Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ١٩٠
١٦١
سُؤَةُ الْبَّكْرَة
وجوهها، والجملة عطفٌ على ((وليس البر)) إمَّا لأنه في تأويل: ولا تأتوا البيوت من
ظهورها، أو لكونه مقولَ القول، وعطفُ الإنشاء على الإخبار جائزٌ فيما له محلٌّ
من الإعراب سيَّما بعد القول. وقرأ ابن كثير، وكثيرٌ بكسر باء (البيوت)(١)
حیثما وقع.
﴿وَتَّقُوا اللَّهُ﴾ في تغيير أحكامه، كإتيان البيوت من [غير](٢) أبوابها، والسؤالٍ
عما لا يعني من(٣) الحِكَم والمصالح المودّعة في مصنوعاته تعالى بعد العلم بأنه
أتقنَ كلَّ شيء، أو في جميع أموركم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: لكي تفوزوا بالمطلوب من الهدى والبر، فإنَّ
مَن اتقى الله تعالى، تفجَّرت ينابيع الحكمة من قلبه، وانكشفت له دقائقُ الأسرار
حسب تقواه.
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: جاهِدوا لإعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمته.
فالسبيلُ بمعنى الطريق مستعارٌ لدين الله تعالى وكلمته؛ لأنه يتوصل المؤمن به إلى
مرضاته تعالى، والظرفيةُ التي هي مدلولةُ ((في)) ترشيحٌ للاستعارة.
﴿الَّذِينَ يُقتلونگز﴾ أي: یناچِزونكم القتال من الكفار، وكان هذا ۔ على ما رُوي
عن أبي العالية - قبل أن أُمِروا بقتال المشركين كانَّة، المناچِزین والمحاجزین،
فيكونُ ذلك حينئذٍ تعميماً بعد التخصيص المستفادِ من هذا الأمر، مقرِّراً لمنطوقه،
ناسخاً لمفهومه - أي: لا تقاتلوا المحاجزين - وكذا لمنطوق النهي(٤) الآتي، فإنه
على هذا الوجه مشتملٌ على النهي عن قتالهم أيضاً.
وقيل: معناه: الذين يناصبونكم القتال، ويُتوقَّع منهم ذلك دون غيرهم من
المشايخ والصبيان والنساء والرُّهبان، فتكون الآية مخصّصةً لعموم ذلك الأمر،
مخرجةً لمن لم يُتوقّع منهم.
(١) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٦/٢.
(٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٨٤/٢ - ٢٨٥.
(٣) في (م): ومن.
(٤) في (م): وكذا المنطوق في النهي.

سُؤَُّ الْبَعَة
١٦٢
الآية : ١٩٠
وقيل: المراد ما يَعمُّ سائر الكفار، فإنهم بصَدَد قتال المسلمين وقَصْدِهِ، فهم
في حكم المقاتلة، قاتلوا أو لم يُقاتِلوا .
ويؤيِّدُ الأولَ ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس ﴿﴾: أنَّ المشركين صدُّوا
رسول الله وَ﴿ عن البيت عام الحُديبيّة، وصالحوه على أن يرجع عامه القابِلَ ويُخلُوا
له مكةَ ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، فلمَّا كان العامُ المقبل تجهّز
رسول الله وَ﴾ وأصحابُه لعمرة القضاء، وخافوا أَن لا تفيَ لهم قريش بذلك، وأن
يصدُّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في
الحرم، فأنزل الله تعالى الآية(١).
وجَعْلُ ما يُفهم من الأثر وجهاً رابعاً في المراد بالموصول - بأن يقال: المراد
به: مَن يتصدَّى من المشركين للقتال في الحَرَم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض -
بعيدٌ؛ لأنه تخصيصٌ من غير دليل، وخصوصُ السبب لا يقتضي خصوصَ الحكم.
﴿وَلَا تَمْتَدُواْ﴾ أي: لا تقتلوا النساء والصِّبيان والشيخَ الكبير، ولا مَن ألقى إليكم
السَّلَم وكفَّ يده، فإنْ فعلتم فقد اعتديتم؛ رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٢).
أو: لا تعتدوا بوجهٍ من الوجوه؛ كابتداء القتال، أو قتالِ المعاهد، أو المفاجأةِ
به من غير دعوة، أو قَتْلِ مَن نُهيتم عن قتله. قاله بعضهم، وأُيِّد بأنَّ الفعل المنفيَّ
يفيد العموم.
﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْتُمُنَِّينَ ﴾ أي: المتجاوزين ما حُدَّ لهم، وهو
كالتعليل لِمَا قبله. ومحبتُه تعالى لعباده في المشهور: عبارةٌ عن إرادة الخير والثواب
لهم، ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عزَّ شأنه، وذلك بخلافٍ محبة
الإنسان وبغضِه، فإنَّ بينهما واسطةً وهي عدمهما.
حين سأله
﴿وَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ نَنِفُوهُمْ﴾ أي: وجدتموهم، كما قال ابن عباس
نافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول حسان څہ :
(١) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٤٩ - ٥٠ عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن
عباس ◌ًا، والكلبي وهو محمد بن السائب، متهم بالكذب.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٥/١.

الآية : ١٩١
١٦٣
سُؤَةُ الْبََّة
جذيمةُ إنَّ قتلهمُ دواءُ(١)
فإِمَّا يَثْقَفَنَّ بني لؤيٍّ
وأصل الثّقْف: الحِذقُ في إدراك الشيء عملاً كان أو علماً، ويُستعمل كثيراً في
مطلق الإدراك، والفعلُ منه ثقف گگِرُم وَرِح.
﴿وَأَخْرُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرُوكُمْ﴾ أي: مَّةَ، وقد فُعل بهم ذلك عام الفتح، وهذا
الأمر معطوفٌ على سابقه، والمراد: افعلوا كلَّ ما يتيسر لكم من هذين الأمرين في
حق المشركين، فاندفع ما قيل: إنَّ الأمر بالإخراج لا يجامع الأمر بالقتل، فإنّ
القتل والإخراج لا يجتمعان.
ولا حاجة إلى ما تُكُلِّف من أنَّ المراد إخراجُ مَن دخل في الأمان، أو وجدوه
بالأمان، كما لا يخفى.
﴿وَالْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: شركُهم في الحرم أشدُّ قبحاً، فلا تُبالوا بقتالهم
فيه؛ لأنه ارتكابُ القبيح لدفع الأقبح، فهو مرخّصٌ لكم ويُكَفَّر عنكم. أو: المحنةُ
التي يَفْتَتِن بها الإنسانُ - كالإخراج من الوطن المحبَّبِ للطباع السليمة - أصعبُ من
القتل؛ لدوام تعبها، وتألَّم النفس بها، ومن هنا قيل:
لَقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعاً على النَّفس من قتلٍ بحدٍّ فراقٍ(٢)
والجملة على الأول من باب التكميل والاحتراس(٣) لقوله تعالى: ((واقتلوهم))
(١) البيت في ديوان حسان ص٦٥، وفيه: فإما تثقفن بنو لؤي جذيمةً .... ، والخبر أخرجه
السيوطي في الإتقان ١/ ٤٠٠ - ٤٠١.
(٢) أورده الزمخشري في تفسيره ١/ ٣٤٢، والشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي
٢٨٥/٢.
(٣) التكميل: هو أن يأتي المتكلم الشاعر بمعنى تامٌّ من مدح أو ذمّ أو وصف أو غيره من
الأغراض الشعرية وفنونها، ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غيرَ كامل
فیأتي بمعنى آخر یزیدہ تكميلاً .
والاحتراس: هو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل، فيفطن له فيأتي بما يخلصه
من ذلك.
والفرق بينه وبين التكميل أن المعنى قبل التكميل صحيح تام، ثم يأتي التكميل بزيادة تُكمل
حُسْنَه، إما بفنٌّ زائد أو معنىً، والاحتراس إنما هو لدخل يتطرق إلى المعنى، وإن كان
تاماً كاملاً. خزانة الأدب وغاية الأرب ٣٧٤/٢، ٤٨٦.

سُورَةُ الْبَدَة
١٦٤
الآية : ١٩١
إلخ عن توهُّم أنَّ القتال في الحرم قبيحٌ فكيف يُؤمر به؟ وعلى الثاني تذييلٌ(١) لقوله
سبحانه: ((وأخرجوهم)) إلخ؛ لبيان حال الإخراج والترغيب فيه.
وأصلُ الفتنة عرضُ الذهب على النار لاستخلاصه من الغش، ثم استُعمِل في
الابتلاء والعذابِ والصدِّ عن دين الله والشّركِ به، وبالأخير فسَّرها أبو العالية في
الآية.
﴿وَلَا تُقَتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ﴾ نهيٌّ للمؤمنين أن يبدؤوا القتال
في ذلك الموطن الشريف حتى يكون هم الذين يبدؤون، فالنهيُ عن المقاتلة التي
هي فعلُ اثنين باعتبارٍ نهيهم عن الابتداء بها الذي يكون سبباً لحصولها، وكذا كونها
غايةً باعتبار المفاتحة؛ لئلا يلزم كونُ الشيء غايةً لنفسه.
﴿فَإِنِ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُهُمْ﴾ نفيٌّ للحرج عن القتال في الحرم الذي خاف منه
المسلمون وكرهوه، أي: إن قاتلوكم هناك. فلا تبالوا بقتالهم؛ لأنهم الذين حَتّكوا
الحرمة، وأنتم في قتالهم دافعون القتلَ عن أنفسكم. وكان الظاهرُ الإتيانَ بأمر
المفاعلة، إلَّا أنه عدل عنه إلى أمرٍ فَعَلَ بشارةً للمؤمنين بالغلبة عليهم، أي: هم من
الخذلان وعدمٍ النصر بحيث أُمِرتم بقتلهم.
وقرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم)) ((حتى يقتلوكم)) ((فإن قتلوكم
فاقتلوهم))(٢). واعترض الأعمش على حمزةَ في هذه القراءة فقال له: أرأيت
قراءتك! إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟! فقال حمزة: إنَّ
العرب إذا قُتِل منهم رجل قالوا: قُتِلِنا، وإذا ضُرِب منهم الرجل قالوا: ضُرِبنا.
وحاصله: أنَّ الكلامَ على حذف المضاف إلى المفعول، وهو لفظ ((بعض))،
فلا يلزم كونُ المقتول قاتلاً، وأمَّا إسنادُ الفعل إلى الضمير، فمبنيٌّ على أن الفعل
الواقع من البعض برضا البعض الآخر يُسند إلى الكلِّ على التجوُّز في الإسناد،
(١) التذييل: هو أن يذيِّل الناظم أو الناثر كلاماً بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقّق
ما قبلها من الكلام وتزيده توكيداً وتجري مجرى المثل بزيادة التحقيق. والفرق بينه وبين
التكميل أن التكميل يَرِدُ على معنى يحتاج إلى الكمال، والتذييل لم يُقِد غير تحقيق الكلام
الأول وتوکیده. خزانة الأدب وغاية الأرب ٢٤٢/١.
(٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

الآية : ١٩٢، ١٩٣
١٦٥
سُؤَدَةُ الْبَكْفَة
فلا حاجة فيه إلى التقدير، ولذا اكتفى الأعمش في السؤال بجانب المفعول.
وكذا قوله سبحانه: ((ولا تقتلوهم)) جارٍ على حقيقته(١) من غير تأويل؛ لأن
المعنى على السَّلب الكُلي، أي: لا يَقْتَلْ واحدٌ منكم واحداً منهم حتى يقع منهم
قتلُ بعضکم(٢).
ثم إنَّ هذا التأويل مختصٍّ بهذه القراءة ولا حاجة إليه في ((لاتقاتلوهم))؛ لأن
المعنى: لا تفاتحوهم، والمفاتحةُ لا تكون إلا بشروع البعض بقتال البعض. قاله
بعض المحققين، وقد خفيَ على بعض الناظرين، فتدبّر.
﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ (®﴾ تذييلٌ لما قبله، أي: يُفعلُ بهم مثلُ ما فعلوا، و
((الكافرين)) إمَّا مِن وَضْعِ المُظهَر موضع المضمر نعياً عليهم بالكفر، أو المرادُ منه
الجنس ويدخل المذكورون فيه دخولاً أوليًّا. والجارُّ في المشهور خبرٌ مقدَّمٌ وما بعده
مبتدأ مؤخّر، واختار أبو البقاء أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ، و ((جزاء)) خبره(٣)، إذ
لا وجه للتقديم.
﴿فَإِنِ آنهزا﴾ عن الکفر بالتوبة منه، کما رُوي عن مجاهد وغيره، أو عنه وعن
القتال كما قيل؛ لقرينةِ ذِكر الأمرين ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٦)﴾ فيغفر لهم ما قد
سلف .
واستَدلَّ به في ((البحر)) على قبول توبة قاتل العمد إذ كان الكفرُ أعظمَ مأئماً من
القتل، وقد أخبر سبحانه أنه يقبل التوبة منه (٤).
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾ عطفٌ على: قاتلوا الذين يقاتلونكم، والأوَّلُ
مسوقٌ لوجوب أصل القتال، وهذا لبيان غايته. والمراد من الفتنة: الشركُ، على
ما هو المأثور عن قتادةَ والسُّدِّيِّ وغيرهما، ويؤيده أنَّ مشركي العرب ليس في
حقِّهم إلا الإسلامُ أو السيفُ؛ لقوله سبحانه: ﴿نُقَّتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦].
(١) في (م): جاز على حقيقة.
(٢) في الأصل و(م): بعضهم، والصواب ما أثبتناه. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب
٢٨٥/٢.
(٣) الإملاء ٣٨٤/١.
(٤) البحر ٢ / ٦٧ .

سُوَّةُ الْبَقَة
١٦٦
الآية : ١٩٣
﴿وَيَكُونَ الّذِينُ لِلَّهِ﴾ أي: خالصاً له، كما يُشْعِر به اللام، ولم يَجئ هنا كلمة
(كله)) كما في آية الأنفال(١)؛ لأنَّ ما هنا في مشركي العرب، وما هناك في الكفار
عموماً، فناسب العمومَ هناك وتَرْكَه هنا .
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ تصريحٌ بمفهوم الغاية، فالمتعلِّق الشركُ، والفاءُ للتعقيب ﴿فَلاَ
عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى النَّذِينَ ﴾ علَّةٌ للجزاء المحذوف أُقيمت مُقامه، والتقدير: فإن
انْتَهَوا وأسلموا فلا تعتدوا عليهم؛ لأن العدوان على الظالمين، والمنتهون ليسوا
بظالمين. والمراد نفيُ الحُسْن والجواز لا نفيُّ الوقوع؛ لأن العدوان واقعٌ على غير
الظالمين.
والمراد من العدوان: العقوبةُ بالقتل، وسُمِّي القتلُ عدواناً من حيث كان عقوبةً
للعدوان، وهو الظلم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَّدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:
١٩٤]، ﴿وَجَزَّوَأْ سِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وحَسُن ذلك لازدواج الكلام،
والمزاوجةُ هنا معنوية.
ويمكن أن يقال: سُمِّي جزاءُ الظلم ظلماً؛ لأنه وإن كان عدلاً من المُجازي
لكنَّه ظلمٌّ في حقِّ الظالم من عند نفسه؛ لأنه ظلم نفسه(٢) بالنسبة(٣) لإلحاق هذا
الجزاء به.
وقيل: لا حذفَ، والمذكورُ هو الجزاء، على معنى: فلا تعتدوا على المنتهين،
إمَّا بجعل ((فلا عدوان إلا على الظالمين)) بمعنى: فلا عدوان على غير الظالمين،
المَكْنيّ به عن المنتهين، أو جَعْلِ اختصاص العدوان بالظالمين كنايةً عن عدم جواز
العدوان على غيرهم، وهم المنتهون.
واعتُرِض بأنه على التقدير الأول يصير الحكم الثبوتيُّ المستفادُ من القصر
زائداً، وعلى التقدير الثاني يصير المَكْنيُّ عنه من المَكْنيِّ به.
وجُوِّز أن يكون المذكور هو الجزاء، ومعنى ((الظالمين)): المتجاوزين عن حدٍّ
(١) وهو قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ [الأنفال:
٣٩].
(٢) قوله: نفسه، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٨٦/٢، والكلام منه.
(٣) في الأصل و(م): بالسبب، والمثبت من حاشية الشهاب.

الآية : ١٩٤
١٦٧
سُولَةُ الْبَنْقَة
حكم القتال، كأنه قيل: فإن انْتَهَوا عن الشِّرك فلا عدوان إلا على المتجاوزين
عمَّا حدَّه الله تعالى للقتال، وهم المتعرِّضون للمنتهين، ويَؤُول المعنى إلى أنكم إن
تعرَّضتم للمنتهين(١)، صرتم ظالمين وتنعكس الحال عليكم، وفيه من المبالغة في
النهي عن قتال المنتهين ما لا يخفى.
وذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى يستدعي حذفَ الجزاء، وجَعْلَ المذكور علَّةً
له، على معنى: فإن انْتَهَوا فلا تتعرَّضوهم لئلا تكونوا ظالمين، فيسلط الله عليكم
مَن يَعْدُو عليكم؛ لأن العدوان لا يكون إلا على الظالمين. أو: فإن انتهوا، يُسلَّط
علیکم مَن يَعْدُو علیکم علی تقدیر تعرُّضکم لهم لصیرورتكم ظالمين بذلك، وفيه من
البعد ما لا يخفى، فتدبّر.
﴿الَّهُ الْخَرَّمُ بِالشَّهْرِ الْرِّ﴾ قاتلهم المشركون عام الحديْبِيَة في ذي القَعدة
قتالاً خفيفاً بالرمي بالسهام والحجارة، فاتفق خروجُهم لعمرة القضاء فيه، فكرهوا
أن یقاتلوهم لحرمته، فقيل: هذا الشهر الحرام بذلك، وهتگُه بهتكه، فلا تبالوا به.
﴿وَالْحُرُمَتُ قِصَاصَّ﴾ أي: الأمور التي يجب أن يُحافظ عليها ذواتُ قصاص أو
مُقاصَّةٍ، وهو متضمِّنٌ لإقامة الحُجَّة على الحكم السابق، كأنه قيل: لا تبالوا
بدخولكم عليهم(٢) عَنوة، وهتكِ حرمة هذا الشهر ابتداءً بالغلبة، فإنَّ الحرماتِ
يجري فيها القصاص، فالصدُّ قصاصه العَنوة، فإن قاتلوكم فاقتلوهم.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فَذْلكَةٌ لِمَا تقدَّمه، وهو
أخصُّ مفاداً منه؛ لأن الأول يشمل ما إذا هُتِك حرمة الإحرام والصيد والحشيش
مثلاً، بخلاف هذا، وفيه تأكيدٌ لقوله تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَرَّمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَّمِ﴾ ولا ينافي
ذلك فذلكيتَه معطوفاً بالفاء. والأمر للإباحة إذ العفوُ جائز.
و ((مَنْ)) تحتمل الشرطية والموصولية، وعلى الثاني تكون الفاء صلةً في الخبر.
والباء تحتمل الزيادة وعدَمها .
(١) في (م): للمتقين.
(٢) في الأصل و(م): عليه، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٨٦/٢، وتفسير
أبي السعود ٢٠٤/١، والكلام فيهما بنحوه.

سُورَةُ الْبَعَة
١٦٨
الآية : ١٩٥
واستدلَّ الشافعيُّ بالآية على أن القاتل يُقتل بمثل ما قَتَل به، من محدَّد، أو
خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يُلْقَ في ماء
مِلْح.
واستدلَّ بها أيضاً على أنَّ مَن غصب شيئاً وأتلفه، يلزمه ردُّ مثله. ثم إنَّ المِثْل
قد يكون من طريق الصورة، كما في ذوات الأمثال، وقد یکون من طريق المعنى،
كالقِيَم فيما لا مِثْلَ له.
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في الانتصار لأنفسكم، وتركِ الاعتداء بما لم يرشخّص لكم فيه
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (﴿٤﴾﴾ بالنصر والعون.
﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ الَِّ﴾ عطفٌ على ((قاتلوا)) أي: وليكن منكم إنفاقٌ ما في سبيله
﴿وَلَا تُلْقُوا بِيدِيَكُمْ إِلَى التَّْكَةُ﴾ بترك الغزو والإنفاقِ فيه، فهو متعلِّق بمجموع المعطوف
والمعطوف عليه نهياً عن ضدِّهما تأكيداً لهما، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه غير واحد عن
أبي عمران قال: كنّا بالقُسْطَنْطينية، فخرج صفٍّ عظيم من الروم، فحمل رجل من
المسلمين حتى دخل فيهم، فقال الناس: ألقى بيديه إلى التَّهْلُكة. فقام أبو أيوبَ
الأنصاري فقال: أيُّها الناس، إنكم تُؤَوِّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا
معاشرَ الأنصار، إنَّا لَمَّا أعزَّ الله تعالى دينه، وكَثُر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرًّا
دون رسول الله وَّه: إنَّ أموالنا قد ضاعت، وإنَّ الله تعالى قد أعزَّ الإسلام وكَثُر
ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه واليه
ما يَرُدُّ علينا ما قلنا: ﴿وَأَنَفَقُوا﴾ إلخ، فكانت التَّهْلُكة الإقامةَ في الأموال وإصلاحَها
وتركَ الغزو(١).
وقال الجُبَّائي: التَّهْلُكة: الإسراف في الإنفاق، فالمراد بالآية النهيُ عنه بعد
الأمر بالإنفاق، تحرِّياً للطريق الوسط بين الإفراط والتفريط فيه.
وروى البيهقيُّ في الشُّعب عن الحسن: أنها البخل(٢)؛ لأنه يؤدِّي إلى الهلاك
المؤمَّد، فيكونُ النهي مؤكّداً للأمر السابق.
(١) أخرجه أبو داود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢) وقال: حسن صحيح غريب.
(٢) شعب الإيمان (١٠٩٠٢).

الآية : ١٩٥
١٦٩
سُورَةُ الْبَّكْرَة
واختار البلخيُّ أنها اقتحامُ الحرب من غير مبالاة، وإيقاعُ النفس في الخطر
والهلاك، فيكونُ الكلام متعلِّقاً بـ ((قاتلوا)) نهياً عن الإفراط والتفريط في الشجاعة.
وأخرج سفيان بن عيينة وجماعة عن البراء بن عازب أنه قيل له: ﴿وَلَا تُلْقُواْ
بَيْدِيكُمْ إِلَى التَّلْكَةِ﴾ هو الرجلُ يَلْقى العدوَّ، فيقاتلُ حتى يُقتَل؟ قال: لا، ولكنْ هو
الرجل يُذنب الذَّنْب، فيُلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله تعالى لي أبداً (١). ورُوي مثلُه
عن عَبِيدَة السَّلْماني. وعليه يكون متعلِّقاً بقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهو
في غاية البعد، ولم أَرَ مَن صحَّح الخبر عن البراء ظُه سوى الحاكم، وتصحيحُه
لا يوثق به. وظاهرُ اللفظ العموم.
والإلقاء: تصييرُ الشيء إلى جهةِ السُّفْل، و: أَلْقَى عليه مسألةٌ، مجاز، ويقال
لكلِّ مَن أخذ في عمل: أَلْقَى يديه إليه وفيه، ومنه قولُ لبيد في الشمس:
حتى إذا أَلْقَتْ يداً في كافر وأَجَنَّ عوراتِ الثغور ظلامُها(٢)
وعُدِّي بـ ((إلى)) لتضمُّه معنى الإفضاء أو الإنهاء، والباء مزيدةٌ في المفعول
لتأكيد معنى النهي؛ لأن ((ألقى)) يتعدَّى بنفسه كما في ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ [الشعراء:
٤٥] وزيادتُها في المفعول لا تنقاس.
والمراد بالأيدي: الأنفُسُ مجازاً، وعبّر بها عنها؛ لأنَّ أكثر ظهور أفعالها
بها .
وقيل: يحتمل أن تكون الباء زائدة، والأيدي بمعناها، والمعنى: لا تجعلوا
التَّهلُكة آخذةً بأيديكم، قابضةً إيّاها، وأن تكون غيرَ مزيدة، والأيدي أيضاً على
حقيقتها، ويكون المفعول محذوفاً، أي: لا تلقوا بأيديكم أنفسَكم إلى التهلكة،
وفائدة ذكر الأيدي حينئذ التصريحُ بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار.
والتَّهلُكة مصدرٌ كالهُلْك والهلاك، وليس في كلام العرب مصدرٌ على تفعُلة -
(١) أخرجه الطبري ٣١٩/٣ - ٣٢٠، والحاكم ٢٧٥/٢ - ٢٧٦، وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
(٢) البيت في ديوان لبيد ص٣١٦، ومعنى البيت: أن الشمس بدأت في المغيب، وسَتَر الظلامُ
الفجاجَ والطرق، والكافر في البيت: الليل الساتر.

سُورَةُ الْبَيْهَ
١٧٠
الآية : ١٩٦
بضم العين - إلا هذا في المشهور، وحكى سيبويه (١) عن العرب: تضُرَّة وتسُرَّة
أيضاً، بمعنى الضرر والسرور.
وجوِّز(٢) أن يكون أصلُها: تهلِكة بكسر اللام، مصدر هلَّك مشدّداً كالتجربة
والتبصرة، فأُبدِلت الكسرة ضمةً.
وفيه أنَّ مجيء تفعِلة - بالكسر - مِن فَعَّلَ المشدَّد الصحيح الغيرِ المَهموزِ شاةٌّ،
والقياس تفعيل، وإبدالُ الكسرة بالضمّ من غير علَّة في غاية الشذوذ، وتمثيله
بالجُوار - مضموم الجيم - في جِوار مكسورِها، ليس بشيء، إذ ليس ذلك نصًّا في
الإبدال؛ لجواز أن يكون بناءُ المصدر فيه على فُعال - مضموم الفاء - شذوذاً، يؤيِّده
ما في ((الصحاح): جاورتُه مجاورةً وجُواراً وجِواراً، والكسرُ أفصحُ(٣).
وفرَّق بعضهم بين التَّهْلُكة والهلاك، بأنَّ الأول: ما يمكن التحرُّزُ عنه، والثاني
ما لا يمكن.
وقيل: الهلاك مصدر، والتَّهْلُكة نفسُ الشيء المُهْلِك. وكلا القولين خلافُ
المشهور.
واستُدلَّ بالآية على تحريم الإقدام على ما يُخاف منه تلفُ النفس، وجوازٍ
الصُّلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين.
﴿وَأَحْسِنُوْ﴾ أي: بالعَود على المحتاج. قاله عكرمة. وقيل: أحسنوا الظنّ بالله
تعالى، أو: أحسنوا (٤) في أعمالكم بامتثال الطّاعات، ولعله أَوْلى.
﴿إِنَّ اللَّهَ بُّ الْمُحْسِنِينَ (٣٥)﴾ وينييُهم.
﴿وَأَيْتُواْ الْتَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّ﴾ أي: اجعلوهما تامَّين إذا تصدَّيتم لأدائهما لوجه الله
تعالى، فلا دلالة في الآية على أكثرَ من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما، وهو
متَّفقٌ عليه بين الحَنفية والشافعية ﴿ه، فإنَّ إفساد الحج والعمرة مطلقاً يُوجب
(١) في الكتاب ٤/ ٢٧٠.
(٢) المجوِّز هو الزمخشري في الكشاف ٣٤٣/١.
(٣) الصحاح (جور).
(٤) في (م): وأحسنوا.

الآية : ١٩٦
١٧١
سُورَةُ الََّقَرَة
المُضيَّ في بقية الأفعال والقضاء، ولا تدلُّ على وجوب الأصل.
والقولُ بالدلالة بناءً على أنَّ الأمر بالإتمام مطلقاً يستلزم الأمر بالأداء؛ لِمَا تقرَّر
من أنَّ ما لا يتمُّ الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ليس بشيء؛ لأنَّ الأمر
بالإتمام يقتضي سابقيَّة الشروع، فيكونُ الأمر بالإتمام مقيّداً بالشروع.
وادِّعاءُ أنَّ المعنى: ائتوا بهما حال كونهما تامًّين مستجمعَي الشرائط والأركان،
وهذا يدلُّ على وجوبهما لأنَّ الأمر ظاهرٌ فيه، ويؤيِّده قراءة: ((وأقيموا الحج
والعمرة)» (١) = ليس بسدید :
أمّا أوَّلاً: فلأنه خلافُ الظاهر، وبتقدير قَبوله في مقام الاستدلال يمكن أن
يُجعل الوجوب المستفادُ من الأمر فيه متوجّهاً إلى القيد - أعني تامَّينٍ - لا إلى أصل
الإتيان كما في قوله وَالَ: ((بيعوا سواء بسواء))(٢).
وأما ثانياً: فلأنَّ الأمر في القراءة محمولٌ على المعنى المجازيِّ المشترَكِ بين
الواجب والمندوب - أعني طلبَ الفعل - والقرينةُ على ذلك الأحاديثُ الدَّالةُ على
استحباب العمرة، فقد أخرج الشافعيُّ في الأم، وعبد الرزاق، وابنُ أبي شيبة،
وعبدُ بن حميد، وابنُ ماجه أنه ◌َِّ قال: ((الحجُّ جهاد، والعمرةُ تطوُّع)»(٣).
وأخرج الترمذيُّ وصحَّحه عن جابر: أنَّ رجلاً سأل رسول الله وَّر عن العمرة،
أواجبةٌ هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمروا خيرٌ لكم))(٤).
(١) أخرج هذه القراءة ابن أبي داود في المصاحف (١٧٦) عن ابن مسعود، وأوردها الزمخشري
في الكشاف ٣٤٣/١ ولم ينسبها، ونسبها أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٧٢ لعلقمة.
(٢) ينظر حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عند البخاري (٧٣٥٠، ٧٣٥١)، ومسلم
(١٥٩٣).
(٣) الأم ٢/ ١٣٢، ومصنف ابن أبي شيبة ص ٢٢٠ (نشرة العمروي)، كلاهما من طريق أبي صالح
الحنفي عن النبي ◌َّه وإسناده منقطع. وأخرجه عبد الرزاق كما في التمهيد ١٩/٢٠ عن ابن
مسعود رضيبه موقوفاً. وأخرجه ابن ماجه (٢٩٨٩) من حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعاً،
وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ في التلخيص الحبير ٢٢٧/٢ .
(٤) سنن الترمذي (٩٣١)، وهو عند أحمد أيضاً (١٤٣٩٧)، قال الحافظ في التلخيص ٢٢٦/٢:
نقل جماعة من الأئمة الذين صنفوا في الأحكام المجردة من الأسانيد أن الترمذي صححه
من هذا الوجه، وقد نبَّه صاحب الإمام على أنه لم يزد على قوله: حسن، في جميعٍ

سُوَّةُ الْبََّمَة
١٧٢
الآية : ١٩٦
ويؤيِّد ذلك أنَّ ابنَ مسعود صاحبَ هذه القراءة قال فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة
وعبد بن حميد: الحج فريضة، والعمرة تطوع(١).
وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف))(٢) عنه أيضاً أنه كان يقرأ ذلك ثم يقول:
والله لولا التحرُّجُ أنّي لم أسمع فيها من رسول الله وَّه شيئاً لقلت: إن العمرة واجبةٌ
مثلُ الحج. وهذا يدلُّ على أنه ظلُّه لم يجعل الأمر بالنسبة إليها للوجوب؛ لأنه لم
يسمع شيئاً فيه، ولعلَّه سمع ما يخالفه، ولهذا جزم في الرواية الأولى عنه بفَرْضية
الحجِّ واستحباب العمرة، وكأنه لذلك حمل الأمر في قراءته على القَدْر المشترك
الذي قلناه لا غير، بناءً على امتناع استعمال المشترَكَ في معنييه؛ وعدمٍ جواز الجمع
بين الحقيقة والمجاز، والميل إلى عدم تقديرٍ فعلٍ موافق للمذکور یراد به الندب،
نعم لا يُعدّ ما ذكر صارفاً إلا إذا ثبت كونُه قبل الآية، أمَّا إذا ثبت كونه بعدها فلا؛
لأنه يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ لِمَا أنَّ الأمر ظاهرٌ في الوجوب، وليس
مجملاً في معانيه على الصحيح حتى يُحمل الخبر على تأخير البيان على ما وُهِم.
والقولُ بأنَّ أحاديث الندب سابقةٌ ولا تَصرِف الأمر عن ظاهره بل يكون ذلك
ناسخاً لها، سهوٌ ظاهر؛ لأن الأحاديث نصٌّ في الاستحباب، والقرآن ظاهر في
الوجوب، فكيف يكون الظاهر ناسخاً للنص، والحال أنَّ النصَّ مقدَّمٌ على
الظاهر(٣) عند التعارض.
= الروايات عنه، إلا في رواية الكروخي فقط فإن فيها: حسن صحيح. وفي تصحيحه نظر
کثیر.
وقال الإمام النووي في المجموع ٦/٧ : وأما قول الترمذي: إن هذا حديث حسن صحيح،
فغير مقبول، ولا يُغترَّ بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفّاظ على أنه حديث ضعيف،
ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطاة لا يعرف إلا من جهته، والترمذي إنما رواه
من جهته، والحجاج ضعيف ومدلّس باتفاق الحفاظ، وقد قال في حديثه: عن محمد بن
المنكدر، والمدلِّس إذا قال في روايته: عن، لا يحتج بها بلا خلاف.
(١) مصنف ابن أبي شيبة ص ٢٢٠ نشرة العمروي، ويعني بالقراءة: ((وأقيموا الحج والعمرة)).
(٢) المصاحف (١٧٦). وفي إسناده ثوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف.
(٣) النص: هو اللفظ الذي يفيد معنى لا يحتمل غيره، كزيد. والظاهر: هو اللفظ الذي يفيد
المعنى الذي وضع له، مع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً، كالأسد، فإنه مفيدٌ للحيوان
المفترس، محتمِلٌ للرجل الشجاع. ينظر شرح المحلي على جمع الجوامع ٢٣٦/١.

الآية : ١٩٦
١٧٣
سُوَّةُ الْبَقَة
ثُمَّ إِنَّ هذا الذي ذكرناه وإن لم يكن مبطلاً لأصل التأييد، إلَّا أنه يضعفه جداً.
وادَّعى بعضهم أنَّ الأحاديث الدَّالة على استحباب العمرة معارضةٌ بما يدلُّ على
وجوبها منها، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ
الحَّ والعمرة فريضتان، لا يضرُّك بأيّهما بدأت))(١).
وأخرج أبو داود، والنَّسائيُّ أنَّ رجلاً قال لعمر: إني وجدت الحجّ والعمرةً
مكتوبين عليَّ، أهللتُ بهما جميعاً، فقال: هُدِيتَ لسنَّة نبيِّك(٢).
فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الإهلال بهما طريقةُ النبيِّ وَّه؛ لأن الاستدلال بما حكاه
الصحابيُّ من سنَّته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالاً بالحديث الفعليّ الذي رواه
الصحابي.
والقولُ بأنَّ: ((أهللتُ بهما)) جملةٌ مفسِّرة لقوله: وجدت، فيجوز أن يكون الوجوب
بسبب الإهلال بهما، فلا يدلُّ الحديث على الوجوب ابتداءً = ليس بشيء؛ لأنَّ الجملة
مستأنفة، كأنه قيل: فما فعلتَ؟ فقال: أهللتُ. فيدلُّ على أنَّ الوجدان سبب الإهلال
دون العکس؛ لأن مقصود السائل السؤال عن صحّة إملاله بهما، فکیف یقول:
وجدتُهما مكتوبين لأني أهللتُ بهما؟ فإنه إنما يصحُّ على تقدير علمه بصحَّة إهلاله
بهما، وجوابُ عمَر ◌َّه بمعزل عن وجوب الإتمام؛ لأنَّ كون الشروع في الشيء
موجباً لإتمامه لا يقال فيه: إنه طريقةُ النبيِّ وَّر، بل يقال في أداء المناسك والعبادات،
ويؤيِّد ذلك ما وقع في بعض الروايات: فأهللتُ، بالفاء الدَّالة على الترتيب.
وما ذُكِر عن ابن مسعود ◌َه معارض بما رُويَ عنه من القول بالوجوب،
وبذلك قال عليٍّ كرَّم الله وجهه، وكان يقرأ: ((وأقيموا)» أيضاً كما رواه عنه ابن
جرير(٣) وغيرُه، وكذا ابنُ عباس، وابنُ عمرَ هُ، انتهى.
(١) المستدرك ٤٧١/١. قال الحافظ في التلخيص ٢٢٥/٢: في إسناده إسماعيل بن مسلم
المكي، وهو ضعيف، ثم هو عن ابن سيرين عن زيد، وهو منقطع، ورواه البيهقي موقوفاً
على زيد من طريق ابن سيرين أيضاً، وإسناده أصح.
(٢) سنن أبي داود (١٧٩٩)، وسنن النسائي ١٤٦/٥ - ١٤٧ أخرجاه مطولاً من حديث الصُّيِّ بن
معبد، وأخرجه أحمد(٨٣) بنحوه.
(٣) في تفسيره ٣٣٤/٣.

