Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ١٨٧
١٤١
سُوَّةُ الْبَنَة
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ جملة معترضة بين قوله تعالى:
(أُحِلَّ)) إلخ، وبين ما يتعلق به - أعني ((فالآن)) إلخ - لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط
منهم قبل الإحلال، ومعنى ((علم)): تعلَّقَ عِلْمُه، والاختيان: تحرُّك شهوة الإنسان
لتحرِّي الخيانة، أو: الخيانةُ البليغة، فيكون المعنى: تنقصون أنفسكم تنقيصاً
تامًّا بتعريضها للعقاب وتنقيصٍ حظّها من الثواب، ويؤول إلى معنى: تظلمونها
بذلك، والمراد الاستمرار عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبئ عنه صيغتا
الماضي والمضارع وهو متعلق العلم، وما تُفهمه الصيغة الأولى من تقدُّم كونهم
على الخيانة على العلم يأبى حَمْلَه على الأزليِّ الذاهبِ إليه البعض.
﴿فَذَابَ عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ((عَلِم))، والفاء لمجرَّد التعقيب، والمراد: قبل
توبتكم حينَ تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه.
﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾ أي: محا أثرَه عنكم وأزال تحريمَه. وقيل: الأول لإزالة
التحريم وهذا لغفران الخطيئة.
﴿فَالْقَنَ﴾ مرتَّبٌ على قوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ نظراً إلى ما هو
المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم، أي: حين نُسخ عنكم تحريمُ القربان،
وهو ليلة الصيام كما يدلُّ عليه الغاية الآتية، فإنها غايةٌ للأوامر الأربعة التي هذا
ظرفُها، والحضورُ المفهوم منه بالنظر إلى فِعْل نسخ التحريم، وليس حاضراً بالنظر
إلى الخطاب بقوله تعالى: ﴿بَشِرُوهُنَّ﴾.
وقيل: إنَّه وإن كان حقيقةً في الوقت الحاضر، إلا أنَّه قد يطلق على المستقبل
القريب تنزيلاً له منزلة الحاضر، وهو المراد هنا، أو أنَّه مستعمل في حقيقته،
والتقدير: قد أبحنا لكم مباشرتهنَّ. وأصل المباشرة: إلزاقُ البشرة بالبشرة،
وأُطلِقِتْ على الجماع للزومها لها.
﴿وَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾ أي: اطلبوا ما قدَّره الله تعالى لكم في اللوح من
الولد، وهو المرويُّ عن ابن عباس والضحاك ومجاهد ﴿ه وغيرهم. والمرادُ
الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا: اللهمَّ ارزقنا ما كتبتَ لنا. وهذا لا يتوقف على أن
يعلم كلُّ واحد أنَّه قدِّر له ولد، وقيل: المرادُ: ما قدَّره لجنسكم، والتعبير بـ ((ما))

سُورَةُ الْجَنَة
١٤٢
الآية : ١٨٧
نظراً إلى الوصف، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ [الشمس: ٥].
وفي الآية دلالةٌ على أنَّ المباشِرَ ينبغي أن يتحرَّى بالنكاح حفظَ النسل لا قضاءً
الشهوة فقط؛ لأنَّه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوةَ الجماع لبقاء نوعنا إلى غاية،
كما جعل لنا شهوةَ الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، ومجردُ قضاء الشهوة لا ينبغي
أن يكونَ إلا للبهائم.
وجعل بعضُهم هذا الطلب كنايةً عن النهي عن العزل، أو عن إتيان المحاش.
وبعضٌ فسَّر من أول مرة ((ما كَتَب)) بما سَنَّ وشَرع من صبِّ الماء في محله، أي:
اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان المذكورين، والمشهورُ حرمتهما أما الأول
فالمذكور في الكتب فيه أن(١) لا يعزل الرجلُ عن الحرة بغير رضاها، وعن الأمة
المنكوحة بغير رضاها أو رضا سيدها، على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه،
ولا بأس بالعزل عن أمته بغير رضاها؛ إذ لا حقَّ لها.
وأما الثاني فسيأتي بسطُ الكلام فيه على أتم وجهٍ إن شاء الله تعالى.
وروي عن أنس ◌ُ تفسيرُ ذلك بليلة القدر، وحكي عن ابن عباس ها أيضاً.
وعن قتادة أنَّ المراد: ابتغوا الرخصةَ التي كتب الله تعالى لكم، فإنَّ الله تعالى
يحبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يحبُّ أن تؤتى عزائمُه، وعليه تكون الجملة كالتأكيد
لما قبلها .
وعن عطاء أنَّه سأل ابن عباس ﴾: كيف تَقرأ هذه الآية: ((ابتغوا)) أو
(اتبعوا))؟ فقال: أيهما شئت، وعليك بالقراءة الأولى(٢).
﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ الليل كلَّه ﴿حَّ يَتَبِيَّنَ﴾ أي: يظهر ﴿لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ﴾ وهو
أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره، وحملُه على الفجر
الكاذبِ المستطيلِ الممتدِّ كَذَنَب السِّرْحان (٣) وَهْمٌ ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وهو ما يمتدُّ
مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل ﴿مِنَ اٌلْفَبْرِ﴾ بيانٌ لأول الخيطين، ومنه يتبين
(١) في (م): أنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٧١/١، والطبري ٢٤٧/٣، وقراءة ((واتَّبعوا)) قراءة شاذة.
(٣) السِّرْحان: الذئبْ، والأسد. القاموس (سرح).

الآية : ١٨٧
١٤٣
سُوَّةُ الْبَقَة
الثاني، وخصَّه بالبيان لأنَّه المقصودُ.
وقيل: بيانٌ لهما؛ بناءً على أنَّ الفجر عبارةٌ عن مجموعهما لقول الطائي:
وأزرقُ الفجرِ يبدو قبلَ أبْيَضِهِ (١)
فهو على وزان قولك: حتى يتبيَّن العالمُ من الجاهل من القوم، وبهذا البيان
خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه؛ لأنَّ شرطها عندهم تناسيه بالكلية،
وادعاء أنَّ المشبّه هو المشبهُ به لولا القرينة، والبيان ينادي على أنَّ المراد: مثل
هذا الخيط وهذا الخيط؛ إذ هما لا يحتاجان إليه.
وجوّز أن تكون ((مِنْ)) تبعيضية؛ لأنَّ ما يبدو جزءٌ من الفجر، كما أنَّه فجر بناءً
على أنَّه اسم للقَدْرِ المشترك بين الكلّ والجزء.
و(مِن)) الأولى قيل: لابتداء الغاية. وفيه أنَّ الفعل المتعدِّي بها يكون ممتدّاً أو
أصلاً للشيء الممتد، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها ((إلى)) أو ما يفيد مفادها،
وما هنا ليس كذلك، فالظاهر أنَّها متعلِّقةٌ بـ ((يتبين)) بتضمين معنى التميُّز، والمعنى:
يَتَّضحَ لكم الفجرُ متميزاً عن غبش الليل؛ فالغاية إباحةٌ ما تقدم حتى يتبين
أحدُهما من الآخر ويميَّز بينهما، ومِن هذا وجُّهُ عدم الاكتفاء بـ : حتى يتبيَّن لكم
الفجرُ، أو: يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر؛ لأنَّ تبيَّن(٢) الفجر له مراتبُ
كثيرة، فيصير الحكم مجملاً محتاجاً إلى البيان.
وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد ها قال: أنزلت ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُوا﴾ إلخ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربطَ أحدُهم في
رجليه الخيط الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يتبيَّن له
رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعدُ: ﴿مِنَ الْفَبْرِ﴾ فعلموا أنَّما يعني الليلَ والنهارَ(٣).
فليس فيه نصّ على أنَّ الآية قبلُ محتاجة إلى البيان بحيث لا يُفهم منها المقصود
(١) صدر بيت للبحتري، وهو في ديوانه ١/ ١٧١، وعجزه:
وأوَّلُ الغيثِ تَظْرٌ ثم ينسكبُ
(٢) في الأصل: تبيين.
(٣) صحيح البخاري (١٩١٧)، وصحيح مسلم (١٠٩١).

