Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ٢٢١ ٢٦١ سُورَةُ الْبَرَة على آمٍ، وهو في الاستعمال دون إماء، وأصله أَأُمُوٌ بهمزتين الأولى مفتوحة زائدة، والثانية ساكنة هي فاءُ الكلمة، فوقعت الواو طرفاً مضموماً ما قبلها في اسم معرب، ولا نظيرَ له، فَقُلبت ياءً، والضمة قبلَها كسرةً لتصحَّ الياء، فصار الاسم من قبيل: غازٍ وقاضٍ. ثم قُلبت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة أخرى مفتوحةٍ، فصارا آم، وإعرابه کقاضٍ. والظاهر أن المراد بالأَمة ما تُقابل الحُرَّة، وسبب النزول يُؤيِّد ذلك؛ لأنه العيبُ على مَن تزوَّج الأمة والترغيبُ في نكاح حُرَّة مشركة، ففي الآية تفضيلُ الأَمة المؤمنة على المُشركة مطلقاً - ولو حُرَّةً - ويُعلَم منه تفضيل الحرّة عليها بالطريق الأَولى: ثم إنَّ التفضيلَ يقتضي أنَّ في المشركة خيراً؛ فإما أن يُراد بالخير الانتفاع الدنيوي، وهو مُشتركٌ بينهما، أو يكون على حدٍّ: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ غَيْرٌ مُسْتَقَرَّا﴾ [الفرقان: ٤ وقيل: المراد بالأَمة المرأةُ حرَّةً كانت أو مملوكةً، فإن الناس كلَّهم عَبيدُ الله تعالى وإماؤه، ولا تُحمل على الرقيقة؛ لأنه لا بدَّ من تقدير الموصوف في ((مشركة))، فإنْ قدِّر ((أَمَة)) بقرينة السياق لم يُفِدْ خيريَّة الأَمة المؤمنة على الحُرَّة المشركة، وإن قدِّر حرَّة أو امرأة كان خلافَ الظاهر، والمذكور في سبب النزول التزوُّجُ بالأمة بعد عتقها، والأمة بعد العتق حرَّة، ولا يُطلق عليها أمة إلا باعتبار مجاز الكون. والحق أن الأمة بمعنى الرقيقة كما هو المتبادر، وأن الموصوف المقدَّر لـ ((مشركة)) عامٌّ، وكونه خلافَ الظاهر خلاف الظاهر. وعلى تقدير التسليم هو مشترك الإلزام، ولعل ارتكابَ ذلك آخِراً أهونُ من ارتكابه أوّلَ وهلة إذ هو من قبيل نزع الخُفّ قبل الوصول إلى الماء. وما في سبب النزول مؤيّد لا دليل(١)، وقد قيل فيه: إنَّ عبد الله نكح أمة، إنْ حقًّا وإنْ كذباً. فالمعنى: ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خَساسة الرِّق وقلَّة الخطر(٢) خير مما اتَّصفت بالشّرك مع ما لَها من شرف الحرية ورِفْعة الشأن. (١) بعدها في (م): عليه. (٢) الخطّر: الشَّرف. القاموس (خطر). . سُوَُّ الْبَعَة ٢٦٢ الآية : ٢٢١ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه عن ابن عمرو (١) ﴿يَا عن النبي وَ لقر قال: ((لا تَنكجوا النساء لِحُسْنهن، فعسى حُسنهنّ أن يُردِيهن، ولا تنكحوهُنَّ على أموالهن، فعسى أموالُهنَّ أن تُطغِيهن، وانكحوهنّ على الدِّين، فلأمةٌ سوداءُ خَرْماءُ ذاتُ دين أفضل))(٢). وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ظه عن النبي وَلفي قال: ((تُنكح المرأةُ لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولِدينها، فاظفَرْ بذات الدين تَرِبتْ يداك)»(٣). والواو للحال، و((لو)) لمجرَّد الفرض مجرّدة عن معنى الشرط، ولذا لا تحتاج إلى الجزاء، والتقدير: مفروضاً إعجابها لكم(٤) بالحُسن ونحوه. وقال الجَرْمي: الواو للعطف على مقدَّر، أي: لو (٥) لم تعجبكم ولو أعجبتكم، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه الجملة السابقة. وقال الرَّضي: إنها اعتراضية تقع في وسط الكلام وآخره، وعلى التقادير إثبات الحكم في نقيض الشرط بطريق الأولى ليثبت في جميع التقادير. واستدل بعضهم بالآية على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود طَوْلِ الحرّة، واعترضه الكيا بأنه ليس في الآية نكاح الإماء، وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرّة المشركة؛ لأنَّ العربَ كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقيل لهم: إذا نفرتم عن الأَمة فالمشركة أولى(٦)، وفيه تأمّل. وفي ((البحر))(٧) أن مفهوم الصفة يقتضي أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة كتابية أو غيرها، وأمَّا وطؤها بملك اليمين فيجوز مطلقاً. (١) في الأصل و(م): ابن عمر، وهو خطأ، والمثبت من المصادر. (٢) سنن سعيد بن منصور (٥٠٥)، وسنن ابن ماجه (١٨٥٩)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف في حفظه كما في التقريب. وقوله: خرماء، أي: مقطوعة بعض الأنف ومثقوبة الأذن. حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١/ ٥٧٣. (٣) صحيح البخاري (٥٠٩٠)، وصحيح مسلم (١٤٦٦)، وهو في مسند أحمد (٩٥٢١). (٤) في (م): لكن. (٥) لفظ: لو، ليس في (م). (٦) أي: أولى بأن تكرهوا نكاحها. أحكام القرآن للكيا الهراسي ١٣٤/١. (٧) ١٦٤/٢ . الآية : ٢٢١ ٢٦٣ سُورَةُ الْبَّنَة ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ أي: لا تُزوِّجوا الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابياً أو غيره وسواء كانت المؤمنةُ أمةً أو حُرَّة، فـ (تُنكحوا)) بضم التاء لا غير، ولا يُمكن الفتح، وإلا لوجب: ولا تَنْكَحْنَ المشركين. واستدلَّ بها على اعتبار الولي في النكاح مطلقاً، وهو خلاف مذهبنا، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء؛ لأنَّ المراد النهيُّ عن إيقاع هذا الفعل والتمكينٍ منه، وكلُّ المسلمين أولياءُ في ذلك. ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ مع ما فيه من ذلِّ المملوكية ﴿خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ﴾ مع ما يُنسب إليه من عزّ المالكية ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ بما فيه من دواعي الرغبة. ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المذكورون من المشركين والمشركات ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: الكفر المُؤَدِّي إليها؛ إما بالقول أو بالمحبة والمخالطة، فلا تَليق مناكحتهم. فإن قيل: كما أن الكفار يدعون المؤمنين إلى النار كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين. أُجيب بأنَّ المقصود من الآية أنَّ المؤمن يجب أن يكون حَذِراً عما يضرُّه في الآخرة، وأن لا يحومَ حول حِمى ذلك، ويجتنب عما فيه الاحتمالُ، مع أن النفس والشيطان يُعاونان على ما يُؤدِّي إلى النار، وقد أَلِفَت الطّباع في الجاهلية ذلك؛ قاله بعضُ المحقّقين. والجملة إلخ مُعلِّلة لخيرية المؤمنين والمؤمنات من المشركين والمشركات. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَا﴾ بواسطة المؤمنين مَن يُقاربهم ﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَاُلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: إلى الاعتقاد الحقِّ والعمل الصالح المُوصِلَين إليهما. وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم: التخلية أولى بالتقديم على التحلية، لرعاية مقابلة النار ابتداءً. ﴿بِإِذْنِ،﴾ متعلق بـ ((يدعو))، أي: يدعو إلى ذلك مُتلبّساً بتوفيقه الذي من جُملته إرشاد المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقّاء بالمواصلة. ﴿وَيُبَيِنُّ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذََُّّونَ (٣)﴾ لكي يتَّعظوا، أو يستحضروا معلوماتهم بناءً على أنَّ معرفة الله تعالى مركوزة في العقول، والجملة تذييل للنصح والإرشاد، والواو اعتراضية أو عاطفة. سُورَةُ الْبَيْنَة ٢٦٤ الآية : ٢٢٢ وفُصِلَت الآية السابقة بـ ((تتفكرون)) لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محلُّ تصرُّف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكّر، وهذه الآية بـ ((يتذكرون)) لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس، فناسب التذكُّر. ومن الناس مَن قدَّر في الآية مضافاً، أي: فريق الله أو (١) أولياؤه، وهم المؤمنون، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه تشريفاً لهم. واعتُرض بأن الضميرَ في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك. وأُجيب بأن الداعي كونُ هذه الجملة معلَّلةً للخيرية السابقة، ولا يظهر التعليل بدون التقدير، وكذا لا تظهر الملائمة لقوله سبحانه: ((بإذنه)» بدون ذلك، فإن تقييدَ دعوته تعالى بإذنه ليس فيه حينئذ كثيرُ فائدةٍ بأيِّ تفسير فُسِّر الإذن، وأمر التكفيك سهلٌ؛ لأنه بعد إقامة المضاف إليه مُقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأول فعلاً للثاني صورةً، فتتناسب الضمائر كما في ((الكشف))، ولا يخفى ما فيه وعلى العلَّات هو أولى مما قيل: إن المراد: والله يدعو على لسان رسوله ### إلى ذلك، فتجب إجابتُه بتزويج أوليائه= لأنه وإن كان مُستدعياً لاتحاد المرجع في الجملتين المُتعاطفتين الواقعتين خبراً، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين ﴿أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وكذا لطافة التقييد كما لا يخفى. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أنس ◌ُه: أن اليهودَ كانوا إذا حاضت المرأةُ منهم أخرجوها من البيت ولم يُؤاكلوها ولم يُشاربوها ولم يُجامعوها في البيوت، فسئل رسولُ الله ◌ِوَله عن ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية، فقال ◌َله: ((جامعوهنّ في البيوت، واصنّعوا كلَّ شيء (٣) ه(٣) . إلا النكاح)»(٢). وعن السدي إن الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح ظ (١) في الأصل: و. (٢) مسند أحمد (١٢٣٥٤)، وصحيح مسلم (٣٠٢)، وسنن أبي داود (٢٥٨) - واللفظ له - وسنن الترمذي (٢٩٧٧)، وسنن النسائي ١/ ١٥٢، وسنن ابن ماجه (٦٤٤). (٣) أخرجه الطبري ٧٢٢/٣. الآية : ٢٢٢ ٢٦٥ سُورَةُ الْبَرَة والجملة معطوفة على ما تقدَّم من مثلها. ووَجْهُ مناسَبَتِها له أنه لمَّا نهى عن مُناكحة الكفار، ورغَّب في مناكحة أهل الإيمان، بيَّن حُكماً عظيماً من أحكام النكاح، وهو حُكم النكاح في الحيض، ولعل حكايةً هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوع الكلِّ في وقت واحد عُرْفيٍّ، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر، فكأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عنهما والسؤال عن كذا وكذا؛ وحكاية ما عداها بغير عطف لكونها كانت في أوقات متفرّقة، فكان كل واحد سؤالاً مبتدأ؛ ولم يقصد الجمعَ بينهما، بل الإخبارَ عن كلِّ واحدٍ علی حِدَه، فلهذا لم يُورد الواو بينها . وقال صاحب ((الانتصاف))(١) في بيان العطف والترك: إن أول المعطوفات عينُ الأول من المُجرَّدة(٢)، ولكن وقع جوابه أولاً بالمَصْرِف لأنه الأهم، وإن كان المسؤول عنه إنما هو المُنفَق لا جهةُ مَصْرِفه، ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريحٌ بالمسؤول عنه أُعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحاً، وهو العفو الفاضل، فتَعيَّن إذاً عطفه ليرتبط بالأوّل. وأما السؤال الثاني من المقرونة فقد وقع عن أحوال اليتامى، وهل يجوز مُخالطتهم في النفقة والسُّكنى، فكان له مناسبةٌ مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم، فلذا عطف على سؤال الإنفاق، وأما السؤال الثالث فلما كان مُشتمِلاً على اعتزال الحيض ناسبَ عطفَه على ما قبله لِمَا فيه من بيان ما كانوا يفعلونه من اعتزال اليتامى، وإذا اعتبرت الأسئلة المُجرَّدة من الواو لم تَجِدْ بينها مُداناً ولا مناسبةً البتة؛ إذ الأول منها عن النفقة، والثاني عن القتال في الشهر الحرام، والثالث عن الخمر والميسر، وبينها من التباين والتقاطع ما لا يخفى، فَذُكِرت كذلك مُرسلةً متقاطعة غير مربوطة بعضها ببعض، وهذا من بدائع البيان الذي لا تجده إلا في الكتاب العزيز. اهـ. ولا أرى القلب يطمئن به كما لا يخفى على مَن أحاط خبراً بما ذكرناه فتدبّر. والمَحيض - كما قال الزجاج(٣)، وعليه الكثير - مصدر حاضت المرأة تحيض (١) ٣٥٨/١ (بهامش الكشاف). (٢) يعني أن السؤال الأول من الأسئلة المقرونة بالواو - وهو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَّ﴾ - هو عين السؤال الأول من الأسئلة المُجرَّدة عن الواو، وهو قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾. (٣) في معاني القرآن ٢٩٦/١. سُوَّةُ الْبَحْمَة ٢٦٦ الآية : ٢٢٢ حيضاً ومحاضاً، فهو كالمجيء والمبيت، وأصله السَّيَلان، يقال: حاض السيل وفاض. قال الأزهري(١): ومنه قيل للحوض: حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل. والعرب تُدخل الواو على الياء؛ لأنهما من جنس واحد(٢). وقيل: إنه هنا اسم مكان، ونُسب إلى ابن عباس ﴾(٣). وحكى الواحدي(٤) عن ابن السّگیت: أنه إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة نحو: کال یکیل، وحاض يَحيض، فاسمُ المكان منه مكسور، والمصدر منه مفتوح، وحكى غيرُه عن غيره التخييرَ في مثله، بل قيل: إن الكسر والفتح جائزان في اسم الزمان والمكان والمصدر. وعلى ما نُسب للتَّرجُمان واختاره الإمام يحتاج إلى الحذف في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾ أي: موضع أذى، وكذا يحتاج إلى اعتبار الزمان في قوله سبحانه: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ لِرَكاكة قولنا: فاعتزلوا في موضع الحيض، وإن اختاره الإمام، وقال: إن المعنى: اعتزلوا مواضعَ الحيض. والأذى مصدر من آذاه يُؤذيه أذّى وإذاءً(٥). ولا يقال في المشهور(٦): إيذاء(٧)، وحمله على المحيض للمُبالغة، والمعنى المقصود منه المُستقذَر، وبه فسَّره قتادة، واستعمل فيه بطريق الكناية. والمراد من اعتزال النساء اجتناب مُجامعتهن كما يُفهمه آخِرُ الآية، وإنما أسند (١) في تهذيب اللغة ١٥٩/٥ . (٢) عبارة تهذيب اللغة: لأنهما من حيِّز واحد، وهو الهواء، وهما حرفا لين. (٣) أخرجه الطبري ١/ ٧٢٣ - ٧٢٤. (٤) في البسيط، كما ذكر الرازي في تفسيره ٦/ ٦٧ . (٥) كذا في (م) والأصل: إذاءً، ولم نقف عليه في المصادر، وجاء في اللسان (أذي) والقاموس (أذي): آذاه يؤذيه أذّى وأذاة وأَذِيَّة. (٦) قوله: في المشهور، ليس في الأصل. (٧) قوله: ولا يقال: إيذاء، قاله صاحب القاموس، وقد ردّ عليه الخفاجي في شفاء الغليل ص٤١ فقال: ظنَّها من الخطأ، والخطأ منه .. وهي صحيحة قياساً ونقلاً؛ أما الأول فلأن قياس مصدر أفعل إفعال، وأما الثاني فلقول الراغب في مفرداته والفيومي في مصباحه: آذيته إيذاءً. الآية : ٢٢٢ ٢٦٧ سُورَةُ الْبَقَة الفعل إلى الذات للمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ووضع الظاهر موضع المضمر لكمال العناية بشأنه بحيث لا يتوهّم غيره أصلاً. وقد يقال: لا وضع. وحديث الإعادة أغلبي، بل يعتبر ما أشرنا إلى اعتباره فيما أشرنا إلى عدم اعتباره لضعف النسبة وقوة الداعي إلى التقدير، وعدمُه أولى، وإنما وُصف بأنه أذّى، ورتّب الحُكم عليه بالفاء، ولم يكتف في الجواب بالأمر؛ للإشعار بأنه العِلة، والحُكم المُعلَّل أوقعُ في النفس. ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَّ﴾ تقريرٌ للحكم السابق؛ لأن الأمر بالاعتزال يلزمه النهيُ عن القِربان، وبالعكس، فيكون كلٌّ منهما مقرراً وإن تغايرا بالمفهوم، فلذا عطف أحدُهما على الآخر. وفيه بيانٌ لغايته؛ فإن تقييد الاعتزال بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ وترتُّبه على كونه أذَّى يُفيد تخصيصَ الحُرمة بذلك الوقت، ويُفهم منه عقلاً انقطاعُها بعده، ولا يدلُّ عليه اللفظُ صريحاً بخلاف ﴿حَّ يَظْهُرْنَّ﴾. والغاية انقطاعُ الدم عند الإمام أبي حنيفة ظُه، فإنْ كان الانقطاعُ لأكثر مُدَّة الحيض حَلَّ القِرْبان بمجرَّد الانقطاع، وإنْ كان لأقلَّ منها لم يحلَّ إلا بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مُضِيٍّ وقت صلاة. وعند الشافعية هي الاغتسالُ بعد الانقطاع، قالوا: ويدل عليه صريحاً قراءةٌ حمزة والكسائي وعاصم - في رواية ابن عياش -: ((يطَّهَّرن)) بالتشديد(١)، أي: يتطهَّرن، والمراد به: يغتسلن، لا لأن الاغتسالَ معنّى حقيقيٍّ للتطهير كما يُوهمه بعض عباراتهم - لأنَّ استعمالَه فيما عدا الاغتسال شائعٌ في الكلام المجيد والأحاديث على ما لا يخفى على المُتتبع - بل لأن صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال، فلما دلَّت قراءةُ التشديد على أن غاية حُرمة القِرْبان هو الاغتسال ـ والأصل في القراءات التوافق - حُملت قراءةُ التخفيف عليها، بل قد يُدَّعى أن الظُهر يدلُّ على الاغتسال أيضاً بحسب اللغة، ففي ((القاموس)): طهرت المرأةُ: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض، كتطهَّرت(٢). (١) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢. (٢) القاموس (طهر). سُوَّةُ الْبََّة ٢٦٨ الآية : ٢٢٢ وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ﴾ يدلُّ التزاماً على أن الغايةَ هي الاغتسالُ؛ لأنه يقتضي تأخّر جواز الإتيان عن الغسل، فهو يُقوِّي كونَ المراد بقراءة التخفيف الغُسلَ لا الانقطاع، وربما يكون قرينةً على التجوُّز في الظّهر بحمله على الاغتسال إن لم يسلّم ما تقدَّم. وعلى فرض عدم تسليم هذا وذاك، والرجوع إلى القول بأنَّ قراءةً التخفيف من الظهر، وهو حقيقةٌ في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهُّر، ويُستفاد منه الاغتسال، يقال أيضاً في وجه الجمع - كما في ((الكشف)) -: إن القراءةَ بالتشديد لبيان الغاية الكاملة، وبالتخفيف لبيان الناقصة، و ((حتى)) في الأفعال نظيرُ ((إلى)) في أنه لا يقتضي دخول ما بعدها فتكون الكاملة البتة، وبيانه أن الغاية الكاملة ما يكون غايةً بجميع أجزائه، وهي الخارجة عن المُغَيًّا، والناقصة ما تكون غايةً باعتبار آخرها، و((حتى)) الداخلةُ على الأسماء تقتضي دخولَ ما بعدها لولا الغاية، والداخلةُ على الأفعال مثل إلى لا تقتضي كونَ ما بعدها جزءاً لما قبلها، فانقطاع الدم غايةٌ للحرمة باعتبار آخره، فيكون وقتُ الانقطاع داخلاً فيها والاغتسالُ غايةً لها باعتبار