سُورَةُ الْبََّنَة
١٧٤
الآية : ١٩٦
والإنصاف تسليمُ تعارُضِ الأخبار، وقد أخذ كلٌّ من الأئمة بما صحَّ عنده،
والمسألة من الفروع، والاختلافُ في أمثالها رحمة، وإنَّ الحقَّ أنَّ الآية لا تصلح
دليلاً للشافعية ومَن وافقهم - كالإمامية - علينا، وليس فيها عند التحقيق أكثرُ من بيان
وجوب إتمام أفعالهما عند التصدِّي لأدائهما، وإرشادِ الناس إلى تدارُك ما عسى
يعتريهم من العوارض المخلّة بذلك من الإحصار ونحوه، من غير تعرُّضٍ
لحالهما من الوجوب وعدمه.
ووجوب الحجِّ مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومَن ادَّعى من المخالفين أنها دليلٌ له فقد ركب شططاً
وقال غلطاً، كما لا يخفى على مَن ألقى السمع وهو شهيد.
وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر والبيهقيُّ وجماعة عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه:
إتمامُ الحجّ والعمرة لله أن تُحرِم بهما من دويرة أهلك(١).
ومثلُه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول اللهِ وَ﴾(٢).
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عمرَ ظُها: من إتمامهما أن يُفرَد كلُّ
واحد منهما عن الآخر، وأن يُعتمر في غير أشهر الحج(٣).
وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً .
وقيل: أن تُحْدِثَ لكلٍّ منهما سفراً.
وقيل: أن تخرج قاصداً لهما، لا لتجارةٍ ونحوها.
وقُرِئ: ((إلى البيت)): و: ((للبيت))، والأوَّلُ مرويٌّ عن ابن مسعود، والثاني عن
عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه (٤).
(١) تفسير الطبري ٣٢٩/٣، وسنن البيهقي ٣٠/٥.
(٢) أخرجه البيهقي ٥/ ٣٠، وفيه جابر بن نوح، وهو ضعيف كما قاله ابن حجر في التقريب.
وقال البيهقي: وفي رفعه نظر.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٤/١، ولم نقف عليه في المطبوع من مصنف عبد الرزاق. وأورده
السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ وعزاه لهما.
(٤) القراءة الأولى في تفسير الطبري ٣٢٨/٣ و٣٣٤، والبحر ٧٢/٢، والثانية في تفسير الطبري

الآية : ١٩٦
١٧٥
سُؤَةُ الْبَعَة
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مقابلٌ لمحذوف، أي: هذا إن قَدَرتم على إتمامهما. والإحصارُ
والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقاً، وليس الحصر مختصًّا بما يكون
من العدوِّ، والإحصارُ بما يكون من المرض والخوف - كما توهَّم الزَّجَّاج(١) - من
كثرة استعمالهما كذلك، فإنه قد يَشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العامّ في
بعض أفراده، والدليلُ على ذلك أنه يقال: حَصَره العدوُّ وأَخْصَره، كصدَّه وأَصَدَّه،
فلو كانت النسبة إلى العدوِّ معتبرةً في مفهوم الحصر، لكان التصريح بالإسناد إليه
تكراراً، ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرةً في مفهوم الإحصار، لكان
إسناده إلى العدوِّ مجازاً، وكلاهما خلافُ الأصل.
والمراد من الإحصار هنا حصرُ العدو عند مالك والشافعيِّ رحمهما الله تعالى؛
لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فإنَّ الأمن لغةٌ في مقابلة الخوف؛ ولنزوله عام
الحديبية، ولقول ابن عباس : لا حصرَ إلا حصر العدو. فقيَّدَ إطلاق الآية وهو
أعلم بمواقع التنزيل.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنَّ المراد به ما يعمُّ كلَّ مَنْعٍ من عدوٍّ ومرض
وغيرهما، فقد أخرج أبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه، والنسائيُّ، وابن ماجه، والحاكمُ
من حديث الحجّاج بن عمرو: (مَن كُسِر أو عَرِج، فعليه الحجّ من قابِلٍ))(٢).
وروى الطّحاويُّ من حديث عبد الرحمن بن يزيد(٣) قال: أهلَّ رجل بعمرة يقال
له: عمير(٤) بن سعيد، فلُسِيع، فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركبٌ فيهم
٣٣٤/٣، وقال أبو حيان: ينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير، لأنه مخالفٌ لسواد
=
المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
(١) في معاني القرآن ١/ ٢٦٧.
(٢) سنن أبي داود (١٨٦٢)، وسنن الترمذي (٩٤٠)، وفيه: هذا حديث حسن صحيح، وسنن
النسائي ١٩٨/٥-١٩٩، وسنن ابن ماجه (٣٠٧٧)، والمستدرك للحاكم ٤٧٠/١ ٤٨٢-٤٨٣،
وهو عند أحمد (١٥٧٣١).
(٣) في الأصل و(م): زيد، والمثبت من شرح معاني الآثار ٢٥١/١، وهو الصواب، وينظر
تهذيب الكمال ١٢/١٨ ترجمة عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي.
(٤) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من شرح معاني الآثار ١/ ٢٥١ وينظر تهذيب الكمال
٢٧٦/٢٢، وتفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر ٤١/٤ - ٤٢.

سُوَّةُ الْبَقَة
١٧٦
الآية : ١٩٦
ابن مسعود، فسألوه، فقال: ابعثوا بالهَدْي واجعلوا بينكم وبينه يومَ أمارةٍ(١)، فإذا
كان ذلك فَلْيَحِلَّ.
وأخرج ابن أبي شيبةً(٢) عن عطاء: لا إحصارَ إلا من مرض، أو عدوٍّ، أو أمرٍ
حابس. وروى البخاريُّ مثلَه عنه(٣)، وقال عروة: كلُّ شيءٍ حَبَسَ المحرمَ فهو
إحصار.
وما استدل به الخصم مجابٌ عنه، أما الأول فستعلم ما فيه. وأمَّا الثاني
فلأنَّه(٤) لا عبرة بخصوص السبب، والحملُ على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام
استقلالاً. والقول بأنَّ ((أحصرتم)) ليس عامًّا إذ الفعل المثبتُ لا عموم له فلا يراد
إلا ما ورد فيه وهو حَبْسُ العدو بالاتفاق، ليس بشيء؛ لأنه وإن لم يكن عامًّا لكنه
مطلقٌ، فيجري على إطلاقه.
وأما الثالث: فلأنه - بعد تسليم حُجِّيةٍ قول ابن عباس ﴿ًا في أمثال ذلك -
معارَضٌ بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال: يقول: مَن
أحرم بحجّ أو عمرة، ثم حُبِس عن البيت بمرض يُجهِده، أو عدوٍّ يحبسه، فعليه
ذبحُ ما استيسر من الهدي(٥). فكما خَصَّص في الرواية الأولى عمَّم في هذه، وهو
أعلم بمواقع التنزيل.
والقولُ بأنَّ حديث الحجاج ضعيفٌ، ضعيفٌ إذ له طرقٌ مختلفة في السنن، وقد
روى أبو داود أنَّ عكرمة سأل ابن عباس(٦) وأبا هريرةَ مَّا عن ذلك فقالا:
صدق(٧).
(١) في شرح معاني الآثار: يوماً أمارة.
(٢) في المصنف ص٢٠٦ (نشرة العمروي).
(٣) أورده البخاري تعليقاً بصيغة الجزم قبل حديث (١٨٠٦) بلفظ: الإحصار من كل شيء يحبسه.
(٤) في (م): فإنه.
(٥) تفسير الطبري ٣٦٦/٣.
(٦) في الأصل و(م): العباس، بدل: ابن عباس، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٧) سنن أبي داود (١٨٦٢) وهذه الزيادة وردت في جميع المصادر التي سلفت عند تخريج
حديث الحجاج بن عمرو

الآية : ١٩٦
١٧٧
سُورَةُ الْبَّفَة
وحملُه على ما إذا اشترط المُحرِمُ الإحلال عند عروض المانع من المرض له
وقتَ النية لقوله وَّه لضُباعة: ((حُجِّي واشترطي وقولي: اللهم مَحلِّي حيث
حَبَسْتني))(١)، لا يتمثَّى على ما تقرَّر في أصول الحنفية من أنَّ المطلق يجري على
إطلاقه، إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم، إذ ما نحن
فیه لیس کذلك کما لا یخفی.
﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِيِّ﴾ أي: فعليكم، أو: فالواجب، أو: فاهدوا ما استيسر،
أي: تيسّر، فهو كصعّب واستصعب، وليست السين للطلب. والهدي مصدرٌ بمعنى
المفعول، أي: المُهْدَى، ولذلك يُطلَق على المفرد والجمع. أو جمعُ هَذْية،
كجَدْي وجَدْية. وقُرِئ: ((الهَدِيّ)) بالتشديد(٢) جمع هَدِيَّة، كمَطِيّ ومطيّة.
وهو في موضع الحال من الضمير المستكنّ. والمعنى: أنَّ المحرم إذا أُحصِر
وأراد أن يتحلَّل، تحلَّل بذبح هَذْىٍ تيسَّر عليه، من بَدَنةٍ أو بقرة أو شاة، قاله(٣) ابن
عباس ﴾. وما عَظُم فهو أفضل.
وعن ابن عمرَ ﴿ّ أنه خَصَّ الهَدْي ببقرة أو جَزُور، فقيل له: أَوَ ما يكفيه شاة؟
فقال: لا ..
ويذبحه حيث أُحصِر عند الأكثر؛ لأنه وَلِّ ذبح عام الحُديْنِيَة بها وهي من الحِلّ.
وعندنا يبعث مَن أُحصِر به ويجعل للمبعوث بيده يومَ أَمارة، فإذا جاء اليوم
وغَلَب على ظَنِّه أنه ذبح، تحلَّل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُوُسَكُمْ خَّ بَْغَ الْمَدْىُ عِلَّهُ﴾
فإنَّ حَلْق الرأس كنايةٌ عن الحِلِّ الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء. والخطابُ
للمُحْصَّرين لأنه أقرب مذكور، والهَدْيُ الثاني عينُ الأول كما هو الظاهر، أي:
لا تُحِلُّوا حتى تعلموا أنَّ الهَدْيَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنحر
فيه وهو الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ﴿هَدْيَا بَلِغَ
(١) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٩)، والبخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧): (١٠٤) من حديث
أخرجه أحمد (٣٣٠٢)، ومسلم (١٢٠٨):
عائشة رؤيا. ومن حديث ابن عباس
(١٠٧).
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢، والبحر ٧٤/٢.
(٣) في (م): قال.

سُوَّةُ الْبَّفْعَة
١٧٨
الآية : ١٩٦
اَلْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وما رُوِيَ من ذبحهِوَّه في الحديبية مُسَلَّم (١)، لكن كونه ذبح
في الحِلِّ غيرُ مُسَلَّم، والحنفيةُ يقولون: إنَّ مَحصِر رسول الله وَليو كان في طريق
الحديبية أسفل مكة، والحديبيةُ متصلة بالحرم، والذبحُ وقع في الطرف المتصل
الذي نزله رسول الله وَ*، وبه يُجمع بين ما قاله مالك(٢) وبين ما روى الزهريُّ أنَّ
رسول الله وَ﴿ نحر في الحرم(٣)، وكونُ الرواية عنه ليس بثَبتٍ في حيِّز المنع.
وحمل الأوَّلون بلوغ الهدي مَحِلَّه على ذبحه حيث يَحِلُّ ذبحه فيه، ◌ِلًّا كان أو
حرماً، وهو خلافُ الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق.
واستُدِلَّ باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعندنا
يجب القضاء لقضاء رسول الله صل﴿ وأصحابِه عمرة الحديبية التي أُحصِروا فيها
وكانت تُسمَّى عمرة القضاء، والمَقامُ مَقامُ بيانِ طريقٍ خروج المُحصَر عن الإحرام
لا مَقامُ بیان كلِّ ما يجب عليه.
ولم يُعلم من الآية حكمُ غير المحصَر عبارة كما عُلِمَ حكمُ المُحصَر من عدم
جواز الحلِّ له قبل بلوغ الهدي، ويُستفاد ذلك بدلالة النّص. وجَعْلُ الخطاب
عامًّا للمُحصَر وغيره بناءً على عطف ((ولا تحلقوا)) على قوله سبحانه: ((وأتموا))
لا على ((فما استيسر)» يقتضي بَثْر النظم؛ لأن ((فإذا أمنتم)) عطفٌ على ((فإن
أحضرتم)) كما لا يخفى. والمَحلُّ - بالكسر - من حَدٍّ ضَرَبَ يُطلق للمكان كما هو
الظاهر في الآية، وللزمان كما يقال: مَحِلُّ الدَّين، لوقت حلوله وانقضاء أجله.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾ يحتاج للحَلْق، وهو مخصِّص لقوله سبحانه:
((ولا تحلقوا)) متفرِّعٌ عليه.
(١) أخرجه البخاري (٢٧٠١) عن ابن عمر ﴿ها: أن رسول الله * خرج معتمراً، فحال كفار
قريش بينه وبين البيت، فنحر هَذْيَه، وحلق رأسه بالحديبية.
٠٠
(٢) الموطأ ٣٦٠/١، وفيه عن مالك: أنه بلغه أن رسول الله﴿ حلَّ هو وأصحابه بالحديبية،
فنحروا الهَدْيّ وحلقوا رؤوسهم، وحلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل
إليه الهدي ....
(٣) قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٦: لم أجده. وينظر حديث ناجية بن جندب
في السنن الكبرى للنسائي (٤١٢١)، وتفسير الطبري ٣٦٨/٣ - ٣٦٩.

الآية : ١٩٦
١٧٩
سُولَةُ الْبَقَة
﴿أَوْ بِهِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ﴾ من جِراحة وقَمْل وصُدَاع ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فعليه فديةٌ إن
حلق ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نٍُ﴾ بيانٌ لجنس الفدية. وأمَّا قَدْرُها، فقد أخرج في
((المصابيح)) عن كعب بن عُجْرة: أنَّ النبيَّ وَّه مر به وهو بالحُدَيْبِيَة قبل أن يدخل
مكة وهو محرمٌ وهو يوقِد تحت قِدْر والقملُ يتهافتُ على وجهه فقال: ((أيؤذيك
هوامُّك؟)) قال: نعم. قال: ((فاحْلِق رأسك وأطْعِم فَرَقاً بين ستة مساكينَ - والفَرَقُ
ثلاثةُ آصُع - أو صُمْ ثلاثة أيام، أو انْسُك نسيكة))(١). وفي رواية البخاريٌّ ومسلم
والنَّسائيّ وابن ماجه والترمذيِّ أنَّ رسول الله وَّهِ قال له: «ما كنتُ أُرى أن الجَهْد
بلغ بك هذا، أَمَا تَجِدُ شاة؟)) فقال: لا، قال: ((صم ثلاثة أيام، أو أَظْعِم ستة
مساكينَ لكلِّ مسكين نصف صاع من طعام، واخْلِق رأسك))(٢) وقد بيَّن في هذه
الرواية ما يُطعم لكلِّ مسكين، ولم يبيِّن محلَّ الفدية، والظاهرُ العمومُ في المواضع
كلِّها كما قاله ابن الفرس(٣)، وهو مذهب الإمام مالك.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ - من الأمن ضدُّ الخوف، أو الأَمَنة - زوالَه، فعلى الأول معناه:
فإذا كنتم في أمن وَسَعة ولم تكونوا خائفين، وعلى الثاني: فإذا زال عنكم خوفٌ
الإحصار، ويُفهم منه حكمُ مَن كان آمناً ابتداءً بطريق الدِّلالة. والفاء للعطف على
(أُحصِرتم)) مفيدةٌ للتعقيبٍ، سواء أُريد حَضْرُ العدو، أو كلُّ منع في الوجود، ويقال
للمریض إذا زال مرضه وبرئ: آمِن؛ کما رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس
من طريق إبراهيم، فيضْعُفُ استدلال الشافعيِّ ومالك بالآية على ما ذهبا إليه.
﴿فَ تَمَنَّعَ بِلْمُبْرَةِ إِلَى الْ﴾ الفاء واقعةٌ في جواب إذا، والباءُ وإلى صلةُ التمتُّع،
والمعنى: فَمَن استمتع وانتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج، أي:
قبل الانتفاع بالحجِّ في أشهُره.
(١) أخرجه بهذه الرواية أحمد (١٨١٠٧)، والبخاري (٥٧٠٣)، ومسلم (١٢٠١): (٨٣)،
والترمذي (٩٥٣).
(٢) صحيح البخاري (١٨١٦)، وصحيح مسلم (١٢٠١): (٨٥)، وسنن ابن ماجه (٣٠٧٩)،
وهي عند أحمد (١٨١٠٩).
(٣) هو أبو محمد ابن الفرس، واسمه عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الأنصاري
الخزرجي، شيخ المالكية، ألف في أحكام القرآن كتاباً من أحسن ما وضع في ذلك، توفي
سنة (٥٩٧هـ). سير أعلام النبلاء ٣٦٤/٢١ - ٣٦٥.

سُوَّةُ الْبَّفَقَة
١٨٠
الآية : ١٩٦
وقيل: الباء سببية ومتعلّقُ التمتع محذوف، أي: بشيء من محظورات الإحرام،
ولم يعينه لعدم تعلَّق الغرض بتعيينه، والمعنى: ومَن استمتع بسبب أوان العمرة(١)
والتحلّلِ منها باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يُحرم بالحج، وفيه صرفُ التمتّع
عن المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي، والثاني هو الانتفاع مطلقاً، والأوَّلُ هو أن
يُحرِمِ بالعمرة في أشهر الحج ويأتيَ بمناسكها، ثم يُحرِم بالحج من جوف مكة
ويأتي بأعماله. ويقابله القران: وهو أن يُحرِمِ بهما معاً ويأتيَ بمناسك الحج،
فيُدخل فيها مناسك العمرة. والإفراد: وهو أن يُحرم بالحج وبعد الفراغ منه
بالعمرة.
﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ الفاء واقعةٌ في جواب (مَنْ)) أي: فعليه دمِّ استيسر عليه
بسبب التمتع، فهو دم جبران؛ لأن الواجب عليه أن يُحرِمِ للحجِّ من الميقات،
فلمَّا أحرم لا مِن الميقات أَورث ذلك خللاً فيه، فَجُبِر بهذا الدم، ومن ثَمَّ لا يجب
على المكي ومَن في حكمه. ويذبحه إذا أحرم بالحج ولا يجوز قبل الإحرام،
ولا يتعيَّن له يوم النحر بل يُستحب، ولا يأكل منه، وهذا مذهب الشافعيِّ.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه دمُ نُسك كدم القارن؛ لأنه وجب عليه شكراً
للجمع بين النسكين، فهو كالأضحية، ويذبح يوم النحر.
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ أي: الهَذْي، وهو عطف على ((فإذا أمنتم)) ﴿فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّمٍ فِي
اَلَّ﴾ أي: فعليه صيامٌ، وقُرِئ: ((فصيامَ)) بالنصب(٢)، أي: فليَصُم.
وظرفُ الصوم محذوفٌ؛ إذ يمتنع أن يكون شيء من أعمال الحج ظرفاً له،
فقال أبو حنيفة: المراد في وقت الحج مطلقاً، لكنْ بين الإحرامين: إحرامِ الحجّ
وإحرامِ العمرة، وهو كناية عن عدم التحلُّل عنهما، فيشملُ ما إذا وقع قبل إحرام
الحجِّ سواءٌ تحلَّل من العمرة أَوْ لا، وما وقع بعده بدليل أنه إذا قَدَرِ على الهَدْي بعد
صوم الثلاثة قبل التحلَّل وجب عليه الذبح، ولو قَدَر عليه بعد التحلّل لا يجب عليه
لحصول المقصد بالصوم وهو التحلُّل.
(١) الأوان: الحين، كما في القاموس (أون)، ويعني به هنا: الفراغ من العمرة. ينظر حاشية
الشهاب ٢٨٨/٢ - ٢٨٩.
(٢) البحر المحيط ٧٨/١.