سُؤَةُ الْبَرَة
١٤٤
الآية : ١٨٧
إلا به، وأنَّ تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة جائزٌ لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين
في المراد منهما، إلا أنَّه صرَّح بالبيان لما التبس على بعضهم، ويؤيِّد ذلك أنَّهَ وَله
وصف مَن لم يفهم المقصودَ من الآية قبل التصريح بالبلادة، ولو كان الأمر موقوفاً
على البيان، لاستوى فيه الذكي والبليد، فقد أخرج سفيان بن عيينة وأحمد
والبخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذيُّ وجماعة عن عديٍّ بن حاتم ظُه قال:
لما أُنزِلِتْ هذه الآية ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ إلخ عمدْتُ إلى عقالين أحدهما أسود والآخر
أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلتُ أنظر إليهما فلا يتبيَّن لي الأبيض من
الأسود، فلما أصبحت غدوتُ على رسول الله وَلخير فأخبرته بالذي صنعت، فقال:
(إنَّ وسادك إذاً لعريض، إنَّما ذاك بياضُ النهار من سواد الليل))(١) وفي رواية: ((إنك
العريض القفا))(٢).
وقيل: إنَّ نزول الآية كان قبل دخول رمضان، وهي مبهمة، والبيان ضروريٌّ
إلا أنه تأخّر عن وقتِ الخطاب لا عن وقتِ الحاجة وهو لا يضرُّ. ولا يخفى
ما فيه .
وقال أبو حيان(٣): إنَّ هذا من باب النسخ، ألا ترى أنَّ الصحابة عملوا بظاهرٍ
ما دلَّ عليه اللفظُ، ثمَّ صار مجازاً بالبيان. ويردُّه على ما فيه أنَّ النسخ يكون بكلامٍ
مستقلٌّ ولم يعهد نسخ هكذا.
وفي هذه الأوامر دليلٌ على جواز نسخ السُّنة بالكتاب، بل على وقوعه، بناءً
(١) مسند أحمد (١٩٣٧٠)، وصحيح البخاري (١٩١٦)، وصحيح مسلم (١٠٩٠)، وسنن
أبي داود (٢٣٤٩)، وسنن الترمذي (٢٩٧٠).
(٢) وهي رواية البخاري (٤٥١٠). ومعناها كما قال ابن الأثير في النهاية (عرض): عرض القفا
كناية عن السِّمَن، قال: وقيل: أراد من أكل مع الصبح في صومه أصبح عريض القفا؛ لأن
الصوم لا يؤثر فيه. اهـ. وقال الزمخشري في الكشاف ٣٣٩/١: عرَّض رسول الله وَلخار قفاه؛
لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. اهـ قلنا: ولعل المصنف تبع الزمخشري في
القول بهذا. وقال الحافظ في الفتح ١٣٢/٤: وقد أنكر ذلك كثير منهم القرطبي ... وترجم
عليه ابن حبان: ذكر البيان بأن العرب تتفاوت لغاتها، وأشار بذلك إلى أن عديّاً لم يكن
يعرف في لغته أن سواد الليل وبياض النهار يعبر عنهما بالخيط الأبيض والخيط الأسود.
(٣) في البحر المحيط ٢/ ٥٠.

الآية : ١٨٧
١٤٥
سُورَةُ الْبََّفَة
على القول بأنَّ الحكمَ المنسوخ من حرمة الوقاع والأكلِ والشربٍ كانت ثابتةً
بالسنة، وليس في القرآن ما يدلُّ عليها، و((أحل)) أيضاً يدلُّ على ذلك، إلا أنَّه نسخٌ
بلا بدل، وهو مختلف فيه.
واستدل بالآية على صحَّة صوم الجُنُبِ لأنَّه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبيين
الفجر إباحتها في آخر جزءٍ من أجزاء الليل متَّصلٍ بالصبح، فإذا وقعتْ كذلك أصبحَ
الشخصُ جنباً، فإنْ لم يصحَّ صومُه لَمَا جازت المباشرة؛ لأنَّ الجنابة لازمة لها،
ومنافي اللازم مناف للملزوم. ولا يَرِدُ خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل
قبله؛ لأنَّه إنَّما يُفسد الصومَ لكونه مكمِّلَ الجماع فهو جماع واقع في الصبح، وليس
بلازم للجماع كالجنابة، وخالف في ذلك بعضُهم ومنعَ الصحة زاعماً أنَّ
الغايةً متعلقةٌ بما عندها، واحتجَّ بآثار صحَّ لدى المحدثين خلافُها(١).
واستدل بها أيضاً على جواز الأكل مثلاً لمن شكَّ في طلوع الفجر؛ لأنَّه تعالى
أباح ما أباح مغيّ بتبيُّنه ولا تبيَّن مع الشكّ خلافاً لمالك. و[استدل](٢) مجاهدٌ بها
على عدم القضاء والحالُ هذه إذا بان أنَّه أكل بعد الفجر؛ لأنَّه أكل في وقت أذن له
فيه، وعن سعيد بن منصور مثله(٣)، وليس بالمنصور.
والأئمة الأربعة ﴿ه على أنَّ أولَ النهار الشرعي طلوعُ الفجر، فلا يجوز فعلٌ
شيء من المحظورات بعده، وخالف في ذلك الأعمشُ ولا يتبعه إلا الأعمى، فزعم
أنَّ أولَه طلوعُ الشمس کالنهار العرفي، وجوَّز فِعْلَ المحظورات بعد طلوع الفجر،
وكذا الإمامية، وحَمَلَ ((من الفجر)) على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه، والذي
دعاه لذلك خبر: ((صلاة النهار عجماء)) (٤) وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل.
(١) ينظر ما ورد في هذه المسألة في تفسير القرطبي ٢٠٤/٣.
(٢) ما بين حاصرتين من الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٤٢، والكلام منه.
(٣) سنن سعيد بن منصور ٧٠١/٢ (٢٧٨ - تفسير) عن مجاهد، والكلام من الإكليل ص٤٢.
(٤) أي: لا جَهْرَ فيها، تشبيهاً بالعجماء من الحيوان الذي لا يتكلم، قال النووي في المجموع
٣/ ٣٥٥: وهذا الحديث باطل غريب لا أصل له. وقال الدارقطني كما في المقاصد الحسنة
ص٢٦٥: لم يُرْوَ عن النبيِ وَ﴿، وإنما هو من قول بعض الفقهاء. اهـ. وقد أخرجه
عبد الرزاق (٤١٩٩) و (٤٢٠٠) و (٤٢١٠) من قول الحسن ومجاهد وأبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود.

سُؤَُّ الْبَلْقَة
١٤٦
الآية : ١٨٧
وأيَّده بعضهم بأنَّ شَوْبَ الظلمة بالضياء كما أنَّه لم يمنع من الليلية بعد غروب
الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها، وتَسَاوي طرفي الشيء مما يستحسن في
الحكمة، وإلى البدء يكون العود.
وفيه أنَّ النهار في الخبر - بعد تسليم صحته(١) - يحتمل أن يكون بالمعنى
العرفيّ، ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال: وكلوا واشربوا إلى النهار
﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾. مع أنَّه أخصرُ وأوفقُ مما عَدَل إليه، فحيث لم يفعل فُهم
أنَّ الأمر مربوطٌ بالفجر لا بطلوع الشمس، سواءٌ عُدَّ ذلك نهاراً أم لا .
وما ذُكر من استحسان تساوي طرفي الشيء، مع كونه مما لا يُسْمِنُ ولا يغني
من جوع في هذا الباب، يمكن معارضته بأنَّ جَعْلَ أول النهار كأول الليل
وهما متقابلان مما يدلُّ على عِظَمٍ قدرة الصانع الحكيم.
و((إلى)) لانتهاء(٢) غاية الإتمام، ويجوز أن يكون حالاً من الصيام فيتعلق
بمحذوف، ولا يجوز جَعْلُه غاية للإيجاب لعدم امتداده. وعلى التقديرين تدلُّ الآية
على نفي كون الليل محلَّ الصوم، وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة، وقد
استنبط النبي ◌َّه منها حرمة صوم(٣) الوصال كما قيل، فقد روى أحمد(٤) من طريق
ليلى امرأة بشير بن الخَصَاصِيَة قالت: أردتُ أن أصومَ يومين مواصلةً، فمنعني بشير
وقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ نهى عنه، وقال: ((يفعلُ ذلك النَّصارى، ولكنْ صوموا
كما أمرَكم الله تعالى، وأتمُّوا الصيامَ إلى الليل، فإذا كان الليلُ فأفطروا)).
ولا تدلُّ الآية على أنَّه لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار، خلافاً لزاعمه،
نعم استدل بها على صحَّة نية رمضان في النهار، وتقرير ذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿ثُوَّ
أَنِتُواْ﴾ إلخ معطوف على قوله: ﴿بَشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿حَّ يَتَبَّنَ﴾، وكلمة
(ثم)) للتراخي والتعقيب بمهلة، و((اللام)) في ((الصيام)) للعهد على ما هو الأصل،
فيكون مفاد ((ثم أتموا)) إلخ الأمرَ بإتمام الصيام المعهود، أي: الإمساك المدلول
(١) قوله: بعد تسليم صحته، ليس في الأصل.
(٢) في (م): الانتهاء، وهو تصحيف، وينظر الدر المصون ٢٩٧/٢.
(٣) قوله: صوم، ليس في (م).
(٤) في مسنده (٢١٩٥٥).

الآية : ١٨٧
١٤٧
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
عليه بالغاية، سواء فُسِّر بإتيانه تامًّا، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة
المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى ((ثم))، فصارت نيةُ الصوم بعد مضي جزء من
الفجر؛ لأنَّ قصد الفعل إنَّما يلزمنا حين توجّه الخطاب، وتوجُّهُه بالإتمام بعد
الفجر؛ لأنَّه بعد الجزء الذي هو غايةٌ لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي، والليل
لا ينقضي إلا متصلاً بجزءٍ من الفجر، فتكون النية بعد مضيٍّ جزء الفجر الذي به
انقطع الليل، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية.
فإن قيل: لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي.
أجيب: بأنَّه ترك ذلك بالإجماع، وبأنَّ إعمالَ الدليلين - ولو بوجهٍ - أَوْلى من
إهمال أحدهما، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية، بطل العمل بخبر:
(لا صيام لمن لم يَنْوِ الصيام من الليل)(١) ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر،
بطل العمل بالآية، فقلنا بالجواز عملاً بهما .
فإن قيل: مقتضى الآية - على ما ذكر - الوجوبُ، وخبرُ الواحد لا يعارضها.
أجيب: بأنَّها متروكةُ الظاهر بالإجماع، فلم تَبْقَ قاطعةً، فيجوز أن يكون الخبر
بياناً لها. ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر، ولعلَّ ما ذكرناه أقل
مؤونة فتدبر.
وزعم بعض الشافعية أنَّ الآية تدلُّ على وجوب التبيت؛ لأنَّ معنى ((ثم أتموا)):
صيِّروه تامًّا بعد الانفجار، وهو يقتضي الشروع فيه قبله، وما ذاك إلا بالنية؛ إذ
لا وجوب للإمساك قبلُ، ولا یخفی ما فيه.
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِّ﴾ أي: معتكفون فيها، والاعتكاف في
اللغة: الاحتباس واللزومُ مطلقاً، ومنه قوله:
موقوفاً، وروي عنها مرفوعاً كما في مسند
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٨٦) عن حفصة ــ
أحمد (٢٦٤٥٧)، وصوَّب وقفه النسائي في السنن الكبرى ٣/ ١٧٢، وينظر الكلام عليه في
حاشية المسند.
وأخرجه الدارقطني ٢٢١٣ من حديث عائشة ؤها بلفظ ((مَنْ لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر
فلا صيام له)). قال الدارقطني: تفرّد به عبد الله بن عباد. وقال الحافظ ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٨٩/٢: عبد الله بن عباد مجهول، وذكره ابن حبّان في الضعفاء.

سُورَةُ الْبَّفَقَة
١٤٨
الآية : ١٨٧
فباتتْ بناتُ اللَّيل حوليَ عُكَّفا عُكُوفَ بواكي حَوْلَهنَّ صريعُ(١)
وفي الشرع: لُبثِّ مخصوص.
والنهي عطف على أول الأوامر(٢)، والمباشرة فيه كالمباشرة فيه، وقد تقدم أنَّ
المراد بها الجماع، إلا أنَّه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة
وغيرهما بخلاف النهي؛ فإنَّه لا يستلزم النهيُّ عن الجماع النهيَ عنهما،
فهما إمَّا مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة، وإمّا حرامان بأن يكونا بها، ولا(٣)
يَبْطُلُ الاعتكاف ما لم يُنْزِل، وصحّح معظمُ أصحاب الشافعيِّ البطلان.
وقيل: المراد من المباشرة ملاقاةُ البشرتين، ففي الآية منعٌ عن مُطْلَقِ المباشرة.
وليس بشيء؛ فقد كانت عائشة ﴿ّا ترجِّل رأسَ النبيِّنَّه وهو معتكف(٤).
وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليلٌ على أنَّه لا يصحُّ إلا في المسجد؛ إذ لو
جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت، وهو باطل بالإجماع، ويختص بالمسجد
الجامعِ عند الزهري. وروي عن الإمام أبي حنيفة ظله أنَّه مختصٌّ بمسجدٍ له إمامٌ
ومؤذِّنٌ راتبٌ. وقال حذيفة ظه: يختص بالمساجد الثلاث. وعن عليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهه: لا يجوز إلا في المسجد الحرام. وعن ابن المسيب: لا يجوز إلا فيه
أو في المسجد النبويّ. ومذهب الشافعي ◌ُ أنَّه يصحُّ في جميع المساجد
مطلقاً؛ بناءً على عموم اللفظ، وعدم اعتبار أن المُطلَق ينصرف إلى الكامل.
واستدل بالآية على صحّة اعتكاف المرأة في غير المسجد؛ بناءً على أنَّها
لا تدخل في خطاب الرجال. وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنَّه قَصَرَ
الخطابَ على الصائمين، فلو لم يكن الصومُ مِن شَرْطِه لم يكن لذلك معنى، وهو
المرويُّ عن نافع مولى ابن عمر، وعائشةً ﴿ه. وعلى أنه لا يكفي فيه أقلُّ من یوم،
كما أنَّ الصوم لا یکون كذلك.
(١) البيت للطرماح، وهو في ديوانه ص ٢٩٥، وتفسير الطبري ٢٦٨/٢، والبحر ٢٨/٢، ووقع
في هذه المصادر: بينهن، بدل: حولهن.
(٢) في الأصل: الأمر.
(٣) قوله: ولا. ساقط من (م).
(٤) أخرجه أحمد (٢٥٩٤٨)، والبخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (٢٩٧).

الآية : ١٨٧
١٤٩
سُورَةُ الْبَادَة
والشافعي ظُه لا يشترط يوماً ولا صوماً، لِمَا أخرج الدارقطني والحاكم
وصحَّحه عن ابن عباس ﴿هَا أنَّ النبيَّ وَّرِ قال: ((ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن
يجعلَه على نفسه)»(١)، ومثله عن ابن مسعود.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابنُ أبي شيبة (٢) من طريقين،
إحداهما: الاشتراط، وثانيتهما: عدمُه.
وعلى أنَّ المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جازَ؛ لأنَّه حَصَر المنع
من المباشرة حال كونه فیه.
وأجيب بأنَّ المعنى: لا تباشروهن حال ما يقال لكم: إنَّكم عاكفون في المساجد.
ومَن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باقٍ، ويؤيِّده ما روي عن
قتادة: كان الرجل يعتكف، فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثمَّ يرجع، فتُهوا عن ذلك.
واستُدل بها أيضاً على أنَّ الوطء يفسد الاعتكاف؛ لأنَّ النهي للتحريم، وهو
في العبادات يوجب الفساد.
وفيه أنَّ المنهي عنه هنا المباشرةُ حال الاعتكاف، وهو ليس من العبادات،
لا یقال: إذا وقع أمر منھیّ عنه في العبادة ۔ کالجماع في الاعتكاف - كانت تلك
العبادةُ منهيةً باعتبار اشتمالها على المنهيِّ ومقارنتها إياه، إذ يقال: فرقٌ بين كون
الشيء منهيًّا عنه باعتبارٍ ما يقارنه، وبين كون المقارِنِ منهيًّا في ذلك الشيء،
والكلام في الأول، وما نحن فيه من قبيل الثاني.
﴿يَلْكَ﴾ أي: الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحةٍ
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: حاجزةٌ بين الحقِّ والباطل ﴿فَلَا تَقْرَبُهَا﴾ كيلا يدانَى الباطل،
والنهيُ عن القُرْبِ من تلك الحدود التي هي الأحكام كنايةٌ عن النهي عن قرب
الباطل؛ لكون الأول لازماً للثاني، وهو أبلغ من ((لا تعتدوها))؛ لأنَّه نهي عن قرب
الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح، وذلك نهيّ عن الوقوع في الباطل
(١) سنن الدارقطني (٢٣٥٥)، والمستدرك ٤٣٩/١. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣١٩/٤
موقوفاً ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف، ورَفْعُه وهم.
(٢) في مصنفه ٨٧/٣.

سُورَةُ الْبَقَة
١٥٠
الآية : ١٨٧
بطريق الصريح، وعلى هذا لا يُشْكِلُ ((لا تقربوها)) في تلك الأحكام مع اشتمالها
على ما سمعت، ولا وقوع ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] في (١) آية أخرى؛ إذ قد
حصل الجمع وصحَّ ((لا تقربوها)) في الكلِّ.
وقيل: يجوز أن يرادَ بحدود الله تعالى: محارمُه ومَناهيه، إمَّا لأنَّ الأوامر
السابقة تستلزمُ النواهي لكونها مغيَّةً بالغاية، وإما لأنَّ المشار إليه قوله سبحانه:
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾ وأمثالُه.
وقال أبو مسلم: معنى ((لا تقربوها)): لا تتعرَّضوا لها بالتغيير، كقوله تعالى:
﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و [الإسراء: ٣٤] فيشمل جميعَ الأحكام.
ولا يخفى ما في الوجهين من التكلُّف.
والقولُ بأنَّ (تلك)) إشارةٌ إلى الأحكام، والحدُّ إما بمعنى المنع أو بمعنى
الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول يكون المعنى تلكَ الأحكامُ ممنوعاتُ الله تعالى
عن الغير، ليس لغيره أن يحكم بشيء ((فلا تقربوها)) أي: لا تحكموا على أنفسكم
أو على عباده من عند أنفسكم بشيء، فإنَّ الحكم لله تعالى عزَّ شأنُه، وعلى الثاني
يريد أنَّ تلك الأحكام حدودٌ حاجزةٌ بين الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد
تنقاد، فلا تقربوا الأحكامَ؛ لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى = لا يكاد يُعْرَضُ على
ذي لبٍّ فيرتضيه، وهو بعيدٌ بمراحل عن المقصود كما لا يخفى.
﴿ كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم ﴿يُبَيِّثُ اَللَّهُ ءَايَتِهِ﴾
إما مطلقاً، أو الآياتِ الدالَّةَ على سائر الأحكام التي شرعها ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ ﴾﴾ مخالفةً أوامره ونواهيه. والجملة اعتراضية(٢) بين المعطوف
والمعطوف عليه، لتقرير الأحكام السابقة، والترغيب إلى امتثالها بأنَّها شُرِعتْ
لأجل تقواكم.
ولمَّا ذكر سبحانه الصيام وما فيه، عقّبه بالنهي عن الأكل الحرام المُفضي إلى
عدمٍ قبول عبادته من صيامه واعتكافه، فقال:
(١) في (م): وفي.
(٢) في (م): اعتراض.