أوله، فلا تَعارُضَ بين القراءتين، ولعل فائدةَ بيان الغايتين بيانُ مراتب حرمة القِرْبان؛ فإنها أشدُّ قبل الانقطاع مما بعده. ولَمَّا رأى ساداتنا الحنفية أن هاهنا قراءتين؛ التخفيف والتشديد، وأن مُؤدَّی الأُولى انتهاءُ الحرمة العارضة على الحِلّ بانقطاع الدم مطلقاً، فإذا انتهت الحُرمة العارضة حلَّت بالضرورة، وأن مُؤَدَّى الثانية عدمُ انتهائها عنده، بل بعد الاغتسال، ورأَوْا أن الُظُهر إذا نُسِبَ إلى المرأة لا يدل على الاغتسال لغةً، بل معناه فيها انقطاعُ الدم، وهو المَروي عن ابن عباس ومجاهد، وفي ((تاج)) البيهقي(١): طَهَرَتْ خلاف طَمَثَتْ. وفي ((شمس العلوم)): امرأة طاهر - بغير هاء -: انقطع دمُها. وفي (١) هو أحمد بن علي بن أبي جعفر، أو جَعْفرك، العلامة، المُفسِّر، صاحب التصانيف، ومنها (تاج المصادر)) مات فجأة سنة (٥٤٤ هـ). السير ٢٠٨/٢٠. وكتابه تاج المصادر قال فيه صاحب كشف الظنون ٢٦٩/١: جمع فيه مصادر القرآن ومصادر الأحاديث، وجرَّدها عن الأمثال والأشعار، وأتبعها الأفعال التي تكثر في دواوين العرب. الآية : ٢٢٢ ٢٦٩ سُورَةُ الشَّقَة ((الأساس) (١): امرأة طاهر، ونساءٌ طواهرُ: طهرن(٢) من الحيض. ولا يُعارض ذلك ما في ((القاموس)) لجواز أن يكون بياناً للاستعمال، ولو مجازاً على ما هو طريقته في كثير من الألفاظ، وأن الحمل على الاغتسال مجازاً من غير قرينة مُعَيِّنة له مما لا يصح. واعتبار «فإذا تطهرن فأتوهن)) قرينةً بناءً على ما ذكروا ليس بشيء، وما ذكروه في وجه الدلالة من الاقتضاء فيه بحث؛ لأن الفاء الداخلةَ على الجملة التي لا تصلح أن تكون شرطاً كالجملة الإنشائية لمجرد الربط، كما نصّ عليه ابن هشام في («المغني))(٣) ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنَّبِعُونِ﴾ [آل عمران: ٣١] ولو سلِّم فاللازم تأخّر جواز الإتيان عن الغسل في الجملة لا مطلقاً حتى يكون قرينةً على أن المراد بقراءة التخفيف أيضاً الغسل، وأن القول بأن إحدى الغايتين داخلةٌ في الحُكم والأُخرى خارجةٌ خلافُ المتبادر= احتاجوا(٤) للجمع بجعل كل منهما آيةً مستقلة، فحملوا الأولى على الانقطاع بأكثر المدة، والثانية لتمام العادة التي ليست أكثر مدَّة الحيض؛ كما حمل إبراهيمُ النخعي قراءة النصب والجرّ في ((أرجلكم))(٥) [المائدة: ٦] على حالة التخفيف وعدمه، وهو المناسب؛ لأن في توقُّف قِرِبانها في الانقطاع للأكثر على الغسل إنزالَها حائضاً حكماً، وهو مُنافٍ لحكم الشرع؛ لوجوب الصلاة عليها المُستلزِم لإنزاله إياها طاهراً محكماً بخلاف تمام العِدَّة؛ فإن الشرع لم يقطع عليها بالطهر، بل يجوز الحيض بعده، ولذا لو زادت ولم يُجاوز العشرة كان الكل حيضاً بالاتفاق. بقي أن مقتضى الثانية ثبوتُ الحرمة قبل الغسل، فرفع الحرمة قبلَه بمضيّ أول وقت الصلاة - أعني أدناه ـ الواقع آخراً، واعتبار الغسل حكماً على ما قالوا معارضة النص بالمعنى. والجواب أن القراءة الثانية خصَّ منها صورة الانقطاع للعشرة بقراءة التخفيف، فجاز أن يخصَّ ثانياً بالمعنى كما قاله بعضُ المحقّقين، (١) أساس البلاغة (طهر). (٢) في الأصل: طهرت. (٣) ص٢١٧ . (٤) قوله: احتاجوا، هو جواب قوله: ولما رأى ساداتنا ... (٥) قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بنصب اللام، وقرأ الباقون بالخفض. التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٤/٢. سُوَّةُ الْبَّفَقَة ٢٧٠ الآية : ٢٢٢ ولا يخفى ما في مذهب الإمام من التيسير والاحتياط لا يخفى. وحُكي عن الأوزاعي أن حِلَّ الإتيان موقوفٌ على التطهر، وفسَّره بغَسْلٍ موضع الحيض، وقد يقال لتنقية المحلّ: تطهير، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة ﴿يا: أن امرأةً سألت رسولَ الله وَّر عن غسلها من المحيض، فأمرها قبل أن تغتسل قال: ((خُذي فِرْصةً من مِسْكٍ فتطهَّري بها)» قالت: كيف أَتطهّرُ بها؟ قال: (تطهَّري بها)) قالت: كيف؟ قال: ((سبحان الله، تطهَّري بها)) فاجتذبتُها فقلت: تتبّعي بها أثرَ الدم(١). وذهب طاوس ومجاهد - في رواية عنه - أن غسلَ الموضع مع الوضوء كافٍ في حِلّ الإتيان، وإليه ذهب الإمامية. ولا يخفى أنه ليس شيءٌ من ذلك طهارةً كاملةً للنساء، وإنما هي طهارة كاملةٌ لأعضائهن، وهو خلافُ المتبادر في الآية، وإنما المُتبادر هو الأول، وما في الحديث وإن كان أمراً بالتطهُّر لتلك المرأة، لكن المراد بذلك المبالغة في تطهير الموضع، إلا أنه لأمرٍ ما لم يُصرِّح به وَله وإطلاق التطهير على تنقية المحلّ مما لا نُنكره، وإنما نُنكر إطلاقَ ((يَظْهُرنَ)) على مَن طهَّرْنَ مواضع حيضهنَّ، ودون إثباته حیض الرجال. واستُدلَّ بالآية على أنه لا يحرم الاستمتاع بالحائض بما بين السُّرة والركبة، وإنما يحرم الوطء، وسئلت عائشة ﴿ها فيما أخرجه ابن جرير: ما يحلُّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كلُّ شيء إلا الجماع (٢). وذهب جماعةٌ إلى حُرمة الاستمتاع بما بين السُّرة والركبة استدلالاً بما أخرجه مالك عن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل رسولَ الله ◌ِوَ له فقال: ماذا يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال له وَلّى: ((لتشدَّ عليها إزارَها، ثم شأنك بأعلاها))(٣) وكأنه من (١) صحيح البخاري (٣١٤)، وصحيح مسلم (٣٣٢)، وسنن النسائي ١٣٥/١ - ١٣٦، وهو في مسند أحمد (٢٤٩٠٧). (٢) تفسير الطبري ٣/ ٧٢٥. (٣) الموطأ ١ / ٥٧. الآية : ٢٢٢ ٢٧١ سُورَةُ الجَفَقَة باب سد الذرائع في الجملة، ولهذا ورد فيما أخرجه الإمام أحمد: ((والتعقُّفُ عن ذلك أفضل»(١) . والأمر في الآية للإباحة على حدٍّ: ﴿وَإِذَا حَلُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] ففيها ٤ إباحةُ الإتيان، لكنه مُقِيَّد بقوله سبحانه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من المكان الذي أمركم الله تعالی بتجنُّبه لعارض الأذى، وهو الفرج، ولا تعدُوا غيره قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع. وقال الزجاج(٢): معناه: من الجهات التي يحلُّ فيها أن تُقربَ المرأة، ولا تقربوهنَّ من حيث لا يحلّ كما إذا كنَّ صائماتٍ أو مُخرِماتٍ أو مُعتكِفاتٍ، وأيّد بأنه لو أراد الفرجّ لكانت ((في)) أظهرَ فيه مِنْ ((مِنْ))؛ لأن الإتيانَ بمعنى الجماع يتعدَّى بها غالباً لا بـ ((مِنْ))، ولعله في حيِّز المنع عند أهل القول الأول. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ مما عسى يندُر منهم من ارتكاب بعض الذنوب، كالإتيان في الحيض المُورِث للجُذام في الولد كما ورد في الخبر(٣)، والمُستدعي عقابَ الله تعالى، فقد أخرج الإمامُ أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبيِ وَّه قال: ((مَنْ أتى حائضاً فقد كفرَ بما أُنزِلَ على محمد قَغر)(٤) وهو جارٍ مجرى الترهيب، فلا يُعارِض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ﴿ فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ امرأتي وهي حائض، فأمره رسولُ اللهِ وَ﴿ أن يُعتق نَسَمةً، وقيمة النسمة حينئذ دينار(٥). وهذا إذا كان الإتيان (١) لم نقف عليه عند أحمد، وأخرجه أبو داود (٢١٣) من حديث معاذ بن جبل ﴿ه. قال أبو داود: وليس هو - يعني الحديث - بالقوي. (٢) في معاني القرآن ١/ ٢٩٧. (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٩/١ من حديث أبي هريرة له، وعزاه لأبي العباس السراج في مسنده. (٤) مسند أحمد (١٠١٦٧)، وسنن الترمذي (١٣٥)، وسنن النسائي الكبرى (٨٩٦٨) قال الترمذي: إنما معنى هذا عند أهل العلم التغليظ، وضعف محمد (يعني البخاري) هذا الحديث من قِبَل إسناده. (٥) معجم الطبراني الكبير (١٢٢٥٦)، وفي إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. ميزان الاعتدال ٥٩٨/٢ . سُورَةُ الْبَرَة ٢٧٢ الآية : ٢٢٣ في أول الحيض والدم أحمرُ، أما إذا كان في آخره والدم أصفرُ، فينبغي أن يتصدَّق بنصف دينار كما دلَّت عليه الآثار(١). ﴿وَيُحِبُّ الُْظْهِرِينَ ﴾ أي: المُتنزِّهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان لا مِنْ حيث أمر الله تعالى، وحمل التطهُّر على التنزُّه هو الذي تقتضيه البلاغة، وهو مجاز على ما في ((الأساس))(٢) و((شمس العلوم)). وعن عطاء حَمْلُه على التطهر بالماء، والجملتان تذييلٌ مستقلٌّ لِمَا تقدَّم. ﴿يَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ أخرج البخاري وجماعةٌ عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتَى الرجلُ امرأتَه من خَلْفها في قُبُلها، ثم حملَتْ جاء الولدُ أحولَ، فنزلت(٣). والحرث إلقاء البَذْر في الأرض، وهو غير الزرع؛ لأنه إنباتُه، يُرشِدُك إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَفْرََّ يْتُ مَّا تَخْرُثُونَ ﴾،َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣-٦٤] وقال الجوهري(٤): الحرث: الزرع، والحارث الزارع. وعلى كلِّ تقدير هو خبرٌ عما قبله إما بحذف المضاف، أي: مواضع حرث، أو التجوُّزِ والتشبيهِ البليغ، أي: كمواضع ذلك، وتشبيههن بتلك المواضع متفرِّع على تشبيه النُّطف بالبذور من حيث إن كلَّا منهما مادةٌ لما يحصل منه، ولا يَحْسُنُ بدونه، فهو تشبيهٌ يُکنی به عن تشبيه آخر. ﴿فَأْتُواْ حَرَقَكُمْ﴾ أي: ما هو كالحرث، ففيه استعارة تصريحية، ويحتمل أن يبقى الحرثُ على حقيقته، والكلامُ تمثيلٌ شبَّه حال إتيانهم النساء في المأتَى(٥) بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهةٍ دون جهة، ثم أطلق لفظ المُشبَّه به على المُشبَّه. والأول أظهر وأوفق، لتفريع حكم الإتيان على تشبيههن بالحرث تشبيهاً بليغاً . (١) أخرجه أبو داود (٢٦٤) من حديث ابن عباس ـ (٢) أساس البلاغة (طهر). (٣) صحيح البخاري (٤٥٢٨)، وصحيح مسلم (١٤٣٥). (٤) في الصحاح (حرث). (٥) المأتَى بالفتح: محل الإتيان، وهو القبل. حاشية الشهاب ٣٠٨/٢. الآية : ٢٢٣ ٢٧٣ سُؤَةُ البََّقَة وهذه الجملةُ مُبَيِّنةٌ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ لِمَا فيه من الإجمال من حيث المُتعلَّق، والفاء جزائية، وما قبلها علةٌ لما بعدها، وقُدِّم عليه اهتماماً بشأن العلة، وليحصل الحكم مُعللاً فيكون أوقعَ، ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم، والفاء للعطف، وعطفُ الإنشاء على الإخبار جائزٌ بعاطف سوی الواو. ﴿أَّ شِئْتُمْ﴾ قال قتادة والربيع: من أين شئتم. وقال مجاهد: كيف شئتم. وقال الضحاك: متى شئتم. ومَجيء ((أنَّى)) بمعنى أين، وكيف، ومتى، مما أثبته الجَمُّ الغفير، وتلزمها على الأول مِنْ ظاهرة أو مُقدَّرة، وهي شرطية حُذف جوابها لدلالة الجملة السابقة عليه، واختار بعض المُحقِّقين كونها هنا بمعنى: من أين، أي: من أيِّ جهة، ليدخل فيه بيانُ النزول، والقولُ بأنَّ الآيةَ حينئذ تكون دليلاً على جواز الإتيان من الأدبار ناشئ من عدم التدبُّر في أنَّ ((مِنْ)) لازمة إذ ذاك، فيصير المعنى: من أيِّ مكان، لا: في أيّ مكان، فيجوز أن يكون المُستفاد حينئذ تعميم الجهات من القُدَّام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال، لا تعميم مواضع الإتيان، فلا دليل في الآية لمن جوَّز إتيان المرأة في دُبرها كابن عمر، والأخبار عنه في ذلك صحيحةٌ مشهورة، والروايات عنه بخلافها على خلافها، وكابن أبي مليكة، وعبد الله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه الطحاوي عنه: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يَشُكُّ في أنه حلال، وكمالك بن أنس حتى أخرج الخطيبُ(١) عن أبي سليمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له: الساعة غسلت رأس ذكري منه(٢). وكبعض الإمامية لا كلِّهم كما يظنه بعض الناس ممن لا خبرة له بمذهبهم، وكسحنون من المالكية. والباقي من أصحاب مالك يُنكرون رواية الحِل عنه ولا يقولون به. (١) في رواة مالك كما في الدر المنثور ٢٦٦/١. (٢) ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٩٩ أن في أسانيد الروايات عن مالك بإباحته ذلك ضعفاً شديداً. وقد وردت عن مالك روايات كثيرة تكذب هذا النقل عنه، ذكر منها ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ٨٣/٢ - ٨٤ ثلاث روايات، ثم قال: فهذا مالك قد صرح بكذب هذا الناقل عنه في ثلاث روايات، فكيف تصح نسبته إليه بعد ذلك. اهـ. أما ابن عمر ثيا فقد روي عنه بأسانيد صحيحة إنكاره لهذه الفعلة وأنه لا يفعل ذلك أحد من المسلمين، وكذلك كذّب نافعٌ مَن أخبر عنه بذلك. ينظر تفسير القرطبي ٦/٤-١١. سُورَةُ البَّفَقَة ٢٧٤ الآية : ٢٢٣ ويا ليت شعري كيف يُستدلّ بالآية على الجواز مع ما ذكرناه فيها؟ ومع قيام الاحتمال كيف ينتهض الاستدلال؟ لاسيما وقد تقدَّم قبلُ وجوبُ الاعتزال في المحيض، وعُلِّل بأنه أذّى مُستقذَرٌ تَنْفِرُ الطّباعِ السليمةُ عنه، وهو يقتضي وجوبَ الاعتزال عن الإتيان في الأدبار لاشتراك العلَّة، ولا يُقاس ما في المَحاشّ من الفضلة بدم الاستحاضة، ومن قاس فقد أخطأت استهُ الحفرةَ(١)، لظهور الاستقذار، والنفرة مما في المَحاشّ دون دم الاستحاضة، وهو دم انفجار العرق کدم الجرح. وعلى فرض تسليم أنَّ ((أنّى)) تدلُّ على تعميم مواضع الإتيان كما هو الشائع، يجاب بأن التقييد بمواضع الحرث يدفع ذلك، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس ﴾ إذ أتاه رجلٌ فقال: ألا تشفيني من آية المحيض قال: بلى. فقرأ ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى ﴿فَأَتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ فقال ابن عباس: من حيث جاء الدمُ، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تأتي. فقال: كيف بالآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾؟ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من هاهنا جئتَ من هاهنا، ولكن أنَّى شئتم من الليل والنهار (٢). وما قيل من أنه لو كان في الآية تعينُ الفرج لِكونه موضعَ الحرث للزم تحریمُ الوطء بين الساقين وفي الأعكان؛ لأنها ليست موضع حرث كالمَحاشّ، مدفوعٌ بأن الإمناء فيما عدا الصِّمامَيْن(٣) لا يُعَدُّ في العُرف جماعاً ووطئاً، والله تعالى قد حرَّم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء، فحرمة الاستمناء بين الساقين وفي الأعكان لم تُعلم من الآية، إلا أن يُعَدّ ذلك إيتاء وجماعاً، وأنَّى به. ولا أظنك في مِرْية من هذا، وبه يعلم ما في مناظرة الإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن فقد أخرج الحاكم عن عبد الحكم أن الشافعي ناظر محمداً في (١) قوله: أخطأت استُهُ الحُفرة. ذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢٤٥/١، وقال: يضرب لمن رام شيئاً فلم يَتَلْه. (٢) تفسير الطبري ٣/ ٧٥٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٤٠٢/٢. (٣) في الأصل و(م): الضمامين. الآية : ٢٢٣ ٢٧٥ سُورَةُ الْبَرَة هذه المسألة، فاحتجَّ عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له: أفيكون ما سوى الفرج مُحرَّماً فألتزمَه؟ فقال: أرأيتَ لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها، أَوَ في ذلك حرث؟ قال: لا ، قال: أَفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتجُّ بِما لا تقول به. وكأنه من هنا قال الشافعي - فيما حكاه عنه الطحاوي والحاكم والخطيب - لمَّا سُئل عن ذلك: ما صحَّ عن النبي ◌َّي في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال(١). وهذا خلاف ما نعرف من مذهب الشافعي؛ فإن رواية التحريم عنه مشهورة، فلعله كان يقول ذلك في القديم، ورَجَع عنه في الجديد لِمَا صحَّ عنده من الأخبار أو ظهر له من الآية. ﴿وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ما يصلح للتقديم من العمل الصالح، ومنه التسمية عند الجماع، وطلب الولد المؤمن؛ فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس . قال: قال رسول الله وَله: ((لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهمَّ جَنِّنا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فَقُضِيَ بينهما ولدٌ لم يضرَّه الشيطان أبداً)(٢). وصحَّ عن أبي هريرة ◌َّ ◌ُ أن رسول الله وَّه قال: إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالح يدعو له))(٣). وعن عطاء تخصيصُ المفعول بالتسمية، وعن مجاهد بالدعاء عند الجماع، وعن بعضهم بطلب الولد، وعن آخرين بتزوُّج العفائف، والتعميم أولى. ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما أَمركم به ونهاكم عنه ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم، فتزوَّدوا ما ينفعكم؛ والضمير المجرور راجعٌ إلى الله تعالى بحذف مضاف أو بدونه، ورجوعُه إلى ما قدَّمتم، أو إلى الجزاء المفهوم منه، بعیدٌ. والأوامر معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ﴾ وفائدتُها الإرشاد العام بعد (١) الدر المنثور ٢٦٦/١ - ٢٦٧. وقد أورده ابن كثير في تفسيره ٥٩٩/١، وفيه: قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه. (٢) صحيح البخاري (١٤١)، وصحيح مسلم (١٤٣٤)، وأخرجه أحمد (١٨٦٧). (٣) أخرجه أحمد (٨٨٤٤)، ومسلم (١٦٣١). سُورَةُ الْبَدَ ٢٧٦ الآية : ٢٢٣ الإرشاد الخاص، وكون الجملة السابقة مبيِّنةً لا يقتضي أن يكون المعطوف عليها كذلك. ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الذين تلقّوا ما خُوطبوا به بالقَبول والامتثال بما لا تُحيط به عبارة من الكرامة والنعيم. وحمل بعضُهم ((المؤمنين)) على الكاملين في الإيمان؛ بناءً على أن الخطابات السابقة كانت للمؤمنين مطلقاً، فلو كانت هذه البِشارة لهم كان مقتضى الظاهر: وبَشِّرهم، فلما وضع المُظهَر موضع المُضمَر عُلِمَ أن المراد غير السابقين، وهم المؤمنون الكاملون. ولا يخفى أنه يجوز أن يكون العُدول إلى الظاهر للدلالة على العلِّية، ولكونه فاصلةً، فلا يتم ما ذكره. والواو للعطف، و((بشر)) عطف على ((قل)) المذكور سابقاً، أو على قل مقدَّرة قبل ((قَدِّموا)) وهي معطوفة على المذكورة. ومن باب الإشارة: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ عن خمر الهوى وحبِّ الدنيا وميسر احتيال النفس بواسطة قِداحها التي هي حواسُها العشرة المُودعة في رِبابة البدن لنيل شيء من جزور اللذات والشهوات، ﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ إثمُ الحجاب، والبُعدُ عن الحضرة، ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ في باب المَعاش، وتحصيل اللذة النفسانية، والفرح بالذهول عن المعايب والخطرات المشوِّشة والهموم المُكدِّرة، ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾؛ لأن فواتَ الوصال في حضائر الجمال لا يُقابله شيء، ولا يقوم مقامه وصال سُعدى ولا مَيّ، ولَفرقٌ عند الأبرار بين السُّكر من المدير والسُّكر من المُدار: وأسكر القومَ دَوْرُ(١) كأس وكان سُكري من المدير وهذا هو السُّكر الحلال لكنه فوق عالم التكليف، ووراء هذا العالم الكثيف، وهو سكرُ أرواح لا أشباح، وسكر رضوان لا حُميًّا (٢) دِنان: عُقارٌ لحاظُ كأسها يُسكر اللُّبًّا(٣) وما ملَّ ساقِیھا ولا ملَّ شارب (١) في الأصل و(م): ورود، والمثبت هو الصواب، والله أعلم. (٢) الحُميَّا من الكأس: سَوْرتها وشدَّتها، أو إسكارها، أو أخذها بالرأس. القاموس (حمي). (٣) أنشده أبو علي الروذباري لنفسه كما في طبقات الأولياء ص٥٤. والعُقار: الخمر، سميت بذلك لمعاقرتها، أي: ملازمتها الدنّ، أو لعقرها شاربها عن المشي. القاموس (عقر). الآية : ٢٢٤ ٢٧٧ سُورَةُ الكِفَة ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ وهو ما سوى الحقِّ من الكونين ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ المُنزلة من سماء الأرواح ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، وتقطعون بَوَاديهما بأجنحة السير والسلوك إلى مَلِكِ المُلوك. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ وهو غلبةُ دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾ تنفرُ القلوبُ الصافية عنه، ﴿فَأَعْتَزِلُوا﴾ بقلوبكم نساءَ النفوس في محيض غَلبات الهوى ﴿حَّى يَظْهُرْنٌ﴾ ويفرغن من قضاء الحوائج الضرورية، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ بماء الإنابة ورَجَعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾، أي: عند ظهور شواهد الحق لزهوق(١) باطل النفس واضمحلال هواها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الثَّوَِّينَ﴾ عن أوصاف الوجود، ﴿وَيُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ﴾ بنور المعرفة عن غُبار الكائنات، أو يحب التوابين من سؤالاتهم، ويحب المُتطهِّرين من إرادتهم. ﴿نِسَآؤُّكُمْ﴾ وهي النفوس التي غدَتْ لباساً لكم وغدوتُم لباساً لهنَّ. موضِعُ حرثكم للآخرة، ﴿فَأْتُواْ حَرَتَكُمْ﴾ متى شئتم الحراثة لمعَادِكم، ﴿وَقَدِّمُوْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ما ينفعها ويُكمل نشأتها، ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ من النظر إلى ما سواه ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُكَقُوهُ﴾ بالفناء فيه إذا اتَّقيتُم. ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ﴾ بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر. * ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾ أخرج ابن جرير(٢) عن ابن جُريج أنها نزلت في الصدّيق ◌َه لمَّا حلف أن لا يُنفق على مسطح ابن خالته، وكان من الفقراء المهاجرين لما وقع في إفك عائشة ێا. وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف على خَتَنه بشير بن النعمان أن لا يدخل عليه أبداً ولا يُكلِّمه، ولا يُصلح بينه وبين امرأته بعد أن كان قد طلَّقها وأراد الرجوعَ إليها والصُّلحَ معها(٣). والعُرضة فُعْلة بمعنى المفعول، كالقُبضة والغُرفة، وهي هنا مِنْ عَرَضَ الشيءَ (١) في الأصل: لزهق. (٢) في تفسيره ١٠/٤ . (٣) أسباب النزول للواحدي ص٧٢. سُوَّةُ الْجَمَة ٢٧٨ الآية : ٢٢٤ من باب نَصَرَ أو ضَرَبَ: جعله مُعترِضاً، أو من عرضه للبيع عرضاً من باب ضَرَبَ، إذا قدَّمه لذلك، ونصبه له. والمعنى على الأول: لا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه وتركتموه من أنواع الخير، فيكون المراد بالأيمان الأمورَ المَحلوفَ عليها، وعبَّر عنها بالأيمان لِتعلُّقها بها، أو لأن اليمين بمعنى الحَلِف، تقول: حلفتُ يميناً، كما تقول: حلفت حَلِفاً؛ فسمِّي المفعول بالمصدر كما في قوله ﴿﴿ فيما أخرجه مسلم وغيره: ((مَن حَلَفَ على يمين، فرأى غيرَها خيراً منها، فَليُكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير))(١)، وقيل: ((على)) في الحديث زائدة لِتضمن معنى الاستعلاء. وقوله تعالى: ﴿أَن تَبَرُؤُأ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُِ﴾ عطفُ بيان لـ: ((أيمانكم))، وهو في غير الأعلام كثير وفيها أكثر. وقيل: بدل، وضُعِّف بأن المُبدل منه لا يكون مقصوداً بالنسبة، بل تمهيدٌ وتوطئة للبدل، وهاهنا ليس كذلك. واللام صلةُ ((عُرضة)) وفيها معنى الاعتراض، أو بـ ((تجعلوا))(٢)، والأول أَولى وإن كان المآلُ واحداً. وجوِّز أن تكون الأيمان على حقيقتها واللام للتعليل، و((أن تبروا)) في تقدير: لأَنْ، ويكون صلةً للفعل أو لِـ ((عرضة))، والمعنى: لا تجعلوا الله تعالى حاجزاً لأجْل حَلِفِكم به عن البِرِّ والتقوى والإصلاح. وعلى الثاني: ولا تجعلوا الله نصباً لأيمانكم، فتبتذلوه بكثرة الحَلِفِ به في كلِّ حقِّ وباطل؛ لأن في ذلك نوعَ جُرأة على الله تعالى، وهو التفسير المأثور عن عائشة ﴿ّا، وبه قال الجُبَّائي وأبو مسلم، ورَوَتْه الإمامية عن الأئمة الطاهرين. ويكون ((أن تبرُّوا)) علةً للنهي على معنى: أنهاكم عنه طلب بِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم، إذ الحلَّاف مُجترئ على الله تعالى، والمُجترئ عليه بمعزل عن الاتِّصاف بتلك الصفات ويؤول إلى: لا تكثروا الحلف بالله تعالى لتكونوا بارِّین مُتَّقِين، ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم، وتقدير الطلب ونحوه لازم إن كان ﴿أَنْ تَبَرُوا﴾ في موضع النصب؛ ليتحقَّق شرط حذف اللام وهو المقارنة؛ لأن (١) صحيح مسلم (١٦٥١) من حديث أبي هريرة ظله، وهو في مسند أحمد (٨٧٣٤) وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة ئه أخرجه البخاري (٦٦٢٢). (٢) أي: متعلَّق بتجعلوا. ينظر تفسير أبي السعود ٢٢٣/١، وحاشية الشهاب ٣٠٩/٢. الآية : ٢٢٥ ٢٧٩ سُورَةُ الْبَفَقَة المقارنة للنهي ليس هو البر والتقوى والإصلاح بل طلبها، وإن كان في موضع الجر بناءً على أن حذف حرف الجر من أَنْ وأنَّ قياسي فليس بلازم، وإنما قدَّروه لتوضيح المعنى، والمراد به طلبُ الله تعالى لا طلب العبد، وإنْ أُريد ذلك كان علةً للكفِّ المُستفاد من النهي، كأنه قيل: كُفُّوا أنفسكم من جعله سبحانه عُرضةً، وطلب العبد صالح للكف ﴿وَلَهُ سَمِيعُ﴾ لأقوالكم وأيمانكم ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ بأحوالكم ونَيَّاتِكم فحافظوا على ما كُلُّفتموه. ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لمَّا أمرهم بالتقوى نهاهم عن ابتذال اسمه المُنافي لها، أو نهاهم عن أن يكون اسمُه العظيم حاجزاً لها ومانعاً منها. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فَِ أَيْمَنِكُمْ﴾ اللَّغوُ: الساقطُ الذي لا يُعتَدُّ به من كلام وغيره، ولغو اليمين عند الشافعي تعظُه ما سبق له اللِّسان، وما في حُكمه مما لم يُقصَد منه اليمين، كقول العرب: لا والله، لا بالله، لمجرَّد التأكيد، وهو المَروي عن عائشة وابن عمر وغيرهما في أكثر الروايات، والمعنى: لا يُؤاخذكم أصلاً بما لا قصدَ لكم فيه من الأيمان. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاِذُكُمْ بِّ كَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: بما قصدتُم من الأيمان، وواطأت فيها قلوبُكم ألسنتكم، ولا يُعارض هذه الآيةَ ما في ((المائدة) من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَلُِّكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ إلخ [الآية: ٨٩] بناءً على أن مُقتضَى هذه المُؤاخذةُ بالغَموس؛ لأنها من كسب القلب، وتلك تقتضي عدمها؛ لأن اللغو فيها خلافُ المعقودة - وهي ما يحلف فيها على أمر في المستقبل أن يفعل ولا يفعل - لوقوعه في مقابلة قوله سبحانه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ فيتناول الغَموس، وهو الحَلِفُ على أمر ماضٍ مُتَعَمِّد الكذب فيه، ولَغْوِيَّته لعدم تحقّق البِرّ فيه الذي هو فائدة اليمين الشرعية؛ لأن الشافعيَّ حملَ ((بما عقَّدتم)) على كسب القلب، من عَقَدتُ على كذا: عَزَمتُ عليه، ولم يعكس؛ لأن العقدَ مُجمل يحتَمِل عَقْد القلب، ويَحتمِلُ ربطً الشيء بالشيء، والكسب مُفَسَّر، ومن القواعد حمل المُجمَل على المُفسَّر، وإذا حُمل عليه شَمِلَ الغَموس، وكان اللغو ما لا قصد فيه، لا خلاف المعقودة إذْ لا معقودة، فتتَّحد الآيتان في المُؤاخذة على الغموس وعدم المُؤاخذة على اللغو، إلا أنه إن كان سُورَةُ البَرَة ٢٨٠ الآية : ٢٢٥ للفعل المَنفيِّ عمومٌ كان في الآيتين نفيُ المُؤاخذة فيما لا قصدَ فيه بالعقوبة والكفَّارة، وإثباتُ المُؤاخذة في الجملة بهما أو بإحداهما فيما فيه قصد. وإن لم يكن له عموم حمل المُؤاخذة المطلقة في هذه الآية على المُؤاخذة المُفِيَّدة بالكَفَّارة في آية المائدة بناءً على اتحاد الحادثة والحكم، وسوق الآية لبيان الكفارة فلا تكرار. وأيَّد العموم بما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه وَّ مر بقوم ينتضلون(١) ومعه بعض أصحابه، فرمى رجلٌ من القوم فقال: أصبتُ والله، أخطأتُ والله. فقال الذي معه: حنثَ الرجلُ يا رسول الله، فقال: ((كلا، أيمانُ الرُّماة لغوٌ لا كفارةَ فيها ولا عقوبة))(٢). وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللغو هنا ما لا قصد فيه إلى الكذب، بأن لا يكون فيه قصدٌ أو يكون بظنِّ الصِّدق، وحَمَلَ المُؤاخذة على الأخروية بناءً على أن دارَ المُؤاخذة هي الآخرة، وأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وقرنت هذه المُؤاخذة بالكَسْب إذ لا عِبرة للقَصْد وعدمه في وجوب الكفارات التي هي مُؤْاخَذات دنيوية، ولا شك أنه بمجرد اليمين بدون الحنث لا تتحقَّق المُؤاخَذة الأخروية في المعقودة، فلا يمكن إجراء ((ما كسبت)) على عمومه، فلا بد من تخصيصه بالغَموس، فيتحصَّل من هذه الآية المُؤاخَذةُ الأخروية في الغَموس دون الدنيوية التي هي الكَفَّارة - وفيه خلاف الشافعي - وعدم المؤاخذة الأخروية فيما عداها مما فيه قصدٌ بظنِّ الصّدق، ومما لا قصد فيه أصلاً وفيه وفاق الشافعي. وحَمَلَ المُؤاخذة في آية ((المائدة)) على الدنيوية بقرينة قوله سبحانه فيها: ﴿فَكَفَّرَتُ﴾ إلخ، وقولَه تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدَتُ﴾ على المعقودة؛ لأن المتبادر من العَقْد ربط الشيء بالشيء، وهو ظاهر في المعقودة. فالمراد باللغو في تلك الآية ما عداها من الغموس وغيره، فيتحصَّل منها عدم المؤاخذة الدنيوية بالكفارة على غير المعقودة وهي الغموسُ - والمُؤاخذة عليه في الآخرة كما عُلم من آية ((البقرة)) . (١) أي: يرتمون بالسِّهام. يقال: انتضل القوم وتناضلوا: أي: رَمَوْا للسَّبْق. النهاية (فضل). (٢) تفسير الطبري ٣١/٤. قال الحافظ في الفتح ٥٤٧/١١: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد.