فإن كان المراد: أَمِلْهن، فقوله تعالى: ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلِّق به، وإن كان (١) في إملاء ما من به الرحمن ٥١٩/١. (٢) طائر مائي أسود، وقيل: أبيض. القاموس (غرنق). (٣) أخرجه أحمد (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب ظه، وقال الترمذي: حسن صحيح. قوله ((تغدو خماصاً ... إلخ))، أي: تغدو بكرة وهي جياع، وتروح عشاءً وهي ممتلئة الأجواف. النهاية (خمص). (٤) التيسير ص٨٢، والنشر ٢٣٢/٢. وقرأ بها من العشرة أيضاً أبو جعفر وخلف. (٥) في الحجة ٣٨٩/٢. (٦) معاني القرآن للفراء ١٧٤/١، ونقل المصنف هذه الأقوال عن الدر المصون ٥٧٦/٢. سُورَةُ الْجَبَة ٤٣٦ الآية : ٢٦٠ المراد: فقطّعهن فهو متعلّق بـ ((خذ)) باعتبار تضمينه معنى الضمِّ، واختار أبو البقاء(١) أن يكون حالاً من المفعول المضمر، أي: فقطعهن مقرَّبة ممالةً إليك. وزعم ابن هشام(٢) - تبعاً لغيره - أنه لا يصحُّ تعليق الجارِّ بـ ((صرهنَّ) مطلقاً إن لم يقدَّر مضاف، أي: إلى نفسك؛ محتجّاً بأنه لا يَتعدَّى فعلٌ غيرُ عِلْمِيٌّ عاملٌ في ضمير متصل إلى المنفصل. ورُدَّ بأنه يمنع إذا كان متعدِّياً بنفسه، أما المتعدِّي بحرفٍ فهو جائز، كما صرَّح به علماءُ العربية. وقرأ ابن عباس ﴿ّ: ((فصرّهن)) بتشديد الراء مع ضمِّ الصاد وكسرها، من صرَّه: إذا جمعه. والراء إما مضمومة للإتباع، أو مفتوحة للتخفيف، أو مكسورة لالتقاء الساكنين. وعنه أيضاً: ((فصَرِّهن)) من التصرية بفتح الصاد وكسر الرَّاء المشددة(٣)، وأصلها: تَصْرِرَة، فأبدل أحد أحرف التضعيف ياءً، وهي في الأصل من صرَّيْت الشاةَ: إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها، ثم استعمل في مجرَّد معنى الجمع، أي: اجمعهنَّ وضمَّهنَّ إليك لتتأملها وتعرف شأنها مفصّلة، حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءاً من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلاً. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ﴾ أي: أَلْقِ، أو صيِّر، بعد ذبحهنَّ وخَلْطِ لحومهنَّ وريشهنَّ ودمائهنَّ كما قاله قتادة. ﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ يمكنك الوضع عليه، ولم يعيِّن له ذلك كما روي عن مجاهد والضحاك. وروي عن ابن عباس والحسن وقتادة: أن الجبال كانت أربعة. وعن أنها كانت عشرة. ابن جريج والسديٌّ: أنها كانت سبعة، وعن أبي عبد الله ﴿مِنْهُنَّ﴾ أي: من تلك الطير ﴿جُزْءً﴾ أي: قطعة وبعضاً: ربعاً، أو سُبعاً، أو عشراً، أو غير ذلك. وقرئ: (جُزُءاً)) بضمتين(٤). و: ((جزّا)) بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديده عند الوقف، ثم إجراء الوصل مجرى الوقف(٥). (١) في إملاء ما من به الرحمن ١/ ٥٢٠ - ٥٢١. (٢) في مغني اللبيب ص١٩٤ - ١٩٥ . (٣) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص١٦، والمحتسب ١٣٦/١، والبحر ٣٠٠/٢. (٤) هي قراءة أبي بكر، كما في التيسير ص٨٢، والنشر ٢١٦/٢. (٥) هي قراءة أبي جعفر، كما في النشر ٤٠٦/١. الآية : ٢٦٠ ٤٣٧ سُورَةُ البَقَة وهو مفعول لـ ((اجعل))، والجارَّان قبله متعلِّقان بالفعل، ويجوز أن يكون ((على كلِّ)) مفعولاً ثانياً له إن كان بمعنى صيَّر، و((منهنّ)) حال من ((جزءاً)) لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها . ﴿ثُمَّ أَدْعُهُنَّ﴾ أي: نادهنَّ، أخرج ابنُ المنذر(١) عن الحسن قال: إنه عليه الصلاة السلام نادى: أيتها العظام المتمزّقة واللحوم المتفرِّقة والعروق المتقطّعة اجتمعن يَردُّ الله تعالى فيكن أرواحَكن. فوثب العظمُ إلى العظم، وطارت الريشةُ إلى الريشة، وجرى الدمُ إلى الدم، حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشُه، ثم أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: إنك سألتني كيف أحيي الموتى، وإني خلقت الأرض وجعلتُ فيها أربعة أرواح: الشمال والصَّبا والجنوب والدَّبور، حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافٌ في الصور فيجتمع مَن في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال. ثم قرأ: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْشُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وعن مجاهد: أنه دعاهنَّ باسم إلهِ إبراهيم تعالَيْن. واستشكل بأن دعاء الجماد غير معقول؟ وأجيب بأنه من قبيل دعاء التكوين. وقيل: في الآية حذف، كأنه قيل: فقطّعهن ثم اجعل على كلِّ جبل من كلِّ واحدٍ منهن جزءاً، فإن الله تعالى يحييهن، فإذا أحياهن فادعهن ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ فالدعاء إنما وقَع بعد الإحياء. ولا يخفى أن الآثار - مع ما فيه من التكلَّف - لا تساعده. وأعظم منه فساداً ما قيل: إنه عليه الصلاة والسلام جعل على كلِّ جبل منهن طيراً حيّاً، ثم دعاها فجاءت. فإنَّ ذلك مما يُبطل فائدة الطلب، ويعارض الأخبار الصحيحةً؛ فإن أكثرها ناطقٌ بأنه دعاها ميتةً متفرّقة الأجزاء، وفي بعضها أن رؤوسهن كانت بيده، فلمَّا دعاهن جعل كلُّ جزء منهن يأتي إلى صاحبه حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن إلى رؤوسهن فانضمت كل جثَّةٍ إلى رأسها، فعادت كلُّ واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة. و(سعياً)) حال من فاعل ((يأتينك))، أي: ساعياتٍ مسرِعات، أو ذوات سعي (١) كما في الدر المنثور ٣٣٥/١. سُورَةُ الْبَابَة ٤٣٨ الآية : ٢٦٠ طيراناً أو مشياً. وقيل: إطلاق السَّعي على الطيران مجازٌ. وجوِّز أن يكون منصوباً على المصدرية، كـ : قعدتُ جلوساً. ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل، قال: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَفيًا﴾ هل يقال للطائر(١) إذا طار: سعى؟ فقال: لا. قلت: فما معناه؟ قال: معناه: يأتينك وأنت تسعى سعياً(٢). وهو من التكلُّف الغير المحتاج إليه بمكان. وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جلَّ شأنُه من غير تعرُّض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام، ولا لِمَا ترتَّب عليه من آثار قدرته التي علمت النّزرَ منها؛ للإيذان بأن ترتّب تلك الأمور على الأوامر الجليلة، واستحالةً تخلُّفِها عنها، من الجَلاء والظُهور بحيث لا حاجة له إلى الذِّكر أصلاً . وزعم بعضُهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئاً مما اقتضاه ظاهرُ الكلام، وأن الأوامر فيه مثلها في قولك لمن لا يعرف تركيب الحبر مثلاً: خذ كذا وكذا وأمكنهما سَحقاً، وألقٍ عليهما كذا وكذا، وضع ذلك في الشمس مدة أيام، ثم استعمله تجده حبراً جيّداً. فإنه لا يقتضي الامتثال إذا كان الغرض مجرد تعليم. و(الرؤية)) هنا علمية كما نقل عن ((شرح التوضيح))، وإبراهيمُ حصل له العلم التامُّ بمجرَّد وصف الكيفية واطمأن قلبُه وسكن لبُّه؛ ولهذا لم يذكر اللهُ تعالى ما ترتَّب على هذه الأوامر من هاتيك الأمور، ولم يتعرَّض للامتثال، ولم يعبأ بالإيماء إليه بقال أو حال. ومال إلى هذا القول أبو مسلم، فأنكر القصةً أيضاً (٣)، وقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لَمَّا طلب إحياء الموتى من ربِّه سبحانه، وأراه مثالاً محسوساً قرَّب الأمر عليه، والمراد بـ ((صرهنَّ»: أمِلهن ومرِّنهنَّ على الإجابة، أي: عوِّد الطيور الأربعة على الإجابة(٤)، بحيث إذا دَعَوْتَها أجابتك حالَ الحياة، والغرَضُ منه ذكر (١) في (م): ((الطائر)). (٢) البحر المحيط ٢/ ٣٠٠. (٣) ينظر كلامه في تفسير الرازي ٧/ ٤٤، والبحر المحيط ٣٠١/٢. (٤) قوله: على الإجابة، ليس في (م). الآية : ٢٦٠ ٤٣٩ سُؤَدَّةُ الْبَرَة مثالٍ محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السُّهولة. ولا يخفى أن هذا خلافُ إجماع المسلمين، وضربٌ من الهذيان لا يركن إليه أربابُ الدِّين، وعدولٌ عمَّا يقتضيه ظاهرُ الآية المؤيَّدُ بالأخبار الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ما تمُّه الأسماع، ولا يدعو إليه داع، فالحقُّ اتباع الجماعة، ويدُ الله تعالی معهم. وفي الآية دليلٌ لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء المتفرِّقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها، وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف؛ لأنه سبحانه بيَّن الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح، ولم يعدم هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية. واحتجَّ بها بعضُهم أيضاً على أن البنية ليست شرطاً في الحياة لأنه تعالى جعل كلَّ واحدٍ من تلك الأجزاء والأَبعاض حيّاً قادراً على السعي والعَدْوِ. وقال القاضي: دلَّت الآية على أنه لا بدَّ من البنية حيث أوجب التقطيعُ بطلانَ الحياة. وأجيب بأن حصول المقارنة لا يدلُّ على وجوب المقارنة، والانفكاكُ في بعض الأحوال يدلُّ على أن المقارنة حيث حصَلت ما كانت واجبةً، ولَمّا دلت الآية على حصول فَهْم النداء لتلك الأجزاء كانت دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة، وفيه تأمل. والمشهور أنها حجةٌ على مَن ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهي ظاهرةٌ في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكمِّ، لكن المُكلّف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال، ويسميه البعضُ علم اليقين، لا الجزمُ الكائن بالمشاهدة المسمَّى بعين اليقين، فإن في التكليف به حَرجاً في الدِّين، وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصه بناءً على الوجه الذي أشرنا إلى اختياره ترگُّداً کما لا يخفى. وفيها أيضاً دليلٌ على فضل الخليل عليه الصلاة والسلام، ويُمنِ الضراعة في الدعاء، وحسنِ الأدب في السؤال، حيث أراه سبحانه ماسأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه، وأرى عزيراً عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مئة عام. سُورَةُ الْبَّفَقَة ٤٤٠ التفسير الإشاري (٢٦٠) ﴿وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ على أمره ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ ذو حِكمةٍ بالغةٍ في أفعاله، فليس بناءُ أفعاله على الأسباب العادِية لِعَجْزِه عن خرق العادات، بل لكونه متضمِّناً للحِگم والمصالح. حكي أن الله سبحانه لمَّا وفَّى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له: يا إبراهيم، نحن أريناكَ كيف نُحيي الموتى، فأرِنا أنت كيف تميت الأحياء. مشيراً إلى ماسيأمره به من ذبح ولده عليه الصلاة والسلام، وهو من باب الانبساط مع الخليل، ودائرةُ الخُلَّة واسعةٌ، إلا أن حُفَّاظ المُحدِّثين لم يذكروا هذا الخبر، وليس له رواية في كتب الأحاديث أصلاً. ومن باب الإشارة في هذه القصة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنَهِمُ رَبٍ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَّ﴾ أي: موتَى القلوب بداء الجهل ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ أي: ألم تعلم قدرتي(١) علماً يقينيًّا ﴿قَالَ بَ﴾ أَعلمُ ذلك: ولكن للعِيَان لطيفُ معنّى له سأل المشاهدةَ الخليلُ(٢) وهو المشار إليه بقول سبحانه: ﴿لَيَطْمَيِنَ قَلِىٌ﴾ الذي هو عرشُك ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِّنَ الطَّيْرِ﴾ إشارة إلى طيور الباطن التي هي في قفَص الجسم، وهي أربعة من أطيار الغيب: العقل والقلب والنفس والروح ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: ضمَّهن واذبحهن، فاذبح طيرَ العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، واذبح طيرَ القلبِ بسكين الشوق على باب الجبروت، واذبح طيرَ النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية، واذبح طيرَ الروحِ بسكين العجز في تِيه عزَّة أسرار الربانية ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ فاجعل العقل على جبل العظمَةِ حتى يتراكمَ عليه أنوار سلطنة الربوبية، فيصير موصوفاً بها لِيُدركني بي بعد فنائه فيَّ، واجعل القلبَ على جبل (١) في (م): ألم تعلم ذلك. (٢) قائله ابن حزم الظاهري، وهو مأخوذ من بیتین له هما: ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المعاينة الكليم فقلت له المعاين مطمئنٌّ لذا طلب المعاينة الخليل معجم الأدباء ٢٤٦/١٢ و٢٥٦، ووفيات الأعيان ٣٢٦/٣-٣٢٧.