الآية : ١٨٨
١٥١
سُورَةُ الْبَقَة
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾ والمراد من الأكل ما يعمُّ الأخذ والاستيلاء،
وعبَّر به لأنَّه أهمُّ الحوائج، وبه يحصل إتلاف المال غالباً، والمعنى: لا يأكلْ
بعضكم مالَ بعض، فهو على حدٍّ: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وليس من
تقسيم الجمع على الجمع، كما في: ركبوا دوابَّهم، حتى يكون معناه: لا يأكلْ كلُّ
واحدٍ منكم مال نفسه، بدليل قوله سبحانه: ((بينكم))، فإنه بمعنى الواسطة يقتضي أن
يكون ما يضاف إليه منقسماً إلى طرفين يكون الأكل والمالُ حالَ الأكل متوسطاً
بينهما، وذلك ظاهر على المعنى المذكور.
والظرف متعلَّق بـ ((تأكلوا)) كالجار والمجرور بعده، أو بمحذوفٍ حال من
الأموال، والباء للسببية. والمراد من الباطل الحرامُ، كالسرقة والغصب، وكلّ ما لم
يَأْذَنْ بأَخْذِه الشرع.
﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ﴾ عطف على ((تأكلوا))، فهو منهيٌّ عنه مثلُه مجزومٌ
بما ◌ُزم به، وجوِّز نصبه بأنْ مضمرةٍ، ومثل هذا التركيب وإن كان للنهي عن الجمع
إلا أنَّه لا ينافي أن يكون كلٌّ من الأمرين منهيًّا عنه.
والإدلاء في الأصل: إرسالُ الحبل في البئر، ثمَّ استُعير للتوصُّل إلى الشيء،
أو الإلقاء. والباء صلةُ الإدلاء، وجوِّز أن تكون سببيةً والضمير المجرور للأموال،
أي: لا تتوصَّلوا، أو لا تُلقوا بحكومتها والخصومةِ فيها إلى الحكام. وقيل:
لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة.
وقرأ أبيّ. ((ولا تدلوا))(١).
﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ بالتحاكم والرفع إليهم ﴿فَرِيقًا﴾ قطعة وجملة ﴿مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ
بآلإِثْمِ﴾ أي: بسبب ما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الفاجرة، ويحتمل أن
تكون الباء للمصاحبة، أي: متلبّسين بالإثم. والجارُّ والمجرور على الأول متعلّق
بـ ((تأكلوا))، وعلى الثاني حالٌ من فاعله، وكذلك ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3)﴾ ومفعول
العلم محذوف، أي: تعلمون أنكم مبطلون.
وفيه دلالةٌ على أنَّ مَن لا يعلم أنَّه مبطل، وحَكَمَ له الحاكم بأخذ مال، فإنَّه يجوز له
(١) معاني القرآن للفراء ١١٥/١، والبحر ٥٦/٢.

سُورَةُ الْبََّنَة
١٥٢
الآية : ١٨٨
أخذُه. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً أنَّ عَبْدان بن أَشْوَعُ(١) الحضرمي
وامرأ القيس بن عابس اختصما في أرض، ولم تكن بيِّنةٌ، فحكم رسولُ الله ◌َل بان
يحلفَ امرؤ القيس، فهمَّ به، فقرأ رسول الله وَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِهِمْ
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فارتدع عن اليمين وسلَّم الأرض، فنزلت(٢).
واستُدل بها على أنَّ حكم القاضي لا ينفذ باطناً، فلا يحلُّ به الأخذ في
الواقع، وإلى ذلك ذهب الشافعي ◌َبه وأبو يوسف ومحمد، ويؤيِّده ما أخرجه
البخاريُّ ومسلم عن أم سلمة زوج النبيِّ وَّ، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ
وإِنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ أَلْحنَ بحجَته من بعض، فأقضي له
على نحو ما أسمع منه، فمَن قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذنّه، فإنَّما أَقْطَعُ
له قطعةً من النَّار))(٣).
وذهب الإمام أبو حنيفة به إلى أنَّ الحاكم إذا حكم ببيِّنةٍ بعقدٍ أو فَسْخِ عقد
مما يصحُّ أن يبتدأ فهو نافذٌ ظاهراً وباطناً، ويكون كعقدٍ عَقَداه بينهما، وإن كان
الشهود زوراً، كما روي أنَّ رجلاً خطب امرأةً هو دونها فأبت، فادَّعى عند عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه أنَّه تزوَّجها وأقام شاهدين، فقالت المرأة: لم أتزوَّجه. وطلبتْ
عقد النكاح، فقال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: قد زوَّجَك الشاهدان(٤).
وذهب فيمَن ادَّعى حقًّا في يدي رجل وأقام بينةً تقتضي أنَّه له وحكم بذلك
الحاكم، أنه لا يباح له أخذُه، وأنَّ حُكْمَ الحاكم لا يبيح له ما كان قبلُ محظوراً
عليه، وحَمَل الحديث على ذلك.
(١) كذا في الأصل و(م) وبعض المصادر، وفي تفسير ابن أبي حاتم: عبد الله بن أشوع، وفيَّده
الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ١/ ٤٢٠: عَيْدان بفتح المهملة بعد ياء
ساكنة. وفي توضيح المشتبه ٦/ ٩٥ - ٩٦ قول آخر وهو: ربيعة بن عِدَّان بكسر العين والباء
وتشديد الدال.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٢١/١. وأخرج القصة أحمد (١٧٧١٦) من حديث عدي بن عميرة
الكندي له، وإسناده صحيح كما ذكر الحافظ في الإصابة ١/ ١٠٠. وأخرجه دون ذكر
الآية أحمد (١٨٨٦٣)، ومسلم (١٣٩) من حديث وائل بن حجر څ﴾.
(٣) صحيح البخاري (٢٦٨٠)، وصحيح مسلم (١٧١٣)، وهو عند أحمد (٢٥٦٧٠).
(٤) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٢٥٣.

الآية : ١٨٩
١٥٣
سُورَةُ الْبَدَة
والآيةُ ليست نصًّا في مدَّعى مخالفيه؛ لأنَّهم إن أرادوا أنَّها دليل على عدم
النفوذ مطلقاً فممنوع، وإن أرادوا أنَّها دليل على عدم النفوذ في الجملة، فمسلّم
ولا نزاع فيه؛ لأنَّ الإمام الأعظم ﴿به يقول بذلك، ولكن فيما سمعتَ،
والمسألة معروفة في الفروع والأصول، ولها تفصيل في ((أدب القاضي)) فارجع
إليه .
﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ أخرج ابن عساكر بسند ضعيف أنَّ معاذ بن جبل وثعلبةً بن
عَنَمة(١) قالا: يا رسول الله، ما بالُ الهلال يبدو ويَطْلُع دقيقاً مثلَ الخيط، ثم يزيد
حتى يَعْظُم ويستويَ ويستديرَ، ثم لا يزال ينقصُ ويَدِقَّ حتى يعودَ كما كان، لا يكون
على حال واحد؟ فنزلت(٢).
وفي رواية أنَّ معاذاً قال: يا رسول الله إنَّ اليهود يُكثِرون مسألتنا عن الأهلَّة،
فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣).
فيُراد بالجمع على الرواية الأولى ما فوق الواحد، أو يُنزَّلُ الحاضرون
المترقِّبون للجواب منزلةَ السائل، وظاهرُه المتبادِرُ على الرواية الثانية، بناءً على أنَّ
سؤال اليهود من بعض أصحابه بمنزلة السؤال منه وَ *، إذ هو طريقُ علمهم ومستمَدُّ
فیضهم.
والأهلة: جمعُ هلال، واشتقاقُه من استهلَّ الصبيُّ: إذا بكى وصاح حين يولد،
ومنه أهلَّ القوم بالحجّ: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمِّيَ به القمرُ في ليلتين من
أوَّل الشهر، أو في ثلاث، أو حتى يُحَجَّر - وتحجيرُه: أن يستدير بخطّ دقيق، وإليه
ذهب الأصمعي - أو حتى يَبْهَر ضوءُه سوادَ الليل، وغيًّا ذلك بعضُهم بسبع ليال.
(١) في الأصل و (م): غنم. والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٥/١، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٧. وقال الحافظ ابن
حجر في العجاب في بيان الأسباب ١/ ٤٥٥: تَوَارَدَ مَن لا يد لهم في صناعة الحديث على
الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاءٍ السند فيه ولا شعور عندهم بذلك.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٧، وقال الحافظ في العجاب ٤٥٤/١: لم أر له سنداً إلى
معاذ، ويحتمل أن يكون اختصره أولاً، ثم أورده مبسوطاً. اهـ. ويعني بذلك الخبر الذي
قبله.

سُورَةُ الْبَقَة
١٥٤
الآية : ١٨٩
وسمِّي بذلك لأنه حين يُرى يُهِلُّ الناس بذكره، أو بالتكبير، ولهذا يقال: أَهَلَّ
الهلال واستهلَّ، ولا يقال: هلّ.
والسؤالُ يحتمل أن يكون عن الغاية والحكمة، وأن يكون عن السبب والعلَّة،
ولا نصَّ في الآية والخبرِ على أحدهما؛ أمَّا الملفوظُ من الآية فظاهر،
وأمَّا المحذوف فيحتمل أن يُقدَّر: ما سببُ اختلافها؟ وأن يُقدَّرَ: ما حكمته؟ وهي
وإن كانت في الظاهر سؤالاً عن التعذُّد، إلا أنها في الحقيقة متضمِّنةٌ للسؤال عن
اختلاف التشكّلات النُّورية؛ لأن التعدُّد يتبع اختلافها، إذ لو كان الهلال على شكل
واحد لا يحصل التعدُّد كما لا يخفى.
وأمَّا الخبرُ فلأنَّ ما فيه يسأل بها عن الجنس وحقيقته، فالمسؤولُ حينئذ حقيقةٌ
أمر الهلال وشأنه حالَ اختلاف تشكّلاته النُّورية، ثم عوده إلى ما كان عليه، وذلك
الأمر المسؤولُ عن حقيقته يحتمل ذينكَ الأمرين بلا ريب.
فعلى الأول: يكون الجواب بقوله تعالى: ﴿قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ﴾
مطابقاً مبيِّناً للحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام، المذكّرةِ لنعمة الله
تعالى(١)، وهي أن يكون معالمَ للناس يُوَقِّتون بها أمورهم الدنيوية، ويعلَمون أوقات
زروعهم ومتاجرهم، ومعالمَ للعبادات الموقَّتة يُعرف بها أوقاتها كالصيام والإفطار،
وخصوصاً الحج، فإنَّ الوقت مراعى فيه أداءً وقضاءً، ولو كان الهلال مدوَّراً
كالشمس أو ملازماً حالةً واحد لم يَكّد يتيسر التوقيت به. ولم يذكر وَّه الحكمةَ
الباطنة لذلك مثل كون اختلاف تشكّلاته سبباً عادياً أو جعليًّا؛ لاختلاف أحوال
المواليد العنصرية كما بيّن في محلِّه؛ لأنه مما لم يَطَّلِعِ عليه كلُّ أحد.
وعلى الثاني يكون من الأسلوب الحكيم، ويُسمَّى: القول بالموجَب، وهو
تَلقِّي السائل بغير ما يَتَطَلَّب، بتنزيل سؤاله منزلةً غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله،
واختاره السَّكاكيُّ(٢) وجماعة. فيكونُ في هذا الجواب إشارةٌ إلى أن الأَولى - على
تقدير وقوع السؤال - أن يسألوا عن الحكمة لا عن السبب؛ لأنه لا يتعلق به صلاحُ
(١) بعدها في (م): ومزيد رأفته سبحانه.
(٢) في مفتاح العلوم ص٣٢٧.

الآية : ١٨٩
١٥٥
سُورَةُ الْبَغَة
ليسوا ممَّن
معاشهم ومعادهم، والنبيُّ إنما بُعِث لبيان ذلك، لا لأن الصحابة
يطَّلع على دقائق علم الهيئة الموقوفة على الأرصاد والأدلة الفلسفية كما وُهِم؛ لأن
ذلك على فَرَضٍ تسليمه في حقِّ أولئكَ المشَّائين في رِكاب النبوة، والمرتاضين في
رِواق الفُتَوَّةُ (١)، والفائزين بإشراق الأنوار، والمطَّلِعين بأرصاد قلوبهم على دقائق
الأسرار، وإن لم يكن نقصاً من قَدْرِهم، إلا أنه يدلُّ على أنَّ سبب الاختلاف ما بُيِّن
في علم الهيئة من بُعْد القمر عن الشمس وقُربِهِ إليها، وهو باطلٌ عند أهل الشريعة،
فإنه مبنيٌّ على أمور لم يثبت جزماً شيء منها. غايةُ الأمر أنَّ الفلاسفة الأُوَل
تَخيَّلوها موافقة لِمَا أبدعه الحكيم المطلَق كما يشير إليه كلام مولانا الشيخِ الأكبرِ
قُدِّس سرُّه في ((فتوحاته)).
وممَّا ينادي على أنَّ ما ذهبوا إليه مجرَّدُ تخيُّل لا تأباه الحكمة وليس مطابقاً
لِما في نفس الأمر، أنَّ المتأخِّرين ممَّا انتظم في سِلْك الفلاسفة كهرشل الحكيم
وأتباعه أصحاب الرَّصد والزِّيج(٢) الجديد تخيَّلوا خلافَ ما ذهب إليه الأوَّلون في
أمر الهيئة، وقالوا: بأنَّ الشَّمس مركزٌ، والأرضُ وكذا والنجومُ دائرةٌ حولها، وبَنَوا
حكم الكسوف والخسوف ونحوه على ذلك، وبرهنوا عليه، وردُّوا مخالفيه، ولم
يتخلَّف شيءٌ من أحكامهم في هذا الباب، بل يقع حسبما يقع ما يقوله الأولون مبنيًّا
على زعمهم.
فحيث اتفقت الأحكام مع اختلاف المبنيَين، وتضادّ المنشأين(٣)، وردّ أحد
الزعمين بالآخر، ارتفع الوثوق بكلا المذهبين، ووجب الرجوع إلى العلم المقتبس
من مشكاة الرسالة، والمنقدح من أنوار شمس السيادة والبسالة، والاعتمادُ على
ما قاله الشارع الأعظم وَّه بعد إمعان النظر فيه، وحَمْلِه على أحسن معانيه، وإذا
أمكن الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مِمَّا يقبله العقل، وبين ما يقوله سيِّدُ
(١) الفتوة: هي منزلة من منازل الصوفية، وهي أن يكون العبد ساعياً أبداً في أمر غيره بأن يقضي
حاجته ويترك خصومته ويتغافل عن زلته، ويقرّب مَن يؤذيه ويكرمه، ويعتذر إلى من جنى
عليه، ولها تعاريف عدة. ينظر شرح الرسالة القشيرية بهامش نتائج الأفكار القدسية ١٦٨/٣.
(٢) الزيج: هو كل كتاب يتضمن جداول فلكية يعرف منها سير النجوم ويستخرج بواسطتها
التقويم سنة سنة. المعجم الوسيط (زيج).
(٣) في (م): المشائين.

سُوَةُ الْبَغَة
١٥٦
الآية : ١٨٩
الحكماء، ونورُ أهل الأرض والسماء، فلا بأس به، بل هو الأليقُ الأحرى في دفع
الشكوك التي كثيراً ما تَعْرضُ لضعفاء المؤمنين، وإذا لم يمكن ذلك، فعليك
بما دارت عليه أفلاك الشرع، وتنزلت به أملاك الحق:
فإنَّ القول ما قالتْ حَذَام(١)
إذا قالتْ حَذَامٍ فصدِّقوها
وسيأتي تتمةٌ لهذا المبحث إن شاء الله تعالى.
و ((المواقيت)) جمعُ ميقاتٍ صيغة آلَّة، أي: ما يُعرف به الوقت، والفرقُ بينه
وبين المدَّة والزمان - على ما يُفهم من كلام الراغب(٢) - أنَّ المدَّة المطلقة: امتدادُ
حركة الفَلَك في الظاهر من مبدئها إلى منتهاها. والزمانُ مدةٌ مقسومة إلى السنين
والشهور والأيام والساعات. والوقت: الزمان المقدَّر والمعيَّن.
وقُرِئ بإدغام نون ((عن)) في ((الأهلة)) بعد النقل والحذف(٣).
واسُتِدلَّ بالآية على جواز الإحرام بالحجِّ في كلِّ السنة، وفيه بعدٌ، بل
ربما يُستدلُّ بها على خلاف ذلك؛ لأنه لو صحَّ لم يُحتَجْ إلى الهلال في الحج،
وإنما احتيج إليه لكونه خاصًّا بأشهرٍ معلومة محتاجة في تمييزها عن غيرها إليه،
وإلى هذا ذهب الشافعية(٤).
ومناسبةُ الآية لما قبلها ظاهرةٌ؛ لأنه في بيان حكم الصيام، وذكرُ شهر رمضان
وبحثُ الأهلة يلائم ذلك؛ لأن الصوم مقرونٌ برؤية الهلال، وكذا الإفطار، ولهذا
قال تعالي: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))(٥).
(١) البيت للجيم بن صعب كما في العقد الفريد ٣/ ٣٦٣، واللسان (نصت)، وفيه: وحذام اسم
امرأة الشاعر وهي بنت عتيك بن أسلم.
(٢) ينظر مفردات ألفاظ القرآن (وقت)، وحاشية الشهاب ٢٨٤/٢.
(٣) قرأ بها ابن محيصن، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر ٦٢/٢، والدر المصون ٣٠٢/٣،
وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٠٠ .
(٤) في (م): الشافعي ظُه. وفي المجموع للنووي ٦/ ١٣٠: لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في
أشهره عندنا، فإن أحرم في غيرها انعقد عمرة.
(٥) أخرجه أحمد (٩٥٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) من حديث أبي هريرة حظه.

التفسير الإشاري (١٨٩-١٨٩)
١٥٧
سُورَةُ الْبَقَة
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: أنه سبحانه ذكر قوانينَ جليلةً من قوانين
العدالة، فمنها القصاصُ الذي فُرض لإزالة عدوان القوة السَّبعيَّة، وهو ظلٌّ من
ظلال عدله، فإذا تصرَّف في عبده بإفنائه وقتله بسيف حبِّه، عوَّضه عن حَرِّ روحه
رَوْحاً، وعن عبد قلبه قلباً، وعن أنثى نفسه نفساً، فإنه كما كتب القصاص في
قتلاكم، كتب على نفسه الرحمة في قتلاه، ففي بعض الآثار من طرق القوم أنه
سبحانه يقول: مَن أحبَّني قتلتُه، ومَن قتلتُه فأنا ديتُه.
﴿وَلَكُمْ﴾ في مُقَاصَّة الله تعالى إياكم بما ذكر ﴿حَيَّةٌ﴾ عظيمة لا موت بعدها،
﴿يَأُوْلِ﴾ العقول الخالصة عن قشر الأوهام وغواشي التعيُّنات والأجرام؛ لكي
تَتَّقوا تركه أو شركَ وجودكم.
ومنها الوصية التي هي قانون آخرُ فُرِض لإزالة نقصان القوة الملكية وقصورها
عما تقتضي الحكمة من التصرُّفات، ووصيةُ أهل الله تعالى قدَّس الله تعالى
أسرارهم: المحافظةُ على عهد الأزل بترك ما سوى الحق.
ومنها الصيام، وهو قانونٌ فُرِض لإزالة تسلُّط القوى البهيمية، وهو عند أهل
الحقيقة: الإمساك عن كلِّ قول وفعل وحركة ليس بالحقِّ للحق، والأيامُ المعدودة
هي أيام الدنيا التي ستنقرض عن قريب، فاجعلها كلَّها أيامَ صومك، واجعل فطرك
في عيد لقاء الله تعالى.
و﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ هو وقتُ احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجلِّيات القرب
﴿الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾، وهو العلم الإجمالي الجامعُ هدايةً للناس إلى الوحدة
باعتبار الجمع، ودلائل مفصلة من الجمع والفرق، ﴿فَمَن﴾ حضر ﴿مِنگم﴾ ذلك
الوقت، وبلغ مقام الشُّهود (١)، فَلْيمسك عن كلِّ شيء إلا له، وفيه، ومنه، وإليه.
﴿وَمَن كَانَ﴾ مبتلَى بأمراض القلب والحُجُب النفسانية المانعة عن الشُّهود، ﴿أَوْ
عَلَى سَفَرٍ﴾ وتوجَّه إلى ذلك المقام، فعليه مراتبُ أُخَر يقطعها حتى يصل إليه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ والوصولَ إلى مقام التوحيد، والاقتدارَ بقدرته ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾
وتكلُّفَ الأفعال بالنفس الضعيفة ﴿وَلِتُكْيِلُوا﴾ عدَّةَ المراتب، ولتعظّموا الله تعالى على
(١) مقام الشهود: هو رؤية الحق بالحق. التعريفات للجرجاني ص ١٧٠.

سُورَةُ الْبَقَة
١٥٨
التفسير الإشاري (١٨٩-١٨٩)
هدايته لكم إلى مقام الجمع ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بالاستقامة.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ المختصُّون بي، المنقطعون إليَّ عن معرفتي ﴿فَإِنِ
قَرِيبٌ﴾ منهم بلا أينَ ولا بينَ ولا اجتماع(١) ولا افتراق ﴿أُجِيبُ﴾ من يدعوني
بلسان الحال والاستعداد، بإعطائه ما اقتضى حاله واستعدادُه ﴿فَلَسْتَجِيبُوا لِ﴾
بتصفية استعدادهم، وليشاهدوني عند التصفية حين أتجلَّى في مرايا قلوبهم؛ لكي
يستقيموا في مقام الطمأنينة(٢) وحقائق التمكين(٣).
ولَمَّا كان للإنسان تلوّثاتٌ بحسب اختلاف الأسماء، فتارةً يكون بحكم غَلبات
الصِّفات الرُّوحانية في نهار الواردات الربانية، وحينئذ يصوم عن الحظوظ
الإنسانية، وتارةً يكون بحكم الدَّواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة
إلى ظُلُمات الصِّفات الحيوانية، وهذا وقتُ الغفلة الذي يتخلَّل ذلك الإمساك= أباح
له التنزّل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس، وهو الرَّفَثُ إلى النساء، وعلَّله بقوله
سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ أي: لا صبرَ لكم عنها بمقتضى الطبيعة؛
لكونها تُلابِسكم، وكونِكم تُلابسونَهُنَّ بالتعلُّق الضروري ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتُنقِصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية في
أزمنة السُّلوك والرياضة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ .
﴿فَلْتَنَ﴾ أي: وقتَ الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء ﴿بَشِرُوهُنَّ﴾ بقَدْر
الحاجة الضرورية ﴿وَأَبْتَغُوَا﴾ بقوّة هذه المباشرة ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من التقوى
والتمكّن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ﴾ في ليالي الصَّحْو، حتى يظهر لكم بوادرُ الحضور ولوامعُه، وتغلِبَ آثاره
(١) في (م): ولا إجماع.
(٢) مقام الطمأنينة: هو سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف:
((الصدق طمأنينة والكذب ريبة)) أي: الصدق يطمئن إليه قلب السامع ويجد عنده سكوناً إليه،
والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً، ومنه قوله وَله: ((البرّ ما اطمأن إليه القلب)) أي: سكن
إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه. تهذيب مدارج السالكين ص٥٠٣.
(٣) منزلة التمكن: هو القدرة على التصرف في الفعل والترك، وهو فوق الطمأنينة؛ لأنها تكون
مع نوع من المنازعة، فيطمئن القلب إلى ما يسكنه، وقد يتمكن فيه وقد لا يتمكن. تهذيب
مدارج السالکین ص٥٨٣.

الآية : ١٨٩
١٥٩
سُوَّةُ الْبََّةَ
وأنوارُه على سواد الغفلة وظلمتها، ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع
الحقِّ حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى، فإنَّ لكلِّ حاضر سهماً منها، ولولا ذلك
لتعطلت مصالح المعاش، وإليه الإشارة بخبر: ((لي مع الله وقتٌ لا يسعُني فيه مَلَكٌ
مقرَّب، ولا نبيُّ مرسل، ولي وقتٌ مع حفصةً وزينب))(١)، ولا تُقاربوهنَّ حال
اعتكافكم وحضوركم في مقامات القُربة والأُنس ومساجد القلوب.
﴿وَلَا تَأْكُوا﴾ أموال معارفكم ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بباطل شهوات النفس، وتُرسلوا بها
إلى حكّام النفوس الأمَّارة بالسُّوء ﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ طائفة ﴿مِّنْ أَمْوَلِ﴾ القُوى الرُّوحانية
بالظّلم، لصرفكم إيَّها في ملاذُ القُوى النفسانية ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذلك إثمٌ ووضعٌ
للشيء في غير موضعه.
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ وهي الطَّوالع القلبيةُ عند إشراق نور الرُّوحِ عليها ﴿قُلّ هِىَ
مَوَقِيتُ﴾ للسالكين يُعرف بها أوقاتُ وجوب المعاملة في سبيل الله وعزيمة السلوك،
وطوافُ بيت القلب، والوقوفُ في عرفة العرفان، والسعيُّ بين(٢) صفوة الصَّفا
ومروةٍ المروة.
وقيل: الأهلة للزاهدين مواقيتُ أورادهم، وللصَّدِّيقين مواقيتُ مراقباتهم،
والغالبُ على الأوَّلينَ القيامُ بظواهر الشريعة، وعلى الآخرين القيامُ بأحكام
الحقيقة، فإنْ تجلَّى عليهم بوصف الجلال طاشوا، وإنْ تجلَّى عليهم بوصف
الجمال عاشوا، فهو بين جلالٍ وجمالٍ، وخضوعٍ ودلالٍ، نفعنا الله تعالى بهم،
وأفاض علينا من بركاتهم.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ أخرج ابن جرير والبخاري عن
البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتَوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ
آلْبِرُّ﴾ الآية(٣). وكأنهم كانوا يتحرَّجون من الدخول من الباب من أجل سَقْف الباب
(١) أورده ملا علي القاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص٢٥٩ دون قوله: ولي
وقت مع حفصة وزينب. وقال: هو من كلام بعض الصوفية، وليس بحديث.
(٢) في (م): من.
(٣) صحيح البخاري (٤٥١٢)، وتفسير الطبري ٢٨٣/٣. وهو عند مسلم (٣٠٢٦).

سُورَةُ الجَّفَقَة
١٦٠
الآية : ١٨٩
أن يحول بينهم وبين السماء - كما صرَّح به الزُّهريُّ في رواية ابن جرير(١) عنه -
ويعدُّون فعلَهم ذلك برًّا، فبيَّن لهم أنه ليس ببرِّ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَنَّغَهُ﴾ أي: بِرَّ مَن
اتَّقَى المحارم والشهوات، أو: لكنَّ ذا البرِّ - أو البارَّ - مَن اتقى.
والظاهرُ أنَّ جملة النفي معطوفةٌ على مَقُولٍ ((قل))، فلا بد من الجامع بينهما،
فإمَّا أن يقال: إنهم سألوا عن الأمرين كيف ما اتفق، فجمع بينهما في الجواب بناءً
على الاجتماع الاتفاقي في السؤال، والأمرُ الثاني مقدَّرٌ إلا أنه تُرِك ذكرُه إيجازاً
واكتفاءً بدلالة الجواب عليه، وإيذاناً بأنَّ هذا الأمر مِمَّا لا ينبغي أن يقع فيُحتاجَ إلى
السؤال عنه.
أو يقال: إنَّ السؤال واقع عن الأهلة فقط، وهذا مستعملٌ: إمَّا على الحقيقة،
مذكورٌ للاستطراد، حيث ذَكَر مواقيت الحج، والمذكورُ أيضاً من أفعالهم فيه
إلا الحُمْس(٢)، أو للتنبيه على أن اللائق بحالهم أن يسألوا عن أمثال هذا الأمر،
ولا يتعرَّضوا بما لا يهمهم من(٣) أمر الأهلَّة. وإمّا على سبيل الاستعارة التمثيلية،
بأن يكون قد شبَّه حالهم في سؤالهم عمَّا لا يهم وتَرْكِ المهمِّ بحالٍ مَن ترك الباب
وأتى من غير الطريق؛ للتنبيه على تعكيسهم الأمرَ في هذا السؤال، فالمعنى: وليس
البرُّ بأن تَعكِسوا مسائلكم، ولكنَّ البرَّ مَن اتقى ذلك ولم يَجْسُر(٤) على مثله.
وجُوِّز أن يكون العطف على قوله سبحانه: ((يسألونك))، والجامعُ بينهما أنَّ
الأَول قولٌ لا ينبغي، والثاني فعلٌ لا ينبغي، وَقَعا من الأنصار على ما تحكيه بعض
الروايات.
﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأَ﴾ إذ ليس في العدول برٌّ، وباشِروا الأمور من
(١) في تفسيره ٢٨٦/٣.
(٢) في (م): الخمس، وهو خطأ. قال ابن حجر في الفتح ٦٢٢/٣: اتفقت الروايات على أن
الحمس كانوا لا يفعلون ذلك بخلاف غيرهم. وقال ابن الأثير في النهاية (حمس): الحمس
جمع الأحمس: وهم قريش، ومن ولدت قريش، وكنانة وجديلة قيس، سمّوا حمساً لأنهم
تحمسوا في دينهم، أي: تشدّدوا ... كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن
أهل الله، فلا نخرج من الحرم.
(٣) في (م): عن.
(٤) في (م): ولم يجبر.